[ ٦٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الرابع
(حجية السنة (٢»
استكمال الأدلة من القرآن على حجية السنة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى أله وأحبابه وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ثم أما بعد:
فنتمم كلامنا عن الأدلة من القرآن الكريم على حجية السنة المطهرة:
في سورة الأنفال أيضًا نجد آيات كثيرة تحدثت عن ضرورة اتباع الرسول -ﷺ- بل في مطلع السورة يطلب الله تعالى منها طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله -ﷺ-.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال: ١) هنا أيضًا تعليق للإيمان على هذه الأمور، ومنها طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله -ﷺ- ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
ومع سورة الأنفال نسير فنجد بعد ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (الأنفال: ٢٠)، ويلفت النظر أن بعض الآيات عطفت طاعة رسول الله -ﷺ- على طاعة الله تعالى، وحينئذ في هذه الحالة كأنها نظرت إليهما على أنهما طاعة واحدة، كل منها تكمل الأخرى ولا نستطيع أن نعزل إحداهما عن الأخرى.
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يعني: هذه متممة لتلك، وكأنهما معا أصبحتا طاعة واحدة، ينبغي على كل مؤمن أن يقوم بها، وحين يقر فعل "أطيعوا" فإنما ورد ذلك في النساء، وورد في المائدة؛ ليبين أن طاعة رسول الله -ﷺ- مطلوبة تماما مثل طاعتنا لله -﵎: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (الأنفال: ٢٠)، وفي سورة الأنفال أيضًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال: ٢٤) استجيبوا لمن؟ لله ورسوله. "إذا دعاكم لما يحييكم"
[ ٦٩ ]
يعني: الآية تقول لنا: أن الله تعالى، ورسوله -ﷺ- لا يطلبان منا شيئا إلا إذا كان فيه الحياة لنا، الحياة الطيبة، الحياة المستقيمة، الحياة الآمنة والمطمئنة، الحياة التي ينبغي أن تكون.
﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وكأنه لا حياة أبدًا في أي تعليمات أخرى تأتي من أي جهة كانت بعيدة عن طاعة الله -﵎-، وطاعة رسوله -ﷺ-.
وفي سورة الأنفال أيضًا، والله -﷿- يحدثنا عما يمكن أن نسميه: بأسباب النصر في القرآن الكريم، يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: ٤٥ - ٤٦)، فمن بين الأوامر الإلهية التي تأتي بالنصر -بإذن الله- للفئة المؤمنة أن تكون على طاعة لله تعالى، وطاعة لرسوله -ﷺ-.
في سورة التوبة، والله تعالى يتكلم عن المجتمع المؤمن، وعن بعض خصائصه، خصوصًا بعد أن حدثنا قبل ذلك عن المنافقين: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (التوبة: ٦٧)، والعياذ بالله مجتمع النفاق مجتمع سيئ رديء، يقابله المجتمع المؤمن، فما هو المجتمع المؤمن وما هي خصائصه؟ الله تعالى يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ﴾ (التوبة: ٧١) ماذا يفعلون؟ ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٧١).
[ ٧٠ ]
ذكرت الآيات طاعة رسول الله -ﷺ- مع طاعة الله، وضمتهما إلى ما ذكر معهما من أحكام ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، وكلها من ثوابت الإيمان، ومن أركانه، من المأمورات التي يؤمر بها المؤمنون أن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، وأن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة ركنان من أركان الإيمان يعني: لم يكن هناك إيمان من غيرهما أبدًا.
إذا، طاعة الله ورسوله قرنت مع إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ لتبين لنا أنها أمر مهم جدًّا من أمور الإيمان التي لن يكون الإيمان إلا بها.
وفي سورة التوبة أيضًا يعني: ليس لأحد أن يرغب عن رسول الله -ﷺ-، ولا أن يبتعد عنه، ولا أن ينأى بنفسه عن طريقه، إلى آخره. ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (التوبة: ١٢٠) هذا ليس من حق أحد مؤمن أبدًا، أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يحاولوا أن ينجوا بأنفسهم بعيدا عنه، كل ذلك ليس من مقتضيات الإيمان، بل هو مخالف لمقتضيات الإيمان ومتطلباته، ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (التوبة: ١٢٠)، هذا ليس في مجال النصرة العسكرية فحسب، بل في كل الأمور على المؤمنين أن يطيعوا الله ورسوله في كل شأن من شئونهم.
في سورة التوبة آخر آياتها: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: ١٢٨) هذا الرسول الكريم العظيم -ﷺ- الذي بعثه الله نعمة لنا وعلينا، وامتن به ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ (آل عمران: ١٦٤) الخ.
[ ٧١ ]
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ هو من أنفسكم منا، ﴿عزيز عليه﴾ أي عنت أو مشقة نتعرض لها، حريص علينا، وعلى نجاتنا، وعلى فلاحنا، وعلى فوزنا، وعلى أن نفوز بالجنة، وأن ننجو من النار، حريص عليكم وقلبه -ﷺ- يمتلئ بالرحمة، والرأفة على الفئة المؤمنة، بل هو رحمة للعالمين جميعًا، كما ورد في سورة الأنبياء، والآيات يكمل بعضها بعضًا.
إذا كان هذا شأن النبي -ﷺ-، ودوره معنا أنه حريص علينا، رؤوف رحيم بنا، عزيز عليه ما يصيبنا من مشقة، ماذا يستحقه منا، أو ما علاقتنا به؟ هي أن نتبعه، جاء لهدايتنا، حريص علينا، إذا من متطلبات ذلك أن نستجيب له في كل ما يأمر بها، وأن نبتعد عن كل ما ينهى عنه ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (التوبة: ١٢٨ - ١٢٩).
في سورة يونس: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (يونس: ١٠٨) مادام قد جاءنا بالحق فعلينا أن نتبعه، لكن قد يقول البعض: إن هذا الحق هو القرآن الكريم، فأنا لا أريد أن أفتح باب الجدًّال الذي لا يفضي إلى خير، وإنما يضيع الوقت في غير منفعة، فآتي بالآيات الصريحة أو القاطعة الدلالة على السنة، ولا يجادل فيها أحد إلا إذا كان يريد أن يجادل بالباطل، والعياذ بالله تعالى، يعني: لم أقف مثلًا مع سورة يونس ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (يونس: ١٠٨) الخ، وإنما كما قلت: سأتوقف مع الآيات الواضحة الدلالة.
[ ٧٢ ]
سأنتقل إلى سورة النور، وبها أيضًا مجموعة من الآيات، وسياقات تحرك القلب المؤمن تجاه هذه القضية، يحدثنا الله -﵎- كما حدثنا في سورة النساء يحدثنا عن قوم قالوا: إنهم آمنوا بالله والرسول، وأطعنا أيضًا، يعني: لم نؤمن فقط إنما قالوا: أمنا وأطعنا، ويقولون: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا. ما موقفهم بعد ذلك؟ هذا القول الذي يقتضي التسليم، والإذعان، والخضوع لكل ما جاء به رسول الله -ﷺ-، يقولون: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا، لم نؤمن بالله فقط، وإنما أمنا بالرسول، ولم يتوقف أمرنا عند الإيمان فقط، وبل وأطعنا، امتثلنا وأجبنا.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ (النور: ٤٧) أعرضوا وابتعدوا، رغم قولهم: آمنا بالله وبالرسول، بماذا تسميهم يا رب؟ ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: ٤٧)، نفى الله عنهم الإيمان، كما وسمهم في سورة النساء: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (النساء: ٦١)، سماهم في النساء بالمنافقين، وسماهم في النور، أو نفى عنهم في النور الإيمان، رغم قولهم في السورتين بأنهم قد آمنوا، آمنوا بما أنزل على الرسول -ﷺ-، هذا القول لم يشفع لهم حين لم ينهض بهم عملهم؛ لأن قضية الإيمان ليست قضية كلام، نعم ننطق بلسانها، وتعتقد قلوبنا، ثم يصدق كل ذلك، أو الجوارح تصدق كل ذلك، أو تكذبه، فالتطبيق العلمي هو الاختبار الحقيقي لمن يزعم الإيمان، أو من يدعي الإيمان، بل إن الفرق بين المؤمن القوي والمؤمن الضعيف إنما هو في استجابة كل منهم للإيمان، فالمؤمن القوي أكثر التزامًا واستجابة لكل أوامر الشرع ونواهيه، ولا يتفلت منه إلا القليل جدًّا، أما الآخر فأحيانا وأحيانا.
﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (النور: ٤٧ - ٤٨)
[ ٧٣ ]
لماذا أعرضتم وقد قلتم أنكم أمنتم بالله وبالرسول، وأطعتم؟ ولماذا عند المحك العملي رسبتم ولم تنجحوا؟ طبعا لأنها قضية زعم فقط، وكما قلنا أن الإيمان ليست قضية كلام.
﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (النور: ٤٨) ولا يستجيبون للحق إلا إذا كان في مصحلتهم ومنفعتهم.
﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (النور: ٤٩) خاضعين، مستجيبين، مستسلمين، فكأن ارتباطهم بقضية الإيمان إنما هو ارتباط نفعي فقط، وهذه طائفة حدثنا الله تعالى عنها في سورة الحج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ (الحج: ١١) والعياذ بالله. إذًا، هناك فئة ارتباطها بالإيمان ارتباط مصلحة، ارتباط منفعة، بمقدار ما يجنيه من الإيمان من ثمرات يكون إيمانه، وإذا لم يكسب من الإيمان ابتعد عنه، هذه طائفة قال الله عنها: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾، إنما المؤمنون حقا تحدث الله عنهم بعد ذلك، لكن ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (النور: ٤٨ - ٤٩)، انظروا إلى التصنيف القرآني لمثل هذا الطوائف: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (النور: ٥٠) مرض النفاق، مرض الكذب، والعياذ بالله، ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾ (النور: ٥٠) شكوا، ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ (النور: ٥٠) والعياذ بالله، اتهموا الأحكام الإلهية، والأحكام النبوية بالظلم.
في الحقيقة أي معرض عن أحكام الله تعالى، وعن أحكام النبي -ﷺ- هو واحد من هذه الأصناف. ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾ (النور: ٥٠) إما في قلبه مرض الكفر لم يؤمن بالقضية من أساسها، أو مرض النفاق، أظهر الإيمان، وأبطن الكفر والعياذ
[ ٧٤ ]
بالله، أو ارتاب شكا إما في الحكم يعني: الحكم الجزئي، أو في جزء من الإسلام، أم يتهمون الله تعالى ورسوله -ﷺ- بالظلم في الأحكام، والعياذ بالله، هذا لا يمكن أن يتردى فيه أي مؤمن أبدًا.
﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (النور: ٥٠)؛ لأنهم لم يفهموا قضية الإيمان، ولم يفهموا أن إيمانهم يستلزم منهم الاستجابة لله تعالى، ولرسوله -ﷺ-. بعد أن وضح الله تعالى موقف هذا الفريق بهذا الوضوح والجلاء الذي تكلمنا عنه ينتقل إلى موقف الفئة المؤمنة بحق التي لم تزعم الإيمان بلسانها فقط، إنما طبقته بقولها، قال الله عنهم وعن سلوكهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النور: ٥١ - ٥٢).
أيضًا ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ هذه جملة معرفة الطرفين، كلتا الجملتين جملة معرفة الطرفين، في الآية الأولى، وفي الآية الثانية: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: ٥١)، الفلاح في الاستجابة، في الطاعة، في الامتثال، في الانقياد لحكم الله -﵎- ولرسوله -ﷺ-، وكذلك الفوز، ومن يطع الله ورسوله، ويضم إلى ذلك أن يخش الله ويتقه، فأولئك هم الفائزون، لا فوز ولا فلاح بعيدًا عن هذه الدائرة الإيمانية، وهي طاعة الله -﵎-، وطاعة رسوله -ﷺ-. بعد ذلك بآيتين: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (النور: ٥٤) هدايتكم في طاعته.
يعني: أطيعوا الله أيضًا، الفعل "قلنا" هنا مرة أخرى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، كل قد أدى ما عليه، هو قام بما سيحاسبه عليه الرسول -ﷺ-، أدى ما
[ ٧٥ ]
حمل، أما أنتم فانظروا موقفكم، كل واحد سيتحمل نتيجته ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقد أدى الرسول ما عليه من البلاغ ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (النور: ٥٤).
وبعد ذلك أيضًا بآية أو بآيتين: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (النور: ٥٦) عدد من الآيات المتوالية التي تتحدث عن هذه القضية، وحديثها عنها كما ترون نفي الإيمان، إثبات للفوز والفلاح للفئة المطيعة، تعليق الهداية على طاعته، أمر بطاعة الله وطاعة الرسول -ﷺ- على سبيل الاستقلال بتكرار الفعل، وتعليق الرحمة: هنا فوز، وهداية، وفلاح، ورحمة، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وتنوع في الأساليب، ومقارنة بين فئة نفى الله عنها الإيمان، رغم أنها زعمت أنها أطاعت الله تعالى ورسوله، وآمنت بهما، وعن فئة استجابت لما قالت والتزمت وانسجمت، وطبقت، وأطاعت، فكان لها الفوز، ولها الفلاح، ولها الهداية، ولها الرحمة.
وسورة الأحزاب أيضًا من الآيات التي تضمنت أمرًا بطاعة الله تعالى ورسوله -ﷺ- وتحذيرا من مخالفته، في سورة الأحزاب بعد أن يتكلم الله تعالى عن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والقانتين والقانتات، الأصناف العشرة الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية، وختمها بقوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٣٥)، جاء في الآية بعدها وقال -عز من قائل-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦).
وأيضًا لنا وقفة مع بلاغة القرآن الكريم، ومع لسان هذا التعبير الذي جاء به القرآن الكريم بهذا الوصف: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦). الآية
[ ٧٦ ]
قالت: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ لم يقل الله تعالى مثلًا، أو لم يكن التعبير القرآني: وما كان لذكر أو أنثى، ولم يكن التعبير القرآني: وما كان لرجل أو امرأة، وما كان التعبير القرآني: "وما كان لبشر"، وكل هذه أو واحدة منها كانت ممكنة في التعبير إذا أراد الله، لكن إيثار الكلام بوصف الإيمان؛ ليدل على أن القضية قضية إيمانية؛ لأن الآية ماذا تقول؟ الآية تنفي الاختيار، أو تسقط حق الاختيار عن المؤمن إذا كان هناك حكم لله تعالى، ولرسوله -ﷺ- في المسألة، حين يكون هناك حكم؛ فإن الإيمان يطلب أن تستجيب ولا تختار، لا يمكن أن يكون هناك اختيار، لماذا أسقط الله حق الاختيار هنا، وقد يقول قائل مثلًا: إن العقل يقتضي أن يترك لي الخيار في أن أختار بين الأحكام، وأن أختار ما أراه مناسبا؟ لا، هذا لا ينفع؛ لأن الاختيار من ناحية الواقع العملي يكون بين بدائل، يعني: على الأقل يوجد بديلان، فأختار بينهما، وقد يكون الاختيار بين أكثر من بديلين، مثلًا: هذه قطعة أرض، وعدة قطع، أختار هذه أو تلك لأشتريها.
مثلًا: هناك أنواع من السيارات، أي نوع أختار لكي أشتريها. عدة بنات معروضة للزواج مثلًا: أتزوج من؟ تستشير، وتستخير، وتطابق من الناحية الشرعية، ثم تختار ما يؤدي إليه اجتهادك من أن هذا أفضل الاختيارات.
هذا المعنى وهو مفهوم الاختيار وتطبيقه أن يكون بين بديلين أو أكثر، هل يصلح أن يطبق بهذا المفهوم بين حكم الله -﵎- وحكم غيره؟ هل يجوز أن تعقد مقارنة أو أن يرد على قلب مؤمن أو عقله أن يقارن بين حكم الله تعالى، وحكم النبي -ﷺ- وبين حكم غيرهما؛ لكي يختار في النهاية ما يراه مناسبا؟ ما هي معايير الاختيار التي سيختار على أساسها؟ أعوذ بالله، القضية من أساسها مرفوضة؛ لأنه عند وجود حكم الله -﵎-، وحكم رسول -ﷺ- فهذا
[ ٧٧ ]
الحكم هو سيد الأحكام وأعدلها، وقد قلنا قبل ذلك: قول الصحابي، وأمر رسول الله -ﷺ- خير وأرشد.
وقبل ذلك قلنا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: ٢٤) الحياة الحقيقية، الآمنة، المطمئنة، المتضمنة لكل جوانب الخير. نعم ممكن تكون هناك حياة مليئة بالمتع الدنيوية بعيدة عن المنهج الإلهي، لكن أهل الإيمان لا يتصورون أبدًا أن هذه الحياة المثلى التي يتطلعون إليها لا. هذا أمر معروف عند أهل الإيمان، فلا يمكن لمسلم أبدًا أن يعقد مقارنة بين حكم الله تعالى، وحكم رسوله -ﷺ-، إنما المقارنة محسومة لصالح حكم الله تعالى، وحكم رسوله -ﷺ-، فلا يوجد أبدًا اختيار انتهى؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ (الأحزاب: ٣٦).
والله -﷿- يبين أن أهل الإيمان لا يمكن أبدًا إلا أن يكون الاختيار واضحًا في ذهنهم، وأنه لصالح حكم الله تعالى، وحكم رسوله -ﷺ-.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦) ولذلك لم يكن التعبير القرآن: "وما كان ذكر أو أنثى"، إنما هنا يخاطب أهل الإيمان الذكر والأنثى من أي ديانة أخرى قد يشوش عليهم الأمر، وقد لا يفقهون المسألة في ضوء هذا المعنى الإيماني الرائع، فتختلط عليهم الأمور، لكن أهل الإيمان يعلمون أن حكم الله تعالى، وحكم نبيه -ﷺ- هما خير الأحكام، وهما أعدل الأحكام، وهما سيدا الأحكام، وأصلا هذه الأحكام جاءت لخيرنا نحن، الله تعالى شرعها لإنقاذنا من الهلكة، وكذلك النبي -ﷺ- لفوزنا، لفلاحنا، لنجاتنا من النار، وفوزنا بالجنة، كل الأحكام جاءت لصالحنا في ديننا، وفي دنيانا، فكيف يستقيم أن نختار بين هذه الأحكام وبين غيرها مهما كانت الجهة التي صدرت عنها تلك الأحكام؟! بل ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٣٦).
[ ٧٨ ]
وانظر كلمة "أمرا" جاءت بالنكرة؛ لتشمل كل الأمور، في أمور الدنيا، في أمور الآخرة، في أمور الاعتقاد، في أمور الشريعة، في أمور العبادات، أي أمر من الأمور قضى الله فيه، وقضى فيه رسول الله -ﷺ-، فالقضاء لله تعالى، ولنبيه -ﷺ-؛ ولذلك ختمت الآية بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦).
وختام الآية عجيب، ونحن نعلم من علم البلاغة أن ختام كل آية متعلق بمضمونها، مرتبط بها، وهذا هو التذييل عند علماء البلاغة، تذييل الآية يكون مرتبطا بمضمونها، فلا يمكن أن تختم الآية بختام أو تذيل بذيل لا يتناسب مع مضمون الآية، قصة الأعرابية التي سمعت القارئ يقرأ، ولم تكن تحفظ القرآن: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ (المائدة: ٣٨) والله غفور رحيم، قالت للقارئ: كذبت؛ لو رحم ما قطع. المرأة بسليقتها البلاغية، بقريحتها الأدبية فهمت أن ختام الآية لا يلتقي مع مضمونها، كيف يتكلم عن قطع، والقطع عقوبة شديدة، ثم تختم الآية بالرحمة؟ لا، إنما الآية فيها عقاب، فختمت ب - ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٨)، عزيز غالب، يفعل ما يشاء، وكل أحكامه لحكمة حتى وإن خفيت عن البعض.
إذًا، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦) إنما جاءت لتبين أن ورود الاختيار على ذهن مؤمن هو معصية، حتى لو انتهى في نهاية الأمر إلى اختيار حكم الله تعالى، وحكم رسوله -ﷺ- الأوقات حتى لو كانت لحظات، هذه اللحظات التي قضاها في التردد والاختيار أيطبق هذا أو ذاك، هي لحظات مخالفة للإيمان؛ لذلك كانت معصية شديدة، وختم الله الآية بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦) عصمنا الله تعالى من الضلال، ومن الزلل، ومن عدم الفهم لديننا، ومن المعصية.
[ ٧٩ ]
أيضًا في سورة الأحزاب قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٠ - ٧١)، الفوز العظيم ليس فوزًا عاديًّا، إنما هو فوز عظيم ربطه الله تعالى بطاعة الله تعالى، وبطاعة رسوله -ﷺ-.
أقف مع سورة سبأ مثلًا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨) وما دام -ﷺ- هو رسول إلينا جميعًا، فإننا يجب علينا طاعته، وإلا لما أرسله الله لنا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإذن اللَّهِ﴾ (النساء: ٦٤)، لكن أيضًا سأقف مع الآيات الصريحة، وسأنتقل إلى سورة محمد -ﷺ-، وفيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٣)، تكرار الفعل "أطيعوا" مع الله، ومع الرسول، والنداء بصفة الإيمان الذي أشرنا إليه قبل، وختام الآية ب ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾؛ للدلالة على أن مخالفة الله تعالى، ومخالفة رسوله -ﷺ- تبطل الأعمال وتحبطها، وتضيعها -والعياذ بالله-، وتضيع ثمرتها ونتيجتها، ويجدها صاحبها هباء منثورًا يوم القيامة، والعياذ بالله. كل ذلك من الدلالات الخطيرة التي تبين منهج القرآن في وجوب طاعة الله -﵎-، وطاعة رسوله -ﷺ-.
إذا انتقلت إلى سورة الفتح بعدها مثلًا: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الفتح: ١٧). في سورة التغابن: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (التغابن: ١٢) أيضًا تكرار الفعل "أطيعوا"، والنهي عن التولي، قبل ذلك في سورة المجادلة: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المجادلة: ١٣)، دعوة إلى طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله -ﷺ-.
[ ٨٠ ]
ونصل إلى مسك الختام في الآيات التي تحث على الطاعة، وقد تركنا غيرها كثيرًا يعني: في التي لا يكاد يذكر البعض سواها، هي قول الله -﵎- في سورة الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)، الآية التي استدل بها ابن مسعود -﵁- في الحديث الصحيح المشهور المروي عند البخاري ومسلم حين قال: «لعن الله النامصات والمتنمصات، والواشمات والمستوشمات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله». ابن مسعود يلعن المرأة النامصة والمتنصمة التي ترقق حواجبها، والتي تضع وشما على وجهها أو على يديها أو على جبهتها كعلامة للتجميل والتزيين، وتظهر بها أمام الناس ليس لزوجها فحسب، والتي تفلج أسنانها، تبردها بمبرد، أو ما شاكل ذلك، وتجعلها متساوية الخ، علامات التجميل التي يعرفها يعلمها الذين يفعلون ذلك لعنهم عبد الله بن مسعود، والحديث ورد موصولًا، مرفوعا، وهو صحيح.
المرأة لما سمعت عبد الله بن مسعود يلعن قالت: وما لك تلعن؟ يعني: أنت لست تشرع. هي تسأله يعني: هل يوجد أو يملك واحد غير الله تعالى، والنبي -ﷺ- أن يلعن أو أن يشرع؟ ما لك تلعن، ولعنك هذا كأنه تشريع؟ لأنك تلعن من فعل كذا وكذا، فقال لها: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله -ﷺ-، وهو في كتاب الله؟ فقالت المرأة: والله لقد قرأت ما بين الدفتين، أو ما بين اللوحين تقصد: أنها قرأت المصحف كاملًا، فلم تجد لعن الله النامصة؛ هي تبحث عن هذا الحديث، وكأنها فهمت أن عبد الله بن مسعود يقصد أنه موجود بنصه وفصه في كتاب الله، فقالت: والله لقد قرأت ما بين اللوحين، أو ما بين دفتيه -تقصد: المصحف من أوله إلى آخره- فلم أجد هذا. قال لها: أما إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، ألم تقرئي قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الر َّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)، أمر من الله تعالى بأن كل ما يأمرنا به نقول: سمعنا وأطعنا، وأن كل ما ينهانا عنه نجتنبه في طاعة أيضًا مطلقة لرسول الله -ﷺ-.
[ ٨١ ]
بنفس الاختيار الذي ذكرناه في سورة الأحزاب، أية التخيير أيضًا التي في سورة الأحزاب، حتى العلماء يسمونها آية التخيير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (الأحزاب: ٢٨)، يخيرهن رسول الله -ﷺ- بين هذا الأمر: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٢٩)، هذه الآيات يسمونها: آيات التخيير؛ لأن الله تعالى أمر نبيه -ﷺ- أن يخير أزواجه بين البقاء معه على ما هو عليه، أو بين أن يمتعهن، ويسرحهن يعني: يطلقهن، ويعطهن حقوقهن من متعة وغيرها، وهكذا فالأمر محسوم بالنسبة لأمنا عائشة بدأ بها، وقال لها: «لا تجيبي حتى تستأمري، أو حتى تستشيري أبويك. قالت: أفيك أستشير يا رسول الله!» القضية محسومة هذه قدوة حين يكون حكم لله -﵎- أو حكم لرسوله -ﷺ- فإن المؤمن أبدًا لا ترد على باله أو على عقله قضية الاختيار من أساسها، بل الأمر محسوم لصالح حكم الله تعالى، وحكم رسوله -ﷺ-.
الآيات التي نهت عن مخالفة النبي -ﷺ-
الآيات التي نهت عن مخالفته -ﷺ-:
إذا جئت إلى سورة النساء، وكنا قد تكلمنا عن آيات المواريث ختمها الله تعالى بقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (النساء: ١٣).
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ (النساء: ١٤) هذا هو النهي عن المخالفة ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (الأحزاب: ٣٦) ويتجاوز حدوده لا
[ ٨٢ ]
يطبقها، وهي تشريعاته التي حدها الله لعباده يهدده الله تعالى بجهنم، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (النساء: ١٤)، انظروا إلى عقاب المخالفين، حتى مهما يقول: إنني أمنت بالله وبرسوله، ثم يوزع الميراث مثلًا بهواه، مخالفا في ذلك حكم الله تعالى، وحكم نبيه -ﷺ-.
وفي سورة النساء أيضًا: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ١١٥)، مشاققة الرسول ومخالفته كلها شر بلاء ووباء على من يقع فيها، والعياذ بالله. حتى هنا يعني: ذكر الرسول وحده -ﷺ- ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ١١٥).
وإذا ذهبت إلى سورة الأنفال، الله -﷿- يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (الأنفال: ١٣) هو يتحدث عن الكفار ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر: ٤)، تحذير بعقاب شديد، مهين مؤلم لمن وقف موقف المعاندة والمشاققة، والمخالفة لما جاء من عند الله -﵎-، وما جاء من عند رسول الله -ﷺ-.
في سورة التوبة: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: ٦٣)، نار جهنم خالد فيها وله خزي، وليس خزيا عاديا، إنما هو خزي عظيم والعياذ بالله، كل ذلك من جزاء المخالفين المبتعدين عن هديه -ﷺ-.
في سورة النور: ﴿فَلْ يَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣) فليحذر الذين يخالفون عن أمره، يعني: لا ينبغي أن
[ ٨٣ ]
يصدروا في أي شأن من شئونهم إلا عن أمره -ﷺ-، يعني: يردون مورده، ويشربون تشريعه، ولا يبتعدون عن ذلك قيد أنملة. ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ (النور: ٦٣)، وفسر الفتنة بما شئت: ابتلاء، عذاب، هي كل ذلك من معانيها، خزي في الدنيا، وفي الآخرة، كل ذلك من معاني الفتنة، والعياذ بالله، وقد خصت بالكفر أيضًا. "تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" كل ذلك من جزء ينتظر الذين يخالفون رسول الله -ﷺ-، ولا يصدرون عن أمره في كل شأن من شئون حياتهم.
إذا انتقلت إلى سورة محمد -ﷺ-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٣) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد: ٣٢)، مشقاقتهم للرسول لن تضر الله تعالى ولا رسوله -ﷺ- شيئا، وإنما الخسارة ستعود عليهم، وسيحبط أعمالهم.
وأيضًا في سورة الفتح ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الفتح: ١٧). وفي سورة المجادلة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (المجادلة: ٥)، كبتوا يعني: هزموا، باءوا بالخسران، وبالكبت، وبالضيق، أحاط بهم البلاء والوباء من كل جانب، وضربت عليهم الذلة، كما في الآية أيضًا في سورة المجادَلة أو المجادِلة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ (المجادلة: ٢٠) هؤلاء من بين الأذلة الذين ألبسهم الله لباس الخزي والندامة، والمذلة والمهانة، والخسران في الدنيا وفي الآخرة.
هل بسرعة سريعة نتذكر الآن الجزاء للمخالفين من خلال الآيات التي ذكرت: كبت، ومذلة، وخزي، ونار خالدين فيها، وعذاب عظيم، وأكثر من ذلك: تصيبهم فتنة،
[ ٨٤ ]
يصيبهم عذاب أليم، تهديد بالعقاب الشديد، بعد كل ما ذكر، فإن الله شديد العقاب، نوله ما تولى، نتركه إلى ما اختار، ونصليه جنهم وساءت مصيرا، كل ذلك من جزء المخالفين، والعياذ بالله -﵎-.
فانظر إلى الآيات القرآنية التي تنوعت ما بين آيات حثت على الطاعة، وأيضًا تنوعت في أساليبها في الدعوة إلى الطاعة، وما بين آيات حذرت من المخالفة.
الأدلة من السنة على وجوب اتباع السنة
إذا انتقلت إلى السنة المطهرة لأستدل من خلالها على وجوب اتباع السنة -يعني: الأحاديث الشريفة- فسأجد جملة من الأحاديث، وسأذكر بعضها فقط، يعني: كإشارة إلى غيرها من الأحاديث:
في الحديث عند البخاري: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى»، هذا حديث رواه البخاري في كتاب الاعتصام، باب: الاقتداء بسنة رسول الله -ﷺ-. كل الأمة يدخلون الجنة إلا من أبى، سماها النبي -ﷺ- إباء، معصية النبي -ﷺ- سماها النبي -ﷺ- إباء، إعراضا، توليا، جحودًا، بعدًا.
وأيضًا روى البخاري، ومسلم -رحمهما الله تعالى- من حديث أبي هريرة أيضًا، وهو عند مسلم وغيره، جزء من حديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه». هذا رواه الإمام البخاري في كتاب الاعتصام، أيضًا باب: الاقتداء بسنة النبي -ﷺ-، ورواه مسلم في الحج في سياق طويل، النبي -ﷺ- يقول: «أيها الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا. قام رجل فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ يعني: هل يجب علينا الحج في كل عام؟
[ ٨٥ ]
قال النبي -ﷺ-: لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم». النبي -ﷺ- سكت عن الرجل حتى كررها ثلاث مرات، وكان يحب -ﷺ- أن ينتبه الرجل إلى أمر هام، وهو أن النبي -ﷺ- لو كان الحج واجبًا في كل عام سينبه إليه ابتداء من غير سؤال، يعني: لن ينتظر حتى يسأله أحد عن ذلك، لماذا؟ لأن هذا من أنواع البيان، إذا كان واجبًا في كل عام فعليه أن يبينه هل يمكن مثلًا أن يكون واجبا في كل عام، أي يكون الحج واجبا في كل عام، ثم يسكت عنه النبي -ﷺ-. لنفترض أن أحدًا لم يسأل، ومن القواعد الأصولية: تأخير البيان عن وقت لحاجة لا يجوز.
فالنبي -ﷺ- سكت عن الرجل؛ لعله ينتبه ثلاث مرات، فلما أصر الرجل على سؤاله قال النبي -ﷺ-: لو قلت نعم لوجبت، أي: لوجب الحج في كل عام، ولما استطعتم. لو قلت نعم واضحة الدلالة. هذه الجملة في أن النبي -ﷺ- يشرع، وأنه إذا شرع وجب، ويجب علينا أن نمتثل، ولو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم، ماذا سيكون شأنكم لو قلت نعم، وأنتم لا تستطيعون؟ إذا كلمة أو جملة "لو قلت نعم" هي تدل على أن النبي -ﷺ- يشرع، وأن على الأمة أن تقول: سمعنا وأطعنا.
أيضًا حديث العرباض بن سارية -رضي الله تعالى عنه- وهو عند الترمذي، وعند أبي داود -رحمهم الله تعالى-: «صلى بنا رسول الله -ﷺ- الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة زرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال -ﷺ-: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًّا، أي: وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين -عليكم بسنتي: الدعوة إلى اتباع السنة، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين- تمسكوا بها، وعضوا علينا بالنواجذ، وإياكم ومحدثات
[ ٨٦ ]
الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». هذا رواه الإمام الترمذي في جامعه، وقال عنه: حسن صحيح. ورواه أبو داود أيضًا في كتاب السنة، باب: في لزوم السنة.
وأيضًا من الأحاديث الواردة في هذا قوله -ﷺ-: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني في عصى الله» هذا حديث رواه البخاري في كتاب الجهاد، باب: السمع والطاعة. ورواه الإمام مسلم أيضًا في كتاب الإمارة، باب: طاعة الأمراء في غير معصية الله. "من أطاعني فقد أطاع الله" انظروا إلى هذا التلازم بين طاعة الله تعالى، وطاعة النبي -ﷺ-، هما شيء واحد، لا يستطيع مسلم أبدًا أن يفصل بينهما، وهذا يغلق الباب أمام أي فهم عقيم يحاول أو يتصور أنه يعني يخالف النبي -ﷺ-، ثم هو في نفس الوقت يتصور أنه طائع لله تعالى، لن يكون ذلك أبدًا؛ التلازم بين الطاعتين واضح، وكذلك التلازم بين المعصيتين، فمن عصى الله، أو عصى رسوله فقد عصى الآخر باتفاق أهل العلم على ذلك، لا يخدعن الشيطان أحدنا عن هذا الفهم الذي ينبغي أن نكون عليه.
«من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله»؛ لأنه هو المبلغ عن الله؛ لأنه هو الذي نقل لنا ما يريده الله تعالى من عباده، أتى لنا بالحنفية السمحة وبالقرآن، والسنة إلى آخره.
أيضًا من الأحاديث الواردة في ذلك قوله -ﷺ-: «إني تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله، وسنتي»، وهذا حديث رواه الإمام الحاكم في كتاب العلم، في جزء واحد من الطبعة القديمة في ص ٩٣.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٨٧ ]