[ ٣١٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السادس عشر
الرد على دعوى اهتمام المحدثين بنقد السند دون المتن
تعريف النقد لغةً واصطلاحًا
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ ثم أما بعد:
فالرّد على دعوى اهتمام المحدثين -رحمهم الله تعالى- بنقد سند الحديث دون المتن، وأنهم لم يوجهوا عنايتهم لدراسة المتن كما وجهوها لدراسة الإسناد.
النّقْدُ في اللُّغَةِ: هو تَمييزُ الجَيِّدِ من الرديء من النقود، وكلمة النّقد أو النّقدين تَدُلّ على ما كان يتعامل به الناس فيما بينهم في البيع والشراء من نقود وتبادل السلع والأسعار فيما بينهم.
الناقدُ للنّقود يُميز الأصلي منها من المزيف، يُميز الأصيلَ من الدخيل، انتقل التوسع اللغوي إلى كل مَن يميز بين أمرين؛ فمثلًا الجواهرجي نَذْهَب إليه بالذهب لينقده لنا، ما معنى يَنْقُد؟ ليُبَيّن لنا الزيف من الأصل، المزور من الأصلي الصّحيح، يقول: هذا ذهب حقيقي، وهذا ذهب مزيف ليس أصليًّا، ثم انتقل المعنى ليشمل كل تمييز للصحيح من الرديء في أي أمر، أو في أي عمل وفي أي ميدان.
ولذلك انتقل الأمر إلى المُحدثين فعَملية النّقد بالنِّسبة للسند أو بالنسبة للمتن إنما تُوضح السند الصحيح من السند غير الصحيح، أو المتن الصحيح من المتن غير الصحيح، إذن النقد هو تمييزُ الجَيّدِ من الرديء من كل شيء هو أصله اللُّغوي، كان في النقود ثم توسعوا فيه شيئًا فشيئًا تمييز الجيد من الرديء من الإبل، تمييز الجيد من الرديء من التمر، تمييز الجيد من الرديء من كذا، حتى وصلوا إلى الأحاديث ليتميز الصحيح من الضعيف منها، ولذلك هذا المعنى اللغوي في الأصل.
[ ٣١٥ ]
المعنى الاصطلاحي: نقد المتن معناه: تمييز المقبول منه من المردود في ضوء قواعد النّقد المُعتبرة التي اصطلح عليها أئمة الحديث ونقاده، ليحتكموا إليها في تمييز المتن الصحيح من المتن غير الصحيح، وكذلك الإسناد الصحيح من الإسناد غير الصحيح.
إذن المتن هو: ألْفَاظ الأَحَادِيث التِي تَشْتَمِلُ على معانيه، ما المقصود بالمتن في الحديث؟ هو: الألفاظ التي نقلها لنا الرواة منسوبة إلى النبي -ﷺ- التي تشتمل على المعاني التي ذكرها النبي -ﷺ- هذا هو المتن، ألفاظ الحديث التي تشتمل على المعاني، والمُراد بنقده تمييز المقبول منه من المردود على ضوء القواعد التي اصطلح عليها أهل العلم ليحتكموا إليها في تمييز المتن الصحيح من غيره.
السند: عبارة عن الرواة الذين نقلوا لنا الأحاديث عن النبي -ﷺ- بتسلسل يعني: راو عن راو يعني، مثلًا لو قلنا: إنّ البُخَارِيّ يروي الحديث عن النبي -ﷺ- وبينه وبين النّبي -ﷺ- إسناد رجال، كل تلميذ تلقى الحديث عن شيخه وأداه إلى تلميذه؛ فهؤلاء هم رجال الإسناد، أو يُعبر عنهم بإسناد الحديث أو برجال الحديث، أو بطريق الحديث، أي تعبير من هذا.
الضرورات التي تحتم على أهل العلم توجيه العناية إلى نقلة الأخبار
أستطيع أنْ أقُولَ بإيجَازٍ: هُناك ضرورات ثلاث حتمت على أهل العلم أن يوجهوا عنايةً فائقةً إلى نقلة الأخبار؛ أي خبر كان فضلًا عن أن يكون هذا الخبر هو حديثًا مرويًّا عن النبي -ﷺ-.
الضرورة العَقلية تحتم الاهتمام، لماذا؟ لأنّ واقِع النّاسِ يبين أن كثيرًا من العلاقات بينهم تقوم على الأخبار المتداولة المنقولة، في بيعهم، في شرائهم، في تَنَاكُحِهم، في صُلحهم، في خصامهم، في أكلهم، كل شيء يعتمد على الأخبار، على الأقوال.
[ ٣١٦ ]
مثلًا: فُلان يريد شراء هذا الأمر، فلان يريد بيع هذا الأمر، فلان يقول عنك كذا وكذا؛ فلان يسبك ويقول كذا إلى آخره، معاملات الناس أكثر من تسعين في المائة منها أخبار الباقي يعتمد على أنه رأى الأمر بنفسه أو درسه بنفسه أو قرأه إلى آخره، وأظن أنّ أيَ واحدٍ يَرْصُد الواقع يتأكد من هذه الحقيقة، وكم من علاقات تدمرت بسبب خبر كاذب نقل، كم من شريكين كانا أمينين متعاونين مُتحابين فنُقل خبر لأحدهما عن الآخر أفسد الود بينهما، وفسدت الشركة، كم من علاقة أسرية انفصمت بسبب خبر جاء من هنا أو من هناك، كم من صداقة قطعت إلى آخره.
وكل واحد من الناس له تجارب في هذا الصدد كثيرة تبين أهمية الأخبار وخطورتها، بل إنّ العلاقات بين الدول تتوقف على الرواية، وعلى نقل الأخبار، وآية الحجرات التي نعتبرها من الأدلة الرئيسة في ضرورة الاهتمام بالأخبار وبرواتها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ (الحجرات: ٦). يعني كادت أن تشتعل حرب بين المسلمين وبين غيرهم؛ لمجرد أن الناقل للخبر تصور أن القوم الذين خرجوا للقائه كأنهم خارجون لقتاله، فأخبر بذلك النبي -ﷺ- فكادت أن تشتعل الحرب، يعني: إلى هذا الحد تصل خطورة الأخبار أنها تتسبب في إشعال الحروب ليس بين الأفراد فحسب، بل بين الدول أيضًا.
إذن هذه ضرورة عقلية، ما دام العقل يرى هذا الخطر الداهم، وهذا الأثر البليغ للأخبار؛ فلا بد من التحقق منها ومن رواتها، الذي ينقل هذا الخبر ما هدفه؟ وما أخلاقه؟ وهل يكذب أو لا يكذب؟ إلى آخره.
أيضًا الضرورة الواقعية هي متممة للضرورة العقلية، ما دُمنا نَرَى أنّ الوَاقِع يَتوقف في كثير من جوانبه في بيعه وشرائه وحِلِّه وتِرحاله، وبُغضه وحُبّه،
[ ٣١٧ ]
وعَدَاوته وموالاته، كل ذلك يتوقف على الأخبار؛ إذن الواقع أيضًا يحتم الاهتمام بالأخبار ورواتها.
إذن، أيضًا الضرورة الشرعية، يعني: حينَ يَكُونُ الأمْرُ مُتعلقًا بالأخبار الشرعية، يَزْدَادُ الأمر خطورة، نحن قلنا في مناسبات كثيرة إننا حين نقول: قال رسول الله -ﷺ- فإن ما بعد هذا القول دين يجب اتباعه؛ فلا بد من التّحري أضيف إلى الضرورة العقلية وإلى الضرورة الواقعية ضرورة شرعية، وهي أن الأخبار المنقولة عن النبي -ﷺ- تمثل الدين الذي يجب علينا اتباعه؛ فهي إما تبين أمر الوارد في القرآن الكريم، أو تشرع أمرًا لم يرد له ذكر في القرآن الكريم وفي كِلْتَا الحَالتَينِ هي تتضمن أحكامًا هَامّة، وخَطيرة للناس في عقائدهم وفي عباداتهم؛ فلا بد من التحري فيها.
إذنْ، الاهْتِمَامُ بالسَّنَد الذي هو عبارة عن نقلة الأخبار اهتمام ضروري جدًّا، تُحَتّمه الضرورة العقلية، وتحتمه الضرورة الواقعية وتحتمه الضرورة الشرعية، حين تجد قومًا يهتمون بالأسانيد وبنقلة الأخبار ينبغي عليك أن تحمد هذا، وأن تُثني على هذا، وأن ترى هذا الصنيع العظيم من الأمة التي تُوَثِّقُ أخبارها ولا تقبلها من أي راو خصوصًَا إذا كان هذا الخبر المنقول جاءنا عن سيد الخلق -ﷺ- الذي يجب علينا اتباع أمره، واجتناب نواهيه؛ فلا يكون هذا مذمّة، ولا يقال: إن هذا عيب بل هذه محمدة عظيمة جدًّا، تدل على وعي الأمة وانتباهها، وإدراكها لقيمة مصادرها الشرعية، وأنها -يعني: هذه المصادر- تأخذ منها أحكامها الشرعية، في عقيدتها، وفي عباداتها، وفي معاملاتها إلى آخره.
إن من أسباب اتهام المُستشرقين للمُسلمين العِظام بهذا الاتهام؛ لأنهم ليست لهم أسانيد إلى متونهم، لا يَعرفون إلا المتن، ولذلك -كما ذكرت قبل- يعني: أنا أدرك أو أحس
[ ٣١٨ ]
أنهم يحسدوننا على النعم التي اجتبانا الله بها، ولا تُوجد عِندهم، وذَكرتُ رُبّما في الدرس السابق، أو الذي قبله أنّ المُستشرقين من أين أحاديثهم عن أنبيائهم التي وردت إليهم بالأسانيد المتصلة كما حدث مع نبينا -ﷺ-؟! لا يوجد عندهم؛ لذلك يحسدوننا فيعبرون عن هذا الحسد بإثارة الشبهات والاهتمامات.
إذن، الاهتمام بالسند هو الأصل وهو مسألة طبيعية جدًّا، لا ينبغي لأحد أن يُماري فيها؛ لأنه كما ذكرت الضرورات الشرعية تُحَتّم هذا، والضرورات العقلية والضرورات الواقعية التي أشرت إليها.
يقول الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتاب (منهج النقد عند المحدثين نشأته وتاريخه) نقلًا عن الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- وهذا الكلام موجود في (الرسالة) في الفقرة ٣٩٩ يقول الشافعي: ولا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه، إلّا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يُستدل على الصدق والكذب فيه بأن يُحَدّثَ المُحَدّث بما لا يَجُوز أن يكون مثله، أو ما يُخالفه وما هو أثبت وأكثر دلالة في الصدق منه.
يَقْصِدُ أن يقول: أكثر ما يستدل على صدق الحديث إنما بصدق المخبر وكذبه، وفي غير ذلك من الممكن أن ننظر في النص نفسه -في المتن- كما نقول عند المحدثين، هذا الإمام الشافعي يبين أنّ الاهتمام بالأسانيد وبنقلة الأخبار هو الأصل، والدكتور الأعظمي يوضح المسألة فيقول: إنّه لا يَشُكُّ عَاقِلٌ في وجود النبي -ﷺ- من الناحية التاريخية، وأنه عاش على هذه الأرض، ومن طبائع البشر الأكل والشرب والنوم وما إلى ذلك.
فإذا ورد في الحديث أنه -﵊- كان يأكل بيمينه، ويشرب في ثلاثة أنفاس، ويدعو بكذا عند نومه، وكذا عند استيقاظه؛ فكُلّ هذا ممكن عقلًا؛ كَمَا أنّ ضِدّه
[ ٣١٩ ]
مُمكن، جائز لرجل أن يأكل بيمينه أو بيساره، ويُمكن له أن يَشرب في نَفَس واحد أو نفسين، كذلك لا يستحيل دعاؤه، لكنه ليس هناك شيء يجبره على الدُّعاء.
أيضًا كُلُّ ذلك مِنَ النَّاحِية العَقْلية مُمكن، تدعو أو لا تدعو، تأكل أو لا تأكل، تأكل باليمين أو باليسار هذا في الميزان العقلي، ما الذي يُغلب جانبًا على آخر؟ ما الذي يُرَجِّحُ صدق رواية على أخرى؟ ما الذي يجعلنا نقول: إنّ الأكل باليمين هو الأصل الشرعي؟ لأنّ الروايات وردت بذلك؛ اعتمادًا على صدق الذين نقلوها لنا، وإلا من غير الصدق هذا تستوي كل الدلالات، إذا كان العقل هو الذي يعمل فقط يستوي هذا وذاك، في كثير من الأخبار هذا مثال توضيحي يبينه الدُّكتور الأعظمي؛ ليؤكد أن الاهتمام بالأسانيد أمر طبيعي، بل هو الأول.
وهذه المقولة التي قالها الدكتور الأعظمي وقالها غيره الدكتور محمد لقمان السلفي في اهتمام المحدثين بنقد الحديث أيضًا يبين أنّ السند هو الأصل، هو يتكلم عن فصل عقده، ونظرًا لأنّ العَقْلَ يُساوي بين الأخبار المنقولة من ناحية الصدق والكذب، إنّما يميل الأمر ناحية واحدة من اثنتين بِناءً على ما نثق به من أحوال المخبرين.
واحد أخبرني أنّ محمدًا سافر، والآخر أخبرني أنّ محمدًا لم يسافر، كيف سنفصل بين الروايتين؟ في ميزان العقل سواء؛ لكنّ الترجيح سيكون على أساس صفات المُخبر؛ قطعًا أي فطرة سليمة، وأي عقلٍ ناضِج سيقول: نأخذ بخبر الأصدق منهما والأعدل منهما، هذا أمر لا يختلف عليه اثنان إلا إذا كنا نحب الجدال لذات الجدال، أمّا إذا كنا نبحث عن الحق لنَتمَسّك به فإنّ البَدَاهَة والفِطْرَة -كما قُلت- والعقل يقولون: نقدم خبر أهل الصدق على أهل الكذب.
[ ٣٢٠ ]
وهذا الذي يَسير عليه العالم كله؛ إذن الاهتمام بالسند أمر طبيعي جدًّا؛ بل هو الاهتمام الأول، بل هو الأصل الذي تتوجه إليه العناية، ومن ثَمّ فإنّ اهتمام المحدثين بالأسانيد إنما هو اهتمام متوافق مع العقل ومع الواقع ومع الضرورة الشرعية والواقعية والعملية إلى آخر ما ذكرنا، وهذا أمر قد وفقهم الله إليه، وسبقوا إليه لدرجة أن حُسدوا عليه فلم يجد الحاسد إلا أن يشكك فيما حباهم الله به من تلك الميزات.
هل اهتمام العلماء بالسند كان على حساب عنايتهم بالمتن؟
لكنّ السُّؤال الذي ننتقل إليه بعد ذلك: هل اهتمامهم بالسند مع أنه الأصل ومع أنه الأول كان على حساب عنايتهم بالمتن، هذا ما يُرْجِف به المُرجفون، وهذا ما نتحدث حوله.
النقد عند المحدثين دار حول ثلاثة: دار حول الراوي، ودار حول السند، ودار حول المتن. فنقدوا الراوي ونقدوا السند ونقدوا المتن، كيف؟
قد يَشْتَبه القول بأنّ عِندنا نقدًا للراوي ونقدًا للسند وهما ليسا شيئًا واحدًا، نقد الراوي أي: نقد الراوي على حدة مثلًا: حدثني سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد. مَن هو سفيان بن عيينة؟ وما هي صفاته؟ طبعًا هو عالم كبير أنا أضربه فقط لمجرد مثال؛ هذا أبين معنى نقد الراوي. نقد الراوي أحوال الراوي من حيث الصدق والأمانة إذا اجْتَمَع عند الراوي الصدق والعدالة واجتمع له الضبط الدّقيق، فقد حاز على لقب الثِّقَة وروايته صحيحة.
ماذا يعني نقد السند؟ نَقْدُ السَّنَدِ يَعني نقد السند جملة، السّند عبارة عن مجموعة من الرُّواة، قد يكون كل راو منهم عدلًا لكن هل التقوا ببعضهم؟ هل لا يوجد في السند
[ ٣٢١ ]
انقطاع من أي زاوية أو من أي مكان؟ طبعًا عند المحدثين اصطلاحات تبين الخلل في الإسناد، وعلم دراسة الأسانيد هو عبارة عن التّأكُد من استيفاء شروط الصحة الخمسة، التي اصطلح عليها العلماء لصحة السند، وهي: اتصال السند، عدالة الرواة، ضبط الرواة، خلو الحديث من الشذوذ، خلو الحديث من العلة القادحة.
قد يسلم الرواة ولا يسلم الإسناد ككل. وهذا معنى قولنا: "نقد الرواة ونقد السند"، ولذلك نجد بعضَ العُلماء يقول: هذا إسناد رجاله موثقون؛ فنجد بعض الباحثين يحمل هذه الكلمة على صحة الإسناد، لا، لماذا عدل العالم الجهبذ الكبير عن قوله: هذا إسناد صحيح، إلى قوله مثلًا: هذا إسناد رجاله ثِقَات؟
رجاله ثقات معناه: أن العالم الذي حكم بهذا الحكم قد اطمأن إلى أحوال الرواة من ناحية العدالة والضبط، فدرسها واطمأن إلى أنه من الثقات؛ لكن لم يطمئن إلى بقية شروط الإسناد من اتصال السند، بمعنى أن يكون كل راو قد أخذ الحديث عن شيخه، بمعنى خلو الإسناد من الشذوذ ومن العلة القادحة إلخ.
فقد يكون الرواة موثقين لكن بقية الشروط لم تتحقق؛ وهذا معنى أنه يلزمنا أن ندرس الراوي على حدة، وأن ندرس السند وأن ندرس المتن، وهذه الدراسة أوجدت قواعد عند علماء الحديث لنقد الراوي ونقد السند، ونقد المتن، إذن الدراسة الحديثية اقتضت دراسة الثلاثة ونقد الثلاثة، واقتضت وضع الضوابط لدراسة الثلاثة: نقد الراوي، نقد السند، نقد المتن.
[ ٣٢٢ ]
نقد المتن، والقواعد الضابطة لنقده
ننتقل الآن إلى نقد المتن.
أقول: منذ عصر الصحابة أنفسهم والاهتمام بنقد المتن، أود أن أوضح أن المثال المضروب لمجرد توضيح أصل مسألة بصرف النظر عن الصواب مع أي جهة عبد الله بن عمر -﵄- يروي الحديث في الصحيحين أيضًا: «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه». أمنا عائشة ردت وقالت: "إن هذا كان في يهودية تعذب وهم يبكون عليها، أمنا عائشة تقول: "إن الميت ليُعذّب، وإنّ أهْلَهُ ليَبْكُون عليه"؛ نلتفت إلى الفرق بين الروايتين: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه" أي: بسبب بكائه عليه، لكن الرواية الأخرى تقول: إن الميت يعذب في نفس الوقت الذي يبكي عليه أهله ولو كانوا يعلمون الحقيقة لما بكوا عليه، وإنما عملوا على تخفيف العناء عنه، والعذاب مثلًا بالدعاء له إلخ.
أمنا عائشة هذا مما انتقدته هو هنا نقد للمتن واستدلت على ذلك بالقرآن الكريم، قالت: أين هذا من قول الله -﵎-: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: ١٦٤) أو ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (النجم: ٣٨) يعني: رأت أن عذاب الميت ببكاء أهله عليه إنما هو تعذيب بسبب ذنوب آخرين هو ليس مسئولًا عنها، سيتعارض مع الآية.
هذا النّقد يعني أمنا عائشة ليس الحق معها في هذا النقد هو هنا المثال المضروب، ما هو المثال المضروب؟ أن حقه قد حدث نقد للمتن في ضوء القرآن الكريم، يعني هي رأت الرواية التي رواها عبد الله بن عمر -﵄- تتعارض مع القرآن الكريم بصرف النظر -كما قلت- في أول الكلام الصواب مع مَن، والخطأ مع مَن؟ المهم أنه قد حدث نقد للمتن.
نقد المتن بدأ من الصحابة الحديث بروايتيه، صحيح الرواية التي انتقدتها أمنا
[ ٣٢٣ ]
عائشة صحيحة، وقد شرحها العلماء. وقد قال العلماء: إنه يُعَذّب بِبُكاء أهله عليه، إذا كان قد علم بذلك ورضي به، أو إذا كان قد وصى به، خصوصًا أنّ ذلك كان من عادات أهل الجاهلية، المفاخرة وتعداد المآثر للأموات، أما إذا عُلم بأنه وصى بعدم ذلك، أو سَجّل بأنه لا يرضى هذا فهذا لا فإذن الحديث له محمل صحيح في معناه فلا يُرَدّ.
لكنْ يَبْقَى المِثَالُ المَضروب هو أنه -كما قُلت- مِثالٌ على أن حركة النقد للمتن وليس الإسناد، من ناحية الإسناد جيل الصحابة كلهم عدول، ونحن بعد في جيل الصحابة لم تتعدد طبقات الإسناد، ما زلنا مع الطبقة الأولى التي هي أجل الطبقات، وأعظم الطبقات وهي طبقة الصحابة بإجماع الأمة؛ فلم يكن يُكَذِّبُ بعضهم بعضًا إنما الاعتراض كان على متن الحديث.
لما أبو هريرة روى حديث: «مَن تبع جنازة حتى تدفن فله قيراط، ومَن تبعها حتى يصلى عليها فلها قيراطان» كأنه استعظم الأجر، فسأل أمنا عائشة، فصدقت أبا هريرة، فقال بعد ذلك: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة".
أيضًا المَرأة التي طَلّقها زوجها ثلاثًا هل لها سُكنى ولها نفقة، فظاهر القرآن: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (الطلاق: ٦).
فاطمة بنت قيس قالت: طلقني زوجي ثلاثًا على عهد النبي -ﷺ- فقال الرسول -ﷺ-: «لا سكنى لك ولا نفقة». فقال عمر -﵁- قال: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة". لم يطعن في عدالتها، صحابية جليلة؛ لعلها حفظت أو نسيت، هنا نقد للمتن أيضًا.
بل إنه بدأً من عصر التابعين بدأ وضع القواعد الضابطة لنقد المتن: يعني: من عصر التابعين وخصوصًا العصر المُتأخر للتابعين بعد أن بدأ الوضع يظهر هم
[ ٣٢٤ ]
يقسمون التابعين إلى ثلاث طبقات: "كبار التابعين، أوساط التابعين، وصغار التابعين" كبار التابعين تكاد تكون حلقةً متممةً للصحابة في عدالتهم، وفي نقائهم، وفي صدقهم، وأوساط التابعين يقتربون من هذا.
وأيضًا التّابِعُون كَكُل فهم من الأجيال الممدوحة؛ لكن مع أواخر التابعين الذين امتد عصرهم إلى سنة مائة وخمسين هجرية، ورُبّما إلى بعد ذلك على خلاف في انتهاء عصر التابعين متى يكون؟ المشهور أنه سنة ١٥٠ وهناك من قال بعد ذلك بناء على أن أحد التابعين مات سنة ١٨٠ أو ١٨١. وهذه قضية عالجها السيوطي في (تدريب الراوي) وهو يتكلم عن التابعين لمن أراد أن يرجع.
المهم: مع نهاية عصر التابعين يعني اتسعت الدولة، وبدأ الوضع وبدأت الخلافات المذهبية، فأصبحتْ الحَاجَةُ إلى تمييز الحديث سندًا ومتنًا، من الحاجات المُلِحّة في واقع الأمة، ومن الضرورات التي حَتّمت دِراسة السند ودراسة المتن معًا، وبدأت القواعد الضابطة تتبلور في مَن الذين نقبل روايتهم كالرجال، ومن الذين لا نقبل روايتهم.
قال ابن مهدي: إني لأدعو اللهَ لقومٍ قَدْ تَركْتُ حَديثَهم.
والمهم أنّ نَقْدَ المتن بدأ من عصر الصحابة ذاته، وتطور إلى أن تبلور تقريبًا مع التابعين وتابعي التابعين؛ إلى أن أخذ الشكل النهائي في القواعد التي يحتكم إليها في نقد المتن.
أيضًا نَدخل الآن إلى عصر الضوابط التي وضعوها لتبين اهتمامهم بالمتن كما اهتموا بالسند؛ من بين هذه الضوابط: التفرقة بين حديث الثقة وحديث الصدوق. ما هو الأساس الذي تمت عليه هذه التفرقة؟
نحن قلنا: إنّ الثِّقَة هو مَن جمع بين العدالة والضبط. العدل: هو المسلم البالغ العاقل الخالي من الفسق ومن خوارم المروءة، وهذا أمر يدرس في المصطلح.
[ ٣٢٥ ]
تجتمع له العدالة تأكدنا من إسلامه وبلوغه وعقله، وخلوه من الفسق ومن خوارم المروءة، فأصبح عدلًا. هل العدل ثقة؟ لا لا بُدّ من الضبط، الضبط هو أن يؤدي الحديث كما تلقاه بدون زيادة أو نقصان، وبتغيير أو تبديل. يؤدي الحديث كما تلقاه من شيخه بدون زيادة أو نقصان.
هذا تعريف الضبط، كيف يعرف؟ المسألة اقتضتني أن أتكلم عن معنى الصدوق والضبط؛ لأبين أن هذه القاعدة مما تتصل بضبط المتن؛ ردًّا على الذين يقولون: إن العناية اتجهت للسند فقط، لم ينتبهوا إلى هذه القواعد، الثقة مَن جمع بين العدالة والضبط، هناك أناس ثبتت لهم العدالة، الرجل في قمة الصلاح لكن لم يكن ضبطه دقيقًا، إن خف ضبطه قليلًا أصبح صدوقًا نزَل عن منزلة الثقة إلى الصدوق، ويصبح حديثه حسنًا بعد أن كان صحيحًا لو كان تام الضبط.
ولذلك الحديث الحسن يختلف عن الحديث الصحيح في هذه المسألة فقط، شروطه هي واحدة:
"اتصال السند، عدالة الرواة، ضبط الرواة، خلو الحديث من الشذوذ، خلو الحديث من العلل القادحة". غير ما في الأمر أن الضبط في الحديث الحسن قد نزل قليلًا بدرجة محتملة.
كيف عرفنا أن هذا نزل من رتبة الثقة إلى الصدوق؟ خفة الضبط أو كثرته ليست لها معايير "ترمومترية" فيه أدق من المعايير ليس هناك ترمومتر، إنما الترمومتر هو استقراء أحاديثه، أخطأ في كم، وهذا الاستقراء يتم بمقارنة روايات غيره. نفس الحديث هذا ورد من طرق أخرى؛ لماذا خالفهم؟ إذا كثرت مخالفته قد يصل إلى درجة الضعف الذي لا يقبل، وهناك من أنواع خلل الضبط الذي ترد الرواية بسببه؛ فحين يُفَرِّقُون بين حديث الثقة، وحديث الصدوق، فهذا تفريق تم على
[ ٣٢٦ ]
أساس المتن، على أساس ولو كثرت مخالفته يصبح ضعيف الضبط ينتقل حديثه إلى درجة الضعيف.
حين تنظر في هذه القاعدة ولا تنتبه إلى دلالتها على نقد المتن، وتراها أنها في ضوء نقد السند فقط، فالذي لا يُسْتَوعبُ هو المتهم وليست القاعدة، وليس جُهد علماء الأمة، الذينَ وَضَعُوا هذه المصطلحات لضبط المتن ولضبط السند، ولذلك في ضوء هذا أقول: تأتي عبارة ابن مهدي التي ذكرتها، وقلت: إنه يقول: إني لأدعو الله لقوم قد تركت حديثهم.
وهناك عبارات أخرى عن يحيى بن معين: "إنا لنطعن على رجال ربما حطوا رواحلهم في الجنة".
ورواية أخرى: "إنا لنطعن على رجال، وإنا لنرجو شفاعتهم أمام الله يوم القيامة". هذه العبارات ما مدلولها؟ مدلولها أن هؤلاء الرجال ثبتت لهم العدالة؛ لكنّ الضّبْطَ قد اختل، وهو أمر متعلق بالمتن، لم يخدعنا صلاحهم، ولم ننجرف بعواطفنا وبحبنا وبتقديرنا لصلاحهم إلى أن ننسى الرواية والمتن؛ فنُحِبُّهم لعدالتهم، لكنَّنَا نخشى على الرواية، ولذلك قالوا في وصفهم: "لهم صلاحهم وعلى الرواية غفلتهم، أو خفة ضبطهم".
لذلك هم يردون حديثهم في نفس الوقت الذين يرجون شفاعتهم أمام الله يوم القيامة، في نفس الوقت الذي يعتقدون فيه أنه ربما قد حطوا رواحلهم في الجنة، في نفس الوقت الذين يدعون الله تعالى لهم لصلاحهم لكنهم يتركون حديثهم.
أرجو أن أكون قد وفقت في بيان علاقة هذه القاعدة بنقد المتن حتى لا يتقول متقول أن علماء الحديث قد اهتموا بدراسة الإسناد دون المتن.
[ ٣٢٧ ]
قاعدة أخرى تفرقتهم بين قولهم: هذا حديث صحيح أو حسن وبين قولهم: هذا حديث صحيح الإسناد، هذه أيضًا تتعلق بالمتن، حين تقول: هذا حديث صحيح الإسناد، فمعناه أنك قد اطمأننت إلى صحة الإسناد من اتصال السند، ومن عدالة الرواة، ومن ضبط الرواة، لكن هل يلزم من صحة الإسناد أن يكون المتن صحيحًا؟ لا، أنت لم تنظر في المتن، هل خلَا الحديث من الشذوذ أو العلة القادحة؟ وكثير من صور الشذوذ تكون متعلقة بالمتن، وكثير من صور العلة القادحة تكون متعلقة بالمتن أيضًا كما سنبينه.
إذن حين يضعون قاعدةً يفرقون بمقتضاها بين قولهم: هذا صحيح الإسناد، وبين قولهم: هذا حديث صحيح، فإنما ذلك من العناية بالمتن، والذي لا يفهم هو حر، ينظر إلى نفسه، لكن القاعدة واضحة، لماذا لم يقولوا: إنه حين يحكم على الحديث بأنه صحيح الإسناد تلزم صحة المتن؟ لا، وإن كان في الأعم الأغلب العلاقة بينهما واضحة، لكن أيضًا يوجد حالات قد يسلم الإسناد، ومع ذلك تبقى في المتن علة تمنع القول بصحته -كما سنبينه- لكن القاعدة الآن التي أشير إليها هي ترد على فِرية عناية المحدثين بالإسناد دون المتن.
هذا وللحديث بقية.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
[ ٣٢٨ ]