[ ١٦٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس التاسع
(شبهة حول تدوين السنة (٣) - الحديث المتواتر)
استكمال الأدلة على تدوين السنة في عصر النبوة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزوجه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فنستطيع أن نقرر بعد كل هذا الاستعراض أن العصر النبوي الكريم لم يكد ينتهي إلا وقد شرع في تدوين السنة، بل بفضل الله -﷿- تم تدوين جزء منها في صحائف وكتب نستطيع أن نقرر أن هذه حقيقة علمية توصل إليها كثير من الباحثين.
يقول أستاذنا الشيخ سيد صقر -رحمه الله تعالى- في أول سطور تحقيقه لكتاب (فتح الباري) طبعة الأهرام التي أشرنا إليها قبل: "من الحقائق المطوية في الكتب أن الأحاديث النبوية قد دونت في حياة النبي -ﷺ- وفي حياة صحابته، فكان لبعض الصحابة كتب تشتمل على ما سمعوا من أحاديث كتبوها بأيديهم، وكتبها عنهم من سمعها منهم، وقد شارك الرسول -ﷺ- في تدوين سنته بإملائه على كتّابه ما أملى، من كتب في الفرائض وغيرها، أو أرسلها إلى من رأى إرسالها إليهم؛ لتكون تبصرة وتذكرة فيما افترض من ألوان أو فيما افترض من ألوان الفرائض أو أدبهم به من سنن الأدب" هذا كلام الشيخ في أول تحقيق للكتاب.
يقول الدكتور محمد عجاج الخطيب، وله رسالته التي حصل بها على درجة التخصص في "الماجستير" كانت في هذا الموضوع من كلية دار العلوم، وأصبحت مرجعًا هامًا متداولًا في الأسواق الآن، جزاه الله تعالى خيرًا عنها، عن قضية تدوين السنة بالذات، عنوان الرسالة "السنة قبل التدوين" يقول في تعليقه على صحيفة همام: "ولهذه الصحيفة أهمية تاريخية في تدوين الحديث الشريف؛ لأنها حجة قاطعة، ودليل ساطع على أن الحديث النبوي كان قد دون في عصر مبكر، وتصحح الخطأ الشائع أن الحديث لم يدون إلا في أوائل القرن الثاني الهجري".
[ ١٦٩ ]
ويقول الدكتور صبحي الصالح -رحمه الله تعالى-: - بعد أن استعرض الأدلة على كتابة السنة منذ مرحلة مبكرة، يقول: "ليس علينا إذن أن ننتظر عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز حتى نسمع للمرة الأولى كما هو الشائع بشيء اسمه تدوين الحديث أو محاولة لتدوينه.
وليس علينا أن ننتظر العصر الحاضر؛ لنعترف بتدوين الحديث في عصر مبكر جريًا وراء بعض المستشرقين كـ"جولد تسيهر" و"شبرنجر" لأن كتبنا ووثائقنا وأخبارنا التاريخية لا تدع مجالًا للشك في تحقيق تقييد الحديث في عصر النبي -ﷺ- نفسه، وليس على رأس المائة الثانية للهجرة، كما يمن علينا هذان المستشرقان، وهي تنطق فوق كل ذلك بصدق جميع الوقائع والأحوال والسير والتصرفات، التي تنطوي عليها الأحاديث الصحاح والحسان في كتب السنة جميعًا لا في بعضها دون بعض، كما يظن دوزي" ودوزي اسم مستشرق.
بعد وفاة النبي -ﷺ- لم يقل اهتمام الصحابة أبدًا بدراسة السنة، ولا بتدوينها، بل ظلوا على ذلك إن لم يكونوا قد زادوا من جهودهم، بل بالقطع نستطيع أن نقول: إن الصحابة قد زادوا من جهودهم لأن مسئولية الحفاظ على الدين بمصارده من قرآن وسنة قد انتقلت إليهم، الحفاظ والتوضيح معًا، وتوضيح الدين للناس وخصوصًا تلك الأمم التي دخلت في الإسلام بعد وفاة النبي -ﷺ- أصبح معلقًا بهم وعلى مسئوليتهم؛ لأن الوحي قد انقطع، كما أن النبي -ﷺ- لم يعد بين ظهرانيهم.
وهناك محفزات أخرى كانت لهم تدعوهم إلى مضاعفة الجهد في سبيل نشر السنة وحفظها والعمل على تقييدها، كما سنذكره بعد قليل.
إذن من هذا الاستعراض نستطيع أن نقول: إن السنة كما ذكر ذلك الذين قرأنا
[ ١٧٠ ]
من كلامهم، الشيخ سيد صقر، والشيخ محمد عجاج الخطيب، والشيخ صبحي صالح، وغيرهم كثير كثير، هذه قضية تعرض لها كثير من الباحثين المحدَثين، والحمد لله ثبت بالأدلة أن السنة بدئ في تدوينها منذ عصر النبي -ﷺ- كما قلنا وبإذن منه.
إذن لا حاجة بعد ذلك أن نتوقف في تأكيد هذه الحقيقة العلمية بعدما ثبتت بالأدلة القاطعة.
إذن الذين يثيرون الشبهات، ويثيرون الغبار حول تدوين السنة، ويعددون الشبهات حولها فيقولون مثلًا: إن النبي -ﷺ- لم يأذن بكتابة السنة أو لم يكتب السنة، حتى هم لا يتكلمون الآن عن قضية تأخير تدوينها، ويشككون فيها هناك شبهة التي نرد عليها أنها تأخر تدوينها، وأنها طوال القرن الأول كله الهجري كله لم تكن مكتوبة، كما ذكرنا، فنحن رددنا على ذلك.
هم يثيرون شبهًا أكثر من هذا، تتعلق أيضًا بتدوين السنة يقولون: إن النبي -ﷺ- لم يأمر بكتابة السنة، إذن هو لا يريد أن يكون هناك شيء آخر مع القرآن، هو انتقل من التشكيك في تدوين السنة إلى التشكيك في حجية السنة ذاتها، لو كانت السنة حجة لأمر النبي -ﷺ- بتدوينها منذ أول الدعوة، وهذا أمر رددنا عليه بالأدلة، يعني قضية حجية السنة نحن أفردنا لها بعض المحاضرات، وأثبتناها كقضية قرآنية وعقدية وإيمانية. لكن ما يتعلق بتدوين السنة.
قلت منذ قليل: إن الصحابة كان لهم محفزات أخرى لمزيد من الاهتمام بالسنة، منها الأحاديث الكثيرة يعني حين يقول النبي -ﷺ- ليبلغ الشاهد الغائب، وهذا حديث رواه الإمام البخاري في خطب الوداع، قال: «ليبلغ الشاهد الغائب» ليبلغ: فعل مضارع اقترن بلام الأمر، فيفيد الوجوب، التبليغ واجب على كل قادر عليه، تبليغ القرآن، تبليغ السنة «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج» «نضر الله امرأ سمع منا حديثًا» وقد ذكرنا هذه الأحاديث بتخريجها قبل ذلك.
[ ١٧١ ]
كل هذه أوامر نبوية، تدل على ضرورة الاهتمام بالسنة أيناقش أحد بعد ذلك في أن عدم كتابة السنة في حياة النبي -ﷺ- تدل على أنها ليست حجة؟ نحن رددنا على هذه الشبهة من وجهين: الأول: إثبات أن السنة دونت بإذن من النبي -ﷺ- في آخر حياته، وأن كثيرًا من الصحابة كتبوا.
ونرد على الجانب الثاني من الشبهة بأن النبي -ﷺ- لو كانت حجة لكتبها؟ ها هو قد كتبها، وها نحن أثبتنا كتابتها، وأيضًا نرد بأكثر من هذا بكل الأحاديث التي تدل على أنه أمرهم وحثهم على ضرورة العناية بالسنة المطهرة، هذه محفزات النبي -ﷺ- ذكرها لهم، «نضر الله امرأ سمع مقالتي وأداها كما سمعها، ورب مبلغ أوعى من سامع» وفي رواية «فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» هذه الرواية رواها الإمام الترمذي في كتاب العلم، باب الحث على تبليغ السماع.
ورواه أبو داود أيضًا في كتاب العلم، باب نشر العلم، ورواه ابن ماجه في المقدمة، ورواه الدارمي في المقدمة باب الاقتداء بالعلماء، كل ذلك يعني النبي -ﷺ- يدعو بنضارة الوجه لمن أدى حديثًا واحدًا، فكيف بمن قام بدور كبير في صيانة السنة، ولم الاهتمام بالسنة إذا لم تكن حجة؟ كما يقول هؤلاء، ولم الحث على روايتها؟ ولم الأمر بأن يبلغها الشاهد الذي سمع للغائب الذي لم يسمع؟ سواء كان ذلك في حياة النبي -ﷺ- أو بعد حياته -ﷺ- «ليبلغ الشاهد الغائب» ليست مقصورة على حياة النبي -ﷺ- نعم هو قالها، وهو في حجة الوداع معهم، لكن الأمر إلى يوم القيامة.
كل من علم حديثًا وحفظه وفهمه، وتلقاه عن أشياخه، عليه أن ينقله إلى الأمة من بعده؛ لأن كل حديث عن النبي -ﷺ- إنما هو جزء من هذا الدين، وهذه قضية أخرى.
[ ١٧٢ ]
أيضًا النبي -ﷺ- في الرواية لا يحث على التبليغ فقط، يحث على فهم الأحاديث والعمل بما فيها من أحكام، وإلا فما فائدة جملة «فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» لماذا يوصي النبي -ﷺ- بالتمسك بالسنة، يعني بسنته هو وبسنة الخلفاء الراشدين المهديين، والعض عليها بالنواجذ عند الاختلاف وغير الاختلاف «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» وكنا خرجنا هذا الحديث قبل ذلك.
أنا لا أحب أن أستعمل أوصافًا شديدة في حق المخالفين، واحد من الذين يجادلون، النبي -ﷺ- يقول: «قد تركتكم على المحجة البيضاء أو على البيضاء ليلها كنهارها» ويجوز ليلها كنهارها على أنها بدل من البيضاء «لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» هذا جزء من حديث طويل، أخرجه ابن ماجه في سنته في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، ورواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة، باب ذكر قول النبي -ﷺ- "تركتكم على مثل البيضاء، وتحذيره إياهم بأن يتغيروا عما يتركهم عليه".
والله هناك خوف على من يزيغ عن السنة أن يكون من الهالكين، نسأل الله تعالى السلامة لنا ولكل المسلمين، وأن يرد كل شارد إلى الحق ردًّا جميلًا، وأن يعيده إليه عودًا حميدًا، وأن يبصر الأمة بما عليه سلفها الصالح من اعتقاد حجية السنة، وأنها كالقرآن الكريم في التشريع، وأنها المصدر الثاني، وأننا نستمد منها أدلتنا كما نستمد من القرآن الكريم تمامًا.
وأيضًا سبق لنا أن ذكرنا الحديث الذي رواه الحاكم وغيره «إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا كتاب الله، وسنة نبيه -ﷺ- أو وسنتي» كما في بعض الروايات.
[ ١٧٣ ]
وبذلك ننتهي من الحديث عن قضية تدوين السنة، وأنها لا تشكل شبهة أبدًا يعول عليها أعداء الإسلام، بل ثبت بالأدلة القاطعة أن النبي -ﷺ- أذن للبعض، أو أذن للمسلمين أن يكتبوا السنة عن النبي -ﷺ- وذكرنا واستعرضنا الحقائق التي أثبتت ذلك.
مراحل كتابة الحديث
بعد كل هذا الاستعراض نقول: إن مكتبة الحديث أو كتابته مرت بالمراحل التالية: كتابة الأحاديث، وفيها سجلت الأحاديث في هذه المرحلة في كراريس، في صحف؛ يعني الواحد منها اسمه الجزء أو الصحيفة، تمت هذه المرحلة في عصر الصحابة، وأوائل التابعين.
والمرحلة الثانية تدوين الحديث، وهي مرحلة ضمت فيها تلك التسجيلات متفرقة، وتم هذا في أواخر القرن الأول الهجري مع أوائل القرن الثاني، ثم جاء تصنيف الحديث؛ أي المصنفات التي كتبت وفق مناهج متعددة، فمنهم من رتبها على كتب وأبواب، ومنهم من رتبها على مسانيد إلى آخره، وهذه بدأت مع الربع الثاني من القرن الثاني الهجري؛ يعني لم تتأخر.
عندنا أجزاء حديثية وعندنا كتب كثيرة، وموطأ الإمام مالك قلنا: إنه كتب قبل وفاة أبي جعفر المنصور -رحمه الله تعالى- لماذا؟ أبو جعفر المنصور انتهت خلافته سنة ١٥٨ هجرية، والإمام مالك عرض عليه (الموطأ) أثناء خلافته، وأبو جعفر اقترح على الإمام مالك أن يجعل (الموطأ) الأصل لدى كل المسلمين، وأن يحرق كل ما سواه، ولم يقبل ذلك الإمام مالك، وقال له: إن صحابة رسول الله -ﷺ- قد تفرقوا في الأمصار، وأصبح في بعض البلاد علم لم يكن عند علم أهل البلاد الأخرى وفقًا لتفرق الصحابة في الأمصار، فلم يقبل أن يكون كتابه هو القائد
[ ١٧٤ ]
وحده، وإنما علم أن هناك أحاديث كثيرة خارج دائرة (الموطأ) تناقلها الصحابة إلى البلاد، أو نقلها الصحابة إلى البلاد الذين دخلوها، وأقاموا بها.
في تصنيف الحديث كما قلنا، صنفت الكتب على الأبواب، وعلى المسانيد إلى آخره، وبالتالي نستطيع أن نتأكد من الرد على هذه الشبهة، وأن الحقيقة الساطعة هي أن السنة قد دونت خلال عصر النبي -ﷺ- والصحابة من بعده، وأوائل التابعين، صحيح أنها في صحف وأجزاء، لكنها على أي حال قد دونت، وأنه قد تلت ذلك مرحلة تالية، وهي مرحلة طبيعية تترتب تلقائيًّا على المرحلة الأول، وهي مرحلة نسميها مرحلة التكوين أو الجمع، وهي ضم هذه الصحائف المتفرقة لتكون مع بعضها يعني نسيجًا في خدمة السنة المطهرة، ثم ندخل بعد ذلك إلى عصر المصنفات، وبالتالي لا يمكن لا عقلًا، ولا واقعًا أن يأمر عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة، فلا تكون هناك جهود موجودة قبل ذلك، هذا مخالف لسنة الله في تكوين العلوم.
إن المراحل التي يمر بها العلم سبحان الله كنشأة الأطفال تمامًا، جنين ثم يعني حمل، ثم كذا ثم يولد طفلًا رضيعًا صغيرًا إلى أن يكبر.
عمر بن عبد العزيز يمثل مرحلة النضج، مرحلة تدوين السنة في مرحلتها الأخيرة، وحتى كلام عمر بن عبد العزيز يعطي في طياته الدليل على ذلك.
عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- يعلم أن الأمة الإسلامية، أو أن الساحة تمتلئ بكثير من الصحف، هو تولى الخلافة يعني إذا أردنا أن نفهم الظروف التي أدت إلى أمره بجمع السنة، يقول: اجمعوا وليس دونوا أو اكتبوا، "اجمعوا أحاديث الرسول -ﷺ- فإني خفت دروس العلم وموت العلماء".
عمر بن عبد العزيز يحكم دولة نستطيع أن نعتبرها أنها كانت نصف الكرة
[ ١٧٥ ]
الأرضية الموجودة في ذاك الزمان السالف، من حدود الصين شرقًا إلى المغرب غربًا، ومن أواسط روسيا شمالًا إلى نيجيريا جنوبًا، هذا من حيث اتساع الدولة.
عمر بن عبد العزيز وجد، وقد أوشك عصر الصحابة أن ينتهي من ناحية الوجود، ومن ناحية التأثير العلمي يعني صحيح أن عصر الصحابة امتد بعد عمر بن عبد العزيز إلى سنة ١١٠ هذا من الناحية التاريخية اتفاقًا، لكن الحقيقة أنه لم يكن قد بقي إلا الواحد بعد الواحد، عصر الصحابة نستطيع أن نقول: انتهى من الناحية السياسية من قيادة الأمة سنة ٦٠ هجرية بموت معاوية -﵁- وبقي تأثيرهم العلمي إلى قرابة نهاية القرن الأول؛ لأنه حين توفي معاوية -﵁- كان جملة من الصحابة لا زالوا أحياء.
منهم خمسة من السبعة المكثرين: ابن عباس وابن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وكان أيضًا هناك جملة من الصحابة الآخرين: عبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله بن الزبير وغيرهم، وعبد الله بن عمرو بن العاص، موجودون، ولهم نشاطهم العلمي، وهم الأساتذة في العالم الإسلامي كله.
لما انتهت هذه الظروف عمر بحاسته الإيمانية القوية خاف -بعد انتهاء جيل الصحابة- أن يضيع شيء من العلم من السنة علينا أن نجمع الجهود التي سبقت في تدوينها قبل أن تضيع، فكتب إلى علماء الأمصار أنْ اجمعوا حديث رسول الله -ﷺ- إنه كان يعلم أن المدونات تملأ أرجاء العالم الإسلامي، هو كان يريد أن يضم تلك المدونات المتفرقة أولًا ليكون عنده ديوان واحد في السنة، والأهم لكي يحفظ تلك الجهود التي كانت تملأ العالم الإسلامي.
أما أنه بدأ من فراغ، فهذا ما لا يجوز عقلًا، ولا واقعًا، ولا تقبله فطرة؛ لأنه كان
[ ١٧٦ ]
وصل العلم إلى مرحلة النضج، بل بعد ذلك بقليل ظهرت المصنفات، وحين تظهر المصنفات، فمعنى ذلك أن مراحل الجمع والتدوين قد مرت، بعد عمر بن عبد العزيز بقليل ظهر (الموطأ) والأجزاء الحديثية التي كتبها عبد الله بن المبارك المولود سنة ١١٨ وعبد الرحمن بن مهدي أيضًا، وغيرهم كثير وكثير، الليث بن سعد المولود سنة ٩٧ كتب حتى في تاريخ الرجال؛ يعني ليس في الحديث فقط.
إذن عمر بن عبد العزيز قد اعتمد على مدونات تملأ أرجاء العالم الإسلامي، وأراد أن يجمعها تحت مظلة الدولة حفاظًا على سنة رسول الله -ﷺ-.
الحديث المتواتر
وننتقل إلى شبهة أخرى أثارها أيضًا أعداء السنة، فنتكلم عن المتواتر والآحاد.
نبدأ فنقول: إن علماء السنة لهم تقسيمات متعددة للحديث، باعتبارات متعددة، لهم تقسيم للحديث باعتبار صحته وضعفه، هذا حديث صحيح أو غير صحيح. التقسيمات بهذا الاعتبار تنقسم إلى ثلاثة أقسام: حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث ضعيف.
ومعرفة كل قسم بتفصيلاته وبأقسامه موجود في كتب المصطلح، وأعتقد أن السامعين الكرام من طلاب العلم قد تلقوها مرارًا في مواد متعددة، وعلى رأسها مادة مصطلح أو علوم الحديث.
أيضًا هناك تقسيم للحديث باعتبار القبول والرد، والقبول يشمل الصحيح والحسن، والمردود يشمل الضعيف بكل أنواعه، وبكل درجاته، وهناك تقسيمات أخرى،
[ ١٧٧ ]
الذي يعنينا أن هناك تقسيمًا للأحاديث باعتبار عدد الرواة في كل حلقة، نحن نعلم أن البخاري مثلًا -رحمه الله تعالى- وكل كتب السنة أيًّا كان منهجها في تنظيم الأحاديث وتبويبها تروي الأحاديث بسندها إلى رسول الله ﷺ.
البخاري مثلًا، المتوفى سنة ٢٥٦ والمولود سنة ١٩٤ يروي عن النبي -ﷺ- بأسانيد، بداهة نعلم أن البخاري -رحمه الله تعالى- لم يسمع من النبي -ﷺ- لأن بينهما قرابة القرنين من الزمان؛ قرنان إلا عشرين سنة أو أقل، بالدقة يعني ١٧ سنة؛ لأن النبي -ﷺ- مات في أول سنة ١١ هجرية، والبخاري ولد في سنة ١٩٤، فإذا أضفنا أنه لم يدرك مثلًا إلا مع نهاية القرن الثاني سنة ٢٠٠ مثلًا، كأقل سن للتمييز عند المحدثين، فنجد أن بينه وبين النبي -ﷺ- نجد قرنين إلا أحد عشر عامًا. هذه الفترة كيف غطيت؟ غطيت بالأسانيد، البخاري له شيخ، وهذا الشيخ له شيخ، وهذا الشيخ له شيخ إلى أن يصل الأمر إلى الصحابة، ثم إلى النبي -ﷺ.
علماء الحديث -هذا كلام قاله ابن حجر- يعني يقولون: إن القرن يغطيه ثلاثة أجيال في الأعم الأغلب، قد يقل العدد عن هذا وقد يكثر؛ بمعنى أن عدد الرواة بين البخاري ومسلم ست أو سبعة، على الأعم الأغلب؛ لأن البخاري مثلًا ربما صنف كتابه بعد ربع القرن الثالث الهجري، فيكون بينه وبين النبي -ﷺ- ستة أو سبعة أو خمسة حول هذا العدد.
قد يعلو الإسناد، الإسناد العالي، وهو الذي يقل فيه عدد الرواة بين صاحب الكتاب، وبين النبي -ﷺ- هناك ثلاثيات للبخاري؛ يعني بينه وبين النبي -ﷺ- ثلاثة، وأفردها العلماء بالتأليف أسموها ثلاثيات البخاري، هذه نادرة ولافتة للنظر، وهي حقيقة، لكنها لم تحدث في كل الأحاديث.
المهم أنني أريد أن أقول: إن ما بين صاحب الكتاب -مثلًا كالبخاري الذي
[ ١٧٨ ]
اخترناه كأنموذج وكمثال- وبين النبي -ﷺ- رجال، هؤلاء الرجال نسميهم سند الحديث، أو نسميهم رجال الحديث، أو نسميهم رواة الحديث، أو نسميهم طريق الحديث، أو نسميهم إسناد الحديث، كل هذه تسميات يقبلها أهل العلم، فالإسناد عبارة عن الرجال الذين رووا الحديث بين آخر راو، وهو صاحب الكتاب، وبين النبي ﷺ.
وهذه أيضًا أمور علمية درسها الطلاب في أكثر من مادة أيضًا في المصطلح، وفي غيره، وفي دراسة الأسانيد، وفي التخريج إلى آخره.
لو أنني مثلًا آخذ الحديث الأول عند البخاري -رحمه الله تعالى- حديث "إنما الأعمال بالنيات" سأجد فيه ستة من الرواة بين البخاري وبين النبي -ﷺ- البخاري تلقى الحديث عن شيخه الحميدي عبد الله بن الزبير، المتوفى سنة ٢١٩ هجرية؛ يعني هذا شيخه، وهو شيخ مكي، ويقول ابن حجر في شرحه للحديث: إنه أجل شيوخه المكيين. ولأن الوحي نزل في مكة، فبدأ البخاري.
ننظر إلى تنظيم علمائنا لكتبهم، كل شيء فيها مقصود؛ يعني لماذا وضع هذا الحديث في بداية صحيحه؟ قالوا: إنه يريد أن يثبت أنه ألف كتابه مخلصًا لله "إنما الأعمال بالنيات" هذا الحديث الأول، سمعه البخاري من الحميدي، والحميدي من سفيان بن عيينة، هذا رقم ٢، وسفيان بن عيينة من يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن سعيد الأنصاري من محمد بن إبراهيم التيمي، ومحمد بن إبراهيم التيمي سمعه من علقمة بن وقاص الليثي، وعلقمة بن وقاص من عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- وعمر بن الخطاب من النبي -ﷺ-.
إذن غير البخاري وغير النبي -ﷺ- ستة، هؤلاء كلهم رجال الإسناد، أو إسناد الحديث، أو سند الحديث أو طريق الحديث، أو رواة الحديث إلى آخره أيًّا كانت التسمية، كل واحد منهم يسمى حلقة من حلقات الإسناد.
[ ١٧٩ ]
الحميدي حلقة، سفيان بن عيينة حلقة، يحيى بن سعيد الأنصاري حلقة، محمد بن إبراهيم التيمي حلقة، علقمة بن وقاص حلقة، عمر بن الخطاب حلقة، ما عدد الرواة في كل حلقة؟ هذا هو موضوع التواتر والآحاد، يعدون الرواة في كل حلقة من حلقات الإسناد، ويقسمون الحديث على أساسها إلى متواتر وإلى آحاد.
إذا أردنا أن نعرف المتواتر والآحاد من حيث اللغة فنقول:
التواتر في اللغة مجيء الواحد إثر الواحد بفترة بينهما، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (المؤمنون: ٤٤) تترى أي: متتابعين رسولًا بعد رسول يعني بينهما فترة؛ يعني كل رسول يأتي بعد فترة من الرسول الذي قبله، بعد مدة.
ذكر بعض اللغويين أن التواتر هو مجيء الشيء بعد الشيء، بعضه في إثر بعض وترًا وترًا أو فردًا فردًا، في إثر بعض، ما الفرق بين هذا التعريف وبين الذي قبله؟ يعني التعريفان يشتركان في أمر، وهو أن التواتر مجيء الشيء بعد الشيء، لكن الاختلاف بينهما: هل لا بد من التراخي بين مجيئهما؟ أو أن التراخي غير مطلوب؟
مجيء الشيء بعد الشيء مباشرة، أم بفترة؟ اللغويون تعددت مناهجهم في هذا، صاحب (القاموس) في مادة وتر يقول: والتواتر التتابع أو مع فترات. فكأنه جمع بين أمرين؛ يعني هذا يجوز أن يطلق عليه التواتر، وأيضًا هذا، إذا كان هناك تتابع أو مع فترات بينهما.
صاحب (الصحاح) الجوهري في مادة وتر أيضًا اعتبر أن التراخي شرط في التواتر حيث قال هذا تعبيره في (الصحاح): "والمواترة المتابعة، ولا تكون المواترة بين الأشياء إلا إذا وقعت بينهما فترة، وإلا فهي مداركة ومواصلة".
يعني صاحب (القاموس) اعتبر الأمرين جائزين، التواتر مجيء الشيء بعد
[ ١٨٠ ]
الشيء، سواء مع التتابع أو مع فترة بينهما، اشترط التراخي، وسمى مجيء الشيء بعد الشيء بفترة التواتر، فإن لم تكن هناك فترة سماها مداركة ومواصلة "وإلا فهي مداركة ومواصلة" يعني ليست تواترًا.
الخلاصة بعد هذا أن التواتر هو التتابع مع التراخي أو بدون التراخي على الرأيين معًا، والأول أقوى نظرًا لما قاله صاحب (الصحاح) الأول الذي نقصده الذي هو بعد التراخي. ولعل مما يساعد على هذه القوة، قول الله ﵎: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (المؤمنون: ٤٤) أي متتابعين رسولًا بعد رسول، بينهما فترة، فلم تكن مدد قريبة في بعض الأحيان، هذا من حيث اللغة.
أما من حيث الاصطلاح، فالتواتر له تعريفات متعددة، وسنذكر له تعريفًا يجمع في طياته الشروط التي اشترطوها في التواتر.
ابن حجر -رحمه الله تعالى- يقول في (نزهة النظر) عن المتواتر: "فإذا جمع هذه الشروط الأربعة، وهي عدد كثير، وأحالت العادة تواطؤهم على الكذب، ورووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند انتهائهم الحس، ويضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه، فهذا هو التواتر".
هذا تعبير وتعريف ابن حجر -رحمه الله تعالى- في (نزهة النظر)، أما الخطيب البغدادي فيعرفه -رحمه الله تعالى- في كفايته فيقول: "فأما خبر التواتر، فهو ما أخبر به القوم الذين بلغ عددهم حدًّا يعلم عند مشاهدتهم بمستقر العادة أن اتفاق الكذب منهم محال، وأن التواطؤ منهم في مقدار الوقت الذي انتشر الخبر عنهم متعذر، وأن ما أخبروا عنه لا يجوز دخول اللبس والشبهة في مثله، وأن أسباب
[ ١٨١ ]
القهر والغلبة والأمور الداعية إلى الكذب منتفية عنهم، فمتى تواتر الخبر عن قوم هذه سبيلهم قطع على صدقه، وأوجب وقوع العلم ضرورة". هذا في (الكفاية) وهو يتكلم عن المتواتر والآحاد.
نلاحظ أن الخطيب -﵀- في تعريفه يركز على عدد الرواة وصفاتهم، ولم يتعرض لبقية الشروط التي ذكرها ابن حجر، وإن كنا نستطيع أن نعتبره قد ضمنها ضمنيًّا بعض الشيء في تعريفه.
أما ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- في مقدمته، فيعرف الحديث المتواتر بأنه عبارة عن "الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه" هذا كلامه.
ومهما يكن من أمر عبارات علمائنا الأجلاء في تعريف التواتر، فإننا نستطيع أن نصوغ منها تعريفًا يحوي في طياته الشروط التي وضعوها للمتواتر، فنقول عنه -أي في تعريف المتواتر-: هو الذي يرويه جمع يستحيل في العقل تواطؤهم على الكذب، أو وقوعه منهم اتفاقًا من غير قصد عن مثلهم من أول السند إلى منتهاه، ويكون منتهى خبرهم الحس.
هذا التعريف يحمل في طياته الشروط التي لا بد من توافرها في الحديث المتواتر، والتي أشار إليها ابن حجر في الكلام الذي نقلناه عنه فيما سبق.
أول هذه الشروط العدد الكثير، بمعنى أن يجتمع في كل حلقة من حلقات الإسناد عدد كثير من الرواة، وقد ذهبوا في تحديد هذا العدد مذاهب شتى تبعًا لاعتبارات متعددة.
حتى نفهم هذا الشرط الأول نحن نعلم جميعًا من خلال دراساتنا المتعددة في مواد كثيرة كالمصطلح وغيره أن الإسناد: عبارة عن الرجال الذين نقلوا لنا الحديث،
[ ١٨٢ ]
مثلًا البخاري يروي عن شيخه، وشيخه يروي عن شيخه إلى أن يصل الأمر إلى النبي -ﷺ-.
الرجال الذين بين البخاري -رحمه الله تعالى- وبين النبي -ﷺ- نسميهم إسناد الحديث، نسميهم سند الحديث، نسميهم طريق الحديث، نسميهم رجال الحديث، نسميهم رواة الحديث، أيًّا كان، فهو عبارة عن سلسلة من الإسناد تصل ما بين آخر راو للحديث وما بين النبي -ﷺ-.
هؤلاء هم الإسناد، وكل واحد منهم يسمى حلقة من حلقات الإسناد، إذا روى البخاري لنا مثلًا حديث "إنما الأعمال بالنيات" وهو أول حديث عنده في صحيحه مثلًا عن شيخه الحميدي، فالبخاري حلقة، والحميدي حلقة، والحميدي يرويه عن سفيان بن عيينة، هذه حلقة أخرى، وسفيان بن عيينة يرويه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، هذه حلقة، ويحيى بن سعيد الأنصاري يرويه عن محمد بن إبراهيم التيمي، هذه حلقة، ومحمد بن إبراهيم التيمي يرويه عن علقمة بن وقاص الليثي، هذه حلقة، وعلقمة بن وقاص الليثي يرويه عن الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- ثم عمر -رضي الله تعالى عنه- يروي عن النبي -ﷺ-.
من البخاري إلى عمر -﵃ جميعًا- كل واحد من الرواة يسمى حلقة من حلقات الإسناد، في المتواتر نشترط أن يكون في كل حلقة من حلقات الإسناد يعني عدد كبير، لا بد من توافر هذا العدد في كل حلقة من حلقات الإسناد، وهذا هو الشرط الأول الذي نقول أن يرويه جمع كثير، يجتمع في كل حلقة من حلقات الإسناد.
هذا العدد الكثير ما أقوال العلماء فيه؟ تعددت مذاهبهم، كل واحد نظر باعتبار معين فقال قولًا معينًا، هم يبحثون عن شيء، بالإضافة إلى أن هذا العدد أولًا لا يمكن
[ ١٨٣ ]
أن يتفق على الكذب؛ يعني يحدث بينهم اتفاق، ولا حتى يمكن أن يقع منهم من قبيل المصادفة، هذا وذاك يستحيل، كيف نصل إلى هذا العدد؟
هناك من قال: هذا العدد يكون أربعة قياسًا على شهود الزنا؛ اختاروا شهود الزنا بالذات لأنه أكبر الأعداد الذي تثبت به الحدود، القتل يثبت بشاهدين، القصاص يثبت بشاهدين، وقضايا الأموال أيضًا تثبت بشاهدين، أما الزنا بالذات فلا بد فيه من أربعة، وهذا ثابت بنص القرآن الكريم.
القاضي أبو بكر الباقلاني -رحمه الله تعالى- لم يقنع بهذا العدد في إثبات التواتر، بل قال: "وأتوقف في الخمسة". بعض من قال إن العدد أربعة، يؤيد قوله بأن الخلفاء الأربعة الأئمة الأجلاء العظام أفضل الأمة بعد نبيها: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي لو قالوا قولًا وأجمعوا عليه، فالقول قولهم.
يعني إذن كونهم أربعة يكفي، وأيضًا أو الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب الأربعة لو اجتمعوا على شيء فإن القول قولهم والرأي رأيهم، ومنهم من قال خمسة قياسًا على اللعان، اللعان الرجل الذي يلاعن امرأته يقسم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، وفي المرة الخامس أي في القسم الخامس يستنزل لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ومنهم من اشترط سبعة؛ يعني راعى أن هذا العدد قد اشتمل على العدد المطلوب في كل أنواع الشهادات، فيه الأربعة، وفيه الاثنان، وفيه الواحد؛ ويعني إذن العدد ٧ جمع المطلوب في إثبات الشهادات كلها.
منهم من اعتبر أقل العدد للتواتر عشرة، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (البقرة: ١٩٦) ولأنها أول جموع الكثرة، والسيوطي -رحمه الله تعالى- اختار ذلك في كتابه الذي جمع فيه الأحاديث المتواترة، وأسماه (الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة) وقال فيه: "كل حديث رواه عشرة من الصحابة، فهو متواتر عندنا معشر أهل الحديث".
[ ١٨٤ ]
وهناك من قال: إن المطلوب اثنا عشر مثل نقباء بني إسرائيل ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (المائدة: ١٢) وقيل: عشرون، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (الأنفال: ٦٥) وقيل: أربعون؛ لأن عندها يبعث الأنبياء، وسن الأربعين هي اكتمال العقل والأشد عند الإنسان. وقيل: سبعون، مثل من اختارهم موسى ﵇ لميقات ربه، إلى آخره. وهناك من قال ثلاثمائة مثل أهل بدر.
الصواب من كل ذلك إن شاء الله أننا نضم إلى العدد مسألة أخرى، وهو الشرط الثاني، وهو أن يتحقق الاطمئنان؛ يعني أن يطمئن القلب والعقل معًا إلى أن هذا الجمع يستحيل أن يتواطأ على الكذب لما نعرفه من صفات؛ يعني كيف نقول إنه يستحيل أن يتفقوا على الكذب؟
من معرفتنا لأحوالهم وديانتهم وصدقهم وكذا، وأيضًا من معرفتنا لمضمون الخبر الذي رووه ونقلوه لنا؛ يعني اعتبارات كثيرة من الممكن أن تدخل في اختبار صدقهم وأمانتهم؛ لنتأكد أنهم لا يمكن أبدًا أن يجمعوا على كذب، ولا حتى يقع الكذب بينهم اتفاقًا من قبيل المصادفة كما يقال.
ولذلك نقول: إنه متى توفر هذا الاطمئنان مع العدد، فقد حدث التواتر، قد يختلف الأمر من واقعة إلى واقعة، ومن موقف إلى موقف، ومن خبر إلى خبر، رب خبر نحتاج في تأكيده إلى عشرات، ورب خبر نتأكد من خلاله من أربعة أو خمسة، فمتى توفر الأمران معًا: العدد مع اطمئنان القلب والعقل إلى صدقهم، وإلى عدالتهم، وإلى طهارتهم، وإلى استحالة اتفاقهم على الكذب، وإلى عدم وقوع الكذب منهم، ولو اتفاقًا بأن يكونوا مثلًا ليسوا من أهل بلد واحدة أو ليسوا أصحاب مصلحة واحدة، والخبر يتعلق بمصلحتهم مثلًا، إلى آخره.
[ ١٨٥ ]
لكن لا بأس أيضًا من أن نعتبر أن كلام السيوطي في هذا الأمر يعتبر أيضًا قيدًا أو رقمًا نرجع إليه، وهو أن متى اجتمع عشرة من الصحابة تحقق التواتر، فكأنهم اطمأنوا إلى رقم العشرة الذي يحدث به التواتر.
يقول الكتاني نقلًا عن كتاب (ظفر الأماني): "والتحقيق الذي ذهب إليه جمع من المحدثين هو أنه لا يشترط للتواتر عدد، وإنما العبرة بحصول العلم القطعي" أي الاطمئنان الذي نقول عنه "فإن رواه جمع غفير، ولا يحصل العلم به لا يكون متواترًا، وإن رواه جمع قليل وحصل العلم الضروري، يكون متواترًا البتة" هذا كلام صاحب يعني الكتاني في (نظم المتناثر) الذي جمع فيه أيضًا الأحاديث المتواترة في مقدمة كتابه.
إذن من الممكن أن نعتبر الرقم الذي ذكره السيوطي -رحمه الله تعالى- في هذا معيارًا نرجع إليه في اعتبار التواتر، وأيضًا من الممكن أن نقول العدد متى اطمأن القلب والعقل إلى صدقهم تحقق التواتر.
أنا أطمئن مثلًا أنه إذا توافر عشرة من الصحابة أصبح الخبر متواترًا، وبالمناسبة فإن هذا هو الذي سار عليه عملهم؛ كل العلماء الذين يجمعون الأحاديث المتواترة ساروا على هذا الأمر، التواتر عادة يبحث في ناحية الصحابي، متى يرويه عشرة من الصحابة عن النبي -ﷺ- من عشرة طرق سالمة اطمأنوا إلى التواتر؛ لأن بعد الصحابي يرويه عنه جمع، وكل واحد من هذا الجمع يرويه عنه جمع، وتتبع ذلك قد يشق جدًّا، وقد يكون مستحيلًا في بعض الأحيان.
يعني مثلًا قيل في بعض الأقوال: إن حديث "إنما الأعمال بالنيات" سار بالإفراد في حلقات كثيرة؛ يعني: انفرد برواة من طريق صحيح، عن النبي -ﷺ- عمر بن الخطاب، وانفرد عن عمر علقمة، وانفرد عن علقمة محمد بن إبراهيم التيمي،
[ ١٨٦ ]
وانفرد عن محمد بن إبراهيم التيمي يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم سمعه من يحيى بن سعيد الأنصاري رواة كثيرون جدًّا عدد كبير، قيل في بعض الروايات: إنهم مائتان. وقيل: سبعمائة. إلى آخره.
لكن ما دام نجد أن الحديث قد رواه عشرة من الصحابة اطمأننا إلى تواتره، وكما قلت هذا الذي سار عليه عملهم في أي كتاب، لو رجعنا إلى أي كتاب من الكتب التي جمعت الأحاديث المتواترة، وأنا سأذكر بعضها بإذن الله -﵎- في أثناء كلامنا عن المتواتر والآحاد كفائدة نرجع إليها، فقد تحقق التواتر بإذن الله ﵎.
لما تكلموا عن الأحاديث المتواترة، مثلًا ابن حجر وهو يشرح حديث الحوض يتكلم عن تواتره يقول: "رواه في الصحيحين اثنان وعشرون صحابيًّا" في الصحيحين فقط "وجمعت طرقه فوصلت إلى خمسين صحابي، وبلغني أن بعض المتأخرين اشتغل بجمعه فوصل بهم إلى ثمانين".
وكما قلت: إذا رجعنا إلى أي كتاب من كتب التواتر، فنجدهم يعدون المتواتر متى توفر عشرة من الصحابة على روايته.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١٨٧ ]