[ ١٤٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثامن
(شبهة حول تدوين السنة (٢»
الأحاديث الدالة على الإذن بتدوين الحديث والحث عليه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وأحبابه وأصحابه، وأزواجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فبعون من الله -﵎- وتوفيقه كنا قد بدأنا الكلام عن شبهة تدوين السنة، وخلاصتها أن الأعداء يقولون: إن تدوين السنة قد تأخر إلى مطلع القرن الثاني الهجري أثناء خلافة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه ورحمه الله تعالى- لأنه هو الذي أمر بتدوين السنة، وقد ذكرنا الرواية الدالة على ذلك، وهي موجودة في (صحيح البخاري) فأين كانت السنة المطهرة طوال القرن الأول الهجري كله؟.
ويثيرون وفقًا لهذا بعض الشكوك في السنة تعرضت للزيادة والنقصان والتحريف أو التغيير والتبديل وما شاكل ذلك، وهذا اقتضانا أن نذكر أدلة؛ يعني قلنا: إن أول الأمر من النبي -ﷺ- أنه نهى عن كتابة السنة، وهذا حديث صحيح موجود في (صحيح الإمام مسلم) من رواية أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- وذكرناه أيضًا في الدرس الماضي، واقتصرنا على حديث أبي سعيد؛ لأنه أصح الأحاديث الواردة في النهي عن الكتابة.
هناك أدلة أخرى قد تكلم العلماء حولها -لا داعي للدخول في تفصيلاتها- وإنما يكفينا حديث أبي سعيد -﵁- فهو واضح في الدلالة على النهي عن كتابة السنة في أول الأمر، ثم بعد ذلك أذن النبي -ﷺ- في الكتابة، وهذا الإذن له أدلة كثيرة، وهناك قرائن تبين أن هذه الأدلة كانت في آخر حياة النبي -ﷺ-.
من هذه الأدلة كما ذكرنا حديث: «اكتبوا لأبي شاة» فها هو النبي -ﷺ- يأذن لعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما- في الكتابة، وكان ذلك بعد إسلام عبد الله الذي أسلم في السنة الثامنة للهجرة، وحديث أبي شاة كان في فتح مكة أي في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة.
والخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- روى في كتاب (تقييد العلم) قال بسنده إلى أبي هريرة -﵁- قال: كان رجل يشهد حديث النبي -ﷺ- فلا يحفظه، فيسألني، فأحدثه، فشكا قلة حفظه إلى رسول الله -ﷺ- فقال له النبي -ﷺ-: "استعن على حفظك بيمينك" أي: استعن بالكتابة لتساعدك على الحفظ؛ لأن الكتاب من أقوى الوسائل في حفظ العلم.
والمهم أن هذه أدلة وغيرها أيضًا موجود، ولا نطيل في ذكر الأدلة إنما نبين أن هناك أدلة نهت عن الكتابة كما في حديث أبي سعيد، وأدلة حثت أو سمحت بالكتابة، العلماء -رحمهم الله تعالى- تعددت أقوالهم في الجمع بين هذه الأحاديث، بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن.
هناك من قال: إن العلاقة هي العموم والخصوص، بمعنى أن قوي الحفظ لا يسمح له بالكتابة، فحديث النهي يحمل عليه، أحاديث النهي كلها تحمل على من يعني له حافظة قوية يستطيع أن يحفظ، فلا يهدرها، ولا يضيعها بالكتابة، وتتعود ذاكرته على النسيان؛ لأنه لا يعوده على الحفظ، وبالتالي فإن أحاديث النهي محمولة على قوي الحفظ، وأحاديث الإذن محمولة على ضعيف الحفظ ما دام لا يحفظ جيدًا فليستعن بيمينه، وليكتب حتى لا يضيع منه العلم، ولا يختلط لديه العلم.
[ ١٤٩ ]
وهناك من قال: إن النهي منصب على ما إذا اجتمع القرآن والسنة في صحيفة واحدة يعني النهي موجه إلى من يكتب القرآن، ويكتب الأحاديث النبوية في صحيفة واحدة مخافة أن تختلط الأحاديث النبوية بالقرآن الكريم، ولكن من يؤمن منه هذا الخلط، ولا يقع في ذلك اللبس، فلا بأس أن يكتب خصوصًا إذا كتب الحديث في صحيفة، وكتب القرآن في صحيفة أي: أن كل واحد منهما كان في صحيفة مستقلة.
وهناك من قال: إن أحاديث الإذن ناسخة لحديث النهي، واستعان على ذلك بأن أحاديث الإذن بها قرائن تساعد على أن ذلك كان آخر الأمرين من النبي -ﷺ- لأن حديث أبي شاة كان في فتح مكة؛ ولأن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما- كان بعد إسلام عبد الله، في السنة الثامنة، والروايات كثيرة في أنه أسلم قبل الفتح وهاجر للنبي -ﷺ-.
ومن المحتمل أن يكون هذا الحديث كان بعد إسلامه بمدة، يعني من الممكن أن نتوقعه في السنة التاسعة أو في السنة العاشرة بعدما تعود على الكتابة، وعلى أن يسجل كل شيء يسمعه من النبي -ﷺ- وأيًّا ما كانت العلاقة بين أحاديث الإذن وأحاديث النهي فإن الصحابة الكرام تلقفوا هذا الإذن النبوي الكريم بالكتابة، وشرع كثير منهم في كتابة الحديث الشريف.
ونحن هنا سنسوق جملة من الصحف التي كتب فيها الصحابة، ولن نذكر يعني واحدًا من الصحابة كتب إلا بالدليل الصحيح من خلال المصادر أو السنة النبوية المطهرة يعني كتب السنة وكتب السيرة، وما إلى ذلك، فلكي نبين أن السنة المطهرة بدئ في تدوينها من عصر النبي -ﷺ- أي في حياته، وبإذن منه -ﷺ-.
وقد أشرنا إلى بعض الأحاديث الواردة في الإذن.
[ ١٥٠ ]
الصحابة الكاتبون، وصحف تم تدوينها في عهد الرسول
فمن الصحابة الكاتبين الإمام علي -﵁- وقد روى البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى أبي جحيفة قال: قلت لعلي هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة.
يعني بإيجاز الشيعة كانوا يشيعون أن النبي -ﷺ- اختص عليًّا -رضي الله تعالى عنه- ببعض العلم ببعض الأحاديث، ببعض الأمور، لم يعطها لبقية الصحابة، فأبو جحيفة يسأل عليًّا -﵁- ويقول: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله. كتاب الله هذا عند الجميع لمن أراد أن يقتنيه من المسلمين، لا مشكلة في هذا، إذن ليس هناك تمييز لعلي -﵁- بذلك، أو فهم أعطيه رجل مسلم بمعنى: أنه لو أن رجلًا مسلمًا كان أكثر فهمًا للنصوص الشرعية الواردة في القرآن الكريم، والسنة المطهرة، فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
ومن هؤلاء الذين اختصهم الله بمزيد من الفهم علي -رضي الله تعالى عنه- يعني اختصه الله تعالى بفهم وهو أحد كبار علماء الأمة بإجماع كل أهل السنة والجماعة على ذلك، فأيضًا هذا فضل الله يؤتيه من يشاء، وليس في ذلك تمييز له "أو ما في هذه الصحيفة" وهذا محل الشاهد، "قلت" أبو جحيفة يسأل "وما في هذه الصحيفة؟ " قال علي -﵁-: "العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.
يعني فيها العقل أي الدية؛ يعني فيها الأحاديث الدالة على الدية، وفيها أحكام الأسير وفكاك الأسير، وفيها حكم قتل المسلم بالكافر، ووردت روايات متعددة بموضوع الأحاديث التي كانت في صحيفة علي -﵁- ولسنا هنا بصدد حصر الموضوعات التي كانت موجودة في الصحيفة، فهذا ليس الأهم في موضوعنا
[ ١٥١ ]
الآن إنما هو معه صحيفة بها جملة من الأحاديث المتعلقة بمجموعة من الموضوعات الإسلامية.
إذن هي صحيفة كبيرة، وهي بها مجموعة من الأحاديث النبوية المتعلقة بعدة موضوعات، مع أن الصحيفة في لغة العرب تعني الكتاب يعني الألفاظ المتداولة الآن في الثقافة العادية الآن الصحيفة قد تعني الجريدة التي نقرؤها صباح كل يوم في أي دولة كانت، لا، الصحيفة في لغة العرب تعني الكتاب؛ يعني أن عليًّا كان عنده كتاب فيه جملة من الأحاديث النبوية الشريفة، ولا ننسى أن الدليل على ذلك ورد في (صحيح البخاري) -رحمه الله تعالى- فقد رواه البخاري في كتاب العلم، باب كتابة العلم.
والمقصود كما قلنا أن الصحيفة بها هذه الأحاديث المتعلقة بهذه الموضوعات وبغيرها كما وردت بذلك روايات متعددة.
وأرجو من المستمع الكريم أن يحصي الصحائف التي كتبت في عصر النبي -ﷺ- وبإذن منه حتى نثبت بالأدلة من غير تعسف أن السنة المطهرة بدئ في تدوينها في حياة النبي -ﷺ-.
أيضًا من الصحابة الكاتبين عبد الله بن عمرو بن العاص، ومنذ قليل كنا نتكلم عن الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده بأنه كان يكتب كل شيء، هذا دليل على الكتابة والنبي -ﷺ- علم بذلك، وأذن له "كنت أكتب كل شيء أسمعه من النبي -ﷺ- فنهتني قريش" يعني وقالوا: "إن رسول الله -ﷺ- بشر يتكلم في الغضب والرضا".
ومعنى اعتراض قريش أنهم خافوا أن يكون بعض ما يقوله النبي -ﷺ- ليس بالكتابة؛ لأنه مثلًا من أقواله البشرية يعني ليست من الوحي، أو ما شاكل ذلك، ربما فهموا ذلك، فالنبي -ﷺ- بين لعبد الله «اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق».
[ ١٥٢ ]
الحديث يحمل الدليل على الأمرين معًا على أن السنة كلها وحي من عند الله «ما خرج مني إلا حق»، وأقسم النبي -ﷺ- على ذلك، والحق هو الذي جاءه من عند الله. والأمر الثاني: جواز الإذن بالكتابة أو جواز الكتابة «اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق» إذن عندي الآن صحيفة علي، وصحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، وكتابة عبد الله أثمرت صحيفة مشهورة اسمها صحيفة عبد الله أو هو أسماها الصادقة، وكانت قريبة جدًّا إلى قلبه.
وتلميذه مجاهد يقول: دخلت عليه أي على عبد الله بن عمرو بن العاص فتناولت صحيفة تحت رأسه، فتمنع عليه يعني كأنه أبى أن يعطيه إياها، فقلت: "تمنعني شيئًا من كتبك؟ " فقال: "هذه الصحيفة الصادقة التي سمعتها من رسول الله -ﷺ- ليس بيني وبينه فيها أحد" كان يعتز بها؛ لأنها سماعه من النبي -ﷺ- ليس بينه وبين النبي -ﷺ- أحد، فإذا سلم لي كتاب الله، وهذه الصحيفة، والوهط فلا أبالي.
يعني عبد الله خاف الصحيفة أن يعيطها لتلميذه، فقال: "هذه الصحيفة الصادقة التي سمعتها من رسول الله -ﷺ- ليس بيني وبينه فيها أحد، فإذا سلم لي كتاب الله، وهذه الصحيفة والوهط، فما أبالي ما كانت عليه الدنيا" هذا يعني رواه الإمام الدارمي وغيره في كتاب العلم، باب من رخص في كتابة العلم. والوهط يعني الحديقة، كانت لعمرو بن العاص -﵁- بالطائف، وآلت من بعده لابنه عبد الله.
ومن هذه الصحيفة ما رواه الإمام أحمد في مسنده بسنده إلى أبي سبرة أنه قال: كان عبيد الله بن زياد يسأل عن الحوض، حوض محمد -ﷺ- وكان يكذب به، بعدما سأل أبا برزة والبراء بن عازب وعائد بن عمرو، ويكذب به، فقلت له: ألا أحدثك في شفاء هذا؟ إن أباك بعث معي بمال إلى معاوية. "أباك" يقصد زياد بن أبيه، والد عبيد الله بن زياد بعث بمال إلى أبي سبرة إلى معاوية -رضي الله تعالى عنه- فلقيت
[ ١٥٣ ]
عبد الله بن عمرو بن العاص، فحدثني بما سمع من رسول الله -ﷺ- وأملى علي، فكتبته بيدي، فلم أزد حرفًا، ولم أنقص حرفًا.
حدثني أن رسول الله -ﷺ- قال: «إن الله لا يحب الفاحش والمتفحش، ولا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش، وقطيعة الرحم، وسوء المجاورة، وحتى يؤمن الخائن ويخون الأمين» وقال: «ألا إن موعدكم حوض عرضه وطوله واحد، وهو كما بين أيلة ومكة، وهو مسيرة شهر، فيه مثل النجوم أباريق» "فيه مثل النجوم أباريق" يعني يقصد أن أكوابه وكيزانه عدد نجوم السماء «وشرابه أشد بياضًا من الفضة، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا» فقال عبيد الله: ما سمعت في الحوض حديثًا أثبت من هذا، فصدق به وأخذ الصحيفةفحبسها عنده.
إذن يعني جئنا بحديث من أحاديث الصحيفة لنبين أن الصحيفة موجودة، وأنها روى منها عبد الله بن عمرو بن العاص، وكتب عنه بعض تلاميذه، وهذا الحديث موجود عند الإمام أحمد.
والحديث تضمن فقرات يعني موجودة في كثير من الصحيح من المصادر «إن الله لا يحب الفاحش والمتفحش» هذا ورد في الصحيح، وأيضًا أحاديث الحوض صحيحة وكثيرة جدًّا، بل إن ابن حجر -رحمه الله تعالى- وغيره في الفتح أشاروا إلى أن أحاديث الحوض متواترة.
يقول ابن حجر: جمعت طرقها فبلغت بها أكثر من خمسين صحابيًّا وبلغني أن بعض المتأخرين اشتغل بجمعها فوصل إلى أكثر من ثمانين صحابيًّا. والمهم أن هذه الصحيفة.
وابن الأثير يقول في (أسد الغابة) عن هذه الصحيفة: "إن عدتها ألف حديث" يعني صحيفة واحدة بها ألف حديث من أحاديث رسول الله -ﷺ- ضم هذه
[ ١٥٤ ]
الصحيفة، فصحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما- بها ألف حديث، ضمها إلى صحيفة علي -﵁- وبها أحاديث كثيرة متعلقة بجملة من الموضوعات؛ لنعرف أن كثيرًا من السنة قد جمع أو قد كتب في حياة النبي -ﷺ-.
أيضًا من الصحابة الكاتبين أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- ورغم أنه كان لا يعرف الكتابة، هو لم يكن كاتبًا إلا أنه كان يستكتب لنفسه؛ يعني يطلب من الآخرين أن يكتبوا له، بفضل من الله -﵎- وكأن الله -﷿- أراد أن يبقي لنا دليلًا من الأدلة المادية القوية على كتابة السنة في مرحلة مبكرة جدًّا حفظ لنا صحيفة من صحف أبي هريرة، رواها عنه تلميذه التابعي همام بن منبه.
وهذه الصحيفة الآن طبعت وحققت بأكثر من تحقيق، موجودة في الأسواق، سمعها همام من شيخه أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أبو هريرة متوفى سنة تسعة وخمسين أو ثمانية وخمسين أو سبعة وخمسين، على خلاف بين الأقوال في سنة وفاته، وهناك من رجح أنها سنة تسع وخمسين للهجرة، المقصود من ذكر سنة وفاة أبي هريرة أن نثبت أن همامًا سمعها من شيخه قبل وفاته، وإلا لما كان قد رواها عنه، يعني هذه الصحيفة كتبت في القرن الأول، كتبها همام بن منبه عن شيخه أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-.
هذه الصحيفة تعتبر من الأدلة اليقينية على أن السنة المطهرة قد شرع في تدوينها منذ مرحلة مبكرة جدًّا، وترد على الذين يزعمون أن السنة قد تأخر تدوينها، ويستدلون على ذلك برواية عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- وهي في ذات الوقت تعتبر وثيقة تاريخية هامة جدًّا لأنها وصلت إلينا كاملة رواها عن همام رواة كثيرون، يعني أستاذنا الأستاذ الشيخ سيد صقر -رحمه الله تعالى- تتبع سلسلة رواتها فقال: "وقد رواها عن همام رواة كثيرون آخرهم معمر بن راشد، ثم عبد الرزاق عن معمر
[ ١٥٥ ]
بن راشد، ثم آخر من رواها عن عبد الرزاق إسحاق الدبري ثم آخر من رواها عن إسحاق تلميذه أبو القاسم الطبراني المتوفى سنة ٣٦٠ هجرية.
هذه الصحيفة رواها كاملة في مسنده الإمام أحمد بن حنبل -﵁- كاملة في أثناء مسند أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- وأيضًا أخرج صاحبا الصحيحين بعض أحاديثها، الإمام أحمد كما قلنا يعني ذكرها أو رواها كاملة في مسنده، وهي ١٣٨ حديثا، محققة، ومطبوعة كما ذكرنا.
من أحاديث هذه الصحيفة ما رواه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- بسنده إلى همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن محمد رسول الله -ﷺ- قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض الله لهم فاختلفوا فيه، وهدانا الله إليه ثم كنا فيه تبعًا، فاليهود غدًا والنصارى بعد غد».
نذكر أيضًا بعض الأحاديث من أحاديث الصحيفة لنثبت وجودها، وكما قلنا هذه الصحيفة لها أكثر من تحقيق موجود في السوق، الدكتور رفعت فوزي حققها الدكتور محمد حميد الله حققها على أكثر من نسخة، وسجل ذلك في بداية كلامه، والتحقيقات موجودة في الأسواق، في المكتبات الإسلامية المعروفة.
هذه الصحيفة كما قلنا كتبت في القرن الأول الهجري، سواء كتبت، في الأغلب أنها كتبت بعد عصر النبي -ﷺ- لكنها كتبت في عصر الصحابة، وبيقين كتبت في القرن الأول الهجري، وقبل وفاة أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-.
العلماء يستدلون بهذه الصحيفة على أمر آخر، وهو أن الصحيحين لم يستوعبا كل الأحاديث الصحيحة، وهذا أمر معروف، فإن صاحبي الصحيحين -رحمهما الله تعالى- لم يلتزما بجمع كل الأحاديث الصحيح، وإنما التزما فقط بأنهما لن يضعا حديثًا في كتابيهما إلا إذا كان صحيحًا.
[ ١٥٦ ]
الصحيفة ثمانية وثلاثون ومائة حديث، وبإسناد واحد الإمام أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- إذن درجتها في الصحة واحدة؛ لأن إسنادها واحد، ومع ذلك أخرج البخاري ومسلم بعضها، ولم يخرجا كل أحاديثها؛ ليدل ذلك على أنهما لم يستوعبا كل الأحاديث الصحيحة، لكن أيضًا ضم هذه الصحيفة إلى الصحائف التي تكلمنا عنها لعلي ولعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما.
أيضًا من الصحابة الكاتبين عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله تعالى عنه- المتوفى بالكوفة سنة ٨٧ هجرية، لقد كتب كتابًا إلى عمرو بن عبيد الله بن معمر القرشي، أمير فارس، عندما وجهه عبد الله بن الزبير -رضي الله تعالى عنهما- إلى حرب الأزارقة، وقد قرأ هذا الكتاب سالم أبو النضر مولى عمرو وكاتبه، وقد حدث بما فيه من أحاديث، وقد روى البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه بعضها.
ومن أحاديث هذه الصحيفة ما رواه البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى موسى بن عقبة عن سالم أبي النضر، مولى عمرو بن عبد الله، وكان كاتبًا له، كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى فقرأته أن الرسول -ﷺ- في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالت الشمس. ثم قام في الناس فقال: «أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» ثم قال: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم» هذا الحديث رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الجهاد، باب الصبر على القتال. ورواه أيضًا في مواطن أخرى من صحيحه؛ ليدل على أن هذه الصحيفة كتبت أيضًا بها جملة من الأحاديث النبوية.
[ ١٥٧ ]
والخليفة الأول أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- كتب شيئًا من السنة أيضًا، فقد روى البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- أن أبا بكر -﵁- كتب له فريضة الصدقة التي أمر بها الله ورسوله -ﷺ-: "من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده إلا حقة فإنها تقبل منه". وتفاصيل مقادير الزكاة طويلة، وهذا أيضًا رواه البخاري في كتاب الزكاة، باب زكاة الإبل. والمهم أنها صحيفة، كتبها أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- لأنس بن مالك، رضي الله تعالى عن الجميع.
ومن الصحابة الكاتبين أبو رافع مولى رسول الله -ﷺ- وكان له كتاب، جمع فيه بعض الأحاديث عن النبي -ﷺ- ودفعه إلى أبي بكر بن عبد الرحمن القرشي، أحد التابعين الأجلاء، وأحد الفقهاء السبعة، ورواه الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة قال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، أنت ربي وأنا عبدك، لا شريك لك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنوبي، فاغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، ولا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك، أستغفرك وأتوب إليك» ثم يقرأ. يعني يقرأ الفاتحة، ويقرأ القرآن. هذا رواه الإمام مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، وحتى بها بعض الزيادات الأخرى التي لم يذكرها هنا.
وكان أنس -رضي الله تعالى عنه- من الصحابة الكاتبين، وقد قابله عتبان بن مالك، فكتب عنه أنس حديث زيارة النبي -ﷺ- له، نص الحديث عند مسلم -رحمه الله تعالى- فيما رواه بسنده إلى أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- عن محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك -﵃ أجمعين- رواية ثلاثة من الصحابة عن بعضهم، من لطائف الإسناد هنا.
[ ١٥٨ ]
قال أنس: قدمت المدينة، فلقيت عتبان، فقلت: حديث بلغني عنك. يعني أريد أن أسمعه منك، وأن ترويه لي قال أي عتبان: "أصابني في بصري بعض الشيء، فبعثت إلى رسول الله -ﷺ- أني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي" يعني: عتبان أصابه في بصره بعض المرض، فلا يستطيع أن يستمر على صلاة الجماعة في المسجد بشكل مستمر، فأراد أن يتخذ لنفسه في بيته مسجدًا، وأن هذا المسجد يشرف بصلاة رسول الله -ﷺ- فطلب من النبي العظيم -ﷺ- أن يأتيه إلى منزله، وأن يصلي في مكانه؛ ليتخذه مصلى له بعد ذلك، وصلى عنده النبي -ﷺ- وتم هذا الأمر.
هو حديث طويل، وفي آخره محل الشاهد فيه، قال أنس ﵁: "فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: اكتبه فكتبه" هذا رواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا.
كان الناس إذا أكثروا على أنس بن مالك -﵁- طلبًا للسماع يلقي إليهم كتبًا ويقول: هذه كتب سمعتها من رسول الله -ﷺ- وكان يقول لبنيه: يا بني قيدوا العلم بالكتاب. هذا النص "قيدوا العلم بالكتاب" ورد مرفوعًا إلى رسول الله -ﷺ- وورد موقوفًا على كثير من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب، وأنس وغيرهم، وقد استعرض ذلك كله الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- في كتابه (تقييد العلم).
والمهم أن أنسًا كتب الحديث، وأنه كانت عنده كتب أخرى يلقيها إلى طلابه، ويقول لهم: "هذه كتب سمعتها من رسول الله -ﷺ-" وكان يوصي أبناءه بأن يستعينوا بالكتابة "قيدوا العلم بالكتاب" أي: احفظوه وسجلوه ودونوه لكي لا يضيع، قيدوا العلم بالكتاب هذا ورد مرفوعًا إلى رسول الله -ﷺ- وهناك مناقشات للعلماء في درجته،
[ ١٥٩ ]
وأيضًا ورد موقوفًا على كثير من الصحابة، وهذا الورود يدل على أنها أصبحت قاعدة علمية عندهم أن يقيدوا العلم بالكتاب، وأن يحافظوا عليه من ضياعه بالتسجيل بين دفتي الصحائف حتى لا يضيع.
أيضًا من الصحابة الذين كتبوا: الصحابي الجليل سعد بن عبادة، وقد روى الترمذي -رحمه الله تعالى- قال ربيعة: وأخبرني ابن سعد بن عبادة قال: وجدنا في كتاب سعد "أن النبي -ﷺ- قضى باليمين والشاهد" وهذا رواه الترمذي في كتاب الأحكام، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد.
وابن حجر في (تهذيب التهذيب) يجزم بأن سعد بن عبادة -رضي الله تعالى عنه- كان من كتاب الجاهلية، ونص ابن حجر في ذلك نقلًا عن ابن سعد، وهذا كلام ابن حجر عن سعد بن عبادة: "كان في الجاهلية يكتب بالعربية، ويحسن العوم والرمي، وكان من أحسن ذلك يقال له الكامل".
إذن سعد له كتاب كتبه عن النبي -ﷺ- أن النبي -ﷺ- قضى باليمين والشاهد، وقضية القضاء باليمين والشاهد قضية فقهية معروفة، ولها أدلتها، ولها مناقشاتها في كتب الحديث والفقه معًا.
أيضًا من الصحابة الذين كتبوا: سمرة بن جندب -رضي الله تعالى عنه- قد جمع أحاديث كثيرة في صحف عنده، ورثها عنه ابنه سليمان، ورواها عنه، وهي كما يقول أستاذنا الشيخ سيد صقر -رحمه الله تعالى- في مقدمة تحقيقه لـ (فتح الباري) طبعة كانت طبعتها الأهرام في السبعينات يقول: "وهي على ما يظن الرسالة التي بعثها سمرة إلى بنيه، ومن أحاديثها: "بسم الله الرحمن الرحيم من سمرة بن جندب إلى بنيه، إن رسول الله -ﷺ- كان يأمرنا أن نصلي كل ليلة بعد المكتوبة ما قل أو كثر، ونجعله وترًا".
[ ١٦٠ ]
قال ابن سيرين عن هذه الصحيفة: "في رسالة سمرة بن جندب إلى بنيه علم كثير" كلام ابن سيرين هذا ذكره ابن حجر في (تهذيب التهذيب) وهو يترجم لسمرة بن جندب -رحمه الله تعالى-.
وقد قال أستاذنا الشيخ سيد صقر -رحمه الله تعالى- عن هذه الصحيفة: وصلت هذه الرسالة كاملة إلى الحسن البصري، المتوفى سنة مائة وعشر للهجرة، وكان يعتمد عليها في روايته، ويبيح نسخها لمن يشاء، ويستمع إلى من يرغب في قراءتها عليه، وجاء في كتاب (العلل ومعرفة الرجال) لأحمد بن حنبل عن ابن عوف قال: "وجدت عند الحسن كتاب سمرة فقرأته عليه".
والإمام النسائي -رحمه الله تعالى- روى في كتاب الجمعة، باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، ورواه الترمذي أيضًا في كتاب الجمعة، باب ما جاء في الوضوء يوم الجمعة من أحاديث صحيفة سمرة هذه عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل».
أيضًا من الصحابة الكاتبين: عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما- وكان عند كريب مولى ابن عباس كتب كثيرة من كتب ابن عباس، ولقد تعددت الروايات وذكر عدد منها أن كريبًا حمل من عند ابن عباس حمل بعير من الكتب، نتصور حمل بعير في ذاك الزمان من الكتب يعني مكتبة ضخمة جدًّا بمقاييس ذاك الزمان السالف، خصوصًا مع قلة أدوات الكتابة، وقلة الكاتبين، فكون واحد من الصحابة -﵃- يعني عنده مكتبة حمل بعير من الكتب، هذه مكتبة ضخمة جدًّا أكثر من ضخمة.
وكان علي بن عبد الله بن عباس يبعث إلى كريب إذا أراد كتابًا من كتب أبيه، فيبعث كريب إلى علي بما يريد، فينسخها ثم يردها إلى كريب مرة ثانية، وكأن
[ ١٦١ ]
كريبًا هذا كان هو أمين المكتبة المسئول عنها أمام الله تعالى، فكان الذي يريد كتابًا يستعيره، ويأخذ منه ما يريد ثم يرده إلى كريب مرة أخرى، لم يستثن أحد من ذلك، وعلي بن عبد الله بن عباس -﵃ أجمعين- كان يفعل ذلك.
الدكتور صبحي الصالح -رحمه الله تعالى- في كتابه (معرفة علوم الحديث) يقول عن كتب ابن عباس هذه: "ويتعاقب الناس على الرواية عنها، والأخذ منها، حتى امتلأت كتب التفاسير والحديث بمسموعات ابن عباس ومروياته، ولكننا مع ذلك لا نستطيع تحديد الزمن الذي تلقى فيه تلك الصحائف، ولا الصورة التي تلقيت عنها لأن الصحائف ليست موجودة، لكن خبرها موجود في بطون الكتب.
أيضًا من الصحابة الذين كتبوا: جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنهما- كانت له حلقة في المسجد النبوي يلقي فيها إلى تلاميذه من كتبه، وأيضًا كان له منسك في الحج، كتاب في الحج، وأوسع الروايات التي وصفت حجة النبي -ﷺ- في حجة الوداع هي رواية جابر بن عبد الله، تصف الحجة التي أداها رسول الله -ﷺ- من أول أن أذن النبي -ﷺ- في الناس أنه يريد الحج من عامه هذا إلى أن انتهت الرحلة المباركة، وعاد النبي -ﷺ- إلى المدينة.
هذه الرواية رواها الإمام مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي -ﷺ- وصف الحجة من أولها إلى آخرها، كما قلت، منذ كانت فكرة أو يعني لم يشرع في العمل بعد، النبي -ﷺ- يريد الحج من عامه هذا، فأذن في الناس جميعًا في المدينة وفي حواليها؛ لكي يشرف بالمشاركة من يريد أن يصاحب النبي -ﷺ- وفعلًا الروايات تعددت في عدد الصحابة الذين حضروا تلك الحجة المباركة، وبعضهم وصل بهم إلى أربعة عشر ومائة ألف صحابي رضي الله تعالى عنهما.
[ ١٦٢ ]
أيًّا كان العدد محل الشاهد أن جابرًا كان له منسك مكتوب في الحج، ووصفه للحج هو أوسع وصف لحجة النبي -ﷺ-.
أيضًا ابن حجر -رحمه الله تعالى- في (الإصابة) في جزء ٥ ص٨٦ يذكر في ترجمة أبي ريحانة الأزدي من الصحابة الذين نزلوا الشام ومصر، يقول: "كانت له صحف، وهو أول من طوى الطومار والطومار هو الصحيفة، يجمع على طوامير؛ إذن له أيضًا صحيفة، هذا الكلام أثبته ابن حجر -رحمه الله تعالى-.
كل تلك الصحف السابقة التي أشرنا إليها، هذا غيض من فيض، ونقطة من بحر، والصحائف كثيرة، إنما أردنا فقط ذكر بعضها للإشارة أو للاستدلال على أن السنة بدئ في تدوينها منذ عصر النبي -ﷺ.
وهذه الصحف التي أشرنا لعبد الله بن عباس، ولعلي بن أبي طالب، ولعبد الله بن عمرو بن العاص، وصحيفة همام بن منبه، وأبي رافع، وعبد الله بن أوفى، إلى آخر وأنس وجابر، كل هؤلاء غير تلك الصحف التي كان فيها بعض من أقوال النبي -ﷺ- والتي كان يكتبها لهم في أي مناسبة من المناسبات.
ومن ذلك ما يرويه ابن أبي ليلى عن عبد الله بن حكيم قال: قرئ علينا كتاب رسول الله -ﷺ- «أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب» هذا الحديث رواه الإمام الحاكم في (معرفة علوم الحديث) أثناء حديثه عن النوع الحادي والعشرين من علوم الحديث، وهو معرفة ناسخ الحديث من منسوخه. وقال عن هذا الحديث: إنه منسوخ بحديث ابن عباس أن رسول الله -ﷺ- مر بشاة ميتة فقال: «هل انتفعتم بجلدها» قالوا: يا رسول الله إنها ميتة. قال: «إنما حرم أكلها».
بعض الأحاديث تتناول أحكامًا فقهية أو عقدية أو ما شاكل ذلك، إذا استطردنا إلى توضيحها يطول بنا المقام جدًّا، لكننا نقتصر على يعني محل الشاهد، وهو أنها كانت صحيفة مكتوبة "قرئ علينا كتاب رسول الله ﷺ".
[ ١٦٣ ]
وأيضًا من الكتب التي كتبها رسول الله -ﷺ- أو أمر بكتابتها بالأدق: الصحيفة المشهورة التي تضمنت العلاقة بينه وبين اليهود بالمدينة، وهي صحيفة هامة جدًّا، بها حقوق المسلمين المهاجرين والأنصار، وعرب يثرب واليهود في المدينة، وتكررت فيها كلمة أو لفظة الصحيفة خمس مرات، وجاء في مقدمة هذا الكتاب: «هذا كتاب محمد النبي رسول الله -ﷺ- بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين» إلى آخر نص الصحيفة، وهي موجودة في (سيرة ابن هشام) وهي موجودة في كل كتب السيرة، وهي تتكلم عن هجرة النبي -ﷺ- إلى المدينة، ومن أوائل الأشياء التي فعلها النبي -ﷺ- حين هاجر إلى المدينة أنه قام بتسجيل تلك الصحيفة مع اليهود؛ لينظم العلاقة بين أهل الديانات المتعددة حين يتساكنون في وطن واحد.
وهذه الصحيفة بها من الفوائد الفقهية والعقدية والتربوية والسياسية ما لا يعد ولا يحصى، بل إننا نطلب من الدعاة أن يحفظوها؛ لأنها تمثل العلاقة بين أهل الديانات المختلفة كما قلت حين يكونون أبناء وطن واحد، تنظمها في منتهى الدقة، وتبين لكل طرف ما له من حقوق وما عليه من واجبات.
وكتب رسول الله -ﷺ- كتابًا لوائل بن حجر لقومه في حضرموت، حدد له فيه الملامح الرئيسية، ومعالم الإسلام، وكتب أيضًا له في هذا الكتاب بعض الأحكام من الزكاة، وفي حد الزنا وتحريم الخمر، وبيان أن كل مسكر حرام، وهو كتاب طويل وهذا ذكره ابن حجر -رحمه الله تعالى- في كتاب (الإصابة).
كل هذه صحائف كتبت بعد إذن النبي -ﷺ- بالكتابة، ومنها ما أمر النبي -ﷺ-
[ ١٦٤ ]
بكتابتها، ومنها ما كتبه أبو بكر، ومنها ما كتبه الصحابة جميعًا، يعني كثير من الصحابة كما ذكرنا.
وأيضًا كل ذلك غير تلك الصحف التي كان يكتبها الصحابة لأنفسهم ولغيرهم، من ذلك مثلًا الصحيفة التي ذكرناها كتبها أبو بكر لأنس بن مالك في السفر، ﵃ أجمعين.
ومنها ما رواه ابن سعد -رضي الله تعالى عنه- قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري، وجدنا في جراب سيفه كتابًا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت النبي -ﷺ- يقول: «وإن لربكم في أيامكم دهركم لنفحات فتعرضوا لها» هذا الحديث رواه الرامهرمزي في كتاب (المحدث الفاصل) في ص١١٢ وذكر الهيثمي -رحمه الله تعالى- هذا الحديث في (مجمع الزوائد) في كتاب الزهد باب التعرض لنفحات رحمة الله تعالى، عن محمد بن مسلمة، وعزاه للطبراني في الكبير، وفي الأوسط.
وكتبت سبيعة الأسلمية إلى عبد الله بن عتبة، تروي عن النبي -ﷺ- أنه أمرها بالنكاح بعد قليل من وفاة زوجها بعدما وضعت. هذا أيضًا رواه الإمام البخاري في كتاب التفسير، وفي كتاب الطلاق، ورواه مسلم في كتاب الطلاق، باب عدة المرأة المتوفى عنها زوجها. وغيرهم رواها أيضًا.
كل هذه الأدلة، وغيرها من الذي لم نذكره؛ تؤكد لنا في جزم ويقين أن العصر النبوي المبارك لم يكد ينتهي إلا وقد شرع في تدوين السنة، بل تم تدوين كثير منها في صحائف وكتب.
هذه حقيقة علمية، توصل إليها كثير من الباحثين، نكمل حديثنا عنهم إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ١٦٥ ]