[ ٣٦٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس التاسع عشر
(رد شبهات المستشرقين ودفع افتراءاتهم تجاه السنة)
رد شبهة: أن الأحاديث وُضعت نتيجة لتطور المسلمين
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فنتكلم عن بعض شبه المستشرقين تجاه السنة:
هناك شبه كثيرة أثارها المستشرقون تجاه السنة، ونقلها عنهم كثيرٌ من الذين تأثروا بالدراسات الاستشراقية حول الإسلام بشكل عام، وحول السنة بشكل خاص.
من الشبه التي وضعوها في ذلك: قولهم: إن الأحاديث وُضعت في القرنين الأول والثاني نتيجة لتطور المسلمين، هذه شبهة.
شبهة أخرى تقول: إن الأمراء الأمويين والعباسيين بدءًا من معاوية -رضي الله تعالى عنه- واستمرارًا مع الدولة الأموية ومع الدولة العباسية، استغلوا بعض علماء المسلمين لوضع الأحاديث؛ مساندة لهم، وإعانة لهم على تثبيت ملكهم، والرد على مناوئيهم وعلى خصومهم، وما إلى ذلك.
شبهة ثالثة تقول: إن حملة الإسلام من الصحابة ومن التابعين، كانوا جنودًا للأمراء في ذلك؛ يعني: استعانوا بالعلماء الكبار المتخصصين الذين يحبهم الناس ويستمعون إليهم، استعان الأمراء بهم في تحقيق هذه الغاية من وضع الأحاديث في تثبيت ملكهم وإعانتهم على خصومهم ونحو ذلك.
يقولون أيضًا: إن بعض علماء المسلمين استجادوا الكذب؛ تأكيدًا لهذه الأمور، أو إثباتًا لها.
ثم أيضًا من شبههم: يسوقون بعض الأدلة التي يرونها تؤكد هذا الاتهام؛ من أن العلماء المسلمين أرادوا أن يوفروا للأمراء والحكام مستنداتٍ شرعيةً تعينهم على إقامة الحجج على مناوئيهم، وعلى تدعيم ملكهم، وتثبيت أركان حكمهم، وما إلى ذلك.
[ ٣٦٩ ]
هذه بعض الشبه، وإذا اتسع الوقت للرد على شبهٍ أخرى نرد عليها بإذن الله، ونرد على الشبه واحدةً واحدةً.
من المعلوم أن الذي تولى كبر هذا الأمر هو "جولد تسيهر" في كتبه المعروفة عن الإسلام ونحوه، وفي التفسير والحديث، وما إلى ذلك، وهذه الكتب كانت مصدرًا لكثير ممن كتبوا في هذه المسألة بعد ذلك ونقلوا عنه هذه الأفكار، واعتبروها أفكارًا علمية تقوم على البحث، وعلى تأكيد الأمور بالأدلة الشرعية من خلال كتب المسلمين، هو ينقل من كتب المسلمين وكأنه يوهمنا أنه يعتمد أو أنه لم يأتِ بهذه الأقوال التي يعتمدها فرية على المسلمين، وإنما هي تعتمد على نقول أو نصوص منقولة من كتبهم ومنسوبة إليهم.
يقول "جولد تسيهر" -نحن لا ننقل الكلام بالنص-: إن القسم الأول من السنة أو الأكبر من السنة ليس إلا نتيجة للتطور الديني والسياسي والاجتماعي للإسلام في القرنين الأول والثاني الهجريين؛ يعني: كلما حدث تطور سياسي اجتماعي ديني في حياة المسلمين وضعوا له الأحاديث، بإيحاء من الخلفاء أو بأمر منهم، أو بأي ظروف تدعو إلى هذا الوضع الذي ينسجم مع هذا التطور الذي حدث في حياة الأمم؛ يعني مثلًا: حدث خلاف بين سيدنا علي وسيدنا معاوية -﵄- الأمراء والحكام استعانوا ببعض العلماء لوضع أحاديث تؤيد موقف الأمويين مثلًا، وتنتقد موقف الذين ساندوا عليًّا -﵁- إذا حدث تطور اقتصادي وضعوا أحاديث تُواكب هذا التطور الاقتصادي ليقننوه وليشرّعوه -على حد زعم الزاعمين من هؤلاء المفترين-.
هذه الفِرية، كيف نرد عليها؟ نقول: يكذبها واقع المسلمين، كيف ذلك؟
أولًا: النبي -ﷺ- حين انتقل إلى الرفيق الأعلى، كانت قد تمت معالم الدين وكمل
[ ٣٧٠ ]
بنيانه، فلا مجال لإضافة أو حذف بعد ذلك أيضًا لا من خلال القرآن الكريم ولا من خلال السنة المطهرة، الله -﷿- سجل ملته على عباده باكتمال هذا الدين وبتمامه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) فالقول بأن العلماء المسلمين أو الأمراء أو أي شخص، قد وضع حديثًا أو نصًّا يساعد أو يتوافق مع التطور الذي حدث في حياة الأمة، هذا قول زائف، لا نجد عليه أدلةً أبدًا، وسنرد على ما زعموه أنه أدلة وبعض شبهات هذا الأمر.
لكن أردنا أن نوضح أن النبي -ﷺ- حين هاجر إلى المدينة بدأ بتأسيس الدولة الإسلامية، وضع لها القواعد والأسس التي بنى عليها المسلمون بعد ذلك وأسسوا عليها دولة الإسلام، وكل بلد يفتحه الله تعالى على المسلمين يتّبع الصحابة ويتبع المسلمين فيه المنهج الذي أخذوه عن رسول الله -ﷺ- من إقامة الشرع وإقامة الحدود ومن بناء المساجد ومن الفصل بين الرجال والنساء ومن العفة والطهارة والاستقامة، دولة قد تحددت معالمها وتبينت أسسها، والله -﷿- هو الذي وضع تلك الأسس والنبي -ﷺ- قام بتنفيذها؛ ولذلك نقول نحن: إن مجتمع المسلمين صنعة إلهية، يعني: حدد الله للأمة الإسلامية كيف تصوغ مجتمعها وتبنيه، ولا دخلَ لأحد أبدًا في هذا البناء إلا من حيث أن يفهم النصوص، وأن يطبقها على الوجه يرضي الله -﷿-.
إذن، الإسلام تم وكمل، هذا الإسلام تضمنه القرآن الكريم وتضمنته السنة المطهرة، هذا الإسلام لا مجال فيه للزيادة ولا للنقصان، هناك شرحٌ لبعض النصوص، نعم، هناك استنباط للأحكام منها، نعم، هناك اجتهاد في ضَوْء النصوص التي كملت وتمت، وليس بمعزل عنها ولا زائد عليها، نرجو أن نكون واضحين في ذلك.
[ ٣٧١ ]
الاجتهاد الذي تم والذي يتم والذي سيظل إلى يوم القيامة، هو اجتهاد في فهم النصوص وتطبيقها على ما يُستحدث في حياة الناس من وقائع، كان ذلك قديمًا وسيظل ذلك إلى يوم القيامة، إن تطور الحياة لا يتوقف، لكن هذا التطور أبدًا، لا يصطدم مع الأدلة الشرعية، بل ينبغي أن يكون خاضعًا لها ومحكومًا بها ومندرجًا تحتها.
الأمر استقر في حياة النبي -ﷺ- وتحددت معالم المجتمع وصار الخلفاء والحكام من بعد ذلك على هذا النهج الذي أسسه رسول الله -ﷺ- إذن لم يكن هناك مجال لئن تُوضع لَبَنات جديدة في بناء الإسلام؛ نتيجة لتطور الدين أو الاقتصادي أو السياسي كما يزعم الزاعمون.
إنما كانوا يأتون بالنصوص -وأنا ألح على هذه النقطة؛ لأنها تدحض فريتهم من أولها لآخرها- كانوا يأتون بنصوص يفهمونها ليطبقوها على المستحدثات في حياة الأمة، من الوقائع التي جاءت جديدة، وهذه مهمة أهل العلم؛ أن يدخلوا هذه الأمور المستحدثة تحت قواعدها الشرعية العامة الكلية المنظمة لها، وهذه النصوص جاءت وهذه القواعد جاءت في القرآن الكريم وفي حديث النبي -ﷺ- لا مجال إذًا لإضافة نصوص جديدة، لا من القرآن الكريم ولا من السنة المطهرة، كلا وحاشا.
ولكي أزيد المسألة توضيحًا أضرب بعض الأمثلة:
مثلًا في زماننا هذا وفي كل عصر تستحدث القضايا؛ من التبرع بالأعضاء، من أعمال البنوك، من نظام البورصة والمضاربة فيها، من بعض النظم الاجتماعية التي تأتي من شرق أو من غرب، من أنواع الأطعمة التي تأتي مستوردة من الخارج.
[ ٣٧٢ ]
أمور كثيرة جدًّا تستحدث في حياة الناس، ماذا يحدث من أهل العلم؟ هل يضعون لها أحاديث لكي تتواءم مع الشرع؟ أم يجتهدون في محاولة إدخالها تحت النصوص الشرعية القائمة الثابتة التي أجمعت عليها الأمة من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة؟
هذا مثال واضح جدًّا حين يقولون مثلًا: مَن يجيز تعامل البنوك؟ يقول: الأدلة كذا وكذا، من يحرّمها؟ الأدلة كذا وكذا، والاختلاف في فهم النصوص أمرٌ وارد؛ لأن هذا ما هو تعبدنا الله تعالى به؛ أن نجتهد في فهم النصوص، ليس مع النص، هناك فَرْق في الاجتهاد في النص والاجتهاد مع النص، الاجتهاد مع النص أن يقول النص كلامًا ويقول المجتهد كلامًا آخر: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء: ١١) يقول: نساوي بين المرأة والرجل، لا، أما أن نفهم الحكمة ومن وراء النص أو أن نفهم النص مثلًا: ملامسة النساء ناقضة للوضوء: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (النساء: ٤٣) ما المراد بالملامسة؟ هذا هو الاجتهاد في النص.
إذن، لا أحد يقول: إن الملامسة غير ناقضة؛ لأن الملامسة ونقضها للوضوء ثابتان بالقرآن الكريم، لكن ما المراد بالملامسة؟ هذا اجتهاد في فهم النص، قد يصيب صاحبه وقد يخطئ وهو في كلتا الحالتين مأجور، لكنه ليس اجتهادًا مع النص، إذًا الذي صنعه العلماء قديمًا وحديثًا: أنهم لم يضعوا أحاديث؛ لتناسب وتتواكب مع التطور الذي حدث في حياة المسلمين، وإنما يجتهدون في فهم النصوص التي بين أيديهم، ومحاولة تطبيقها على واقع المسلمين.
إذن، هذه فِرية، وكلنا نعلم أن أي حديث يُروى عن النبي -ﷺ- فإن الشرط الأول من شروط صحته: أن يكون الإسناد متصلًا إلى النبي -ﷺ- ما معنى الإسناد المتصل؟ يعني: أن يكون كل راو قد تلقى الحديث من شيخه الذي فوقه مباشرة
[ ٣٧٣ ]
بدون انقطاع في السند، بدون خلل، بدون فجوة، يعني: لا بد أن يتصل الإسناد أو السند من أول الراوي إلى النبي -ﷺ-.
البخاري مثلًا حين يروي الحديث في كتابه، فإنه يرويه عن شيخه، وشيخه يرويه عن شيخه، وهكذا، إذا كان بين النبي -ﷺ- سبعة ثمانية ستة خمسة، حسب علو الإسناد ونزوله، فلا بد أن نتأكد كأبناء للمدرسة الحديثية أن كل راوٍ قد تلقى الحديث من شيخه مباشرة بدون انقطاع، بالإضافة إلى دراستنا لأحوال الرواه وصدقهم وعدالتهم وأمانتهم .. إلى آخر ما نعلمه من مصطلح الحديث ومن شروط صحة الحديث.
إذن، كيف يأتي واحد بعد قرن أو اثنين ويضع حديثًا ولا تتنبه الأمة لذلك، وتوضع في مصادرها الصحيحة؟ قد يرد عليّ الآن بعض الناس ويقول: الوضاعون يأتون بأسانيدَ وربما يأتون بسلاسلَ الذهب المعروفة عند المحدثين في أسانيدهم؛ لينسبوا إليها الأحاديث الموضوعة.
أقول: حدث هذا، لكن علماء الأمة قد انتبهوا، ولم ينطلِ عليهم أبدًا أي حديث موضوع خدعهم، وميزوا الصحيح من الموضوع.
إذن عندنا أمور كثيرة تدل على أن هذه الفرية باطلة، فمفهوم التطور لم تضطر معه الأمة إلى وضع أحاديث -كما قلت- أن النبي -ﷺ- تركنا على المحجة البيضاء وأيضًا اتصال الأسانيد.
ثم نقول: ما هو التطور الذي فَرض على المسلمين وضع أحاديث تواكب هذا التطور في أي مجال سياسي أو اقتصادي، سبحان الله! اختلفت الأمة في عهد عثمان بعد مقتله -﵁- ليس في عهده بعد مقتله، واختلفت بعد ذلك، ووصل الخلاف في بعض الأحايين إلى القتال، وما اهتزت ثوابت الأمة، ولا تغيرت
[ ٣٧٤ ]
معالم المجتمع، الخلاف لم يفتح الباب لاهتزاز الثوابت، أيضًا اتسعت الدولة ودخلت أمم كثيرة في دين الله أفواجًا، غرب الصين كشرقٍ للأمة الإسلامية، أفغانستان وما بعدها، إلى المغرب إلى أواسط روسيا شمالًا، إلى جنوب أفريقيا جنوبًا .. إلى آخره. دولة واسعة جدًّا صلاتها واحدة، قِبلتها واحدة، صومها واحد، حجها واحد، قرآنها واحد، نبيها واحد، سنتها واحدة، لم يتغير شيء من ذلك أبدًا تحت وطأة التطور الذي يحدث داخل المجتمعات.
ثوابتها، في عقائدها، في أخلاقها، في عبادتها، في معاملتها، في ماليتها في أسس حلالها وحرامها، في الزواج، في الأسرة، في جمع المال، في إنفاق المال، كل ذلك ظل ثابتًا على رغم ما نشأ وطرأ على الأمة المسلمة وعلى أقطارها المتعددة من تطور كما يقول الزاعمون في كل مجالات الحياة، حدث تطور حتى في زماننا هذا؛ تبرج النساء فهل وضع العلماء أحاديث تسوّغ للناس التبرج؟ تعامل بعض الناس بالربا، فهل سمح أحد من أهل العلم أن يضع حديثًا ييسر للناس التعامل بالربا؟
هناك فرق بين أن تجتهد في أن هذه الصورة من التعاملات هي معاملات ربوية أو غير ربوية، هذا اجتهاد كما قلت، يعني: أن يقال مثلًا: معاملات البنوك ربوية أو غير ربوية، أنا لا أفتي الآن لكن أقول المسألة خلافية، لكن أحدًا من الذين قالوا بإباحتها لم يفهم أبدًا أنها ربا، ثم هو يجيزه ويسيغه للأمة لأنه ربا، اجتهاده انصب على أن هذا ليس من الربا المحرم، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه، هذه مسألة اجتهادية -كما قلت- لكن هل قال الرجل أنه ربا وأنا أسيغه اتساقًا مع تطور الأمة ولأن الظروف الاقتصادية أصبحت مضطرة إلى ذلك؟
لم يقل أحدًا بذلك أبدًا، إنما اجتهاده -كما قلت- كان منصبًّا على أنه ليس من الربا، لا العلماء المحدثون ولا الأقدمون وهم أشد من المحدثين ورعًا وتقوى
[ ٣٧٥ ]
وعلمًا لا يسمحون لأنفسهم أبدًا بأن يُضيفوا شيئًا إلى سنة النبي -ﷺ- اتساقًا مع بعض الظروف التي طرأت على المجتمع، كل ذلك لم يحدث أبدًا.
يقول الدكتور مصطفى السباعي -رحمه الله تعالى في هذا الصدد-: فما توفي رسول الله -ﷺ- إلا وقد كان الإسلام ناضجًا تامًّا، لا طفلًا يافعًا، كما يدعي هذا المستشرق "جولد تسيهر" نعم، لقد كان من آثار الفتوحات الإسلامية أن واجهت المسلمين جزئيات وحوادث لم يُنص على بعضها في القرآن والسنة، فأعملوا آراءهم فيها قياسًا واستنباطًا، حتى وضعوا الأحكام المناسبة لها وهم في ذلك لم يخرجوا عن دائرة الإسلام وتعاليمه، وحسبك -لا يزال كلام الشيخ موصولًا- أن تعلم مدى نضوج الإسلام في عصره الأول، أن عمر -﵁- سيطر على مملكتي كسرى وقيصر، وهما ما هما في الحضارة المدنية، فاستطاع أن يسوس أمورهم، ويحكم شعوبهم بأكمل وأعجب مما كان كسرى وقيصر يسوسان بها مملكتيهما.
أتُرى لو كان الإسلام طفلًا كيف كان يستطيع عمرُ حينئذٍ أن ينهض بهذا العلم، ويسوس ذلك المُلك الواسع، ويجعل له من النظم ما جعله ينعم بالأمن والسعادة ما لم ينعم بهما في عهد ملكيهما السابقين.
على أن الباحث المنصف يجد أن المسلمين في مختلف بقاع الأرض التي وصلوا إليها كانوا يتعبدون عبادة واحدة، ويتعاملون بأحكام واحدة، ويقيمون أسسَ بيوتهم وأسرهم على أساس واحد، وهكذا كانوا متّحدين في العبادات والمعاملات والعقيدة والعادات غالبًا، ولا يمكن أن يكون ذلك لو لم يكن لهم قبل مغادرتهم جزيرة العرب نظام تام ناضج وضع لهم أسس حياتهم في مختلف نواحيها.
ولو كان الحديث أو القسم الأكبر منه نتيجة للتطور الديني في القرنين الأولين لنجم حتمًا ألا تتحد عبادة المسلمين في شمال أفريقيا مع عبادة المسلم في جنوب
[ ٣٧٦ ]
الصين، إذ إن البيئة في كل منهما مختلفة عن الأخرى تمام الاختلاف، فكيف اتحدا في العبادة والتشريع والآداب، وبينهما من البُعد ما بينهما؟ يعني: لو أن هناك أحاديثَ توضع -قطعًا الظروف التي في شرق الصين غير الذي في المغرب من ناحية المناخ وتوفر المياه وما إلى ذلك ونظام الأكل والشرب واللباس، كان ممكن على هذا الزعم توضع مناهج لمن في الشرق غير المناهج التي للذين في الغرب.
إن كل المجتمعات الإسلامية طورت حياتها بما يتوافق مع شرع الإسلام، غيروا عاداتهم وتقاليدهم، وغيروا عاداتهم الاجتماعية في نظام النكاح، قطعًا الأمم التي كانت قبل الإسلام ودخلت الإسلام كانت لها عاداتها وتقاليدها، في نكاحها في طعامها في شرابها في كل ذلك، توحدت مع الإسلام وانسجمت معه، وانقادت له وخضعت لأحكامه، سبحان الله! هو الذي أثر، الإسلام لم يتأثر ولم توضع أحاديث توافق التطور الاجتماعي، بل بالعكس، انتهى الاحتكام إلى العادات وإلى التقاليد وإلى العرف الاجتماعي، من عهد الصحابة الاحتكام إلى الإسلام، وكل الدول التي دخلت الإسلام غيّرت مناهجها؛ لتتلقاها من الإسلام.
مَن كان عندهم عُري النساء تسترت نساؤهم، من كانوا يأكلون الحرام من المذبوحات أو من أنواع الأطعمة انتهى الأمر، من كانوا يشربون الخمور، من كانوا عندهم الزنا منتشر إلى آخره، كل هؤلاء تغيروا مع الإسلام. ولم يتغير الإسلام معهم ولم يضع نصوصًا تتوافق مع طبائعهم ومع عاداتهم الاجتماعية كما يزعم الزاعمون، بل إن هذه الأمم هي التي توافقت مع الإسلام، وخضعت وانقادت له، مما يدحض هذه الفرية من أساسها.
كيف تقول عن أمة مساحتها شاسعة من الصين شرقًا إلى المغرب غربًا، وكل ذلك والعادات واحدة والأخلاق واحدة والمعاملات واحدة والحلال والحرام واحد،
[ ٣٧٧ ]
وكل ذلك يقوم على أسس واحدة ولا ينكره منكر منهم أبدًا، صيامهم كما قلت في رمضان حجهم في ذي الحجة، هذا التطور الذي يتحدث عنه ذلك المستشرق أو غيره لم يحدث اختلافًا أبدًا ما بين مشرق ومغرب، وكان الأحرى به لو كان هذا التطور هو الذي يحكم لكانت الأمور قد تغيرت تمامًا، خصوصًا مع اختلاف البيئات والثقافات والظروف الاقتصادية والاجتماعية وغيرها ومع اختلاف الألسنة ومع اختلاف الشعوب.
أقول: العكس هو الذي حدث، كل هؤلاء قد انصهروا في بَوتقة واحدة، لا يحدث بينها خلاف في أمر أصيل من أمور الإسلام، وإنما الخلاف الذي حدث في جزئيات تتعلق بفهم النصوص في المقام الأول، إذًا هو اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، وتظل الأمة بمعالمها الأساسية ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، كل ذلك قد كان.
أيقال بعد ذلك: إن الأحاديث أو بعضها أو القسم الأكبر منها وضعت نتيجة لتطور المسلمين الديني أو السياسي، كلما استجدت لهم أمور سياسية وضعوا لها أحاديث، وكلما طرأت عليهم عادات اجتماعية وضعوا لها أحاديث!
هذا هراء وليس هناك دليل واحد عليه من واقع الأمة، وأين التباين بين آثار الأمة؟ وهؤلاء الذين رددوا هذا الكلام من وراء هذا المستشرق، أين اجتهادهم في دراسة تاريخ أممهم، وفي معرفة أحوال عاداتهم وأخلاقهم الاجتماعية؟ لماذا خُدعوا بهذا الكلام الذي لا أساسَ له من الصحة وكل واقع الأمة يبطله؟! كان أي حاكم من الدولة الأموية أو الدولة العباسية يحكم الدولة الواسعة كما ذكرنا، هل هناك نص واحد في أنه قد أبيح للشرق ما لم يبح للغرب، أو أن ما شرّع في الجنوب غير ما شرع في الشمال؟ كل ذلك لم يكن، وإنما العكس هو الصحيح.
[ ٣٧٨ ]
أقول: إن هذه الأمم قد انصهرت في بوتقة الإسلام، وأصبح الإسلام هو الحاكم لكل صغيرة وكبيرة في حياتنا.
وسيرًا مع هذا التطور مثلًا، لماذا في عصرنا هذا لا يوجد من يبيح للمسلمين الاختلاط بين الرجال والنساء؟ لماذا لم يوجد من يسمح لهم بالتبرج ويقول: إن التبرج حلال، لماذا لم يسمح التطور بأن يقال أن الظلم أصبح مستساغًا ومقبولًا؟ لماذا لم يضع أحد أحاديث كأن مثلًا الذبح بغير الطريقة الشرعية حلال ونأكله؟ لماذا ولماذا ولماذا؟ حتى في العصور المتأخرة التي لا أريد أن أقول: ضعف التمسك بالإسلام، الحمد الله هناك صحوة رشيدة وطيبة، لكن أقول: حدث تطور وبعض المسلمين تأثروا ببعض العادات التي جاءت من شرق أو من غرب، وهم يعلمون أنهم في استجابتهم هذه مخالفين للشرع.
لكن أحدًا لم يقل أبدًا: أن السفور هو الحلال والأصوات النشاز التي تصدر بين حين وآخر تحمل هذه الأفكار الرديئة، سرعان ما تنطفئ وتخبو، وتعود إلى جحورها مدحورة، ويظل الثابت هو الذي أجمعت عليه الأمة، من القرآن الكريم ومن أحاديث النبي -ﷺ-.
المستشرقون وصولًا إلى هذه الغاية يُحاولون أن يثيروا بعض الشبهات التي رددنا إليها، يعني مثلًا: قد يستعينون على أن هناك وضعًا للأحاديث في القرن الأول والثاني ببعض الشبهات، مثل قولهم: إن السنة قد تأخر تدوينها، وهذا فتح الباب للإضافة والزيادة والنقصان، وهذه فرية عالجناها في أكثر من درس من دروسنا في هذه المادة، ورددنا بالأدلة على هذه الفرية وأن السنة قد بُدئ في تدوينها من عصر النبي -ﷺ- وتتبعناها خلال العصور المتعددة، إلى أن وضعت رحالها -بعون من الله وتوفيقه- في رحلة تامة من الصياغة والحفظ والرعاية في بطون الكتب المعروفة لدينا الآن،
[ ٣٧٩ ]
ونحيل على هذه الدروس حتى لا نكرر ما قلناه قبل ذلك.
أيضًا، هناك مَن يقول: أن هناك وضعًا في السنة، ونحن لم ننكر هذا، وهناك عوامل من الظروف الاجتماعية التي نتحدث عنها أدت إلى الوضع، مثلًا كالاختلافات السياسية والذهبية كل ذلك حق، لكن الذي يقول ذلك عليه ألا يغفل أبدًا جهود الأمة في مقاومة ذلك الوضع، هل انطلى هذا الوضع على الأمة؟ هل قبلته؟ الحكام الذين يتقولون عليهم كانوا يتقربون إلى الله بدماء الزنادقة الذين يتجرءون على دين الله، بل إن العلماء المخلصين الذين يدافعون عن السنة ويذبون عنها كان من بين أساليبهم في مقاومة الوضع والوضاعين أن يشتكوا هؤلاء الوضاعين، ويرفعوا أمرهم إلى الحكام، والحكام يعاقبونهم، لم يفرحوا بوضعهم للأحاديث، بل هناك كثير من العبارات التي تفيد أن حكام الأمة مطمئنون إلى العلماء المخلصين الذين يذبون عن حياض السنة، ويتصدون لهؤلاء بالمرصاد، فالحكام والعلماء قاموا بدَوْرهم في مقاومة الوضع والوضاعين، إلى أن انتهت موجة الوضع والآن بين أيدينا كتب كثيرة في الأحاديث الموضوعة، وبيّنت علامتها إلى آخر ما نعلمه جميعًا.
إذن، لو أن هناك وضعًا للأحاديث، فليس ذلك دليلًا على أنه التطور الاجتماعي حدث، لا، الأمة تصدت، وأنا أعجب من بعض أقلام المسلمين التي تثير الشبهات حول الوضع مثلًا أو بعض الكتابات حول السنة، ولا ترد ولا تلتفت إلى الردود عليها، يعني: اقتنع بالشبهة ولم تلتفت إلى الردود عليها، نتكلم عن أن هناك وضعًا حدث وننسى عن عمد أو نتناسى عن عمد أن الأمة قد قاومت هذا الوضع، وتصدت له، وردت الوضاعين على أعقابهم مدحورين، وصارت لدينا كتب الآن تسجل الخزي عليهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن هؤلاء من الوضاعين وبمجرد أن نراه في سند حديث لا نقبل هذا السند أبدًا، ولا نقبل هذا المتن إذا كان ورد من طريقه هو فقط.
[ ٣٨٠ ]
أمور اتفقت عليها الأمة، فإذن فالمسيرة نقية وجلية، والتطور أبدًا لم يؤدِ للأمة في الوضع، بل ظل محكومًا في عصور الإسلام الأولى بالأدلة الشرعية المأخوذة من كتاب ربنا وسنة نبينا -ﷺ- بل نقول: إن هذه المجتمعات هي التي تطورت -إن جاز التعبير- بما يتوافق مع الإسلام وليس العكس، وتاريخ الأمة دليلٌ على ذلك، دليل جليّ واضح، والذي يستطيع أن يأتي بأن أي أمة دخلت في الإسلام، استمرت على تشريعاتها أو تغيرت فليأتِ لنا بأدلة ولن يجد إلى ذلك سبيلًا.
أيضًا، نقول ردًّا على هذه الفرية: إن أحدًا من علماء الأمة لا يستطيع ولا يقبل أن يخالف النص أبدًا، لا يستطيع أن يأتيَ بنص يواكب المجتمع المتطور أو ما شاكل ذلك، لا بد أن يعتمد على الدليل الصحيح، ومتى وجد الدليل الصحيح من القرآن الكريم والسنة المطهرة فالاحتكام إليه، إن أحدًا من علماء الأمة لم يكن ولم يحدث ذلك أبدًا إلى يوم القيامة، أن يقول مثلًا: إن هذا حديث ثبتت صحته عندي وأنا لا أعمل به. لماذا أقول هذا الكلام في الرد على هذه الفرية؟ لأبين أن الأمة قد اصطلحت على أن الاحتكام للقرآن الكريم وللحديث الصحيح بشروطه المعروفة عند الأمة كلها.
رد شبهة: أن الاختلاف بين المذاهب كان من أسباب الوضع
من الفرية أو الكذبات التي يقولها أيضًا: أن الاختلاف بين المذاهب كان من أسباب الوضع عند الأتباع وليس عند العلماء، واحد يضع حديثًا في تأييد أبي حنيفة في ذم الشيخين، هذا هراء لم تقف عنده الأمة كثيرًا، وصرنا نتندر به تندرًا يدل على سخف ما وقع منه، أما أن العلماء في اختلافهم قد التجئوا إلى أحاديث تؤيد مذهبهم، العلماء "أصحاب المذاهب"! أعوذ بالله هذه الفرية الظالمة.
[ ٣٨١ ]
العلماء المخلصون الجادون لا يستطيع أحد أبدًا أن يضع حديثًا، بل هم الذين تصدوا -كما ذكرنا- للوضّاعين ووضحوا أمرهم وغيّروا زيفهم إلى آخره، العلماء لا يستطيع أحد أبدًا أن يأتي بنص من عنده أو أن يصادر النص الأصلي الذي جاءه من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة، ومثلًا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- له كتاب طيب جدًّا اسمه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وأيضًا البيهقي له (اختلاف العلماء) وهكذا، كلهم يذكرون الأسباب التي بسببها اختلف العلماء، منها أن الدليل قد لا يصل إليهم، ومنها أنه قد ينسى، يعني: الصحابة أنفسهم على شدة معايشتهم للنبي -ﷺ- إما أنه بعض الأدلة لم تصل إليهم.
هل نتصور أن كل صحابي قد أحاط بكل أحاديث النبي -ﷺ-؟ هذا مستحيل، عندنا روايات تدل على أن بعض الأحكام قد فاتتهم، في قضية الاستئذان وميراث الجدة وغيرها، ولكن أحدًا أبدًا لم يحتَج إلى وضع أحاديث لا نتيجة التطور ولا غير التطور، ولا يوجد واحد من علماء الأمة -صغر أو كبر- يقبل ذلك، وحكّام الأمة الذين يحاولون أن يشوهوا صورتهم، لا نجد رواية واحدة تبيّن أن واحدًا من الحكام الأمويين أو العباسيين، واشتم في أحدهم ما شئت، ولا نوافقك لكن افترض، لكنك أبدًا لن تستطيع أن تأتي بدليل تبين أن هذا الخليفة مثلًا، قد أمر بوضع حديث أو حتى قبِلَ بحديث وُضِع له من غير أمرٍ منه.
وعندنا المهدي في قصة الحمام، لما كان يحب اللعب بالحمام، فواحد من الوضاعين قال: "لا سبق إلا في نصل أو حافر أو حمام"، قال: والله أشهد أن قفاك هذا قفا كذاب، بل إن المهدي ترك اللعب بالحمام بعد هذه الحادثة، التي فهم منها أن ذلك قد يدفع بعض الوضّاعين إلى مجاملة الحاكم في ذلك، أما أن الحاكم قد أمر أو رضي، فلم تجدًا أبدًا دليلًا على هذا.
حتى النصوص التي احتكموا إليها أو التي استشهد بها المستشرقون ومَن شايعهم
[ ٣٨٢ ]
في بعض هذه المواقف، هي من مصادر مزيفة، ويبترون التاريخ ويبترون النصوص من سياقها، يزيفون التاريخ، قد كنت أشرت في الدرس السابق إلى ملامح منهج المستشرقين، وهي ملامح تدمي القلب، على هذا الكذب والافتراء، الذي يجعلونه منهجًا علميًا ويخدعون به البعض.
اتهام الإمام ابن شهاب الزهري بوضع الأحاديث التي تخدم مصالح أمراء وحكام بني أمية
من العجيب أنهم يتجهون إلى أركان الرواية وإلى كبار علماء الأمة ليتهموهم في وضع الحديث مثل الزهري مثلًا، محمد بن يوسف بن شهاب الزهري المولود سنة ٥٠هـ والمتوفى سنة ١٢٤ أو ١٢٥هـ على خلافٍ في الروايات في تاريخ الوفاة، والرجل قرشي زهري من بني زهرة من أخوال النبي -ﷺ- وأحد كبار علماء الأمة، وأحد أركان الرواية، والقصص والروايات التي وردت في مهابة الأمراء له، وفي استعلائه بإيمانه وورعه وتقواه، وبخشيته لله، وحبه للنبي -ﷺ- على أي تُرهات فيما يزعمون؟! أنا أحيل أبنائي إلى أن ينتقدوا أو أن يقرءوا ترجمة ابن شهاب في (سير أعلام النبلاء) له فيه ترجمة واسعة وتهذيب الكمال وغيره، وانظروا إلى مكانة الزهري عند الأمة العامة، وعند الأمة الحكام والعلماء.
حديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام المسجد النبوي المسجد الأقصى» يعني: روايات وافتراءات مضحكة، وضعه تأييدًا لعبد الملك، حينما أراد أن يصرف الناس عن الحج إلى بيت الله الحرام، حين كان بيت الله الحرام تحت ولاية عبد الله بن الزبير. عبد الله بن الزبير بعد موت مروان بن الحكم سنة ٦٥ هـ دعا لنفسه، ودخلت بعض الأقاليم في خلافته، منها مصر والحجاز، فكانت الحجاز تحت ولايته، عبد الملك بن مروان كان في الشام، آل
[ ٣٨٣ ]
الأمر إليه، فأراد أن يمنع الناس من الذهاب إلى الدولة التي بها ي عبد الله بن الزبير حاكمًا يسيطر عليها، فأمر الزهري أن يضع أحاديث، ومنها ضمنها هذا الحديث، هكذا تقول الرواية.
هنا حقائق تاريخية نود أن نقولها:
عبد الملك بن مروان توفي سنة ٨٦ هـ وكان عمر الزهري حينئذٍ ستة وثلاثين عامًا وعاش الزهري بعد ذلك قريبًا من أربعين سنة وربما أكثر، مع كثير من الأمراء بعد عبد الملك؛ مع ابنه الوليد، وبعد الوليد سليمان، وبعد سليمان عمر بن عبد العزيز، إلخ، كلهم كانوا في موقع التلميذ بالنسبة له، يحسنون الاستماع إليه ويتلقون عنه، ويقدرونه قدره، وينزلونه منزلته ويعلمون أنه شيخهم الكبير، يؤدب أولادهم ويعلم أمراءهم، وكل ذلك من خلال الكتاب والسنة، وعلاقتهم به لم تخرج أبدًا عن كونها علاقة التلميذ بأستاذه.
هذا الأمر أن الزهري يضع هذا الحديث، هذه فِرية لأدلة كثيرة:
أولًا: ذكرنا سنّ الزهري، هو في خلافة الملك، حتى هناك خلاف كبير، يعني: في دخوله دمشق، هو أصلًا كما قلنا مدني من المدينة وهو أصل من مكة من بني زهرة، لكن رحل إلى أيه إلى الشام عبد الملك بن مروان مثلًا ستة وثمانين، عبد الله بن الزبير قتل سنة ٧٣هـ، سنة ٧٣هـ كان عمر الزهري ٢٣ سنة، فهل كان عالمًا كبيرًا جدًا جدًا، اتسعت مكانته بالعالم الإسلامي بحيث إذ وضع حديثًا كان يسكت عنه الناس، لأنه إذا فرض أن هذا الحديث وضع، فكان سيوضع في خلافة عبد الله بن الزبير، حتى يمتنع الناس عن الذهاب؛ لأنه بعد مقتل عبد الله بن الزبير سنة ٧٣ هجرية دخل الحجاز في خلافة بني أمية، بعد أن قتل عبد الله بن الزبير -﵁- وانتهت مسألة خلافته التي كان قد دعا إليها، وعاد الحجاز مرة ثانية بكل أقاليمه إلى لواء الدولة الأموية، في سنة ٧٣ هـ وفي مدة الخمس سنوات.
[ ٣٨٤ ]
وإذا قيل: إن عبد الله بن الزبير دعا لنفسه ٦٥ هـ وعمر الزهري كان ١٥ سنة، فهل وضع الزهري هذا الحديث الذين يزعمونه، سيكون ما بين سنة ٦٥ هـ إلى ٧٣ هـ لماذا لأن هذه المادة التي كانت الحجاز تحت ولاية عبد الله بن الزبير، وعلى زعمهم فعبد الملك يريد أن ينصرف الناس عن الذهاب إلى الحجاز، ويريد أن يخترع لهم مكانًا للحج جديدًا كما يزعم هؤلاء الزاعمون.
الرد -كما قلت- في طيات الكتب التاريخية، هذه الفترة كان الزهري صغيرًا صغيرًا جدًّا، ثم إن ملك أو خلافة عبد الله بن الزبير عادت إلى بني أمية، فلا حاجة أبدًا، ثم إن أحدًا لم يقل أبدًا في فهم حديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» أن الذهاب إلى المسجد الأقصى يعوض الذهاب إلى المسجد الحرام ويغني عنه ويسد عنه.
الحديث واضح الدلالة في أن هذه المساجد الثلاثة هي التي تُضرب إليها أكباد الإبل خاصة ليصلى فيها؛ لأنها هي الأماكن التي شرفها الله تعالى، وميزها بالأجر الزائد عن غيرها في الصلاة فيها، على تفاوت بينها في المرتبة، وكل العلماء مجمعون على أن أفضل المساجد المسجد الحرام ثم المسجد النبوي ثم المسجد الأقصى، هذه الممالأة لعبد الملك لم تدعُ أحدًا أن يقول: إن المسجد الأقصى أولى من الكعبة في أي شيء. هذا حديث واضح الدلالة هو صحيح أخشى أن يروج "جولد تسيهر" اليهودي لهذا الكلام؛ انتصارًا ليهوديته ليبين مثلًا أن المسجد الأقصى لم يكن في ملك المسلمين، أو ليوهم أنه أفضل من الكعبة أو ما شاكل ذلك؛ حتى ينصرف المسلمون عن احترام كعبتهم وعن الدفاع عنها إلى آخره.
أحيانًا الفرية تكون بتهافتها وضعفها وهوانها بحيث لا تستحق الرد عليها، ولولا أنها سجلت في كتب علمية، وأن بعض الدارسين قد تأثر بها ما كانت تحتاج لرد أبدًا.
[ ٣٨٥ ]
أيضًا من الردود التي نقولها: العلماء الخلفاء -هؤلاء وهؤلاء- من الورع والتقوى بحيث والله لا يقبل أحد منهم وضع حديث، ومهما قلت في حاكم أنه وقع في بعض الأخطاء من حكام الدولة الأموية أو الدولة العباسية، أنا لا أريد أن أنتقل إلى الخلفاء وسيرتهم، هذا بحث تاريخي، لكن على ما قد يقع في الدولة، فهي كانت دول إسلام، الحكم فيها لله، ولسنة النبي -ﷺ- وتحترم العلم والعلماء، حتى وإن اختلفت معهم أحيانًا وعاقبت بعضهم أحيانًا كما في خلق القرآن، والحدود مقامة، والشريعة مصانة، والنساء محجبات، والجهاد قائم، ماذا أقول؟ دول إسلامية بكل ما يعنيه الإسلام من شمول وفهم وتطبيق، فلا احتياج أبدًا إلى حديث يؤيد مذهبهم أو فكرهم أو يدعم دولتهم.
تدعيم دولتهم في المقام الأول كان يأتي من شدة تمسكهم بحديث الرسول -ﷺ- بالقرآن الكريم بالإسلام، هذه هي الشرعية التي كانت تؤهلهم للاستمرار على بقاء كرسي الحكم وحسن علاقة الرعية بهم؛ أنهم قائمون على حدود الله وعلى أمر الله، يقيمون شرع الله، لم تكن لهم شرعية غير ذلك أبدًا، لا من وضع حديث ولا من أي شيء من هذا الأمر.
معاوية صاحب النبي -ﷺ- وصهره أخو أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكتب له الوحي، وكتم سره -﵁ وأرضاه- معاوية يثبت له كل ما يثبت للصحابة -﵃- من العدالة ومن الصدق ومن الأمانة ومن العفة والطهارة، ومن الحرص على القرآن والسنة، أي افتراء عليه لا يجوز، أي خطأ في حقه مردود، هذا من كيد الشانئة المغرضين الرافضة، وإن شاء الله كيد الجميع مردود إلى نحورهم؛ يعني صفحة معاوية وصفحة أبي هريرة وغيرهم أكبر من أن تنالهم هذه الترهات.
أبو هريرة يضع حديثًا إرضاء لمعاوية!! الزهري في خلافة معاوية كان صغيرًا، معاوية مات سنة ستين والزهري كان عمره عشر سنوات، لا معاوية يحتاج؛ لأن
[ ٣٨٦ ]
الله ثبّت ملكه، ودولته كانت دولة إسلام، بل إن الحقائق التاريخية تقول: إن معاوية لم يدعُ لنفسه أبدًا بالخلافة في زمن علي -﵁- ولم يكن الخلاف بينهم قائمًا على الخلافة، فما نازع أحد عليًّا الخلافة أبدًا لا معاوية ولا غيره، إنما كان الخلاف بينهم على قتلة عثمان، وأقول: هذا أمر تاريخي، فحين انتهى الأمر إلى معاوية كان بإجماع الأمة، لم يكن محتاجًا أبدًا إلى حديث يؤيده ويعضّد ملكه، انتقل الأمر إليه بتنازل الحسن -﵁- وبموافقة الأمة كلها على ذلك، وبمبايعته له؛ ولذلك اصطلحت الأمة على تسمية هذا العام بعام الجماعة، فلا الواقع التاريخي ولا الظرف الزمني أتى فيه سيدنا معاوية كان محتاجًا إلى أن يوضع له حديث يعضد ملكه أو يثبت دعائم حكمه، كما يزعم الزاعمون إلخ.
أيضًا المستشرقون يقولون "جولدتستير ومن شايعه": لقد وضعوا أحاديث تؤيد الحكام مثل: «مَن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» وأنا لا أدري ماذا في هذا الحديث من الممالأة لحكام المسلمين، وحين يقول النبي -ﷺ-: «اسمعوا وأطيعوا، وإن تأمر عليكم عبد حبشي» وكل هذه أحاديث صحيحة في مصادرنا الصحيحة، وغير ذلك من الأحاديث، ونهى عن الخروج على ولي الأمر: «إلا أن تروا منه كفر بواحًا عندكم فيه من الله برهان» ماذا في هذه النصوص من ممالئة للحكام؟ إنه قيام بحق ولي الأمر وحفظ للجماعة من الاختلاف، محافظة على وحدة الأمة، محافظة للوقاية من الفتن، من التفكك.
إن الأمم غير المسلمة تضع في دساتيرها ما يحافظ على وحدة الأمة، ووحدة الأمة -كما يقال في زماننا هذا- أمنٌ قومي، غير مسموح لأحد أن يعبث به، كل الأمم تضع نصوصًا في دساتيرها تحافظ على وحدتها، وكما ذكرت: غير مسموح لأحد أبدًا أن يعبث بهذه الوحدة، وأن يعرض أمن الأمة للخطر، فهذه
[ ٣٨٧ ]
الأحاديث تحافظ على وحدة الأمة، ثم إن هناك أحاديث -لن أقول مقابلة- إنما متممة: مثلًا: "النصيحة للمسلمين"، لدرجة أن النصيحة أمر يبايع النبي -ﷺ- عليه الأمة، «بايعنا رسول الله -ﷺ- على السمع والطاعة، والمنشط والمكره، والنصيحة لكل مسلم»، الحديث الآخر: «النصح لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم».
إذن، هم حافظوا على وحدة الأمة، ولم يسكتوا على تجاوز الأمراء، بل نبهوهم، كل الأمر كان في أسلوب التصحيح، ليس بشدة تؤدي إلى فتنة: «مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطِع فبقلبه»، «الدين النصيحة، قلنا: لِمَن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم» إلخ. بل إن من مهمة الأنبياء هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ (الأعراف: ١٥٧) إلخ.
فهذه القواعد التي هي من مهمة الأنبياء، ومن مهمة الخلفاء بعدهم، ومن مهمة العلماء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنبي -ﷺ- نَهَى عن أن يطيع أحدًا في معصيته، بل إن النبي -ﷺ- بايع الصحابة على ذلك، في حديث الصحيحين "حديث عبادة بن الصامت" أن النبي -ﷺ- قال وحوله عصابة من أصحابه من أصحابه: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا بمفتر تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف» انظر إلى هذا القيد: «ولا تعصوا في معروف»، النبي -ﷺ- هو الذي يبايع الأمة على هذا الأمر: ألا يعصوا في معروف؛ يعني: لا بد أن تكون الطاعة في معروف،
[ ٣٨٨ ]
فإذا كانت في غير معروف فهي حرام، لماذا لم يكتب العلماء هذا القيد؟ وقالوا: ولا تعصوا فقط، لماذا لم يكتبوا حديث: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» لماذا لم يكتبوا "النصيحة للأمراء" وغيرهم؟
عندنا كتب في السيرة الشرعية تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فلم يكن هناك حكام الذين يحتاجون إلى وضع الأحاديث، ولم يكن هناك علماء الذين يقبلون ذلك، لو كانت هناك أمور توجه إليهم بذلك.
هذه فرية مردود عليها بما ذكرناه وكل الأحاديث التي وردت في ذلك وضحناها بشكل يوضح الفهم الصحيح لها من خلال أقوال الأمة، فشبه المستشرقين أن الأحاديث تطورت نتيجة تطور المسلمين إلخ، كل ذلك مردود عليه بالأدلة، وفرية مكذوبة، ونأسف أن ينخدع البعض بهذا الكلام الزائف، وفي الأمر تفاصيل أخرى ما أشرنا إليه كفاية ويقاس عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمدًا وعلى آله وصحبه.
[ ٣٨٩ ]