[ ٢٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثاني
(علاقة السنة بالقرآن الكريم)
دور السنة مع القرآن الكريم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
ف نتكلم عن مكانة أو علاقة السنة بالقرآن الكريم:
هذه السنة التي عرفناها وهي: ما جاءنا عن النبي -ﷺ- من قول أو فعل أو إقرار إلى آخر التعريف، ما دورها في التشريع؟ ما مكانتها، ما منزلتها؟ هل لها دور مع القرآن الكريم؟
هذا الموضوع مهم جدًّا؛ لأنه يعني يجيب على سؤال، هل من الممكن أن نكتفي بالقرآن الكريم عن السنة المطهرة؟ خصوصًا أننا بعد أن نشرح العلاقة بين القرآن الكريم، وعن دور السنة مع القرآن الكريم، وعن منزلتها في التشريع.
سنتعرض لبعض الشبهات التي تتعلق بهذا الموضوع، خصوصًا أن مادتنا هي دفاع عن السنة المطهرة، ونحن نعلم أنه توجد مدرسة، أو تحاول أن تسمي نفسها مدرسة الآن، وتسمي نفسها بالمدرسة القرآنية على زعمهم، وتزعم أنها من الممكن أن تكتفي بالقرآن الكريم، وتحاول أن تثير شبهًا حول منزلة السنة، وأن تستدل على موقفها، وأنها موافق للشرع.
نبدأ على كل ببيان دور السنة مع القرآن الكريم، نستطيع أن نقول عن هذا الموضوع يعني: نضع له عنوانًا، فنقول: علاقة السنة بالقرآن الكريم، أو إن شئنا قلنا: منزلة السنة من التشريع، أو إن شئنا قلنا: دور السنة مع القرآن الكريم، من أي عنوان من هذه العناوين نختاره، لكننا نتكلم عن مسألة هامة، كما قلنا تتعلق بمنزلة السنة، وأهميتها في حياة المسلمين، وفي دينهم، وفي ديناهم.
السنة لها أدوار مع القرآن الكريم، بادئ ذي بدئ ننطلق في هذا الأمر من المهمة، التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم لرسوله -ﷺ-، وهذه المهمة قد جاءت في أكثر
[ ٢٧ ]
من آية، في سورة النحل ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٤٤)، فالله تعالى قد فوَّض رسوله -ﷺ- في بيان القرآن الكريم للناس؛ وذلك بنص الآية التي أشرنا إليها.
وفي سورة النحل أيضًا قبل ذلك ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: ٦٤)، أنت الذي ستبين الكتاب يا رسول الله، وأنت الذي ستبين للناس ما اختلفوا فيه، فالمهمة المجملة الموجزة للسنة، ولرسول الله -ﷺ- هي أنها تبين القرآن الكريم في جزء من علاقتها بالقرآن الكريم، لكن هذه إشارة موجزة.
لكننا الآن ننتقل إلى التفصيل، فأنواع العلاقة بين القرآن الكريم وبين السنة المطهرة، يمكن حصرها في ثلاثة: أن تأتي السنة موافقة لما جاء في القرآن الكريم، هذه أول علاقة بين القرآن الكريم وبين السنة المطهرة، بمعنى: أن المعنى يأتي في القرآن الكريم، ويأتي أيضًا في السنة المطهرة، فمثلًا يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠)، ويأتي النبي -ﷺ-، ويقول: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يخذله، ولا يحقره» إلخ.
فأكد النبي -ﷺ- هذه الأخوة، بقوله -ﷺ-: «المسلم أخو المسلم»، «المسلم أخو المسلم» ما العلاقة بينه، وبين قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾؟ العلاقة علاقة توافق بمعنى: أن المعنى جاء في القرآن الكريم، ووافقته السنة المطهرة بقوله: -ﷺ-: «المسلم أخو المسلم» يعني: «المسلم أخو المسلم» هذا جزء من حديث طويل، رواه الإمام مسلم في كتاب البر والآداب والصلة، في باب تحريم ظلم المسلم.
[ ٢٨ ]
إذن العلاقة بين هذه الآية، وبين هذا الحديث هي علاقة الموافقة، وأيضًا في قوله -﵎-: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: ١٠٢) ونفس المعنى تقريبًا في قول النبي -ﷺ-: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه، لم يفلته»، هذا أيضًا حديث رواه الإمام البخاري في كتاب التفسير، باب تفسير سورة هود، ورواه الإمام مسلم في كتاب البر باب تحريم الظلم.
الآية قالت: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾ يعني: هذا عقاب ربك ﴿إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: بسبب ظلمها فإن عقابه أليم شديد، وكذلك قال النبي -ﷺ-: «إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته»، أي: لن يتركه بدون عقاب، فالآية والحديث توافقتا على إثبات المعنى المقصود، وهو أن عقاب الله شديد للظالمين إذا أخذهم، وأنه قد يتركهم بعض الوقت إملاءً لهم، أو لعلهم يراجعون أنفسهم، فإذا استمروا في غيهم وظلمهم فسوف يعاقبوا.
العلاقة في هذه الحالة علاقة توافق أو موافقة، وهذا دور للسنة مع القرآن الكريم، قد لا يقتنع به البعض قد يعقب البعض على هذا، فيقول: يكفينا القرآن، ولا نحتاج إلى أي شيء يوافقه، ومن ثم فإن هذا النوع من أنواع العلاقة بين القرآن الكريم، وبين السنة المطهرة لن يوضح الصورة تمامًا في أهمية السنة، أو في شدة الاحتياج إليها في الإسلام بشكل عام، وأنه لا يمكن الاستغناء عنها أبدًا، فنقول: ننتقل إلى النوع الثاني من أنواع العلاقة بين القرآن الكريم، وبين السنة المطهرة، هذه العلاقة أيضًا مأخوذة من الآيات، التي ذكرنها في سورة النحل، يعني: أن الله -﷿- ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل: ٦٤).
[ ٢٩ ]
إذن النبي -ﷺ- ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤)، فالذي يبين كتاب الله تعالى للخلق جميعًا إلى يوم القيامة، هو رسول الله -ﷺ-، وأعرف الخلق بمراد الله -﵎- الذي يبلغ عن الله هو خير خلق الله، وهو سيدنا محمد -ﷺ-، إذن السنة تبين القرآن الكريم، ولولا بيان السنة للقرآن الكريم لما استطعنا أن نفهمه، وبالتالي لما استطعنا أن نطبقه.
الأول: نتكلم عن أنواع البيان وأمثلة له، ثم نتكلم عن أهمية المسألة، هذه كلمة موجزة: السنة تبين القرآن الكريم، كيف تبينه؟ تبينه بأنواع من البيان كثيرة منها مثلًا: تفصيل المجمل يعني: السنة تفصل مجمل القرآن الكريم، الشيء يأتي مجملًا، وموجزًا في القرآن الكريم، لا نستطيع أن نفهم المراد منه إلا بعد تفصيله، فتتولى السنة ذلك التفصيل، من ذلك مثلًا: ما ورد في القرآن الكريم عن الصلاة، وأنا هنا سأختار الأمثلة من خلال أركان الإسلام لماذا؟ يعني: أريد أن أقول من خلال هذه الأمثلة، وهي أمثلة مختصرة أو قليلة جدًّا في هذه الجزئية بالذات، يعني أريد أن أقول: إننا لن نفهم أركان الإسلام ولن نستطيع أن نطبقها إلا في ضوء السنة.
فمثلًا: الركن الأول بعد الشهادتين وهو الصلاة، ماذا جاء في القرآن الكريم عنه؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: ١٠٣)، فالآية تحث المؤمنين على المحافظة على الصلاة في أوقاتها، وقال -سبحانه-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (البقرة: ٤٣) فعل أمر بإقامة الصلاة ورد في أكثر من سورة، وامتدح الله تعالى المؤمنين، فقال -سبحانه -: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (المؤمنون: ٩) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (المعارج: ٣٤)، وآيات كثيرة أيضًا تبين حث القرآن الكريم على الصلاة، وعلى أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر إلخ.
[ ٣٠ ]
هذه الآيات ماذا استفدنا منها؟ تبين أن الله تعالى قد أوجب الصلاة على المؤمنين، لكن لم يبين لنا أوقاتها، ولم يبين لنا الفرائض الواجبة علينا في كل يوم، ولم يبين عدد ركعات كل فرض، وأركان الصلاة، شروط الصلاة، سنن الصلاة غير ذلك مما يتعلق بالصلاة، جاءت السنة الشريفة، وفصلت ذلك المجمل، وعلمت الناس الصلاة، وعلمتهم كل ما يتعلق بتفصيلاتها، ولولا السنة لما عرفنا كيف نصلي، ونقولها بملء الفم لا نستطيع أن نصلي أبدًا الصلاة، التي نعرفها جميعًا بكل تفصيلاتها في ضوء القرآن الكريم وحده، وإنما لا بد من السنة، التي تبين لنا كيف تكون الصلاة بكل ما أشرنا إليه من تفصيلات.
ومثل ما نقوله عن الصلاة نقوله عن سائر العبادات، من زكاة، ومن صيام ومن حج، الزكاة أيضًا وردت الآيات تطلب: إيتاء الزكاة، وآيات كثيرة مدحت المتصدقين، ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعارج: ٢٤، ٢٥) إلى آخر الآيات، لكن ما هي تفصيلات الزكاة؟ من الذي يستطيع أن يستخرج لنا من القرآن زكاة الأموال مثلًا؟، يعني: يبين لنا نصابها يبين لنا القدر المطلوب إذا بلغ المال النصاب، يذكر لنا شروط إخراج الزكاة.
أيضًا زكاة الزروع والثمار ورد مجملًا ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (الأنعام: ١٤١) فقط، لكن التفصيلات في زكاة المواشي عروض التجارة الركاز، إلخ كل ذلك تكفلت ببيانه السنة المطهرة، وقل مثل ما شئت أو مثل ما قلنا عن الصلاة والزكاة، قل عن الصيام ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: ١٨٥) فليصمه فعل مضارع اقترن بلام الأمر فأفاد الوجوب، صيام رمضان واجب على كل مسلم ومسلمة، متى نبدأ الصيام؟ ومتى ننتهي؟ وما هي المفطرات، وما هي كذا وكذا؟ كل ذلك تكلفت ببيانه السنة وكذلك الحج.
[ ٣١ ]
والعلماء يقولون: إن القرآن الكريم قد ذكر أركان الحج في القرآن، يعني: قد ذكر أركان الحج في كثير من آياته، مثلًا: ذكر الله تعالى الطواف ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج: ٢٩)، وذكر السعي ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١٥٨)، وذكر الحلق والتقصير ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (الفتح: ٢٧)، ذكر الوقوف بعرفة ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ (البقرة: ١٩٩)، وهو أهم أركان الحج إلخ.
لكنه ترك التفصيلات للسنة، ذكره كركن بإجمال، لكن مثلًا هل نستطيع أن نعلم أن يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة؟ هل نعلم أن الوقوف على عرفة يبتدأ من الزوال، حتى المغرب، هل نعلم ماذا نقول في يوم عرفة؟ كل ذلك تكلفت ببيانه السنة المطهرة، أنا لا زلت أتكلم عن نوع واحد من أنواع بيان السنة المطهرة للقرآن الكريم، وهو تفصيل المجمل، وضربت أمثلة بالعبادات، أو بأركان الإسلام الأربعة بعد الشهادتين؛ لأبين أن أركان الإسلام، وما أدراك ما أركان الإسلام بنيانه الأول، الأساس في بنيانه، الذي لن يقبل عمل منه بعد ذلك إلا على أساس هذه الأركان، لن نستطيع أن نفهمها، ولا أن نطبقها إلا في ضوء السنة المطهرة.
فكأن الذي لن يفهم السنة، ولن يحتج بها لن يستطيع أن يصلي، ولن يستطيع أن يحج أو يصوم أو يؤدي زكاته إلخ وتفصيل المجمل أي: تفصيل مجمل القرآن من السنة لم يقتصر على أركان الإسلام فقط، أنا نضرب الأمثلة بأهم الأشياء، إنما إذا نزلت إلى أمثلة أخرى، فحدث ولا حرج، وأكرر أنني ما زلت في نوع واحد وهو تفصل المجمل، مثلًا: حين يقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَ ا﴾ (البقرة: ٢٧٥) ما هو الربا؟ وما هي الأصناف التي يدخلها، وما هي الأصناف التي لا يدخلها؟ حين يقول مثلًا: البيع ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ما هو البيع الحلال، وما صوره وما شروطه، وكيف يمضي ومتى يفسد ومتى يصح؟ إلى آخر.
[ ٣٢ ]
تفصيلات هي تفصيلات الحياة ذاتها، أيضًا مثلًا: حين يقول الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (النور: ٣٢) الناكح ماذا يفعل، من يخطب وما علاقته بها أثناء الخطبة، وبعد العقد وبعد الدخول؟ كيف يربي أولاده، كيف كيف؟ مال الإنسان الذي في جيبه، لن تزول قدم عبد يوم القيامة إلا بعد أن يسأل، ومن بين ما يسأل عنه، عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، يعني حركة اكتساب المال وحركة إنفاقه، واكتساب المال وإنفاقه هما معًا يمثلان جوانب الحركة الاقتصادية في المال لكل المجتمعات على وجه الأرض، المال في خلاصته عبارة عن اكتساب، وعبارة عن إنفاق.
ما هي صور المال الحلال التي يكتسب منها؟ وما هي صور المال الحرام التي يحرم عليه أن أن يتكسب منها؟ إلخ كل ذلك تكفلت ببيانه السنة المشرفة المطهرة، ونستطيع أن نمضي مع الأمثلة فيطول بنا المقام جدًّا، وأقول: وما زلنا مع النوع الأول من أنواع بيان السنة للقرآن، وهو تفصيل المجمل، إذن هذا نوع واحد من أنواع بيان السنة للقرآن، يبين لنا أن الناس في عبادتهم، وفي عقائدهم، وفي معاملاتهم، وفي تشريعاتهم، وفي علاقاتهم الاجتماعية يتوقف كل ذلك في أدائه الدقيق الصحيح على السنة المطهرة، ولولا ذلك لما استطعنا أن نقيم بنيان الإسلام.
تخصيص العام
تخصيص العام يعني: العام هذا لفظ ينطبق على الكثيرين، لو بقي على عمومه لطبقناه على كل الأفراد الذين ينطبق عليهم.
إذا أنا قلت مثلًا: كل الطلاب مطالبون بأن يذاكروا هذا الكتاب مثلًا، أي كتاب أقصد؟ كل الطلاب تشمل كل طالب لا أقول: في بلد ولا في كلية، في الدنيا ما دام طالبًا، فهو ينطبق عليه هذا القول؛ لأن لفظ الطلاب لفظ عام، ينطبق
[ ٣٣ ]
على كل طالب في الدنيا، فإذا جئت وقلت بعد: أقصد طلاب مثلًا جامعة كذا، ماذا فعلت جملة أقصد طلاب جامعة كذا مع الجملة الأولى: كل الطلاب مطالبون بأن يذاكروا هذا الكتاب؟
خصصتها ما معنى خصصتها؟ يعني: قصرت الحكم العام على بعض أفراده، بدل أن كان الحكم عامًّا يشمل كل من يدخل تحت هذا اللفظ، أو تحت هذا العموم اقتصر على بعض الأفراد، فأصبح المراد ليس كل الأفراد، الذين ينطبق عليهم اللفظ العام، وإنما بعض الأفراد فقط، لماذا صرفنا اللفظ العام عن عمومه؟ بذلك المخصص الذي جاء، ليخصص المعنى، أضرب مثالًا من تخصيص عام القرآن الكريم جاءت به السنة المطهرة، وهو مثال مشهور، وتتداوله كل كتب السنة.
في آية المواريث، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء: ١١) هذه آية عامة، الله يوصينا ويكلفنا ويأمرنا بأن يكون توزيع التركة على الوجه، الذي سيذكره ربنا بعد ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (النساء: ١١) إلى آخر الأحكام، الآية تشمل كل أصل موروث يرثه فرع وارث، لم تستثن أحدًا أبدًا، كل من سيورث سنسميه أصلًا موروثًا، توزيع إرثه على فروعه الوراثة سيكون على النحو المذكور في الآية.
هذا الأصل الموروث يشمل كل واحد، ما دام قد مات وانتقل إلى الرفيق الأعلى، فإن توزيع تركته سيكون على الوجه الذي تضمنته الآية، والآية التي بعدها وكل آيات المواريث، يدخل فيها الأنبياء؟ نعم ما الذي يجعلنا نخرج الأنبياء من الآية بظاهرها؟ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ يدخل فيها الأنبياء، يدخل فيها الأب الموروث، الذي قتله ابنه الوارث؟ نعم هات من خلال الآية ما يمنع
[ ٣٤ ]
ذلك، فلن تجد، عند اختلاف الديانتين هل يتم التوارث؟ نعم الآية لا تمنع، لكن جاءت مخصصات من السنة، لم يأت مخصص واحد وإنما مخصصات، فمثلًا: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» أو برواية أخرى «لا نورث ما تركناه صدقة» وهذا رواه الإمام البخاري في كتاب الفرائض، باب قوله: لا نورث، ورواه الإمام مسلم في كتاب الجهاد، باب قول النبي -ﷺ-: «لا نورث».
إذن الحديث إذا سألتك: ما علاقة هذا الحديث «لا نورث ما تركناه صدقة»، وفي بعض الروايات: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» ما علاقته بآية المواريث؟ خصص آية المواريث، الآية بظاهرها الأنبياء يدخلون فيها؛ لأنها لم تستثنهم، ولو لم يأت ذلك المخصص من السنة لطبقنا الآية، أو لطبقت الآية على الأنبياء أيضًا، لكن جاء الحديث وخصص الآية يعني: قصر الحكم على بعض الأفراد، واستثنى بعض الأفراد، ومن ضمن الذين استثنوا هم الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-.
طيب هل اقتصر التخصيص على هذا الحديث فقط؟ لا حديث آخر: «لا يرث القاتل»، وهذا رواه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في (مسنده) في جزء واحد ص٤٩، ورواه أبو داود في كتاب الديات يعني: القاتل ما دام قد قتل أصله الموروث، سواء كان بغرض أن يرث أو بأي غرض آخر، فما دام قد قتله فإنه لا يرثه، حتى ولو كان من أصحاب الفروض، كأن يكون ابنًا أو أخًا أو زوجًا أو زوجة، ما دام قد قتل فإن القتل منع الإرث؛ ولذلك علماء الفرائض يدرسون لطلابهم موانع الإرث، ومن بينها ألا يكون الوارث قد قتل أصله الموروث.
يعني: خصصنا الأنبياء استثنينا الأنبياء، واستثنينا أيضًا القاتل، استثنينا «الكافر لا يرث المسلم، والمسلم لا يرث الكافر»، وهذا نص الحديث: «لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر مسلمًا»، وهذا رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-
[ ٣٥ ]
في كتاب الفرائض باب: لا يرث المسلم الكافر، وأيضًا رواه الإمام مسلم في أول كتاب الفرائض، من حديث أسامة بن زيد -رضي الله تعالى عنهما، إذن أصبح للآية ثلاثة مخصصات.
المخصص الأول: حديث «لا نورث ما تركناه صدقة»، والمخصص الثاني: «لا يرث القاتل»، والمخصص الثالث: «لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر مسلما»، وكأن معنى الآية بعد هذه المخصصات، أو بعد هذا التخصيص كله، هو أن كل موروث من أب أو أم، أو أي موروث يرثه أبناؤه، أو يرثه أصحاب الفروض، يرثونه إلا أن يكون الموروث نبيًّا فإن الأنبياء لا يورثون، وإلا أن يكون الوارث قاتلًا لأصله الموروث، فإنه في هذه الحالة لا يرث، وإلا أن يختلف الدين بين المورث أو بين الموروث والوارث، فإن في هذه الحالة لا توارث، ويقتصر الأمر على ما سوى ذلك من أصحاب الفروض على الوجه، الذي ذكرته الآية كما ذكرنا.
ولولا السنة لطبقنا الآية على غير مراد الله، فالذي بين مراد الله تعالى، وكما قلنا: هو أعلم الخلق بمراد الله هو رسول الله -ﷺ- الذي هو المبلغ عن الله، وهو الذي أوكل الله تعالى إليه بيان مهمة ما في القرآن الكريم، وهو الذي نأخذ عنه بيانه للقرآن الكريم؛ ولذلك اصطلح العلماء جميعًا على أن أولى التفاسير، التي يفسر بها الآية القرآن يفسر بعضه بعضًا، ثم ننتقل إلى السنة، فإن رسول الله -ﷺ- هو أعلم الأمة بمراد ربه -جل في علاه-.
هذا مثال آخر لتخصيص العام في سورة الأنعام، نزل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: ٨٢) هذه الآية معناها بإيجاز: أن الذين لهم الأمن ولهم الهداية هم فقط، الذين آمنوا،
[ ٣٦ ]
ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ما معنى لم يلبسوا؟ الذين آمنوا ولم يلبسوا: أي ولم يخلطوا إيمانهم بأي نوع من أنواع الظلم، هؤلاء فقط الذين لهم الأمن ولهم الهداية.
ما هو الظلم؟ الظلم هو وضع الشيء في غير محله، أي شيء تضعه في غير محله هذا ظلم، هذا المعنى العام للظلم، من يستعمل نعمة البصر في غير ما خلقت له بأن يسلطها مثلًا للنظر على الحرام، أو انتهاك الحرمات، أو ما شاكل ذلك هذا ظلم؛ لأنه استعمال للنعمة في غير ما خلقها الله، أو ما أراده الله لها، أيضًا من يسلط نعمة السمع فيستمع للحرام، ولا يستمع للذكر أو للقرآن أو العلم، أو ما شاكل ذلك هذا ظلم.
وهكذا لو استعرضنا صور الظلم سنجده يشمل كل جوانب حياتنا، فأي شيء تستعمله، وتضعه في غير محله الشرعي، فأنت ظالم على هذا المعنى، هل يوجد أحد من المسلمين لم يظلم نفسه؟ كلنا قد وقع في الظلم بشكل أو بآخر، ومن الذي لم يفعل يومًا أمرًا، أو لم يضع شيئًا في غير موضعه؛ لذلك؛ ولأن الصحابة يفهمون هذا المعنى العام للظلم، وأقول: المعنى العام؛ لأننا أمام مثال لتخصيص العام، وجلت قلوبهم واضطربت أفئدتهم، خافوا أهؤلاء فقط الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، هؤلاء فقط الذين لهم الأمن ولهم الهداية؟ إذن هم لقليل.
ولذلك خافوا ورفعوا الأمر إلى النبي -ﷺ-، والحديث عند البخاري رواه بسنده إلى عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: «لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (الأنعام: ٨٢) قلنا -أي: الصحابة-: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ -أي من منا الذي لم يظلم نفسه- قال -ﷺ- هنا يوضح لهم هذا بيان السنة للقرآن يوضح لهم الآية والمقصود بها، ويخصصها لهم كما سنقول فيقول لهم -ﷺ-: ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم أي: بشرك أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾» (لقمان: ١٣)؟ هذه الآية في سورة لقمان جاءت في القرآن على لسان لقمان، وهو يعظ ابنه.
[ ٣٧ ]
إذن النبي -ﷺ- فسر الظلم في آية الأنعام ليس بالظلم العام، وهو وضع الشيء في غير محله، وإنما قصره على بعض أفراده يعني: ليس المراد كل أفراد الظلم أو كل أنواع الظلم، وإنما المراد بعض أنواعه فقط وهو الشرك، واستدل على هذا المعنى بقول الله تعالى على لسان لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: ١٣)، وأيضًا الشرك ظلم؛ لأن الشرك في هذه الحالة وضع للعبادة في غير محلها، يعني: هو من أنواع الظلم العام أيضًا، وينطبق عليه ذلك؛ لأنه كما قلنا: وضع للعبادة في غير محلها.
والمهم أن حديث: «ليس كما تقولون»، وفسر الشرك بالظلم، واستدل على ذلك بآية لقمان، إنما هو تخصيص من السنة لعام القرآن الكريم، السنة تفصل مجمل القرآن الكريم، وتبين أو تخصص عامه.
هذا نوع يسمى تفصيل المجمل، وهذا نوع آخر يسمى تخصيص العام، وبالمناسبة فعند الأصوليين معاني محددة لكل واحد من هؤلاء، وأنا أطلب من طلاب العلم الذين يسمعونني الآن أن يعودوا إلى كتب الأصول التخصصية، بدل أن أطيل عليهم بشرح هذه النصوص، ما هو المجمل وما هو التفصيل، وما هو المفصل؟ وما هو العام، وما هو الخاص وكيف يخصص؟ إلخ، وما الفرق بين العام المخصوص، وبين العام الذي أريد به الخصوص؟ مصطلحات يجدر بأهل العلم أن يفهموها وأن يعرفوها؛ حتى تتضح المعاني الشرعية في أذهانهم.
لكن هنا نحن نضرب الأمثلة، ونوضح بإيجاز مخافة الاستطراد إلى تخصصات أخرى، وأرجو أن نكون على ذكر مما نقوله الآن، نحن قلنا في علاقة رئيسة: السنة توافق القرآن، ثم انتقلنا إلى السنة تبين القرآن، ونتكلم عن بيان السنة للقرآن الكريم.
تقييد المطلق
أيضًا من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم: تقييد المطلق:
المطلق يعني: شيء مفتوح هو ليس عامًّا يعني: لا ينطبق على أفراد كثيرين، وإنما هو يمكن أن تقول: هو شيء واحد يتكون من أجزاء فيقيد، ولو لم يأت التقييد لبقي على إطلاقه، وبالمثال يتضح المقال.
من أمثلته في القرآن الكريم: قول الله -﵎- وهذا أيضًا مثال مشهور، تتداوله كتب المصطلح وكتب السنة كلها ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٨)، الآية هنا
[ ٣٨ ]
تتحدث عن أن عقوبة السارق هي قطع اليد، وأنا إذا أخذت الآية بظاهرها وطبقتها، فستكون كالأتي أي سرقة سأقطع اليد فيها، بلغت النصاب أو لم تبلغه؛ لأن الآية لم تشر إلى ذلك، ثم إذا نظرت إلى مدلول كلمة اليد في اللغة، وفي الاصطلاح أيضًا، في المفهوم الشرعي أقصد.
اليد تشمل من أول الأصابع حتى الكتف، ولو أن المستمع الكريم، الذي يسمعني الآن وضع يده أمامه كمثال توضيحي، فإنه سيجد الأصابع، والأصابع تمثل جزء من اليد، ثم بعد الأصابع الكف، وله بطن وله ظهر، وبعد الكف الرسغ، وهما العظمتان الناتئان بعد الكف مباشرة، ومن أول الرسغ هذا إلى المرفق، المسافة التي بينهما تسمى الساعد، ثم المرفق ومن المرفق إلى المنكب يسمى العضد، ما بعد المرفق أي: ما بعد الجزء الذي نتوضأ أو هو نهاية وضوئنا إلى المنكب، الذي أعلى الكتف هذا يسمى عضد، ثم المنكب وهو نقطة التقاء العضد مع الكتف، التقاء الكتف مع العضد يسمى منكب، من أول المنكب حتى الأصابع هذه مكونات اليد، هذه أجزاء اليد.
أعود إلى الآية ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَ﴾ لاحظوا معي أن الآية قالت: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَ﴾ ولم تقل: فاقطعوا يديهما، إذن أنا سأطبق الآية، كما وردت سأقطع اليدين معًا لكل سارق مع السرقة الأولى؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَ﴾ ولم يقل: فاقطعوا يديهما، وإذن هما اليدان وليس المقطوع يدًا واحدة على ظاهر الآية، ثم سأقطع كل ما تشمله كلمة اليد من مدلول لغوي، ومن مدلول شرعي، من أول الأصابع حتى المنكب في السرقة الواحدة.
هذا هو ظاهر الآية أو هذا هو المعنى المطلق في الآية، جاءت السنة وقيدت هذا الإطلاق، قيدته بشكل عملي، لما أتي بالسارق للنبي -ﷺ-، كيف طبق الحد؟ وأكرر مرةً أخرى أن خير الخلق -ﷺ- هو أعلم، وأعرف الأمة بمراد الله -﷿- هو الذي سيبين القرآن الكريم، ونحن الآن نتكلم عن بيان السنة للقرآن الكريم، كيف طبق الحد؟
أولًا: تأكد من النصاب، وهو الذي أشار إلى النصاب في أحاديث كثيرة، لا تقطع اليد إلا في ربع دينار، أو في ثلاثة دراهم من الفضة ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة لكن كما
[ ٣٩ ]
قلت: لو أخذنا الآية بظاهرها سنقطع اليدين معًا من كل سارق، ومن أول الأصابع إلى المنكب، جاءت السنة «ولما أتي بالسارق إلى النبي -ﷺ- طبق الحد» كيف طبقه؟ «قطع اليد الواحدة بمقدار الكف فقط» إذن هذا الحديث موجود في كتب السنة عند البيهقي، وعند الإمام أحمد وغيره «أتي بسارق إلى النبي -ﷺ- فقطع يده من مفصل الكف» نحن قلنا عليها: الرسغ،، نسميها مفصل الكف، ومن يد واحدة.
فلولا السنة لما استطعنا إقامة الحد على وجهه الصحيح، وأيضًا الأمثلة على تقييد السنة المطهرة للقرآن الكريم كثيرة، لكنني أشير إلى بعض الأمثلة فقط؛ لنبين دور السنة مع القرآن الكريم.
توضيح المبهم
النوع الرابع: من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم، توضيح المشكل، ويسميه بعض العلماء توضيح المبهم، وذلك بأن تكون هناك بعض الألفاظ في القرآن الكريم يعني: لا نفهم معناها أو لا يفهم البعض معناها، فتوضحها لنا السنة المشرفة.
ومن أمثلة ذلك في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (البقرة: ١٨٧) ما هو المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود، روى البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى سهل بن سعد -﵁- قال: نزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، ولم يكن قد نزل قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ يعني: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾.
فيقول سهل بن سعد -﵁-: وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله
[ ٤٠ ]
بعدها ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، والنبي -ﷺ- وضح لهم يعني: في الرواية أن المراد بالخيط الأبيض هو بياض النهار، وأن المراد بالخيط الأسود هو سواد الليل، وأن الحد الفاصل بينهما أي: الذي ينتهي عنده سواد الليل، ويبدأ بياض النهار هو الفجر، ومن ثم فإن المسلمين يبدءون صومهم من الفجر.
إذن بعض الصحابة فهم أن المراد بالخيط الأبيض، أنه خيط أبيض فعلًا على ظاهر اللفظ، وأن المراد بالخيط الأسود هو الخيط الأسود، ويأتي بحبلين يربطهما أو بخيطين يربطهما في رجليه: الخيط الأبيض والخيط الأسود، ويظل يأكل حتى يستطيع أن يفرق بينهما أي: أن يفرق بين الخيط الأبيض والخيط الأسود، ومعنى ذلك أنه سيظل يأكل حتى يرتفع النهار كثيرًا؛ لكي يتمكن من التمييز بين الخيط الأبيض، والخيط الأسود، فبينت السنة المطهرة أن المراد بالخيطين: إنما هو بياض النهار وسواد الليل، ونزلت جملة ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ لتبين أن التحديد الزمني، الذي يبدأ عنده انتهاء سواد الليل وابتداء بياض النهار، إنما هو الفجر، وكما قلنا: فإن الصوم يبدأ من الفجر ويستمر حتى المغرب.
إذن هذا مثال لتوضيح السنة لمشكل القرآن الكريم، أو لمبهم القرآن الكريم، كما قد يسميه البعض، أيضًا يعني يصلح كمثال لذلك، ما ذكرناه في تفسير الظلم في الآية بالشرك، آية الأنعام ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: ٨٢).
قلنا يعني: تفسير الظلم بالشرك هو نوع من تخصيص عام القرآن، ولا بأس من أن يصلح المثال للأمرين معًا، فهو مثال يصلح لتفسير الظلم بالشرك، يصلح كنوع من أنواع التخصيص، ويصلح أيضًا لأن يكون مثالًا لتوضيح المبهم، أو لتوضيح المشكل من الألفاظ القرآنية، التي قد يصعب على بعض الأفهام أن تستوعبها للمرة الأولى، فتحتاج إلى من يوضحها له، وتقوم السنة المطهرة بهذا الأمر.
[ ٤١ ]
إذن السنة المطهرة تبين القرآن الكريم بواحد من أنواع البيان، الذي أشرنا إليه بالتفصيل وهي: تفصيل المجمل، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتوضيح المشكل أو توضيح المبهم، وأنا أوثر التعبير بتوضيح المشكل بدل التعبير بتوضيح المبهم؛ لأني لا أقبل أن يكون في القرآن مبهم لا نستطيع أن نفهمه، إنما المشكل هو ما أشكل علينا نحن بمعنى: أن العيب فينا، وليس في الألفاظ القرآنية والعياذ بالله، كلا وحاشا، لكن على كل حال لا مانع من استعمال اللفظ؛ لأن هذه المصطلحات، ولا مشاحة في الاصطلاح، والمهم أن نوضح معناها.
والأهم أن نعرف أن دور السنة خطير، وأن القرآن الكريم يتوقف في فهمه على السنة المطهرة، وما دام القرآن الكريم يتوقف في فهمه على السنة، فإنه يتوقف في تطبيقه؛ لأن التطبيق والعمل فرع عن الفهم، نفهم أولًا ثم نعمل ثانيًا؛ ولذلك فإن خطورة من يدعون، أو من يزعمون بأنه من الممكن أن يكتفوا بالقرآن وحده الخطورة بأنهم يهاجمون القرآن نفسه بهذه المقولة، وهذا أمر سنزيده توضيحًا مع توالي الدروس، بإذن الله -﵎-.
لأنه معنى كلامهم: أن يتجمد القرآن عن التطبيق أن يتوقف عن التطبيق أن يتعطل عن التطبيق يعني: هو محفوظ كنص مقدس، لا بأس بأن نقرأه في صلاتنا، بأن نقرأه في قيامنا، بأن نقرأه على أمواتنا كما يقول البعض مثلًا، إذن لا مشكلة، لكن أن ينزل القرآن إلى واقع الحياة؛ ليقود حركة حياة المسلم في كل جانب من جوانبها، وفي كل شأن من شئونها؛ لأن الإسلام دين شامل يشرع لكل جوانب الحياة، فهذا ما يأباه البعض، ويحاولون أن يحاربوه بشتى الطرق، ومنها إشاعة الاكتفاء أو زعم الاكتفاء بالقرآن الكريم.
إذن القضية خطيرة تعني تضييع الإسلام كله، ونحن نعلم أن الإسلام كتاب وسنة، فإذا سلم البعض بدعواهم في إبعاد السنة والاكتفاء بالقرآن، فإننا لن نستطيع أن
[ ٤٢ ]
نفهم القرآن، وبالتالي سيتعطل عن التطبيق، وهذا هو المراد الذي يهدفون إليه من وراء هذه الدعوى اللئيمة، والعياذ بالله، نسأل الله -﷿- ألا يمكنهم أبدًا.
إلى الأن تكلمنا عن مهمتين للسنة النبوية مع القرآن الكريم: المهمة الأولى: هي أنها توافق القرآن الكريم وتؤكد قضاياه، ووضحنا هذا المعنى بأن قلنا: بأن الأمر يأتي في القرآن الكريم، ثم يأتي أيضًا في السنة المطهرة، وضربنا أمثلة لذلك، والعلاقة بينهما في هذه الحالة إنما هي علاقة تأكيد، ثم انتقلنا إلى العلاقة الثانية، وهي علاقة بيان السنة للقرآن الكريم، وقلنا: إن أنواع البيان أربعة تفصيل المجمل، تخصيص العام، تقييد المطلق، توضيح المشكل أو المبهم، وضربنا أمثلة توضيحية لكل هذه المعاني.
وضح من أن من مهمة بيان السنة للقرآن الكريم مدى خطورة هذه المهمة، وأن القرآن يتوقف في فهمه عليها، وبالتالي يتوقف في تطبيقه، إذن هذه مهمة خطيرة وجليلة وعظيمة، بقيت للسنة مهمة خطيرة أخرى، وهي أنها تؤسس أحكامًا على سبيل الاستقلال، أو على جهة الاستقلال بمعنى آخر: هي تشرع كما يشرع القرآن الكريم تمامًا، وهي في هذا واجبة الاتباع كالقرآن الكريم، إذن لا يقتصر دور السنة على بيان القرآن رغم خطورة هذا الأمر، وأهميتها وإنما أيضًا تشرع.
وقد جاءت في السنة أحكام كثيرة، من غير أن يسبق لها ذكر في القرآن الكريم، وليست بيانًا له بواحد من أنواع البيان التي أشرنا إليها، وليست تأكيدًا لما جاء فيه، إنما هي حكم جديد لم يسبق له ذكر في القرآن الكريم، والأمثلة على هذا: أكثر من أن تحصى في مجال الواجبات، وفي مجال المنهيات، وفي مجال المستحبات، وفي مجال المكروهات، ونحن سنكتفي ببعض الأمثلة التوضيحية، لكن هذا أمر عليه عشرات، بل لا أبالغ أذا قلت: عليه مئات الأمثلة من التشريع النبوي،
[ ٤٣ ]
الذي يشمل كل جوانب الإسلام في عقيدته، وفي شريعته، وفي معاملاته إلخ.
من ذلك مثلًا في مجال الإلزام والفرض ما أوجبته السنة الشريفة من زكاة الفطر، فقد روى البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى عبد الله بن عمر -﵄-، قال: «فرض رسول الله -ﷺ- زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» -أي: إلى صلاة العيد-، وهذا حديث رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر.
عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- يقول: فرض رسول الله -ﷺ-، أي الذي شرَّع أو شرع زكاة الفطر هو رسول الله -ﷺ- فرضها صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد، وعلى الحر والذكر والأنثى، وعلى الصغير والكبير من المسلمين، ووقت أدائها هي أن تؤدى قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- يبين ويوضح في جلاء، أن الذي شرع ذلك هو رسول الله -ﷺ-، فرض رسول الله -ﷺ-، وكتأكيد لهذه الحقيقة لن نجد حديثًا عن زكاة الفطر في القرآن الكريم، الله -﵎- تكلم عن الزكوات الأخرى، تكلم عن الزكاة بشكل عام ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: ٤٣) إلخ، وتكلم عن بعض الزكوات مثلا ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (الأنعام: ١٤١).
إذن رسول الله -ﷺ- هو الذي فرض زكاة الفطر، وطاعته في هذا واجبة تمامًا، كطاعة الله تعالى، بل إن العلماء قالوا: إن الذي يمتنع عن زكاة الفطر يقاتل عليها كما يقاتل مانع الزكاة، لا أحد يقول: إنها أقل وجوبًا؛ لأن الذي فرضها هو رسول الله -ﷺ-، وليس الله تعالى.
إذن هذا تشريع في مجال الواجبات، في مجال المنهيات، وأمرنا رسول الله -ﷺ-:
[ ٤٤ ]
«فكوا الأسير» «عودوا المريض» «نصر المظلوم» بعض هذه الأحكام ورد عليه حديث في القرآن الكريم، وبعضها كثير في مجال الواجبات لم يرد لها ذكر في القرآن الكريم، مثلًا: «فكوا الأسير»، أو «فكوا العاني» وهذه أحاديث في (الصحيحين) فكوا أمر للأمة بأن تعمل على فكاك الأسير المسلم من براثن الأعداء، وألا تتركه بين أيديهم؛ لكي لا يفتنوه في دينه، إلخ.
و«عودوا المريض»، «وأمرنا رسول الله -ﷺ- بسبع ونهانا عن سبع برد السلام» بكذا، بعض هذه الأوامر النبوية الكريمة، ورد ذكره في القرآن الكريم، وبعضها لم يرد له ذكر في القرآن الكريم، وهو من باب ما استقلت به السنة بالتشريع، وفي مجال المنهيات هناك أمور كثيرة جدًّا، نهى عنها رسول الله -ﷺ-، بينها ما هو محرم تأكيدًا، وبينها ما هو محرم يصل إلى حد الكراهة، ولا يصل إلى حد التحريم الكامل.
فمثلًا رسول الله -ﷺ- حرم أكل الحمر الأهلية، وحرم كل ذي ناب من السباع، إذن حرام علينا أن نأكل الحمر الأهلية، المعروفة التي يستعملها الناس في حياتهم، وحرام علينا أن نأكل كل ذي ناب من السباع، ونهى رسول الله -ﷺ- أن تنكح المرأة على عمتها، أو على خالتها، الذي في القرآن الكريم هو النهي عن الجمع بين المرأة وأختها، والله -﷿- في سورة النساء، وهو يبين لنا المحرمات ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ (النساء: ٢٣) إلى أن قال سبحانه: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (النساء: ٢٣).
يعني المحرم في القرآن الكريم هو أن يجمع الرجل بين المرأة، وأختها في وقت واحد، بأن يكون المرأتان تحته في وقت واحد، لو أن واحدة بعد الأخرى، لا
[ ٤٥ ]
بأس كأن تكون الأولى قد ماتت، أو طلقت مثلًا، فلا بأس من أن يتزوج أختها؛ لأنه لا جمع بينهما في هذه الحالة، أما أن يكون زوجين له في وقت واحد، فهذا مخالف للقرآن الكريم، وكذلك نهى رسول الله -ﷺ-، عن أن تنكح المرأة على عمتها، أو خالتها يعني: لا يجوز للمسلم أن يجمع بين المرأة، وبين عمتها أو خالتها تحته في وقت واحد، لا بأس أيضًا بأن يتزوج الواحدة بعد الأخرى، لكن الجمع هو المحرم.
وأيضًا نهى رسول الله -ﷺ-: «لا يقتل مسلم بكافر»، هذا يعني رغم من أنه من تخصيص العام ضربناه؛ لأنه «لا يقتل مسلم بكافر» هذا حكم جديد وردت به السنة المطهرة، وحتى الأحكام التي ضربنها، كأمثلة لتخصيص العام هي أيضًا في جانب منها تشريع جديد، لم يسبق له ذكر في القرآن الكريم، يعني مثلًا: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث»، هذا لم يرد في القرآن الكريم، لم يرد أن الأنبياء لا يورثون، صحيح أنه في وجه من وجوهه، أو في جانب من جوانبه، يمثل شاهدًا على تخصيص السنة للعام في القرآن، وهو في نفس الوقت مثال للتشريع الذي جاءت به السنة، ولم يسبق له ذكر في القرآن الكريم.
إن الأحكام التي انفردت بها السنة المطهرة كثيرة جدًّا، وكلها تعطي الدليل الأكيد على أن السنة لها صلاحية تأسيس الأحكام على سبيل الاستقلال، فهي في التشريع مثل القرآن الكريم تمامًا، وفي وجوب العمل بما شرعته أيضًا مثل القرآن الكريم تمامًا، فالذي شرعته السنة نعمل به، كما نعمل بما ورد في القرآن الكريم، وعلى هذا انعقد إجماع أهل العلم من أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا، والذي يقبل عن رسول الله، فإنما يقبل أيضًا عن الله تعالى؛ لأن الله تعالى هو الذي أوجب طاعة رسوله -ﷺ-.
وصلى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٤٦ ]