[ ١٢٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السابع
(شبهة حول تدوين السنة (١»
ميدان المعركة مع السنة، ومواطن الهجوم عليها
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه، وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد.
فنبدأ -بعون من الله ﵎- وتوفيقه- حديثنا عن بعض الشبه التي وجهت إلى السنة المطهرة:
قبل أن نشرع في الدخول على الشبه، نتكلم عن نقطتين مهمتين، النقطة الأولى ما هو ميدان المعركة مع السنة؟ يعني بتوضيح آخر: حين يهاجمون السنة، فهل يقصرون هجومهم على بعض جوانبها دون البعض الآخر؟
أقول: لا، هم يهاجمون كل شيء في السنة، لو استمعنا إلى الدرس الماضي الذي بينا فيه بعض الأسباب التي أدتهم إلى الهجوم على السنة لعرفنا أنهم يريدون القضاء عليها تمامًا، هم لا يريدونها لا يقبلونها؛ لأنهم يعلمون أنهم يهاجمون القرآن والإسلام من خلالها.
إذن ما داموا لا يريدون السنة فلم يتركوا شيئًا منها بدون هجوم، كيف؟ هاجموا الصحابة الذين نقولها لنا، وهم يعملون أن الصحابة -رضوان الله عليهم- شهودنا على هذا الدين ونقلته لنا، إن أحدًا من الأمة بعد جيل الصحابة لم يلتق بالنبي -ﷺ- ولم ير النبي -ﷺ- ولم يسمع من النبي -ﷺ- والواسطة بين الأمة من بعد جيل الصحابة إلى يوم القيامة هم الصحابة -رضوان الله عليهم- الذين نقلوا لنا الحديث والقرآن والسنة، والغزوات إلخ، إلخ.
إذن ليصبوا جام غضبهم وهجومهم الشرس على الصحابة، بعضهم بالاسم والتفصيل، وكثير منهم بالعموم، بالاسم والتفصيل مثل أبي هريرة رواية الإسلام -﵁- أنهم يعلمون أن الهجوم على أبي هريرة هو هجوم على السنة، كما سنوضحه في حينه.
أنا فقط في هذه النقطة أبين أنهم لم يتركوا شيئًا من السنة إلا وهاجموها، الصحابة، دواوين السنة والتشكيك فيها، (صحيح البخاري) وإثارة المشكلات حوله، وحول بعض أحاديثه، (مسند الإمام أحمد) وإثارة المشكلات حول بعض أحاديثه، الأجيال والعلماء الكبار الذين رووا السنة بعد جيل الصحابة، هناك علماء
[ ١٣١ ]
نسميهم أركان الرواية، عمد الرواية، الذين قاموا بدور كبير في صيانة السنة وروايتها وتناقلها إلخ، مثل الإمام الزهري وغيره، يشككون فيه.
أيضًا يهاجمون تدوين السنة شككوا في حجية السنة، وأثاروا بعض الشبهات المتعلقة بها، ونحن سنرد على ذلك وفق لنقاط المنهج ومسائله بإذن الله ﵎.
أيضًا أثاروا مشكلات كثيرة حول كثير من الأحاديث النبوية المتعلقة بالطب وبغير الطب حديث الذبابة، حيث فقء موسى لِعَيْن ملك الموت، حديث سحر النبي -ﷺ- أحاديث لا تعد ولا تحصى، بل إن الكتب تنزل إلى الأسواق، وهم يحملون وجهة نظرهم، بعضهم يقول ينقي البخاري ومسلم من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، تخيلوا: الأمة أجمعت على تلقي البخاري ومسلم بالقبول، ثم يأتي من يجادل أو يثير هذه القضية ويعتبر نفسه غيورًا على السنة، ويريد تنقيتها مما علق بها من الأحاديث الضعيفة.
يعني الخلاصة في هذه المسألة أنهم لم يتركوا صغيرة، ولا كبيرة، ولا شاردة، ولا واردة تتعلق بالسنة إلا وهاجموها بضراوة وبشراسة، وأكرر: لأن الغرض هو القضاء على السنة هو القضاء على الإسلام، وبالتالي حدة المعركة تنسجم مع مقدار حقدهم الذي تمتلئ به قلوبهم على الإسلام وأهله، وعلى مصادره الشرعية التي يستمد منها أدلته على كل صغيرة وكبيرة من أمور الدين، هذا جانب.
معنى كلمة "شبهة" ومدلولاتها
أما النقطة الثانية التي أود أن أتحدث عنها فهي معنى الشبهة، ما المراد بالشبهة التي سندرسها ونرد عليها؟ الشبهة لها مدلول لغوي، ولها مدلول اصطلاحي. ومدلولها اللغوي سنرجع إليه في قواميس اللغة، فابن منظور -رحمه الله تعالى- في (لسان العرب) يقول، في جزء أربعة ص ٢٨٩: وعلي أي طبق كانت من الممكن الرجوع إلى مادة شبه الشين والباء والهاء، الشين والهاء والباء كما يقول أيضًا صاحب (معجم مقاييس اللغة) هي لها معنيان
[ ١٣٢ ]
أصليان أو أصيلان، المعنى الأول أنها تدل على التماثل، هي كلمة تسوية وكلمة تمثيل، هذا شبه فلان أو شبه فلان يعني أنه مثله، فهما متشبهان ومتساويان، هذا معنى من معانيها.
وأيضًا تعني المشكلات، هذا الأمر مشتبه فيه أو مشبه عليه، يعني هناك مشكلة في فهمه، يقول ابن منظور: والفتنة إذا أقبلت شبهت على القوم، وأرتهم أنهم على الحق حتى يدخلوا فيها، ويركبوا متنها، يقصد يركبون متن الفتنة. يعني معنى كلامه يفعلون ما لا يحل، وإذا أدبرت وانقضت بان أمرهم، فعلم من دخل فيها أنه كان على الحق.
إذن الفتنة نوع من التلبيس شبهت على القوم، وزينت لهم أنهم على الحق، فإذا دخلوا فيها انحرفوا ووقعوا في أخطاء كثيرة، وبعد أن تنكشف هذه الفتنة يكتشفون أنهم كانوا على خطأ، لكن لا ينفع الندم في هذه الحالة.
وشبه الأمر عليه أي: اختلط عليه حتى التبس بغيره، والشبهة هي الالتباس، وأمور مشتبة ومشبهة يعني مشكلة، يعني يصعب فهمها والمعاني كلها تتقارب لنصل إلى أصلين من أصول الكلمة أو من معاني الكلمة، معنى التلبيس معنى الخلط، معنى الالتباس عدم الوضوح، هذا المعنى، وأيضًا معنى التشابه والتماثل.
وابن فارس -رحمه الله تعالى- في (معجم مقياس اللغة) يقول: الشين والباء والهاء أصل واحد، يدل على تشابه الشيء وتشاكله لونًا ووصفًا، يقال: هذا شبه وشبه وشبيه؛ يعني يماثله. والشبه من الجواهر هو الذي يشبه الذهب. والمشبهات من الأمور: المشكلات. واشتبه الأمران: إذا أشكلا. نفس كلام ابن فارس هو كلام ابن منظور في (لسان العرب) المعنيان الأصليان أو الأصيلان، وهما الاشتباه والالتباس، ومعنى المماثلة والمشابهة.
[ ١٣٣ ]
إذن هذا معنى الكلمة في الأصل، المعنى الثاني، وهو معنى الاشتباه والالتباس هو الذي سنسير عليه لأنه هو الذي له صلة بما نحن فيه من الكلام عن الشبه الموجهة إلى السنة المطهرة.
تعريف الشبهة في الاصطلاح: يقولون ما التبس أمره، فلا يدرى أحلال هو أم حرام، وحق هو أم باطل.
وهذا الالتباس يشمل كل الأمور قد يصل إلى بعض الأمور، نقول: هي في الاصطلاح أو في الشرع ما التبس وجه الصواب فيه فلم يدر الخطأ من الصواب، وجه الحل من الحرمة، والشبهة على كل كال تجمع على شبه، وهكذا نرى أن الكلمة لها معنيان أصليان وكثير من المعاني الأخرى، والمعنى الثاني بمعنى الإشكال والخلط والتلبيس هو الذي سنسير حوله في كلامنا هذا.
وهذا المعنى قد ورد في مجموعة من الآيات التي في القرآن الكريم، مثلًا: بمعنى المشابهة؛ أي المثل قول الله -﵎: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ (البقرة: ٢٥) أي: متماثلًا.
أيضًا في سورة البقرة، وقوم موسى يجادلونه في أمر البقرة ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ (البقرة: ٧٠) الاشتباه هنا بمعنى الخلط، وبمعنى الالتباس؛ أي لا ندري ما البقرة المراد ذبحها، وأيضًا بمعنى الأول، كل ذلك في سورة البقرة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة: ١١٨) المشابهة هنا معناها: تشابهت قلوبهم مع قلوب الذين كانوا من قبلهم جميعًا قالوا قولًا واحد تشابهوا فيه في العمى والضلال والتكذيب
[ ١٣٤ ]
للأنبياء والبعد عن الحق، هذا وجه الشبه الذي جمع بين الأولين وبين الآخرين في موقفهم من رسل الله -عليهم جميعًا أفضل الصلاة وأتم التسليم-.
في سورة آل عمران ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران: ٧) إذًا المتشابه في القرآن له تفسيرات متعددة، هو الذي لا يعلم تأويله إلا الله، هذا معنى، وقد اختاره ابن حجر -رحمه الله تعالى- في "الفتح" في كتاب التفسير، هل هو المتشابه الذي يحمل وجوهًا متعددة من الفهم والتأويل والتفسير؟ هذا أمر ممكن، هل هو المتشابه الذي قد تعيا بعض العقول على فهمه فعليها أن تفوض أمر فهمه إلى الله تعالى؟
كل ذلك وارد، لكن المقصود لا يعلم تأويله إلا الله كما ذكرت الآية، لكن على كل حال هذه الآية يعني تبين أن المتشابه بمعنى الاشتباه الذي هو الالتباس على بعض الأفهام أن تفهم المراد عنه.
ووردت المادة في القرآن الكريم في آيات كثيرة ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ (الأنعام: ٩٩) وفي الآية الأخرى ﴿مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ (الأنعام: ١٤١) والآيتان هنا بمعنى التماثل ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (الزمر: ٢٣) أي هنا أيضًا بمعنى التماثل يعني يشبه بعضه بعضًا في الفصاحة والبلاغة والتناسق لا تعارض فيه، ولا تناقض إلخ.
أيضًا جاءت مادة شبه في السنة المطهرة في أحاديث كثيرة بالمعنيين أيضًا، فمن ذلك ما رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى أم المؤمنين عائشة -﵂- قالت: " تلا رسول الله -ﷺ- هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران: ٧) ثم قال رسول الله -ﷺ- بعد أن تلا هذه
[ ١٣٥ ]
الآية آية آل عمران «رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» أي الذين يتتبعون المتشابه احذروهم، فهؤلاء الذين هم سماهم الله.
ما معنى هذا المتشابه؟ وما المراد به؟ وهل هذا الفهم الصحيح؟ إلخ، يعني يدخلون بنا إلى مشاكل، ولا يفضون الأمر إلى الله مع أن القرآن الكريم لا يناقض بعضه بعضًا أبدًا، ولا يعارض بعضه بعضًا، والمحكمات تضمنت كل الأحكام التي من الممكن أن يحتاج إليها البشر في كل شأن من شئون حياتهم.
هؤلاء الذين يتتبعون المتشابه من القرآن ويريدون أن يضربوا القرآن ببعض، ويحاولون أن يثبتوا أن بين القرآن اعتراضًا أو تضادًّا أو ما شاكل ذلك، هؤلاء في قلوبهم زيغ، وهؤلاء الذين سمى الله تعالى أي في قلوبهم زيغ، وبعدًا عن الحق، واستجابة للهوى وللشيطان، كل هؤلاء علينا أن نحذرهم وأن نبتعد عنهم، فلا نحاكيهم، ولا نكون منهم أبدًا.
أيضًا في حديث النعمان بن بشير -﵁- وهو في الصحيحين يعني هذا الحديث الذي ذكرناه من معنى آية آل عمران، رواه البخاري في كتاب التفسير باب منه آيات محكمات، روى البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب البيوع، باب الحلال بين والحرام بين، وكذلك رواه الإمام مسلم في كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات. حديث النعمان بن بشير -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي -ﷺ- قال: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثيرًا من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» إلى آخر الحديث.
المشتبهات في هذا الحديث معناها واضح، يعني ليست هي بواضحة الحل أو الحرمة، فلهذا لا يعرفه كثير من الناس، ولا يعرفون حكمها، والنبي -ﷺ- قال:
[ ١٣٦ ]
«لا يعلمهن كثير من الناس» والمهم أن الكلمة هنا بالمعنى الذي نتكلم عنه، وهو معنى الاشتباه والخلط والالتباس الذي يريد البعض بالنسبة لبعض الآيات أو بعض الأحاديث أن يقع فيها.
إذن الخلاصة أن مادة شبه لها معنى المماثلة، ولها معنى الخلط أو الالتباس أو الإشكال في الفهم؛ يعني تحتاج إلى جهد في الفهم وما إلى ذلك، كل ذلك من معاني الكلمة، وهذا هو المعنى المراد الذي نتكلم عنه، معنى الشبهة.
إذن الشبه التي يثيرونها حول السنة وفقًا لما تكلمنا عن مدلول الشبه في اللغة والاصطلاح، أنه يثيرون بعض الإشكالات حول السنة؛ ليثيروا أو ليوجدوا نوعًا من الالتباس والخلط في الفهم، وكأن السنة غير واضحة وغير جلية وما ذلك إلا لما علق بها من إشكالات يريدون أن يقولوا ذلك ليزهدوا الناس في السنة؛ وليبعدوهم عنها وليمنعوهم من الاقتداء والانقياد بحكمها. هذا معنى الشبه.
شبهة حول تدوين السنة
وننتقل الآن إلى أول الشبه التي نتكلم عنها -بإذن الله ﵎- هذه الشبهة يعدها العلماء تحت عنوان تدوين السنة، ما الذي أثاره الأعداء حول قضية تدوين السنة؟ ننطلق في معالجة هذه المسألة من رواية رواها الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه تعليقًا، يعني رواية معلقة، يقول فيها: "وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله -ﷺ- فاكتبه، فإني خفت دروس العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا".
[ ١٣٧ ]
هذه الرواية رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب العلم رواية معلقة، يعني من غير سند، قال: وكتب عمر بن عبد العزيز. من غير أن يذكر الإسناد إلى عمر بن عبد العزيز، وعمر بن العزيز -رحمه الله تعالى- ورضي الله تعالى عنه توفي سنة ١٠١هـ، والبخاري ولد سنة ١٩٤هـ، فبين البخاري وعمر بن عبد العزيز قريب من خمس وتسعين سنة بين وفاة عمر بن عبد العزيز ومولد البخاري. إذن هو لم يسمع من عمر بن عبد العزيز.
إذا روى الراوي الرواية من غير إسناد يعني حذف الإسناد كله، هذه تسمى رواية معلقة، طبعًا هناك كلام للعلماء، وأعتقد أن الدارس الكريم الذي يسمعني الآن قد علم حكم المعلقات عند البخاري، هي ليست من أصول الكتاب على كل حال، حين نقول: أجمعت الأمة على تلقي البخاري بالقبول، وأن كل ما فيه صحيح، فهم يقصدون الأحاديث المسندة أي: التي لها إسناد، التي هي أصول الكتاب، أما الروايات المعلقة فيقولون: ما ورد فيه بصيغة الجزم يعني ليس بصيغة التمرير، كمثل الرواية هنا، فهي رواية صحيحة.
وابن حجر -رحمه الله تعالى- قد تكفل ببيان إسناد الروايات التي أوردها البخاري معلقة في كتاب له سماه (تغليق التعليق) لا أريد أن أبتعد عن موضوع الأصلي الذي أتكلم فيه، وإنما أردت أن أعلق على هذه الفائدة ما معنى الرواية المعلقة خصوصًا الرواية التي معنا من هذا النوع، وهي رواية معلقة يقول فيها البخاري -﵀- هو: "كتب عمر بن عبد العزيز .. " إلى آخر الرواية.
كتب إلى أحد علماء الأمة الكبار أبو بكر بن حزم: "انظر ما كان من حديث رسول الله -ﷺ- فاكتبه فإني خفت اندراس العلم" يعني ضياعه، اندرست الآثار يعني زالت، فإني خفت دروس العلم هناك الدرس بمعنى المذاكرة، يدرسون العلم يذاكرونه، لكن اندرس العلم أو درس العلم معناها ضياع العلم وانتهاؤه،
[ ١٣٨ ]
"ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا".
هذه الرواية وغيرها أيضًا كما سيأتي عرضا أثناء الشرح استند إليها من يريد أن يهاجم السنة، ما وجه استناده لها؟
يقولون: إن هذه الرواية تفيد أن السنة المطهرة لم تدون إلا في مطلع القرن الثاني الهجري؛ لأن أول من أمر بتدوينها هو الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- وكما ذكرنا فهو قد تولى الخلافة سنة ٩٩ هـ وتوفي رحمه سنة ١٠١ هـ يعني مع نهاية القرن الأول الهجري، ومعنى ذلك من وجهة نظره هؤلاء الشانئين أن السنة قد تأخر تدوينها قرنًا كاملًا أو قرابة القرن.
تعلقهم بهذه الرواية واضح؛ لأنهم يتصورن أن هذه الرواية تخدمهم في أغراضهم من الهجوم على السنة والتشكيك فيها، يطرحون سؤالًا فيقول: إن السنة إذا كانت قد تأخر تدوينها إلى مطلع القرن الثاني الهجري، فأين كانت طوال القرن الأول الهجري كله؟ أين السنة منذ أن قالها النبي -ﷺ- إلى أن أمر عمر بن عبد العزيز -﵁- بتدوينها؟
نقول لهم: محفوظة في الصدور مثلًا قالوا لك: إن الحفظ خوان، ونحن لا نأمن الحفظ؛ لأنه قد يطرأ عليه النسيان، وكما يقول أسلافنا -﵏- آفة العلم النسيان، وقد يطرأ عليها الوهم أو الخطأ، وكل ذلك يؤدي إلى احتمال الزيادة والنقصان، والتغيير والتبديل إلى آخره.
وكأنهم وقعوا على كنز ثمين يوجهون من خلاله سهامًا يعني إلى السنة، يعني نقول في الرد على هذه الشبهة، وهي تحتاج إلى رد تفصيلي، سنحاول أن نختصره بقدر الإمكان بإذن الله -﵎-.
[ ١٣٩ ]
هي لم تكن محفوظة في الصدور فقط، وإنما كانت محفوظة في الصحف أيضًا؛ يعني محفوظة في الصدور وفي السطور، في الكتابة، كيف؟
دعونا نبدأ المسألة من أولها، فنجزم أولًا بصحة هذه الرواية، بصحة رواية عمر بن عبد العزيز التي صدرنا بها كلامنا، والتي تفيد أن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- هو أول من أمر بكتابة السنة، نجزم بصحتها؛ لأنها وردت في أوثق مصادرنا، وأصحها بعد كتاب الله تعالى ألا وهو (صحيح البخاري).
لكن عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- حين أمر بكتابة السنة، فإنه لم يبدأ ذلك من فراغ، وإنه اعتمد على تلك الأصول المكتوبة التي نقول بلا أدنى مبالغة كانت تملأ أرجاء العالم الإسلامي كله من خلال روح علمية نشطة وثابة، أشعلها الإسلام في أتباعه من خلال القرآن الكريم الذي حث على طلب العلم وكرم العلماء، وبين أنهم الطائفة التي تخشى الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨) ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: ٩) ومن خلال جملة وافرة من أحاديث النبي -ﷺ- دعت إلى العلم عمومًا، ودعت إلى الاهتمام بالسنة خصوصًا، وكانت الدافع الأول لصحابة وللأمة كلها على الاهتمام بالعلوم الشرعية وغير الشرعية، وأيضًا الاهتمام بالسنة على وجه خاص.
ويكفي أن النبي -ﷺ- يدعو بنضارة الوجه فيما رواه الترمذي في كتاب العلم لمن روى حديثًا عنه -ﷺ- «نضر الله امرأ سمع منا حدي ثًا فأداه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع» وللحديث نصوص متعددة.
وفي حجة الوداع، وهذا في الصحيحين «ليبلغ الشاهد الغائب» المهم هذه الروح العلمية النشطة التي أشعلها الإسلام في أتباعه من خلال مصدريه القرآن والسنة ملأت قلوب الصحابة والمؤمنين بحب العلم، فأصبحوا يتقربون إلى الله تعالى بأن
[ ١٤٠ ]
يزدادوا في كل يوم علمًا، وقطعًا فإن أشرف العلوم وخيرها ما كان متعلقًا بالقرآن الكريم وبالسنة المطهرة، ولذلك نشطوا -كما قلت- في الاهتمام بالسنة.
وحين نتكلم ونقول: إن التدوين في السنة بدأ في عصر النبي -ﷺ- مبكرًا جدًّا، بل بإذن منه -ﷺ- شخصيًّا، فإننا لن نعتسف الأدلة أبدًا وصولًا إلى تلك الغاية، ولكننا لا نقول أو لن نقول في هذا الشأن قولًا إلا وسنؤيده بالدليل القوي المستمد من أوثق المصادر بإذن الله، ومن آكدها وأصحها.
على كل نبدأ فنقول: أول العهد في أمر الكتابة كان هو نهي النبي -ﷺ- عن الكتابة، يعني نهى المسلمين أن يكتبوا شيئًا غير القرآن، وهذا النهي ورد في قوله -ﷺ- «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» هذا حديث رواه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب الزهد والرقائق، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم.
هذا أول الأمرين من النبي -ﷺ- أن نهى عن الكتابة، هذا النهي النبوي كان وراءه جملة من الأسباب، نجملها على الوجه التالي:
أولًا: نهاهم عن الكتابة مخافة اختلاط شيء بالقرآن الكريم، فالقرآن الكريم كان شديدًا عليهم، صحيح هم أهل فصاحة وبلاغة، وأهل تذوق عالٍ وراقٍ، لكن ذلك لا يمنع أن القرآن كان جديدًا لم يتعودوا بعد على أسلوبه، ولم تشربه قلوبهم بعد، صحيح يتذوقونه ويفهمونه، لكنهم لا يستطيعون أن يقتربوا من ساحته، فلذلك يحتاجون إلى أن ينفردوا بالقرآن، وأن ينفرد القرآن بهم، ولا يختلط بشيء آخر مخافة أن يختلط بالقرآن، فلو سمح النبي -ﷺ- لهم بكتابة شيء غير القرآن مع القرآن، فربما أدى ذلك إلى نوع من الالتباس والاشتباه، فيدخل في القرآن الكريم ما ليس منه.
[ ١٤١ ]
أيضًا لا ننسى أن القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع، وهو لفظه ومعناه من عند الله -﵎- فلا بد أن تتوجه همة المسلمين أولًا إلى العناية به وحفظه وتدوينه؛ لذلك لم يرد النبي -ﷺ- أن يشركهم أو يشرك مع القرآن غيره حتى لا يحدث التباس كما ذكرنا في السبب الأول، وحتى لا تبتعد الهمم عن القرآن الكريم.
أيضًا قلة أدوات الكتابة، وضم إليها أيضًا قلة عدد الكاتبين في ذاك الزمان، نحن لا زلنا بيئة أمية يعني النبي ﵊ يقول «نحن أمة أمية لا تكتب ولا تحسب» هذه البيئة الأمية أدوات الكتابة فيها قليلة، وعدد الكاتبين فيها قليل، في ذاك الزمان، هذا جعل النبي -ﷺ- يستفيد بهم في تدوين القرآن الكريم أولًا، ولم يشأ -ﷺ- أن يوزع الجهود، وهي قليلة بين القرآن الكريم وغيره.
أنا أقول هذه الأسباب وأود أن لا نأخذ سببًا بمعزل عن الأسباب الأخرى، يعني النبي -ﷺ- أراد أن لا يختلط شيء بالقرآن، ولا يكتبوا شيئًا مع القرآن في صحيفة واحدة فيختلط هذا بذاك، أيضًا أرادهم أن تتوجه همتهم إلى القرآن الكريم في المقام الأول. أيضًا قلة أدوات الكتابة مع مع قلة عدد الكاتبين يجعلنا نستثمر هذه القلة في ميدانها الأول، وكأنه فقه الأولويات، وكأنه ترتيب الأمور حسب أهميتها، فلتتوجه الهمم أولًا إلى القرآن الكريم، ولا تتوزع الجهود وهي أصلًا قليلة، لا تتوزع على القرآن الكريم وغيره، فيضيع هذا وذاك.
أيضًا من بين الأسباب التي جعلت النبي -ﷺ- ينهى في أول الأمر عن كتابة شيء غير القرآن حتى لا يركن المسلمون إلى الكتابة ويتركوا الحفظ؛ لأن البيئة بيئة أمية، لكن الله رزقها حافظة واعية يعني نادرة في قوة حفظها، وفي استيعابها رغم أنهم لا يعرفون القراءة والكتابة في الأعم الأغلب. هذا أمر عجيب في هذه الأمة، أن نتصور أن بعض مثلًا رواة الأشعار يحفظون أكثر قرأت مثلًا ١٨٠٠٠ بيت شعر، رقم مهول،
[ ١٤٢ ]
والأنساب وغير الأنساب، هذا أمر لا يجادل فيه أحد، حبا الله هذه الأمة بملكة الحفظ التي لا يقترب من ساحتها أبدًا أحد من الأمم غير أمة العرب المباركة.
إذًا النبي -ﷺ- أراد أن يستثمر هذه القدرة عند الأمة، وهي ملكة الحفظ، وألا ينصرف من الحفظ إلى الكتابة حتى لا تضعف هذه الملكة، فأمر بعدم كتابة شيء غير القرآن.
هذه بإيجاز أهم أسباب النهي عن كتابة شيء غير القرآن في أول الأمر -أي في أول الإسلام- بعد الهجرة، وهناك من العلماء من أضاف أسبابًا أخرى، لكننا وقفنا عند أهمها الذي ذكره العلماء.
هذه العوامل التي أدت إلى الخوف زال الخوف بعد برهة، كيف؟ بتتابع نزول آي القرآن الكريم، وتعامل الناس معه أصبحوا يتذوقونه، وأصبحوا يدركون الفرق بين وبين أي كلام آخر يأتي على أي لسان، فالسبب الأول في النهي عن الكتابة، وهو مخافة أن يلتبس شيء من القرآن الكريم زال، وانتهى بتعود الأمة على القرآن بحفظ كثير له معايشتهم لمعانيه ولبلاغته ولفصاحته، فاكتسبوا ملكة قوية خصوصًا أنهم في الأصل أهل فصاحة وبلاغة، اكتسبوا ملكة قوية يستطيعون أن يفرقوا بها بين القرآن وبين أي كلام آخر، مهما حاول البعض أن يمتحنهم بالخلط في ذلك الأمر.
وأيضًا همة المسلمين إذا كنا نريدها أن تتوجه إلى القرآن الكريم فقد توجهت ولله الحمد والمنة، وأيضًا نريدها بعد ذلك أن تتوجه نحو السنة؛ لأننا لا نستطيع أن نفهم الإسلام إلا من خلال القرآن والسنة فلذلك أيضًا زال سبب الخوف الذي كان يعني سببًا في أن يمنع بعض المسلمين من كتابة شيء غير القرآن.
وأيضًا بمرور الوقت وتتابع الأزمان، قلة الكتابة، وقلة أدوات الكتابة انتهى، كيف؟ درب كثير من المسلمين على القراءة؛ يعني دين يدعو إلى العلم، ويتعبد
[ ١٤٣ ]
الله بأمور كثيرة في هذا الدين، ومن بينها يتعبد بالعلم؛ يعني نطلب العلم مرضاة لله -﵎- يعني ولذلك حرم علينا أن نكتم العلم، يعني قضية العلم في الإسلام لها حديث آخر، لكن أنا أريد أن أقول: إن الأمة أقبلت على العلم فزال سبب من الأسباب التي ذكرناها، وهي قلة أدوات الكتابة، وقلة الكاتبين.
ويكفي يكفي أن نعلم أن النبي -ﷺ- جعل فداء الأسير من مشركي قريش في بدر أن يعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة؛ يعني هو حدد مبلغًا من المال لكل أسير، والذي لا يكون معه مال، ولكن معه القراءة والكتابة يستطيع أن يعلم عشرة من المسلمين، يعني أنا لم أقف على مصادر ذكرت عدد الكاتبين من هؤلاء الأسرى، لكن أنا أحيانًا أتخيل، هم كانوا سبعين أسيرًا لو أن عشرة منهم علموا المسلمين، وفقًا لهذا الشرط سيعلمون مائة، ثم هذه المائة بعد ذلك تنطلق لتعلم غيرها من المسلمين، وهكذا قام في المجتمع حركة علمية نشطة لا تتوقف عند حد، وثمارها نعيشها حتى اليوم.
المهم أن هذه الأسباب زالت التي أدت إلى النهي عن الكتابة في أول الأمر، ثم كان الإذن النبوي الكريم بعد ذلك بالكتابة.
إذن فالنبي -ﷺ- نهى عن الكتابة في أول الأمر للأسباب التي ذكرناها، ثم لما زالت الأسباب أذن النبي -ﷺ- بالكتابة، هذا الإذن تمثل في جملة من الأدلة، يعني أنا لم أشرح الآن كيف زالت هذه الأسباب؛ لأن هذا أمر طويل وله تفصيلات كثيرة، إنما المهم أن أسباب النهي عن الكتابة زالت، فكان آخر الأمرين من النبي -ﷺ- هو الإذن بالكتابة، هل هناك أدلة على الإذن بالكتابة؟
نعم، روى الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- بسنده إلى عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما- قال: "كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول -ﷺ- أريد حفظه. فنهتني قريش
[ ١٤٤ ]
فقالوا: "إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول -ﷺ- ورسول الله -ﷺ- بشر يتكلم في الغضب والرضا". فأمسكت عن الكتاب -يقصد الكتابة يعني، أمسكت يعني امتنعت- فامتنعت عن الكتاب أي عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله -ﷺ- فقال: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق» الحديث سنستدل به على قضية أخرى بعد أن نشرع في الغوص في المسألة، لكن الآن نستدل به على أن النبي -ﷺ- أذن في الكتابة بعد النهي عنها.
ونرجو أن ننتبه أن هذا الإذن كان بعد النهي، بدليل أن عبد الله بن عمرو بن العاص صاحب هذه القصة، وهذه الرواية رواه الإمام أحمد كما قلنا في (المسند) في جزء ٢ صفحة ١٦٢ ورواها أيضًا في مواطن أخرى متعددة -رحمه الله تعالى- في مسنده عبد الله بن عمرو بن العاص أسلم سنة ثمان للهجرة، إذن فهذا الأمر النبوي الكريم من الأمور المتأخرة بعد سنة ٨ للهجرة.
أيضًا في فتح مكة النبي -ﷺ- خطب، والرواية عند الإمام البخاري في كتاب العلم في باب كتابة العلم، ورواها الإمام مسلم في كتاب الحج باب تحريم مكة صيدها وشجرها، تقول الرواية: "لما فتح الله تعالى مكة للمسلمين خطب النبي -ﷺ- قام يخطب يعني فرحًا بنعمة الله بفتح مكة ودخولها في الإسلام، وتحدثًا بنعمة الله عليه، فقام رجل من أهل اليمن اسمه أبو شاة، وقال: يا رسول الله اكتبوا لي. فقال: «اكتبوا لأبي فلان» يقصد أبا شاة.
هذه الرواية كما قلت موجودة عن البخاري ومسلم فيها أن أبا شاة وأيضًا في فتح مكة سنة ٨ في رمضان، يعني قال: النبي -ﷺ- خطب، واشتكى له الرجل في بعض الروايات أنه اشتكى له؛ يعني ضعف الحفظ، وكذا وطلب منه أن يكتبوا له، فالنبي -ﷺ- أذن وقال: «اكتبوا لأبي شاة» ضم هذا الدليل مع حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أيضًا الذي كان بعد سنة ٨ لأن عبد الله أسلم سنة ٨ - ﵁- وعن أبيه.
[ ١٤٥ ]
أيضًا عند البخاري في الرواية السابقة: «اكتبوا لأبي شاة» زيادة عن الوليد بن مسلم قال: قلت للأوزاعي: ما قوله اكتبوا؟ كأنه يسأل الأوزاعي ما معنى قوله «اكتبوا لأبي شاة» يعني ماذا يكتبون، وكيف يفهمون الأمر؟
فالأوزاعي يقول: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله -ﷺ- يعني سيكتبون لأبي شاة هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله -ﷺ-.
أيضًا روى الإمام الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- قال من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: "كان رجل يشهد حديث النبي -ﷺ- فلا يحفظه، فيسألني، فأحدثه، فشكى قلة حفظه إلى رسول الله -ﷺ- فقال رسول الله -ﷺ-: "استعن على حفظك بيمينك" هذا توجيه من النبي -ﷺ- للرجل أن يستعين بيمينه يعني يستعين بالكتابة، وهذا درس مهم جدًّا، فتدوين العلم وكتابته من الأسباب القوية جدًّا في الحفاظ على العلم، يعني لو أنك مثلًا أي علم تعلمته عرضة أن تنساه خصوصًا في هذا الزمان، ذاكرة الحفظ قلّت وضعفت والشواغل كثيرة أن تبقي شيئًا من العلم أو حتى الذي تبقى تحفظه بحفظ الله تعالى له بالوسائل العلمية، فهذا مما يساعد على الحفظ، أقصد أن أقول الكتابة من أهم الوسائل على حفظ العلم الشريف.
النبي -﵊ الرجل شكا له قلة الحفظ أو ضعف الحفظ فقال له: "استعن على حفظ بيمينك" يعني قوِّ حفظك باستعمال الكتابة؛ لأن الكتابة تثبت العلم وتحفره في أعماق الذاكرة، فلا يتفلت بإذن الله -﵎-.
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم بارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١٤٦ ]