أَثَرُ السَّبْرِ فِي الحَدِيثِ سَنَدًَا وَمَتْنًَا
الفَصْلُ الأَوَّلُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي السَّنَدِ:
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ:
السَّبرُ هوَ الطَّريقُ لبيانِ أحوالِ الإسنادِ، عللِهِ وفوائدِهِ، والفيصلُ بينَ الانفرادِ وعدمِهِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» في مطلعِ كلامِهِ عنِ الاعتبارِ بالشَّواهدِ والمتابعاتِ: «لمَّا انْتَهَى الشَّاذُّ وَالمُنْكَرُ المُجْتَمِعَانِ فِي الاِنْفِرَادِ، أَرَدْنَا بَيَانَ الطَّرِيقِ المُبَيِّنِ لِلْاِنْفِرَادِ وَعَدَمِهِ، وَلَكِنَّهُ لَو أُخِّرَ عَنِ الإِفْرَادِ وَالغَرِيبِ لَتَبَيَّنَ، وَكَانَ أَنْسَبَ» (^١). ثمَّ قالَ: «الاِعْتِبَارُ سَبْرُكَ الحَدِيثَ، لِتَنْظُرَ هَلْ شَارَكَ رَاوِيَهُ الذِي يُظَنُّ تَفَرُّدُهُ بِهِ رَاوٍ غَيرَهُ … فَالاِعْتِبَارُ: هُوَ الهَيئَةُ الحَاصِلَةُ فِي الكَشْفِ عَنِ المُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ» (^٢). التي بهَا يتميَّزُ الحديثُ الفردُ أو الغريبُ منْ غيرِهِ. لذَا قالَ: «وَمَا خَلَا عَنِ التَّابِعِ وَالشَّاهِدِ فَهُوَ مُفَارِدٌ، أَي: إِفْرَادٌ» (^٣).
وقالَ السِّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «الاِعْتِبَارُ وَالمُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ هَذِهِ أُمُورٌ يَتَدَاوَلُهَا أَهْلُ الحَدِيثِ يَتَعَرَّفُونَ بِهَا حَالَ الحَدِيثِ، يَنْظُرُونَ هَلْ تَفَرَّدَ رَاوِيهِ أَوْ لَا، وَهَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ أَوْ لَا» (^٤).
_________________
(١) فتح المغيث ١/ ٢٠٧.
(٢) المصدر ذاته.
(٣) المصدر ذاته ١/ ٢٠٨.
(٤) تدريب الراوي ١/ ٢٤١.
[ ٢٤١ ]
وقالَ طاهرُ الجزائريُّ (^١) «ت ١٣٣٨ هـ»: «وَلَا يَسُوغُ الحُكْمُ بِالتَّفَرُّدِ إِلَّا بَعْدَ الاِعْتِبَارِ، وَالاِعْتِبَارُ هُوَ تَتَبُّعُ الطُّرُقِ مِنَ الجَوَامِعِ وَالمَسَانِيدِ وَالأَجْزَاءِ لِذَلِكَ الحَدِيثِ الذِي يُظَنُّ أَنَّهُ فَرْدٌ، لِيُعْلَمَ هَلْ لِرَاوِيهِ مُتَابِعٌ أَوْ هَلْ لَهُ شَاهِدٌ أَمْ لَا، وَمَظَنَّةُ مَعْرِفَةِ الطُّرُقِ التِي يَحْصَلُ بِهَا المُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ وَيَنْتَفِي بِهَا التَّفَرُّدُ كُتُبُ الأَطْرَافِ» (^٢).
وقدْ عنيَ العلماءُ بالتَّصنيفِ والتأليفِ في الحديثِ الفردِ، منْ هذهِ المصنَّفاتِ: «السُّننُ التي تفرَّدَ بكلِّ سنَّةٍ منهَا أهلُ بلدةٍ» (^٣) لأبي داودَ السجستانيِّ، و«الأفرادُ» (^٤) للدَّارقُطنيِّ، و«المفاريدُ» (^٥) لأبي يعلى، واهتمَّ الإمامُ الطَّبرانيُّ في معجميهِ الأوسطِ والصَّغيرِ بذكرِ الأفرادِ، والبزَّارُ في مسندِهِ، والعقيليُّ في الضُّعفاءِ.
وفي الغريبِ: «غرائبُ مالكٍ» (^٦) للدَّارقُطنيِّ، و«غرائبُ شعبةَ» (^٧) لابنِ مندَهْ.
_________________
(١) طاهر بن صالح بن أحمد بن موهب، السمعوني، الجزائري، الدمشقي، «١٢٦٨ هـ - ١٣٣٨ هـ» - بحاثة من أكابر العلماء باللغة والأدب في عصره، عمل مديرًا لدار الكتب الظاهرية، له نحو عشرين مصنفًا، منها: «توجيه النظر إلى علم الأثر»، و«الإلمام» في السيرة. انظر الأعلام للزركلي ٣/ ٢٢٢.
(٢) توجيه النظر إلى أصول النظر ١/ ٤٩١.
(٣) وهو كتاب مفقود، انظر الرسالة المستطرفة ص ١١٤.
(٤) رتبه المقدسي باسم «أطراف الغرائب والأفراد» - تحقيق: جابر السريع - دار التدمرية - ١٤٢٨ هـ.
(٥) طبع بتحقيق الدكتور عبد الله بن يوسف جديع - دار الأقصى - الكويت - ط ١ - ١٩٨٥ م.
(٦) قال ابن حجر في تعجيل المنفعة ص ٨: «فيه من الأحاديث ما ليس في "الموطأ" شيءٌ كثيرٌ، ومن الرُّواة كذلك». وممن ألف في «غرائب مالك» الإمام محمد بن المظفَّر «٣٩٧ هـ» - تحقيق: طه بو سريح - دار المغرب الإسلامي - بيروت - ١٩٩٨ م، وبتحقيق: رضا بن خالد الجزائري - دار السلف - الرياض - ١٤١٨ هـ.
(٧) ذكره ابن حجر في معجمه ر ١٤٠٥، وصلة الخلف ص ٣٠٩، وأشار السخاوي في الجواهر والدرر ص ٣٦ إلى أن الحافظ ابن حجر رتبه. وهناك «غرائب حديث شعبة بن الحجاج» للحافظ محمد بن المظفر البزاز - حقق في رسالة ماجستير بجامعة الملك محمد بن سعود - الباحث: عبد الله بن عبد العزيز الغصن - سنة ١٤٠٣ هـ. انظر تعليقات أبي يعلى البيضاوي على الرسالة المستطرفة ٧/ ٤.
[ ٢٤٢ ]
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ الحَدِيثِ الفَرْدِ والغَرِيبِ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا:
الحديثُ الفردُ:
الفردُ: لغةً: جمعُهُ أفرادٌ، وهوَ نصفُ الزَّوجِ، ومنْ لا نظيرَ لهُ (^١).
اصطلاحًا: هوَ ما تفرَّدَ بهِ راويهِ بأيِّ وجهٍ منْ وجوهِ التَّفرُّدِ (^٢).
والفردُ نوعانِ: فردٌ مطلقٌ، وفردٌ نسبيٌّ.
الفردُ المطلقُ: هوَ ما تفرَّدَ بهِ راوٍ واحدٌ عنْ جميعِ الرُّواةِ، لمْ يروِهِ أحدٌ غيرُهُ لا باللفظِ ولا بالمعنى. وهوَ يطابقُ الغريبَ متنًا وإسنادًَا، ويدخلُ فيهِ الشَّاذُّ والمنكرُ.
الفردُ النِّسبيُّ: وهوَ ما يقعُ فيهِ التَّفرُّدُ بالنِّسبةِ إلى جهةٍ خاصَّةٍ أيًَّا كانتْ تلكَ الجهةُ. وأكثرُ ما يُطلقُ على هذَا النَّوعِ «الغريبُ»، ويدخلُ فيهِ ما سنذكرُهُ منَ الغريبِ إسنادًَا لا متنًَا، ويتناولُ جهاتٍ أخرى، منهَا:
١ - ما قُيِّدَ ببلدٍ معيَّنٍ: كقولِهِمْ: تفرَّدَ بهذَا الحديثِ أهلُ مكَّةَ، أو أهلُ المدينةِ …
٢ - مَا قُيِّدَ بثقةٍ: كقولِهمْ: لمْ يروِ حديثَ كذَا ثقة إلا فلان.
٣ - ما قُيِّدَ بإمامٍ أو حافظٍ ونحوِهِ: كقولِهمْ: تفرَّدَ بهذَا الحديثِ فلانٌ عنْ فلانٍ، أو لمْ يروِ حديثَ كذَا عنْ فلانٍ إلَّا فلانٌ.
_________________
(١) انظر لسان العرب - مادة «فرد» - ٣/ ٣٣١، ومختار الصحاح - مادة «ف ر د».
(٢) انظر معرفة علوم الحديث ص ٩٦، ومقدمة ابن الصلاح ص ٨٨، والباعث الحثيث ١/ ١٨٩، والمنهل الروي ص ٥١، والنكت للزركشي ٢/ ١٩٨، ونخبة الفكر ص ١، وفتح المغيث ص ١/ ٢١٩، والتوضيح الأبهر ص ٤٧.
[ ٢٤٣ ]
الحديثُ الغريبُ (^١):
الغريبُ لغةً: هوَ المنفردُ، أو البعيدُ عنْ أقاربِهِ، سُمِّيَ بذلكَ لأنَّهُ كالغريبِ الوحيدِ الذي لا أهلَ عندَهُ، أو لبُعدهِ عنْ مرتبةِ الشُّهرةِ فضلًا عنِ التَّواترِ (^٢).
اصطلاحًا: قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «مَا يَتَفَرَّدْ بِرِوَايَتِهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ فِي أَي مَوضِعٍ وَقَعَ التَّفَرُّدُ بِهِ مِنَ السَّنَدِ» (^٣).
وللغريبِ أقسامٌ بحسبِ موضعِ الغرابةِ فيهِ:
١ - الغريبُ متنًا وإسنادًا: وهوَ الحديثُ الذي لا يُروى إلَّا منْ وجهٍ واحدٍ. وهوَ الذي يُعبِّرُ عنهُ التِّرمذيُّ بقولِهِ: «غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ». وهوَ يُطابقُ الفردَ المطلقَ.
ويدخلُ في هذَا: الغريبُ متنًا لا إسنادًَا: وهوَ الحديثُ الفردُ في أوَّلِ أمرِهِ ثمَّ اشتهرَ آخرًَا، لأنَّ سندَهُ تعدَّدَ فيمَا بعدَ التَّفرُّدِ.
وكذلكَ الغريبُ بعضَ المتنِ: وهوَ ما انفردَ فيهِ راويهِ بزيادةٍ في متنِهِ، فإنَّهُ غريبٌ متنًَا وإسنادًَا منْ حيثُ هذِهِ الزِّيادةِ.
_________________
(١) انظر معرفة علوم الحديث ص ٩٤، ومقدمة ابن الصلاح ص ٢٧٠، والتقريب ص ١٩، والمنهل الروي ص ٥٥، والشذا الفياح ٢/ ٤٤٦، والتقييد والإيضاح ص ٢٧٣، ونخبة الفكر ص ١، وفتح المغيث ٢/ ٢٨ وتدريب الراوي ٢/ ١٨٠ … وغيرها.
(٢) انظر لسان العرب - مادة «غرب» - ١/ ٦٤٠، ومختار الصحاح - مادة «غ ر ب».
(٣) شرح نخبة الفكر ص ٢٠٨.
[ ٢٤٤ ]
٢ - الغريبُ إسنادًا لا متنًا: وهوَ الحديثُ الذي اشتهرَ بورودِهِ منْ عدَّةِ طرقٍ عنْ راوٍ أو عنْ صحابيٍّ، أو عدَّةِ رواةٍ، ثمَّ تفرَّدَ بهِ راوٍ منْ وجهٍ آخرَ غيرِ ما اشتهرَ بهِ الحديثُ. وهوَ الذي يُعبِّرُ عنهُ التِّرمذيُّ بقولِهِ: «غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ». ويدخلُ فيهِ غريبُ بعضَ السَّندِ.
الفَرْقُ بَينَ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ:
اختلفَ المحدِّثونَ في التَّفريقِ بينَ الفردِ والغريبِ لتقاربِهِمَا، هلْ همَا نوعٌ واحدٌ أو نوعانِ مفترقانِ، والقولُ المعتمدُ الذي عوَّلَ عليهِ كلُّ منْ ألَّفَ في علومِ الحديثِ ومصطلحِهِ في التَّفريقِ بينَ الفردِ والغريبِ، ما قالَهُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «الغَرِيبُ وَالفَرْدُ مُتَرَادِفَانِ لُغَةً واصْطِلَاحًَا، إِلَّا أَنَّ أَهْلَ الاِصْطِلَاحِ غَايَرُوا بَينَهُمَا مِنْ حَيثُ كَثْرَةِ الاِسْتِعْمَالِ وَقِلَّتِهِ، فَالفَرْدُ أَكْثَرُ مَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى الفَرْدِ المُطْلَقِ، وَالغَرِيبُ أَكْثَرُ مَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى الفَرْدِ النِّسْبِيِّ» (^١). فالفردُ ما تفرَّدَ بهِ الصَّحابيُّ عنِ النَّبيِّ -ﷺ-، والغريبُ مَا تفرَّدَ بهِ التَّابعيُّ فمنْ بعدَهُ، قالَ شيخنُا محمَّد عجاج: «وَلَا يُطْلِقُ المُحَدِّثُونَ الغَرِيبَ عَلَى الفَرْدِ المُطْلَقِ الذِي لَيسَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَّا رَاوٍ وَاحِدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَو تَعَدَّدَتِ الطُّرُقُ إِلَيهِ، بَلْ يَقُولُونَ حَدِيثٌ فَرْدٌ، فَلَو تَفَرَّدَ عَنِ الصَّحَابِيِّ تَابِعِيٌّ فَهُوَ فَرْدٌ غَرِيبٌ» (^٢).
_________________
(١) شرح نخبة الفكر للقاري ١/ ٢٣٩.
(٢) أصول الحديث ص ٢٣٧.
[ ٢٤٥ ]
والأولى جعلهُمَا نوعينِ، لعدمِ دخولِ بعضِ الأفرادِ في الحديثِ الغريبِ، كأفرادِ البلدانِ وأفرادِ القبائلِ (^١)، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «لَيسَ كُلُّ مَا يُعَدُّ مِنْ أَنْوَاعِ الإِفْرَادِ مَعْدُودًَا مِنْ أَنْوَاعِ الغَرِيبِ، كَمَا فِي الأَفْرَادِ المُضَافَةِ إِلَى البِلَادِ» (^٢). وعلى هذَا فالفردُ أعمُّ مِنَ الغريبِ.
* * *
_________________
(١) منهج النقد - د. نور الدين عتر - ص ٤٠١.
(٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٧٠.
[ ٢٤٦ ]
المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ الحَدِيثِ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ:
الحكمُ على الحديثِ الفردِ والغريبِ يخضعُ إلى استيفاءِ كلٍّ منهُمَا شروطَ الصِّحَّةِ أو الحُسْنِ أو عدمِ استيفائِهِمَا لذلكَ، قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَإِذَا انْتَفَتِ المُتَابَعَاتُ وَتَمَحَّضَ فَرْدًَا فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:
حَالٌ يَكُونُ مُخَالِفًَا لِرِوَايَةِ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ فَهَذَا ضَعِيفٌ، وَيُسَمَّى: شَاذًَّا وَمُنْكَرًَا.
وَحَالٌ لا يَكُونُ مُخَالِفًَا، وَيَكُونُ هَذَا الرَّاوِي حَافِظًَا ضَابِطًَا مُتْقِنًَا، فَيَكُونُ صَحِيحًَا.
وَحَالٌ يَكُونُ قَاصِرًَا عَنْ هَذَا، وَلَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِنْ دَرَجَتِهِ، فَيَكُونُ حَدِيثُهُ حَسَنًَا.
وَحَالٌ يَكُونُ بَعِيدًَا عَنْ حَالِهِ، فَيَكُونُ شَاذًَّا وَمُنْكَرًَا مَرْدُودًَا» (^١).
وذكرَ شيخُنَا محمَّدُ عجاجٍ حالةً - يُمكنُ أنْ نجعلَهَا خامسةً - فقالَ: «إِذَا كَانَ المُتَفَرِّدُ بِالحَدِيثِ وَالمُخَالِفُ لَهُ مُتَسَاوِيَينِ فِي الحِفْظِ وَالضَّبْطِ، وَلَا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ مَرْوِيِّ أَحَدِهِمَا عَلَى الآَخَرِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي كُلِّ الشُّرُوطِ، حِينَئِذٍ يَكُونُ المَرْوِيُّ مُضْطَرِبًَا» (^٢).
قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَهَذَا ظَاهِرٌ - أَي الأَحْكَامُ السَّابِقَةُ عَلَى الحَدِيثِ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ - بِالنِّسْبَةِ لِلْغَرِيبِ سَنَدًَا وَمَتْنًَا، وَلِلْفَرْدِ المُطْلَقِ.
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٣٤. والفرقُ بين الحالتين الأولى والرابعة، أن الأولى مخالفة الراوي من هو أحفظ منه، والرابعة لروايته المناكير، ولو لم يخالف غيره.
(٢) أصول الحديث ص ٢٣٦. علمًا أن المضطرب قد يكون من راوٍ أو أكثر على ما سيأتي بيانه في «المضطرب».
[ ٢٤٧ ]
أَمَّا الغَرِيبُ إِسْنَادًَا لَا مَتْنًَا وَالفَرْدُ النِّسْبِيُّ، فَيُنْظَرُ فِي أَسَانِيدِ الحَدِيثِ، إِنْ صَحَّ مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ التِي وَرَدَ بِهَا لِاسْتِيفَائِهِ شَرْطَ الصِّحَّةِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَكَذَا إِذَا اسْتَوفَى شُرُوطَ الحَسَنِ، وَإِلَّا يُنْظَرُ فَإِنْ صَلُحَتْ أَسَانِيدُهُ لِلتَّقْوِيَةِ بِبَعْضِهَا قُبِلَتْ، وَإِلَّا فَهُوَ ضَعِيفٌ» (^١).
وذكرُ هذَا منَ الأهميَّةِ بمكانٍ لتعلُّقِهِ بمسألَةِ السَّبرِ، إذْ إنَّ السَّبرَ لا يكونُ فقطْ لتحديدِ الحديثِ الفردِ أو الغريبِ منْ عدمِهِ، بلْ يكونُ أيضًَا للحكمِ عليهِ بالعثورِ على أسانيدَ صالحةٍ لهذَا الحديثِ، أو تقويتِهِ بطرقِهِ المتعدِّدةِ إلى المتفرِّدِ بِهِ (^٢).
* * *
_________________
(١) منهج النقد ص ٤٠٢.
(٢) وقد مرَّ الكلام على ذلك في مبحث أثر السبر في تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد. انظر ص ١٩٦.
[ ٢٤٨ ]
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الحَدِيثِ الفَرْدِ وَالغَرِيبِ مِنْ عَدَمِهِ:
مثَّلَتْ كتبُ علومِ الحديثِ ومصطلحِهِ للحديثِ الفردِ والغريبِ في معرضِ ذكرِهَا لأنواعِهِ، بإيرادِ الأحاديثِ ومواضعِ التَّفرُّدِ أو الغرابةِ فيهَا، وآثرتُ إفرادَ الأمثلةِ في مطلبٍ خاصٍّ لبيانِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ الفردِ أو الغريبِ منْ عدمِهِ، منْ خلالِ ما يأتي:
أَوَّلًَا: دَرْءُ التَّفَرُّدِ عَنْ حَدِيثٍ نَصَّ بَعْضُ الأَئِمَّةِ عَلَى تَفَرُّدِهِ لِوُرُودِ مُتَابِعٍ لَهُ:
الحكمُ على حديثٍ ما بالتفرُّدِ أو الغرابةِ لا بُدَّ أنْ يكونَ بعدَ سَعَةِ اطِّلاعٍ ووسعِ تتبُّعٍ وسبرٍ لطُرقِ الحديثِ، ليُعلمَ يقينًَا أنَّ الحديثَ عريٌّ عنِ المتابعِ والشَّاهدِ، قالَ الزركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «وَيَحْتَاجُ - مَعْرِفَةُ الفَرْدِ وَتَحْدِيدُهُ - اتِّسَاعُ البَاعِ فِي الحِفْظِ، وَكَثِيرًَا مَا يَدَّعِي الحَافِظُ التَّفَرُّدَ بِحَسَبِ عِلْمِهِ، وَيَطَّلِعُ غَيرُهُ عَلَى المُتَابِعِ» (^١). ولذَا فإذَا كانَ التَّفرُّدُ عندَ منْ تدورُ عليهمُ الأحاديثُ والرِّواياتُ فغالبًَا ما يكونُ الحكمُ قاطعًَا ولا يُطمَعُ في وجودِ متابعٍ أو شاهدٍ، قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَإِذَا قَالُوا: تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو هُرَيرَةَ، أَوْ ابْنُ سِيرِينَ، أَوْ أَيُّوبُ، أَوْ حَمَّادُ، كَانَ مُشْعِرًَا بِانْتِفَاءِ وُجُوهِ المتَابَعَاتِ كُلِّهَا» (^٢).
_________________
(١) نكت الزركشي على مقدمة ابن الصلاح ٢/ ١٩٨.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١/ ٣٤.
[ ٢٤٩ ]
وكذلكَ إذا جاءَ الحكمُ على حديثٍ بالتَّفرُّدِ أو الغرابةِ منْ إمامٍ حافظٍ مِنْ أهلِ الاستقراءِ التامِّ، قالَ الدكتورُ عبدُاللهِ الجديعُ (^١): «وَاعْلَمْ أَنَّ الوَصْفَ بِالتَّفَرُّدِ إِنْ وَقَعَ مِنْ حَافِظٍ عَارِفٍ، فَلَا تَطْمَعَنَّ أَنْ تَجِدَ لَهُ طَرِيقًَا أُخْرَى صَالِحَةً عَمَّنْ وَقَعَ التَّفَرُّدُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ» (^٢).
وبالنَّظرِ في كتبِ الحديثِ والتَّخريجِ وجدتُ غيرَ مثالٍ على ردِّ الأئمَّةِ للتَّفرُّدِ بإيرادِ مُتابِعٍ للحديثِ، أَقتصرُ على حديثِ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ».
الحديثُ أخرجَهُ ابنُ شيبةَ في مصنَّفهِ «ر ١٤١٣٧»، وأحمدُ في مسندِهِ «ر ١٤٨٩٢»، والأزرقيُّ في أخبارِ مكَّةَ «٢/ ٥٢»، وابنُ ماجةَ في سننهِ «ر ٣٠٦٢»، والطَّبرانيُّ في المعجمِ الأوسطِ «ر ٨٤٩»، وقالَ: «لَمْ يَرْوِ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ إِلَّا عَبْدُ اللهِ بنُ المُؤَمِّلِ» (^٣). والبيهقيُّ في الكبرى «ر ٩٤٤٢»، وقالَ: «تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللهِ بنُ المُؤَمِّلِ» (^٤). وأوردهُ العقيليُّ في ترجمةِ عبدِ اللهِ بنِ المؤمِّلِ «٨٧٩» وقالَ: «لَا يُتَابَعُ عَلَيهِ» (^٥). وكذَا قالَ ابنُ حبَّانَ: «لَا يُتَابَعُ عَلَيهِ» (^٦).
_________________
(١) الدكتور عبد الله بن يوسف الجديع، بصري المولد والنشأة، «١٩٥٩ م - …»، أحد أعضاء المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، من كتبه: «تحرير علوم الحديث»، و«أضواء على حديث افتراق الأمة»، و«أحاديث ذم الغناء والمعازف في الميزان»، وغيرها من التحقيقات.
(٢) تحرير علوم الحديث ١/ ٤٩.
(٣) المعجم الأوسط ١/ ٢٥٩.
(٤) سنن البيهقي ٥/ ١٤٨.
(٥) ضعفاء العقيلي ٢/ ٣٠٢.
(٦) المجروحين ٢/ ٢٨.
[ ٢٥٠ ]
وقدْ ردَّ العلماءُ قولَ منْ قالَ بتفرُّدِ عبدِ اللهِ بنِ المؤملِ (^١) عنْ أبي الزُّبيرِ، بأنَّ لهُ متابعتينِ
منْ طريقِ حمزةَ الزيَّاتِ (^٢) عنْ أبي الزُّبيرِ، أوردَهَا الطَّبرانيُّ في الأوسطِ «ر ٣٨١٥»، ومنْ طريقِ ابنِ طهمانَ (^٣)، عنْ أبي الزُّبيرِ، أوردَهَا البيهقيُّ في سننِهِ «ر ٩٧٦٧»، وإليكَ أقوالُ العلماءِ في ذلكَ:
قالَ ابنُ عديٍّ «ت ٣٨٥ هـ»: «وَهَذَا الحَدِيثُ يُعْرَفُ بِابْنِ المُؤَمِّلِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ» (^٤).
وكذَا قالَ ابنُ القيسرانيِّ (^٥) «ت ٥٠٧ هـ» (^٦).
_________________
(١) عبد الله بن المؤمل بن وهب الله «ت ١٦٠ هـ»، ضعفه ابن معين والنسائي والعقيلي وابن حبان، وقال أحمد: «أحاديثه مناكير»، من السابعة، أخرج له «بخ ت جه». انظر الضعفاء للنسائي «ر ٣٣١»، والضعفاء للعقيلي «ر ٨٧٩»، والمجروحين «ر ٥٥٩»، والكامل لابن عدي «ر ٩٧٤»، والضعفاء لابن الجوزي «ر ٢٠٩٧» والتقريب «ر ٣٦٤٨».
(٢) حمزة بن حبيب الزيات القارئ، أبو عمارة الكوفي، «ت ١٥٦ هـ»، وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان، وقال ابن حجر: «صدوق، ربما يهم»، أخرج له «م، د، ت، س، جه». انظر معرفة الثقات «ر ٣٥٦»، والثقات لابن حبان «ر ٧٤٨٤»، والكاشف «ر ١٢٣٣»، والتهذيب «ر ٣٧»، والتقريب «ر ١٥١٨».
(٣) إبراهيم بن طهمان الخراساني، أبو سعيد، «ت ١٦٨ هـ»، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: «له مدخل في الثقات ومدخل في الضعفاء»، ووثقه ابن معين مرة وقال مرة: «صالح»، ووثقه ابن حنبل، وقال أبو حاتم: «صدوق، يحسن الحديث»، وقال الذهبي: «ثقة متقن، من رجال الصحيحين، أفبمجرد الإرجاء يضعف حديث الثقة»، وقال ابن حجر: «ثقة يغرب». أخرج له «خ م د ت س جه». انظر الثقات لابن حبان «ر ٦٥٧٩»، والتعديل والتجريح «ر ٤١»، والرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم «ص ٣٥» والتهذيب «ر ٢٣١»، والتقريب «ر ١٨٩».
(٤) الكامل لابن عدي ٤/ ١٣٦.
(٥) محمد بن طاهر بن علي بن أحمد المقدسي، الشيباني، أبو الفضل، «٤٤٨ هـ - ٥٠٧ هـ» - رحالة مؤرخ، من حفاظ الحديث، من كتبه: «ذخيرة الحفاظ»، و«تذكرة الموضوعات»، و«أطراف الكتب الستة». انظر ميزان الاعتدال ٣/ ٧٥، والوافي بالوفيات ٣/ ١٦٦، والأعلام للزركلي ٦/ ١٧١.
(٦) ذخيرة الحفاظ ٤/ ٢٠٧٢.
[ ٢٥١ ]
وقالَ ابنُ التُّركمانيِّ (^١) «ت ٧٥٠ هـ»: «لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ، بَلْ تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، كَذَا أَورَدَهُ البَيهَقِيُّ نَفْسُهُ فِيمَا بَعْدُ فِي بَابِ الرُّخْصَةِ فِي الخُرُوجِ بِمَاءِ زَمْزَمَ» (^٢).
وقالَ ابنُ الملقِّنِ (^٣) «ت ٨٠٤ هـ» في ردِّهِ قولَ البيهقيِّ بتفرُّدِ ابنِ المؤمِّلِ: «لَا، بَلْ تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرِ مَرْفُوعًَا، كَذَا أَورَدَهُ البَيهَقِيُّ نَفْسُهُ فِي سُنَنِهِ» (^٤).
وقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في ردِّهِ قولَ العقيليِّ بتفرُّدِ ابنِ المؤمِّلِ لهذَا الحديثِ: «لَكِنْ وَرَدَ مِنْ رِوَايَةِ غَيرِهِ عِنْدَ البَيهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بنِ طَهْمَانَ، وَمِنْ طَرِيقِ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ» (^٥).
ثَانِيًَا: أَثَرُ السَّبْرِ فِي بَيَانِ الحَدِيثِ الفَرْدِ، وَتَحْدِيدِ نَوعِهِ بِحَسَبِ جِهَاتِهِ:
بيَّنَّا أنَّ السَّبرَ هوَ السَّبيلُ لتمييزِ الحديثِ الفردِ منْ غيرِهِ، لأنَّ الحديثَ الفردَ والغريبَ هو ما خلا منَ المتابِعِ أو الشَّاهدِ.
_________________
(١) علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى، المارديني، أبو الحسن، «٦٨٣ هـ - ٧٥٠ هـ»، من علماء الحديث واللغة، قاض حنفي، من مصنفاته: «المنتخب» في علوم الحديث، و«المؤتلف والمختلف»، و«الضعفاء والمتروكين»، وغيرها. انظر النجوم الزاهرة ١٠/ ٢٤٦، والأعلام للزركلي ٤/ ٣١١.
(٢) الجوهر النقي ٥/ ١٤٨.
(٣) عمر بن علي بن أحمد الأنصاري، سراج الدين، أبو حفص، المعروف ب «ابن الملقن»، «٧٢٣ هـ - ٨٠٤ هـ» ومن علماء الحديث والفقه وتاريخ الرجال، له نحو ثلاثمئة مصنف، منها: «التذكرة في علوم الحديث»، و«الأعلام بفوائد عمدة الأحكام»، و«المقنع» في الحديث، و«خلاصة البدر المنير». انظر طبقات الشافعية ٤/ ٤٣، وإنباء الغمر ٥/ ٤١، والزهر النضر في أخبار الخضر ص ١٣.
(٤) البدر المنير ٦/ ٢٩٩.
(٥) فتح الباري ٣/ ٤٩٣، ويُشارُ هنَا إلى قولِ ابنِ حجرٍ في التَّلخيصِ الحبيرِ «٢/ ٢٦٨»: «ولا يصح عن إبراهيم. قلت: إنما سمعه إبراهيم من ابن المؤمل».
[ ٢٥٢ ]
قالَ القاريُّ «ت ١٠١٤ هـ»: «إِذَا عَرِيَ الحَدِيثُ مِنَ المُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ، فَالحَدِيثُ إِذًَا فَرْدٌ» (^١). ولا يعني التَّفرُّدُ أو الغرابةُ عدمَ تعدُّدِ الطُّرقِ، لأنَّهُ قدْ تتعدَّدُ الطُّرقُ إلى الرَّاوي المنفردِ بهذَا الحديثِ، إذْ إنَّ التَّفرُّدَ والغرابةَ ما كانَ في أصلِ السَّندِ أو بعضِهِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «الفَرْدُ المُطْلَقُ، وَهُوَ الحَدِيثُ الذِي لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، وَلَو تَعَدَّدَتِ الطُّرُقُ إِلَيهِ» (^٢). وإليكَ أمثلةٌ على أنواعِ الحديثِ الفردِ والغريبِ:
١ - الفردُ المطلقُ «الغريبُ سندًَا ومتنًَا»: مثالُهُ حديثُ أبي هريرةَ -﵁-: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلى الرحمن خَفِيفَتَانِ على اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ في الْمِيزَانِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ».
أخرجَهُ البخاريُّ «ر ٦٠٤٣» و«ر ٦٣٠٤» و«ر ٧١٢٤»، ومسلمٌ «ر ٢٦٩٤»، والتِّرمذيُّ «ر ٣٤٦٧»، والنَّسائيُّ «ر ١٠٦٦٦»، وابنُ ماجةَ «ر ٣٨٠٦»، وابنُ أبي شيبةَ «ر ٢٩٤١٣» و«ر ٣٥٠٢٦»، وابنُ حنبلٍ «ر ٧١٦٧»، وأبو يعلى «ر ٦٠٩٦»، وابنُ حبَّانَ «ر ٨٣١»، كلُّهُمْ منْ طريقِ محمَّدِ بنِ فُضيلٍ (^٣)، عنْ
عمارةَ بنِ القعقاعِ (^٤)، عنْ أبي زرعةَ (^٥)، عنْ أبي هُريرةَ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.
_________________
(١) شرح نخبة الفكر ص ٣٥٥.
(٢) فتح المغيث ٣/ ٣٠.
(٣) محمد بن فضيل بن غزوان، أبو عبد الرحمن الضبي، «ت ١٩٥ هـ»، وثقه ابن معين والعجلي، وقال أبو زرعة: «صدوق من أهل العلم»، وقال ابن حنبل: «شيخ، كان يتشيع، وكان حسن الحديث»، وقال = = الذهبي: «صدوق، شيعي»، وقال ابن حجر: «صدوق، عارف، رمي بالتشيع»، أخرج له الستة. انظر معرفة الثقات «ر ١٦٣٥»، والجرح والتعديل «ر ٢٦٣»، وميزان الاعتدال «ر ١٠٨٣٣»، والتهذيب «ر ٦٦٠»، والتقريب «ر ٦٢٢٧».
(٤) عمارة بن القعقاع بن شُبرمة، الضبي، ثقة، من السادسة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٨٥٩».
(٥) عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، أبو زرعة الرازي، «ر ٤٣١٦»، إمام حافظ، ثقة، مشهور، من الحادية عشرة، أخرج له «خ م ت س جه». انظر التقريب «ر ٤٣١٦».
[ ٢٥٣ ]
قالَ التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ» (^١). وذكرَهُ المقدسيُّ «ت ٥٠٧ هـ» في أطرافِ الغرائِبِ والأفرادِ (^٢)، وقال ابن حجر «ت ٨٥٢ هـ»: «وَجْهُ الغَرَابَةِ فِيهِ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ تَفَرُّدِ مُحَمِّدِ بنِ فُضَيلٍ وَشَيخِهِ وَشَيخِ شَيخِهِ وَصَحَابِيِّهِ» (^٣). وقالَ الصَّنعانيُّ «ت ١١٨٢ هـ»: «لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا أَبُو هُرَيرَةَ -﵁-، وَتَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَتَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ عَمَارَةُ بنُ القَعْقَاعِ، وَتَفَرَّدَ بِهِ محمَّدُ بنُ فُضيلٍ، وَعَنْهُ انْتَشَرَ» (^٤). فرواهُ عنْ محمَّدِ بنِ فضيلٍ ابنُ أبي شيبةَ، وابنُ حنبلٍ، وزهيرُ بنُ حربٍ، وقتيبةُ بنُ سعيدٍ، وأحمدُ بنُ إشكابٍ، وعليُّ بنُ محمَّدٍ، ويوسفُ بنُ عيسى، ومحمَّدُ بنُ آدمَ، وحسينُ بنُ الأسودِ، ومحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ نميرٍ، والعبَّاسُ بنُ يزيدٍ البحرانيُّ، وغيرُهُمْ.
٢ - الفَرْدُ النِّسْبِيُّ «الغَرِيبُ إِسْنَادًَا لَا مَتْنًَا»: مثالُهُ: حديثُ أبي موسى الأشعريِّ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-، قالَ: «الكَافِرُ يَاكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَالمُؤْمِنُ يَاكُلُ فِي مَعْيٍ وَاحِدٍ».
الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر ٥٠٨٠»، ومسلمٌ «ر ٢٠٦٠»، والتِّرمذيُّ «ر ١٨١٨»، والنَّسائيُّ «ر ٦٧٧٢»، وابنُ ماجةَ «ر ٣٢٥٧»، والطَّيالسيُّ «ر ٢٥٢١»، وعبدُ الرَّزَّاقِ «ر ١٩٥٥٩»، وابنُ أبي شيبةَ «ر ٢٤٥٥٠»، وابنُ راهويهِ «ر ٢٠٩»، وابنُ حنبلٍ «ر ٥٠٢٠»، وأبو عوانةَ «ر ٨٤١٢»، والطَّبرانيُّ في الأوسطِ «ر ١٧٣٩»، وغيرُهُمْ منْ حديثِ أبي هريرةَ، وأبي سعيدٍ الخدريِّ،
_________________
(١) سنن الترمذي ٥/ ٥١٢.
(٢) / ٢٨٩.
(٣) انظر فتح الباري ١٣/ ٥٤٠، وشرح نخبة الفكر ١/ ٢٠٥.
(٤) توضيح الأفكار ١/ ٢٤.
[ ٢٥٤ ]
وأبي بصرةَ الغفاريِّ، وجهجاهٍ الغفاريِّ، وميمونةَ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرٍو -﵃-.
وأوردَهُ التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ» في العللِ منْ حديثِ أبي موسىَ -﵁-، وقالَ: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبُ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيرِ وَجْهٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَإِنَّمَا يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى -﵁- … وسَأَلْتُ مُحمَّدَ بنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: لَمْ نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي كُرَيبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ. فَقُلْتُ لَهُ: حَدَّثَنَا غَيرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بِهَذَا، فَجَعَلَ يَتَعَجَّبُ، وَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًَا حَدَّثَ هَذَا غَيرَ أَبِي كُرَيبٍ، وَقَالَ مُحَمَّدُ: كُنَّا نَرَى أَنَّ أَبَا كُرَيبٍ أَخَذَ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ فِي المُذَاكَرَةِ» (^١). وقالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «فَإِنَّهُ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى -﵁- مَعَ كَونِهِ مَعْرُوفًَا مِنْ حَدِيثِ غَيرِهِ» (^٢).
٣ - أَفْرَادُ البُلْدَانِ: مثالُهُ: حديثُ عائشةَ -﵁-: «مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلَى سُهَيلِ بنِ بَيضَاءَ إِلَّا فِي المَسْجِدِ».
الحديث أخرجه مسلم «ر ٩٧٣»، والترمذي «ر ١٠٣٣»، والنسائي «ر ١٩٦٨»، وابن ماجة «ر ١٥١٨»، والطبراني في الكبير «ر ٦٠٣٠»، وعبد الرزاق «ر ٦٥٧٨»، وابن أبي شيبة «ر ١١٩٧٠»، وابن حنبل «ر ٢٤٥٤٢».
_________________
(١) العلل الصغير ١/ ٧٥٩.
(٢) فتح المغيث ٣/ ٣٥.
[ ٢٥٥ ]
قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ المَدِينَةِ، وَرُوَاتُهُ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ، وَقَدْ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ آَخَرَ عَنْ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَبَدَ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَكُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ لَمْ يَشْرَكْهُمْ فِيهِ أَحَدٌ» (^١).
واكتفيتُ بإيرادِ هذهِ الأمثلةِ على بعضِ أنواعِ الفردِ والغريبِ لأنَّ بعضَ أنواعِهِ يدخلُ في بعضٍ - كالغريبِ متنًا لا إسنادًا - ومنهَا ما يدخلُ في علمِ زياداتِ الثِّقاتِ - كغريبِ بعضِ المتنِ، وغريبِ بعضِ السَّندِ - ومنهَا ما يدخلُ في الشَّاذِّ والمنكرِ إذَا كانَ التَّفرُّدُ معَ المخالفةِ، وهوَ ما سيأتي تفصيلُهُ في مباحثَ مستقلَّةٍ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
* * *
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ١/ ٩٧، وتدريب السيوطي ١/ ٢٥٠.
[ ٢٥٦ ]
المَبْحَثُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ:
المنكرُ والشَّاذُّ يجتمعانِ معَ بعضِهِمَا ومعَ المفردِ والغريبِ بالانفرادِ، ويفترقانِ معَ المفردِ والغريبِ بالمخالفةِ - وكمَا بيَّنَّا في مبحثِ المفردِ والغريبِ - فإنَّ الفيصلَ بينَ الشَّاذِّ والمحفوظِ، وبينَ المنكرِ والمعروفِ هوَ السَّبرُ وتتبُّعُ الطُّرقِ، وقدْ سبقَ كلامُ السَّخاويِّ «ت ٩٠٢ هـ» في ذلكَ، حيثُ قالَ في مطلعِ كلامِهِ عنْ الاعتبارِ بالشَّواهدِ والمتابعاتِ: «لمَّا انْتَهَى الشَّاذُّ وَالمُنْكَرُ المُجْتَمِعَانِ فِي الاِنْفِرَادِ، أَرَدْنَا بَيَانَ الطَّرِيقِ المُبَيِّنِ لِلْاِنْفِرَادِ وَعَدَمِهِ» (^١).
* * *
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا:
النُّقْطَةُ الأُولَى: تَعْرِيفُ الشَّاذِّ:
الشَّاذُّ: لغةً: المنفردُ عنِ الجماعةِ، شذَّ يشذُّ شذوذًَا، إذا انفردَ (^٢).
اصطلاحًا: ما رواهُ المقبولُ مخالفًَا لمنْ هوَ أولى منهُ لكثرةِ عددٍ أو زيادةِ حفظٍ.
وهذا هوَ تعريفُ الحافظِ ابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»، والمقبولُ هنَا: هوَ الذي يُحتجُّ بهِ مُطلقًَا مُنفردًَا أو مُتابَعًَا، يعني: ما كانَ صحيحَ الحديثِ وحسنَهُ فقطْ (^٣).
_________________
(١) فتح المغيث ١/ ٢٠٧.
(٢) انظر القاموس المحيط - مادة «شذ» - ١/ ٣٥٤.
(٣) انظر شرح نخبة الفكر للقاري ص ٢٥٣، والشاذ والمنكر وزيادة الثقة - د. عبد القادر المحمدي - ص ٨٣.
[ ٢٥٧ ]
قالَ الشَّافعيُّ «ت ٢٠٤ هـ»: «إِنَّمَا الشَّاذُّ أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ حَدِيثًَا يُخَالِفُ فِيهِ النَّاسَ» (^١).
والمحفوظُ: مقابلُ الشَّاذِّ، وهوَ ما رواهُ الثِّقةُ مخالفًَا لمنْ هوَ دونَهُ في القبولِ (^٢).
النُّقْطَةُ الثَّانِيَةُ: تَعْرِيفُ المُنْكَرُ:
المُنْكَرُ: لغةً: نكرَ الأمرَ نكيرًا، وأنكرَهُ إنكارًَا ونُكرًَا: جَهِلَهُ (^٣).
اصطلاحًا: ما رواهُ الضَّعيفُ مخالفًَا للثِّقةِ (^٤).
قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَأَمَّا إِذَا انْفَرَدَ المَسْتُورُ أَوْ المَوصُوفُ بِسُوءِ الحِفْظِ أَوْ المُضَعَّفُ فِي بَعْضِ مَشَايِخِهِ دُونَ بَعْضٍ بِشَيءٍ لَا مُتَابِعَ لَهُ وَلَا شَاهِدَ، فَهَذَا أَحَدُ قِسْمَي المُنْكَرِ، وَهُوَ الذِي يُوجَدُ فِي إِطْلَاقِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ» (^٥).
_________________
(١) وقد ذهب الحاكم والخليلي في تعريف الشاذ مذهبًا مختلفًا عما ذهب إليه الشافعي والذي اعتمده علماء أصول الحديث في كتبهم، قال الحاكم في معرفة علوم الحديث ص ١١٩: «الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة = = من الثقات وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة». وقال الخليلي في كتابه الإرشاد ١/ ١٧٦: «الذي عليه حفاظ الحديث: الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ، ثقة كان أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به». وقد رد ابن الصلاح في مقدمته كلام الحاكم والخليلي، لدخول الأحاديث الغرائب والأفراد الصحيحة في تعريفهما، فقال: «ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم؛ بل الأمر في ذلك على تفصيل نبيه» فلينظر ص ٧٦.
(٢) نخبة الفكر ص ٢٢٩.
(٣) انظر لسان العرب - مادة «نكر» - ١٤/ ٢٨١.
(٤) وعلى هذا التعريف كثير من المحدثين، وهو الذي استقر عليه الاصطلاح عند المتأخرين، وعليه جرى الحافظ ابن حجر في النخبة، وهناك مسلك آخر وهو التوسع في إطلاق المنكر، ليشمل الفرد. نبهت عليه هنا لوروده بكثرة في كلام المتقدمين، حتى يفهم على مراده عندهم، ولا يحمل على المعنى الأول، قال شيخنا نور الدين «ومن هنا يتعين على من يطالع كتب المحدثين أن يتفطن ويتنبه لإطلاق كلمة "منكر"، ولا يتأثر بدافع التعجل فيضعف مالا يستحق التضعيف، ويتكلم بغير علم، كما وقع لبعض العصريين». انظر منهج النقد ص ٤٣٢.
(٥) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٧٥.
[ ٢٥٨ ]
والمعروفُ: مُقابلُ المنكرِ: وهوَ ما رواهُ الثِّقةُ مخالفًا روايةَ الضَّعيفِ (^١).
النُّقْطَةُ الثَّالِثَةِ: الْفَرْقُ بَينَ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ، وَأَقْسَامُهُمَا:
المنكرُ والشَّاذُّ يشتركانِ في الإفرادِ والمخالفةِ، ويفترقانِ في مرتبةِ الرَّاوي المخالِفِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «بَينَ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ بَينَهُمَا اجْتِمَاعًَا فِي اشْتِرَاطِ المُخَالَفَةِ، وَافْتِرَاقًَا فِي أَنَّ الشَّاذَّ رِوَايَةُ ثِقَةٍ أَوْ صَدُوقٍ، وَالمُنْكَرُ رِوَايَةُ ضَعِيفٍ. وَقَدْ غَفَلَ مَنْ سَوَّى بَينَهُمَا» (^٢). إشارةً إلى ابنِ الصَّلاحِ (^٣). وأصبحَ ما قرَّرهُ ابنُ حجرٍ بالفصلِ بينَ الشَّاذِّ والمنكرِ قاعدةً سارَ عليهَا كلُّ مَنْ جاءَ بعدَهُ.
وينقسمُ الشَّاذُّ بحسبِ موضعِهِ في الحديثِ إلى قسمينِ: شاذٍّ في المتنِ، وشاذٍّ في السَّندِ. وكذلكَ المنكرُ: إلى منكرٍ متنًَا، ومنكرٍ سندًَا. وسنقتصرُ في إيرادِ الأمثلةِ على الشَّاذِّ والمنكرِ في السَّندِ، والكلامُ على الشَّاذِّ والمنكرِ في المتنِ سيأتي في مباحثِ «أثرِ السَّبرِ في المتنِ» (^٤).
* * *
_________________
(١) نخبة الفكر ص ٢٢٩.
(٢) نزهة النظر ص ٨٧.
(٣) مقدمة ابن الصلاح ص ٨٠.
(٤) انظر ص ٣٨٥.
[ ٢٥٩ ]
المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ الحَدِيثِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ:
الحديثُ الشَّاذُّ مردودٌ لا يُقبلُ، لأنَّ راويهِ وإنْ كانَ ثقةً، لكنَّهُ بمخالفتِهِ لمنْ هوَ أولى
منهُ تبيَّنَ خطؤُهُ في هذا الحديثِ. قال النووي «ت ٦٧٦ هـ»: «فَإِنْ كَانَ مُفْرَدُهُ مُخَالِفًَا أَحْفَظَ مِنْهُ وَأَضْبَطَ كَانَ شَاذًّا مَرْدُودًَا» (^١).
والشَّاذُّ يحتاجُ إلى دقَّةِ نظرٍ لاشتباهِهِ بزياداتِ الثِّقاتِ في المتنِ أو الإسنادِ، قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «الحَدِيثُ الشَّاذُّ عَسِيرٌ، وَلِعُسْرِهِ لَمْ يُفْرِدْهُ أَحَدٌ بِالتَّصْنِيفِ» (^٢).
والحديثُ المنكرُ ضعيفٌ جدًَّا، لأنَّ راويَهُ ضعيفٌ، وازدادَ بالمخالفةِ ضعفًَا (^٣). قالَ ابنُ كثيرٍ «ت ٧٧٤ هـ»: «وَهُوَ كَالشَّاذِّ: إِنْ خَالَفَ رَاوِيهِ الثِّقَاتِ فَمُنْكَرٌ مَرْدُودٌ» (^٤).
* * *
_________________
(١) التقريب للنووي ١/ ٥.
(٢) تدريب الراوي ١/ ٢٣٣.
(٣) انظر منهج النقد - د. نور الدين عتر - ص ٤٢٨ و٤٣٢.
(٤) علوم الحديث لابن كثير ص ٥٥.
[ ٢٦٠ ]
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الحَدِيثِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ مِنْ عَدَمِهِ:
السَّبرُ لتمييزِ الشَّاذِ منَ المحفوظِ، والمنكرِ منَ المعروفِ، يكونُ مِنْ جهاتٍ عدَّةٍ:
أولًا: بمَا أنَّ الشَّاذَّ والمنكرَ يشتركانِ بالإفرادِ، وذلكَ لعدمِ وجودِ متابعةٍ أو شاهدٍ لأحدِهِمَا، فإنَّ نفيَ المتابعِ والشَّاهدِ لا يكونُ إلَّا بالسَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، ولا بُدَّ فيهِ كمَا بيَّنَّا في الفردِ والغريبِ مِنْ استفراغِ الوسعِ في التَّتبُّعِ حتَّى يُتيقَّنَ منْ عدمِ وجودِ متابعٍ أو شاهدٍ.
ثانيًا: يُشترطُ في المحفوظِ والمعروفِ المقابلَينِ للشَّاذِّ والمنكرِ إمَّا زيادةُ الضَّبطِ أو كثرَةُ العددِ، وكثرةُ العددِ التي يُرجَّحُ بهَا المحفوظُ والمعروفُ على الشَّاذِّ والمنكرِ تستبينُ بالسَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، قالَ الشَّافعيُّ «ت ٢٠٤ هـ»: «لِأَنَّ العَدَدَ الكَثِيرَ أَولَى بِالحِفْظِ مِنَ الوَاحِدِ» (^١).
ثالثًا: إنَّ استيضاحَ المخالفةِ المرجوحةِ للشَّاذِّ والمنكرِ، والرَّاجحةِ للمحفوظِ والمعروفِ تتمُّ مِنْ خلالِ معارضةِ روايةِ الرَّاوي بروايةِ غيرِهِ، قالَ الإمامُ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «وَعَلَامَةُ المُنْكَرِ فِي حَدِيثِ المُحَدِّثِ إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيرِهِ مِنْ أَهْلِ الحِفْظِ وَالرِّضَى خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتُهُمْ وَلَمْ تَكَدْ تُوَافِقُهَا» (^٢).
ويتطلَّبُ الوقوفُ على التَّفرُّدِ والمخالفةِ بالإضافةِ للسَّبرِ والمعارضةِ قدرًا كبيرًا مِنَ الفهمِ العميقِ والاطِّلاعِ الواسعِ، قالَ الدكتورُ حمزةُ المليباريُّ: «وَإِنْ كَانَ الوُقُوفُ عَلَى
_________________
(١) اختلاف الحديث ص ٥٢٣.
(٢) صحيح مسلم ١/ ٧.
[ ٢٦١ ]
تَفَرُّدِ الرَّاوِي وَمُخَالَفَتِهِ لِغَيرِهِ مُمْكِنًَا بِالنِّسْبَةِ إِلَينَا نَحْنُ المُعَاصِرِينَ عَنْ طَرِيقِ جَمْعِ الرِّوَايَاتِ وَالمُقَارَنَةِ بَينَهُمَا، إِلَّا أَنَّ مُعَالَجَتَهُمَا تَتَوَقَّفُ عَلَى قَدْرٍ كَبِيرٍ مِنَ الفَهْمِ وَالخَلْفِيَّةِ العِلْمِيَّةِ الوَاسِعَةِ» (^١).
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ المنكرِ منَ المعروفِ، والشَّاذِّ منَ المحفوظِ في السَّندِ، مِنْ خلالِ ما يأتي:
أَوَّلًَا: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الشَّاذِّ «سَنَدًَا» مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:
مثالُهُ: حديثُ ابنِ عباسٍ -﵁-: «أَنَّ رَجُلًَا مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلَّا غُلَامًَا لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: هَلْ لَهُ أَحَدٌ؟ قَالُوا: لَا، إِلَّا غُلَامًَا لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مِيرَاثَهُ لَهُ».
* الحديثُ أخرجَهُ التِّرمذيُّ «ر ٢١٠٦» والنَّسائيُّ «ر ٦٤٠٩» وابنُ ماجةَ «ر ٢٧٤١»
والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ١٢٢١٠» وغيرُهُمْ، مِنْ طريقِ سفيانَ بنِ عيينةَ (^٢)، عَنْ عمرٍو بنِ دينارٍ، عَنْ عوسجةَ، عَنْ ابنِ عباسٍ -﵁- مَوصُولًا.
* ورواهُ البيهقيُّ «ر ١٢١٧٦» منْ طريقِ حمَّادِ بنِ زيدٍ (^٣)، عنْ عمرٍو ابنِ دينارٍ، عنْ عَوسَجَةَ مُرسلًا.
_________________
(١) الحديث المعلول - ضوابط وقواعد - ١/ ١٥.
(٢) سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي، «ت ١٩٨ هـ»، ثقة، حافظ، فقيه، إمام إلا أنه تغير حفظه بآخرة، من أثبت الناس في عمرو بن دينار، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٤٥١».
(٣) حماد بن زيد بن درهم الأزدي، الجهضمي، أبو إسماعيل البصري، «ت ١٧٩ هـ»، ثقة ثبت، فقيه، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ١٤٩٨».
[ ٢٦٢ ]
وتابعَ ابنَ عيينةَ على وصلِهِ أربعُ ثقاتٍ:
حمادُ بنُ سلمةَ (^١) في سننِ أبي داودَ «ر ٢٩٠٥» والمستدركِ «ر ٨٠١٤» والبيهقيِّ «ر ١٢١٧٤».
ومحمَّدُ بنُ مسلمٍ (^٢) في المعجمِ الكبيرِ «ر ١٢٢١١».
وأبو يعلى الموصليُّ (^٣) في مسندِهِ «ر ٢٣٩٩».
وابنُ جُريجٍ (^٤) في المستدركِ «ر ٨٠١٣» إِلَّا أنَّهُ ذكرَ عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ بدلَ عوسجةَ.
وبسبرِ هذهِ الطُّرقِ تبيَّنَتْ لنَا روايتَا الوصلِ والإرسالِ، وترجَّحَتْ لدينَا روايةُ الوصلِ
على الإرسالِ، لأنَّ روايةَ الوصلِ هيَ المحفوظةُ لوجودِ متابعاتٍ لسفيانَ بنِ عيينةَ، وابنُ عيينةَ مِنْ أوثقِ النَّاسِ في ابنِ دينارٍ، وروايةُ الإرسالِ هيَ الشَّاذَّةُ لتفرُّدِ حمادِ بنِ زيدٍ بهَا مِنْ غيرِ مُتابعٍ ومخالفةِ الثِّقةِ للثِّقاتِ الأكثرِ عددًَا. قالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «قَالَ القَاضِي - إِسْمَاعِيلُ بنُ إِسْحَاقَ -: هَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بنُ زَيدٍ مُرْسَلًَا، لَمْ يَبْلُغْ بِهِ ابنَ عَبَّاسٍ» (^٥).
_________________
(١) حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، «ت ١٦٧ هـ»، ثقة عابد، من أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخرة، أخرج له مسلم والأربعة. انظر التقريب «ر ١٤٩٩».
(٢) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، أبو بكر، «ت ١٢٥ هـ»، الحافظ، متفق على جلالته، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٢٩٦».
(٣) أحمد بن علي بن المثنى، أبو يعلى الموصلي، «ت ٣٠٧ هـ»، له المسند الكبير. انظر تذكرة الحفاظ «ر ٢٦».
(٤) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، الأموي، المكي، «ت ١٥٠ هـ»، ثقة، فقيه، فاضل، كان يدلس ويرسل، أخرج له الستة. انظر التقريب «٤١٩٣».
(٥) سنن البيهقي ٦/ ٢٤٢.
[ ٢٦٣ ]
وقالَ ابنُ أبي حاتمٍ «ت ٣٢٧ هـ»: «سَأَلْتُ أَبِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ ابنَ عُيَينَةَ وَمُحَمَّدَ بنَ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ يَقُولَانِ: عَنْ عَوسَجَةَ، عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-. فَقُلْتُ لَهُ: اللَّذَانِ يَقُولَانِ ابنَ عَبَّاسٍ مَحْفُوظٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَصَّرَ حَمَّادُ بنُ زَيدٍ» (^١).
ثَانِيًَا: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ المُنْكَرِ «سَنَدًَا» مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:
مثالُهُ: حديثُ ابنِ عباسٍ -﵁-: «مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَحَجَّ البَيتَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، وَقَرَى الضَّيفَ، دَخَلَ الجَنَّةَ».
* الحديثُ أخرجَهُ عبدُ الرَّزاقِ في مصنَّفِهِ «ر ٢٠٥٢٩»، والبيهقيُّ في شعبِ الإيمانِ «ر ٩٥٩٣»، والحربيُّ في إكرامِ الضَّيفِ «ر ٥١»: منْ طريقِ معمرِ بنِ راشدٍ (^٢)، عنْ أبي إسحاقَ، عنِ العيزارَ، عنِ ابنِ عباسٍ -﵁- موقوفًَا.
وتابعَ مَعْمَرًا عمَّارُ بنُ رزيقٍ (^٣)، كمَا في إكرامِ الضَّيفِ للحربيِّ «ر ٥٢».
_________________
(١) علل الحديث ٢/ ٥٢.
(٢) معمر بن راشد، أبو عروة البصري، «ت ١٥٤ هـ»، ثقة ثبت، إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث بالبصرة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٨٠٩».
(٣) عمار بن رزيق الضبي، أبو الأحوص الكوفي، «ت ١٥٩ هـ»، قال أبو حاتم والنسائي والبزار: «لا بأس به». ووثقه ابن معين، وابن المديني، وأبو زرعة، وابن حنبل، وذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه الذهبي = = وقال: «ما علمت لأحد فيه تليينًا إلا قول السليماني: إنه من الرافضة، فالله أعلم بصحة ذلك». انظر الجرح والتعديل «٢١٨٢»، والثقات «ر ١٠٠٩٥»، وميزان الاعتدال «ر ٥٩٩٢»، والتقريب «ر ٤٨٢١»، والتهذيب «ر ٦٤٨».
[ ٢٦٤ ]
* ورواهُ الطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ١٢٦٩٢»، والنَّقاشُ في فوائدِ العراقيينَ «ر ٢٣»، والحربيُّ في إكرامِ الضَّيفِ «ر ٥٠»: منْ طريقِ حبيبِ بنِ حبيبٍ (^١) أخو حمزةَ الزَّيَّاتِ، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ العيزارَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- مرفوعًَا.
فبسبرِ طُرقِ هذَا الحديثِ تبيَّنَ لنَا روايتَانِ:
إحداهُمَا: موقوفةٌ منْ طريقِ ثقتينِ، وهمَا: معمرُ بنُ راشدٍ، وعمَّارُ بنُ رزيقٍ.
والثَّانيةُ: مرفوعةٌ منْ طريقٍ ضعيفٍ، وهوَ: حبيبُ بنُ حبيبٍ، فترجَّحتْ روايةُ الوقفِ، وعُلمَ أنَّ روايةَ الرَّفعِ منكرةٌ لمخالفةِ الضَّعيفِ للثِّقاتِ.
قالَ أبو زرعةَ «ت ٢٦٤ هـ»: «هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، إِنَّمَا هُوَ ابنُ عَبَّاسٍ، مَوقُوفٌ» (^٢).
وقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «لِأَنَّ غَيرَ حبيبٍ، مِنَ الثِّقَاتِ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَوقُوفًَا، وَهُوَ المَعْرُوفُ» (^٣).
* * *
_________________
(١) حبيب بن حبيب، أخو حمزة الزيات، وثقه عثمان بن أبي شيبة، وتركه ابن المباري، وقال أبو زرعة: «واهي الحديث». وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال الرازي: «ليس بالقوي». وقال الأزدي: «ليس بالمرضي». انظر ضعفاء العقيلي «ر ٣٢٠»، والجرح والتعديل «١٣٧٣»، والكامل لابن عدي «ر ٥٣٢»، والضعفاء لابن الجوزي «ر ٧٥٤».
(٢) علل الحديث لابن أبي حاتم ٢/ ١٨٢.
(٣) نخبة الفكر وشرحها للقاري ص ٣٣٩.
[ ٢٦٥ ]
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ: (^١)
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ:
لغةً: زيادةُ العددِ في السَّندِ (^٢).
اِصطلاحًَا: أنْ يزيدَ راوٍ في الإسنادِ المتَّصلِ رجلًَا لمْ يذكرهُ غيرُهُ، وهمًَا.
* * *
المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ، وآَلِيَّةُ تَحْدِيدِ الزِّيَادَةِ:
الزِّيادةُ في «المزيدِ في متَّصلِ الأسانيدِ» كعدمِهَا، قالَهُ الجعبريُّ (^٣) «ت ٧٣٢ هـ» (^٤). والحكمُ للحديثِ الخالي مِنَ الزِّيادةِ (^٥).
_________________
(١) ألف الخطيب كتابًا أسماه «تمييز المزيد في متصل الأسانيد» - وهو كتاب مفقود - وقد اعترض عليه ابن الصلاح ص ٢٨٦، وهناك رسالة ماجستير بعنوان «المزيد في متصل الأسانيد - دراسة نظرية تطبيقية» للباحثة سميرة محمد سلامة - طبعتها مكتبة الرشد ناشرون - الرياض - ١٤٢٦ هـ.
(٢) رسوم التحديث ص ٩١.
(٣) إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجعبري، أبو إسحاق، «٦٤٠ هـ - ٧٣٢ هـ»، عالم بالقراءات، من فقهاء الشافعية، له نحو مئة كتاب، منها: «رسوم التحديث في علوم الحديث»، و«أسماء الرواة المذكورين في الشاطبية». انظر البداية والنهاية ١٤/ ١٦٠، والدرر الكامنة ١/ ٥٠، وطبقات الشافعية ٦/ ٨٢.
(٤) رسوم التحديث ص ٩١.
(٥) انظر جامع التحصيل ص ١٢٦.
[ ٢٦٦ ]
ويُشترطُ لردِّ الزِّيادةِ أنْ يقعَ التَّصريحُ بالسَّماعِ، معَ قرينةٍ تدلُّ على الوهمِ في الزِّيادةِ (^١).
فإنْ لمْ يقعِ التَّصريحُ بالسَّماعِ، وكانَ بـ «عَنْ»، اعتبرَ الإسنادُ الخالي مِنَ الزِّيَادةِ مُنقطعًَا، وعُدَّ منَ المرسلِ الخفيِّ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «لِأَنَّ الإِسْنَادَ الخَالِي عَنِ الرَّاوِي الزَّائِدِ، إِنْ كَانَ بِلَفْظِهِ «عَنْ» فِي ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِإِرْسَالِهِ وَيُجْعَلَ مُعَلَّلًَا بِالإِسْنَادِ الذِي ذُكِرَ فِيهِ الزَّائِدُ» (^٢).
وقدْ يكونُ أيضًَا في حالِ التَّصريحِ بالسَّماعِ، مِنَ العالي والنَّازلِ، بأنْ سمعَهُ أوَّلًَا عنْ شيخِهِ، ثمَّ تطلَّبَهُ بعلوٍ، فسمعَهُ منْ شيخِ شيخِهِ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّمَاعِ أَوْ بِالإِخْبَارِ … فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ عَنْهُ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ نَفْسَهُ» (^٣).
فإنْ كانَ ثمَّةَ قرينةٌ تدلُّ على كونِ الزِّيادةِ وهمًَا، فهوَ المزيدُ في متَّصلِ الأسانيدِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» بعدَ كلامِهِ السَّابقِ: «اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَونِهِ وَهْمًَا» (^٤).
_________________
(١) وقد بيَّن الدكتور عبد الله الجديع أن الوهم ليس شرطًا في المزيد، بل قد تكون زيادة ثقة، كما في العالي والنازل. انظر تحرير علوم الحديث ٢/ ١٠٢٣. وهو خلاف ما نص عليه الأئمة المحدثون في كتب أصول = = الحديث، ومن جهة أخرى فإن المزيد في متصل الأسانيد يشترك مع العالي والنازل في الزيادة، لكنهما يفترقان، في كون الزيادة في العالي والنازل زيادة معتبرة، وفي المزيد زيادة مردودة. انظر مقدمة ابن الصلاح ص ٢٨٦، ورسوم التحديث ص ٩١، والشذا الفياح ٢/ ٤٧٧، والمقنع في علوم الحديث ٢/ ٤٨٣، وتدريب الراوي ٢/ ٢٠٣، ونخبة الفكر وشرحها للقاري ص ٤٧٨.
(٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٨٦.
(٣) المصدر ذاته.
(٤) المصدر ذاته.
[ ٢٦٧ ]
وقالَ الأبناسيُّ «ت ٨٠٢ هـ»: «رُبَّمَا كَانَ الحُكْمُ لِلنَّاقِصِ، وَالزَّائِدُ وَهْمٌ، فَيَكُونُ مِنْ نَوعِ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ» (^١).
ومنَ القرائنِ لمعرفةِ المزيدِ في متَّصلِ الأسانيدِ:
أوَّلًا: كثرةُ العددِ: قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في معرضِ كلامِهِ عنِ الرِّوايةِ التي مثَّلَ بهَا للمزيدِ: «وَأَمَّا ذِكْرُ أَبِي إِدْرِيسَ فِيهِ فَابْنُ المُبَارَكِ مَنْسُوبٌ فِيهِ إِلَى الوَهْمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الثِّقَاتِ رَوَوهُ عَنْ ابْنِ جَابِرٍ فَلَمْ يَذْكُرُوا أَبَا إِدْرِيسَ بَينَ بِسْرٍ وَوَاثِلَةَ، وَفِيهِمْ مَنْ صَرَّحَ فِيهِ بِسَمَاعِ بِسْرٍ مِنْ وَاثِلَةَ» (^٢).
ثانيًَا: سلوكُ الجَادَّةِ (^٣): قالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٢٧ هـ» عنِ الرِّوايةِ السَّابقةِ: «يَرَونَ أَنَّ ابْنَ المُبَارَكِ وَهِمَ فِي هَذَا، وَكَثِيرًَا مَا يُحَدِّثُ بِسْرٌ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، فَغَلِطَ ابْنُ المُبَارَكِ وَظَنَّ أَنَّ هَذَا مِمَّا رُوِيَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ وَاثِلَةَ، وَقَدْ سِمِعَ هَذَا بِسْرٌ مِنْ وَاثِلَةَ نَفْسِهِ» (^٤).
ثالثًَا: أنْ يكونَ مَنْ لمْ يأتِ بالزِّيادةِ أوثَقَ ممَّنْ أتَى بهَا: قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَإِنْ كَانَتِ المُخَالَفَةُ بِزِيَادَةِ رَاوٍ فِي أَثْنَاءِ الإِسْنَادِ، وَمَنْ لَمْ يُزِدْهَا أَتْقَنُ مِمَّنْ زَادَهَا، فَهَذَا هُوَ المَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ» (^٥).
_________________
(١) الشذا الفياح ٢/ ٤٨١.
(٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٨٦.
(٣) سلوك الجادة: الجادة في اللغة: هي معظم الطريق، فمعنى: «سلك الجادة» هو أنه سار على ما هو أغلب وأشهر. وبمعناها قولهم: «أخذ المجرة» و«اتبع المجرة» و«لزم الطريق» و«سلك الطريق» ونحو ذلك. وفي الاصطلاح، قال ابن رجب «ت ٧٩٥ هـ»: «فإن كان المنفرد عن الحفاظ، مع سوء حفظه قد سلك الطريق المشهور، والحفاظ يخالفونه، فإنه لا يكاد يرتاب في وهمه وخطئه، لأن الطريق المشهور تسبق إليه الألسنة والأوهام كثيرًا. فيسلكه من لا يحفظ». شرح علل الترمذي ٢/ ٨٤١.
(٤) علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ٨٠.
(٥) نخبة الفكر وشرحها للقاري ص ٤٧٨.
[ ٢٦٨ ]
أو كانَ منْ أثبتِ النَّاسِ في شيخِهِ الذي رُويَ عنهُ الحديثُ، قالَ أبو بكرٍ بنُ أبي عاصمٍ (^١) «ت ٢٨٧ هـ» في روايةِ ابنِ المباركِ السَّابقةِ: «رَوَاهُ صَدَقَةُ بنُ خَالِدٍ مِنْ غَيرِ الزِّيَادَةِ، وَأَيُّوبُ بنُ سُوَيدٍ، وَالوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ. وَصَدَقَةُ مِنْ أَثْبَتِهِمْ فِي ابْنِ جَابِرٍ» (^٢).
رابعًَا: إيرادُ الرَّاوي للرِّوايةِ المزيدةِ دونَ الأخرى، فإذَا ذكرَ الرِّوايتينِ المزيدةَ وغيرَ المزيدةِ منْ طريقِهِ ولمْ يكنْ ثمَّةَ قرينةٌ للوهمِ حُمِلَ على كونِهِ مِنَ العالي والنَّازلِ، قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الظَّاهِرُ مِمَّنْ لَهُ هَذَا أَنْ يَذْكُرَ السَّمَاعَينِ، فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْهُمَا حُمِلَ عَلَى الزِّيَادَةِ» (^٣).
خامسًا: أنْ يكونَ الرَّاوي ممَّنْ يزيدُ في الإسنادِ، قالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «كَانَ يَحْيَى يُنْكِرُ عَلَى هَمَّامٍ أَنَّهُ يَزِيدُ فِي الإِسْنَادِ» (^٤). وقالَ ابنُ حنبلٍ عنْ مجالدٍ: «كَذَا وَكَذَا، وَحَرَّكَ يَدَهُ، وَلَكِنَّهُ يَزِيدُ فِي الإِسْنَادِ» (^٥).
فإنْ لمْ تترجَّحْ لدينَا الزِّيادةُ أو عدمُهَا، قالَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «يُتَوَقَّفُ فِيهِ لِكَونِهِ مُحْتَمَلًَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأَمْرَينِ» (^٦).
_________________
(١) أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك، ابن مخلد الشيباني، أبو بكر بن أبي عاصم، «٢٠٦ هـ - ٢٨٧ هـ»، عالم بالحديث، ولي قضاء أصبهان، من كتبه: «الآحاد والمثاني»، و«المسند الكبير»، كتاب «السنة». انظر تذكرة الحفاظ ٢/ ١٩٣، والبداية والنهاية ١١/ ٨٤.
(٢) الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم ١/ ٢٤٣.
(٣) التقريب ١/ ٢٠.
(٤) العلل ومعرفة الرجال ١/ ٢٢٦.
(٥) المصدر ذاته ١/ ٤١٣.
(٦) جامع التحصيل ص ١٢٧.
[ ٢٦٩ ]
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ:
يتجلَّى أثرُ السَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ في معرفةِ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ بمَا يأتي:
أولًا: إدراكُ ومعرفةُ الزِّيادةِ في السَّندِ تتمُّ مِنْ خلالِ السَّبرِ والمعارضَةِ بينَ الأسانيدِ.
ثانيًا: إنَّ بعضَ القرائنِ المذكورةِ آنفًا معتمدُهَا السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ لترجيحِ الزِّيادةِ منْ عدمِهَا، أو تحديدِ نوعِهَا مِنْ حيثُ كونُهَا معتبرةً أو مردودةً، كمَا في القرينتينِ الأولى والرَّابعةِ، وهمَا تعدُّدُ الطُّرقِ الخاليةِ مِنَ الزِّيادةِ مقابلَ الرِّوايةِ المزيدةِ، وكذلكَ عدمُ ذكرِ الرَّاوي صاحبِ الزِّيادةِ للسَّماعِ الثَّاني الخالي منَ الزِّيادةِ منْ طريقِهِ.
معَ العلمِ أنَّهُ لا بدَّ بالإضافةِ إلى السَّبرِ مِنْ دقَّةِ نظرٍ وقرائنَ مرجِّحةٍ، للحكمِ على نوعِ الزِّيادةِ، والتَّأكُّدِ أنَّهَا مِنَ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ.
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ، مِنْ خلالِ المثالين الآتيين:
أَوَّلًَا: الحَدِيثُ الذِي مَثَّلَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ:
وهوَ حديثُ أبي مرثدٍ الغنويِّ -﵁-، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ -ﷺ- يقولُ: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيهَا».
* بسبرِ طرقِ هذَا الحديثِ نجدُ أنَّهُ أخرجَهُ مسلمٌ «ر ٩٧٢»، وابنُ خزيمةَ «ر ٧٩٤»، وابنُ حبَّانَ «ر ٢٣٢٠»، والحاكمُ «ر ٤٩٦٩»، والتِّرمذيُّ «ر ١٠٥٠»، والبيهقيُّ في الكبرى «ر ٤٠٧٤»،
[ ٢٧٠ ]
وابنُ حنبلٍ «ر ١٧٢٥٥»، وأبو يعلى «ر ١٥١٤»، منْ طريقِ ابنِ المباركِ (^١)، عنْ ابنِ جابرٍ، عنْ بسرَ ابنِ عُبيدِ اللهِ، عنْ أبي إدريسَ الخولانيِّ، عنْ واثلةَ بنِ الأسقعِ، عنْ أبي مرثدٍ الغنويِّ -﵁-.
* وأخرجَهُ ابنُ خزيمةَ «ر ٧٩٣»، وأبو عوانةَ «ر ١١٧٩»، والتِّرمذيُّ «ر ١٠٥١»، والنَّسائيُّ «ر ٧٦٠»، وابنُ حنبلٍ «ر ١٧٢٥٤»، والبيهقيُّ «ر ٧٠٠٧»، منْ طريقِ الوليدِ بنِ مسلمٍ (^٢)، عنْ ابنِ جابرٍ، عنْ بسرَ، عنْ واثلةَ، عنْ أبي مرثدٍ. منْ غيرِ ذكرِ أبي إدريسَ الخولانيِّ بينَ بسرَ وواثلةَ.
وتابع الوليدَ صدقةُ بنُ خالدٍ (^٣)، كمَا في المستدركِ «ر ٤٩٧٥»، والآحادِ والمثاني «ر ٣١٦»، والمعجمِ الكبيرِ «ر ٤٣٣»، ومسندِ الشَّاميينَ «ر ٥٨٠».
وعيسى بنُ يونسَ (^٤)، كمَا في سننِ أبي داودَ «ر ٣٢٢٩».
وبشرُ بنُ بكرٍ (^٥)، كمَا في المستدركِ «ر ٤٩٧٥».
وبذلكَ يتبيَّنُ لنَا تفرُّدُ ابنِ المباركِ بذكرِ أبي إدريسَ الخولانيِّ بينَ بسرَ وواثلةَ، خالفَهُ بذلكَ الوليدُ بنُ مسلمٍ، وصدقةُ بنُ خالدٍ، وعيسى بنُ يونسَ، وبشرُ بنُ بكرٍ، فترجَّحَ لنَا الطَّريقُ
_________________
(١) عبد الله بن المبارك المروزي، «ت ١٨١ هـ»، ثقة ثبت، فقيه عالم جواد، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٣٥٧٠».
(٢) الوليد بن مسلم، أبو العباس الدمشقي، «ت ١٩٥ هـ»، ثقة، كثير التدليس والتسوية، أخرج له الأربعة. انظر التقريب «ر ٧٤٥٦».
(٣) صدقة بن خالد الأموي، أبو العباس الدمشقي، «ت ١٧١ هـ»، ثقة، أخرج له «خ د س جه». انظر التقريب «ر ٢٩١١».
(٤) عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، «ت ١٨٧ هـ»، ثقة مأمون، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٥٣٤١».
(٥) بشر بن بكر التنيسي، أبو عبد الله البجلي، «ت ٢٠٥ هـ»، ثقة يغرب، أخرج له «خ د س جه». انظر التقريب «ر ٦٧٧».
[ ٢٧١ ]
منْ غيرِ هذهِ الزِّيادةِ لقرينةِ كثرةِ العددِ، ووَهْمِ ابنِ المباركِ بسلوكِهِ الجادَّةَ في روايةِ أبي إدريسَ عنْ واثلةَ، وثمَّةَ قرينةٌ أخرى وهيَ أنَّ صدقةَ بنَ خالدٍ منْ أثبتِهِمْ في ابنِ جابرٍ (^١).
قالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٢٧ هـ»: «يَرَونَ أَنَّ ابْنَ المُبَارَكِ وَهِمَ فِي هَذَا، وَكَثِيرًَا مَا يُحَدِّثُ بِسْرُ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، فَغَلِطَ ابْنُ المُبَارَكِ وَظَنَّ أَنَّ هَذَا مِمَّا رَوَيَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ وَاثِلَةَ، وَقَدْ سَمِعَ هَذَا بِسْرُ مِنْ وَاثِلَةَ نَفْسِهِ» (^٢).
وقالَ البخاريُّ «ت ٢٥٦ هـ»: «حَدِيثُ ابْنِ المُبَارَكِ خَطَأٌ، أَخْطَأَ فِيهِ ابْنُ المُبَارَكِ وَزَادَ فِيهِ: «عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ». وَإِنَّمَا هُوَ بِسْرُ بنُ عُبَيدِ اللهِ عَنْ وَاثِلَةَ. هَكَذَا رَوَى غَيرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ يَزِيدَ بنِ جَابِرٍ، وَلَيسَ فِيهِ: «عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ». وَبِسْرُ بنُ عُبَيدِ اللهِ قَدْ سَمِعَ مِنْ وَاثِلَةَ» (^٣).
وقالَ الدَّراقطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ وَاثِلَةَ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ» (^٤).
ثَانِيًَا: مثالٌ آخرُ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ -﵁-، قالَ: «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ- مُسْتَلْقِيًَا فِي المَسْجِدِ وَاضِعًَا إِحْدَى رِجْلَيهِ عَلَى الأُخْرَى».
الحديثُ أخرجَهُ البُخاريُّ «ر ٤٦٣»، ومسلمٌ «ر ٢١٠٠»، وابنُ حبَّانَ «ر ٥٥٥٢»، مِنْ طريقِ مالكٍ (^٥)، عنْ ابنِ شهابٍ الزُّهريِّ، عنْ عبَّادِ بنِ تميمٍ، عنْ عمِّهِ عبدِ اللهِ بنِ زيادٍ -﵁-.
_________________
(١) ذكر ابن الصلاح في هذا الحديث زيادة أخرى من قبيل المزيد في متصل الأسانيد، وهي ذكر «سفيان» بين ابن المبارك وابن جابر، وقد تتبعت طرق الحديث فلم أجد مَنْ ذَكَرَ هذه الزيادة ألبتة. والله أعلم.
(٢) علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ٨٠.
(٣) علل الترمذي ص ١٥١.
(٤) العلل للدارقطني ٧/ ٤٣.
(٥) مالك بن أنس الأصبحي، أبو عبد الله المدني، «ت ١٧٩ هـ»، الحافظ الحجة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٤٢٥».
[ ٢٧٢ ]
وتابعَ مالكَ بنَ أنسٍ معمرُ بنُ راشدٍ (^١)، في سننِ البيهقيِّ «ر ٣٠٢٦»، ومصنَّفِ عبدِ الرَّزَّاقِ «ر ٢٠٢٢١»، ومسندِ عبدِ بنِ حُميدٍ «ر ٢١٧».
وسفيانُ بنُ عيينةَ (^٢)، في سننِ التِّرمذيِّ «ر ٢٧٦٥»، وسننِ الدَّارميِّ «ر ٢٦٥٦».
ويونسُ بنُ يزيدَ (^٣)، في مسندِ أبي عوانةَ «ر ٨٦٩٢».
وابنُ أبي ذئبٍ (^٤)، في مسندِ الطَّيالسيِّ «ر ١١٠١».
ويحيى بنُ جرجةَ (^٥)، في مسندِ ابنِ حنبلٍ «ر ١٦٤٩١». وغيرُهُمْ.
وخالفَهُمْ عبدُ العزيزِ الماجشون (^٦)، كمَا في معرفةِ الصَّحابةِ «ر ٤١٥٩»، فرواهُ عنْ الزُّهريِّ عنْ محمودِ بنِ لبيدٍ، عنْ عبَّادِ بنِ تميمٍ، عنْ عمِّهِ عبدِ اللهِ بنِ زيادٍ. فزادَ «محمودَ بنَ لبيدٍ» بينَ الزُّهريِّ وعبَّادٍ.
فمنْ خلالِ السَّبرِ تبيَّنَ تفرُّدُ عبدِ العزيزِ الماجشونَ - وهوَ ثقةٌ - بزيادةِ «محمودِ بنِ لبيدٍ»، ومخالفتُهُ للأكثرِ منَ الرُّواةِ الثِّقاتِ، فكانتْ زيادتُهُ مِنَ المزيدِ في متَّصلِ الأسانيدِ.
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٢٣٢.
(٢) تقدمت ترجمته ص ٢٣٠.
(٣) يونس بن يزيد بن أبي النجاد، أبو يزيد الأيلي، «ت ١٥٩ هـ»، ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا وفي غير الزهري خطأ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٩١٩».
(٤) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، أبو الحارث المدني، «ت ١٥٨ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٠٨٢».
(٥) يحيى بن جرجة، المكي، قال أبو حاتم: «شيخ». وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: «ربما خالف». وقال ابن عدي: «أرجو أنه لا بأس بحديثه». انظر الجرح والتعديل «ر ٥٦٠»، والثقات «ر ١١٦٤٨»، والكامل لابن عدي «ر ٢١٢٧»، واللسان «ر ٨٦١».
(٦) عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، «ت ١٦٤ هـ»، ثقة، فقيه، مصنف، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤١٠٤».
[ ٢٧٣ ]
قالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٢٧ هـ» وأبو زرعةَ «ت ٢٨١ هـ»: «خَالَفَ عَبْدُ العَزِيزِ المَاجِشُون أَصْحَابَ الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ، أَدْخَلَ فِيمَا بَينَ الزُّهْرِيِّ وَعَبَّادٍ «مَحْمُودَ بنَ لَبِيدٍ»، وَلَمْ يُدْخِلْهُ أَحَدٌ مِنَ الحُفَّاظِ» (^١).
وذكرَهُ المقدسيُّ «٥٠٧ هـ» في أطرافِ الغرائبِ والأفرادِ، وقالَ: «غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَحْمُودٍ بنِ لَبِيدٍ عَنْ عَبَّادٍ، تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ العَزِيزِ المَاجِشُونَ بِهَذَا الإِسْنَادِ» (^٢).
* * *
_________________
(١) علل الحديث لابن أبي حاتم ٢/ ٢٦٧. وينظر فتح الباري ٢/ ٥٧٣.
(٢) أطراف الغرائب والأفراد ٤/ ١٩٣.
[ ٢٧٤ ]
المَبْحَثُ الرَّابِعُ: مَعْرِفَةُ الاِضْطِرَابِ فِي الإِسْنَادِ: (^١)
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُضْطَرِبِ:
المضطربُ: لغةً: اسمُ فاعلٍ منْ «اضْطَربَ». يُقالُ: اضطربَ الموجُ، أي: ضربَ بعضُهُ بعضًَا. واضطربَ الأمرُ: اختلَّ (^٢).
اصطِلاحًَا: هوَ الحديثُ المرويُّ منْ راوٍ أو أكثرَ على أوجهٍ مُختلفةٍ مؤثِّرةٍ (^٣)، معَ عدمِ إمكانيَّةِ الجمعِ أو التَّرجيحِ.
قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «المُضْطَرِبُ مِنَ الحَدِيثِ: هُوَ الذِي تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِيهِ، فَيَرْوِيهِ بَعْضُهُمْ عَلَى وَجْهٍ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى وَجْهٍ آَخَرَ مُخَالِفٍ لَهُ، وَإِنَّمَا نُسَمِّيهِ مُضْطَرِبًَا إِذَا تَسَاوَتِ الرِّوَايَتَانِ» (^٤).
_________________
(١) للإمام ابن حجر «المقترب في بيان المضطرب» - وهو من الكتب المفقودة - قال السخاوي «٩٠٢ هـ»: «القتطه شيخنا من العلل للدارقطني مع زوائد». فتح المغيث «بتصرف» ١/ ٢٢٧. ومن الرسائل العلمية «الحديث المضطرب - دراسة وتطبيقًا». للباحث أحمد بازمول، وقد طبعه بعنوان «المقترب في بيان المضطرب» - دار الخراز - السعودية - جدة - ١٤٢٢ هـ. وانظر في «المضطرب» مقدمة ابن الصلاح ص ٩٣، والاقتراح في بيان الاصطلاح ص ٢٢، ورسوم التحديث ص ٨٥، والمنهل الروي ص ٥٢، والنكت على ابن الصلاح ٢/ ٢٤٤، والشذا الفياح ٢/ ٢١٢، والمقنع ص ٢٢١، والتقييد والإيضاح ص ١٢٤، وفتح المغيث ١/ ٢٣٧، وتدريب الراوي ١/ ٢٦٢.
(٢) انظر لسان العرب - مادة «ضرب» ١/ ٥٤٤، وتاج العروس - مادة «ضرب» ٣/ ٢٤٨.
(٣) قيد خرج به اختلاف التنوع في الرواية، كأن يُروى الحديث عن رجل مرة وعن آخر مرة، ثم يجمعهما في سند. وكذا اضطراب الرواة في اسم الراوي ونسبه مع ثقته. انظر النكت للزركشي ٢/ ٢٢٤.
(٤) مقدمة ابن الصلاح ص ٩٣.
[ ٢٧٥ ]
المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ الحَدِيثِ المُضْطَرِبِ، وَشُرُوطُهُ:
قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَالاِضْطِرَابُ مُوجِبٌ ضَعْفَ الحَدِيثِ، لِإِشْعَارِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يُضْبَطْ» (^١).
ويُشترطُ في الحديثِ حتَّى يُحكمَ عليهِ بالاضطرابِ:
أوَّلًا: الاختلافُ، معَ التَّساوي في القوَّةِ بحيثُ لا يترجَّحُ منهُ شيءٌ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَإِنَّمَا نُسَمِّيهِ مُضْطَرِبًَا إِذَا تَسَاوَتِ الرِّوَايَتَانِ، أَمَّا إِذَا تَرَجَّحَتْ إِحْدَاهُمَا بِحَيثُ لَا تُقَاوِمُهَا الأُخْرَى بِأَنْ يَكُونَ رَاوِيهَا أَحْفَظَ أَوْ أَكْثَرَ صُحْبَةً لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ، أَوْ غَيرُ ذَلِكَ مِنَ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ المُعْتَمَدَةِ فَالحُكْمُ لِلرَّاجِحَةِ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَيهِ حِينَئِذٍ وَصْفُ المُضْطَرِبِ وَلَا لَهُ حُكْمُهُ» (^٢).
ثانيًَا: عدمُ إمكانيةِ الجمعِ بينَ الوجوهِ المختلفةِ. قالَ ابنُ دقيقٍ «ت ٧٠٢ هـ»: «فَإِنْ أَمْكَنَ الجَمْعُ بَينَ تِلْكَ الوُجُوهِ بِحَيثُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ المُتَكَلِّمُ مُعَبِّرًَا بِاللَّفْظَينِ الوَارِدَينِ عَنْ مَعْنَى وَاحِدٍ فَلَا إِشْكَالَ أَيضًَا، مِثْلَ: أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الوَجْهَينِ قَدْ قَالَ الرَّاوِي: عَنْ رَجُلٍ. وَفِي الوَجْهِ الآَخَرِ سَمَّى رَجُلًَا، فَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُسَمَّى هَوَ ذَلِكَ المُبْهَمَ، فَلَا تَعَارُضَ» (^٣).
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ٩٣. «يُضْبَط»: مبني للمجهول، أي: الحديث. ومن الممكن أن تبنى للمعلوم «يَضْبِطْ»، أي: الراوي الحديثَ.
(٢) المصدر ذاته.
(٣) الاقتراح في بيان الاصطلاح ص ٢٢، وانظر مقدمة فتح الباري ١/ ٣٤٨.
[ ٢٧٦ ]
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُضْطَرِبِ «سَنَدًَا»:
المضْطَربُ قدْ يكونُ في السَّندِ، وقدْ يكونُ في المتنِ، وقدْ يكونُ في السَّندِ والمتنِ معًَا، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَهُوَ يَقَعُ فَي الإِسْنَادِ غَالِبًَا» (^١). ونحنُ هنَا بصددِ الحديثِ عمَّا يختصُّ بالسَّندِ أو ما يكونُ في السَّندِ والمتنِ معًا، لأنَّ اضطرابَ المتنِ غالبًَا ما يكونُ تابعًَا لاضطرابِ السَّندِ، قالَ اللَّكنويُّ (^٢) «ت ١٣٠٤ هـ»: «الاِضْطِرَابُ فِي المَتْنِ قَلَّمَا يُوجَدُ إِلَّا وَمَعَهُ اضْطِرَابٌ فِي السَّنَدِ» (^٣). والكلامُ على المضْطربِ متنًَا سيأتي في مباحثِ «أثرِ السَّبرِ في المتنِ».
الاِضْطِرابُ في الحديثِ علَّةٌ خفيَّةٌ (^٤)، لا يطَّلعُ عليهَا إلَّا مَنْ كانَ منْ أهلِ السَّبرِ والتَّتبُّعِ والاستقراءِ التامِّ، والاضْطِرابُ يكونُ بينَ المتعدِّدِ، فلمعرفتِهِ لا بدَّ منْ جمعِ الطُّرقِ ومعارضتِهَا ببعضِهَا والنَّظرِ في الاختلافاتِ الواردةِ بينَهَا، فالسَّبرُ هوَ الآليَّةُ التي منْ خلالِهَا يُحدَّدُ الاضْطِرابُ في الإسنادِ منْ عدمِهِ، لأنَّهُ بهِ يُعرفُ الاختلافُ بينَ طرقِ
_________________
(١) نخبة الفكر وشرحها للقاري ص ٤٨١.
(٢) محمد عبد الحي بن محمد عبد الحليم الأنصاري، اللكنوي، الهندي، أبو الحسنات، «١٢٦٤ هـ - ١٣٠٤ هـ»، عالم بالحديث والتراجم، من كتبه: «الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة»، و«الرفع والتكميل في الجرح والتعديل»، و«ظفر الأماني في مختصر الجرجاني»، و«التعليق الممجد» على موطأ الشيباني. انظر الرسالة المستطرفة ص ١١٥، والأعلام ٦/ ١٨٧.
(٣) ظفر الأماني ص ٣٩٨.
(٤) المقترب في بيان المضطرب - أحمد بازمول - ص ٩٨.
[ ٢٧٧ ]
الحديثِ سواءٌ منَ الرَّاوي نفسِهِ أو مِنْ جمعِ الرُّواةِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ مِنْ رَاوٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ يَقَعُ بَينَ رُوَاةٍ لَهُ جَمَاعَةٌ» (^١). فإذَا كانَ مِنْ راوٍ واحدٍ، فالسَّبرُ يكونُ لطرقِ الحديثِ مِنْ ذلكَ الرَّاوي، وإذَا كانَ مِنْ رواةٍ عدَّةٍ فيكونُ السَّبرُ لجميعِ هذهِ الطُّرقِ.
وبِهِ يتبيَّنُ لنَا التَّساوي المتقاوِمُ الذي يؤكِّدُ اضْطِرابَ الحديثِ، لأنَّهُ بالسَّبرِ تنتفي أحدُ المرجِّحاتِ لعدمِ الاضْطِرابِ، ككثرةِ العددِ مقابلَ قلَّتهِ للمخالِفِ أو تفرُّدِهِ، قالَ ابنُ دقيقٍ «ت ٧٠٢ هـ»: «إِنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ فِي الحَدِيثِ مِمَّا يَمْنَعُ الاِحْتِجَاجَ بِهِ، بِشَرْطِ تَكَافُؤِ الرِّوَايَاتِ أَوْ تَقَارُبِهَا، أَمَّا إِذَا كَانَ التَّرْجِيحُ وَاقِعًَا لِبَعْضِهَا، إِمَّا لِأَنَّ رُوَاتَهُ أَكْثَرُ أَوْ أَحْفَظُ فَيَنْبَغِي العَمَلُ بِهَا» (^٢). والتَّسَاوي في عددِ الرُّواةِ لا بدَّ فيهِ منْ قرينةِ التَّساوي في القُوَّةِ، فقدْ يكونُ الاختلافُ مُتباينًَا في عددِ الرُّواةِ مُتقاوِمًَا في قوَّتِهمْ، فيكونُ الحديثُ مُضْطَربًَا، وللوقوفِ على ذلكَ لا بُدَّ منْ معرفةِ مراتبِ الرُّواةِ جرحًَا وتعديلًَا، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «المُخْتَلِفِينَ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا مُتَمَاثِلِينَ فِي الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ أَمْ لَا، فَالمُتَمَاثِلُونَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَدَدُهُمْ مِنَ الجَانِبَينِ سَوَاءٌ أَمْ لَا، فَإِنْ اسْتَوَى عَدَدُهُمْ مَعَ اسْتِوَاءِ أَوصَافِهِمْ وَجَبَ التَّوَقُّفُ» (^٣).
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ٩٣.
(٢) إحكام الأحكام ٣/ ١٧٢.
(٣) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٧٧٨.
[ ٢٧٨ ]
ومنْ خلالِ السَّبرِ يُمكنُنَا معرفةُ الرَّاوي الذي نشأَ منهُ الاضْطِرابُ، قالَ الدكتورُ أحمدُ بازمولُ (^١): «الرَّاوِي الذِي أَخْطَأَ، أَوْ اضْطَرَبَ فِي الحَدِيثِ، لَا نَسْتَطِيعُ إِدْرَاكَهُ إِلَّا بَعْدَ جَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ، وَالحُفَّاظُ يَحْكُمُونَ بِتَخْطِئَةِ رَاوٍ بَعْدَ وُقُوفِهِمْ عَلَى الرِّوَايَاتِ المُخْتَلِفَةِ» (^٢).
وذلكَ باختلافِ الحفَّاظِ عنهُ، قالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ» في «عبدِ اللهِ بنِ عُميرٍ الكوفيِّ»: «مُضْطَرِبٌ جِدًَّا فِي حَدِيثِهِ، اخْتَلَفَ عَنْهُ الحُفَّاظُ» (^٣).
وذكرَ الدَّارقُطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ» حديثًَا فيهِ اضْطِرابٌ، ثمَّ قالَ: «وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الاِضْطِرَابُ فِي هَذَا الإِسْنَادِ مِنْ عَبْدِ المَلِكِ بنِ عُمَيرٍ، لِكَثْرَةِ اخْتِلَافِ الثِّقَاتِ عَنْهُ فِي الإِسْنِادِ» (^٤). أو باجتماعِ الثِّقاتِ عنهُ على الخطأِ، فيُعلمُ أنَّهُ منهُ، ذكرَ الدَّارقُطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ» أيضًَا حديثًَا مُضْطَرِبًا، وقالَ عنهُ: «لَيسَ فِيهِ شَيءٌ أَقْطَعُ عَلَى صِحَّتِهِ، لِأَنَّ الأَعْمَشَ اضْطَرَبَ فِيهِ، وَكُلُّ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ ثِقَةٌ» (^٥).
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الاضْطِرابِ في الإسنادِ منْ عدمِهِ منْ خلالِ ما يأتي:
_________________
(١) أحمد بن عمر بن سالم بن أحمد بن عبود بازمول، أبو عمر، المكي، أستاذ مساعد في جامعة أم القرى، حصل على الدكتوراة عام ١٤٢٧ هـ، من مؤلفاته: «المقترب في بيان المضطرب»، و«حجية الأحاديث النبوية الواردة في الطب والعلاج»، «خطورة نقد الحديث». وغيرها.
(٢) المقترب في بيان المضطرب «بتصرف» - ص ٩٩.
(٣) سؤالات أبي داود ص ٢٩٥.
(٤) العلل للدارقطني ٢/ ١٢٤.
(٥) المصدر ذاته ١١/ ٣٤٣.
[ ٢٧٩ ]
أَوَّلًَا: الاِضْطِرَابُ فِي الإِسْنَادِ:
الاضْطِرابُ في الإسنادِ يتنوَّعُ بحسبِ صورِهِ، كتعارضِ الوصلِ والإرسالِ، وتعارضِ الوقفِ والرَّفعِ، وتعارضِ الاتِّصالِ والانقطاعِ، وكزيادةِ رجلٍ في أحدِ الإسنادينِ، والاضْطِرابِ في اسمِ الرَّاوي ونسبِهِ إذَا كانَ مُتردِّدًَا بينَ ثقةٍ وضعيفٍ، والاضْطِرابِ في تعيينِ الرَّاوي، هذَا كلُّهُ إذَا تعذَّرَ الجمعُ أو التَّرجيحُ، أمَّا إذَا أمكنَ الجمعُ أو التَّرجيحُ فسيأتِي الكلامُ عليهِ في مباحثَ مستقلَّةٍ حسبَ كلِّ نوعٍ:
مثالُ المضْطَربِ سندًَا: حديثُ أبي بكرٍ -﵁- أنَّهُ قالَ: يا رسولَ اللهِ أراكَ شبتَ؟ قالَ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا».
* فبسبرِ طرقِ هذَا الحديثِ نجدُ أنَّهُ لمْ يُروَ إلَّا منْ طريقِ أبي إسحاقَ السَّبيعيِّ، واختُلِفَ عليهِ، فأخرجَهُ التِّرمذيُّ في سننهِ «ر ٣٢٩٧»، وفي العللِ «ر ٦٦٤»، والمروزيُّ في مسندِ أبي بكرٍ «ر ٣٠»، والحاكمُ في المستدركِ «ر ٣٣١٤»، منْ طريقِ شيبانَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ (^١)، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ عكرمةَ، عنْ ابنِ عبَّاسٍ -﵁-، عنْ أبي بكرٍ -﵁-، مرفوعًا.
* وأخرجَهُ سعيدُ بنُ منصورٍ في سننهِ «٥/ ٣٧١»، والمروزيُّ في مسندِ أبي بكرٍ «ر ٣١»، وأبو يعلى في مسندِهِ «ر ١٠٧» و«ر ١٠٨»، وابنُ أبي شيبةَ في مصنَّفِهِ «ر ٣٠٢٦٨» منْ طريقِ أبي الأحوصِ (^٢)، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ عكرمةَ، عنْ أبي بكرٍ -﵁-، مرفوعًا.
_________________
(١) شيبان بن عبد الرحمن، أبو معاوية المصري، «ت ١٦٤ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٨٣٣».
(٢) سلام بن سليم الحنفي، أبو الأحوص الكوفي، «ت ١٧٩ هـ»، ثقة متقن، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٧٠٣».
[ ٢٨٠ ]
* وأخرجَهُ عبدُ الرَّزَّاقِ في مصنَّفِهِ «ر ٥٩٩٧» منْ طريقِ معمرٍ (^١)، عنْ أبي إسحاقَ مرسلًا.
* وأخرجَهُ أبو يعلى في مسندِهِ «ر ٨٨٠»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٣١٨»، والتِّرمذيُّ في العللِ «ر ٦٦٥»، منْ طريقِ عليِّ بنِ صالحٍ (^٢)، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ أبي جُحيفةَ -﵁-.
* وأخرجَهُ المروزيُّ في مسندِ أبي بكرٍ «ر ٣٢»، وأبو بكرٍ في «الغَيلانيَّاتِ» «ر ١٠٨»، منْ طريقِ زكريَّا بنِ أبي زائدةَ (^٣)، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ عمرِو بنِ شُرحْبيلَ، عنْ أبي بكرٍ -﵁-.
* وأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في الأوسطِ «ر ٨٢٦٩»، وابن أبي حاتم في العلل «ر ١٨٩٤»، منْ طريقِ زكريَّا بنِ أبي زائدةَ، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ مسروقٍ، عنْ أبي بكرٍ -﵁-.
* وأخرجَهُ النُّميريُّ في أخبارِ المدينةِ «ر ١٠١٥»، منْ طريقِ إسرائيلَ (^٤)، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ عكرمةَ، عنْ أبي بكرٍ -﵁-.
قالَ الدَّارقُطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «هَذَا حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيهِ فِيهِ عَلَى نَحْوِ عَشَرَةِ أَوجُهٍ …، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ لَا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالجَمْعُ مُتَعَذِّرٌ» (^٥).
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٢٣٢.
(٢) علي بن صالح الهمداني، أبو محمد الكوفي، «ت ١٥١ هـ»، ثقة، أخرج له مسلم والأربعة. انظر التقريب «ر ٤٧٤٨».
(٣) زكريا بن أبي زائدة، الهمداني، أبو يحيى الكوفي، «ت ١٤٩ هـ»، ثقة، وكان يدلس، وسماعه من أبي إسحاق بآخرة، أخرجه له الستة. انظر التقريب «ر ٢٠٢٢».
(٤) إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أبو يوسف الكوفي، «ت ١٦٠ هـ»، ثقة، تكلم فيه بلا حجة أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٠١».
(٥) العلل للدارقطني ١/ ١٩٣ - ٢١٠. قال السُّيوطيُّ بعد أن أورد حديث أبي إسحاق هذا: «ومثله حديث مجاهد، عن الحكم بن سفيان، عن النبي -ﷺ- في نضح الفرج بعد الوضوء. قد اختلف فيه على عشرة أقوال». انظر تدريبَ الرَّاوي ١/ ٢٦٥ و٢٦٦.
[ ٢٨١ ]
ثَانِيًَا: الاِضْطِرَابُ فِي الإِسْنَادِ وَالمَتْنِ مَعًَا:
مثالُهُ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- كتبَ إلى جُهينةَ قبلَ موتِهِ بشهرٍ: «أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ».
* بسبرِ سندِ هذَا الحديثِ نجدُ أنَّ مدارَهَ على الحكمِ بنِ عتيبةَ، واختُلِفَ عليهِ فأخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ «ر ٢٥٢٧٦» منْ طريقِ منصورِ بنِ المعتمرِ (^١)، عنِ الحكمِ بنِ عتيبةَ، عنْ ابنِ أبي ليلى عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قالَ: «أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-».
وتابعَهُ الشَّيبانيُّ (^٢) عندَ ابنِ أبي شيبةَ «ر ٢٥٢٧٧» والتِّرمذيِّ في سننهِ «ر ١٧٢٩».
وشعبةُ (^٣) عندَ ابنِ أبي شيبةَ أيضًَا «ر ٢٥٢٧٨»، وابنُ ماجةَ «ر ٣٦١٣».
والأعمشُ (^٤) عندَ التِّرمذيِّ «ر ١٧٢٩».
وحمزةُ الزَّياتِ (^٥) عندَ الطَّبرانيِّ في الصَّغيرِ «ر ١٠٥٠».
وأبَّانُ بنُ تغلبٍ (^٦) عندَهُ في الصَّغيرِ أيضًَا «ر ٧٦٤٢».
* وأخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ «ر ٣٣٨٨٦»، وابنُ حنبلٍ «ر ١٨٨٠٧»، والنَّسائيُّ في المجتبى «ر ٤٢٤٩»، وفي الكبرى «ر ٤٥٧٥»، والطَّبريُّ في تهذيبِ الآثارِ «ر ١٢٢٥»، وابنُ حبَّانَ
_________________
(١) منصور بن المعتمر بن عبد الله، أبو عتاب السلمي، «ت ١٣٢ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٩٠٨».
(٢) سليمان بن أبي سليمان، أبو إسحاق الشيباني، «ت ١٤٠ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٥٦٨».
(٣) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، أبو بسطام، «ت ١٦٠ هـ»، ثقة حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٧٩٠».
(٤) سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي، «ت ١٤٧ هـ»، ثقة حافظ، يدلس، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٦١٥».
(٥) تقدمت ترجمته ص ٢٢١.
(٦) أبان بن تغلب، أبو سعد الكوفي، «ت ١٤٠ هـ»، ثقة، أخرج له مسلم والأربعة. انظر التقريب «ر ١٣٦».
[ ٢٨٢ ]
«ر ١٢٧٨»، والبيهقيُّ «ر ٤٢» و«ر ٤٣» منْ طريقِ شعبةَ، عنِ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ قالَ: «قُرِئَ عَلَينَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-».
* وأخرجَهُ عبدُ بنُ حميدٍ «ر ٤٨٨»، منْ طريقِ أجلحٍ (^١)، عنْ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قالَ: «كَتَبَ إِلَينَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-».
وتابعَهُ منصورُ بنُ المعتمرِ في سننِ النَّسائيِّ «ر ٤٢٥٠» «ر ٤٥٧٦».
* وأخرجَهُ ابنُ حبَّانَ «ر ١٢٧٩»، منْ طريقِ القاسمِ بنِ مخيمرةَ (^٢)، عنِ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قالَ: «حَدَّثَنَا مَشْيَخَةٌ لَنَا مِنْ جُهَينَةَ».
والاضْطِرابُ في السَّندِ هُنا بيِّنٌ، قالَ التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «كَانَ أَحْمَدُ يَذْهَبُ إِلَيهِ، وَيَقُولُ: هَذَا آَخِرُ الأَمْرِ، ثُمَّ تَرَكَهُ لَمَّا اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ» (^٣).
وقالَ الخَلَّالُ (^٤) «ت ٣١١ هـ»: «لَمَّا رَأَى أَبُو عَبْدِ اللهِ تَزَلْزُلَ الرُّوَاةِ فِيهِ تَوَقَّفَ فِيهِ» (^٥).
_________________
(١) أجلح «يحيى» بن عبد الله، أبو حجية الكندي، «ت ١٤٥ هـ»، قال ابن معين: «صالح». ووثقه مرةً، ووثقه الدارمي، والعجلي، وقال ابن المديني: «في نفسي منه شيء». وقال ابن حنبل: «أجلح ومجالد متقاربان في الحديث، وقد روى الأجلح غير حديث منكر». وقال أبو حاتم: «ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به». وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال النسائي: «ضعيف، ليس بذاك». وقال ابن عدي: «مستقيم الحديث صدوق». وقال ابن حجر: «صدوق، شيعي». انظر الجرح والتعديل «ر ١٣١٧»، والضعفاء للعقيلي «ر ١٤٧» وتهذيب الكمال «ر ٢٨٢»، والتقريب «ر ٢٨٥».
(٢) القاسم بن مخيمرة، أبو عروة الهمداني، «ت ١٠٠ هـ»، ثقة، أخرج له مسلم والأربعة. انظر التقريب «ر ٥٤٩٥».
(٣) سنن الترمذي ٤/ ٢٢٢.
(٤) أحمد بن هارون، أبو بكر الخلال، البغدادي، «… - ٣١١ هـ»، مفسر، محدث، لغوي، من كبار الحنابلة، من كتبه: «السنة»، و«العلل»، و«الاعتبار في الناسخ والمنسوخ». انظر طبقات الحنابلة ٢/ ١٢، وتذكرة الحفاظ ٣/ ٧.
(٥) نقله الحازمي في كتابه الاعتبار في الناسخ والمنسوخ ص ٥٧.
[ ٢٨٣ ]
وقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «الِاضْطِرَابُ فِي سَنَدِهِ، فَإِنَّهُ تَارَةً قَالَ: عَنْ كِتَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَتَارَةً: عَنْ مَشْيَخَةٍ مِنْ جُهَينَةَ، وَتَارَةً: عَمَّنْ قَرَأَ الْكِتَابَ» (^١).
وأمَّا الاضْطِرابُ في متنِهِ:
* فقدْ أخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ «ر ١٨٨٠٤»، والطَّبريُّ «ر ١٢٢٣» «ر ١٢٢٤»، والبيهقيُّ «ر ٤٤» منْ طريقِ خالدٍ الحذَّاءِ (^٢)، عنِ الحكمِ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قالَ: «كَتَبَ إِلَينَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ». وتابعَهُ أبَّانُ بنُ تغلبٍ (^٣) عندَ ابنِ حبَّانَ «ر ١٢٧٧».
* وأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في الصَّغيرِ «ر ٢٤٠٧» منْ طريقِ إبراهيمَ بنِ عثمانَ (^٤)، عنِ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قال: «أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرَينِ».
* وأخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر ١٨٨٠٥» مِنْ طريقِ خالدٍ الحذَّاءِ (^٥)، عنِ الحكمِ، عنْ ابنِ أبي ليلى عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ، قال: «أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَينِ».
قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَالِاضْطِرَابُ فِي المَتْنِ: فَرَوَاهُ الْأَكْثَرُ مِنْ غَيرِ تَقْيِيدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِقَيدِ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَينِ، أَوْ أَرْبَعِينَ يَومًَا، أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» (^٦).
_________________
(١) التلخيص الحبير ١/ ٤٨.
(٢) خالد بن مهران، أبو المنازل الحذاء، ثقة، يرسل، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ١٦٨٠».
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٤٩.
(٤) إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو شيبة الكوفي، قال الجوزجاني: «ساقط». وقال ابن معين: «ليس بثقة». وقال ابن حنبل: «منكر الحديث». وقال أبو زرعة: «ضعيف». وقال النسائي: «متروك الحديث». وقال أبو حاتم: «ضعيف الحديث، سكتوا عنه، وتركوا حديثه». وذكره ابن حبان في المجروحين، وقال ابن حجر: «متروك الحديث». انظر أحوال الرجال «ر ٦٨»، والضعفاء للنسائي «ر ١١»، والجرح والتعديل «ر ٣٤٧»، والمجروحين «ر ١٤»، والكامل لابن عدي «ر ٧١»، والتقريب «٢١٥».
(٥) تقدمت ترجمته ص ٢٥٠.
(٦) التلخيص الحبير ١/ ٤٨.
[ ٢٨٤ ]
المَبْحَثُ الخَامِسُ: مَعْرِفَةُ المَقْلُوبِ فِي الإِسْنَادِ: (^١)
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المَقْلُوبِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًَا:
المقلوبُ: لغةً: اسمُ مفعولٍ مِنْ «قَلَبَ»، ومعناهُ: تحويلُ الشَّيءِ عنْ وجهِهِ، أو ردُّهِ مِنْ جهةٍ إلى جهةٍ، وكلامٌ مقلوبٌ: أي ليسَ على وجهِهِ (^٢). وحديثٌ مقلوبٌ: لأنَّ راويَهُ أخرجَهُ عنْ وجهِهِ الصَّحيحِ إلى وجهٍ آخرَ، عمدًَا كانَ فعلُهُ أو سهوًَا.
اصطلاحًَا: الحديثُ الذي أبدلَ فيهِ راويَهُ شيئًا بآخرَ في السَّندِ أو في المتنِ عمدًَا أو سهوًَا (^٣).
وممَّنْ ألَّفَ في المقلوبِ: الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ» كتابًَا أسماهُ «رافعُ الارتيابِ في المقلوبِ منَ الأسماءِ والأنسابِ» (^٤). ولابنِ البُلقينيِّ «ت ٨٢٤ هـ» جُزءٌ مُفردٌ جمعَ فيهِ مقلوبَ المتنِ، ونظمَهَا في أبياتٍ (^٥). و«جلاءُ القلوبِ في معرفةِ المقلوبِ» (^٦) لابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ».
_________________
(١) انظر في المقلوب مقدمة ابن الصلاح ١/ ١٠١، ورسوم التحديث ص ٩١، والمنهل الروي ص ٥٣، والنكت على ابن الصلاح ٢/ ٢٩٩، والشذا الفياح ١/ ٣٢٠، والمقنع في علوم الحديث ١/ ٢٤١، وفتح المغيث ١/ ٢٧٢، والتوضيح الأبهر ص ٥٨، والغاية في شرح الهداية ص ٢٠٩، وتدريب الراوي ١/ ٢٩١، وشرح نخبة الفكر ص ٤٧٥، وتوضيح الأفكار ٢/ ٩٨، وقواعد التحديث ص ١٣٢.
(٢) انظر لسان العرب - مادة «قلب»، ١/ ٤٧٩، والمحكم والمحيط الأعظم - مادة «قلب» ٦/ ٤٢٢.
(٣) وقد فصل الدكتور محمد بازمول تعريفات أئمة أصول الحديث للحديث المقلوب مناقشًا تعريف كل منهم، في كتابه «سلسلة الدراسات الحديثية - الأنواع والمصطلحات التي تتداخل مع الحديث المقلوب» - طبع في دار الإمام أحمد - مصر - ١٤٢٩ هـ.
(٤) أشار إليه الخطيب في كتابه «موضح أوهام الجمع والتفريق» ١/ ٧٨، وهو من الكتب المفقودة.
(٥) أشار إليه السخاوي في فتح المغيث ١/ ٢٨٠.
(٦) المصدر ذاته ١/ ٢٧٩.
[ ٢٨٥ ]
المَطْلَبُ الثَّانِي: أَنْوَاعُ الحَدِيثِ المَقْلُوبِ:
قال ابن حجر «ت ٨٥٢ هـ»: «يَقَعُ [القَلْبُ] عَمْدًَا، إِمَّا بِقَصْدِ الإغْرَابِ، أَوْ لِقَصْدِ الاِمْتِحَانِ، وَقَدْ يَقَعُ وَهْمًَا، فَأَقْسَامُهُ ثَلَاثَةٌ: وَهِيَ كُلُّهَا فِي الإِسْنَادِ، وَقَدْ يَقَعُ نَظِيرُهَا فِي المَتْنِ، وَقَدْ يَقَعُ فِيهِمَا جَمِيعًَا» (^١). لكنَّهُ في السَّندِ أكثرُ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَقَسَّمُوا المَقْلُوبَ السَّنَدِيَّ خَاصَّةً، لِكَونِهِ الأَكْثَرَ كَاقْتِصَارِهِمْ فِي المَوضُوعِ عَلَى المَتْنِيِّ لِكَونِهِ الأَهَمَّ» (^٢). وقالَ اللَّكنويُّ «ت ١٣٠٤ هـ»: «وَلِذَا سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ مَقْلُوبِ المَتْنِ كَثِيرٌ مِنَ المُصَنِّفِينَ فِي هَذَا الفَنِّ، كَمَا أَنَّهُمْ اقْتَصَرُوا فِي بَحْثِ المَوضُوعِ المُخْتَلَقِ مَتْنًَا لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الحَدِيثُ صَحِيحًَا وَالسَّنَدُ مَوضُوعًَا» (^٣).
وعلى هذَا فأنواعُ الحديثِ المقلوبِ تتعدَّد بالنِّسبةِ إلى المتنِ والسَّندِ، والعمدِ والخطأِ.
ونحنُ بصددِ الكلامِ على القلبِ في السَّندِ، فهوَ يتنوَّعُ إلى أنواعٍ:
أَوَّلًَا: التَّقديمُ والتَّأخيرُ في اسمِ الرَّاوي ونسبِهِ: قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَمِنْ هَذَا القِسْمِ مَا يَقَعُ الغَلَطُ فِيهِ بِالتَّقْدِيمِ فِي الأَسْمَاءِ وَالتَّاخِيرِ، كَمُرَّةَ بنِ كَعْبٍ، فَيَجْعَلُهُ كَعْبَ بنَ مُرَّةَ
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٨٦٤.
(٢) فتح المغيث ١/ ٢٧٢ و٢٧٣.
(٣) ظفر الأماني في مختصر الجرجاني ص ٤٠٥.
[ ٢٨٦ ]
وَمُسْلِمُ بنُ الوَلِيدِ فَيَجْعَلُهُ الوَلِيدَ بنَ مُسْلِمٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا أَوهَمَهُ كَونُ اسْمِ أَحَدِهِمَا اسْمُ أَبِي الآَخَرِ» (^١).
ثَانِيًَا: التَّقديمُ والتَّأخيرُ بينَ راوٍ وآخرَ: وقدِ اهتمَّ العلماءُ بروايةِ الأكابرِ عنِ الأصاغرِ، وروايةِ الآباءِ عنِ الأبناءِ لدفعِ توهُّمِ انقلابِ السَّندِ، قالَ ابنُ أبي حاتمٍ «ت ٣٢٧ هـ»: سُئِلَ أبو زُرعةَ عنْ حديثٍ رواهُ ابنُ المباركِ، عنْ عنبسةَ بنِ سعيدٍ، عنِ الشَّعبيِّ، عنْ جابرٍ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- قالَ: «لَا يُسْتَقَادُ مِنَ الجُرْحِ حَتَّى يَبْرَأَ». قالَ أبو زُرعةَ: «هُوَ مُرْسَلٌ مَقْلُوبٌ» (^٢). يعني أبو زُرعةَ أنَّ صوابَهُ: «ابنُ المباركِ، عنْ عنبسةَ بنِ سعيدٍ، عنْ جابرٍ، عنِ الشَّعبيِّ، عنْ النَّبيِّ -ﷺ-». فهذَا قلبٌ مفسدٌ جدًَّا، ليسَ في تصييرِ المرسلِ موصولًا فقطْ، إذ الشعبي تابعي. بلْ جابرٌ هذَا في حالِ الوصلِ هوَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ الصَّحابيُّ، وفي حالِ كونِهِ الرَّاوي عنِ الشَّعبيِّ فهوَ جابرُ بنُ يزيدَ الجُعفيُّ أحدُ المتَّهمينَ بالكذبِ في الحديثِ (^٣).
ثالثًا: إبدالُ راوٍ بآخرَ منْ طبقتِهِ: قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في حدِّ المقلوبِ: «هُوَ نَحْو حَدِيثٍ مَشْهُورٍ عَنْ سَالِمٍ، جُعِلَ عَنْ نَافِعٍ، لِيَصِيرَ بِذَلِكَ غَرِيبًَا مَرْغُوبًَا فِيهِ» (^٤).
رابعًا: إِبدالُ سندٍ بآخرَ وجعلِهِ لمتنٍ آخرَ: قالَ الجَعبَريُّ «ت ٧٣٢ هـ»: «المَقْلُوبُ: رِوَايَةُ حَدِيثٍ بِإِسْنَادٍ آَخَرَ وَعَكْسِهِ، لِلتَّرْغِيبِ أَوْ الاِمْتِحَانِ أَوْ التَّبْكِيتِ» (^٥). قالَ الزَّركشيُّ
_________________
(١) فتح المغيث ١/ ٢٧٨.
(٢) علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ٤٥٦.
(٣) تحرير علوم الحديث ٢/ ١٠٠٨.
(٤) مقدمة ابن الصلاح ص ١٠١.
(٥) رسوم التحديث ص ٩١.
[ ٢٨٧ ]
«ت ٧٩٤ هـ»: «الثَّانِي: أَنْ يُوجَدَ إِسْنَادُ مَتْنٍ فَيُجْعَلَ عَلَى مَتْنٍ آَخَرَ، أَوْ مَتْنٍ فَيُجْعَلَ بِإِسْنَادٍ آَخَرَ» (^١). ومنْ قبيلِ هذَا ما فعلَهُ أهلُ بغدادَ معَ البخاريِّ اختبارًا لهُ، حيثُ قلبُوا متونَ وأسانيدَ مئةِ حديثٍ، فجعلُوا متنَ هذَا الإسنادِ لإسنادٍ آخرَ وإسنادَ هذَا المتنِ لمتنٍ آخرَ، ثمَّ ألقُوهَا عليهِ، فلمَّا فرغُوا ردَّ كلَّ متنٍ إلى إسنادِهِ وكلَّ إسنادٍ إلى متنِهِ، فأذعنُوا لهُ بالفضلِ (^٢).
* * *
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٢٩٩.
(٢) مقدمة ابن الصلاح ص ١٠١.
[ ٢٨٨ ]
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: حُكْمُ الحَدِيثِ المَقْلُوبِ:
تكلَّمَ العلماءُ على المقلوب في أنواعِ الحديثِ الضَّعيفِ، فإذا كانَ القلبُ في الحديثِ خطأً أو سهوًا فهوَ ضعيفٌ، فإذَا غلبَ على حديثِ الرَّاوي فحديثُهُ منكرٌ، فإنْ لمْ يكثرْ يكونُ صاحبُهُ تارةً منْ شرطِ الحسنِ وتارةً مِنْ شرطِ الصَّحيحِ.
وهوَ بمرتبةِ الموضوعِ إنْ كانَ عمدًا بقصدِ الإغرابِ، وفاعلُهُ منَ الوضَّاعينَ، وحديثُهُ مردودٌ. قالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «قَدْ يَقْصِدُ بِهِ الإِغْرَابَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْوَضْعِ» (^١).
وإنْ وقعَ القلبُ عمدًَا بقصدِ الامتحانِ فالجمهورُ على جوازِهِ، ليُعلَمَ بهِ ضبطُ الرَّاوي منْ عدمِهِ، قالَ الحافظُ العراقيُّ «ت ٨٠٤ هـ»: «وَقَدْ يُفْعَلُ اخْتِبَارًَا لِحِفْظِ المُحَدِّثِ، وَهَذَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الحَدِيثُ كَثِيرًَا، وَفِي جَوَازِهِ نَظَرٌ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا فَعَلَهُ أَهْلُ الحَدِيثِ لَا يَسْتَقِرُّ حَدِيثًَا، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ اخْتِبَارُ حِفْظِ المُحَدِّثِ بِذَلِكَ، أَوْ اخْتِبَارُهُ هَلْ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ أَوْ لَا» (^٢). قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَسْتَمِرَّ عَلِيهِ بَلْ يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الحَاجَةِ» (^٣).
_________________
(١) النكت على مقدمة ابن الصلاح ٢/ ٣٠٣.
(٢) انظر شرح التبصرة والتذكرة ص ٩٩.
(٣) نخبة الفكر وشرحها للقاري ص ٤٨٨.
[ ٢٨٩ ]
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المَقْلُوبِ «سَنَدًَا»:
بيَّنَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» الطَّريقَ لمعرفةِ الحديثِ المقلوبِ، فقالَ: «كُلُّ مَقْلُوبٍ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَونِهِ مُعَلَّلًَا أَوْ شَاذًَّا لِأنَّهُ إِنَّمَا يَظْهَرُ أَمْرُهُ بِجَمْعِ الطُّرُقِ وَاعْتِبَارِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَمَعْرِفَةِ مَنْ يُوَافِقُ مِمَّنْ يُخَالِفُ» (^١). فالحديثُ قدْ يأتي مقلوبًَا عمدًَا أو سهوًَا منْ طريقٍ، ويأتي صحيحًَا منْ طريقٍ أو طُرقٍ أخرى، فإذَا تواطَأ الرُّواةُ الثِّقاتُ على روايةٍ، وخالفَهُم راوٍ بصورةٍ مِنْ صُورِ القلبِ، عُلمَ حينئذٍ صوابُهُمْ مِنْ خطئِهِ، ورُجِّحتْ رِوايتُهُمْ للكثرةِ أو القرينةِ.
وثمَّةَ طريقةٌ أخرى اعتمدَهَا الأئمَّةُ الحفَّاظُ مِنَ المحدِّثينَ في معرفةِ المقلوبِ، بحفظِ النُّسخِ الموضوعةِ وأحاديثِ المتَّهمينَ، حتَّى إذَا جاءَ من يقلبُهَا عُرفتْ عندهُمْ، قالَ مالكُ بنُ إسماعيلَ النَّهديُّ (^٢) «ت ٢١٩ هـ»: «جَاءَنِي عَلِيُّ بنُ المَدِينِيِّ، فَكَتَبَ عَنِّي عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بنِ حَرْبٍ أَحَادِيثَ إِسْحَاقَ بنِ أَبِي فَرْوَةَ، فَقُلْتُ: أَيُّ شَيءٍ تَصْنَعُ بِهَا، قَالَ: أَعْرِفُهَا، لَا تُقْلَبُ» (^٣).
ومنْ جهةٍ أخرى فإنَّ معرفةَ المقلوبِ تنفي تعدُّدَ الطُّرقِ والأحاديثِ، كمَا إذَا وقعَ القلبُ في اسمِ الصَّحابيِّ فيُظنُّ حديثانِ، وهوَ على الحقيقةِ حديثٌ واحدٌ، أو وقعَ القلبُ في
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٨٧٤.
(٢) مالك بن إسماعيل بن درهم، أبو غسان النهدي، الكوفي، «… - ٢١٩ هـ»، الحافظ، أخرج له الستة. انظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٨٦، وطبقات الحفاظ ١/ ١٧٤.
(٣) ضعفاء العقيلي ١/ ١٠٢.
[ ٢٩٠ ]
اسمِ راوٍ فيُظنُّ للحديثِ طريقانِ، وهوَ ليسَ إلَّا طريقٌ واحدٌ، وبمعنى آخرَ: معرفةُ المقلوبِ تَفيدُ في نفيِ المتابعِ والشَّاهدِ عنْ بعضِ الأفرادِ، نقلَ السَّخاويُّ عنِ ابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» قولَهُ: «إِنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَنْ أَفْرَدَهُ - أَي: الحَدِيثَ المَقْلُوبَ - مَعَ مَسِيسِ الحَاجَةِ إِلَيهِ بِحَيثُ أَدَّى الإِخْلَالُ بِهِ إِلَى عَدِّ الحَدِيثِ الوَاحِدِ أَحَادِيثَ، إِذَا وَقَعَ القَلْبُ فِي الصَّحَابِيِّ، وَيُوجَدُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ فَضْلًَا عَمَّنْ دُونَهُ، حَيثُ يُقَالُ: وَفِي البَابِ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَيَكُونُ الوَاقِعُ أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ اخْتُلِفَ عَلَى رَاوِيهِ» (^١). ومثالُ ذلكَ ما ذكرَهُ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٥٤ هـ» في ترجمةِ «سعيدِ ابنِ أوسٍ»: «رَوَى عَنِ ابْنِ عَونٍ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: «يَا بِلَالُ أَسْفِرْ بِالصُّبْحِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ». ثَنَاهُ الحُسَينُ بْنُ إِسْحَاقَ الأَصْبَهَانِيُّ بِالْكَرْخِ، ثَنَا القَاسِمُ ابنُ عِيسَى الحَضْرَمِيُّ، ثَنَا سَعِيدُ بنُ أَوسٍ. وَلَيسَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ ابنِ عَونٍ، وَلَا ابنِ سِيرِينَ، وَلَا أَبِي هُرَيرَةَ، وَإِنَّمَا هَذَا المَتْنُ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ فَقَطْ فِيمَا يُشْبِهُ هَذَا، مِمَّا لَا يَشُكُّ عَوَامُّ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا مَقْلُوبَةٌ أَوْ مَعْمُولَةٌ» (^٢). فيُظنُّ أنَّ هذَا الحديثَ لهُ روايةٌ عنْ أبي هريرةَ -﵁- بسببِ القلبِ، وهوَ ليسَ كذلكَ (^٣).
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفَةِ القلبِ في الإسنادِ بأنواعِهِ، مِنْ خلالِ الأمثلةِ الآتيةِ:
_________________
(١) فتح المغيث ١/ ٢٧٩.
(٢) المجروحين ١/ ٣٢٥.
(٣) ولمعرفة الحديث المقلوب فوائد غير ما ذكرنا، أوصلها الدكتور محمد بازمول إلى إحدى عشرة فائدة، اقتصرت على ذكر ما يخص السبر وطرق الحديث منها.
[ ٢٩١ ]
أوَّلًا: التَّقديمُ والتَّأخيرُ في اسمِ الرَّاوي ونسبِهِ:
مثالُهُ حديثُ عمرِو بنِ خارجةَ -﵁- أنَّ النبيَّ -ﷺ- قالَ: «إِنَّ اللهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».
الحديثُ أخرجَهُ النَّسائيُّ «ر ٣٦٤١» و«ر ٦٤٦٨»، والتِّرمذيُّ «ر ٢١٢١»، وأحمدُ «ر ١٧٧٠١»، وأبو يعلى «ر ١٥٠٨»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٦١»، مِنْ طريق أَبي عَوانةَ (^١)، عنْ قتادةَ، عنْ شهرِ ابنِ حوشبٍ، عنْ عبدِ الرَّحمنِ بنِ غَنْمٍ، عنْ عمرِو بنِ خارجةَ -﵁-.
وتابعَهُ هشامُ الدَّستُوَائيُّ (^٢)، عندَ الدَّارِمِيِّ «ر ٣٢٦٠»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٦٠».
وابنُ أبي عَرُوبَةَ (^٣)، عندَ ابنِ ماجةَ «ر ٢٧١٢»، والدَّارقُطنيِّ «ر ١٣»، والبيهقيِّ «ر ١٢٣١٩».
وحمَّادُ بنُ سلمةَ (^٤)، عندَ أحمدَ «ر ١٧٧٠٢»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ١٤».
وشعبةُ بنُ الحجَّاجِ (^٥)، عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٦٤٢».
ورواهُ الطَّبرانيُّ في المعجمِ الكبيرِ «ر ٤١٤٠» منْ طريقِ عبدِ اللهِ بنِ حمزةَ الزُّبَيريِّ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ نافعٍ، عنْ عبدِ الملكِ بنِ قُدَامةَ، عنْ أبيهِ، عنْ خارجةَ بنِ عمرٍو.
_________________
(١) وضاح اليشكري، أبو عوانة الواسطي، «ت ١٧٦ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٤٠٧».
(٢) هشام بن عروة الأسدي، «ت ١٤٦ هـ»، ثقة فقيه، ربما دلس، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٣٠٢».
(٣) سعيد بن أبي عروبة، أبو النضر اليشكري، «ت ١٥٧ هـ»، ثقة حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٣٦٥».
(٤) تقدمت ترجمته ص ٢٣١.
(٥) تقدمت ترجمته ص ٢٤٨.
[ ٢٩٢ ]
قالَ الطَّبرانيُّ (^١) «ت ٣٦٠ هـ»: «عَمْرُو بنُ خَارِجَةَ الأَسْعَدِيُّ، وَيُقَالُ: خَارِجَةُ بنُ عَمْرٍو. وَالصَّوَابُ: عَمْرُو بنُ خَارِجَةَ، حَلِيفُ أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ بنِ أُمَيَّةَ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ» (^٢). وقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في الدِّرايةِ: «وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ، فَقَالَ: عَنْ خَارِجَةَ بنِ عَمْرٍو، وَهُوَ مَقْلُوبٌ» (^٣). وقالَ في التَّلخيصِ: «وَمِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ بنِ عَمْرٍو عِنْدَ الطَّبَرانيِّ فِي الكَبِيرِ، وَلَعَلَّهُ عَمْرُو بنُ خَارِجَةَ، انْقَلَبَ» (^٤).
فبالسَّبرِ تبيَّنَ القلبُ في اسمِ عمرِو بنِ خارجةَ عندَ الطَّبرانيِّ إلى خارجةَ بنِ عمرٍو، كمَا ترجَّحَ لنَا أنَّ الصوابَ «عمرُو بنُ خارجةَ» والعكسُ مقلوبٌ، لتواطُؤِ الرُّواةِ الثِّقاتِ على ذلكَ ولانفرادِ روايةِ الطَّبرانيِّ بالقلبِ.
* * *
ثَانِيًَا: التَّقديمُ والتَّأخيرُ بينَ راوٍ وآخرَ:
ومثالُهُ حديثُ ابنِ بُريدَةَ، عنْ أبيهِ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- قالَ: «كُنَّا نَهَينَاكُمْ عَنْ الشُّرْبِ فِي الأَوعِيَةِ، فَاشْرَبُوا فِي أَيِّ سِقَاءٍ شِئْتُمْ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًَا».
الحديثُ أخرجَهُ أحمدُ «ر ٢٣٠٦٧»، منْ طريقِ أيُّوبَ بنِ جابرٍ (^٥)، عنْ سِمَاكِ بنِ حربٍ، عنْ القاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ ابنِ بُريدةَ، عنْ أبيهِ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.
_________________
(١) سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير، اللخمي، الشامي، أبو القاسم الطبراني، «٢٦٠ هـ - ٣٦٠ هـ»، من كبار المحدثين، من تصانيفه: «المعاجم الثلاثة» في الحديث، و«دلائل النبوة» وغيرها كثير. انظر تذكرة الحفاظ/ ٩١٢، وطبقات الحفاظ ١/ ٣٧٢.
(٢) المعجم الكبير ١٧/ ٣٢. وانظر معرفة الصحابة ٤/ ٢٠٠٨، وأسد الغابة ٢/ ١٠٨، وتهذيب الكمال ٢١/ ٥٩٩.
(٣) الدراية في تخرج أحاديث الهداية ٢/ ٢٩٠.
(٤) التلخيص الحبير ٣/ ٩٢.
(٥) أيوب بن جابر بن سيار السُّحيمي، أبو سليمان اليمامي، ضعيف، أخرج له «د ت». انظر التقريب «ر ٦٠٧».
[ ٢٩٣ ]
وتابعَهُ محمَّدُ بنُ جابرٍ (^١)، عندَ الدَّارقُطنيِّ «ر ٦٧»، والطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٢٩٦٦».
وشريكُ بنُ عبدِ اللهِ (^٢)، عندَ النَّسائيِّ «ر ٥١٨٨»، وابنِ ماجةَ «ر ٣٤٠٥».
وقدْ تابعَ سِمَاكَ بنَ حربٍ، والقاسمَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ رواةٌ كثُرٌ عنْ ابنِ بريدةَ، عنْ أبيهِ، اقتصرتُ على ذكرِ ما سلفَ لبيانِ موطنِ الخطأِ مِنَ الرُّواةِ، وهوَ أبو الأحوصِ (^٣)، فقدْ خالفَ الرُّواةَ عنْ سِمَاكٍ، فروى الحديثَ عنْ سِمَاكِ بنِ حربٍ، عنِ القَاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أبيهِ، عنْ أبي بُردَةَ، عندَ النَّسائيِّ «ر ٥٦٧٧»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٢٣٩٤٠»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٥٢٢»، والطَّيالسيِّ «ر ١٣٦٩»، والدَّارقُطنيِّ «ر ٦٦»، والبيهقيِّ «ر ١٧١٨٥».
وبالسَّبرِ تبيَّنَتْ مخالفَةُ أبي الأحوصِ لجميعِ الرُّواةِ عن سِمَاكٍ، حيثُ صحَّفَ «ابنَ بُريدةَ» إلى «أبي بُردةَ»، وقلبَ السَّندَ فقالَ «عنْ أبيهِ، عنْ أبي بُردَةَ»، والصَّوابُ «عنْ ابنِ
_________________
(١) محمد بن جابر بن سيار السُّحيمي، أبو عبد الله اليمامي، «ت بعد ١٧٠ هـ»، ضعفه ابن معين والنسائي ويعقوب ابن سفيان والعجلي، وقال ابن حنبل: «لا يحدث عنه إلا شر منه». وقال البخاري: «ليس بالقوي يتكلمون فيه». وقال الفلاس: «صدوق، أي: إنه كثير الوهم، متروك الحديث». وقال الرازي: «ساء حفظه وكان يلقن». وقال ابن حبان: «كان أعمى، يلحق في كتبه ما ليس من حديثه ويسرق ما ذوكر به فيحدث به». وقال ابن حجر: «صدوق، ذهبت كتبه فساء حفظه وخلط كثيرًا، وعمي فصار يلقن، ورجحه أبو حاتم على ابن لهيعة». وقال الذهلي: «لا بأس به». وقال الدارقطنيُّ: «يعتبر به». والخلاصة أنه ضعيف. انظر الضعفاء لابن الجوزي «ر ٢٩١٠»، وتهذيب الكمال «ر ٥١١٠»، والتقريب «ر ٥٧٧٧»، والتهذيب «ر ١١٦».
(٢) شريك بن عبد الله النخعي، أبو عبد الله الكوفي، «ت ١٧٨ هـ»، وثقه العجلي، وقال: «كان حسن الحديث». ضعفه ابن معين، وقال ابن حنبل: «كان عاقلًا صدوقًا محدثًا». وقال أبو زرعة: «صاحب وهم». وقال أبو حاتم الرازي: «له أغاليط». وقال الدارقطني: «ليس بالقوي فيما ينفرد به، وقد انفرد بالإخراج عنه مسلم»، وقال ابن حجر: «صدوق، يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء». أخرج له مسلم والأربعة. انظر معرفة الثقات «ر ٧٢٧»، والضعفاء للعقيلي «ر ٧١٨»، والكامل لابن عدي «ر ٨٨٨»، والضعفاء لابن الجوزي «ر ١٦٢٣»، والتقريب «ر ٢٧٨٧».
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٤٧.
[ ٢٩٤ ]
بُريدَةَ، عنْ أبيهِ» فعادَ الضَّميرُ في «أبيهِ» على عبدِ الرَّحمنِ والدِ القاسمِ، وهوَ خلافُ الصَّوابِ.
قال ابن حنبل «ت ٢٤١ هـ» «حَدِيثُ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، خَطَأَ الإِسْنَادِ وَالكَلَامِ؛ فَأَمَّا الإِسْنَادُ فَإِنَّ شَرِيكًَا وَأَيُّوبَ وَمُحَمَّدًا - ابْنَي جَابِرٍ - رَوَوهُ عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ القَاسِمِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ ابْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِي -ﷺ-، كَمَا رَوَى النَّاسُ» (^١). وقالَ أبو زُرعةَ «ت ٢٨١ هـ»: «هَذَا حَدِيثٌ مَقْلُوبٌ، مُصَحَّفٌ، فَاحِشٌ فِي القَلْبِ لِأَنَّهُ قَالَ: عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ» (^٢). وقالَ النَّسائيُّ «ت ٣٠٣ هـ»: «غَلِطَ فيه أبو الْأَحْوَصِ - سَلَّامُ بن سُلَيمٍ - لَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا تَابَعَهُ عليه من أَصْحَابِ سِمَاكِ بن حَرْبٍ» (^٣).
* * *
ثالثًا: إبدالُ راوٍ بآخرَ منْ طبقتِهِ:
مثالُهُ: حديثُ أبي هُريرةَ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- قالَ: «إِذَا لَقِيتُمُ المُشْرِكِينَ فِي طَرِيقٍ، فَلَا تَبْدَؤُوهُمْ بِالسَّلَامِ، وَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهَا».
الحديثُ أخرجَهُ مسلمٌ «ر ٢١٦٧»، والتِّرمذيُّ «ر ١٦٠٢» منْ طريقِ عبدِ العزيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ (^٤)، عنْ سُهَيلِ بنِ أبي صالحٍ، عنْ أبيهِ، عنْ أبي هُريرةَ -﵁-.
_________________
(١) نقله ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة، عن ابن حنبل. انظر علل الحديث لابن أبي حاتم ٢/ ٢٥.
(٢) علل الحديث لابن أبي حاتم ٢/ ٢٤، وللاستزادة حول خطأ متن الحديث، ينظر علل الدارقطني ٦/ ٢٥، وتنقيح أحاديث التعليق ٣/ ٤٨٢.
(٣) سنن النسائي ٨/ ٣١٩.
(٤) عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي، أبو محمد الجهني، «ت ١٨٧ هـ»، صدوق، كان يحدث من كتب غيره فيخطئ، وقال النسائي: «حديثه عن عبيد الله العمري منكر». أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤١١٩».
[ ٢٩٥ ]
وتابعَهُ شعبةُ (^١)، عندَ أبي داودَ «ر ٥٢٠٥»، وابنِ حبَّانَ «ر ٥٠١»، والطَّيالسيِّ «ر ٢٤٢٤».
وسفيانُ الثَّوريُّ (^٢)، عندَ أحمدَ «ر ٩٧٢٤»، وعبدِ الرَّزَّاقِ «ر ٩٨٣٧».
ومَعْمَرُ بنُ راشدٍ (^٣)، عندَ عبدِ الرَّزَّاقِ «ر ٩٨٣٧».
ورَوحُ بنُ القاسمِ (^٤)، عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٧٠٥».
وزُهيرُ بنُ معاويةَ (^٥)، عندَ أحمدَ «ر ٧٥٥٧»، وابنِ الجعدِ «ر ٢٦٧٢».
وجريرُ بنُ عبدِ الحميدِ (^٦)، عندَ البيهقيِّ «ر ١٨٥٠٦».
وخالفَهُمْ حمَّادُ بنُ عمرٍو (^٧)، عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٦٣٥٨»، والعُقيليِّ في الضُّعفاءِ «ر ٣٧٦»، فرواهُ عنِ الأعمشِ، عنْ أبي صالحٍ، عنْ أبي هريرةَ -﵁-.
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٢٤٨.
(٢) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، «ت ١٦١ هـ»، ثقة، حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٤٤٥».
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٣٢.
(٤) روح بن القاسم، أبو غياث العنبري، «ت ١٤١ هـ»، ثقة حافظ، أخرج له «خ م د س جه». انظر التقريب «ر ١٩٧٠».
(٥) زهير بن معاوية بن حديج، أبو خيثمة الجعفي، «ت ١٧٤ هـ»، ثقة ثبت إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بآخرة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٠٥١».
(٦) جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي، «ت ١٨٨ هـ»، ثقة، صحيح الكتاب، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٩١٦».
(٧) حماد بن عمرو، أبو إسماعيل النصيبي، قال الجوزجاني: «كان يكذب». وقال النسائي: «متروك الحديث». وقال البخاري: «منكر الحديث». وقال ابن معين: «يكذب ويضع الحديث». انظر أحوال الرجال «ر ٣٢١»، والضعفاء للنسائي «ر ١٣٦»، وضعفاء العقيلي «ر ٣٧٦»، والجرح والتعديل «ر ٦٣٤»، والكامل لابن عدي «ر ٤١٥»، والضعفاء لابن الجوزي «ر ١٠٠٠».
[ ٢٩٦ ]
فبالسَّبرِ اتَّضحَ إبدالُ حمَّادِ بنِ عمرٍو للأعمشِ بسُهيلِ بنِ أبي صالحٍ، حيثُ قلبَهُ لقصدِ الإغرابِ (^١)، كمَا تبيَّنَ رُجحانُ روايةِ ابنِ أبي صالحٍ، لتواطؤِ الرُّواةِ الثِّقاتِ على ذلكَ،
وإغرابِ حمَّادِ بنِ عمرٍو وتفرُّدِهِ بروايةِ الأعمشِ دونَ غيرِهِ مِنَ الرُّواةِ، وحمَّادُ هذَا منكرُ الحديثِ (^٢).
قالَ العُقيليُّ (^٣) «ت ٣٢٢ هـ»: «وَلَا يُحْفَظُ هَذَا مِنْ حَدِيثِ الأَعْمَشِ، إِنَّمَا هَذَا حَدِيثُ سُهَيلِ ابنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ» (^٤). وقالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «فَهَذَا مَقْلُوبٌ، قَلَبَهُ حَمَّادُ بنُ عَمْرٍو - أَحَدُ الهَالِكِينَ - فَجَعَلَهُ عَنِ الأَعْمَشِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْرُوفٌ بِسُهَيلِ بنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ» (^٥).
* * *
رابعًا: إِبدالُ سندٍ بآخرَ وجعلُهُ لمتنٍ آخرَ:
مثالُهُ: حديثُ أبي قتادةَ -﵁- قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَونِي».
_________________
(١) قال الزركشي: «وقد يقع ذلك غلطًا من بعض الرواة الثقات، كحديث المرور بين يدي المصلي، أخرجه الشيخان من حديث بسر بن سعيد، أن زيد بن خالد. وفي سنن ابن ماجة، قال: أرسلوني إلى زيد بن خالد، والصواب الأول. قال ابن عبد البر: رواه ابن عيينة مقلوبًا، والقول عندنا قول مالك وربيعة». النكت ٢/ ٢٩٩.
(٢) الضعفاء الصغير للبخاري ١/ ٣٤.
(٣) محمد بن عمرو بن موسى بن حماد، العقيلي، المكي، أبو جعفر، «… - ٣٢٢ هـ»، الحافظ، من أشهر كتبه: «الضعفاء». انظر تذكرة الحفاظ ٣/ ٥٠، والرسالة المستطرفة ص ١٠٨.
(٤) الضعفاء للعقيلي ١/ ٣٠٨.
(٥) النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي ٢/ ٣٠١. وانظر أيضًا تدريب الراوي ١/ ٢٩١.
[ ٢٩٧ ]
الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر ٦١١»، وأحمدُ «ر ٢٢٥٨٧»، والدَّارميُّ «ر ١٢٦١»، مِنْ طريقِ هشامٍ الدَّستوائيُّ (^١)، عنْ يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي قتادةَ، عنْ أبي قتادةَ -﵁-.
وتابعَ هشامًا مَعْمَرُ بنُ راشدٍ (^٢)، عندَ التِّرمذيِّ «ر ٥٩٢»، والنَّسائيِّ في الكبرى «ر ١٦٥١»، وعبدِ الرَّزَّاقِ «ر ١٩٣٢»، والحميديِّ «ر ٤٢٧»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٤٠٩٣»، وابنِ حبَّانَ «ر ٢٢٢٣».
وحجَّاجُ بنُ أبي عثمانَ (^٣)، عندَ مسلمٍ «ر ٦٠٤»، والنَّسائيِّ في الكبرى «ر ٨٦٥»، وابنِ حنبلٍ «ر ٢٢٥٨٦»، وابنِ خُزيمةَ «ر ١٥٢٦»، وأبي عَوانةَ «ر ١٣٣٥»، وابنِ حبَّانَ «ر ٢٢٢٢».
وأبَّانُ بنُ يزيدَ العطَّارُ (^٤)، عندَ أبي داودَ «ر ٥٣٩»، وابنِ حنبلٍ «ر ٢٢٦٤٩».
وعليُّ بنُ المباركِ (^٥)، عندَ البُخاريِّ «ر ٨٦٧»، وأبي عَوانةَ «ر ١٣٤١»، وابنِ حبَّانَ «ر ١٧٥٥».
وهمَّامُ بنُ يحيى (^٦)، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٢٢٦٧٥»، والدَّارميِّ «ر ١٢٦٢».
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٢٥٧.
(٢) تقدمت ترجمته ص ٢٣٢.
(٣) حجاج بن أبي عثمان، أبو الصلت الكندي، «ت ١٤٣ هـ»، ثقة حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ١١٣١».
(٤) أبان بن يزيد العطار، أبو يزيد البصري، «ت ١٦٠ هـ»، ثقة له أفراد، أخرج له «خ م د ت س». انظر التقريب «١٤٣».
(٥) علي بن المبارك الهُنائي، ثقة، حديث الكوفيين عنه فيه شيء، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٧٨٧».
(٦) همام بن يحيى بن دينار العَوذيُّ، أبو عبد الله البصري، «ت ١٦٥ هـ»، ثقة، ربما وهم، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٣١٩».
[ ٢٩٨ ]
وخالفَهُمْ جريرُ بنُ حازمٍ (^١)، فروى الحديثَ عنْ ثابتٍ، عنْ أنسٍ -﵁-، عندَ الطَّيالسيِّ «ر ٢٠٢٨»، وعبدِ بنِ حُميدٍ «ر ١٢٥٩»، والطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٩٣٨٧».
مثَّلَ ابنُ الصَّلاحِ ومنْ تبعَهُ بهذَا الحديثِ للمقلوبِ (^٢).
وقدْ بيَّنَ حمَّادُ بنُ زيدٍ «ت ١٧٩ هـ» سببَ القلبِ هذَا، فقالَ لسائلِهِ «إسحاقَ بنِ عيسى الطَّباعِ»: «وَهِمَ جَرِيرٌ، إنَّمَا كُنَّا جَمِيعًَا فِي مَجْلِسِ ثَابِتٍ البُنَانيِّ، وَحَجَّاجُ بنُ أَبِي عُثْمَانَ مَعَنَا، فَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ الصَّوَّافُ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ … فَظَنَّ أَبُو النَّضْرِ أنَّهُ فِيمَا حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ» (^٣).
لقدْ ظهرَ الخلافُ جليًَّا بسبرِ طرقِ هذَا الحديثِ بينَ مَنْ أوردَهُ منْ حديثِ أبي قتادةَ -﵁-، وبينَ جريرِ بنِ حازمٍ الذي رواهُ مِنْ حديثِ أنسٍ -﵁-، وترجَّحَ لنَا طريقُ أبي قتادةَ -﵁- لتوافقِ الأثباتِ عليهِ، ومخالفةِ مَنْ هوَ أقلُّ مرتبةً منهُمْ، قالَ يحيى القطَّانُ «ت ١٩٨ هـ»: «جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ رُبَّمَا يَهِمُ فِي الشَّيءِ وَهُوَ صَدُوقٌ» (^٤). كمَا اعتمدَ الأئمَّةُ قرينةَ سماعِ جريرٍ للحديثِ في مجلسِ ثابتٍ، كسببٍ للوهمِ أدَّى إلى قلبِهِ (^٥).
* * *
_________________
(١) جرير بن حازم بن زيد، أبو النضر الأزدي، «ت ١٧٠ هـ»، ثقة، في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٩١١».
(٢) مقدمة ابن الصلاح ص ١٠١.
(٣) انظر العلل ومعرفة الرجال ٣/ ١٢٨، وكلام البخاري عن هذا الحديث في علل الترمذي ١/ ٨٩.
(٤) انظر تهذيب التهذيب ٢/ ٦٢.
(٥) انظر كلام البخاري في ذلك الذي نقله الترمذي في العلل ١/ ٨٩.
[ ٢٩٩ ]
المَبْحَثُ السَّادِسُ: مَعْرِفَةُ الإِدْرَاجِ فِي الإِسْنَادِ: (^١)
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُدْرَجِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًَا:
المُدرَجُ: لغةً: بضمِّ الميمِ وفتحِ الرَّاءِ، اسمُ مفعولٍ مِنْ «أَدْرَجَ»، وأدرجتُ الشَّيءَ في الشَّيءِ، إذَا أدخلتُهُ فيهِ وضمَّنتُهُ إيَّاهُ (^٢).
اصطلاحًَا: ما ضُمِّنَ في الحديثِ «متنِهِ أو سندِهِ» مُتَّصلًا بهِ منْ غيرِ فصلٍ وليسَ منهُ.
ومنْ أشهرِ المصنَّفاتِ في الحديثِ المُدرَجِ «الفصلُ للوصلِ المُدرجِ في النَّقلِ» (^٣) للخطيبِ البغداديِّ، نقَّحهُ الحافظُ ابنُ حجرٍ وزادَ عليهِ قدرَهُ مرَّتينِ أو أكثرَ في كتابٍ أسماهُ «تقريبُ المنهجِ بترتيبِ المُدرجِ» (^٤)، واستخلصَ السُّيوطيُّ منْ كتابِ ابنِ حجرٍ جُزءًا لطيفًا أسماهُ «المَدْرَجُ إلى المُدْرَجِ» (^٥) اقتصرَ فيهِ على مُدرجِ المتنِ دونَ الإسنادِ، ولهُ فيهِ زياداتٌ (^٦).
_________________
(١) للاستزادة حول «الحديث المدرج» انظر: معرفة علوم الحديث ص ٣٩، ومقدمة ابن الصلاح ص ٩٥، والاقتراح في بيان الاصطلاح ص ٢٣، ورسوم التحديث ص ٩٠، والمنهل الروي ص ٥٣، والنكت للزركشي ٢/ ٢٤١، والشذا الفياح ١/ ٢١٦، والمقنع في علوم الحديث ١/ ٢٢٧، والتقييد والإيضاح ص ١٢٧، والنكت لابن حجر ٢/ ٨١١، وفتح المغيث ١/ ٢٤٢، وتدريب الراوي ١/ ٢٦٨.
(٢) انظر لسان العرب - مادة «درج» ٢/ ٢٦٧، وتاج العروس - مادة «درج» ٥/ ٥٥٥.
(٣) طبع في دار ابن الجوزي - الرياض - ١٤١٨ هـ - بتحقيق: عبد السميع محمد الأنيس.
(٤) وهو من الكتب المفقودة، أشار إليه الحافظ ابن حجر في النكت على ابن الصلاح ٢/ ٨٢٩.
(٥) طبع في دار السلفية - الكويت - بتحقيق صبحي البدري - نشره ضمن «مجموعة رسائل في الحديث». وقد قام الشيخ عبد العزيز الغماري بترتيبه على المسانيد، وزاد عليه نحو «١٧» حديثًا، فبلغ مجموع أحاديثه «٨٨» حديثًا، وأسماه «تسهيل المَدْرَجِ إلى المُدرَجِ» طبعته دار البصائر - ١٤٠٣ هـ.
(٦) انظر تدريب الراوي ١/ ٢٧٤.
[ ٣٠٠ ]
المَطْلَبُ الثَّانِي: أَنْوَاعُ الحَدِيثِ المُدْرَجِ «سَنَدًَا»:
المُدرَجُ ينقسمُ بحسبِ موضعِهِ إلى قسمينِ: مُدرَجُ المتنِ، ومُدرَجُ الإسنادِ. قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «المُدْرَجُ يَقَعُ فِي السَّنَدِ وَالمَتْنِ، وَلِكُلٍّ مُنْهُمَا أَقْسَامٌ» (^١).
فمُدرجُ الإسنادِ ينقسمُ إلى أربعةِ أقسامٍ رئيسةٍ كمَا عدَّهَا الحافظُ ابنُ حجرٍ (^٢):
أولًا: أنْ يرويَ جماعةٌ الحديثَ بأسانيدَ مختلفةٍ، فيرويهِ عنهُمْ راوٍ فيجمعُ الكلَّ على إسنادٍ واحدٍ منْ تلكَ الأسانيدِ، ولا يُبيِّنُ الاختلافَ.
ثانيًا: أنْ يكونَ المتنُ عندَ راوٍ إلَّا طرفًَا منهُ، فإنَّهُ عندَهُ بإسنادٍ آخرَ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامًَّا بالإسنادِ الأوَّلِ.
ومنهُ - أي: منْ قبيلِ القسمِ الثَّاني - أنْ يسمعَ الحديثَ منْ شيخِهِ إلَّا طرفًَا منهُ، فيسمعُهُ عنْ شيخِهِ بواسطةٍ فيرويهِ راوٍ عنهُ تامًَّا بحذفِ الواسطةِ.
ثالثًا: أنْ يكونَ عندَ الرَّاوي متنانِ مختلفانِ بإسنادينِ مختلفينِ، فيرويهِمَا راوٍ عنهُ مُقتصرًَا على أحدِ الإسنادينِ.
_________________
(١) انظر فتح المغيث ١/ ٢٤٤.
(٢) انظر نزهة النظر ص ١١٥. وقد اختلفت كتب أصول الحديث في تعداد أقسام الحديث المدرج سندًا، فمنهم من جعله ثلاثة أقسام، ومنهم من أوصله إلى خمسة أقسام، واخترت تقسيم ابن حجر لأن بعض الأنواع هي فرع عن بعض أو تدخل في بعض، كما أن ابن حجر ممن أفرد بالتصنيف الحديث المدرج بناءً على المصنفات السابقة له، وشمل كلًا من السند والمتن، فتقسيمه عن عمق واستغراق لجميع أنواع المقلوب من خلال المرويَّات الحديثية.
[ ٣٠١ ]
أو يرويَ أحدَ الحديثينِ بإسنادِهِ الخاصِّ بهِ، لكنْ يزيدُ فيهِ مِنَ المتنِ الآخرِ ما ليسَ في الأوَّلِ.
رابعًَا: أنْ يسوقَ الإسنادَ، فيعرضُ لهُ عارضٌ، فيقولُ كلامًَا مِنْ قِبَلِ نفسِهِ، فيظُنُّ بعضُ مَنْ سمعَهُ أنَّ الكلامَ هوَ متنُ ذلكَ الإسنادِ، فيرويهِ عنهُ كذلكَ.
قالَ القَارِيُّ «ت ١٠١٤ هـ»: «هَذِهُ الوُجُوهُ الأَرْبَعَةُ أَقْسَامُ مُدْرَجِ الإِسْنَادِ» (^١).
_________________
(١) شرح نخبة الفكر للقاري ص ٤٦٢.
[ ٣٠٢ ]
المَطْلَبُ الثَّالثُ: حُكْمُ الحَدِيثِ المُدْرَجِ والإِدْرَاجِ:
الحديثُ المُدرجُ مِنْ أنواعِ الضَّعيفِ، ويُحكمُ عليهِ منْ حيثُ دخولُهُ في الحديثِ، فهوَ مِنْ حيثُ كونُهُ مُدرجًَا ضعيفٌ، وإنْ صحَّ أو حَسُنَ بورودِهِ منفصلًا منْ طريقٍ أخرى.
والإدراجُ إذَا وقعَ سهوًَا أو خطأً فلا يُؤاخذُ عليهِ صاحبُهُ، إلَّا إذَا كثُرَ منهُ وقوعُ ذلكَ، فإنَّهُ يكونُ حينئذٍ جرحًَا في ضبطِهِ (^١).
فإذَا كانَ عنْ تعمُّدٍ فهوَ حرامٌ بإجماعِ المحدثينَ والفقهاءِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «تَعَمُّدُ الإِدْرَاجِ لِكُلِّ الأَقْسَامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمَتْنِ وَالسَّنَدِ مَحْظُورٌ، أَي: حَرَامٌ، لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنْ عَزْوِ الشَّيءِ لِغَيرِ قَائِلِهِ، وَأَسْوَأُهُ مَا كَانَ فِي المَرْفُوعِ مِمَّا لَا دَخَلَ لَهُ فِي الغَرِيبِ المُتَسَامَحِ فِي خَلْطِهِ أَوْ الاِسْتِنْبَاطِ» (^٢). وقالَ الزركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ المَاوَرْدِيَّ وَالرَّوَيَانِيَّ وَابْنَ السَّمْعَانِيِّ قَالُوا: مَنْ تَعَمَّدَ الإِدْرَاجَ فَهُوَ سَاقِطُ العَدَالَةِ، وَمِمَّنْ يُحَرِّفُ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالكَذَّابِينَ» (^٣). واستثنى السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» مِنَ العمدِ ما كانَ تفسيرًَا لغريبٍ، فقالَ: «وَعِنْدِي أَنَّ مَا أُدرِجَ لِتَفسِيرِ غَرِيبٍ لَا يُمنَعُ، وَلِذَلِكَ فَعَلَهُ الزُّهْرِيُّ وَغَيرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ» (^٤). لكنَّ الأولى أنْ ينصَّ الرَّاوي على بيانِهِ.
_________________
(١) انظر النكت للزركشي ٢/ ٢٥١.
(٢) انظر فتح المغيث ١/ ٢٥١.
(٣) انظر النكت على مقدمة ابن الصلاح ٢/ ٢٤١.
(٤) المصدر ذاته.
[ ٣٠٣ ]
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُدْرَجِ «سَنَدًَا»:
اهتمَّ العلماءُ بمعرفةِ الإدراجِ اهتمامًَا كبيرًا، حتَّى لا يلتبسَ كلامُ النَّبيِّ -ﷺ- بغيرِهِ، ويُجعلَ فيهِ ما ليسَ منهُ، والكشفُ عنِ الإدراجِ في الحديثِ أمرٌ غايةٌ في العُسْرِ، تحكمُهُ القرائنُ وتقوِّيهِ المرجِّحاتُ وتعضدُهُ أقوالُ أئمَّةِ هذَا الشَّأنِ، فهوَ يفتقرُ إلى سَعَةِ اِطِّلاعٍ على أقوالِ النُّقَّادِ وصنيعِهِمْ، ووُسعِ درايةٍ بالطُّرقِ والأسانيدِ، وتجدرُ الإشارةُ إلى أنَّهُ لا يُمكنُ إغفالُ المتنِ عندَ الكلامِ على أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ المُدرجِ سندًَا، فثمَّةَ ترابطٌ واضحٌ بينَهُمَا (^١)، وقدْ بيَّنَتْ كتبُ أصولِ الحديثِ ومصطلحِهِ الطُّرقَ والوسائلَ التي وضعهَا العلماءُ لكشفِ الإدراجِ سواءٌ في السَّندِ أو المتنِ، نُبيُّنُهَا فيمَا يأتي ونخصُّ السَّبرَ بمزيدِ تفصيلٍ، لأنَّ مدارَ بحثِنَا عليهِ:
أوَّلًَا: أنْ يُعرفَ الإدراجُ مِنْ ظاهرِ سياقِ الحديثِ: بأنْ يكونَ لفظُهُ ممَّا يستحيلُ إضافتُهُ إلى النَّبيِّ -ﷺ-، وهذَا مختصٌ بمُدرَجِ المتنِ (^٢). قالَ القَاريُّ «ت ١٠١٤ هـ»: «وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ الوُجُوهِ لِمَعْرِفَةِ الإِدْرَاجِ غَيرُ مُخْتَصٍّ بِإِدْرَاجِ المَتْنِ إِلَّا [مَا ذُكِرَ مِنْ اسْتِحَالَةِ كَونِهِ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ -ﷺ-، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى المُتَأَمِّلِ» (^٣).
_________________
(١) وقد رجح الشيخ أحمد شاكر أن مدرج الإسناد مرجعه في الحقيقة إلى المتن، وهذا صحيح لكن ليس على إطلاقه إذ إن بعض الأنواع لا صلة لها بالمتن مطلقًا، كالنوع الأول من أنواع مدرج الإسناد. انظر الباعث الحثيث ص ٧١ و٧٢.
(٢) انظر مبحث «أثر السبر في معرفة المدرج متنًا» ص ٣٩١.
(٣) شرح نخبة الفكر للقاري ١/ ٤٧٢، وما بين معقوفتين مدرج من كلام الباحث للتوضيح.
[ ٣٠٤ ]
ويقوِّي الحكمَ عليهِ بالإدراجِ ورودُهُ مِنْ طريقٍ أخرى بدونِ الزِّيادةِ المُدرجةِ مِنْ كلامِ الرَّاوي.
ثانيًا: أنْ يردَ التَّنصيصُ على ذلكَ مِنَ الرَّاوي نفسِهِ: كحديثِ ابنِ مسعودٍ -﵁-، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ -ﷺ- يقولُ: «مَنْ جَعَلَ للهِ نِدًَّا دَخَلَ النَّارَ». ثمَّ قالَ: «وَأُخْرَى أَقُولُهَا وَلَمْ أَسْمَعْهَا مِنْهُ: مَنْ مَاتَ لَا يَجْعَلُ للهِ نِدًَّا دَخَلَ الجَنَّةَ» (^١). وقدْ يكونُ تنصيصُ الرَّاوي واردًا مِنْ طريقٍ أُخرى، فلَا بُدَّ مِنْ تتبُّعِ المتونِ والأسانيدِ لمعرفةِ ذلكَ.
ثالثًا: أنْ يردَ التَّنصيصُ مِنْ أحدِ الأئمَّةِ المطَّلعينَ: وتنصيصُ المطَّلعينَ مِنَ الأئمَّةِ مُعتَمَدُهُ الطَّريقُ الرَّابعُ: بالسَّبرِ وبيانِ أوجُهِ الاختلافِ والاتِّفاقِ، ومظنَّةُ ذلكَ كتبُ «المُدرجِ» المشارِ إليهَا في مطلعِ هذَا المبحثِ، بالإضافةِ إلى كتبِ التَّخريجِ والعللِ.
رابعًا: السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ: بأنْ يردَ مِنْ طريقٍ أو طُرقٍ أُخرَى تَفصِلُ أو تفصِّلُ (^٢) القَدْرَ المُدرجَ عنْ أصلِ الحديثِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَيُدْرَكُ الإِدْرَاجُ بِوُرُودِ رِوَايَةٍ مُفَصِّلَةٍ لِلقَدْرِ المُدْرَجِ مِمَّا أُدْرِجَ فِيهِ» (^٣). وذلكَ بأنْ يردَ التَّفصيلُ في الرِّوايةِ بذكرِ الأصلِ وبيانِ الإدراجِ والمُدرِجِ منَ الرُّواةِ في الموضعِ ذاتِهِ، أو أنْ تردَ روايةٌ منْ طريقٍ آخرَ خاليةٍ منَ الإدراجِ.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري ر ٦٣٠٥، والفصل للوصل المدرج ١/ ٢١٩.
(٢) تَفْصِلُ: بمعنى تسقط اللفظ المدرج في الحديث، بأن تأتي الرواية خالية من الإدراج. تُفَصِّلُ: بأن تُذكرَ روايةُ الأصلِ وروايةُ الإدراجِ مُفصَّلتينِ ومبيَّنتينِ في الموضع ذاتِهِ.
(٣) نزهة النظر ص ١١٦.
[ ٣٠٥ ]
وهذِهِ الطَّريقَةُ تُضافُ إلى الطّرق السَّابقةِ كعاضدةٍ ومقوِّيةٍ لحكمِ الإدراجِ مِنْ عدمِهِ في الحديثِ، وتُعتمَدُ أيضًَا استقلالًَا، فهيَ مِنَ الأهميَّةِ بحيثُ لا يُمكنُ إغفالُهَا أو إهمالُهَا، لكنَّ ابنَ دقيقٍ العيدُ «ت ٧٠٢ هـ» بيَّنَ أنَّ هذَا الطَّريقَ في معرفةِ الحديثِ المُدرَجِ ظنِّيٌ وليسَ بقطعيٍّ ما لمْ تنضمَّ إليهِ قرائنُ تقوِّيهِ، فقالَ: «وَكَثِيرًَا مَا يَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يَرِدَ الفَصْلُ بَينَ كَلَامِ الرَّسُولِ -ﷺ- وَكَلَامِ الرَّاوِي مُبَيَّنًَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَهَذَا طَرِيقٌ ظَنِّيٌّ قَدْ يَقْوَى قُوَّةً صَالِحَةً فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ، وَقَدْ يَضْعُفُ» (^١). ثمَّ بيَّنَ ما يقوى بهِ ومَا يضعفُ، فقالَ: «فَمِمَّا يَقْوَى فِيهِ: أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الرَّاوِي أَتَى بَعْدَ انْقِضَاءِ كَلَامِ النَّبِيِّ -ﷺ- مُتَّصِلًَا بِآخِرِهِ، وَمِمَّا قَدْ يَضْعُفُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُدْرَجًَا فِي أَثْنَاءِ لَفْظِ الرَّسُولِ -ﷺ- لَا سِيَمَا إِنْ كَانَ مُقَدَّمًَا عَلَى اللَّفْظِ المَرْوِيِّ أَوْ مَعْطُوفًَا عَلَيهِ بِوَاوِ العَطْفِ» (^٢). إلَّا أنَّ ما بيَّنهُ مختصٌّ بمُدرجِ المتنِ، لأنَّهُ قدْ يعسُرُ فصلُهُ أو يشتبهُ بزياداتِ الثِّقاتِ، وهذَا لا ينطبقُ على مُدرجِ الإسنادِ، فدلالةُ السَّبرِ فيهِ دلالةٌ قطعيَّةٌ خصوصًَا لمنْ لهُ معرفةٌ بالطُّرقِ والأسانيدِ والرِّجالِ ومراتبِهِمْ في الحفظِ والإتقانِ، فإذَا توافقَ جمعٌ منَ الرُّواةِ الثِّقاتِ على أصلِ روايةٍ، وخالفَهُمْ فيهَا مَنْ هوَ أقلُّ منهُمْ عددًَا أو رتبةً، فالحكمُ للأكثرِ وللأوثقِ، وبذلكَ يُدرَكُ الإدراجُ بالمخالفةِ، قالَ الدكتورُ حمزةُ المليباريُّ: «المُدَرَجُ نَوعٌ مِنْ أَنْوَاعِ المَعْلُولِ لِأَنَّ الإِدْرَاجَ خَطَأٌ، وَلَا يُعْرَفُ خَطَأُ الإِدْرَاجِ فِي الحَدِيثِ إِلَّا بِالجَمْعِ وَالمُقَارَنَةِ وَالحِفْظِ وَالمَعْرِفَةِ، إِضَافَةً إِلَى رَصِيدٍ مُعْتَبَرٍ مِنَ الخَلْفِيَّاتِ الحَدِيثِيَّةِ، فَإِذَا وُجِدَتِ الرِّوَايَاتُ الأُخْرَى الصَّحِيحَةُ مُتَّفِقَةً عَلَى فَصْلِ القَدْرِ المُدْرَجِ عَنْ بَقِيَّةِ الحَدِيثِ، أَوْ عَلَى تَرْكِهِ وَإِسْقَاطِهِ مِنْهُ، … فَيُحْكَمُ بِالإِدْرَاجِ وَخَطَأِ الرَّاوِي وَوَهْمِهِ فِي جَعْلِهِ طَرَفًَا مِنْهُ» (^٣).
_________________
(١) الاقتراح في بيان الاصطلاح ص ٢٣.
(٢) المصدر ذاته.
(٣) الحديث المعلول - قواعد وضوابط - ١/ ٣٩.
[ ٣٠٦ ]
وقدْ بنى الخطيبُ منهجَهَ في كتابهِ «الفصلُ للوصلِ المدرجِ في النَّقلِ» على قاعدةِ السَّبرِ، بجمعِ الرِّواياتِ الخاليةِ مِنَ الإدراجِ، ومعارضتِهَا بالرِّواياتِ المدرجةِ، إضافةً إلى القواعدِ الأخرى المذكورة آنفًا، ومنْ ثُمَّ التَّرجيحُ على وفقِ هذهِ القواعدِ، قالَ الدكتورُ عبدُ السَّميعِ الأنيسُ (^١): «وَقَدْ بَلَغَ عَدَدُ الأَحَادِيثِ التِي أَورَدَهَا فِي كِتَابِهِ «١١٣» حَدِيثًَا، بَينَمَا بَلَغَ عَدَدُ الرِّوَايَاتِ التِي سَاقَهَا لِبَيَانِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ وَفِيهَا رِوَايَاتُ مَنْ فَصَلَ وَمَنْ وَصَلَ «١٢٥٧» رِوَايَةً» (^٢). ثمَّ بيَّنَ منهجَ الخطيبِ في كتابِهِ القائمِ على السِّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، فقالَ: «وَكَانَ مَنْهَجُهُ فِي كُلِّ الأَحَادِيثِ التِي أَورَدَهَا فِي كِتَابِهِ يَقُومُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ:
المَرْحَلَةُ الأُولَى: يَاتِي بِالرِّوَايَةِ أَوْ الرِّوَايَاتِ التِي فِيهَا إِدْرَاجٌ …
المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: يُبَيِّنُ مَا فِي هَذِهْ الرِّوَايَاتِ مِنْ إِدْرَاجٍ … مَعَ ذِكْرِ مَنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ وَنُقَّادِهِ، إِنْ وُجِدَ.
المَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ: ثُمَّ يَاتِي بِالرِّوَايَةِ أَوْ الرِّوَايَاتِ الَّتِي فَصَلَتْ، وَبَيَّنَتِ المُدْرَجَ مِنْ غَيرِهِ.
وَقَدْ سَارَ عَلَى هَذَا المَنْهَجِ فِي جَمِيعِ أَحَادِيثِ الكِتَابِ» (^٣).
_________________
(١) الدكتور عبد السميع محمد الأنيس، مدرس في كلية الشريعة في إمارة الشارقة، من تحقيقاته: «نزهة النظر شرح نخبة الفكر»، و«الفصل للوصل المدرج في النقل»، ومن مؤلفاته: «بحوث في السنة المطهرة»، و«الأساليب النبوية في معالجة المشكلات الزوجية».
(٢) الفصل للوصل المدرج في النقل - مقدمة المحقق - ص ١٠٧ و١٠٨.
(٣) المصدر ذاته. مثال ذلك: حديث عبد الله بن مسعود -﵁- أن رسول الله -ﷺ- علمه التشهد في الصلاة، وفيه: «فإذا قلت ذلك فقد تمت صلاتك فإن شئت فقم، وإن شئت فاقعد». قال الخطيب: «كذا روى هذا الحديث أبو داود الطيالسي، عن أبي خيثمة، ووافقه …» وعد سبعًا من الرواة، ثم قال: «فرووه سبعتهم عن زهير كرواية أبي داود عنه». = = ثم بين الإدراج، فقال: «وقوله في المتن: «فإذا قلت ذلك …». ليس من كلام النبي -ﷺ-، وإنما قول ابن مسعود -﵁- أدرج في الحديث. وقد بينه شبابة بن سوار في روايته عن زهير بن معاوية، وفصل كلام ابن مسعود من كلام رسول الله -ﷺ-، وكذلك رواه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن الحسن بن الحر مفصلًا مبينًا … وقد روى حسين بن علي الجعفي، ومحمد بن عجلان عن الحسن بن الحر هذا الحديث، فلم يذكرا بعد الشهادتين شيئًا، بل اقتصرا على بيان اللفظ المرفوع إلى رسول الله -ﷺ- فقط». انظر الفصل للوصل المدرج في النقل ص ١٥٤ وما بعدها.
[ ٣٠٧ ]
وبمَا أنَّ كتابَ ابنِ حجرٍ «تقريبُ المنهجِ بترتيبِ المُدرَجِ» مفقودٌ، فيُمكنُنَا استيضاحُ منهجِهِ في الكشفِ عنِ الحديثِ المُدرجِ مِنْ كتابهِ «التَّلخيصُ الحبيرُ» فهوَ يتساوقُ معَ منهجِ الخطيبِ المذكورِ، القائمِ على السَّبرِ وجمعِ طرقِ الحديثِ ومعارضةِ مرويَّاتِ الفصلِ بمرويَّاتِ الوصلِ، والتَّرجيحُ أو البيانُ وفقًا لذلكَ (^١).
وقدْ أوردتُ مناهجَ هؤلاءِ العلماءِ في كتبهِمْ لأبيِّنَ أنَّ الكشفَ عَنِ الإدراجِ بالسَّبرِ هوَ المنهجُ الذي اعتمدَهُ الأئمَّةُ سواءٌ في السَّندِ أو المتنِ وسواءٌ كانَ اعتمادُهُ استقلالًَا، أو بالإضافةِ إلى الطُّرقِ والقرائنِ الأخرى.
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ المُدرَجِ سندًَا مِنْ خلالِ الأمثلةِ الآتيةِ:
أولًا: أنْ يرويَ جماعةٌ الحديثَ بأسانيدَ مختلفةٍ، فيرويهِ عنهُمْ راوٍ فيجمعُ الكلَّ على إسنادٍ واحدٍ منْ تلكَ الأسانيدِ، ولا يُبيِّنُ الاختلافَ:
_________________
(١) مثال ذلك: حديث: «انصرف رسول الله -ﷺ- من صلاة جهر فيها بالقراءة … فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه بالقراءة». مالك في الموطأ، والشافعي عنه، وأحمد، والأربعة، وابن حبان من حديث الزهري عن ابن أكيمة، عن أبي هريرة -﵁-، وفيه «فانتهى الناس». وقوله: «فانتهى الناس إلى آخره» مدرج في الخبر من كلام الزهري، بينه الخطيب، واتفق عليه البخاري في التاريخ، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان، والذهلي، والخطابي، وغيرهم. انظر التلخيص الحبير ١/ ٢٣١. فبين أولًا من أخرجه من الأئمة برواية الوصل وطريق الحديث ومداره، ثم بين مكان الإدراج، ومن نص عليه من أئمة الحديث - الخطيب هنا - ثم من اتفق على أنه إدراج من أئمة الحديث.
[ ٣٠٨ ]
مثالُهُ: حديثُ ابنِ مسعودٍ -﵁-، قلتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ: أيُّ الذَّنبِ أعظمُ؟ …».
* الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر ٥٦٥٥» و«ر ٦٤٢٦»، وأبو داودَ «ر ٢٣١٠»، والتِّرمذيُّ «ر ٣١٨٢»، والنَّسائيُّ «ر ١١٣٦٩»، وابنُ حبَّانَ «ر ٤٤١٦». منْ طريقِ الثَّوريِّ (^١)، عنْ منصورِ بنِ المعتمرِ، عنْ أبي وائلٍ شقيقِ بنِ سلمةَ، عنْ عمرِو بنِ شُرحْبيلَ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -﵁-.
وتابعَهُ جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ (^٢) عندَ البخاريِّ «ر ٤٢٠٧» و«ر ٧٠٨٢»، ومسلمٍ «ر ٨٦»، والنَّسائيِّ «ر ٧١٢٤» و«ر ١٠٩٨٧»، وأبي يعلى «ر ٥١٣٠»، والشَّاشيِّ «ر ٧٧٦».
وشعبةُ بنُ الحجَّاجِ (^٣)، عندَ أبي عوانةَ «ر ١٥٢».
* وأخرجَهُ البخاريُّ «ر ٦٤٢٦»، والتِّرمذيُّ «ر ٣١٨٢»، والنَّسائيُّ «ر ١١٣٦٩»، منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عنْ الأعمشِ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ عمرِو بنِ شُرحْبِيلَ، عنِ ابنِ مسعودٍ -﵁-.
* وأخرجَهُ النَّسائيُّ «ر ٣٤٧٧» منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عنْ واصلِ بنِ حيَّانَ، عنْ أبي وائلٍ، عنِ ابنِ مسعودٍ -﵁-.
وتابعَهُ شعبةُ بنُ الحجَّاجِ عندَ التِّرمذيِّ «ر ٣١٨٣»، وابنِ حنبلٍ «ر ٤١٣٣» و«ر ٤١٣٢»، والطَّيالسيِّ «ر ٢٦٤».
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٢٦١.
(٢) تقدمت ترجمته ص ٢٦١.
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٤٨.
[ ٣٠٩ ]
واختُلفَ على الثَّوريِّ، فرواهُ ابنُ مهديٍّ (^١) عنهُ، عَنْ واصلٍ ومنصورٍ والأعمشِ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ ابنِ شُرحبيلَ، عنِ ابنِ مسعودٍ. عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٤١٣١»، والبيهقيِّ «ر ١٥٦١٨» (^٢).
وتابعَهُ مُحمَّدُ بنُ كثيرٍ (^٣) عندَ الخطيبِ في المُدرجِ «ر ٩٣».
ورواهُ يحيى بنُ سعيدٍ (^٤)، عنْ سفيانَ، عنْ واصلٍ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ ابنِ مسعودٍ -﵁-، عندَ البخاريِّ «ر ٦٤٢٦»، والنَّسائيِّ «ر ٣٤٧٧». منْ غيرِ ذكرِ ابنِ شُرحْبيلَ.
فمِنْ خلالِ سبرِ طُرقِ هذَا الحديثِ نجدُ في الطريقينِ الأوَّلِ والثَّاني أنَّ سفيانَ روى الحديثَ عنْ منصورٍ والأعمشِ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ عمرِو بنِ شُرحبيلَ، عَنِ ابنِ مسعودٍ -﵁-.
وفي الطَّريقِ الثَّالثِ روى سفيانُ الحديثَ، عن واصلِ بنِ حيَّانَ، عَنْ أبي وائلٍ، عَنِ ابنِ مسعودٍ -﵁-، بدونِ ذكرِ عمرٍو بنِ شُرحبيلَ بينَ أبي وائلٍ وابنِ مسعودٍ -﵁-.
وفي الطَّريقِ الرَّابعِ يتبيَّنُ لنَا أنَّ ابنَ مهديٍّ وابنَ كثيرٍ أدرجَا، حيثُ رويَا الحديثَ عنْ سفيانَ، عَنِ الثَّلاثةِ بذكرِ عمرِو بنِ شُرحبيلَ، معَ أنَّ حقَّهُ ألَّا يُذكرَ مِنْ طريقِ واصلٍ.
_________________
(١) عبد الرحمن بن مهدي، أبو سعيد العنبري، «١٩٨»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٠١٨».
(٢) ورواه أيضًا ابن مهدي عن سفيان، عن واصل فقط، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود -﵁-، عند الترمذي «ر ٣١٨٢»، والنسائي «ر ٣٤٧٦». ورواه أيضًا ابن مهدي، عن واصل ومنصور - بجمعهما من غير الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، عند ابن أبي شيبة «ر ٣٦٢».
(٣) محمد بن كثير العبدي، «ت ٢٤٣ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٢٥٢».
(٤) يحيى بن سعيد بن فروخ، أبو سعيد القطان، «ت ١٩٨ هـ»، ثقة متقن، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٥٥٧».
[ ٣١٠ ]
وقدْ فصَلَ يحيى بنُ سعيدٍ القطَّانِ، فرواهُ عنْ سفيانَ، عنْ منصورٍ والأعمشِ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ عمرِو بنِ شُرحْبيلَ، عنْ عبدِ اللهِ -﵁-. ثمَّ قالَ - يحيى -: وحدَّثنَا سفيانُ، حدَّثني واصلُ، عنْ أبي وائلٍ، عنْ عبدِ اللهِ -﵁- مثلَهُ (^١).
قالَ الدَّارقُطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «قَالَ لَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيسَابُورِيُّ: هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ وَاصِلٍ "عَمْرَو بنَ شُرَحْبِيلَ" وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ وَمُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ، فَجَمَعَا بَينَ وَاصِلٍ وَمَنْصَورٍ وَالأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ -﵁-، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الثَّورِيُّ جَمَعَ بَينَ الثَّلَاثَةِ لِعْبَدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ وَلِابنِ كَثِيرٍ فَجَعَلَ إِسْنَادَهُمْ وَاحِدًَا، وَلَمْ يَذْكُرْ بَينَهُمْ خِلَافًَا، وَحَمَلَ حَدِيثَ وَاصِلٍ عَلَى حَدِيثِ الأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ، وفَصَلَهُ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ فَجَعَلَ حَدِيثَ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ -﵁- وَهُوَ الصَّوَابُ-؛ لِأَنَّ شُعْبَةَ وَمَهْدِيَّ بنَ مَيمُونٍ رَوَيَاهُ عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْد اللهِ -﵁-، كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنِ الثَّورِيِّ، عَنْهُ، واللهُ أعلمُ» (^٢).
* * *
ثانيًا: أنْ يكونَ المتنُ عندَ راوٍ إلَّا طرفًَا منهُ، فإنَّهُ عندَهُ بإسنادٍ آخرَ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامًَّا بالإسنادِ الأوَّلِ.
مثالُهُ: حديثُ وائلِ بنِ حُجْرٍ في صفةِ صلاةِ النَّبيِّ -ﷺ-، وفي آخرِهِ: «ثُمَّ جِئْتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَانٍ فِيهِ بَرْدٌ شَدِيدٌ، فَرَأَيتُهُمْ يُحَرِّكُونَ أَيدِيَهُمْ مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ».
_________________
(١) صحيح البخاري ٦/ ٢٤٩٧. وقال البُخاريُّ «ت ٢٥٦ هـ» معقِّبًا: «قال عمرو الفلَّاس: فذكرته لعبد الرَّحمن، وكان حدَّثنا عن سفيان، عن الأعمش ومنصور وواصل، عن أبي وائل، عن ابن شُرحبيلَ. فقال: دعْهُ دعْهُ».
(٢) العلل للدارقطني ٥/ ٢٢٠، وانظر الفصل للوصل المدرج في النقل ٢/ ٨١٩ - ٨٤١.
[ ٣١١ ]
الحديثُ رواهُ زائدةُ بنُ قدامةَ (^١)، عنْ عاصمِ بنِ كُلَيبٍ، عنْ أبيهِ، عنْ وائلِ بنِ حُجْرٍ - وذكرَ صفةَ صلاةِ النَّبيِّ -ﷺ-، بإدراجِ الزِّيادةِ في آخرِهِ، عندَ الدَّارميِّ «ر ١٣٥٧»، وابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٩٠»، وابنِ الجارودِ «ر ٢٠٨»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٨٢»، والبيهقيِّ «ر ٢١٥٤»، وأبي داودَ «ر ٧٢٧»، وابنِ حبَّانَ «ر ١٨٦٠».
وتابعَهُ سفيانُ بنُ عيينةَ بإدراجِهَا، عندَ ابنِ خُزيمةَ «ر ٤٥٧»، والبيهقيِّ «ر ٢١٥٤».
وحقيقةُ هذهِ الزِّيادةِ أنَّها مِنْ طريقِ عاصمِ بنِ كُلَيبٍ، عنْ عبدِ الجبَّارِ بنِ وائلٍ، عنْ بعضِ أهلهِ، عنْ وائلِ بنِ حُجْرٍ، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٩٦»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٧٦»، والخطيبِ في المُدرجِ «ر ٤٤».
وقدْ فَصَلَ بينَ الرِّوايتينِ:
زُهيرُ بنُ معاويةَ (^٢) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٩٦»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٨٤»، والخطيبِ في المُدرجِ «ر ٤٤».
وشُجاعُ بنُ الوليدِ (^٣) عندَ الخطيبِ «ر ٤٤».
فتبيَّنَ لنَا الحكمُ بالإدراجِ في سندِ هذَا الحديثِ، وممَّا يُقوِّيهِ أنَّ جمعًا مِنَ الرُّواةِ رَووا هذَا الحديثَ عنْ عاصمٍ مِنْ غيرِ هذهِ الزِّيادةِ، وهمْ:
_________________
(١) زائدة بن قدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، «ت ١٦٠ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ١٩٨٢».
(٢) تقدمت ترجمته ص ٢٦١.
(٣) شجاع بن الوليد، أبو بدر السكوني، «ت ٢٠٤ هـ»، صدوق، له أوهام، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٧٥٠».
[ ٣١٢ ]
سفيانُ الثَّوريُّ (^١): عندَ عبدِ الرَّزاقِ «ر ٢٥٢٢»، والحميديِّ «ر ٨٨٥»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٢٦٦٧»، وابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٩١»، وأبي داودَ «ر ٤١٩٠»، والنَّسائيِّ «ر ١٢٦٣».
وشعبةُ بنُ الحجَّاجِ (^٢) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٧٥»، وابنِ خزيمةَ «ر ٦٩٨»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٨٣».
وأبو عَوَانةَ (^٣) عندَ الطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٩٠»، والبيهقيِّ في معرفةِ السُّننِ «ر ٨٧٩».
وجريرُ بنُ عبدِ الحميدِ (^٤) عندَ الدَّارقطنيِّ «ر ١٤»، والخطيبِ في المدرجِ «ر ٤٤».
وصالحُ بنُ عمرَ (^٥) عندَ الدَّارقطنيِّ «ر ٢٦».
وأبو الأحوصِ (^٦) عندَ الطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٨٠»، والدَّارقطنيِّ «ر ٢٧».
وعبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ (^٧) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٧٠»، والبيهقيِّ «ر ٢٣٤٦».
وبِشْرُ بنُ المفضَّلِ (^٨) عندَ أبي داودَ «ر ٧٢٦»، وابنِ ماجةَ «ر ٨١٠»، والبزَّارِ «ر ٤٤٨٥»، والنَّسائيِّ «ر ١٢٦٥».
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٢٦١.
(٢) تقدمت ترجمته ص ٢٤٨.
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٥٧.
(٤) تقدمت ترجمته ص ٢٦١.
(٥) صالح بن عمر الواسطي، «ت ١٨٧ هـ»، ثقة، أخرج له «بخ م». انظر التقريب «ر ٢٨٨١».
(٦) تقدمت ترجمته ص ٢٤٧.
(٧) عبد الواحد بن زياد العبدي، «ت ١٧٦ هـ»، ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده مقال، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٢٤٠».
(٨) بشر بن المفضل بن لاحق، أبو إسماعيل الرقاشي، «ت ١٨٧ هـ»، صدوق، أخرج له «ت س جه». انظر التقريب «ر ٧٠٢».
[ ٣١٣ ]
وعبدُ العزيزِ بنُ مسلمٍ (^١) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٨٨٨٦» (^٢). وغيرُهُمْ.
قالَ الحافظُ موسَى بنُ هارونَ الحمَّالُ (^٣) «ت ٢٩٤ هـ»: «وَذَلِكَ - يَعْنِي رِوَايَةُ سُفْيَانَ وَزَائِدَةَ - عِنْدَنَا وَهْمٌ، وَإِنَّمَا أُدْرِجَ عَلَيهِ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَة عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ الجَبَّارِ بنِ وَائِلٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ وَائِلٍ، هَكَذَا رَوَاهُ مُبَيِّنًَا زُهَيرُ بنُ مُعَاوِيَةَ وَأَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بنُ الوَلِيدِ، فَمَيَّزَا قِصَّةَ تَحْرِيكِ الأَيدِي مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ وَفَصَلَاهَا مِنَ الْحَدِيثِ، وَذَكَرَا إِسْنَادَهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا». ثُمَّ قَالَ: «وَهَذِهِ رِوَايَةٌ مَضْبُوطَةٌ، اتَّفَقَ عَلَيهَا زُهَيرٌ وَشُجَاعُ بنُ الوَلِيدِ، وَهُمَا أَثْبَتُ لَهُ رِوَايَةً مِمَّنْ رَوَى "رَفْعَ الأَيدِي مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ" عَنْ عَاصِمِ بنِ كُلَيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلٍ» (^٤).
ومنهُ - أي: منْ قبيلِ القسمِ الثَّاني - أنْ يسمعَ الحديثَ منْ شيخِهِ إلَّا طرفًَا منهُ، فيسمعُهُ عنْ شيخِهِ بواسطةٍ فيرويهِ راوٍ عنهُ تامًَّا بحذفِ الواسطةِ.
مثالُهُ: حديثُ أنسٍ -﵁- في قصَّةِ العُرَنيِّينَ، قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ- لهمْ: «لَو خَرَجْتُمْ إِلَى إِبِلِنَا فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا».
الحديثُ رواهُ بالجمعِ بينَ لفظِ «أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» إسماعيلُ بنُ جعفرٍ (^٥)، عنْ حُمَيدٍ، عنْ أنسٍ -﵁-. عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٤٩٢»، وابنِ حبَّانَ «ر ٤٤٧١».
_________________
(١) عبد العزيز بن مسلم القسملي، أبو زيد المروزي، «ت ١٦٧ هـ»، ثقة، ربما وهم، أخرج له «خ م د ت س». انظر التقريب «ر ٤١٢٢».
(٢) الفصل للوصل المدرج في النقل ١/ ٤٢٩ - ٤٤٤.
(٣) موسى بن هارون بن عبد الله، أبو عمران البزَّار، الحمال، ويقال له: «ابن الحمال»، «٢١٤ هـ - ٢٩٤ هـ»، إمام وقته في حفظ الحديث، من كتبه: «الفوائد». انظر طبقات الحفاظ ص ٦٩١.
(٤) النكت للزركشي ٢/ ٢٤٧.
(٥) إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، أبو إسحاق الزرقي، القارئ، «ت ١٨٠ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٣١»
[ ٣١٤ ]
وتابعَهُ عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ (^١) عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٤٩١»، وأبي عَوَانةَ «ر ٦١٠٥».
وعبدُ الوهابِ بنُ عبدِ المجيدِ (^٢) عندَ ابنِ ماجةَ «ر ٢٥٧٨».
فبالسَّبرِ نجدُ أنَّ لفظَ «وَأَبْوَالِهَا» لمْ يسمعْهُ حُمَيدٌ مِنْ أنسٍ -﵁- مباشرةً، وإنَّمَا سمعَهُ منْ قتادَةَ، عنْ أنسٍ -﵁-، فأدرجَهَا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ ومَنْ تابعَهُ في المتنِ الأوَّلِ بإسنادِ الحديثِ الأوَّلِ مِنْ غيرِ تفصيلٍ.
وممَّنْ فصَلَ روايةَ قتادةَ مِنْ أصحابِ حُمَيدٍ:
ابنُ أبي عديٍّ (^٣) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٢٠٦١»، والنَّسائيِّ «ر ٣٤٩٤».
وخالدُ بنُ الحارثِ (^٤) عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٤٩٣».
ويزيدُ بنُ هارونَ (^٥) عندَ أبي عَوَانةَ «ر ٦١١٣».
وعبدُ اللهِ بنُ بكرٍ السَّهميُّ (^٦) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٢٠٦٨».
_________________
(١) عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري، أبو سعيد البصري، «ت ١٨٥ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له «خ م د س». انظر التقريب «ر ٤٣٢٥».
(٢) عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت، أبو محمد البصري، «ت ١٩٤ هـ»، ثقة، تغير قبل موته، أخرجه له الستة. انظر التقريب «ر ٤٢٦١».
(٣) محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، أبو عمرو البصري، «ت ١٩٤ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٥٦٩٧».
(٤) خالد بن الحارث بن عبيد بن سليم الهجيمي، أبو عثمان البصري، «ت ١٨٦ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ١٦١٩».
(٥) يزيد بن هارون بن زادان السلمي، أبو خالد الواسطي، «ت ٢٠٦ هـ»، ثقة متقن، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٧٨٩».
(٦) عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي، أبو وهب الباهلي، «ت ٢٠٨ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٣٢٣٤».
[ ٣١٥ ]
وبِشرُ بنُ المفضَّلِ (^١)، ومعتمِرُ بنُ سليمانَ (^٢)، ومروانُ بنُ معاويةَ (^٣) عندَ الخطيبِ في المدرجِ «ر ٦٧».
قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «كُلُّهُمْ يَقُولُ فِيهِ: "فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا". قَالَ حُمَيدٌ: قَالَ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ -﵁-: "وَأَبْوَالُهَا" فَرِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ عَلَى هَذَا فِيهَا إِدْرَاجٌ وَتَسْوِيَةٌ» (^٤).
ثالثًا: أنْ يكونَ عندَ الرَّاوي متنانِ مختلفانِ بإسنادينِ مختلفينِ، فيرويهِمَا راوٍ عنهُ مُقتصرًَا على أحدِ الإسنادينِ.
مثالُهُ: حديثُ أنسٍ -﵁-، أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- قالَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، [وَلَا تَنَافَسُوا]، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًَا».
الحديثُ أخرجَهُ ابنُ عبدِ البَرِّ في التَّمهيدِ «٦/ ١١٦»، والخطيبُ في المدرجِ «ر ٨١» مِنْ طريقِ سعيدِ بنِ أبي مريمَ (^٥)، عنْ مالكٍ، عنِ الزُّهريِّ، عنْ أنسٍ -﵁-، بزيادةِ «وَلَا تَنَافَسُوا».
قالَ الحافظُ الكنانيُّ «ت ٣٥٧ هـ»: «لَا أَعْلَمُ أَحَدًَا قَالَ فِي هَذَا الحَدِيثِ: عَنْ مَالِكٍ: «وَلَا تَنَافَسُوا» غَيرَ سَعِيدِ بنِ أَبِي مَرْيَمَ» (^٦).
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٢٩٧.
(٢) معتمر بن سليمان التيمي، أبو محمد البصري، «ت ١٨٧ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٧٨٥».
(٣) مروان بن معاوية بن الحارث، أبو عبد الله الفزاري، «ت ١٩٣ هـ»، ثقة حافظ، كان يدلس أسماء الشيوخ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٥٧٥».
(٤) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٨٥٣.
(٥) سعيد بن الحكم بن أبي مريم، أبو محمد الجمحي، «ت ٢٢٤ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٢٨٦».
(٦) التمهيد لابن عبد البر ٦/ ١١٦. وقد أشار الكنانيُّ «ت ٣٥٧ هـ» إلى أنَّ عبد الرحمن بن إسحاق، روى هذه الزيادة عن الزهري، عن أنس بن مالك -﵁-. وهي عند أبي يعلى «ر ٣٦١٢».
[ ٣١٦ ]
وقدْ رواهُ عنْ مالكٍ مِنْ هذَه الطَّريقِ بدونِ هذهِ الزِّيادةِ:
عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ (^١) عندَ البخاريِّ «ر ٥٧٢٦».
ويحيى بنُ يحيى (^٢) عندَ مسلمٍ «ر ٢٥٥٩».
وعبدُ اللهِ بنُ مسلمةَ (^٣) عندَ أبي داودَ «ر ٤٩١٠».
وأحمدُ بنُ أبي بكرٍ (^٤) عندَ ابنِ حبَّانَ «ر ٥٦٦٠».
وإسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ (^٥) عندَ البخاريِّ في الأدبِ «ر ٣٩٨». وغيرُهمْ كثيرٌ.
والزيادةُ صحيحةٌ مِنْ طريقِ مالكٍ، عنْ أبي الزِّنادِ، عَنِ الأعرجِ، عنْ أبي هريرةَ -﵁- مرفوعًَا، رواهَا عنهُ:
إسحاقُ بنُ عيسى (^٦) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٠٠٠٢».
وإسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ عندَ البخاريِّ في الأدبِ «ر ١٢٨٧».
_________________
(١) عبد الله بن يوسف التنيسي، أبو محمد الكلاعي، «ت ٢١٨ هـ»، ثقة متقن، أخرج له «خ د ت س». انظر التقريب «ر ٣٧٢١».
(٢) يحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن، أبو زكريا النيسابوري، «ت ٢٢٦ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له «خ م ت س». انظر التقريب «ر ٧٦٦٨».
(٣) عبد الله بن مسلمة بن قعنب، أبو عبد الرحمن البصري، «ت ٢٢١ هـ»، ثقة، كان ابن معين وابن المديني لا يقدمان عليه في الموطأ أحدًا، أخرج له «خ م د ت س». انظر التقريب «ر ٣٦٢٠».
(٤) أحمد بن أبي بكر بن الحارث، أبو مصعب الزهري، «ت ٢٤٢ هـ»، صدوق، عابه أبو خيثمة للفتوى بالرأي، أخرج له الستة. انظر التهذيب «ر ٢١»، التقريب «ر ١٧».
(٥) إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس، أبو عبد الله المدني، «ت ٢٢٦ هـ»، صدوق، أخطأ في أحاديث من حفظه، أخرج له «خ م د ت جه». انظر التهذيب «ر ٥٦٨»، والتقريب «ر ٤٦٠».
(٦) إسحاق بن عيسى بن نجيح، أبو يعقوب، «ت ٢١٤ هـ»، صدوق، أخرج له «م ت س جه». انظر التقريب «ر ٣٧٥».
[ ٣١٧ ]
ويحيى بنُ يحيى عندَ مسلمٍ «ر ٢٥٦٣» والبيهقيِّ «ر ١١٢٣٩».
ورَوحُ بنُ عبادةَ (^١) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٠٧١٢»، والبيهقيِّ «ر ٢٠٨٤٨».
فبسبرِ هذَا الحديثِ نجدُ أنَّ الرُّواةَ عنْ مالكٍ مِنْ حديثِ أنسٍ -﵁- اتَّفقُوا على روايةِ الحديثِ مِنْ غيرِ زيادةِ «وَلَا تَنَافَسُوا»، وإنَّمَا أوردوهَا عَنْ مالكٍ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ -﵁-، إلَّا سعيدَ بنَ أبي مريمَ فقدْ أدرجَ هذِهِ الزِّيادةَ، ورواهَا عنْ مالكٍ معَ بقيَّةِ الحديثِ مِنْ الطَّريقِ الأوَّلِ. قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَالأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ حَمْزَةُ، كُلُّ أَصْحَابِ مَالِكٍ رَوَوهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَخْتَلِفوا عَلَيهِ فِيهِ» (^٢).
رابعًَا: أنْ يسوقَ الإسنادَ، فيعرضُ لهُ عارضٌ، فيقولُ كلامًَا مِنْ قِبَلِ نفسِهِ، فيظُنُّ بعضُ مَنْ سمعَهُ أنَّ الكلامَ هوَ متنُ ذلكَ الإسنادِ، فيرويهِ عنهُ كذلكَ.
ومثالُهُ: الحديثُ الذي رواهُ ثابتُ بنُ موسى، عنْ شريكٍ القاضي، عنْ الأعمشِ، عنْ أبي سفيانَ، عنْ جابرٍ -﵁- مرفوعًَا: «مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِالليلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ».
قالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٤٥ هـ»: «وَهَذَا قَولُ شَرِيكٍ، قَالَهُ فِي عَقِبِ حَدِيثِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ: «يَعْقِدُ الشَّيطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَاسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ» فَأدْرَجَ ثَابِتُ بنُ مُوسَى فِي الخَبَرِ، وَجَعْلَ قَولَ شَرِيكٍ كَلَامَ النَّبِيِّ -ﷺ-، ثُمَّ سَرَقَ هَذَا مِنْ ثَابِتٍ جَمَاعَةٌ ضُعَفَاءُ، وَحَدَّثُوا بِهِ عَنْ شَرِيكٍ» (^٣).
_________________
(١) روح بن عبادة بن العلاء، أبو محمد البصري، «ت ٢٠٧ هـ»، ثقة فاضل، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ١٩٦٢».
(٢) الفصل للوصل المدرج في النقل ٢/ ٧٤٠ وما بعدها.
(٣) المجروحين ١/ ٢٠٧.
[ ٣١٨ ]
قالَ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ»: «فَعَلَى هَذَا هُوَ مِنْ أَقْسَامِ المُدْرَجِ» (^١).
أقول: ومِنَ الموضوعيَّةِ القولُ بأنَّ مثلَ هذَا لا يُدركُ بالسَّبرِ، بلْ لا بدَّ منْ تنصيصِ مُطَّلعٍ على ما جرى، حتَّى يَحْكُمَ بالإدراجِ، لثبوتِ طريقِ ثابتِ بنِ موسى أوَّلًَا، ولعدمِ وجودِ مخالفةٍ لهُ ثانيًَا، وذلكَ يعني انتفاءَ الدَّواعي التي مِنْ خلالها تتبيَّنُ العلَّةُ في الحديثِ بالسَّبرِ.
فالسَّبرُ يُعتمدُ استقلالًا في الكشفِ عنِ الإدراجِ في بعضِ حالاتِ الحديثِ المُدرجِ، ويُعتمدُ كقرينةٍ مقوِّيةٍ للحكمِ بالإدراجِ، وقدْ يُغفلُ ويُهملُ إذَا انتفتِ الدَّواعي لاعتمادِهِ.
* * *
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة ١/ ٤٣٠.
[ ٣١٩ ]
المَبْحَثُ السَّابِعُ: مَعْرِفَةُ التَّدْلِيسِ فِي الإِسْنَادِ: (^١)
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ التَّدْلِيسِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًَا، وَذِكْرُ أَنْوَاعِهِ:
التَّدليسُ: لغةً: مشتقٌّ مِنَ الدَّلَسِ - بالتَّحريكِ - وهوَ اختلاطُ الظَّلامِ بالنُّورِ، وإخفاءُ العيبِ وكتمانُهُ، سُمِّيَ المدلَّسُ بذلكَ لمَا فيهِ منَ الخفاءِ والتَّغطيةِ (^٢).
اصطلاحًَا: ينقسمُ التَّدليسُ إلى أقسامٍ عدَّةٍ، ترجعُ إلى قسمينِ رئيسينِ، وهمَا:
أوَّلًا: تدليسُ الإسنادِ: وهوَ أنْ يرويَ الرَّاوي عمَّنْ لقيَهُ (^٣) ما لمْ يسمعْ منهُ موهمًا أنَّهُ سمعَهُ منهُ، بصيغةٍ محتمِلَةٍ، كأنْ يقولَ: عنْ فلانٍ، أو أنَّ فلانًا قالَ كذَا …، وقدْ مثَّلَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» لذلكَ بما رواهُ أبو عوانةَ، عنِ الأعمشِ، عنْ إبراهيمَ التَّيميِّ، عنْ أبيهِ، عنْ أبي ذرٍّ أنَّ النَّبيَّ -ﷺ-، قالَ: «فُلَانٌ فِي النَّارِ يُنَادِي: يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ». قالَ أبو عوانةَ (^٤) «ت ٣١٦ هـ»: «قُلْتُ لِلأَعْمَشِ: سَمِعْتَ هَذَا مِنْ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: لَا، حَدَّثَنِي بِهِ حَكِيمُ بنُ جُبَيرٍ عَنْهُ» (^٥).
_________________
(١) انظر علوم الحديث للحاكم ص ١٠٣، والكفاية للخطيب ص ٣٥٥، ومقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٧٣، والاقتراح لابن دقيق العيد ص ٢٠، ورسوم التَّحديث ص ٢٠٩، والمنهل الرَّويّ ص ٧٢، والنُّكت للزَّركشيِّ ٢/ ٦٧، والمقنع في علوم الحديث ١/ ١٥٤، والتَّقييد والإيضاح ص ٩٥، والنُّكت لابن حجر ٢/ ٦١٤، وفتح المغيث ١/ ١٧٩، وتدريب الرَّاوي ١/ ٢٢٣، وشرح نخبة الفكر ص ٤١٦، وقواعد التَّحديث ص ١٣٢.
(٢) انظر لسان العرب - مادة «دلس» ٦/ ٨٦، ومعجم مقاييس اللغة - مادة «دلس» ٢/ ٢٩٦.
(٣) وثمَّة فرق مهمٌّ بين المدلَّس والمرسل الخفيّ، سيأتي الكلام عليه في المبحث الآتي إن شاء الله. انظر ص.
(٤) يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري، الاسفراييني، أبو عوانة، «… - ٣١٦ هـ»، من أكابر حفاظ الحديث، من كتبه: «الصحيح المسند المخرج على صحيح مسلم». انظر تذكرة الحفاظ ٣/ ٧٧٩.
(٥) معرفة علوم الحديث ص ١٠٥.
[ ٣٢٠ ]
ويندرجُ تحتَ تدليسِ الإسنادِ خمسةُ أنواعٍ، وهيَ:
١ - تدليسُ التَّسويةِ: وهوَ أنْ يرويَ المدلِّسُ حديثًَا عنْ ضعيفٍ بينَ ثقتينِ لقيَ أحدُهمَا الآخرَ، فيُسقطُ الضَّعيفَ ويجعلُ بينَ الثِّقتينِ عبارةً موهمةً، فيستوي الإسنادُ كلُّهُ ثقات بحسبِ الظَّاهرِ. قالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «وَهَذَا شَرُّ أَقْسَامِ التَّدْلِيسِ، لِأَنَّ الثِّقَةَ الأَوَّلَ قَدْ لَا يَكُونُ مَعْرُوفًَا بِالتَّدْلِيسِ، وَيَجِدُهُ الوَاقِفُ عَلَى المُسْنَدِ كَذَلِكَ بَعْدَ التَّسْوِيَةِ قَدْ رَوَاهُ عَنْ ثِقَةٍ آَخَرَ، فَيَحْكُمَ لَهُ بِالصِّحَّةِ» (^١).
٢ - تدليسُ العطفِ: وهوَ أنْ يُصرِّحَ الرَّاوي بالتَّحديثِ عنْ شيخٍ لهُ، ويعطفَ عليهِ شيخًا آخرَ لمْ يسمعْ منهُ ذلكَ الحديثَ، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «وَفِيمَا حَدَّثُونَا أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ هُشَيمٍ اجْتَمَعُوا يَومًَا عَلَى أَنْ لَا يَاخُذُوا مِنْهُ التَّدْلِيسَ، فَفَطِنَ لِذَلِكَ، فَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ يَذْكُرُهُ: حَدَّثَنَا حُصَينٌ وَمُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَهُمْ: هَلْ دَلَّسْتُ لَكُمْ اليَومَ؟ فَقَالُوا: لَا. فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مُغِيرَةَ حَرْفًَا مِمَّا ذَكَرْتُهُ، إِنَّمَا قُلْتُ: حَدَّثَنِي حُصَينٌ، وَمُغِيرَةُ غَيرُ مَسْمُوعٍ لِي» (^٢).
٣ - تدليسُ السُّكوتِ: وهوَ أنْ يقولَ: حدَّثنَا أو سمعتُ، ثمَّ يسكتُ برهةً، ثمَّ يذكرُ اسمَ راوٍ موهمًَا أنَّهُ سمعَ منهُ، وهوَ ليسَ كذلكَ. قالَ أبو الأحوصِ (^٣) «ت ٢٧٩ هـ» ذاكرًا تدليسَ هُشيمٍ: «جَلَسْتُ إِلَى جَانِبِهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «أَخْبَرَنَا» يَرْفَعُ
_________________
(١) النُّكت للزَّركشيِّ ٢/ ١٠٥.
(٢) معرفة علوم الحديث ص ١٠٥. وانظر مثالًا آخر على ذلك في نصب الرَّاية ٣/ ٢٧٣.
(٣) محمد بن الهيثم بن حماد الثقفي، البغدادي، «… - ٢٧٩ هـ»، قاضي عكبراء، من ثقات الحفاظ، أخرج له ابن ماجة. انظر تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٠٥.
[ ٣٢١ ]
صَوتَهُ، ثُمَّ يَسْكُتُ، فَيَقُولُ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ نَفْسِهِ: «فُلَانٌ»، ثُمَّ يَرْفَعُ صَوتَهُ: دَاوُدُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ» (^١).
٤ - تدليسُ القطعِ: قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَهُوَ أَنْ يَحْذِفَ الصِّيغَةَ، وَيَقْتَصِرَ عَلَى قَولِهِ مَثَلًَا: الزُّهْرِيُّ عَنْ أَنَسٍ» (^٢). مثالُهُ: ما قالَهُ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، قَالَ: إِمَّا المُغِيرَةُ، وَإِمَّا الحَسَنُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ. لَمْ يَرَ بَاسًَا بِمُصَافَحَةِ المَرْأَةِ التِي قَدْ خَلَتْ مِنْ وَرَاءِ الثَّوبِ». قالَ عبدُ اللهِ: «سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَمْ يَسْمَعْهُ هُشَيمٌ مِنْ مُغِيرَةَ وَلَا مِنَ الحَسَنِ» (^٣).
٥ - تدليسُ الصِّيغةِ: ويُطلقُ عليهِ أيضًَا تدليسُ الإجازةِ، أو المكاتبةِ، أو المناولةِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَيَلْتَحِقُ بِالتَّدْلِيسِ: مَا يَقَعُ مِنْ بَعْضِ المُحَدِّثِينَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالتَّحْدِيثِ أَوْ الإِخْبَارِ عَنِ الإِجَازَةِ مُوهِمًَا لِلسَّمَاعِ، وَلَا يَكُونُ سَمِعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيخِ شَيئًا» (^٤). وممَّنْ وُصفَ بذلكَ أبو نُعيمٍ الأَصبهانيُّ (^٥). ولمْ يرضَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ» بتسميةِ هذَا الصَّنيعِ تدليسًَا (^٦).
_________________
(١) الكفاية في علوم الرِّواية ص ١٦٥. وقد جعل ابن حجر «ت ٨٥٢ هـ» تدليسي السُّكوت والقطع واحدًا، مع أنَّه عرَّف لتدليس القطع مستقلًا، والفرق بينهما واضح، فتدليس السُّكوت فيه إيهام بذكر لفظ التَّحديث أمَّا القطع فالإيهام بحذف لفظ التَّحديث كما أشار إليه ابن حجرٍ في تعريفِهِ لتدليسِ القطعِ، لكنَّهما يشتركان في نيَّة القطع. انظر تعريف أهل التقديس ص ١٦.
(٢) تعريف أهل التَّقديس ص ١٦.
(٣) العلل ومعرفة الرِّجال ٢/ ٢٧٤/ ٢٢٢٩.
(٤) تعريف أهل التَّقديس ص ١٨.
(٥) المصدر ذاته ص ١٨، وانظر لسان الميزان ١/ ٢٠١، وانظر محاماة السّيوطيِّ عنه في فتح المغيث ٢/ ١٢٧.
(٦) جامع التَّحصيل ص ١١٤.
[ ٣٢٢ ]
ثانيًا: تدليسُ الشُّيوخِ: وهوَ أنْ يأتيَ باسمِ شيخِهِ أو كنيتِهِ على خلافِ المشهورِ بهِ تعميةً لأمرِهِ وتوعيرًَا للوقوفِ على حالِهِ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «مِثَالُهُ: مَا رُوِيَ لَنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ ابنِ مُجَاهِدٍ الإِمَامِ المُقْرِئِ أَنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ "عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي دَاوُدَ السِّجستَانِيِّ". فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ. وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ "مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ النَّقَّاشِ" المُفَسِّرِ، المُقْرِئِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ سَنَدٍ، نَسَبَهُ إِلَى جَدٍّ لَهُ» (^١).
ثالثًا: تدليسُ البلدانِ والأماكنِ: قالَ ابنُ دقيقٍ العيدِ «ت ٧٠٢ هـ»: «أَوْ ذَكَرَ لَفْظًَا مُشْتَرَكًَا يَنْطَلِقُ فِي المَشْهُورِ عَلَى غَيرِ المَوضِع الذِي أَرَادَهُ، كَمَا إِذَا قَالَ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ بِحَلَبٍ وَيُرِيدُ مَوضِعًَا مُتَّصِلًَا بِالقَاهِرَةِ، أَوْ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَيُرِيدُ أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ أَحَدِ جَانِبَي بَغْدَادَ إِلَى الآَخَرِ، وَالنَّهْرُ دِجْلَةُ» (^٢). وكراهةُ هذا النَّوعِ لما فيهِ منْ إيهامِ الرِّحلةِ في طلبِ الحديثِ.
رابعًا: تدليسُ المتونِ: ذكرَهُ أبو المظفَّرِ السَّمعانيُّ «ت ٤٨٩ هـ»، فقالَ: «وَأَمَّا مَنْ يُدَلِّسُ فِي المُتُونِ فَهَذَا مُطَّرِحُ الحَدِيثِ مَجْرُوحُ العَدَالَةِ، وَهُوَ مِمَّنْ يُحَرِّفُ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، فَكَانَ مُلْحَقًَا بِالكَذَّابِينَ، وَلَمْ يُقْبَلْ حَدِيثُهُ» (^٣).
_________________
(١) تعريف أهل التَّقديس ص ١٨.
(٢) الاقتراح في علوم الاصطلاح ص ٢٠.
(٣) قواطع الأدلَّة في الأصول ١/ ٣٤٩.
[ ٣٢٣ ]
المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ الحَدِيثِ المُدَلَّسِ، وَمَذَاهِبُ العُلَمَاءِ فِي حُكْمِ التَّدْلِيسِ:
تبيَّنَ في تعريفِ التَّدليسِ وأقسامِهِ أنَّهُ ضربٌ منَ الإيهامِ، وإخفاءٌ للعيبِ، وليسَ بكذبٍ، وقدَ اختلفَ العلماءُ في حكمِ التَّدليسِ على أربعةِ مذاهبَ (^١)، نقتصرُ على إيرادِ مذهبِ جمهورِ أهلِ الحديثِ:
قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «خَبَرُ المُدَلِّسِ لَا يُقْبَلُ إِلَّا أَنْ يُورِدَهُ عَلَى وَجْهٍ مُبَيَّنٍ غَيرِ مُحْتَمِلٍ لِلإِيهَامِ، فَإِنْ أَورَدَهُ عَلَى ذَلِكَ قُبِلَ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا» (^٢). وصحَّحهُ ابنُ الصَّلاحِ (^٣)، وأخذَ بهِ جمهورُ الفقهاءِ، لا سيمَا الشَّافعيُّ، فإنَّهُ أجراهُ فيمنْ عرفناهُ دلَّسَ مرَّةً (^٤). ويدلُّ على صحَّةِ ذلكَ أنَّ في الصَّحيحينِ وغيرِهمَا مِنَ الكتبِ المعتمدةِ كثيرًَا مِنْ أصحابِ هذَا الضَّربِ ممَّا صرَّحَ فيهِ بالسَّماعِ، كقتادةَ، والأعمشِ، وغيرِهِمْ.
وبهذَا يتبينُ حكمُ الحديثِ المدلَّسِ، فمَا وردَ بصيغةٍ مُحتملَةٍ للسَّماعِ كالعنعنةِ، فهوَ ضعيفٌ مردودٌ، لما فيهِ منْ شبهةِ انقطاعٍ بينَ المدلِّسِ ومَنْ عنعنَ عنهُ، فقدْ يكونُ السَّاقطُ شخصًَا أو أكثرَ، وقدْ يكونُ ثقةً أو ضعيفًَا (^٥).
_________________
(١) انظر تفصيل المذاهب في الكفاية ص ٣٦١، ومقدِّمة ابن الصَّلاح ٧٥، والنُّكت للزَّركشيِّ ٢/ ٨١ و٨٩.
(٢) الكفاية في علوم الرواية ص ٣٦١.
(٣) مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٧٣.
(٤) قال الشَّافعي «ت ٢٠٤ هـ»: «ومن عرفناه دلَّس مرَّة فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بالكذب فنردُّ بها حديثه، ولا النَّصيحة في الصِّدق، فنقبل منه ما قبلنا من أهل النَّصيحة في الصِّدق». الرسالة ص ٣٧٩.
(٥) الجمهور على أنَّ الحديث المعنعن من الحديث المتَّصل بشرطين: أن يثبت لقاء الرَّاوي لمن روى عنه بالعنعنة، وأن يكون بريئًا من وصمة التَّدليس. إلا أنَّ مسلمًا خالف في اشتراط التَّنصيص على ثبوت اللقاء = = واكتفى بشرط المعاصرة. انظر تفصيل ذلك في التَّمهيد ١/ ١٢، وابن الصَّلاح ص ٦١، وشرح علل التِّرمذي ٣٦٥ - ٣٧٣.
[ ٣٢٤ ]
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ التَّدْلِيسِ فِي الإِسْنَادِ:
الحديثُ المُدلَّسُ مِنَ الأهميَّةِ والخطورةِ بمكانٍ، لما فيهِ مِنَ الغموضِ والخفاءِ، ولأجلِ ذلكَ فقدْ سلكَ المحدِّثونَ شتَّى السُّبلِ في بيانِهِ وبيانِ الرُّواةِ الموصومينَ بهِ، حيثُ قامُوا بتعيينِ الرُّواةِ المدلِّسينَ، أعيانِهِمْ، وأماكنِهِمْ، وطبقاتِهِمْ:
فقامُوا أوَّلًا بحصرِ أماكنِهِمْ منَ البلدانِ، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «أَهْلُ الحِجَازِ، وَالحَرَمَينِ، ومِصْرَ، وَالعَوَالِي، وخُرَاسَانَ، وَالجِبَالِ، وَأَصْبَهَانَ، وَبِلَادِ فَارِسٍ، وَخَوزَسْتَانَ، وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًَا مِنْ أَئِمَّتِهِمْ دَلَّسُوا. وَأَكْثَرُ المُحَدِّثِينَ تَدْلِيسًَا: أَهْلُ الكُوفَةِ، وَنَفَرٌ يَسِيرٌ مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ. وَأَمَّا أَهْلُ بَغْدَادَ فَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا التَّدْلِيسُ، إِلَّا أَبَا بَكْرٍ البَاغَنْدِيُّ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ التَّدْلِيسَ بِهَا، وَمَنْ دَلَّسَ مِنْ أَهْلِهَا إِنَّمَا تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ» (^١). وقالَ الشَّافعيُّ «ت ٢٠٤ هـ» نافيًَا وجودَ التَّدليسِ في أهلِ بلدِهِ «مكَّةَ المكرَّمَةَ»: «لَمْ يُعْرَفِ التَّدْلِيسُ بِبَلَدِنَا فِيمَنْ مَضَى، وَلَا مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَّا حَدِيثًَا» (^٢).
وهذهِ مرحلةٌ مُجْمِلَةٌ لأماكنِ هؤلاءِ الرُّواةِ، وتأتي بعدهَا المرحلةُ المُفصِّلةُ ببيانِ أسمائِهِمْ وَطبقاتِهِمْ، ولهذَا الغرضِ ألَّفَ المحدِّثونَ مصنَّفاتٍ كثيرةً في ذلكَ، مِنْ أشهرِهَا:
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص ١١١.
(٢) الرِّسالة ص ٣٧٨.
[ ٣٢٥ ]
١ - التَّبيينُ لأسماءِ المدلِّسينَ - لبرهانِ الدين الحلبي (^١).
٢ - تعريفُ أهلِ التَّقديسِ بمراتبِ الموصوفينَ بالتَّدليسِ - للحافظِ ابنِ حجرٍ (^٢): وهوَ أجمعُهَا وأوسعُهَا إحصاءً، وقدْ بلغَ مجموعُ ما احتواهُ «١٥٢» مدلِّسًَا فقطْ (^٣).
هذَا بالنِّسبةِ للرُّواةِ المدلِّسينَ، أمَّا الحديثُ المدلَّسُ فثمَّةَ طريقتانِ لمعرفتِهِ:
الطَّريقةُ الأولى: إخبارُ المدلِّسِ نفسِهِ عنْ التَّدليسِ وعدمِ السَّماعِ:
فمنَ السُّبلِ التي اعتمدَهَا الأئمَّةُ لمعرفةِ الأحاديثِ المدلَّسةِ هيَ تفقُّدُ السَّماعِ مِنْ فمِ الرَّاوي نفسِهِ، وتوقيفِهِ على ما لمْ يسمعْ، ليُعلَمَ بهِ وقوعُ التَّدليسِ أو عدمُ السَّماعِ.
وهذَا ما كانَ يفعلُهُ شعبةُ «ت ١٦٠ هـ» فيمنْ ذُكرَ بالتَّدليسِ مِنْ شيوخِهِ، كقتادةَ والسَّبيعيِّ فكانَ يقولُ: «كُنْتُ أَتَفَقَّدُ فَمَ قَتَادَةَ، فَإِذَا قَالَ: سَمِعْتُ أَوْ حَدَّثَنَا، حَفِظْتُ. وَإِذَا قَالَ: حَدَّثَ فُلَانٌ، تَرَكْتُهُ» (^٤). وقالَ ابنُ مهديٍّ «ت ١٩٨ هـ»: «كُنْتُ مَعَ سُفْيَانَ عِنْدَ عِكْرِمَةَ بنِ عَمَّارٍ، فَجَعَلَ يُوقِفُهُ عَلَى كُلِّ حَدِيثٍ عَلَى السَّمَاعِ» (^٥). وقالَ القطَّانُ «ت ١٩٨ هـ»:
_________________
(١) طبع في مؤسَّسة الريَّان - بيروت - ١٤١٤ هـ - بتحقيق: محمد إبراهيم الموصلي. وللخطيب البغداديِّ كتابٌ يحمل الاسم نفسه، أشار إليه في الكفاية ص ٣٦١، وصنَّف كتابين لبيان نوع من أنواع التَّدليس.
(٢) طبع في مكتبة المنار - عمان - ١٤٠٣ هـ - تحقيق: د. عاصم بن عبد الله القريوتي.
(٣) قال شيخنا نور الدِّين: «ومن هنا فإنا لا نستطيع أن نوافق الباحث الفاضل الدكتور صبحي الصالح على قوله: "ما أقلَّ من سلم من التَّدليس" فهذا قول مبالغ جدًّا في تضخيم أمر التَّدليس، وغلوّ لا تسنده الحقيقة العلميَّة. وهذا أوسع إحصاء للمدلِّسين يبلغ مئة واثنين وخمسين مدلِّسًا من بين آلاف الرُّواة، ممَّا يدلُّ على أنَّ الأَولى أن نقول: "ما أكثر من سلم من التَّدليس"». منهج النَّقد ص ١٣٩.
(٤) الجرح والتَّعديل ١/ ١٦١.
(٥) المصدر ذاته ١/ ٦٨.
[ ٣٢٦ ]
«شَهِدْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ لِأَبِي الأَشْهَبِ: قُلْ: سَمِعْتُ، قُلْ: سَمِعْتُ» (^١). وبذلكَ يتعرَّفونَ الأحاديثَ متَّصلةَ السَّماعِ منْ المُدلَّسَةِ، وكذلكَ يتعرَّفونَ المُسقَطَ مِنَ الرُّواةِ بالتَّدليسِ، قالَ الإمامُ مالكٌ «ت ١٧٩ هـ»: «كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى الزُّهْرِيِّ وَإِلَى مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ، فَيَقُولُ الزُّهْرِيُّ: قَالَ ابنُ عُمَرَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسْنَا إِلَيهِ، فَقُلْنَا لَهُ: الذِي ذَكَرْتَ عَنِ ابنِ عُمَرَ، مَنْ أَخْبَرَكَ بِهِ؟ قَالَ: ابنُهُ سَالِمٌ» (^٢).
الطَّريقةُ الثَّانيةُ: السَّبْرُ وَمُقارنةُ الأسانيدِ:
يُشترطُ في الحديثِ حتَّى يُحمَلَ السَّقطُ فيهِ بالسَّبرِ على التَّدليسِ ثلاثةُ شروطٍ: أنْ يكونَ مِنْ راوٍ مُدلِّسٍ، وبصيغةٍ مُحتملةٍ للسَّماعِ، وإمكانُ اللقاءِ بينَ الرَّاوي ومَنْ روى عنهُ تدليسًَا، لأننَّا إذَا سبرنَا حديثًَا ما، ووجدنَا سقطًَا في الرُّواةِ، فيمكنُ حملُهُ على مُجرَّدِ الانقطاعِ، أو على العالي والنَّازلِ إذَا كانَ مُتَّصلًا على الجهتينِ، أو على المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ إنْ كانَ وهمًَا، وكذلكَ الصِّيغةُ مُحتمِلةُ السَّماعِ إذَا كانتْ مِنْ غيرِ مُدلِّسٍ يُحملُ الحديثُ على مُطلقِ الاتِّصالِ، فالسَّقطُ في غيرِ حديثِ المدلِّسِ يُحملُ على غيرِ التَّدليسِ، والصِّيغَةُ مُحتملةُ السَّماعِ في غيرِ حديثِ المدلِّسِ تُحملُ على التَّحديثِ.
وهذَا مدخلٌ مهمٌّ لبيانِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ التَّدليسِ، لأنَّنَا بذلكَ نكونُ قدِ استبعدْنَا منْ دائرَةِ السَّبرِ والتَّتبُّعِ الرُّواةَ غيرَ المدلِّسينَ، وكذلكِ أحاديثَهُمْ ومرويَّاتِهِمْ، وأحاديثَ ومرويَّاتِ المدلِّسينَ مُتَّصلةَ السَّماعِ، ونحصرُ عملَنَا بمرويَّاتِ منْ عرفَنْاهُ موصومًا
_________________
(١) المصدر ذاته ١/ ٨٢.
(٢) العلل ومعرفة الرِّجال ١/ ٢٩٤.
[ ٣٢٧ ]
بالتَّدليسِ، قالَ الإمامُ مسلمٌ «ت ٢٥٦ هـ»: «وَإِنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ سَمَاعَ رُوَاةِ الحَدِيثِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ، إِذَا كَانَ الرَّاوِي مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِي الحَدِيثِ وَشُهِرَ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَاعِهِ فِي رِوَايَتِهِ وَيَتَفَقَّدُونَ ذَلِكَ مِنْهُ كَي تَنْزَاحَ عَنْهُمْ عِلَّةُ التَّدْلِيسِ» (^١).
والغرضُ مِنَ السَّبرِ يتحقَّقُ فيمَا يأتي:
١ - الحُكْمُ عَلَى الحَدِيثِ بِالتَّدْلِيسِ بِشَكْلٍ قَطْعِيٍّ: بالتأكُّدِ منْ خلالِ السَّبرِ منْ عدمِ وجودِ طريقٍ مُصرِّحةٍ بالسَّماعِ، أو باتِّفاقِ المتابعاتِ على الصِّيغةِ المحتمِلَةِ (^٢)، أو باجتماعِ الرُّواةِ عنِ المدَّلسِ بصيغةِ التَّدليسِ. قالَ أبو العبَّاسِ الطَّبريُّ (^٣) «ت ٣٣٥ هـ» في بيانِهِ لفوائدِ تحفُّظِ طُرقِ الأخبارِ: «وَفِيهِ أَنَّهُمْ إِذَا اسْتَقْصَوا فِي مَعْرِفَةِ طُرُقِ الخَبَرِ عَرَفُوا بِهِ غَلَطَ الغَالِطِ إِذَا غَلَطَ، وَمَيَّزُوا كَذِبَ المُدَلِّسِ وَتَدْلِيسَ المُدَلَّسِ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَقْصِ المَرْءُ فِي طُرُقِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَى طَرِيقٍ وَاحِدٍ كَانَ أَقَلَّ مَا يَلْزَمُهُ إِذَا دُلِّسَ عَلَيهِ فِي الرِّوَايَةِ أَنْ يَقُولَ: لَعَلَّهُ قَدْ رُوِيَ وَلَمْ أَسْتَقْصِ فِيهِ، فَرَجَعَ بِالَّلائِمَةِ وَالتَّقْصِيرِ عَلَى نَفْسِهِ» (^٤).
_________________
(١) صحيح مسلم ١/ ٣٣.
(٢) فإذا كان المتابعون للرَّاوي غير مدلِّسين حملتِ العنعنةُ على التحديثِ، وإن كانت من مدلس.
(٣) أحمد بن أحمد الطبري، البغدادي، أبو العباس بن القاص، «… - ٣٣٥ هـ» - شيخ الشافعية في طبرستان، من كتبه: «أدب القاضي»، و«المواقيت»، و«فوائد حديث أبي عمير». انظر غنية الملتمس للخطيب ص ٩٢، والأعلام للزركلي ١/ ٩٠.
(٤) فوائد حديث أبي عمير ١/ ٣٤.
[ ٣٢٨ ]
وقدْ أشارَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في الفتحِ إلى كلامِ الطَّبريِّ هذَا، ثمَّ لخَّصَ بعضَ كلامِهِ، فقالَ: «ثُمَّ ذَكَرَ فَصْلًَا فِي فَائِدَةِ تَتَبُّعِ طُرُقِ الحَدِيثِ … وَفِيهَا الاِطِّلَاعُ عَلَى عِلَّةِ الخَبَرِ بِانْكِشَافِ غَلَطِ الغَالِطِ، وَبَيَانِ تَدْلِيسِ المُدَلِّسِ، وَتَوصِيلِ المُعَنْعَنِ» (^١).
٢ - وُرُودُ الحَدِيثِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى غَيرِ مُدَلَّسَةٍ بِصِيغَةِ التَّحْدِيثِ: وكلامُ ابنِ حجرٍ السَّابقُ في فوائدِ تتبُّعِ طرقِ الحديثِ بتوصيلِ المعنعنِ جليٌّ، وقالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» في معرضِ سردِهِ لفوائدِ المُستخرجاتِ: «وَمِنْهَا: أَنْ يُرْوَى فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُدَلِّسٍ بِالعَنْعَنَةِ، فَيَرْوِيهِ المُسْتَخْرِجُ بِالتَّصْرِيحِ بِالسَّمَاعِ» (^٢).
٣ - فقدْ يروي المدلِّسُ الحديثَ متَّصلَ السَّماعِ بالعنعنةِ مرَّةً وبالتَّحديثِ أُخرى، ويُدركُ ذلكَ بمجيئِهِ منْ طريقٍ أُخرى، سواءٌ كانَ التَّصريحُ بالسَّماعِ مِنَ الرَّاوي نفسِهِ (^٣) أو مِنْ غَيرِهِ ممَّنْ تابعَهُ على روايتِهِ، وعلى هذَا حملَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ» أحاديثَ المدلِّسينَ في الصَّحيحينِ، فقالَ: «المُدَلِّسُ إِذَا قَالَ: «عَنْ»، لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ سَمَاعُهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَإِنَّ مَا كَانَ فِي الصَّحِيحَينِ مِنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى ثُبُوتِ سَمَاعِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى» (^٤).
_________________
(١) فتح الباري ١٠/ ٥٨٥.
(٢) تدريب الرَّاوي ١/ ١١٦.
(٣) قال العينيُّ «ت ٨٥٥ هـ»: «المدلِّس إذا صرَّح بالتَّحديث، وكان صدوقًا، زالت تهمة التَّدليس». فيُشترط في المدلِّس حتى يُقبل تصريحه من طريق أخرى أن يكون ثقة أو صدوقًا، وكذلك يُشترط فيمن صرَّح من الرُّواة غير المدلِّس بالتَّحديث من طريق أخرى أيضًا أن يكون كذلكَ. انظر عمدة القاري ٣/ ٤٨.
(٤) شرح النَّوويِّ على مسلم ١/ ٧٣. وانظر نقاش الزَّركشيِّ لكلام النَّوويِّ في نكته ٢/ ٩٣. وقال القاسميُّ «ت ١٣٣٢ هـ»: «وإيثار صاحب الصَّحيح طريق العنعنة لكونها على شرطه دون تلك». قواعد التحديث ١/ ١٣٢.
[ ٣٢٩ ]
وقدْ أوردَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ» أمثلةً تدعمُ قولَهُ في شرحِهِ لصحيحِ مسلمٍ، فقالَ في حديثِ «وفدِ ثقيفٍ» (^١): «قَولُهُ: «وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ يَحْيَى، وَإِسْمَاعِيلُ بنُ سَالِمٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا هُشَيمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ» ثُمَّ قَالَ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا: «قَالَ ابْنُ سَالِمٍ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ هَذَا». فِيهِ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ دَقَائِقِ هَذَا العِلْمِ وَلَطَائِفِهِ … وَهِيَ أَنَّ هُشَيمًَا مُدَلِّسٌ، وَقَدْ قَالَ فِي الرِّوَايَةِ المُتَقَدِّمَةِ: عَنْ أَبِي بِشْرٍ، … فَبَيَّنَ مُسْلِمٌ أَنَّهُ ثَبَتَ سَمَاعُهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ سَالِمٍ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ» (^٢). وهذَا مثالُ التَّصريحِ بالسَّماعِ مِنَ الرَّاوي نفسِهِ.
وأمَّا التَّصريحِ بالسَّماعِ منْ راوٍ آخرَ، فمثالهُ حديثُ جريرٍ -﵁- في مُبايعتِهِ للنَّبيِّ -ﷺ- (^٣)، قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَأَمَّا قَولُهُ - أي: مُسْلِمٌ - حَدَّثَنَا سُرَيجٌ وَيَعْقُوبُ، قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ. ثُمَّ قَالَ مُسْلِمٌ فِي آَخِرِهِ: قَالَ يَعْقُوبُ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى لَطِيفَةٍ، وَهِيَ أَنَّ هُشَيمًَا مُدَلِّسٌ، وَقَدْ قَالَ: عَنْ سَيَّارٍ …، فَرَوَى مِسْلِمٌ ﵀ حَدِيثَهُ هَذَا عَنْ شَيخَينِ، وَهُمَا سُرَيجٌ وَيَعْقُوبُ، فَأمَّا سُرَيجٌ فَقَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ عَنْ سَيَّارٍ، وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، فَبَيَّنَ مُسْلِمٌ ﵀ اخْتِلَافَ عِبَارَةِ الرِّوَايَتِينِ فِي نَقْلِهِمَا عِبَارَتَهُ، وَحَصَلَ مِنْهَا اِتِّصَالُ حَدِيثِهِ» (^٤).
_________________
(١) انظر الحديث وكلام الإمام مسلم في صحيحه ١/ ٢٥٩/ ر ٣٢٨.
(٢) شرح النووي على مسلم ٤/ ١٠.
(٣) انظر الحديث وكلام الإمام مسلم في صحيحه ١/ ٧٥/ ر ٥٦.
(٤) شرح النووي على مسلم ٢/ ٤٠.
[ ٣٣٠ ]
وقدْ بيَّنَ ابنُ حبَّانَ أنَّ ابنَ عُيينةَ لا يكادُ يوجدُ لهُ خبرٌ دلَّسَ فيهِ إلَّا وُجِدَ ذلكَ الخبرُ بعينِهِ قدْ تبيَّنَ سماعُهُ عنْ ثقةٍ (^١).
٤ - بيانُ الرَّاوي السَّاقطِ بالعنعنةِ منْ طريقٍ أُخرى: ثقةً كانَ أو ضعيفًَا، واحدًا كانَ أو أكثرَ، قالَ الدكتورُ عبدُ اللهِ الجديعُ في ذكرِهِ للطَّريقةِ الثَّانيةِ مِنْ طُرقِ الكشفِ عنِ التَّدليسِ: «مُقَارَنَةُ الأَسَانِيدِ: فَيَكْشِفُ بِذَلِكَ مَنْ أُسْقِطَ فِي مَوضِعِ العَنْعَنَةِ لِلشَّيخِ المعَيَّنِ، مَعْ إِدْرَاك ذَلِكَ الشَّيخِ وَسَمَاعِهِ فِي الأَصْلِ مِمَّنْ عَنْعَنَ عَنْهُ» (^٢).
وقدْ مثَّلَ الإمامُ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ» لذلكَ بحديثِ عائشةَ -﵁- مرفوعًَا: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ». فقالَ: «أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ مِنْ حَدِيثِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًَا: "لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ". ثُمَّ قَالَ - التِّرْمِذِيُّ -: هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ. سَمِعْتُ مُحَمَّدًَا يَقُولُ: رُوِيَ عَنْ غَيرِ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ: مُوسَى بنُ عُقْبَةَ، وَابنُ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُلَيمَانَ بنِ أَرْقَمَ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -﵁- مَرْفُوعًَا، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَالحَدِيثُ هُوَ هَذَا» (^٣). فبيَّنَ البُخاريُّ في هذَا الحديثِ مِنْ طريقٍ أُخرى راويينِ سقطَا مِنَ السَّندِ، وهمَا سُليمانُ بنُ أرقمَ ويحيى بنُ أبي كثيرٍ.
_________________
(١) صحيح ابن حبان ١/ ١٦١.
(٢) تحرير علوم الحديث ٢/ ٩٨٤.
(٣) النكت للزَّركشيِّ ٢/ ٧٤.
[ ٣٣١ ]
وهذَا بالنَّسبةِ لتدليسِ الإسنادِ، أمَّا تدليسُ الشُّيوخِ فبالسَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ تُعرفُ وتنحصرُ نعوتُ الرَّاوي المتعدِّدةُ، والمرجعُ في معرفةِ ذلكَ وإزالةُ اللَّبسِ الحاصلِ بهِ: كُتبُ الرِّجالِ وكُتبُ مَنْ ذُكرَ بأسماءٍ مُختلفةٍ أو نعوتٍ مُتعدِّدةٍ، قالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «وَهُوَ - أَي: عِلْمُ مَنْ ذُكِرَ بِأَسْمَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ نُعُوتٍ مُتَعَدِّدَةٍ - فَنٌّ عَوِيصٌ تَمَسُّ الحَاجَةُ إِلَيهِ لِمَعْرِفَةِ التَّدْلِيسِ» (^١). وزادَ الأنصاريُّ «ت ٨٠٤ هـ»: «فَإِنَّ أَكْثَرَ ذَلِكَ إِنَّمَا نَشَأَ مِنْ تَدْلِيسِهِمْ» (^٢).
وممَّنْ ألَّفَ في ذلكَ:
١ - الحافظُ الأزديُّ «ت ٤٠٩ هـ» كتابًا أسماهُ «إيضاحُ الإشكالِ في الرِّواياتِ» (^٣).
٢ - الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ» كتابًا أسماهُ «موضعُ أوهامِ الجمعِ والتَّفريقِ» (^٤).
قالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٧٧ هـ» ممثِّلًا لتدليسِ الشُّيوخِ: «وَمِثْلُ مَا يَرْوِيهِ الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَيُوهِمُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الأَوزَاعِيَّ، وَإِنِّمَا أَرَادَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ يَزِيدَ بنِ تَمِيمٍ، وَهُمَا جَمِيعًَا قَدْ سَمِعَا مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَالوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ قَدْ سَمِعَ مِنْهُمَا، وَالأَوزَاعِيُّ ثِقَةٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابنُ يَزِيدٍ ضَعِيفٌ، وَقَدْ يَكُونُ الحَدِيثُ يَرْوِيهِ الثِّقَةُ عَنِ الثِّقَةِ، وَلَا يَكُونُ صَحِيحًَا لَعِلَّةٍ دَخَلَتْهُ مِنْ جِهَةِ غَلَطِ الثِّقَةِ فِيهِ» (^٥).
_________________
(١) التَّقريب ص ٢٣.
(٢) المقنع في علوم الحديث ٢/ ٥٦٢.
(٣) توجد نسخة منه في المكتبة الآصفيَّة - الهند - حيدر آباد - رقم الحفظ: «٣/ ٣٢٤» رقم «١٩٠».
(٤) تناول فيه بالتَّفصيل كلَّ راو ممَّن تعدَّدت أسماؤه ونعوته، وما وقع فيه من الأوهام بسبب ذلك. طبع الكتاب في دار المعرفة - بيروت - ١٤٠٧ هـ - في مجلَّدين - بتحقيق: د. عبد المعطي أمين قلعجي.
(٥) التَّعديل والتَّجريح ١/ ٢٩٧.
[ ٣٣٢ ]
ثمَّ قالَ مُعقِّبًا ومبيِّنًا الطَّريقَ للكشفِ عنْ ذلكَ: «وَهَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّهَا لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِهَذَا الشَّانِ وَتَتَبُّعِ طُرُقِ الحَدِيثِ وَاخْتِلَافِ الرُّوَاةِ فِيهِ، وَعَرَفَ الأَسْمَاءَ وَالكُنَى، وَمَنْ فَاتَتْهُ الرِّوَايَةُ عَمَّنْ عَاصَرَهُ وَمَنْ لَمْ تَفُتْهُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، وَمَنْ كَانَ مِنْ شَانِهِ التَّدْلِيسُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَاكَ مِنْ شَانِهِ» (^١).
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الحديثِ المدلَّسِ منْ خلالِ التَّطبيقاتِ الآتيةِ:
سأقتصرُ على بيانِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ تدليسِ الشُّيوخِ، وتدليسِ الإسنادِ بعمومِهِ دونَ فروعهِ، خلا تدليسَ التَّسويةِ لشيوعِهِ وخطورتِهِ.
تدليسُ الإسنادِ: مثالُهُ: حديثُ رافعِ بنِ خَدِيجٍ -﵁-، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ».
* الحديثُ أخرجَهُ أبو داودَ «ر ٤٢٤»، وابنُ ماجةَ «ر ٦٧٢»، وابنُ حنبلٍ «ر ١٧٢٩٦»، وابنُ حبَّانَ «ر ١٤٩١»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٤٢٨٣»، منْ طريقِ ابنِ عيينةَ (^٢)، عنْ محمَّدِ بنِ عجلانَ، عنْ عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ، عنْ محمودِ بنِ لبيدٍ، عنْ رافعِ بنِ خديجٍ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.
وتابعَهُ سفيانُ الثَّوريُّ (^٣)، عندَ الطَّبرانيِّ في المعجمِ الكبيرِ «ر ٤٢٨٣»، والأصبهانيِّ في معرفةِ الصَّحابةِ «ر ٢٦٥٣»، وعبدِ الرَّزاقِ في مُصنَّفِهِ «ر ٢١٥٩».
_________________
(١) المصدر ذاته.
(٢) تقدمت ترجمته ص ٢٣٠.
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٦١.
[ ٣٣٣ ]
ويحيى بنُ سعيدٍ القطَّانُ (^١)، عندَ النَّسائيِّ في الكبرى «ر ١٥٣»، وابنِ حبَّانَ «ر ١٤٨٩».
وسليمانُ بنُ حيَّانَ (^٢)، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٧٣١٨»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٣٢٤٢».
* وأخرجَهُ التِّرمذيُّ «ر ١٥٤»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٤٢٨٦»، والطَّيالسيُّ «ر ٩٥٩»، والأصبهانيُّ في معرفةِ الصَّحابةِ «ر ٢٦٥٤»، والبيهقيُّ «ر ١٩٨٩»، والدَّارميُّ «ر ١٢١٧»، وابنُ أبي شيبةَ «ر ٦٥»، منْ طريقِ محمَّدِ بنِ إسحاقَ (^٣)، عنْ عاصمِ بنِ عمرَ، عنْ محمودِ بنِ لبيدٍ، عنْ رافعٍ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.
فخالفَ ابنُ إسحاقَ جميعَ الرُّواةِ الثِّقاتِ بإسقاطِ ابنِ عجلانَ، وقدْ رواهُ بالعنعنةِ وهوَ مُدلِّسٌ (^٤)، فاتَّضحَ تدليسُهُ في ذلكَ، إلَّا أنَّهُ وبالسبرِ فقدْ تبيَّنَ أنَّ الحديثَ أخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر ١٥٨٥٧» منْ طريقِ ابنِ إسحاقَ، قالَ: أنبأنَا ابنُ عجلانَ، عنْ عاصمِ بنِ عمرَ … الخ. فذكرَ ابنَ عجلانَ وبصيغةِ الإنباءِ، فتبيَّنَ السَّاقطُ مِنَ الرُّواةِ بالتَّدليسِ مِنَ الحديثِ مِنْ طريقِ الرَّاوي نفسِهِ ومِنْ طريقِ غيرِهِ كذلكَ.
تدليسُ التَّسويةِ: مثالُهُ: حديثُ ابنِ عمرَ -﵁- أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قالَ: «إذَا ضَنَّ النَّاسُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ، وَتَبِعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ ذُلًّا فَلَمْ يَرْفَعْهُ عَنْهُمْ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينَهُمْ».
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٢٧٤.
(٢) سليمان بن حيان الأزدي، أبو خالد الأحمر، «ت ١٩٠ هـ»، صدوق يخطئ، أخرج له الستة. انظر التهذيب «ر ٣١٣»، والتقريب «ر ٢٥٤٧».
(٣) محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي، «ت ١٥٠ هـ»، صدوق، يدلس، رمي بالتشيع والقدر، أخرج له «خت م ٤». انظر التهذيب «ر ٥١»، والتقريب «ر ٥٧٢٥».
(٤) انظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٤٠٥/ ٥٠٥٧، وتقريب التَّهذيب ص ٤٦٧/ ٥٧٥٢٥.
[ ٣٣٤ ]
* الحديثُ أخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر ٤٨٢٥»، والطبرانيُّ في الكبيرِ «ر ١٣٥٨٣»، مِنْ طَريقِ الأعمشِ (^١)، عنْ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، عنِ ابنِ عمرَ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.
* وأخرجَهُ البيهقيُّ «ر ١٠٤٨٤»، والطبرانيُّ في مسندِ الشَّاميينَ «ر ٢٤١٧»، والأصبهانيُّ في حليةِ الأولياءِ «١/ ٣١٤»، مِنْ طريقِ إسحاقَ بنِ أُسيدٍ الخراسانيِّ (^٢)، أنَّ عطاءً الخراسانيَّ حدَّثهُ، أنَّ نافعًا حدَّثهُ، عنِ ابنِ عمرَ -﵁- … الحديث.
فبسبرِ طرقِ هذَا الحديثِ يتبيَّنُ لنَا في الطَّريقِ الأوَّلِ أنَّ نافعًَا سقطَ منْ بينِ عطاءٍ وابنِ عمرَ -﵁-، وقدْ بيَّنَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» تدليسَ التَّسويةِ في طريقِ الأعمشِ بردِّهِ لتصحيحِ ابنِ القطَّانِ لهذَا الطَّريقِ، فقالَ: «قُلْت: وَعِنْدِي أَنَّ إسْنَادَ الْحَدِيثِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ مَعْلُولٌ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَونِ رِجَالِهِ ثِقَاتٍ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، لِأَنَّ الْأَعْمَشَ مُدَلِّسٌ، وَلَمْ يُنْكِرْ سَمَاعَهُ مِنْ عَطَاءٍ، وَعَطَاءٌ يُحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، فَيَكُونُ فِيهِ تَدْلِيسُ التَّسْوِيَةِ بِإِسْقَاطِ نَافِعٍ بَينَ عَطَاءٍ وَابْنِ عُمَرَ، فَرَجَعَ الْحَدِيثُ إلَى الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ» (^٣).
تَدْلِيسُ الشُّيُوخِ: مثالُهُ: حديثُ عائشةَ -﵁-: «اكْتَحَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَهُوَ صَائِمٌ».
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٢٤٩.
(٢) إسحاق بن أسيد الخراساني، أبو عبد الرحمن، قال أبو حاتم: «شيخ، ليس بالمشهور، ولا يشغل به». وقال ابن عدي والحاكم: «مجهول». وقال ابن حبان: «يخطئ». وقال الأزدي: «منكر الحديث، تركوه». وقال ابن حجر: «فيه ضعف». أخرج له «د جه». انظر الجرح والتعديل «ر ٧٢٨»، والثقات «ر ٦٦٧٧»، والضعفاء لابن الجوزي «ر ٣٠٦»، والتهذيب «ر ٤١٩»، والتقريب «ر ٣٤٢».
(٣) التَّلخيص الحبير ٣/ ١٩.
[ ٣٣٥ ]
* الحديثُ أخرجَهُ ابنُ ماجةَ «ر ١٦٧٨»، منْ طريقِ بقيَّةَ بنِ الوليدِ (^١)، عنِ الزُّبيديِّ، عنْ هشامِ بنِ عروةَ، عنْ أبيهِ، عنْ عائشةَ -﵁-.
* وأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في المعجمِ الصَّغيرِ «ر ٤٠١»، مِنَ الطَّريقِ ذاتِهِ إلَّا أنَّهُ سمَّى الزُّبيديَّ ب «محمَّدِ بنِ الوليدِ».
* وأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في مسندِ الشَّاميِّينَ «ر ١٨٣٠»، وأبو يعلى في مسندِهِ «ر ٤٧٩٢»، والبيهقيُّ في السُّننِ «ر ٨٤٧»، وابنُ عديٍّ في الكاملِ «٣/ ٤٠٥»، مِنَ الطَّريقِ ذاتِهِ أيضًا إلَّا أَّنَّهمْ سمَّوا الزُّبيديَّ ب «سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ».
فبالسَّبرِ تبيَّنَ لنَا تدليسُ «بقيَّةَ» عندَ ابنِ ماجةَ، حيثُ ذكرَ «الزُّبيديَّ» مُجرَّدًا، وتبيَّنَ لنَا توهُّمُ البعضِ كمَا عندَ الطَّبرانيِّ بجعلِهِ «محمَّدَ بنِ الوليدِ»، حيثُ نَصَّ الأكثرونَ على كونِهِ «سعيدُ ابنُ جابرٍ الزُّبيديُّ»، كمَا بيَّنهُ ابنُ عبدِ الهادي الحنبليُّ (^٢) «ت ٧٤٤ هـ»، فقالَ: «وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ العُلَمَاءِ أَنَّ الزُّبَيدِيَّ فِي هَذَا الحَدِيثِ هُوَ مُحَمَّدُ بنُ الوَلِيدِ الثَّقَةُ الثَّبتُ، وَذَلِكَ وَهْمٌ، وَإِنَّمَا هُوَ سَعِيدُ بنُ أَبِي سَعِيدٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ البَيهَقِيُّ، وَغَيرُهُ. وَلَيسَ هُوَ بِمَجْهُولٍ كَمَا قَالَهُ أَيضًَا ابنُ عَدِيٍّ، بَلْ هُوَ سَعِيدُ بنُ عَبْدِ الجَبَّارِ الزُّبَيدِيُّ الحِمْصِيُّ، وَهُوَ مَشْهُورٌ،
_________________
(١) بقية بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي، أبو يحمد، «ت ١٩٧ هـ»، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، أخرج له «خت م ٤». انظر التقريب «ر ٧٣٤».
(٢) محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي، شمس الدين، أبو عبد الله، ابن قدامة المقدسي، المشهور ب «ابن عبد الهادي»، «٧٠٥ هـ - ٧٤٤ هـ»، من حفاظ الحديث، فقيه حنبلي، له ما يزيد على سبعين كتابًا، منها: «المحرر في اختصار الإلمام» في الحديث، و«الصارم المنكي في الرد على ابن السبكي»، و«تراجم الحفاظ»، و«العلل» رتبه على ترتيب كتب الفقه، و«تنقيح تحقيق أحاديث التعليق». انظر معجم المحدثين ١/ ٢١٥، وذيل تذكرة الحفاظ ١/ ١٦، وطبقات الحفاظ ص ٥٢٤.
[ ٣٣٦ ]
لَكِنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ، وَأَبُو أَحْمَدَ بنُ عَدِيٍّ فَرَّقَ فِي كِتَابِهِ بَينَ سَعِيدِ بنِ أَبِي سَعِيدٍ، وَبَينَ سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الجَبَّارِ، وَهُمَا وَاحِدٌ» (^١).
فالسَّبرُ هوَ أحدُ الطُّرقِ الرئيسةِ التي اعتمدَهَا الأئمَّةُ المحدِّثونَ لمعرفةِ حديثِ المدلِّسينَ، ببيانِ التَّدليسِ في الإسنادِ منْ عدمِهِ، ومعرفةِ السَّاقطِ منَ الرُّواةِ بالتَّدليسِ، اعتمادًَا على المصنَّفاتِ في أسماءِ وطبقاتِ المدلِّسينَ، وكذلكَ تدليسِ المدلِّسينَ في شيوخهِمِ، فبِهِ تنحصرُ نعوتُهُمْ، ويُزالُ اللَّبسُ عنهمْ، اعتمادًَا على المصنَّفاتِ في الرِّجالِ والمشتبِهِ مِنَ النُّعوتِ والأسماءِ قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «فَحُكْمُ مَنْ ذُكِرَ مِنْ رِجَالِهِ بِتَدْلِيسٍ أَوْ إِرْسَالٍ أَنْ تُسْبَرَ أَحَادِيثُهُمْ المَوجُودَةُ عِنْدَهُ بِالعَنْعَنَةِ، فَإِنْ وُجِدَ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ فِيهَا انْدَفَعَ الاِعْتِرَاضُ، وَإِلَّا فَلَا» (^٢).
* * *
_________________
(١) تنقيح تحقيق أحاديث التَّعليق ٢/ ٣١٧.
(٢) مقدمة فتح الباري ١/ ٣٨٥.
[ ٣٣٧ ]
المَبْحَثُ الثَّامِنُ: مَعْرِفَةُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ لُغَةً وَاصْطِلَاحًَا:
المُرسلُ الخفيُّ: لغةً: جمعُ مراسيلَ، وهوَ الإطلاقُ، والتَّركُ، والتَّخليةُ (^١).
الخفيُّ: الخفاءُ ضدُّ الظُّهورِ. سُمِّي بذلكَ، لأنَّ فيهِ انقطاعًا غيرَ ظاهرٍ في الإسنادِ (^٢).
اِصطلاحًَا: اختلفتْ آراءُ العلماءِ في تعريفِهِ اختلافًَا قويًَّا مُتشابكًَا، والمعتمدُ أنَّهُ:
الحديثُ الذي رواهُ الرَّاوي عمَّنْ عاصرَهُ ولمْ يسمعْ منهُ، ولمْ يلقَهُ (^٣).
_________________
(١) وقد فصَّل العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ» إطلاقات المعنى اللغويِّ للمرسل، فلتنظر جامع التحصيل ص ٢٣.
(٢) انظر لسان العرب - مادة «خفي» - ١٤/ ٢٣٧، ومختار الصحاح - مادة «خ ف ي».
(٣) وهو اختيار ابن حجر، كما في النُّكت له ٢/ ٦١٤، ونخبة الفكر ص ٢٢٩، وشرحها للقاريّ ص ٤٢٣ وانظر في المرسل الخفيّ: اليواقيت والدُّرر ٢/ ٢١، وتوجيه النَّظر ٢/ ٥٦٩، والمرسل الخفيُّ وعلاقته بالتَّدليس - دراسة نظريَّة تطبيقيَّة على مرويَّات الحسن البصريِّ - الشَّريف حاتم العونيّ - دار الهجرة - الرياض- ١٤١٨ هـ. لكن يتنبَّه إلى أنَّ العونيَّ نفى أن يكون ثمَّة مصطلح باسم الإرسال الخفي، كنتيجة لما قدَّمه من دراسة. ذكرته هنا لوجود دراسة نظريَّة مستفيضة عن المرسل الخفي عند أئمَّة الحديث.
[ ٣٣٨ ]
المَطْلَبُ الثَّاني: الفَرْقُ بَينَ المُدَلَّسِ والمُرْسَلِ الخَفِيِّ وَالإِرْسَالِ:
الفرقُ بينَ المدلَّسِ والمرسلِ الخفيِّ دقيقٌ، فقدْ مزجَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» (^١) في تعريفِهِ للتَّدليسِ بينَهُ وبينَ المرسلِ الخفيِّ، واعترضَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» على ذلكَ، فقالَ: «وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ التَّفْصِيلُ: وَهُوَ أَنَّ مَنْ ذُكِرَ بِالتَّدْلِيسِ أَوْ الإِرْسَالِ إِذَا ذُكِرَ بِالصِّيغَةِ المُوهِمَةِ عَمَّنْ لَقِيَهُ فَهُوَ تَدْلِيسٌ، أَوْ عَمَّنْ أَدْرَكَهُ وَلَمْ يَلْقَهُ فَهُوَ المُرْسَلُ الخَفِيُّ، أَوْ عَمَّنْ لَمْ يُدْرِكْهُ فَهُوَ مُطْلَقُ الإِرْسَالِ» (^٢).
قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَحَاصِلُ التَّفْرِيقِ بَينَهُمَا مِنْ وَجْهَينِ:
الأَوَّلُ: المُدَلِّسُ يَرْوِي عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ أَوْ لَقِيَهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ بِصِيغَةٍ مُوهِمَةٍ لِلسَّمَاعِ، وَأَمَّا المُرْسَلُ فَإِنَّهُ يَرْوِي عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ وَلَمْ يَلْقَهُ إِنَّمَا عَاصَرَهُ فَقَطْ.
الثَّانِي: التَّدْلِيسُ إِيهَامُ سَمَاعِ مَا لَمْ يَسْمَعْ، وَلَيسَ فِي الإِرْسَالِ إِيهَامٌ، فَلَو بَيَّنَ المُدَلِّسُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ الحَدِيثَ مِنَ الذِي دَلَّسَهُ عَنْهُ لَصَارَ الحَدِيثُ مُرْسَلًَا لَا مُدَلَّسًَا، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ النُّقَّادُ المُحَقِّقُونَ كَالخِطِيبِ البَغْدَادِيِّ وَابْنِ عَبْدِ البَّرِّ» (^٣).
كمَا تجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ المُرسَلَ الخفيَّ والمرْسَلَ يشتركانِ في الانقطاعِ، ويفترقانِ منْ وجهينِ:
_________________
(١) مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٧٣، وقد وجدت شيخنا محمد عجاج - حفظه الله وأمتع به - جرى على تعريف ابن الصَّلاح للتَّدليس فمزج معه تعريف المرسل الخفي، انظر أصول الحديث - د. محمَّد عجاج الخطيب ص ٢٢٤.
(٢) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٢٣.
(٣) منهج النقد ص ٣٨٨، وانظر الكفاية ص ٣٥٧، والتمهيد ١/ ١٧ وما بعدها.
[ ٣٣٩ ]
الأوَّلُ: الانقطاعُ في المُرسَلِ الخفيِّ في أيِّ موضعٍ مِنَ الإسنادِ، أمَّا في المرسلِ فهوَ - كمَا سيأتي - في طبقةِ الصَّحابةِ.
الثَّاني: الانقطاعُ في الأوَّلِ خفيٌّ لوجودِ المعاصرةِ بينَ الرَّاويينِ، أمَّا الثَّاني فإنَّ انقطاعَهُ بيِّنٌ وظاهرٌ، لكونِ التَّابعيِّ لمْ يعاصرِ النَّبيَّ -ﷺ-.
ولذَا فقدْ أفردتُ المُرسَلَ الخفيَّ بمبحثٍ خاصٍّ، وجعلتُهُ بينَ التَّدليسِ والإرسالِ.
* * *
[ ٣٤٠ ]
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: حُكْمُ المُرْسَلِ الخَفِيِّ:
حكمُ المرسلِ الخفيِّ كحكمِ الإرسالِ، للانقطاعِ الحاصلِ بهِ، إلَّا أنَّ خطرَ هذَا أشدُّ لخفائِهِ، قالَ الحافظُ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «الإِرْسَالُ فِي الحَدِيثِ عِلَّةٌ يُتْرَكُ بِهَا، وَيُتَوَقَّفُ عَنِ الاِحْتِجَاجِ بِهِ بَسَبَبِهِ، لِمَا فِي إِبْهَامِ المَرْوِيِّ عَنْهُ مِنَ الغَرَرِ، وَالاحْتِجَاجِ المَبْنِيِّ عَلَى الخَطَرِ» (^١). إلَّا أنْ يصحَّ مخرجُهُ بمجيئِهِ منْ وجهٍ آخرَ (^٢).
* * *
_________________
(١) جامع التحصيل ١/ ٢٢.
(٢) انظر مقدمة ابن الصلاح ص ٥٣.
[ ٣٤١ ]
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُرْسَلِ الخَفِيِّ:
عنيَ العلماءُ بمعرفةِ المرسلِ الخفيِّ، لأهميَّتِهِ ودقَّتِهِ وخفائِهِ، وقدْ سُمِّيَ بذلكَ احترازًا عنِ الظَّاهرِ لكونِهِ لا يُدركُ إلَّا بكشفٍ وبحثٍ واتِّساعِ علمٍ مِنَ الحافظِ الجهبذِ (^١).
قالَ الحافظُ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «وَهُوَ نَوعٌ بَدِيعٌ مِنَ أَهَمِّ أَنْوَاعِ عُلُومِ الحَدِيثِ، وَأَكْثَرِهَا فَائِدَةً، وَأَعْمَقِهَا مَسْلَكًَا، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ بِالبَيَانِ إِلَّا حُذَّاقُ الأَئِمَّةِ الكِبَارِ، وُيُدْرَكُ بِالاِتِّسَاعِ فِي الرِّوَايَةِ، وَالجَمْعِ لِطُرُقِ الحَدِيثِ، مَعَ المَعْرِفَةِ التَّامَّةِ، وَالإِدْرَاكِ الدَّقِيقِ» (^٢). ثمَّ بيَّنَ أنَّ لمعرفتِهِ طرقًا فصَّلهَا في جامعِ التَّحصيلِ، نجملُهَا فيمَا يأتي، معَ مزيدِ تفصيلٍ في مسألةِ السَّبرِ:
أوَّلًا: عدمُ اللقاءِ أو السَّماعِ بينَ الرَّاوي والمرويِّ عنهُ: إمَّا بتنصيصِ بعضِ الأئمَّةِ على
ذلكَ، كقولِ المزِّيِّ (^٣) «ت ٧٤٢ هـ»: «إِنَّ عُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ لَمْ يَلْقَ عُقْبَةَ بنَ عَامِرٍ» (^٤). في
_________________
(١) الغاية في شرح الهداية ص ١٦٨.
(٢) جامع التحصيل ص ١٢٥.
(٣) يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج، المزي، «٦٥٤ هـ - ٧٤٢ هـ»، محدث الديار الشامية، له تصانيف كثيرة، من أهمها: «تهذيب الكمال في أسماء الرجال»، و«تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف»، و«المنتقى من الأحاديث». انظر تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٩٨، وطبقات الحفاظ ص ٥٢١.
(٤) انظر تحفة الأشراف ٧/ ٣١٤. الحديث ورد من طريق صحيح عن ابن عمر مرفوعًا، قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وقد أوقفه وكيع بن الجراح عن ثور، وفي يحيى بن سعيد قدوة». المستدرك ٢/ ٩٠.
[ ٣٤٢ ]
معرضِ كلامِهِ على حديثٍ رواهُ عمرُ، عنْ عقبةَ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-: «رَحِمَ اللهُ حَارِسَ الحَرَسِ» (^١).
أو بمعرفةِ تواريخِ الرُّواةِ بأنَّ هذَا الرَّاوي لمْ يُدركِ المرويَّ عنهُ بالسِّنِّ، أو بتصريحِ الرَّاوي نفسِهِ بذلكَ، كروايةِ أبي عُبيدةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، عنْ أبيهِ -﵁-، فإنَّهُ لمْ يسمعْهُ (^٢).
ثانيًا: السَّبْرُ وَجَمْعُ الطُّرُقِ: وقدْ تقدَّمَ كلامُ ابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في مبحثِ التَّدليسِ السَّابقِ، حيثُ قالَ: «فَحُكْمُ مَنْ ذُكِرَ مِنْ رِجَالِهِ بِتَدْلِيسٍ أَوْ إِرْسَالٍ أَنْ تُسْبَرَ أَحَادِيثُهُمْ المَوجُودَةُ عِنْدَهُ بِالعَنْعَنَةِ، فَإِنْ وُجِدَ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ فِيهَا انْدَفَعَ الاِعْتِرَاضُ، وَإِلَّا فَلَا» (^٣).
والتَّصريحُ بالسَّماعِ أو نفيِهِ، بأنْ يُخبِرَ الرَّاوي عنْ نفسِهِ بذلكَ في بعضِ الطُّرقِ، كأنْ يقولَ: نُبِّئتُ أو أُخبرتُ عنهُ، أو يُصرِّحَ بذكرِ الواسطةِ بينَهُ وبينَ مَنْ أرسلَ عنهُ، مثالُ ذلكَ ما رواهُ عبدُ الرَّزَّاقِ، عنِ الثَّوريِّ، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ زيدِ بنِ يُثَيعٍ، عنْ حُذيفةَ مرفوعًَا: «إِنْ وَلَّيتُمُوهَا أَبَا بَكْرٍ فَقَوِيٌّ أَمِينٌ». قالَ العُقيليُّ «ت ٣٢٢ هـ»: «فَقِيلَ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: سَمِعْتَ هَذَا مِنَ الثَّورِيِّ؟ قَالَ: لَا، حَدَّثَنَا النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَيَحْيَى بنُ العَلَاءِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّورِيِّ» (^٤).
_________________
(١) سنن ابن ماجة «ر ٢٧٦٩»، وسنن الدرامي «ر ٢٤٠١».
(٢) انظر خلاصة الأحكام للنووي ١/ ٤٣٦.
(٣) مقدمة فتح الباري ١/ ٣٨٥.
(٤) الضعفاء للعقيلي ٣/ ١١٠.
[ ٣٤٣ ]
أو أنْ يردَ منْ طريقٍ أخرى بزيادةِ راوٍ بينهُمَا، قالَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «فَيُحْكَمُ عَلَى الأَوَّلِ بِالإِرْسَالِ، إِذْ لَو كَانَ سَمِعَهُ مِنْهُ لَما قَالَ: «أُخْبِرْتُ عَنْهُ»، وَلَا رَوَاهُ بِوَاسِطَةٍ بَينَهُمَا، وَفَائِدَةُ جَعْلِهِ مُرْسَلًَا فِي هَذَا الطَّرِيقِ الثَّالِثِ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الوَاسِطَةُ الذِي زِيدَ فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى ضَعِيفًَا لَمْ يُحْتَجَّ بِالحَدِيثِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ ثِقَةً» (^١).
إلَّا أنَّ معرفةَ المرسلِ منْ هذهِ الطَّريقِ تُشكِلُ بالتَّعارضِ معَ المزيدِ في متَّصلِ الأسانيدِ ومعَ العالي والنَّازلِ، لأنَّنَا لمْ نكتشفْ عدمَ السَّماعِ بقرينةٍ أو دليلٍ خارجيٍّ، وإنَّما بورودِ الواسطةِ بينَ الرَّجلينِ، وحلُّ هذَا الإشكالِ إنَّمَا يكونُ منْ وجهينِ:
أوَّلًا: معرفةُ السَّماعِ تاريخيًَّا بينَ الرَّاويينِ المتوالِيَينِ منْ عدمِهِ: قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «أَنْ نُلَاحِظَ فِي المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ ثُبُوتَ السَّمَاعِ تَارِيخِيًَّا بَينَ الرَّاوِيَينِ المُتَوَالِيَينِ فِي الإِسْنَادِ المَحْذُوفِ، أَمَّا المُرْسَلُ الخَفِيُّ فَلَيسَ لَدَينَا مَا يَثْبُتُ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ السَّمَاعُ بَينَ الرَّاوِيَينِ اللَّذَينِ حَكَمْنَا عَلَى رِوَايَةِ أَحَدِهِمَا عَنِ الآَخَرِ بِالإِرْسَالِ» (^٢).
ثانيًا: دلالةُ صيغةِ السَّماعِ أو الصِّيغةِ المحتمِلَةِ: قالَ الحافظُ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَوضِعُ الإِرْسَالِ قَدْ جَاءَ فِيهِ الرَّاوِي بِلَفْظِ «عَنْ» وَنَحْوِهَا، فَأَمَّا مَتَى كَانَ بِلَفْظِ «حَدَّثَنَا» وَنَحْوِهِ، ثُمَّ جَاءَ الحَدِيثُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ بِزِيَادَةِ رَجُلٍ بَينَهُمَا، فَهَذَا هُوَ المَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ، وَيَكُونُ الحُكْمُ لِلْأَوَّلِ» (^٣).
_________________
(١) جامع التحصيل ص ١٢٦.
(٢) منهج النقد ص ٣٩٠.
(٣) جامع التحصيل ص ١٢٥.
[ ٣٤٤ ]
هذَا إذَا دلَّتْ قرينةٌ على كونِ الزَّائدِ وهمًَا، أمَّا إنْ لمْ تقمِ القرينةُ على ذلكَ فيُعتبرُ مِنَ العالي والنَّازلِ، ويُحكمُ بصحَّةِ السَّماعِ مِنَ الطَّريقينِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «الإِسْنَادُ الخَالِي عَنِ الرَّاوِي الزَّائِدِ إِنْ كَانَ بِلَفْظِهِ «عَنْ» فِي ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِإِرْسَالِهِ، وَيُجْعَلَ مُعَلَّلًَا بِالإِسْنَادِ الذِي ذُكِرَ فِيهِ الزَّائِدُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّمَاعِ أَوْ بِالإِخْبَارِ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ عَنْهُ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ نَفْسَهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَونِهِ وَهْمًَا» (^١).
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ المرسلِ الخفيِّ منْ خلالِ التَّطبيقِ الآتي:
مثالُهُ: حديثُ أنسٍ -﵁-، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «مَنْ تَوَضَّأَ يَومَ الجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ أَفْضَلُ».
* الحديثُ أخرجَهُ ابنُ الجعدِ «ر ١٧٥٠»، وأبو يعلى «ر ٤٠٨٦»، منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ (^٢) عنْ يزيدَ بنِ أبَّانَ الرَّقَاشيِّ (^٣)، عنْ أنسِ بنِ مالكٍ -﵁-.
* وأخرجَهُ ابنُ الجعدِ أيضًَا «ر ١٧٥٠» منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عنِ الرَّبيعِ بنِ صُبيحٍ (^٤) عنْ يزيدَ بنِ أبَّانَ الرَّقَاشيِّ، عنْ أنسٍ -﵁-.
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح أيضًا في مقدمته ص ٢٨٦.
(٢) تقدمت ترجمته ص ٢٦١.
(٣) يزيد بن أبان الرَّقَاشي، «ت ٢٢٠ هـ»، أبو عمرو البصري، أخرج له «بخ ت جه»، قال النسائي: «متروك». وذكره العقيلي في الضعفاء، وضعفه ابن معين، وشعبة، وابن حبان، والدارقطني، وابن حجر. انظر الضعفاء للنسائي «ر ٦٤٢»، والضعفاء للعقيلي «ر ١٩٨٣»، والجرح والتعديل «ر ١٠٥٣»، والمجروحين «ر ١١٧٥»، والضعفاء لابن الجوزي «ر ١٢»، وتهذيب الكمال «ر ٦٩٥٨»، والتقريب «ر ٧٦٨٣».
(٤) الربيع بن صبيح السعدي، البصري، «ت ٢٦٠ هـ»، صدوق سيء الحفظ، وكان عابدًا مجاهدًا، من السابعة، أخرج له «خت ت جه». انظر الضعفاء لابن الجوزي «ر ١٢١٨»، التقريب «ر ١٨٩٥».
[ ٣٤٥ ]
وتابعَ سفيانَ الطَّيالسيُّ في مسندِهِ «ر ٢١١٠».
* وأخرجَهُ أيضًَا عبدُ الرَّزَّاقِ في مصنَّفِهِ «ر ٥٣١٢»، منْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، لكنْ عنْ عكرمةَ بنِ عمَّارٍ (^١)، عنْ يزيدَ بنِ أبَّانَ الرَّقَاشيِّ، عنْ أنسٍ -﵁-.
فبسبرِ هذَا الحديثِ تبيَّنَ لنَا زيادةُ راوٍ بينَ الثَّوريِّ وَالرَّقَاشيِّ، وروايةُ السَّقطِ بصيغةٍ محتملةِ السَّماعِ، وسفيانُ ممَّنْ عاصرَ الرَّقَاشِيَّ، إلَّا أنَّهُ لمْ يسمعْ منهُ شيئًَا، فهوَ مِنَ المرسلِ الخفيِّ. قالَ ابنُ الجعدِ «ت ٢٣٠ هـ»: «وَهُوَ مُرْسَلٌ، لَمْ يَسْمَعِ الثَّورِيُّ مِنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ شَيئًَا، وَبَينَهُمَا الرَّبِيعُ بنُ صُبَيحٍ» (^٢).
* * *
_________________
(١) عكرمة بن عمار العجلي، أبو عمار اليمامي، «ت. ق ٢٦٠ هـ»، صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب، انظر «خت م ٤». انظر التقريب «ر ٤٦٧٢».
(٢) مسند ابن الجعد ١/ ٢٦٥، وانظر العلل للدارقطني ١٢/ ٦٨.
[ ٣٤٦ ]
المَبْحَثُ التَّاسِعُ: مَعْرِفَةُ الإِرْسَالِ فِي الإِسْنَادِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ الإِرْسَالِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًَا:
الإرسالُ لغةً: تقدَّمَ في المبحثِ السَّابقِ معنى الإرسالِ لغةً، فليُنظرْ (^١).
اِصطلاحًَا: اختلفَ المحدِّثونَ في تعريفِ الحديثِ المرسلِ، لاختلافِ موقعِهِ عندَهُمْ.
والذي عليهِ جمهورُهُمْ أنَّ الحديثَ المرسلَ عندَ الإطلاقِ يُرادُ بهِ: ما رفعَهُ التَّابعيُّ، بأنْ يقولَ: «قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-»، سواءٌ كانَ التَّابعيُّ كبيرًا أو صغيرًا (^٢).
ومنْ أشهرِ المصنَّفاتِ في الحديثِ المرسلِ والمُرْسِلِينَ منَ الرُّواةِ:
_________________
(١) انظر ص ٢٩٩.
(٢) وهذا التَّعريف هو المشهور، وعليه العمل عند المحدثين، نقل الإجماع على ذلك الحاكم في علوم الحديث ص ٢٥، وتبعه ابن الصَّلاح ص ٥١، والنوويُّ في التَّقريب ص ٣، وابنُ دقيق في الاقتراح ص ١٦، والجعبريُّ في رسوم التَّحديث ص ٦٨، وابن جماعة في المنهل ص ٤٢، والأبناسيُّ في الشَّذا الفيَّاح ١/ ١٤٧، والعراقيُّ في التَّقييد ص ٧٠، وابن حجر في النُّكت ٢/ ٥٤٠، والسَّخاويُّ في فتح المغيث ١/ ١٣٤. وتوسَّع الفقهاء والأصوليُّون في مفهوم الإرسال فشمل المنقطع أيًَّا كان، وعلى ذلك جرى الخطيب وابن الأثير. انظر الكفاية ص ٢١، وجامع الأصول ١/ ١١٥. مما يُوجب التَّيقُّظ عند النَّظر في عباراتهم. ومنهم من قيَّده بما رفعه التَّابعيُّ الكبير فقط، لأنَّ معظم روايته عن الصَّحابة، وعدُّوا ما أرسله صغار التَّابعين منقطعًا، لأنَّ أكثر روايتهم عن التَّابعين.
[ ٣٤٧ ]
١ - المراسيلُ لأبي داودَ (^١).
٢ - المراسيلُ لأبي حاتمٍ الرازيِّ (^٢).
٣ - جامعُ التَّحصيلِ لأحكامِ المراسيلِ، للحافظِ العلائيِّ (^٣).
٤ - تحفةُ التَّحصيلِ في ذكرِ رواةِ المراسيلِ - للحافظِ أبي زرعةَ العراقيِّ (^٤).
* * *
_________________
(١) طبع في مؤسَّسة الرِّسالة - بيروت «١٤٠٨ هـ» - تحقيق: شعيب الأرناؤوط.
(٢) بيَّن فيه ما ليس متَّصلًا من الأسانيد. طُبع في مؤسَّسة الرِّسالة - بيروت «١٣٩٧ هـ» - تحقيق: شكر الله قوجاني.
(٣) تكلَّم فيه على أنواع الحديث المنقطع، ثم أورد أسماء المرسِلِين، ثمَّ الأسانيد المنقطعة. طبع في دار عالم الكتب - بيروت «١٤٠٧ هـ» - بتحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي.
(٤) جمع فيه كتابي المراسيل لأبي حاتم، وجامع التَّحصيل للعلائيِّ، مع زيادات ضمَّها إليه. طبع في مكتبة الرشيد - الرِّياض «١٩٩٩ م» - تحقيق: عبد الله نوَّارة.
[ ٣٤٨ ]
المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ الحَدِيثِ المُرْسَلِ:
اختلفَ العلماءُ في حكمِ الحديثِ المرسلِ والاحتجاجِ بهِ اختلافًا كثيرًا، أوصلَهَا ابنُ حجرٍ إلى ثلاثةَ عشرَ قولًا (^١)، يرجعُ حاصلُهَا إلى ثلاثةِ أقوالٍ رئيسةٍ (^٢):
الأوَّلُ: الحديثُ المرسلُ ضعيفٌ لا تقومُ الحجَّةُ بهِ، وهوَ مذهبُ جمهورِ المحدِّثينَ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي قِسْمِ المَرْدُودِ لِلْجَهْلِ بِحَالِ المَحْذُوفِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَحَابِيًَّا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَابِعِيًَّا، وَعَلَى الثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً، وَعَلَى الثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَمَلَ عَنْ صَحَابِيٍّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَمَلَ عَنْ تَابِعِيٍّ» (^٣).
الثَّاني: قبولُ المرسلِ منْ كبارِ التَّابعينَ بشرطِ الاعتبارِ في الحديثِ المُرسَلِ والرَّاوي المُرسِلِ، وهوَ مذهبُ الإمامِ الشَّافعيِّ رحمهُ اللهُ تعالى (^٤).
الثَّالثُ: المرسلُ مِنَ الثِّقةِ صحيحٌ يُحتجُّ بهِ، وهوَ مذهبُ أبي حنيفةَ ومالكٍ وأصحابِهِمَا (^٥).
قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «حُكْمُ المُرْسَلِ حُكْمُ الحَدِيثِ الضَّعِيفِ، إِلَّا أَنْ يَصِحَّ مَخْرَجُهُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي نَوعِ الحَسَنِ، وَلِهَذَا احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ -﵁- بِمُرْسَلَاتِ سَعِيدِ بنِ الُمَسَيَّبِ» (^٦).
_________________
(١) النُّكت على ابن الصلاح ٢/ ٥٤٧.
(٢) جامع التَّحصيل ص ٣٣ وما بعدها.
(٣) نزهة النَّظر ص ١٠١.
(٤) وللشافعي ﵀ كلامٌ مفصَّلٌ في الرِّسالة ص ٤٦١.
(٥) انظر الكفاية ص ٣٨٤.
(٦) مقدِّمة ابن الصَّلاح ١/ ٣٥
[ ٣٤٩ ]
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الإِرْسَالِ فِي الإِسْنَادِ:
الحديثُ المرسَلُ يُعرفُ بمجرَّدِ أنْ يُعلمَ أنَّ الذي حدَّثَ بهِ عنِ النَّبيِّ -ﷺ- تابعيٌّ، لكنْ لا بدَّ منْ تمييزِ التَّابعينَ منَ الصَّحابةِ منْ غيرِهِمْ، ومظنَّةُ ذلكَ الكتبُ المصنَّفةُ في الصَّحابةِ خصوصًَا، وفي الطَّبقاتِ والرِّجالِ عُمومًَا (^١).
والسَّبرُ إنَّمَا يكونُ للبحثِ عنْ طرقٍ أخرى للمرسلِ حتَّى يصلحَ أنْ يُحتجَّ بهِ، أو للتَّرجيحِ بينَ روايتي الوصلِ أو الإرسالِ في حالِ التَّعارضِ، نُبيِّنُ ذلكَ فيمَا يأتي:
أوَّلًَا: تقويةُ الحديثِ المرسَلِ بغيرِهِ:
خلصنَا في حكمِ المرسلِ إلى أنَّه ضعيفٌ ما لمْ يصحَّ مخرجُهُ بمجيئِهِ منْ وجهٍ آخرَ، وهوَ
ما ذهبَ إليهِ الإمامُ الشَّافعيُّ حيثُ اشترطَ الاعتبارَ للاحتجاجِ بالمرسَلِ، والاعتبارُ: هوَ أنْ يعتضدَ المرسَلُ بواحدٍ منْ أربعةِ أمورٍ، سبيلُ الكشفِ عنهَا هوَ السَّبرُ وتتبُّعُ الطُّرقِ، وهيَ:
١ - أنْ يُروى مُسندًَا مِنْ وجهٍ آخرَ: مثالُ ذلكَ ما ذكرَهُ ابنُ عبدِ البَّرِّ «ت ٤٦٣ هـ»، في حديثٍ رواهُ داودُ بنُ الحُصينِ مرسلًا منْ وجهٍ، مُتَّصلًا منْ وجهٍ صحيحٍ، فقالَ: «مَالِكُ، عَنْ
_________________
(١) ينبغي التَّنبُّه إلى أنَّ بعض الرُّواة عُدَّ من التَّابعين ولم يسمع من الصَّحابة، كإبراهيم النَّخعيِّ، وطبقة عدادهم في أتباع التَّابعين وقد لقوا الصَّحابة، كأبي الزِّناد، وقوم عُدُّوا من التَّابعين وهم من الصَّحابة كالنُّعمان وسويد ابني مقرِّن. انظر مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٣٠٦.
[ ٣٥٠ ]
دَاوُدَ بنِ الحُصَينِ، عَنِ الأَعْرَجِ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يَجْمَعُ بَينَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي سَفَرِهِ إِلَى تَبُوكٍ». هَذَا الحَدِيثُ هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ مُرْسَلًَا، إِلَّا أَبَا المُصْعَبِ فِي غَيرِ المُوَطَّأِ، وَمُحَمَّدَ بنَ المُبَارَكِ الصُّورِيِّ، وَمُحَمَّدَ بنَ خَالِدٍ بنِ عَثَمَةَ، وُمُطَرِّفًا، وَالحُنَينِيَّ، وَإِسْمَاعِيلَ بنَ دَاوُدَ المِخْرَاقِيَّ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: عَنْ مَالِكٍ، عَنْ دَاوُدَ بنِ الحُصَينِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-، مُسْنَدًَا» (^١).
ونَفِيدُ بالسَّبرِ وصلَ الحديثِ، ومعرفةَ السَّاقطِ منَ الرُّواةِ بينَ المُرسِلِ والنَّبيِّ -ﷺ-، هلْ هوَ تابعيٌّ أو صحابيٌّ، فإذَا كانَ تابعيًَّا هلْ هوَ واحدٌ أو أكثرُ، وهلْ هوَ ثقةٌ أو ضعيفٌ، وقدْ تقدَّمَ كلامُ ابنِ حجرٍ في ذلكَ (^٢).
٢ - أنْ يُروى مُرسَلًا بمعناهُ عنْ راوٍ آخرَ لمْ يأخذْ عنْ شيوخِ الأوَّلِ، فيدلُّ على تعدُّدِ مخرجِ الحديثِ: مثالُ ذلكَ حديثُ إياسِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي ذُبابٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللهِ» … الحديثُ.
قالَ البيهقيُّ (^٣) «ت ٤٥٨ هـ»: «بَلَغَنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُعْرَفُ لإِيَاسٍ صُحْبَةٌ». ثمَّ قالَ: «وَقَدْ رُوِىَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلًا» (^٤).
_________________
(١) التَّمهيد لابن عبد البرِّ ٢/ ٣٣٧.
(٢) انظر ص ٣٠٧.
(٣) أحمد بن الحسين بن علي، أبو بكر البيهقي، «٣٨٤ هـ - ٤٥٨ هـ»، صنف زهاء ألف جزء، منها: «السنن الكبرى»، و«السنن الصغرى»، و«دلائل النبوة»، و«شعب الإيمان»، و«معرفة السنن والآثار». انظر طبقات الشافعية ٣/ ٣، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١١٣٢.
(٤) انظر الحديث بتمامه والكلام عليه في سنن البيهقيِّ ٧/ ٣٠٤ وما بعدها.
[ ٣٥١ ]
ثمَّ ساقَهُ بسندِهِ منْ طريقِ أمِّ كُلثومٍ بنتِ أبي بكرٍ بمعناهُ. وأمُّ كلثومٍ هذهِ وُلدتِ بعدَ وفاةِ النَّبيِّ -ﷺ-، فليستْ لهَا صحبةٌ (^١)، وحديثُهَا مرسلٌ عضدَ مرسلًَا آخرَ فقوَّاهُ.
٣ - أو يوافقُهُ قولُ بعضِ الصَّحابةِ: مثالُ ذلكَ حديثُ الحسنِ -﵁-، قالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ تُنْكَحَ الأَمَةُ عَلَى الحُرَّةِ». قالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «هَذَا مُرْسَلٌ، إِلَّا أَنَّهُ فِي مَعْنَى الكِتَابِ، وَمَعَهُ قَولُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ». ثمَّ ساقَ بإسنادِهِ ما يعضدُهُ منْ قولِ عليٍّ -﵁-، وجابرِ ابنِ عبدِ اللهِ -﵁-، وابنِ عبَّاسٍ -﵁- وابنِ عمرَ -﵁- (^٢).
٤ - أو يكونُ قدْ قالَ بهِ أكثرُ أهلِ العلمِ.
فهذِهِ المذكوراتُ إنَّمَا هيَ دلائلُ على صحَّةِ مخرجِ الحديثِ، بلْ وقوَّتهِ في البندِ الأوَّلِ، قالَ شيخُنَا محمَّدُ عجاجٌ: «وَإِذَا صَحَّ مَجِيءُ المُرْسَلِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ مُسْنَدًَا عَنْ غَيرِ رِجَالِ الأَوَّلِ فَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ العُلَمَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ، لِأَنَّ المُسْنَدَ كَشَفَ عَنْ صِحَّةِ المُرْسَلِ، حَتَّى لَو عَارَضَهُمَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ قُدِّمَا عَلَيهِ إِذَا تَعَذَّرَ الجَمْعُ، وَذَلِكَ لِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ» (^٣).
ثانيًا: التَّرْجِيحُ عِنْدَ تَعَارُضِ الوَصْلِ وَالإِرْسَالِ:
الحديثُ إذا رُويَ مُرسلًَا مرَّةً، وموصولًَا أخرى، فللعلماءِ أقوالٌ نفصِّلُهَا فيمَا يأتي:
_________________
(١) أسد الغابة ٧/ ٤٢٠/ ر ٧٥٦٦.
(٢) سنن البيهقيِّ ٧/ ١٧٥ وما بعدها.
(٣) أصول الحديث ص ٢٢٣.
[ ٣٥٢ ]
القولُ الأوَّلُ: ترجيحُ الرِّوايةِ الموصولةِ (^١).
القولُ الثَّاني: ترجيحُ الرِّوَايَةِ المُرسلةِ (^٢).
القولُ الثَّالثُ: التَّرجيحُ للأحفظِ (^٣).
القولُ الرَّابعُ: الاعتبارُ لأكثرِ الرُّواةِ عددًَا (^٤).
القولُ الخامسُ: التَّساوي بينَ الرِّوايتينِ والتَّوقُّفُ (^٥).
وبالنَّظرِ في صنيعِ المحدِّثينَ، نجدُ أنَّهُ لمْ يكنْ ثمَّةَ قاعدةٌ مُطَّردةٌ يحكمونَ منْ خلالِهَا على المرويَّاتِ حالَ التَّعارضِ، والعمدةُ في ذلكَ القرائنُ والمرجِّحاتُ، التي تنجلي وتستبينُ بالسَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ الأَقْوَالِ فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ تَرْجِيحٌ … وَالحَقُّ حَسَبَ الاِسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيعِ مُتَقَدِّمِي الفَنِّ، كَابْنِ مَهْدِيٍّ وَالقَطَّانِ وَأَحْمَدَ وَالبُخَارِيِّ عَدَمُ المُرَادِ حُكْمٌ كُلِّيٌّ، بَلْ ذَلِكَ دَائِرٌ مَعَ التَّرْجِيحِ، فَتَارَةً يَتَرَجَّحُ الوَصْلُ، وَتَارَةً الإِرْسَالُ، وَتَارَةً يَتَرَجَّحُ عَدَدُ الذَّوَاتِ عَلَى الصِّفَاتِ، وَتَارَةً العَكْسُ» (^٦).
_________________
(١) صحَّحه الخطيب البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ»، وابن الصَّلاح «ت ٦٤٣ هـ»، والحافظ العراقيُّ «ت ٦٤٣ هـ». انظر الكفاية ص ٤١١، ومقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٧١، وشرح التَّبصرة والتَّذكرة ١/ ٢٢٧. وانظر شرح النَّوويِّ ١/ ٢٢٢، وشرح علل التِّرمذيِّ ١/ ٤٢٦ وما بعدها.
(٢) عزاه الخطيب لأكثر أهل الحديث. الكفاية ص ٤١١.
(٣) قال ابن رجب «ت ٧٩٥ هـ»: «وكلام أحمد وغيره من الحفَّاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك والأحفظ أيضًَا». شرح علل الترمذي ١/ ٤٢٧.
(٤) قال الحاكم «ت ٤٠٥ هـ»: «فأمَّا أئمَّة الحديث، فإنَّ القول فيها عندهم قول الجمهور الذي أرسلوه، لما يخشى من الوهم على هذا الواحد، لقوله -ﷺ-: "الشَّيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد"». المدخل إلى الإكليل ص ٤٧.
(٥) ذكره السُّبكي في جمع الجوامع ٢/ ١٢٤، انظر النُّكت لابن حجر ٢/ ٧١٥، وفتح المغيث ١/ ١٧٥.
(٦) فتح المغيث ١/ ١٧٥. وقد سبقه بذلك ابن دقيق العيد «ت ٧٠٢ هـ» في شرح الإلمام ١/ ٦٠، والعلائيُّ «ت ٧٦١ هـ» في نظم الفرائد ص ٢٠٩، وابن رجب «ت ٧٩٥ هـ» في شرح العلل ٢/ ٥٨٢، وابن حجر «ت ٨٥٢ هـ» في نزهة النَّظر ص ٩٦، وقد اقتصرت على كلامِ السَّخاويِّ لملائمة صياغته لسياق مبحثنا هذا.
[ ٣٥٣ ]
وتارةً يصحُّ الوجهانِ، بأنْ يكونَ الرَّاوي رواهُ مرَّةً مرسلًَا ومرَّةً موصولًَا (^١)، بحسبِ نشاطِهِ وفتورِهِ.
وقدْ أفاضَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في بيانِ وجوهِ التَّرجيحِ وكيفيَّتِهِا في هذهِ المسألةِ، فقالَ: «المُخْتَلِفُونَ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا مُتَمَاثِلِينَ فِي الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ أَمْ لَا، فَالمُتَمَاثِلُونَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَدَدُهُمْ مِنَ الجَانِبَينِ سَوَاءً أَمْ لَا، فَإِنْ اسْتَوَى عَدَدُهُمْ مَعَ اسْتِوَاءِ أَوصَافِهِمْ وَجَبَ التَّوَقُّفُ، حَتَّى يَتَرَجَّحَ أَحَدُ الطَّرِيقَينِ بِقَرِينَةٍ مِنَ القَرَائِنِ، فَمَتَى اعْتَضَدَتْ إِحْدَى الطَّرِيقَينِ بِشَيءٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ حُكِمَ لَهَا، وَوُجُوهُ التَّرْجِيحِ كَثِيرَةٌ لَا تَنْحَصِرُ وَلَا ضَابِطَ لَهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ الأَحَادِيثِ، بَلْ كُلُّ حَدِيثٍ يَقُومُ بِهِ تَرْجِيحٌ خَاصٌّ لَا يَخْفَى عَلَى المُمَارِسِ الفَطِنِ الذِي أَكْثَرَ مِنْ جَمْعِ الطُّرُقِ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُ المُتَمَاثِلَينِ أَكْثَرَ عَدَدًَا، فَالحُكْمُ لَهُمْ عَلَى قَولِ الأَكْثَرِ …
وَأَمَّا غَيرُ المُتَمَاثِلَينِ، فَإِمَّا أَنْ يَتَسَاوَوا فِي الثِّقَةِ أَوْ لَا، فَإِنْ تَسَاوَوا فِي الثِّقَةِ، فَإِنْ كَانَ مَنْ وَصَلَ أَوْ رَفَعَ أَحْفَظُ فَالحُكْمُ لَهُ … أَيضًَا إِنْ كَانَ العَكْسُ فَالحُكْمُ لِلمُرسِلِ وَالوَاقِفِ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَوا فِي الثِّقَةِ فَالحُكْمُ لِلثِّقَةِ …
وَبَقِيَ إِذَا كَانَ رِجَالُ أَحَدِ الإِسْنَادَينِ أَحْفَظَ وَرِجَالُ الآَخَرِ أَكْثَرُ … لَا شَكَّ أَنَّ الاِحْتِمَالَ مِنَ الجِهَتَينِ مُنْقَدِحٌ قَوِيٌّ، لَكِنَّ ذَاكَ إِذَا لَمْ يَنْتَهِ عَدَدُ الأَكْثَرِ إِلَى دَرَجَةٍ قَوِيَّةٍ جِدًَّا، بِحَيثُ يَبْعُدُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الغَلَطِ أَوْ يَنْدُرُ أَوْ يَمْتَنِعُ عَادَةً، فَإِنَّ نِسْبَةَ الغَلَطِ إِلَى الوَاحِدِ - وَإِنْ كَانَ أَرْجَحَ مِنْ أُولَئِكَ فِي الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ - أَقْرَبُ مِنْ نِسْبَتِهِ إِلَى الجَمْعِ الكَثِيرِ» (^٢).
_________________
(١) انظر أمثلة ترجيح الوجهين في العلل للدارقطنيِّ ١٠/ ١٧٩، والعلل لابن أبي حاتم ٢/ ٣٤١/ ر ٢٥٤٨، و٢/ ٢١٦/ ر ٢١٣٨، و١/ ١١٤/ ر ٣٠٨، و١/ ٣٢٩/ ر ٩٨٠.
(٢) النُّكت على ابن الصَّلاح ٢/ ٧٧٨.
[ ٣٥٤ ]
وإليكَ بيانُ ذلكَ منْ خلالِ التَّطبيقَينِ الآتيينِ:
أولًا: ترجيحُ روايةِ الوصلِ على الإرسالِ:
حديثُ عطاءٍ، أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- قالَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثًَا أَمْ أَرْبَعًَا؟ فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي صَلَّى خَامِسَةً شَفَعَهَا بِهَاتَينِ السَّجْدَتَينِ، وَإِنْ كَانَتْ رَابِعَةً فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيطَانِ».
الحديثُ أخرجَهُ أبو داودَ «ر ١٠٢٧»، والبيهقيُّ في معرفةِ السُّننِ والآثارِ «ر ١١٢٨»، منْ طريقِ عبدِ اللهِ بنِ وَهْبٍ (^١)، عنْ مالكٍ، عنْ زيدِ بنِ أسلمَ، عنْ عطاءِ بنِ يسارٍ مرسلًَا.
وتابعَهُ القعنبيُّ (^٢) عندَ أبي داودَ «ر ١٠٢٦»، والبيهقيِّ «ر ٣٦٤١».
وعبدُ الرَّزَّاقِ في مصنَّفِهِ «ر ٣٤٦٦».
ويحيى بنُ يحيى (^٣) في الموطأِ «ر ٢١٤».
وتابعَ مالكًَا على إرسالِهِ:
يعقوبُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ (^٤)، عندَ أبي داودَ «ر ١٠٢٧».
_________________
(١) عبد الله بن وهب بن مسلم، أبو محمد القرشي، «ت ١٩٧ هـ»، ثقة حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٣٦٩٤».
(٢) تقدمت ترجمته ص ٢٨١.
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٨٠.
(٤) يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، المدني، «ت ١٨١ هـ»، ثقة، أخرج له «خ م د ت س». انظر التقريب «ر ٧٨٢٤».
[ ٣٥٥ ]
وقدْ رواهُ الوليدُ بنُ مسلمٍ (^١) عنْ مالكٍ موصولًا، عندَ ابنِ حبَّانَ «ر ٢٦٦٣». وتابعَ مالكًَا على روايةِ الوصلِ جمعٌ مِنَ الرُّواةِ، منهُمْ:
داودُ بنُ قيسٍ (^٢)، عندَ مسلمٍ «ر ٥٧١».
وسليمانُ بنُ بلالٍ (^٣)، عندَ مسلمٍ «ر ٥٧١»، وابنِ حنبلٍ «ر ١١٧٩٩»، وابنِ حبَّانَ «ر ٢٦٦٩»، والبيهقيِّ «ر ٣٦١٩»، وأبي عَوَانةَ «ر ١٩٠٤».
وعبدُ العزيزِ الماجشونَ (^٤)، عندَ النَّسائيِّ «ر ١٢٣٩»، والدَّارِمِيِّ «ر ١٤٩٥».
وفُليحُ بنُ سليمانَ (^٥)، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١١٧٠٧».
ومحمَّدُ بنُ مُطرِّفٍ (^٦) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١١٨٤٨». وغيرُهُمْ.
فمنْ خلالِ السَّبرِ رُجِّحتَ روايةُ الوصلِ على روايةِ الإرسالِ، بقرينةِ كثرةِ العددِ وشدَّةِ الحفظِ، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَالحَدِيثُ مُتَّصِلٌ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ، لَا يَضُرُّهُ تَقْصِيرُ مَنْ قَصَّرَ بِهِ فِي اتِّصَالِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ وَصَلُوهُ حُفَّاظٌ مَقْبُولَةٌ زِيَادَتُهُمْ» (^٧).
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٢٣٩.
(٢) داود بن قيس الفراء، أبو سليمان الدباغ، القرشي، ثقة، أخرج له «خت م ٤». انظر التقريب «ر ١٨٠٨».
(٣) سليمان بن بلال التيمي، أبو محمد، أو أبو أيوب المدني، «ت ١٧٧ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٥٣٩».
(٤) تقدمت ترجمته ص ٢٤١.
(٥) فليح بن سليمان بن أبي المغيرة، أبو يحيى الأسلمي، «ت ١٦٨ هـ»، صدوق، كثير الخطأ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٥٤٤٣».
(٦) محمد بن مطرف بن داود، أبو غسان المدني، «ت بعد ١٦٠ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٣٠٥».
(٧) التَّمهيد ٥/ ١٩. وانظر الكلام عليه في العلل للدَّارقطنيِّ ١١/ ٣٦٠/ ر ٢٢٧٤. والأمثلة في كتب العلل مستفيضة على ترجيح الوصل على الإرسال، أو الإرسال على الوصل، انظر في ترجيح الإرسال على الوصل علل الترمذي «ر ٧٢» و«ر ٣٩٠» و«ر ٤٨٣»، وعلل الدَّارقطنيِّ «ر ٣٤٣٤» و«ر ٣١٧٠» و«ر ٣٠١».
[ ٣٥٦ ]
ثانيًا: ترجيحُ روايةِ الإرسالِ على الوصلِ:
مثالُهُ: حديثُ الحسنِ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-، في قولهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، قالَ: قيلَ: يا رسولَ اللهِ: ما السَّبيلُ؟ قالَ: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ».
* الحديثُ أخرجَهُ الدَّارقطنيُّ «٢/ ٢١٦»، والحاكمُ في المستدركِ «ر ١٦١٣» منْ طريقِ سعيدِ بنِ أبي عروبةَ (^١)، عنْ قتادةَ، عنْ أنسٍ -﵁-. موصولًَا.
وتابعَهُ حمَّادُ بنُ أبي سلمةَ، عندَ الدَّارقطنيِّ «٢/ ٢١٦»، والحاكمِ «ر ١٦١٤»، وصحَّحهُ على شرطِ مسلمٍ (^٢).
* وأخرجَهُ البيهقيُّ «ر ٨٤٢٢»، منْ طريقِ ابنِ أبي عروبةَ، عنْ قتادةَ، عنِ الحسنِ مرسلًَا.
قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ إِلَى الحَسَنِ، وَقَدْ رَوَاهُ الحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَيضًَا، إِلَّا أَنَّ الرَّاوِي عَنْ حَمَّادٍ، وَهُوَ أَبُو قَتَادَةَ: عَبْدُ اللهِ ابنُ وَاقِدٍ الحَرَّانِيُّ: مَتْرُوكٌ، وَقَدْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ» (^٣).
ثمَّ بيَّنَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» للحديثِ طرقًَا أخرى موصولةً، منْ حديثِ ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وجابرٍ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وعائشةَ -﵃-، وقالَ: «طُرُقُهَا
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٢٥٧.
(٢) المستدرك ١/ ٦٠٩.
(٣) التَّلخيص الحبير ٢/ ٢٢١.
[ ٣٥٧ ]
كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ الْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ مُسْنَدًا، وَالصَّحِيحُ مِنَ الرِّوَايَاتِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ الْمُرْسَلَةُ» (^١).
فبالسَّبرِ رُجِّحتْ روايةُ الأحفظِ المرسَلَةُ، على روايةِ الضَّعيفِ الموصولةِ، وإنْ كانُوا أكثرَ عددًَا، قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ الثِّقَاتِ، وَتَرْجِيحُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ الاِخْتِلَافِ إِمَّا فِي الإِسْنَادِ، وَإِمَّا فِي الوَصْلِ وَالإِرْسَالِ، وَإِمَّا فِي الوَقْفِ وَالرَّفْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الذِي يَحْصُلُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَإِتْقَانِهِ وَكَثْرَةِ مُمَارَسَتِهِ الوُقُوفَ عَلَى دَقَائِقِ عِلَلِ الحَدِيثِ» (^٢).
* * *
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٦٣.
[ ٣٥٨ ]
المَبْحَثُ العَاشِرُ: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ المُتَّصِلِ من المُنْقَطِعِ وَالمُعْضَلِ وَالمُعَلَّقِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُتَّصِلِ وَالمُنْقَطِعِ وَالمُعْضَلِ وَالمُعَلَّقِ (^١):
* المتَّصلُ: لغةً: ضدُّ المنقطعِ، وهوَ الملتئمُ والمتجمِّعُ بعضُهُ إلى بعضٍ (^٢).
اصطلاحًَا: الذي سمعَهُ كلُّ واحدٍ منْ رواتِهِ ممَّنْ فوقَهُ حتَّى ينتهي إلى منتهاهُ، سواءٌ كانَ مرفوعًَا أو موقوفًَا.
قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «فَخَرَجَ بِقَيدِ الاِتِّصَالِ: المُرْسَلُ وَالمُنْقَطِعُ وَالمُعْضَلُ وَالمُعَلَّقُ، وَكَذَا مُعَنْعَنُ المُدَلِّسِ قَبْلَ تَبَيُّنِ سَمَاعِهِ» (^٣). وقدَ تقدَّمَ الكلامُ على المرسَلِ والمدلَّسِ.
* المنقطِعُ: هوَ الحديثُ الذي سقطَ منْ رواتِهِ راوٍ واحدٌ قبلَ الصَّحابيِّ في موضعٍ واحدٍ أو مواضعَ متعدِّدةٍ غيرِ متواليةٍ، بحيثُ لا يزيدُ السَّاقطُ في كلٍّ منهَا على واحدٍ، وألَّا يكونَ السَّاقطُ في أوَّلِ السَّندِ (^٤).
_________________
(١) انظر في المتصل: الكفاية ص ٢٠، ومقدمة ابن الصلاح ص ٤٤، والمنهل الروي ص ٤٠، والنكت للزركشي ١/ ٤١٠، والشذا الفياح ١/ ١٣٨، والمقنع للأنصاري ١/ ١١٢، والنكت لابن حجر ١/ ٥١٠، وفتح المغيث ١/ ١٠٧، وتدريب الراوي ١/ ١٨٣، وشرح نخبة الفكر للقاري ص ٢٥٠.
(٢) انظر لسان العرب - مادة «وصل» - ١١/ ٧٢٦، ومختار الصحاح - مادة «وص ل».
(٣) انظر فتح المغيث ١/ ١٠٧.
(٤) وهذا هو تعريف المتأخرين، أما المتقدمون فقد عرفوه: بأنه الحديث الذي سقط منه راو أو أكثر من أي موضع من السند. قال النووي «ت ٦٧٦ هـ»: «إنه الصحيح الذي ذهب إليه الفقهاء والخطيب وابن عبد البر وغيرهم من المحدثين». وعليه يكون المنقطع أصلًا عامًا تندرج تحته أنواع الانقطاع. انظر في المنقطع: علوم الحديث للحاكم ص ٢٧، ومقدمة ابن الصلاح ص ٥٦، والتقريب ص ٣، والمنهل الروي ص ٤٦، والنكت للزركشي ٢/ ٥، والشذا الفياح ١/ ١٥٧، والمقنع للأنصاري ١/ ١٤١، والنكت لابن حجر ٢/ ٥٧٢، وفتح المغيث ١/ ١٥٦، وتدريب الراوي ص ٢٠٧، وشرح نخبة الفكر للقاري ص ٤١٢.
[ ٣٥٩ ]
* المُعْضَلُ: لغةً: أعضلَهُ، أي: أعياهُ (^١).
اصطلاحًا: ما سقطَ مِنْ إسنادِهِ اثنانِ أو أكثرُ في موضعٍ واحدٍ، سواءٌ كانَ في أوَّلِ السَّندِ أو وسطِهِ أو منتهاهُ (^٢). ويدخلُ فيهِ المعلَّقُ إذَا كانَ المحذوفُ اثنينَ مِنْ أوَّلِ السَّندِ.
* المعلَّقُ: لغةً: قالَ ابنُ فارسٍ «ت ٣٩٥ هـ»: «العَينُ وَاللَّامُ وَالقَافُ أَصْلٌ كَبِيرٌ صَحِيحٌ، يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَىً وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنْ يُنَاطَ الشَّيءُ بِالشَّيءِ العَالِي» (^٣).
اصطلاحًَا: هوَ ما حُذِفَ مُبتدأُ سندِهِ، سواءٌ كانَ المحذوفُ واحدًا أو أكثرَ على سبيلِ التَّوالي ولو إلى آخرِ السَّندِ (^٤).
_________________
(١) انظر لسان العرب - مادة «عضل» ١١/ ٤٥٢، ومختار الصحاح - مادة «ع ض ل».
(٢) انظر في المعضل: معرفة علوم الحديث ص ٣٦، ومقدمة ابن الصلاح ص ٥٩، والمنهل الروي ص ٤٧، والنكت للزركشي ٢/ ١٤، والشذا الفياح ١/ ١٥٩، والمقنع للأنصاري ١/ ١٤٥، والتقييد والإيضاح ص ٨١، والنكت لابن حجر ٢/ ٥٧٥، وفتح المغيث ١/ ١٥٦، وتدريب الراوي ١/ ٢١١.
(٣) معجم مقاييس اللغة ٤/ ١٢٥.
(٤) انظر في المعلق: مقدمة ابن الصلاح ص ٢٤، والمنهل الروي ص ٤٩، والنكت لابن حجر ١/ ٣٢٥، وفتح المغيث ١/ ٥٣، وتدريب الراوي ١/ ١١٧، وشرح نخبة الفكر للقاري ص ٣٩١.
[ ٣٦٠ ]
المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ الُمتَّصِلِ وَالمُنْقَطِعِ وَالمُعْضَلِ وَالمُعَلَّقِ:
الاتِّصالُ شرطٌ منْ شروطِ الحديثِ الصَّحيحِ، والمتَّصلُ إمَّا أنْ يكونَ صحيحًَا أو حسنًا أو ضعيفًا بحسبِ استيفائِهِ شروطَ الصَّحيحِ الأخرى أو اختلالِهَا فيهِ.
والمنقطعُ والمعضلُ والمعلَّقُ مِنْ أنواعِ الحديثِ الضَّعيفِ، وحكمُ كلٍّ منهَا الرَّدُّ للجهلِ بحالِ المحذوفِ، وبعضُ هذهِ الأنواعِ أشدُّ ضعفًَا مِنْ بعضٍ لتعدُّدِ المحذوفِ، قالَ شيخُنَا محمَّدُ عجاجٌ: «وَالمُنْقَطِعُ مَرْدُودٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ لِلْجَهْلِ بِحَالِ المَحْذُوفِ مِنْهُ، فَإِذَا جَاءَ المُنْقَطِعُ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ مُتَّصِلًَا، وَتَبَيَّنَتْ ثِقَةُ الرَّاوِي المَحْذُوفِ أَوْ المُبْهَمِ قُبِلَ» (^١).
والمعلَّقُ إذَا وردَ في كتابٍ التُزمَتْ صحَّتُهُ، كصحيحِ البخاريِّ وصحيحِ مسلمٍ، فإنَّ العلماءَ درسُوا معلَّقاتِهِمَا، وتوصَّلُوا إلى نتيجةٍ علميَّةٍ خاصَّةٍ بهمَا (^٢).
_________________
(١) أصول الحديث ص ٢٢٤.
(٢) ألف الحافظ ابن حجر كتاب «تغليق التعليق على صحيح البخاري» - طبع في المكتب الإسلامي - بيروت - ١٤٠٥ هـ - تحقيق: سعيد عبد الرحمن موسى القزقي.
[ ٣٦١ ]
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الُمتَّصِلِ وَالمُنْقَطِعِ وَالمُعْضَلِ وَالمُعَلَّقِ:
المنقطعُ والمعضلُ والمعلَّقُ يشتركانِ في الانقطاعِ، والانقطاعُ ضدُّ الاتِّصالِ، والاتِّصالُ شرطٌ في الإسنادِ مِنْ أوَّلِهِ إلى آخرِهِ، فإذَا اختلَّ الاتِّصالُ في موضعٍ مِنَ المواضعِ سُمِّيَ السَّندُ منقطعًَا، وتحديدُ نوعِ الانقطاعِ بالمنقطعِ أو المعضلِ أو المعلَّقِ يكونُ بمعرفةِ عددِ السَّاقطِ منَ الرُّواةِ وموضعِهِ منْ الإسنادِ.
ويُعرفُ الاتِّصالُ بتصريحِ الرَّاوي بإحدى صيغِ السَّماعِ الصَّريحةِ، لكنْ ربَّمَا يحصلُ التَّصريحُ بالسَّماعِ، ويحكمُ أئمَّةُ الحديثِ بالانقطاعِ، قالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «وَكَانَ أَحْمَدُ يَسْتَنْكِرُ دُخُولَ التَّحْدِيثِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَسَانِيدِ، وَيَقُولُ: هُوَ خَطَأٌ، يَعْنِي: ذِكْرَ السَّمَاعِ» (^١). وقالَ أيضًَا: «وَيَنْبَغِي التَّفَطُّنُ، وَلَا يُغْتَرُّ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ السَّمَاعِ وَالتَّحْدِيثِ فِي الأَسَانِيدِ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ المَدِينِيِّ: أَنَّ شُعْبَةَ وَجَدُوا لَهُ غَيرَ شَيءٍ يَذْكُرُ فِيهِ الإِخْبَارَ عَنْ شُيُوخِهِ، وَيَكُونُ مُنْقَطِعًَا» (^٢).
ولمعرفةِ المتَّصلِ مِنَ المنقطعِ مِنَ الأحاديثِ طُرقٌ نُبيِّنُهَا فيمَا يأتي، وهيَ:
أوَّلًَا: التَّنصيصُ على عدمِ السَّماعِ (^٣): سواءٌ مِنَ الرَّاوي نفسِهِ، كقولِ عمرِو بنِ مُرَّةَ «ت ١١٨ هـ»: «قُلْتُ لِأَبِي عُبَيدَةَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ: تَذْكُرُ مِنْ أَبِيكَ شَيئًَا؟ قَالَ: لَا» (^٤).
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٥٩٣.
(٢) المصدر ذاته ٢/ ٥٩٤.
(٣) انظر تحرير علوم الحديث ٢/ ٩١٣ و٩١٤.
(٤) العلل ومعرفة الرجال ١/ ٢٨٤.
[ ٣٦٢ ]
أو ممَّنْ روى عنهُ مِنَ الثِّقاتِ، كقولِ عبدِ الملكِ بنِ ميسرةَ «ت ٢٢٠ هـ»: «الضَّحَّاكُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابنِ عَبَّاسٍ -﵁-» (^١).
أو مِنَ النَّاقدِ العارفِ - وهذَا مبنيٌّ على السَّبرِ والاستقراءِ وعلى التَّاريخِ أيضًَا - بأنْ يُبيِّنَ عدمَ إدراكِ الرَّاوي لمنْ روى عنهُ، أو عدمَ سماعِهِ، أو عدمَ لُقِيِّهِ. كقولِ ابنِ المدينيِّ «ت ٢٣٤ هـ»: «لَمْ يَسْمَعْ أَبُو قِلَابَةَ مِنْ هِشَامِ بنِ عَامِرٍ، وَرَوَى عَنْهُ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ» (^٢).
ثانيًَا: معرفةُ تواريخِ الرُّواةِ: وهذا مِنْ أهمِّ الطُّرقِ التي سلكَهَا النُّقادُ واستدلُّوا بهَا على معرفةِ الاتِّصالِ والانقطاعِ في الأسانيدِ، قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَقَدِ احْتَلَّ التَّارِيخُ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ مَكَانَةً هَامَّةً جِدًَّا لِمَعْرِفَةِ اتِّصَالِ الأَسَانِيدِ وَانْقِطَاعِهَا، وَفِي الكَشْفِ عَنْ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ وَفَضْحِ الكَذَّابِينَ» (^٣).
قالَ سفيانُ الثَّوريُّ «ت ١٦١ هـ»: «لمَّا اسْتَعْمَلَ الرُّوَاةُ الكَذِبَ اسْتَعْمَلنَا لَهُمُ التَّارِيخَ» (^٤). وقالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «لمَّا قَدِمَ عَلَينَا مُحَمَّدُ بنُ حَاتِمٍ الكَشِّيُّ، وَحَدَّثَ عَنْ عَبْدِ بنِ حُمَيدٍ، سَأَلْتُهُ عَنْ مَولِدِهِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِئَتَينِ. فَقُلْتُ لِأَصْحَابِنَا: سَمِعَ هَذَا الشَّيخُ مِنْ عَبْدِ بنِ حُمَيدٍ بَعْدَ مَوتِهِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةٍ» (^٥).
_________________
(١) المراسيل لابن أبي حاتم ص ٩٥.
(٢) المصدر ذاته ص ١٠٩.
(٣) منهج النَّقد ص ١٤٣.
(٤) الكامل لابن عديٍّ ١/ ٨٤.
(٥) انظر مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٣٨٠. وتجدر الإشارة إلى أنَّ الحاكم في المستدرك «ر ٤١٩٨» روى حديثًا من طريق الكشِّيِّ هذا عن عبد بن حميد، وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه». وهذا تناقض بيِّن.
[ ٣٦٣ ]
وقدْ صنَّفَ المحدِّثونَ في تواريخِ الرُّواةِ (^١)، مِنْ أهمِّهَا:
١ - التَّاريخُ الكبيرُ للإمامِ البخاريِّ «ت ٢٥٦ هـ» (^٢).
٢ - المعرفةُ والتَّاريخُ - ليعقوبَ بنِ سفيانَ الفسويِّ «ت ٢٧٧ هـ» (^٣).
٣ - التَّاريخُ الكبيرُ - لابنِ أبي خيثمةَ (^٤).
٤ - مشاهيرُ علماءِ الأمصارِ لمحمَّدِ بنِ حبَّانَ البُستيِّ «ت ٣٥٤ هـ» (^٥).
٥ - تَاريخُ مولدِ العلماءِ ووفيَّاتِهِمْ - لمحمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ الرَّبعيِّ «ت ٣٩٧ هـ» (^٦).
ومعرفةُ المنقطعِ بالتَّاريخِ يجري أيضًَا على المعضلِ والمعلَّقِ، إلَّا أنَّهُ فيهِمَا أظهرُ وأجلى لبُعدِ طبقةِ الرَّاوي عنْ طبقَةِ مَنْ روى عنهُ في المعضلِ، وقدْ تكونُ في المعلَّقِ أبعدُ وأبينُ.
ثالثًَا: معرفةُ شيوخِ وتلاميذِ الرُّواةِ: فبهَا يُعرفُ السَّندُ المُتَّصلُ مِنَ المُنقطِعِ، وكتبُ الرِّجالِ حافلةٌ بإيرادِ ذلكَ لأجلِ هذَا الغرضِ.
رابعًَا: السَّبرُ وتتبُّعُ الطُّرقِ: فالسَّبرُ يُشيرُ إلى خللٍ ما في الإسنادِ، بأنْ يردَ الحديثُ مِنْ طريقِ الرَّاوي نفسِهِ أو مِنْ طريقٍ أُخرى فيهِ زيادةُ راوٍ أو أكثرَ، في أكثرَ مِنْ موضعٍ،
_________________
(١) للاستزادة انظر الرسالة المستطرفة ص ١٢٨ وما بعدها.
(٢) طبع في دار الفكر - دمشق - ١٩٨٦ م - تحقيق: السيد هاشم الندوي.
(٣) طبع في دار الكتب العلمية - بيروت - ١٤١٩ هـ - تحقيق: خليل المنصور.
(٤) طبع في دار الفاروق الحديثة للطباعة والنشر - القاهرة - ١٤٢٤ هـ - تحقيق: صلاح بن فتحي هلل.
(٥) طبع في دار الكتب العلمية - بيروت - ١٩٥٩ هـ - تحقيق: م. فلايشهمر.
(٦) ذيله الكتاني «ت ٤٦٦ هـ»، وذيله أيضًا الأكفاني «ت ٥٢٤ هـ» - طبعت الثلاثة في دار العاصمة - الرياض - ١٤٠٩ هـ - تحقيق: د. عبد الله أحمد سليمان الحمد.
[ ٣٦٤ ]
يتَّضحُ مِنْ خلالِ القرائنِ أنَّ الحديثَ الناقصَ منقطعٌ والزَّائدَ متصلٌ. فبهِ يُعرفُ الانقطاعُ ويُحدَّدُ نوعُهُ، قالَ ابنُ جماعةَ «ت ٧٣٣ هـ»: «وَقَدْ يُعْرَفُ الاِنْقِطَاعُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ بِزِيَادَةِ رَجُلٍ أَوْ أَكْثَرَ» (^١). ويُحكمُ بصحَّتِهِ بورودِهِ متَّصلًا مِنْ طريقٍ أُخرى إذَا عُرفَ السَّاقطُ وكانَ ثقةً، قالَ المُناويُّ «ت ١٠٣١ هـ»: «وَقَدْ يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ إِنْ عُرِفَ، بِأَنْ يَجِيءَ السَّاقِطُ مُسَمَّىً مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى» (^٢).
مثالُ الحديثِ المنقطعِ، المتَّصلِ مِنْ وجهٍ آخرَ:
حديثُ أمِّ سلمةَ -﵁-: أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ-: «إِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ».
* الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر ١٥٤٦»، والنَّسائيُّ «ر ٣٩٠٤»، وابنُ أبي شيبةَ «ر ١٣١٣٨»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٥٧١» منْ طريقِ هشامِ بنِ عروةَ (^٣)، عنْ أبيهِ، عنْ أمِّ سلمةَ، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.
* وأخرجَهُ البخاريُّ «ر ١٥٤٦»، ومسلمٌ «ر ١٢٧٦»، وأبو داودَ «ر ١٨٨٢»، ومالكٌ «ر ٨٢٦» وابنُ خزيمةَ «ر ٢٧٧٦»، وابنُ حبَّانَ «ر ٣٨٣٠»، وأبو عوانةَ «ر ٣٤٢٢»، والبيهقيُّ «ر ٩٠٢٩»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٨٠٤»، منْ طريقِ محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ (^٤)، عنْ عروةَ بنِ الزُّبيرِ، عنْ زينبَ بنتِ أبي سلمةَ، عنْ أمِّ سلمةَ ﵂.
_________________
(١) المنهل الروي ص ٤٦.
(٢) اليواقيت والدرر ١/ ٤٨٩.
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٥٧.
(٤) محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان العامري، عامر قريش المدني، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٠٦٨».
[ ٣٦٥ ]
فبيَّنتِ الطَّريقُ الأُخرى زيادةَ راوٍ، وهيَ زينبُ بنتُ أبي سلمةَ، ممَّا دلَّ على انقطاعٍ في الطَّريقِ الأُولى، لأنَّ عروةَ كمَا قالَ الطَّحاويُّ (^١) «ت ٣٢١ هـ»: «لَا نَعْلَمُ لَهُ سَمَاعًَا مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ» (^٢).
قالَ الدَّارقطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «هَذَا مُنْقَطِعٌ، وَقَدْ وَصَلَهُ حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَينَبَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَوَصَلَهُ مَالِكُ فِي المُوَطَّأِ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ» (^٣).
وإذا أتتْ زيادةُ راويينِ متتاليينِ في موضعِ الحذفِ منْ طريقِ الرَّاوي نفسِهِ أو طريقٍ أُخرى في غير أوَّلِهِ، فيكونُ مُعضلًا، وقدْ قسَّمَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» المعضلَ إلى قسمينِ، وجعلَ القسمَ الأوَّلَ: ما كانَ معضَلًا ولمْ يردْ مُتَّصلًا مِنْ طريقٍ أُخرى، والقسمَ الآخرَ: ما كانَ مُعضَلًا مِنْ وجهٍ، ثمَّ يُوجدُ مُتَّصلًا مِنْ طريقٍ أُخرى، ثمَّ قالَ: «فَيَنْبَغِي لِلعَالِمِ بِهَذِهِ الصَّنْعَةِ أَنْ يُمَيِّزَ بَينَ المُعْضَلِ الذِي لَا يُوصَلُ، وَبَينَ مَا أَعْضَلَهُ الرَّاوِي فِي وَقْتٍ ثُمَّ وَصَلَهُ فِي وَقْتٍ» (^٤).
قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَقَدْ يَكُونُ الحَدِيثُ مُعْضَلًَا، وَيَجِيءُ مِنْ غَيرِ طَرِيقِ مَنْ أَعْضَلَهُ مُتَّصَلًَا، كَحَدِيثِ خُلَيدِ بنِ دَعْلَجٍ، عَنِ الحَسَنِ: «أَخَذَ المُؤْمِنُ عَنِ اللهِ أَدَبًَا حَسَنًَا، إِذَا وَسَّعَ عَلَيهِ وَسَّعَ، وَإِذَا قَتَرَ عَلَيهِ قَتَرَ». فَهُوَ مَرْوِيٌّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بنِ عَبْدِ
_________________
(١) أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي، أبو جعفر الطحاوي، «٢٣٩ هـ - ٣٢١ هـ»، كان شافعيًا ثم انتقل إلى المذهب الحنفي، من تصانيفه: «شرح معاني الآثار»، و«مشكل الآثار»، و«بيان السنة»، و«الاختلاف بين الفقهاء». انظر طبقات الحفاظ ص ٣٣٩.
(٢) شرح مشكل الآثار ٩/ ١٤١.
(٣) نقله الحافظ في الفتح، وقال «ت ٨٥٢ هـ» معقِّبًا: «اعتمد البخاريُّ فيه رواية مالك التي أثبت فيها ذكر زينب، ثم ساق معها رواية هشام التي سقطت منها حاكيًا للخلاف فيه على عروة كعادته، مع أنَّ سماع عروة من أمِّ سلمة ليس بمستبعد، والله أعلم». فتح الباري ١/ ٣٥٨.
(٤) معرفة علوم الحديث ص ٣٧.
[ ٣٦٦ ]
الكَرِيمِ الضَّالِّ، عَنْ أَبِي عَمْرَةَ، عَنِ ابنِ عُمَرَ -﵁-، رَفَعَهُ بِهِ. ذَكَرَهُ الحَاكِمُ» (^١).
مثالُ الحديثِ المعضلِ، المتَّصلِ منْ وجهٍ آخرَ:
* ما أخرجَهُ مالكٌ في الموطَّأِ «ر ١٧٦٩»، عنْ أبي هُريرةَ -﵁-: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ».
وقدْ وصلَهُ مالكٌ، عنْ محمَّدِ بنِ عجلانَ، عنْ أبيهِ، عنْ أبي هريرةَ -﵁-، عندَ أبي عَوَانةَ «ر ٦٠٧٤»، والطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ١٦٨٥»، والبزَّارِ «ر ٨٣٨٤».
* ورُويَ أيضًَا موصلًا مِنْ طريقِ عمرِو بنِ الحارثِ (^٢)، عنْ بُكيرِ بنِ عبدِ اللهِ، عنْ عجلانَ، عنْ أبي هريرةَ، عندَ مسلمٍ «ر ١٦٦٢»، وابنِ حنبلٍ «ر ٧٣٥٩».
وتابعَهُ محمَّدُ بنُ عجلانَ (^٣)، عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٨٤٩١»، والبزَّارِ «ر ٨٣٤١»، وابنِ حبَّانَ «ر ٤٣١٢»، والحميديِّ «ر ١١٥٥» (^٤).
فهذَا الحديثُ رُويَ مُعضَلًا وموصولًَا مِنْ طريقِ المُعضِلِ نفسِهِ، ومِنْ طريقِ غيرِهِ أيضًا.
_________________
(١) فتح المغيث ١/ ١٦١.
(٢) عمرو بن الحارث بن يعقوب، أبو أيوب الأنصاري، «ت ١٥٠ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٥٠٠٤».
(٣) محمد بن عجلان المدني، «ت ١٤٨ هـ»، صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، أخرج له «خت م ٤». انظر التقريب «ر ٦١٣٦».
(٤) وقد فصَّل الدَّارقطنيُّ الكلام على هذا الحديث وطرقه في كتابه العلل، فليُنظر ١١/ ١٣٣.
[ ٣٦٧ ]
وإذَا كانتِ الزِّيادةُ مِنْ طريقِ الرَّاوي نفسِهِ أو طريقٍ أُخرى براويينِ أو أكثرَ مِنْ أوَّلِ السَّندِ، كانَ مُعلَّقًا، وبذلكَ فقدْ حكمَ العلماءُ بصحَّةِ المعلَّقاتِ في صحيحي البخاريِّ ومسلمٍ بإيجادِ طُرقٍ أُخرى للحديثِ موصولةٍ، وهوَ المنهجُ الذي اتَّبعَهُ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» في تغليقِهِ لمعلَّقاتِ البُخاريِّ، فقالَ: «إِذَا وُجِدَ الحَدِيثُ المُعَلَّقُ مِنْ رِوَايَةِ بَعْضِ الحُفَّاظِ مَوصُولًَا إِلَى مَنْ عَلَّقَهُ بِشَرْطِ الصِّحَّةِ أَزَالَ الإِشْكَالَ، وَلِهَذَا عَنِيتُ فِي ابْتِدَاءِ الأَمْرِ بِهَذَا النَّوعِ، وَصَنَّفْتُ كِتَابَ «تَغْلِيقِ التَّعْلِيقِ»» (^١).
مثالُ الحديثِ المعلَّقِ، المتَّصلِ مِنْ وجهٍ آخرَ:
قالَ البُخاريُّ «ت ٢٥٦ هـ»: «وَقَالَ صِلَةُ عَنْ عَمَّارٍ: مَنْ صَامَ يَومَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ -ﷺ-».
* هكذَا أخرجَهُ البخاريُّ معلَّقًَا (^٢)، وجاءَ موصولًَا مِنْ طريقِ أبي خالدٍ الأحمرِ (^٣)، عنْ عمرِو بنِ قيسٍ، عنْ أبي إسحاقَ، عنْ صلةَ بنِ زُفَرٍ، عنْ عمَّارِ بنِ ياسرٍ -﵁-، عندَ أبي داودَ «ر ٢٣٣٤»، والتِّرمذيِّ «ر ٦٨٦»، والنَّسائيِّ «ر ٢٤٩٨»، وابنِ ماجةَ «ر ١٦٤٥»، والدَّارميِّ «ر ١٦٨٢»، والبيهقيِّ «ر ٧٧٤١»، وابنِ حبَّانَ «ر ٣٥٨٥»، وأبي يعلى «ر ١٦٤٤» (^٤).
_________________
(١) فتح الباري ١٠/ ٥٣.
(٢) صحيح البخاري ٢/ ٦٧٤.
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٩٥.
(٤) تغليق التعليق ٣/ ١٣٩، والتلخيص الحبير ٢/ ١٩٧.
[ ٣٦٨ ]
وقدْ نجدُ حديثًَا ظاهرُهُ الاتِّصالُ، ويُروى بسندٍ آخرَ ظاهرُهُ الانقطاعُ، فيتعارضُ الانقطاعُ والاتِّصالُ، والكلامُ عليهِ كالكلامِ السَّابقِ في تعارضِ الوصلِ والإرسالِ (^١)، بأنَّهُ عندَ التَّعارضِ ليسَ للمحدِّثينَ قاعدةٌ كلِّيَّةٌ مُضطردةٌ، وإنَّمَا العمدةُ في ذلكَ القرائنُ والمرجِّحاتُ، ككثرةِ العددِ، وقوَّةِ الحفظِ، وما إلى ذلكَ مِنَ المرجِّحاتِ التي تستبينُ بالسَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، قالَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «إِنَّ الجَمَاعَةَ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي إِسْنَادِ حَدِيثٍ، كَانَ القَولُ فِيهِمْ لِلْأَكْثَرِ عَدَدًَا أَوْ لِلْأَحْفَظِ وَالأَتْقَنِ … وَعِنْدَ الاِخْتِلَافِ فِيمَا هُوَ مُقْتَضَىً لِصِحَّةِ الحَدِيثِ أَوْ لِتَعْلِيلِهِ، يَرْجُعُ إِلَى قَولِ الأَكْثَرِ عَدَدًَا لِبُعْدِهِمْ عَنِ الغَلَطِ وَالسَّهْوِ، وَذَلِكَ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ. فَإِنْ تَفَارَقُوا وَاسْتَوَى العَدَدُ فَإِلَى قَولِ الأَحْفَظِ وَالأَكْثَرِ إِتْقَانًَا، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَى العَمَلِ بِهَا عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ» (^٢).
مثالُ ذلكَ: حديثُ عائشةَ -﵁-، قالتْ: كنتُ أنا وحفصةُ صائمتينِ، فعُرِضَ لنَا طعامٌ اشتهيناهُ فأكلنَا منهُ، فجاءَ -ﷺ- فبدرتنِي إليهِ حفصةُ، وكانتْ ابنةُ أبيهَا، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّا كنَّا صائمتينِ فعُرضَ لنَا طعامٌ اشتهيناهُ فأكلنَا منهُ، فقالَ -ﷺ-: «اِقْضِيَا يَومًَا آَخَرَ مَكَانَهُ».
* الحديثُ أخرجَهُ التِّرمذيُّ «ر ٧٣٥»، والنَّسائيُّ «ر ٣٢٩١»، وابنُ حنبلٍ «ر ٢٦٣١٠»، والبيهقيُّ «ر ٨١٤٨»، وأبو يعلى «ر ٤٦٣٩»، وابنُ راهويهِ «ر ٦٥٨» منْ طريقِ جعفرِ بنِ بُرْقانَ (^٣)، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ -﵁- هكذَا موصولًَا.
_________________
(١) انظر ص ٣١١.
(٢) نظم الفرائد ص ٣٦٧.
(٣) جعفر بن برقان، أبو عبد الله الرقي، «ت ١٥٠ هـ»، صدوق، يهم في حديث الزهري، أخرج له «بخ م ٤». انظر التقريب «ر ٩٣٢».
[ ٣٦٩ ]
وتابعَهُ حجَّاجُ بنُ أرطأةَ (^١) عندَ ابنِ عبدِ البرِّ في التَّمهيدِ «ر ١٢/ ٦٨».
ومحمَّدُ بنُ أبي حفصةَ (^٢) عندَ التِّرمذيِّ «ر ٧٣٥».
وصالحُ بنُ كيسانَ (^٣) عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٢٩٥».
وصالحُ بنُ أبي الأخضرِ (^٤) عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٢٩٣»، وابنِ حنبلٍ في العللِ «ر ٥١٠٣»، والبيهقيِّ «ر ٨١٥٠»، وابنِ راهويهِ «ر ٦٦٠».
وسفيانُ بنُ حسينٍ (^٥) عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٢٩٣»، وابنِ حنبلٍ في العللِ «ر ٥١٠٠».
وهؤلاءِ منهُمْ منْ يصلُحُ حديثُهُ للمتابعةِ، ومنهُمُ الضَّعيفُ، ومنهُمُ الثِّقةُ، روَوا الحديثَ عنِ الزُّهْريِّ، عنْ عروةَ، عنْ عائشةَ -﵁- مُتَّصلًَا.
* وأخرجَهُ مالكُ بنُ أنسٍ في الموطَّأِ «ر ٦٧٦»، عنِ الزُّهريِّ، عنْ عائشةَ -﵁-، هكذَا مُنقطعًَا مِنْ غيرِ ذكرِ عروةَ بينَ الزُّهريِّ وعائشةَ -﵁-.
وتابعَهُ جمعٌ مِنَ الأثباتِ منهُمْ:
_________________
(١) حجاج بن أرطأة بن ثور بن هبيرة النخعي، أبو أرطأة الكوفي، «ت ١٤٥ هـ»، صدوق، كثير الخطأ والتدليس، أخرج له «بخ م ٤». انظر التقريب «ر ١١١٩».
(٢) محمد بن أبي حفصة، أبو سلمة البصري، صدوق، يخطئ، أخرج له «رخ م مد س». انظر التقريب «ر ٥٨٢٦».
(٣) صالح بن كيسان، أبو محمد الحارث، «ت بعد ١٣٠ هـ»، ثقة ثبت، فقيه، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٨٨٤».
(٤) صالح بن أبي الأخضر اليمامي، «ت بعد ١٤٠ هـ»، ضعيف يعتبر به، أخرج له الأربعة. انظر التقريب «ر ٢٨٤٤».
(٥) سفيان بن حسين، أبو محمد الواسطي، ثقة في غير الزهري، أخرج له «خت م ٤». انظر التقريب «ر ٢٤٣٧».
[ ٣٧٠ ]
معمرُ بنُ راشدٍ (^١) عندَ النَّسائيِّ «ر ٣٢٩٦»، وابنِ حنبلٍ في العللِ «ر ٥١٠٥».
وابنُ عيينةَ (^٢) عندَ أحمدَ في العللِ «ر ٥١٠٤»، والبيهقيِّ «ر ٨١٥١».
وابنُ جُريجٍ (^٣) عندَ عبدِ الرَّزَّاقِ «ر ٧٧٩١»، وابنِ راهويهِ «ر ٨٨٥».
ومحمَّدُ بنُ الوليدِ (^٤) عندَ البيهقيِّ «ر ٨١٤٧».
ويونسُ بنُ يزيدَ (^٥) عندَ البيهقيِّ «ر ٨١٤٧».
فالذينَ روَوهُ مُنقطعًَا مِنَ الثِّقاتِ الأثباتِ، وهمْ أشدُّ حفظًَا، وأكثرُ عددًَا، قالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «رَوَاهُ ثِقَاتُ الحُفَّاظِ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ مُنْقَطِعًَا» (^٦).
وقالَ البُخاريُّ «ت ٢٥٦ هـ»: «لَا يَصِحُّ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -﵁-» (^٧).
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٢٣٢.
(٢) تقدمت ترجمته ص ٢٣٠.
(٣) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، المكي، «ت ١٥٠ هـ»، ثقة، فقيه، كان يدلس ويرسل، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤١٩٣».
(٤) محمد بن الوليد، أبو الهذيل الزبيدي، «ت ١٤٩ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له «خ م س جه». انظر التقريب «ر ٦٣٧٢».
(٥) تقدمت ترجمته ص ٢٤٠.
(٦) سنن البيهقي ٤/ ٢٧٩.
(٧) علل الترمذي ص ١١٩.
[ ٣٧١ ]
ويُؤيِّدُ الانقطاعَ: ما رواهُ ابنُ جُريجٍ «ت ١٥٠ هـ»، قالَ: «سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: أَحَدَّثَكَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ؟، قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا شَيئًَا، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ فِي خِلَافَةِ سُلَيمَانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ مِنْ نَاسٍ عَنْ بَعْضِ مَنْ سَأَلَ عَائِشَةَ -﵁- عَنْ هَذَا الحَدِيثِ» (^١).
* * *
_________________
(١) جزء ابن جريج ص ٥٠.
[ ٣٧٢ ]
المَبْحَثُ الحاديْ عشرَ: مَعْرِفَةُ الحَدِيْثِ المَرْفُوْعِ مِنَ المَوْقُوْفِ وَالمَقْطُوْعِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيْفُ المَرْفُوْعِ والمَوْقُوْفِ وَالمَقْطُوْعِ (^١):
المرفوعُ: لغةً: اسمُ مفعولٍ، وهوَ ضِدُّ الوضعِ والخفضِ (^٢).
اصطلاحًَا: هوَ ماْ أُضيفَ إلىْ النَّبيِّ -ﷺ- خاصَّةً منْ قولٍ أوْ فعلٍ أوْ تقريرٍ أوْ وصفٍ.
الموقوفُ: لغةً: اسمُ مفعولٍ، مِنْ وقفَ الشَّيءَ إذَا حبسَهُ (^٣).
اصطلاحًَا: وهوَ ماْ أُضيفَ إلىْ الصَّحابةِ -﵃-، ولمْ يتجاوزْ بهِ إلىْ رسولِ اللهِ -ﷺ-.
وقدْ سُمِّيَ موقوفًا لأنَّهُ وُقِفَ بهِ عندَ الصَّحابيِّ، ولمْ يرتفعْ إلىْ النَّبيِّ -ﷺ-.
المقطوعُ: لغةً: مِنْ قَطَعَ الشَّيءَ، إذَا انفصَلَ، وهوَ غيرُ المنقطعِ، والفرقُ بينَهُمَا: أنَّ المقطوعَ مِنْ مباحثِ المتنِ، والمنقطعَ منْ مباحثِ الإسنادِ (^٤).
اصطلاحًَا: هوَ ماْ أُضيفَ إلىْ التَّابعيِّ.
_________________
(١) انظر في المرفوع والموقوف والمقطوع: مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٤٥ - ٤٧، والتَّقريب ص ٢، ورسوم التَّحديث ص ٦٤ - ٦٨، والمنهل الرَّويِّ ص ٤٠ - ٤٢، والنُّكت للزَّركشيِّ ١/ ٤١١ - ٤١٢ و٤٢٠، والشَّذا الفيَّاح ١/ ١٣٩ - ١٤١، والمقنع ١/ ١١٣ - ١١٦، والنُّكت لابن حجر ١/ ٥١١ - ٥١٤، وفتح المغيث ١/ ١٠٢ - ١١٠، وتدريب الرَّاوي ١/ ١٨٣ - ١٨٤ و١٩٤.
(٢) انظر لسان العرب ٨/ ١٣٠ - مادة «رفع».
(٣) المصدر ذاته ٩/ ٣٦٠ - مادة «وقف». وقد يستعمل مقيَّدًا في غير الصَّحابيِّ، فيقال: حديث كذا وكذا وقفه فلان على عطاء أو على طاووس أو نحو هذا.
(٤) المصدر ذاته ٨/ ٢٧٨ - مادة «قطع».
[ ٣٧٣ ]
المَطْلَبُ الثَّانيْ: حُكْمُ المَرْفُوْعِ والمَوْقُوْفِ وَالمَقْطُوْعِ:
الوصفُ بالرَّفعِ أوْ الوقفِ أوْ القطعِ خاصٌ بالمتنِ دونَ الإسنادِ، فعلىْ ذلكَ فإنَّ الحديثَ المرفوعَ والموقوفَ والمقطوعَ، منهُ الصَّحيحُ ومنهُ الحسنُ ومنهُ الضَّعيفُ، بحسبِ توفُّرِ شروطِ القبولِ مِنْ عدمِهَا (^١).
إلَّا أنَّهُ ينبغيْ التَّنبُّهُ إلىْ أنَّهم أخرجُوا المقطوعَ مِنْ دائرةِ الموصولِ، قالَ الحافظُ العراقيُّ فيْ ألفيَّتهِ:
وَإنْ تَصِلْ بِسَنَدٍ مَنْقُوْلَا … فَسَمِّهِ مُتَّصِلًا مَوْصُوْلا
سَوَاءٌ المَوْقُوْفُ وَالمَرْفُوْعُ … وَلَمْ يَرَوْا أنْ يَدْخُلَ المَقْطُوْعُ
قال السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَمُطْلَقُهُ، أَيْ: المُتَّصِلُ يَقَعُ عَلَىْ المَرْفُوْعِ وَالمَوْقُوْفِ، أَمَّا مَعَ التَّقْيِيْدِ فَهُوَ جَائِزٌ، بَلْ أَيْضًَا فِيْ كَلَاْمِهِمْ، يَقُوْلُوْنَ: هَذَا مُتَّصِلٌ إِلَىْ سَعِيْدِ بنِ المُسَيَّبِ، أَوْ إِلَىْ الزُّهْرِيِّ، أَوْ إِلَىْ مَالِكٍ» (^٢).
وهذَا منْ حيثُ اتِّصالُ الإسنادِ إليهِ، أمَّا مِنْ حيثُ الاحتجاجُ بهِ فيْ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ فقدْ اختلفَ العلماءُ فيْ الحديثِ الموقوفِ والمقطوعِ، بمَا يأتيْ:
الحديثُ الموقوفُ مِنْ حيثُ الاحتجاجُ بهِ فيْ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ، محطُّ خلافٍ بينَ الفقهاءِ ليسَ محلُّ بسطِهِ هُنَا (^٣)، لكنَّ الموقوفَ إذَا احتَفَّ بقرائنَ كانَ لهُ حكمُ الرَّفعِ، كأنْ
_________________
(١) انظر منهج النَّقد - د. نور الدِّين - ص ٣٢٧.
(٢) فتح المغيث ١/ ١٠٧.
(٣) انظر منهج النَّقد - د. نور الدِّين - ص ٣٢٨.
[ ٣٧٤ ]
يكونَ ممَّا لاْ مجالَ فيهِ للرَّأيِ والقياسِ، وماْ أضافَهُ الصَّحابيُّ إلىْ العهدِ الماضيْ، أوْ أنْ يُصدِّرَ الصَّحابيُّ حديثَهُ بمَا يُفيدُ الرَّفعَ، ك «أُمرْنَا أوْ نهينَا، أوْ منَ السُّنَّةِ كذَا»، أوْ أنْ يذكرَ فيْ الحديثِ عندَ ذكرِ الصَّحابيِّ ماْ يُفيدُ الرَّفعَ، كقولِهِمْ «يرفعُهُ، أوْ ينمِّيهِ».
والحديثُ المقطوعُ لاْ يُحتجُّ بِهِ فيْ شيءٍ مِنَ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ، ولوْ صحَّتْ نسبتُهُ إلىْ قائلِهِ، لأنَّهُ كلامُ أوْ فعلُ أحدٍ مِنَ المسلمينَ، إلَّا إذَا احتفَّ بقرينةٍ تُفيدُ رفعَهُ، فقدَ قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَإِذَا قَاْلَ الرَّاوِيْ عَنِ التَّابِعِيِّ: يَرْفَعُ الحَدِيْثَ أَوْ يَبْلُغُ بِهِ، فَذَلِكَ أَيْضًَا مَرْفُوْعٌ، وَلَكِنَّهُ مَرْفُوْعٌ مُرْسَلٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ» (^١).
_________________
(١) مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٥٠.
[ ٣٧٥ ]
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِيْ مَعْرِفَةِ المَرْفُوْعِ والمَوْقُوْفِ وَالمَقْطُوْعِ:
تبرزُ أهميَّةُ تمييزِ المرفوعِ مِنَ الموقوفِ مِنَ المقطوعِ فيْ أنَّ بعضَ كتبِ الحديثِ - كالجوامعِ وبعضِ السُّننِ والمصنَّفاتِ والموطَّآتِ (^١) - ضمَّتْ فيهَا الأنواعَ الثَّلاثةَ، وغرضُهُم مِنْ ذلكَ جمعُ الحديثِ للمحافظةِ عليهِ، فتوسَّعُوا بذكرِ كلِّ ماْ وردَ فيْ المسألةِ مِنْ أقوالِ التَّابعينَ والصَّحابةِ والأحاديثِ المرفوعةِ، ونقلوهُ بأسانيدِهِمْ.
والمرفوعُ والموقوفُ والمقطوعُ، هيَ ألقابٌ للحديثِ مِنْ جهةِ مَنْ يُضافُ إليهِ، تُعرفُ بمجرَّدِ معرفةِ مَنْ أُضيفتْ إليهِ، فإذَا أضيفتْ للنبيِّ -ﷺ- كانَ الحديثُ مرفوعًَا، أوْ إلىْ الصَّحابيِّ كانَ موقوفًَا، أوْ إلىْ التَّابعيِّ كانَ مقطوعًَا.
لكنَّهُ قدْ يحصلُ اختلافٌ بينَ الموقوفِ والمقطوعِ تبعًَا للاختلافِ فيْ تحديدِ الرَّاويْ، هلْ هوَ تابعيٌّ أوْ صحابيٌّ؟ فلاْ بدَّ منْ تمييزِ التَّابعيِّ مِنَ الصَّحابيِّ، ومظنَّةُ ذلكَ الكتبُ المصنَّفةُ فيْ الصَّحابةِ خصوصًَا، وفيْ الطَّبقاتِ والرِّجالِ عُمومًَا (^٢).
وأثرُ السَّبرُ فيْ هذهِ الأنواعِ الثَّلاثةِ، يتجلَّىْ فيْ نواحٍ عدَّةٍ:
_________________
(١) من أهمِّها: جامع معمر بن راشد «ت ١٥٤ هـ»، وجامع سفيان الثَّوريِّ «ت ١٦١ هـ»، وجامع سفيان بن عيينة «ت ١٩٨ هـ»، وسنن سعيد بن منصور «ت ٢٢٧ هـ»، وسنن البيهقي «ت ٤٥٨ هـ»، ومصنَّف عبد الرَّزَّاق «ت ٢١١ هـ»، ومصنَّف ابن أبي شيبة «ت ٢٣٥ هـ»، والموطَّأ للإمام مالك «ت ١٧٩ هـ».
(٢) ينبغي التَّنبُّه إلى أنَّ بعض الرُّواة عُدَّ من التَّابعين ولم يسمع من الصَّحابة، كإبراهيم النَّخعيِّ، وطبقة عدادهم في أتباع التَّابعين وقد لقوا الصَّحابة، كأبي الزِّناد، وقوم عُدُّوا من التَّابعين وهم من الصَّحابة كالنُّعمان وسويد ابني مقرِّن. انظر مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٣٠٦.
[ ٣٧٦ ]
أوَّلًا: البحثُ عنْ أصلٍ مرفوعٍ للموقوفِ أوْ المقطوعِ: فقدْ يرويْ الصَّحابيُّ الحديثَ يرفعُهُ مرَّةً، ويوقفُهُ علىْ نفسِهِ مرَّةً أُخرىْ، قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «اِخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ فِيْ الرَّفْعِ وَالوَقْفِ لَاْ يُؤَثِّرُ فِيْ الحَدِيْثِ ضَعْفًَا، لِجَوَازِ أَنْ يَكُوْنَ الصَّحَابِيُّ يُسْنِدُ الحَدِيْثَ مَرَّةً وَيَرْفَعُهُ إِلَىْ النَّبِيِّ -ﷺ- وَيَذْكُرُهُ مَرَّةً أُخْرَىْ عَلَىْ سَبِيْلِ الفَتْوَىْ وَلَاْ يَرْفَعُهُ، فَيُحْفَظُ الحَدِيْثُ عَنْهُ عَلَىْ الوَجْهَيْنِ جَمِيْعًَا» (^١).
وقدْ يُقصِّرُ أو يتعمَّدُ (^٢) أحدُ الرُّواةِ فيُوقفُ المرفوعَ، أوْ يقطعُ المرفوعَ أوْ الموقوفَ، ويُدركُ بمجيئِهِ مرفوعًَا مِنْ طريقٍ أُخرىْ أقوىْ.
قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «وَمِمَّا يَلْزَمُ طَالِبَ الحَدِيْثِ مَعْرِفَتُهُ نَوْعًا آَخَرَ مِنَ المَوْقُوْفَاتِ، وَهِيَ مُسْنَدَةٌ فِيْ الأَصْلِ، يُقَصِّرُ بِهِ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَلَاْ يُسْنِدُهُ، مِثَالُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا يَحْيَىْ بنُ مُحَمَّدٍ العَنْبَرِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ العَبْدِيُّ، ثَنَا أُمَيَّةُ بنُ بَسْطَامٍ، ثَنَا يَزِيْدُ بنُ زُرَيْعٍ، ثَنَا رَوْحُ بنُ القَاسِمِ، ثَنَا مَنْصُوْرٌ، عَنْ رَبْعِيِّ بنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِيْ مَسْعُوْدٍ -﵁- قَاْلَ: «إِنَّمَا حَفِظَ النَّاسُ مِنْ آَخِرِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَاْ شِئْتَ». هَذَاْ حَدِيْثٌ أَسْنَدَهُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَغَيْرُهُمَا، عَنْ مَنْصُوْرٍ، وَقَدْ قَصَّرَ بِهِ رَوْحُ بنُ القَاسِمِ فَوَقَفَهُ. وَمِثَالُ هَذَا فِيْ الحَدِيْثِ كَثِيْرٌ، وَلَاْ يَعْلَمُ سَنَدَهَا إِلَّاْ الفُرْسَانُ مِنْ نُقَّادِ الحَدِيْثِ، وَلَاْ تُعَدُّ فِيْ المَوْقُوْفَاتِ» (^٣).
_________________
(١) الكفاية ص ٤١٧.
(٢) وقد أُلِّف مؤخرًا كتاب بعنوان «الثقات الذين تعمدوا وقف المرفوع أو إرسال الموصول» للدكتور علي الصياح - دار ابن الجوزي - السعودية - الدمام - ١٤٣٠ هـ.
(٣) معرفة علوم الحديث ص ٢٠.
[ ٣٧٧ ]
وقالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «ثَنَا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيْ صَالِحٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ -﵁-، «أَنَّ رَجُلًا رَفَعَ غُصْنَ شَوْكٍ من طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَغُفِرَ له»، قال عبد اللَّهِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مَرْفُوعٌ، وَلَكِنَّ سُفْيَانَ قَصَّرَ في رَفْعِهِ» (^١).
وقالَ ابنُ أبيْ حاتمٍ «ت ٣٢٧ هـ»: «سَأَلْتُ أَبِيْ عَنْ حَدِيْثٍ رَوَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُوْسَىْ وَغَيْرُهُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِيْ وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: «لَاْ يَتَنَاجَىْ اثْنَانِ دُوْنَ الثَّالِثِ». وَرَوَاهُ جَرِيْرُ بنُ حَازِمٍ، عَنْ عَاصِمِ بنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِيْ وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ مَوْقُوْفًَا، أَيُّهُمَا أَصَحُّ؟ قَالَ: جَمِيْعًَا صَحِيْحَيْنِ، وَلَكِنَّ عَاصِمًَا قَصَّرَ بِهِ» (^٢).
وقدْ يرفعُ الرَّاويْ الموقوفَ أوْ يرفعُ أوْ يُوقفُ المقطوعَ وهمًَا أو عمدًَا، وقدْ ذكرَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» مثالًَا علىْ ذلكَ حديثَ المغيرةِ بنِ شعبةَ، قالَ: كانَ أصحابُ رسولَ اللهِ -ﷺ- يقرعونُ بابَهُ بالأظافيرِ، فقالَ: «هَذَاْ حَدِيْثٌ يَتَوَهَّمُهُ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَةِ مُسْنَدًَا لِذِكْرِ رَسُوْلِ اللهِ -ﷺ-، وَلَيْسَ بِمُسْنَدٍ، فَإِنَّهُ مَوْقُوْفٌ عَلَىْ صَحَابِيٍّ حَكَىْ عَنْ أَقْرَانِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِعْلًَا، وَلَيْسَ يُسْنِدُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا المَوْقُوْفَ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَىْ جُمْلَةٍ مِنَ الأَحَادِيْثِ التِيْ تُشْبِهُهُ» (^٣).
قالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٤٥ هـ» فيْ ترجمةِ محمَّدِ بنِ الحسنِ المُزَنِيِّ: «يَرْفَعُ المَوْقُوْفَ، وَيُسْنِدُ المَرَاسِيْلَ، رَوَىْ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: قَالَ: "ذَكَاةُ الجَنِيْنِ ذَكَاةُ أُمِّهِ …، أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ قَحْطَبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبٌ، عَنْ بَقِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ المُزَنِيُّ: إِنَّمَا هُوَ مَوْقُوْفٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ» (^٤).
_________________
(١) مسند ابن حنبل ٢/ ٢٨٦.
(٢) علل الحديث لابن أبي حاتم ٢/ ٢٧٢.
(٣) معرفة علوم الحديث ص ١٩.
(٤) المجروحين لابن حبَّان ٢/ ٢٧٥.
[ ٣٧٨ ]
وقالَ العُقَيليُّ «ت ٣٢٢ هـ»: «عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ -ﷺ-: "شَرَفُ المُؤْمِنِ صَلَاْتُهُ فِيْ اللَّيْلِ، وَعِزُّهُ فِيْ النَّهَارِ اسْتِغْنَاؤُهُ عَمَّا فِيْ أَيْدِيْ النَّاسِ". هَذَاْ يُرْوَىْ عَنِ الحَسَنِ وَغَيْرِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مُسْنَدٌ» (^١).
ثانيًا: تَقويةُ الحديثِ بتعدُّدِ طُرقِهِ: الموقوفُ والمقطوعُ كمَا المرفوعُ مِنْ أنواعِ الحديثِ، وهيَ ألقابٌ تختصُّ بالمتنِ دونَ الإسنادِ - كمَا مرَّ بيانُهُ - فلاْ بدَّ للإسنادِ فيْ هذهِ الأنواعِ أنْ يخضعَ لشروطِ الرَّدِّ والقبولِ التيْ يجبُ توافرُهَا فيْ الحديثِ حتَّىْ يُعملَ بِهِ، وأثرُ السَّبرِ فيْ ذلكَ هوَ وجودُ طريقٍ للحديثِ المقطوعِ أوْ الموقوفِ أوْ المرفوعِ تُقوِّيهِ أوْ تُرقِّيهِ، ومرجعُ هذَا مبحثُ الاعتبارِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «ثُمَّ إِنَّ مِنْهُ - أَيْ: المَوْقُوْفُ - مَاْ يَتَّصِلُ الإِسْنَادُ فِيْهِ إِلَىْ الصَّحَابِيِّ فَيَكُوْنُ مِنَ المَوْقُوْفِ المَوْصُوْلِ، وَمِنْهُ مَاْ لَاْ يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ فَيَكُوْنُ مِنَ المَوْقُوْفِ غَيْرِ المَوْصُوْلِ عَلَىْ حَسَبِ مَاْ عُرِفَ مِثْلُهُ فِيْ المَرْفُوْعِ» (^٢).
فإذَا وُجِدَ طريقٌ آخرُ للموقوفِ مشتملٌ علىْ شروطِ القبولِ، ارتقىْ الحديثُ إلىْ الحسنِ أوْ الصَّحيحِ أوْ تقوَّى بتعدُّدِ طرقِهِ إنْ كانتِ الطُّرقُ صالحةً لذلكَ، وكذلكَ المقطوعُ - وإنْ كانَ خارجَ دائرةِ الموصولِ كمَا ذكرناهُ آنفًَا - لكنْ معَ التَّقييدِ بوصلِهِ إلىْ قائلِهِ مِنَ التَّابعينَ (^٣).
_________________
(١) الضُّعفاء للعقيليِّ ٢/ ٣٧.
(٢) مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٤٦.
(٣) والغرض من تقوية المقطوع وصحَّة نسبته لقائله - وإن لم يحتجّ به في الأحكام الشَّرعية - الاعتمادُ عليهِ كمرجِّحٍ وقرينةٍ حال الاختلاف، وليبقى مرجع هذا العلم القرون الثلاثة الأولى التي خصَّها النَّبيُّ -ﷺ- بالخيريَّة، وقد دافع السَّخاويُّ عن إدخال الموقوف والمقطوع في أنواع الحديث، واستشهد بقول الخطيب: «إنَّه يلزم كتبها - أي الموقوف والمقطوع - والنَّظر فيها ليتخيَّر من أقوالهم، ولا يشذَّ عن مذاهبهم». ثمَّ قال السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «لا سيما وهي أحد ما يعتضد به المرسل، وربَّما يتَّضح بها المعنى المحتمل من المرفوع». فتح المغيث ١/ ١١٠.
[ ٣٧٩ ]
ثالثًا: التَّرجيحُ عندَ تعارضِ الرَّفعِ والوقفِ أوْ القطعِ: إذَا كانَ للحديثِ طريقانِ أوْ أكثرُ، بعضُهَا مرفوعٌ، وبعضهَا موقوفٌ، أو مقطوعٌ، فللنقادِ مذاهبُ فيْ ترجيحِ روايةِ الوقفِ أوْ الرَّفعِ أوْ القطعِ، إذْ إنَّ الرَّفعَ علَّةٌ للموقوفِ، والوقفَ علَّةٌ للمرفوعِ، وكذلكَ القطعَ علَّةٌ للمرفوعِ والموقوفِ، والعكسُ صحيحٌ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «ثُمَّ إِنَّ تَعْلِيْلَهُمُ المَوْصُوْلَ بِالمُرْسَلِ أَوْ المُنْقَطِعِ، وَالمَرْفُوْعَ بِالمَوْقُوْفِ أَوْ المَقْطُوْعِ لَيْسَ عَلَىْ إِطْلَاْقِهِ، بَلْ ذَلِكَ دَائِرٌ عَلَىْ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِتَرْجِيْحِ أَحَدِهِمَا عَلَىْ الآَخَرِ بِالقَرَائِنِ التِيْ تَحُفُّهُ كَمَا قَرَّرْنَاهُ قَبْلُ» (^١).
وقولُ ابنُ حجرٍ إشارةٌ بيِّنةٌ إلىْ تعليلِ المرفوعِ بالموقوفِ والمقطوعِ، وأوردتهُ هنَا لأنَّ كتبَ الحديثِ تكلَّمتْ عنْ تعارضِ الوقفِ والرَّفعِ دونَ القطعِ، وللعلماءِ فيْ التَّرجيحِ حالَ التَّعارضِ مذاهبُ، كمَا يأتيْ:
الأوَّلُ: الحكمُ بالرَّفعِ (^٢): وهذَا ماْ رجَّحهُ الإمامُ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»، فقالَ: «الثِّقَةُ إِذَا انْفَرَدَ بِرَفْعِ مَاْ وَقَفَهُ الأَكْثَرُوْنَ، كَانَ الحُكْمُ لِرِوَايَتِهِ، وَحُكِمَ بِأَنَّهُ مَرْفُوْعٌ عَلَىْ الصَّحِيْحِ الذِيْ عَلَيْهِ الفُقَهَاءُ وَالأُصُوْلِيُّوْنَ وَمُحَقِّقُوْ المُحَدِّثِيْنَ» (^٣). ودرجَ عليهِ فيْ كُتُبِهِ (^٤).
_________________
(١) النُّكت لابن حجر ٢/ ٧٤٦.
(٢) وهو قول كثير من المحدِّثين، وأكثر أهل الفقه والأصول، قال الحافظ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ»: «الصَّحيح الذي عليه الجمهور أنَّ الرَّاوي إذا روى الحديث مرفوعًا وموقوفًا فالحكم للرَّفع، لأنَّ معه في حالة الرَّفع زيادة، هذا هو المرجَّح عند أهل الحديث». نقله السَّخاويُّ في فتح المغيث ١/ ١٧٧.
(٣) شرح النَّوويِّ على صحيح مسلم ١٤/ ٤٨.
(٤) والحكم بالرَّفع على إطلاقه مشكلُّ جدًا؛ بل وخطيرٌ، لأن بعض أشكال الوضع يخترعه الواضع، وبعضها يأخذه من كلام السَّلف الذين يُشبه كلامهم كلام الأنبياء، هذا فضلًا عن كلام الصَّحابة رضوان الله عليهم الذين أشبه ما يكون كلامهم بكلام الأنبياء، كما بيَّنه ابن حجر في النُّخبة - انظر شرحها للقاري ص ٤٤٤.
[ ٣٨٠ ]
الثاني: الحكم بالوقف (^١).
الثَّالثُ: اعتدادُ الأكثرِ منْ أحوالِ الراويْ: قالَ الصَّنعانيُّ «ت ١١٨٢ هـ»: «هَذَا القَوْلُ نَسَبَهُ الزَّيْنُ إِلَىْ الأُصُوْلِيِّيْنَ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ أَحْوَالِ الرَّاوِيْ الرَّفَعُ، وَالوَقْفُ مِنْهُ نَادِرٌ فَالحُكْمُ لِلرَّفْعِ، وَكَذَلِكَ العَكْسُ: هُوَ أَنْ يَكُوْنَ الوَقْفُ أَكْثَرَ أَحْوَالِ الرَّاوِيْ، وَالرَّفْعُ مِنْهُ نَادِرٌ فَيَكُوْنُ الحُكْمُ لِلْوَقْفِ» (^٢).
الرَّابعُ: التَّرجيحُ للقرائنِ: وهوَ الذيْ عليهِ جمهورُ المحدِّثينَ والمستفادُ منْ صنيعِهِمْ، كمَا مرَّ فيْ تعارضِ الوصلِ والإرسالِ، والاتِّصالِ والانقطاعِ، قالَ الصَّنعانيُّ «ت ١١٨٢ هـ»: «وَعِنْدِيْ أَنَّ الحُكْمَ فِيْ هَذَاْ لَاْ يَسْتَمِرُّ، بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَاْفِ قَرَائِنِ الأَحْوَالِ» (^٣). وأغلبُ القرائنِ إنَّمَا تُعلمُ بسبرِ الطُّرقِ وجمعِهَا، ومِنَ القرائنِ التيْ يُعتمدُ عليهَا فيْ الترجيحِ:
أولًا: شِدَّةُ الحفظِ: قالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «فَإِنْ كَانَ الوَاقِفُوْنَ لَهُ ثِقَاتًا حُفَّاظًَا، أَوْثَقَ وَأَحْفَظَ مِمَّنْ رَفَعَهُ فَالحُكْمُ لِلْوَقْفِ» (^٤).
ثانيًا: كثرةُ العددِ: قالَ الحافظُ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «إِنَّ الجَمَاعَةَ إِذَا اخْتَلَفُوْا فِيْ إِسْنَادِ حَدِيْثٍ، كَاْنَ القَوْلُ فِيْهِمْ لِلْأَكْثَرِ عَدَدًَا أَوْ لِلْأَحْفَظِ وَالأَتْقَنِ … وَعِنْدَ الاِخْتِلَاْفِ فِيْمَا هُوَ مُقْتَضَىً لِصِحَّةِ الحَدِيْثِ أَوْ لِتَعْلِيْلِهِ، يُرْجَعُ إِلَىْ قَوْلِ الأَكْثَرِ عَدَدًَا لِبُعْدِهِمْ عَنِ الغَلَطِ
_________________
(١) انظر جامع الأصول ١/ ١٧٠، وفتح المغيث ١/ ١٩٤، وشرح ألفيَّة السُّيوطيِّ ص ٢٩.
(٢) توضيح الأفكار ١/ ٣٤٣.
(٣) المصدر ذاته.
(٤) النكت للزركشي ٢/ ٦٠ و٦١.
[ ٣٨١ ]
وَالسَّهْوِ، وَذَلِكَ عِنْدَ التَّسَاوِيْ فِيْ الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ. فَإِنْ تَفَارَقُوْا وَاسْتَوَىْ العَدَدُ فَإِلَىْ قَوْلِ الأَحْفَظِ وَالأَكْثَرِ إِتْقَانًَا، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَىْ العَمَلِ بِهَا عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيْثِ» (^١).
ثالثًا: الرِّوايةُ عنْ أهلِ البلدِ، وكثرةُ الملازمةِ للشَّيخِ: ولاْ بدَّ فيْ هذَا مِنْ معرفةِ مواطنِ ومراتبِ الرُّواةِ، قالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «وَكَذَا إِذَا كَانُوْا عَنْ شَيْخٍ لَهُمْ وَأَهْلِ بَلَدٍ، فَهُمْ أَحَقُّ بِهِ مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ شَيْخُهُ وَلَاْ كَثُرَتْ مُلَاْزَمَتُهُ لَهُ وَلَاْ هُوَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ، وَإِنْ كَانَ الرَّافِعُ لَهُ كَثِيْرِيْنَ ثِقَاتٍ حُفَّاظًَا» (^٢).
رابعًا: سلوكُ الجادَّةِ: قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «يَتَرَجَّحُ الوَقْفُ بِتَجْوِيْزِ أَنْ يَكُوْنَ الرَّافِعُ تَبِعَ العَادَةَ وَسَلَكَ الجَادَّةَ، وَمِثَالُ ذَلِكَ مَاْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيْ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ -ﷺ- قَالَ، وَهُوَ بِالحَزْوَرَةِ: «وَاللهِ إِنِّيْ لَأَعْلَمُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللهِ …»، وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِيْ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَدِيٍّ بنِ الحَمْرَاءِ -﵁- عَنْهُ، وَهُوَ المَحْفُوْظُ، وَالحَدِيْثُ حَدِيْثُهُ، وَهُوَ مَشْهُوْرٌ بِهِ، وَقَدْ سَمِعَهُ الزُّهْرِيُّ أَيْضًَا مِنْ مُحَمَّدِ بنِ جُبَيْرٍ بنِ مُطْعَمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَدِيٍّ -﵁- وَسَلَكَ مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍو الجَادَّةَ، فَقَالَ: عَنْ أَبِيْ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ -﵁-» (^٣).
خامسًَا: قوَّةُ الطَّريقِ: فإذَا كانَ طريقُ الرَّفعِ أقوىْ رُجِّحَ علىْ الوقفِ، والعكسُ صحيحٌ، وإنْ تقاومَا فالحكمُ للرَّفعِ علىْ المختارِ (^٤).
_________________
(١) نظم الفرائد ص ٣٦٧.
(٢) النكت للزركشي ٢/ ٦٠ و٦١.
(٣) النكت لابن حجر ٢/ ٦١٠ و٦١١.
(٤) وهذَا بخلافِ ما مرَّ في تعارض الوصل والإرسال، والاتِّصال والانقطاع، فإذا تقاوم المتعارضان صحةً تُوقِّف في التَّرجيح حيث لا مرجِّح، وأُعلَّ الحديث بالاضطراب، والسَّبب في التَّوقُّف أنَّ الوصل والإرسال والانقطاع يختصُّ بالإسناد الذي لا يصحُّ المتن إلا به، كما أنَّهما ضدَّان لا يمكن الجمع بينهما، فإمَّا يكون الحديث متَّصلًا أو مرسلًا أو منقطعًا، ولا يمكن الجمع بين متناقضين، أما الوقف والرَّفع والقطع فهي تختصُّ بالمتن، ويمكن الجمع بينها حيث لا تعارض، فمن الممكن أن يصحَّ الحديث مقطوعًا وموقوفًا ومرفوعًا في آن واحد، وفي حالة التَّقاوم حيث لا مرجِّح يُؤخذ بالمرفوع لأنَّه الأولى، ولا تضرُّه رواية القطع أو الوقف لأنّ كلًَّا من هذه الأنواع حديث مستقلٌّ بذاته، والله أعلم.
[ ٣٨٢ ]
قالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «وَإِنْ تَعَارَضَ الحَالُ تُوُقِّفَ فِيْ التَّرْجِيْحِ، وَالتَّحْقِيْقُ: أَنَّ جِهَتَيْ طُرُقِ الحَدِيْثِ إِمَّاْ ضَعِيْفٌ أَوْ صَحِيْحٌ، فَالأَخْذُ بِالصَّحِيْحِ مُتَعَيِّنٌ. وَإِمَّاْ صَحِيْحَانِ، فَإِنْ تَفَاوَتَا فَالأَخْذُ بِالأَصَحِّ أَوْلَىْ وَأَحْوَطُ، وَإِنْ اسْتَوَيَا فِيْ الصِّحَّةِ فَهَلِ الأَخْذُ بِالمُتَيَقَّنِ الأَقَلِّ، أَوْ بِالزَّائِدِ … المُخْتَارُ تَقْدِيْمُ الرَّفْعِ» (^١).
سادسًا: أنْ يكونَ الرَّاويْ ممَّنْ يرفعُ الموقوفَ والمقطوعَ، أوْ العكسُ: فإذَا خالفَهُ راوٍ أوْ أكثرُ رفعًَا أو وقفًَا أو قطعًَا فالقولُ قولهمْ على قولِهِ، لاختلالِ ضبطِهِ، وقدْ جُرِحَ بذلكَ جملةٌ مِنَ الرُّواةِ، منهُمْ:
محمَّدُ بنُ عمرٍو، قالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «رُبَّمَا رَفَعَ بَعْضَ الحَدِيْثِ، وَرُبَّمَا قَصَّرَ بِهِ» (^٢).
وأسامةُ بنُ زيدٍ بنِ أسلمَ: قالَ ابنُ حبَّانَ «ت ٣٤٥ هـ»: «كَاْنَ يَهِمُ فِيْ الأَخْبَارِ، وَيُخْطِئُ فِيْ الآَثَارِ، حَتَّىْ كَانَ يَرْفَعُ المَوْقُوْفَ، وَيُوْصِلُ المَقْطُوْعَ، وَيُسْنِدُ المُرْسَلَ» (^٣).
هذهِ مجموعةُ القرائنِ التيْ تُعتمدُ فيْ التَّرجيحِ حالَ التَّعارضِ، وقدْ تظهرُ للنَّاقدِ قرائنُ أُخرىْ بالسَّبرِ، فللنُّقَّادَ فيْ كلِّ حديثٍ فهمٌ خاصٌّ يُرجِّحونَ مِنْ خلالِهِ بينَ المتعارضاتِ (^٤).
_________________
(١) النُّكت للزَّركشيِّ ٢/ ٦١.
(٢) العلل لابن حنبل ١/ ١٨٥.
(٣) المجروحين ١/ ١٧٩، وانظر ترجمة خالد بن القاسم المدائنيِّ ١/ ٢٨٢، وفرقد بن يعقوب السَّبخيِّ ٢/ ٢٠٤.
(٤) انظر شرح علل التِّرمذيِّ ٢/ ٨٦١.
[ ٣٨٣ ]
ومنْ أمثلةِ اختيارِ المرفوعِ علىْ الموقوفِ:
حديثُ عليِّ - كرَّمَ اللهُ وجهَهُ -: «يُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الغُلَاْمِ، وَيُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ».
* الحديثُ أخرجَهُ أبوْ داودَ «ر ٣٧٧»، وعبدُ الرَّزَّاقِ «ر ١٤٨٨»، والبيهقيُّ «ر ٣٩٦٢»، منْ طريقِ سعيدِ بنِ أبيْ عَروبةَ (^١)، عنْ قتادةَ، عنْ أبيْ حربٍ الدُّؤليِّ، عنْ أبيهِ، عنْ عليٍّ، موقوفًَا.
* وأخرجَهُ أبوْ داودَ «ر ٣٧٨»، والتِّرمذيُّ «ر ٦١٠»، وابنُ ماجةَ «ر ٥٢٥»، وابنُ خُزيمةَ «ر ٢٨٤»، وابنُ حبَّانَ «ر ١٣٧٥»، وأبوْ يعلىْ «ر ٣٠٧»، والدَّارقطنيُّ «ر ١/ ١٢٩»، والمستدركُ «ر ٥٨٧»، منْ طريقِ هشامٍ الدَّستوائيِّ (^٢)، عنْ قتادةَ، عنْ أبيْ حربِ بنِ أبيْ الأسودِ الدُّؤليِّ، عنْ أبيهِ، عنْ عليٍّ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- مرفوعًَا.
وتابعَهُ عبدُ الصَّمدِ بنُ عبدِ الوارثِ (^٣) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١١٤٨».
وقدْ صحَّحَ روايةَ الرَّفعِ البُخاريُّ، والتِّرمذيُّ، وابنُ حبَّانَ، والحاكمُ، ولمْ يتعقَّبْهُ الذَّهبيُّ، معَ أنَّهُ قدْ صحَّ موقوفًا أيضًا؛ وهذَا يدلُّ علىْ أنَّ الحديثَ إذَا صحَّ رفعُهُ ووقفُهُ، فإنَّ الحكمَ للرَّفعِ ولاْ تضرُّهُ روايةُ الوقفِ إلاْ إذاْ دلَّتِ القرائنُ علىْ خطأِ روايةِ الرَّفعِ، كما بيناه آنفًا.
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٢٥٧.
(٢) تقدمت ترجمته ص ٢٥٧.
(٣) عبد الصمد بن عبد الوراث بن سعيد العنبري، أبو سهل البصري، «ت ٢٠٧ هـ»، صدوق، ثبت في شعبة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٠٨٠».
[ ٣٨٤ ]
قالَ التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «سَأَلْتُ مُحَمَّدًَا عَنْ هَذَا الحَدِيْثِ، فَقَالَ: شُعْبَةُ لَاْ يَرْفَعُهُ، وَهِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ حَافِظٌ، وَرَوَاهُ يَحْيَىْ القَطَّانُ، عَنْ ابنِ أَبِيْ عَرُوْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، فَلَمْ يَرْفَعْهُ» (^١). وعقَّبَ علىْ روايةِ الرَّفعِ بقولِهِ: «هَذَاْ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ» (^٢).
ومنْ أمثلةِ ترجيحِ الموقوفِ علىْ المرفوعِ:
ما رواهُ عائذُ بنُ حبيبٍ، قالَ: حدَّثنيْ عامرُ بنُ السَّمطِ، عنْ أبيْ الغَريفِ، قالَ: أُتيَ عليٌّ بوَضوءٍ، فمضمضَ واستنشقَ ثلاثًا، وغسلَ وجهَهُ ثلاثًا، وغسلَ يديهِ وذراعيهِ ثلاثًَا ثلاثًا، ثمَّ مسحَ برأسِهِ، ثمَّ غسلَ رجليهِ، ثمَّ قالَ: هكذَا رأيتُ رسولَ اللهِ -ﷺ- توضَّأَ، ثمَّ قرأَ شيئًا مِنَ
القرآنِ، ثمَّ قالَ: «هَذَاْ لِمَنْ لَيْسَ بِجُنُبٍ، فَأَمَّا الجُنُبُ فَلَاْ، وَلَاْ آَيَةً».
* الحديثُ أخرجهُ ابنُ حنبلٍ «ر ٨٧٢»، وأبوْ يعلىْ «ر ٣٦٥»، مِنْ طريقِ عائذٍ مرفوعًَا.
* وأخرجَهُ ابنُ أبيْ شيبةَ «ر ١٠٨٦» مِنْ طريقِ شريكِ بنِ عبدِ اللهِ (^٣)، عنْ عامرِ بنِ السَّمطِ، عَنْ أبيْ الغَريفِ، عنْ عليٍّ موقوفًَا.
وتابعَهُ يزيدُ بنُ هارونَ (^٤) عندَ الدَّارقطنيِّ «١/ ١١٨».
والحسنُ بنُ حيٍّ (^٥) عندَ البيهقيِّ «ر ٤٢١» و«ر ٤٢٧».
_________________
(١) انظر علل التِّرمذيِّ ١/ ٤٢، وانظر أيضًا العلل للدَّارقطنيِّ ٤/ ١٨٥.
(٢) انظر سنن التِّرمذيِّ ٢/ ٥٠٩.
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٥٩.
(٤) تقدمت ترجمته ص ٢٧٩.
(٥) الحسن بن صالح بن حيِّ بن شُفَيٍّ، الثوري، «ت ١٦٩ هـ»، ثقة فقيه، رمي بالتشيع، أخرج له «بخ م ٤». انظر التقريب «ر ١٢٥٠».
[ ٣٨٥ ]
فالروايةُ الموقوفةُ راجحةٌ، لأنَّها روايةُ الحفَّاظِ الأكثرِ عددًَا، قالَ الدَّارقطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «هُوَ صَحِيْحٌ عَنْ عَلِيٍّ» (^١). ويؤيِّدُ روايةَ الجمعِ، أنَّ عبدَ الرَّزَّاقِ أخرجَ الحديثَ فيْ مصنَّفِهِ «ر ١٣٠٦» عَنْ سفيانَ الثَّوريِّ، عنْ عامرٍ الشَّعبيِّ، عنْ أبيْ الغَريفِ، عنْ عليِّ موقوفًَا.
ومنْ أمثلةِ ترجيحِ المقطوعِ علىْ المرفوعِ:
حديثُ أبيْ بكرٍ بنِ عيَّاشٍ (^٢)، عَنِ الأعمشِ، عَنْ أبيْ صالحٍ، عنْ أبيْ هُريرةَ -﵁-، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «إِذَاْ كَاْنَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِيْنُ وَمَرَدَةُ الجِنِّ …».
* الحديثُ أخرجَهُ مِنْ هذَا الطَّريقِ مرفوعًا: التِّرمذيُّ «ر ٦٨٢»، وابنُ ماجةَ «ر ١٦٤٢»، وابنُ خزيمةَ «ر ١٨٨٣»، وابنُ حبَّانَ «ر ٣٤٣٥»، والبيهقيُّ «ر ٨٢٨٤».
* وأخرجَهُ التِّرمذيُّ فيْ العللِ «ر ١٩١» مِنْ طريقِ البخاريِّ، عنِ الحسنِ بنِ الرَّبيعِ، عنْ أبيْ الأحوصِ، عَنِ الأعمشِ، عنْ مجاهدٍ مقطوعًَا.
قال التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- الَّذِي رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ. وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًَا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ؟
_________________
(١) سنن الدَّارقطنيِّ ١/ ١١٨.
(٢) أبو بكر بن عيَّاش بن سالم الأسدي، الحنَّاط، «ت ١٩٤ هـ»، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٩٨٥».
[ ٣٨٦ ]
فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ابْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدِي مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ» (^١).
وقرينةُ ترجيحِ روايةِ القطعِ علىْ الرَّفعِ، هوَ سلوكُ الجادَّةِ، لأنَّ روايةَ الأعمشِ، عنْ أبيْ صالحٍ، عنْ أبيْ هريرةَ -﵁- ممَّا تسبقُ إليهِ الأذهانُ.
* * *
_________________
(١) سنن التِّرمذيِّ ٣/ ٦٧، والعلل له أيضًا ١/ ١١١.
[ ٣٨٧ ]
المَبْحَثُ الثَّانِي عَشَرَ: مَعْرِفَةُ العَالِي وَالنَّازِلِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ العَالِي وَالنَّازِلِ (^١):
* العَالِي: لغةً: اسمُ فاعلٍ، مِنَ العلوِّ. ضدُّ النُّزولِ (^٢).
اصطلاحًَا: هوَ الذي قلَّ عددُ رجالِهِ معَ الاتِّصالِ (^٣).
* النَّازلُ: لغةً: اسمُ فاعلٍ مِنَ النُّزولِ. وهوَ ضدُّ العلوِّ (^٤).
اصطلاحًَا: هوَ الذي كثرَ عددُ رجالِهِ.
_________________
(١) انظر في العالي والنازل: معرفة علوم الحديث ص ٧، والجامع لأخلاق الراوي ١/ ١١٦، ومقدمة ابن الصلاح ص ٢٥٥، والاقتراح ص ٤٦، والمنهل الروي ص ٦٩، والغاية في شرح الهداية ص ١٨٤، وتدريب الراوي ٢/ ١٥٩، وتوضيح الأفكار ٢/ ٣٩٥. وانظر "العلو والنزول" للحافظ محمد بن طاهر المقدسي «ت ٥٠٧ هـ» - مكتبة ابن تيمية - الكويت - ١٤٠١ هـ - تحقيق: صلاح الدين مقبول أحمد.
(٢) انظر لسان العرب - مادة «علا» - ١٥/ ٩٠، ومختار الصحاح مادة «ع ل ي».
(٣) قل عدد رجاله بالنسبة لذات الحديث من طريق آخر، رجاله أكثر عددًا.
(٤) انظر لسان العرب - مادة «نزل» - ١١/ ٦٥٦، ومختار الصحاح - مادة «ن ز ل».
[ ٣٨٨ ]
المَطْلَبُ الثَّاني: أَقْسَامُ العَالِي وَالنَّازِلِ:
قسَّمَ ابنُ حجرٍ العالي والنَّازلَ إلى قسمينِ رئيسينِ: مطلقٍ ونسبيٍّ، وقسَّمهُمَا تلميذُهُ السَّخاويُّ إلى: مسافةٍ وصفةٍ. وقدْ اخترتُ تقسيمَ السَّخاويِّ لمتعلَّقِهِ بالسَّبرِ، إذْ إنَّ علوَّ المسافةِ يُدركُ بالسَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ، بتباينِ عددِ الرُّواةِ بينَ الأسانيدِ بعضِهَا ببعضٍ، وعلوُّ الصِّفةِ لا بدَّ فيهِ مِنْ معرفةِ وَفَيَاتِ ومراتبِ الرُّواةِ (^١).
ويندرجُ تحتَ هذينِ القسمينِ خمسةُ أنواعٍ، وما مِنْ قسمٍ مِنْ أقسامِ العلوِّ إلَّا وضدُّهُ قسمٌ مِنْ أقسامِ النُّزولِ، وهيَ كمَا يأتي:
أوَّلًا: علوُّ المسافةِ: وينقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، وهيَ:
١ - القربُ مِنْ رسولِ اللهِ -ﷺ-: ويُطلقُ عليهِ العلوُّ المطلقُ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «أَوَّلُهَا القُرْبُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- بِإِسْنَادٍ نَظِيفٍ غَيرِ ضَعِيفٍ، وَذَلِكَ مِنْ أَجَلِّ أَنْوَاعِ العُلُوِّ» (^٢).
٢ - القربُ مِنْ إمامٍ مِنْ أئمَّةِ الحديثِ: وهوَ علوٌّ نسبيٌّ، كالعلوِّ إلى مالكٍ، والأوزاعيِّ وسفيانَ، وشعبةَ، وإنَّمَا يُوصفُ بالعلوِّ إذَا صحَّ الإسنادُ إلى ذلكَ الإمامِ بالعددِ اليسيرِ مِنَ الرِّجالِ. قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَوَجْهُ اعْتِبَارِ هَذَا عُلُوًَّا -فِيمَا يَبْدُو
_________________
(١) انظر نخبة الفكر ص ٢٣١، وفتح المغيث ٣/ ٩.
(٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٥٥.
[ ٣٨٩ ]
لَنَا- أَنَّ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةَ قَدْ انْتَهَى إِلَيهِمْ عِلْمُ الحَدِيثِ وَحِفْظُهُ، فَأَصْبَحَ خَوفُ الخَلَلِ فِي رِوَايَاتِهِمْ مَامُونًَا، فَرَغِبُوا فِي العُلُوِّ إِلَيهِمْ، لِمَا فِيهِ مِنْ قُوَّةِ السَّنَدِ» (^١).
٣ - العلوُّ بالنِّسبةِ إلى الكتبِ الحديثيَّةِ المشهورةِ: وهوَ أنْ يعلوَ إسنادُ المحدِّثِ بالنِّسبةِ إلى روايتِهِ عَنْ طريقِ الصَّحيحينِ وبقيَّةِ السِّتَّةِ، وقدْ اعتنى المتأخِّرونَ بهذَا القسمِ اعتناءً كثيرًا، ففرَّعُوهُ إلى عدَّةِ فروعٍ، هيَ: الموافقةُ، والبدلُ، والمساواةُ، والمصافحةُ (^٢).
ثانيًَا: علوُّ الصفة: وينقسمُ إلى قسمينِ، همَا:
١ - العلوُّ بتقدُّمِ وفاةِ الرَّاوي: بأنْ يتقدَّمَ موتُ الرَّاوي في هذَا السَّندِ على موتِ الرَّاوي الذي في السَّندِ الآخرِ، وإنْ كانَا مُتساويينِ في العددِ.
٢ - العلُوُّ بتقدُّمِ السَّماعِ مِنَ الشَّيخِ: بأنْ يسمعَ أحدُ الرُّواةِ مِنْ شيخِهِ قبلَ غيرِهِ.
وهذانِ القسمانِ لمْ يذكرهُمَا ابنُ حجرٍ، لأنَّ فائدةَ العلوِّ لا تظهرُ فيهِمَا إلَّا في بعضِ أنواع علومِ الحديثِ، ك «معرفةِ مَنْ اختلطَ في آخرِ عمرِهِ».
_________________
(١) منهج النقد ص ٣٦٠.
(٢) انظر تفصيل ذلك في فتح المغيث ٣/ ٣.
[ ٣٩٠ ]
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَهَمِّيَّةُ العَالِي مِنَ الأَسَانِيدِ:
تقدَّمَ الكلامُ على أهميَّةِ الإسنادِ عندَ المحدِّثينَ (^١)، ولعلوِّ الإسنادِ أهميَّةٌ بالغةٌ عندَهُم تبرزُ مِنْ جوانبَ عدَّةٍ، وهيَ:
أوَّلًا: القربُ مِنْ اللهِ ورسوله -ﷺ-: قالَ ابنُ معينٍ «ت ٢٣٢ هـ»: «الإِسْنَادُ النَّازِلُ قُرْحَةٌ فِي الوَجْهِ، وَالإِسْنَادُ العَالِي قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ» (^٢). وقالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «طَلَبُ إِسْنَادِ الْعُلُوِّ مِنَ السُّنَّةِ» (^٣).
ثانيًا: قلَّةُ الخطأِ في الإسنادِ، وقوَّةُ الحديثِ: قالَ ابنُ دقيقٍ العيدُ «ت ٧٠٢ هـ»: «وَلَا أَعْلَمُ وَجْهًَا جَيِّدًَا لِتَرْجِيحِ العُلُوِّ إِلَّا أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الصِحَّةِ وَقِلَّةِ الخَطَأِ» (^٤).
وما جاءَ مِنْ ذمِّ الأئمَّةِ للنَّازلِ (^٥) فليسَ على إطلاقِهِ، فقدْ يفضُلُ النَّازلُ على العالي، إذَا كانَ معَهُ ما يجبرُهُ ويجعلُ لهُ مزيَّةً على الإسنادِ العالي، كأنْ يوجدَ في النَّازلِ زيادةٌ يرويهَا ثقةٌ، أو يكونَ رجالُ الإسنادِ النَّازلِ أحفظَ أو أفقهَ، قالَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ «ت ١٨١ هـ»: «بُعْدُ الإِسْنَادِ أَحَبُّ إِلَيَّ إِذَا كَانُوا ثِقَاتٍ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ تَرَبَّصُوا بِهِ، وَحَدِيثٌ بَعِيدُ الإِسْنَادِ صَحِيحٌ، خَيرٌ مِنْ قَرِيبِ الإِسْنَادِ سَقِيمٌ» (^٦).
_________________
(١) انظر ص ٨١.
(٢) نقله ابن عساكر في «الأربعون البلدانية» ص ٣٨.
(٣) الجامع لأخلاق الراوي ١/ ١٢٣.
(٤) الاقتراح ص ٤٦.
(٥) انظر قولي ابن معين وابن المديني في «العلو والنزول» للمقدسي ص ٥٥.
(٦) انظر الجرح والتعديل ٢/ ٢٥.
[ ٣٩١ ]
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ العَالِي وَالنَّازِلِ:
انطلاقًَا مِنْ أهميَّةِ الإسنادِ العالي، فقدَ رحلَ الأئمَّة في تطلُّبِهِ، وقدْ بيَّنَّا سابقًَا أنَّ الرِّحلةَ كانتْ غرضًَا مِنْ أغراضِ جمعِ الحديثِ وسبرِهِ (^١)، ومِنْ أغراضِ السَّبرِ تطلُّبُ العالي مِنَ الأسانيدِ وتمييزُهُ مِنَ النَّازلِ، قالَ الحافظُ المقدسيُّ «ت ٥٠٧ هـ»: «أَجْمَعَ أَهْلُ النَّقْلِ عَلَى طَلَبِهِمْ العُلُوَّ وَمَدْحِهِ، إِذْ لَو اقْتَصَرُوا عَلَى سَمَاعِهِ بِنُزُولٍ لَمْ يَرْحَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ» (^٢).
وقدْ بيَّنتُ في مطلبِ «أقسامُ العالي والنَّازلِ» أنَّ علوَّ ونزولَ المسافةِ يُدركُ بالسَّبرِ، بتباينِ عددِ الرُّواةِ بينَ كِلَا الإسنادينِ، إلى جانبِ صحَّتِهِمَا وثقةِ رُواةِ كلٍّ منهُمَا، فذلكَ شرطٌ مهمٌّ في اعتمادِ العالي والنَّازلِ، إذ العددُ وحدُهُ غيرُ كافٍ، وهوَ المقصودُ مِنْ كلامِ الحاكمِ، حيثُ قالَ: «فَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْعَالِيَةِ مِنَ الْأَسَانِيدِ فَلَيسَ عَلَى مَا يَتَوَهَّمُهُ عَوَامُ النَّاسِ يَعُدُّونَ الْأَسَانِيدَ، فَمَا وَجَدُوا مِنْهَا أَقْرَبَ عَدَدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَتَوَهَّمُونَهُ أَعْلَى» (^٣).
وقدْ كانَ جُلُّ غرضِ المستخرجينَ تطلُّبَ علوِّ الأسانيدِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «فَالمُسْتَخْرِجُونَ لَيسَ جُلُّ قَصْدِهِمْ إِلَّا العُلُوَّ، يَجْتَهِدُونَ أَنْ يَكُونُوا هُمْ وَالمُخَرَّجُ عَلَيهِ سَوَاءٌ» (^٤).
_________________
(١) انظر ص ٨٤.
(٢) العلو والنزول ص ٥٤.
(٣) معرفة علوم الحديث ١/ ٩.
(٤) فتح المغيث ١/ ٣٩.
[ ٣٩٢ ]
وبيَّنَ المقدسيُّ «ت ٥٠٧ هـ» غرضَ البخاريِّ منْ إيرادِ طرقٍ متعدِّدةٍ للحديثِ في أكثرِ منِ موضعٍ، فقالَ: «وَمِنْهَا أَحَادِيثُ زَادَ فِيهَا بَعْضُ الرُّوَاةِ رَجُلًَا فِي الإِسْنَادِ وَنَقَصَهُ بَعْضُهُمْ، فَيُورِدُهَا عَلَى الوَجْهَينِ، حَيثُ يَصِحُّ عِنْدَهُ أَنَّ الرَّاوِي سَمِعَهُ مِنْ شَيخٍ حَدَّثَهُ بِهِ عَنْ آَخَرَ، ثُمَّ لَقِيَ الآَخَرَ فَحَدَّثَهُ بِهِ، فَكَانَ يَرْوِيهِ عَلَى الوَجْهَينِ» (^١).
وينبغي التَّنبُّهُ عندَ السَّبرِ إلى أنَّ العاليَ والنَّازلَ قدْ يشتبهانِ بغيرِهِمَا، فقدْ يُعدُّ العالي مُنقطعًا والنَّازلُ متَّصلًا، وقدْ تكونُ الزِّيادةُ في النَّازلِ وهمًا، أي: مِنْ قبيلِ المزيدِ في مُتَّصِلِ الأسانيدِ، وقدْ يكونُ في العالي سَقْطٌ بفعلِ المدلِّسينَ، فلا بُدَّ منْ قرائنَ تُؤكِّدُ صحَّةَ الإسنادِ على الوجهينِ، منهَا:
أوَّلًَا: خُلُوُّ السَّنَدِ مِنْ عَنْعَنَةِ المُدَلِّسِ: فإذَا كانَ في الإسنادِ الذي يُظنُّ عاليًا مُدَلِّسٌ وروى الحديثَ بالعنعنةِ، فمنَ الممكنِ أنْ يكونَ المدلِّسُ قدْ أسقطَ الرَّاوي المزيدَ في النَّازلِ، فيُشكلُ بِعَدِّ النَّاقصِ عاليًَا. فإذَا خلَا الحديثُ مِنْ عنعنةِ المدلِّسِ، أو جاءَ مِنْ طريقٍ أُخرى بالتَّحديثِ انتفَى التَّدليسُ (^٢) وعُلِمَ أنَّهُ مرويٌّ على الوجهينِ، ما لمْ تقُم قرينةٌ على غيرِ ذلكَ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «الإِسْنَادُ الخَالِي عَنِ الرَّاوِي الزَّائِدِ إِنْ كَانَ بِلَفْظَةِ «عَنْ» فِي ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِإِرْسَالِهِ، وَيُجْعَلَ مُعَلَّلًَا بِالإِسْنَادِ الذِي ذُكِرَ فِيهِ الزَّائِدُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّمَاعِ أَوْ بِالإِخْبَارِ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ عَنْهُ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ نَفْسَهُ» (^٣).
_________________
(١) مقدمة فتح الباري ١/ ١٥.
(٢) كما سيأتي بيانه في التطبيق الآتي آخر المبحث ص ٣٤٨، الممثَّل به على أثر السبر في معرفة العالي والنازل.
(٣) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٨٦.
[ ٣٩٣ ]
ثَانِيًَا: إِمْكَانِيَّةُ اللِّقَاءِ وَالمُعَاصَرَةِ بَينَ الرَّاوِيَينِ فِي العَالِي: حيثُ إنَّ اللقاءَ والمعاصرةَ بينَ الرُّواةِ همَا الفيصلُ بينَ الاتِّصالِ والانقطاعِ، فإنْ لمْ يكنْ ثمَّةَ لقاءٌ أو معاصرةٌ بينَهُمَا، كانَ النَّاقصُ مُنقطِعًَا والزَّائدُ متَّصِلًا، وأُعلَّ النَّاقصُ بالزَّائدِ، فإذَا أمكنَ اللقاءُ والمعاصرةُ تبيَّنَ صحَّةُ الحديثِ على الوجهينِ، وعُدَّ مِنَ العالي والنازل، ولأجلِ هذَا فإنَّ أئمَّةَ الحديثِ قيَّدُوا تعريفَ العالي بالاتِّصالِ.
ثَالِثًَا: رِوَايَةُ الرَّاوِي نَفْسِهِ لِلحَدِيثِ عَلَى الوَجْهَينِ بِالتَّحْدِيثِ: مِمَّا يُؤكِّدُ سماعَهُ للحديثِ على الوجهينِ عاليًَا ونازِلًا، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في معرضِ كلامِهِ عنِ اشتباهِ العَالي والنَّازلِ بغيرِهِ: «فَالظَّاهِرُ مِمَّنْ وَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يَذْكُرَ السَّمَاعَينِ، فَإِذَا لَمْ يَجِيءَ عَنْهُ ذِكْرُ ذَلِكَ حَمَلْنَاهُ عَلَى الزِّيَادَةِ المَذْكُورَةِ» (^١).
وقالَ الفِهريُّ (^٢) «ت ٧٢١ هـ»: «وَإِذَا كَانَ الزَّائِدُ بِلَفْظِ "عَنْ" أَيضًَا، فَلَعَلَّهُ نَقَصَ رَجُلٌ آَخَرُ غَيرَ ذَلِكَ المَزِيدِ، وَإِنَّمَا يَرْتَفِعُ هَذَا الاِحْتِمَالُ إِذَا قَالَ الرَّاوِي الزَّائِدُ "حَدَّثَنَا" وَيَبْقَى احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الحَدِيثُ عِنْدَهُ عَنْهُمَا مَعًَا» (^٣).
رَابِعًَا: عَدَمُ وُجُودِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى وَهْمِ الزِّيَادَةِ في النَّازِلِ: مِمَّا ينفي كونَهُ مِنَ المزيدِ في مُتَّصلِ الأسانيدِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالسَّمَاعِ أَوْ بِالإِخْبَارِ،
_________________
(١) التقريب ١/ ٢٠.
(٢) محمد بن عمر بن محمد، أبو عبد الله، محب الدين الفهري، «٦٥٧ هـ - ٧٢١ هـ»، رحالة، عالم بالأدب، عارف بالتفسير، من تصانيفه: «السن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين البخاري ومسلم في السند المعنعن»، و«إفادة النصيح بالتعريف بإسناد الجامع الصحيح». انظر طبقات الحفاظ ص ٥٢٨.
(٣) السنن الأبين ١/ ٩٣.
[ ٣٩٤ ]
فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ عَنْهُ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ نَفْسَهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى كَونِهِ وَهْمًَا» (^١).
وقالَ الأبناسيُّ «ت ٨٠٢ هـ»: «رُبَّمَا كَانَ الحُكْمُ لِلنَّاقِصِ، وَالزَّائِدُ وَهْمٌ، فَيَكُونُ مِنْ نَوعِ المَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الأَسَانِيدِ» (^٢).
خَامِسًَا: كَثْرَةُ الرُّوَاةِ للعَالِي أو ثِقَتُهُمْ: مقابلَ ثقةِ أو كثرةِ الرُّواةِ للنَّازلِ، فإذَا كانَ كِلَا الإسنادينِ مُتَّصِلًا، وانتفتِ القرائنُ التي تخرجُهُمَا عَنِ العالي والنَّازلِ المذكورةِ آنفًَا، فتقاوُمُ كِلَا الإسنادينِ مِنَ المُرجِّحاتِ لصحَّتِهِمَا على الوجهينِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» تعليقًَا على حديثِ: «إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيِجْلِدْهَا الحَدَّ …». - بعدَ أنْ أوردَ الاختلافَ عليهِ -: «اقْتَصَرَ البُخَارِيُّ عَلَى حَدِيثِ اللَّيثِ. قُلْتُ: اللَّيثُ إِمَامٌ، وَقَدْ زَادَ فِيهِ: "عَنْ أَبِيهِ" فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ نَقَصَهُ، عَلَى أَنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الحَدِيثُ عِنْدَ سَعِيدٍ عَلَى الوَجْهَينِ، لِكَثْرَةِ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ دُونَ ذِكْرِ "أَبِيهِ"» (^٣).
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ العالي والنَّازلِ مِنْ خلالِ التَّطبيقِ الآتي:
حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -﵁-، قالَ: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَينَا».
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ١/ ٢٨٦.
(٢) الشذا الفياح ٢/ ٤٨١.
(٣) مقدمة فتح الباري ١/ ٣٥٩.
[ ٣٩٥ ]
* الحديثُ أخرجَهُ البخاريُّ «ر ٦٨»، والتِّرمذيُّ «ر ٢٨٥٥»، والشَّاشيُّ «ر ٦٠٠»، مِنْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ (^١)، عنِ الأعمشِ، عنْ شقيقِ بنِ سلمةَ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -﵁-.
وتابعَهُ أبو معاويةَ (^٢) عندَ مسلمٍ «ر ٢٨٢١»، وابنِ حنبلٍ «ر ٤٠٤١»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٢٦٥١٥»، والبزَّارِ «ر ١٦٩٥».
وشعبةُ (^٣) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٤١٨٨».
وابنُ نُميرٍ (^٤) عندَ مسلمٍ «ر ٢٨٢١»، وابنِ حنبلٍ «ر ٤٠٤١»، والشَّاشيِّ «ر ٥٩٩».
ووكيعٌ (^٥) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٤٢٢٨».
وعبدُ اللهِ بنُ إدريسَ (^٦) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٣٥٨٧».
وابنُ مُسْهِرٍ (^٧) عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٥٨٨١».
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٢٦١.
(٢) محمد بن خازم، أبو معاوية الضرير، «ت ١٩٥ هـ»، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في غيره، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٥٨٤١».
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٤٨.
(٤) عبد الله بن نمير، أبو هشام الهمداني، «ت ١٩٩ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٣٦٦٨».
(٥) وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي، أبو سفيان الكوفي، «ت ١٩٧ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٤١٤».
(٦) عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن، أبو محمد الأودي، «ت ١٩٢ هـ»، ثقة، فقيه، عابد، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٣٢٠٧».
(٧) علي بن مُسهر القرشي، «ت ١٨٩ هـ»، ثقة، له غرائب بعد أن أضر، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٨٠٠».
[ ٣٩٦ ]
* وأخرجَهُ التِّرمذيُّ «ر ٢٨٥٥»، وابنُ حنبلٍ «ر ٣٥٨١»، مِنْ طريقِ سفيانَ الثَّوريِّ، عنِ الأعمشِ، قالَ: حدَّثني «سمعتُ» أبو وائلٍ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -﵁-.
وتابعَهُ شعبةُ عندَ الطَّيالسيِّ «ر ٢٥٥».
* وأخرجَهُ مسلمٌ «ر ٢٨٢١»، والطَّبرانيُّ في الأوسطِ «ر ٥٨٨١»، منْ طريقِ عليِّ بنِ مُسْهِرٍ، عنِ الأعمشِ، عنْ عمرِو بنِ مُرَّةَ، عنْ شقيقِ بنِ سلمةَ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -﵁-.
* وأخرجَهُ أبو يعلى «ر ٥٠٣٢» منْ طريقِ أبي عَوَانةَ، عنِ الأعمشِ، عنْ مالكِ بنِ الحارثِ، عنْ شقيقِ بنِ سلمةَ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -﵁-.
مِنْ خلالِ سبرِ طرقِ الحديث نجدُ أنَّ مدارَهُ على الأعمشِ، وبيَّنتِ الطَّريقُ الأولى روايةَ الأعمشِ - وهوَ مُدلِّسٌ - للحديثِ بالعنعنةِ، ثمَّ بيَّنتِ الطَّريقُ الثَّانيةُ روايتَهُ بصيغةِ التَّحديثِ والسَّماعِ ممَّا ينفي تدليسَهُ، ويُبيِّنُ صحَّةَ روايةِ الأعمشِ للحديثِ عنْ أبي وائلٍ.
وقدْ جاءَ في الطَّريقينِ الثَّالثِ والرَّابعِ زيادةُ راوٍ بينَ الأعمشِ وأبي وائلٍ، وراويَا الزِّيادةِ أبُو عَوَانةَ وعليُّ بنُ مُسْهِرٍ مِنَ الثِّقاتِ، فتُقبلُ زيادتُهُمَا، حيثُ لا يوجدُ ما تُردُّ بهِ، فتكونُ الرِّوايةُ المزيدةُ نازلةً، والنَّاقصةُ عاليةً.
وقدْ فصَّلَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» طُرقَ الحديثِ، وبيَّنَ العلوَّ والنُّزولَ فيهِ، فقالَ: «قَولُهُ: "عَنْ أَبِي وَائِلٍ". وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ المَذْكُورَةِ: "سَمِعْت شَقِيقًَا" وَهُوَ أَبُو وَائِلٍ. أَفَادَ هَذَا
[ ٣٩٧ ]
التَّصْرِيحُ رَفْعَ مَا يُتَوَهَّمُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ التِي أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيقِ عَلَيِّ بنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ -﵁-، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. قَالَ عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ: قَالَ الأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بنُ مُرَّةَ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ مِثْلَهُ. فَقَدْ يُوهِمُ هَذَا أَنَّ الأَعْمَشَ دَلَّسَهُ أَوَّلًَا عَنْ شَقِيقٍ، ثُمَّ سَمَّى الوَاسِطَةَ بَينَهُمَا، وَلَيسَ كَذَلِكَ، بَلْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي وَائِلٍ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَسَمِعَهُ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ، وَأَرَادَ بِذِكْرِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ - وَإِنْ كَانَتْ نَازِلَةً - تَاكِيدَهُ، أَوْ لِيُنَبِّهَ عَلَى عِنَايَتِهِ بِالرِّوَايَةِ مِنْ حَيثُ أَنَّهُ سَمِعَهُ نَازِلًَا، فَلَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ حَتَّى سَمِعَهُ عَالِيًَا» (^١).
* * *
_________________
(١) فتح الباري ١/ ١٦٢، وانظر عمدة القاري ٢/ ٤٤، في بيانه للطائف إسناد هذا الحديث.
[ ٣٩٨ ]
المَبْحَثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ المُتَوَاتِرِ وَالآَحَادِ وَالمَشْهُورِ وَالعَزِيزِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُتَوَاتِرِ وَالآَحَادِ وَالمَشْهُورِ وَالعَزِيزِ:
* المُتَوَاتِرُ (^١): لغةً: التَّواترُ: التَّتابعُ، تواتَرَ المطرُ، أي: تتابعَ نزولُهُ (^٢).
اصطلاحًَا: هوَ الذي رواهُ جمعٌ كثيرٌ يُؤمَنُ تواطُؤُهُمْ على الكذبِ عَنْ مثلِهِمْ، إلى انتهاءِ السَّندِ، وكانَ مُستندُهُمْ الحسَّ.
* الآحادُ (^٣): لغةً: جمعُ أَحدٍ (^٤).
اصطلاحًَا: ما قَصُرَ عنْ صفةِ التَّواترِ، ولمْ يقطعْ بهِ العلمُ، وإنْ روتْهُ الجماعةُ.
ويدخلُ فيهِ كلٌّ مِنَ العزيزِ والمشهورِ والغريبِ، وقدْ تقدَّمَ الكلامُ على الغريبِ.
_________________
(١) انظر في المتواتر: الكفاية ص ١٦، ومقدمة ابن الصلاح ص ٢٦٧، واليواقيت والدرر ١/ ٢٣٧، ونظم المتناثر ص ٩، ونخبة الفكر ص ١، وشرحها للقاري ص ١٦١.
(٢) انظر لسان العرب - مادة «وتر» - ٥/ ٢٧٥.
(٣) انظر في الآحاد: الكفاية ص ١٦، والمنهل الروي ص ٣٢، والأنجم الزاهرات ص ٢١٣، وشرح نخبة الفكر للقاري ص ١٩١، واليواقيت والدرر ١/ ٢٧٠، وتوضيح الأفكار ص ٢٦ وما بعدها، وقواعد التحديث ص ١٤٦، وتوجيه النظر ١/ ١٠٨.
(٤) انظر تاج العروس - مادة «أحد» - ٧/ ٣٧٦.
[ ٣٩٩ ]
* المشهور (^١): لغةً: الشُّهرةُ هيَ: الانتشارُ والشُّيوعُ (^٢).
اصطلاحًَا: مالَهُ طرقٌ محصورةٌ بأكثرَ من اثنينِ، ولمْ يبلغْ حدَّ التَّواترِ.
العزيزُ (^٣): لغةً: مِنْ «عزَّ يعُزُّ»، إذَا قويَ. أو منْ «عزَّ، يعِزُّ» إذَا قلَّ وندَرَ (^٤).
اصطلاحًَا: ما لمْ يروِهِ أقلُّ من اثنينِ في جميعِ طبقاتِ السَّندِ.
_________________
(١) انظر في المشهور: معرفة علوم الحديث ص ٩٢، والمنهل الروي ص ٥٥، والشذا الفياح ٢/ ٤٣٤، والتقييد والإيضاح ١/ ٢٣٦، وفتح المغيث ٣/ ٢٨، والغاية في شرح الهداية ص ١٤١، وتدريب الراوي ٢/ ١٧٣، وشرح نخبة الفكر ص ١٩٢، واليواقيت والدرر ص ٢٥٠، وقواعد التحديث ص ١٢٤.
(٢) انظر لسان العرب - مادة «شهر» - ٤/ ٤٣١.
(٣) انظر في العزيز: مقدمة ابن الصلاح ١/ ٢٧٠، والاقتراح ص ٤٩، والمنهل الروي ص ٥٥، والنكت للزركشي ص ٥٧، والشذا الفياح ٢/ ٤٤٦، والتقييد والإيضاح ص ٢٧٣، وفتح المغيث ٣/ ٢٨، وتدريب الراوي ٢/ ١٨٠، وتوضيح الأفكار ٢/ ٤٠١.
(٤) انظر مختار الصحاح - مادة «ع ز ز».
[ ٤٠٠ ]
المَطْلَبُ الثَّاني: حُكْمُ المُتَوَاتِرِ وَالمَشْهُورِ وَالعَزِيزِ وَالآَحَادِ:
الحديثُ المتواترُ لا يُشترطُ في رواتِهِ ما يُشترطُ في رجالِ الصَّحيحِ أو الحسنِ مِنَ العدالةِ والضَّبطِ، بلْ العبرةُ بكثرتِهِمْ كثرةً تجعلُ العقلَ يحكمُ باستحالةِ تواطئِهِمْ على الكذبِ.
وأمَّا حديثُ الآحادِ - بمَا فيهِ العزيزُ والمشهورُ - فإنَّهُ يتبعُ حالَ المتنِ والإسنادِ مِنْ حيثُ القوَّةُ والضَّعفُ، فهوَ ينقسمُ مِنْ حيثُ القبولُ والرَّدُّ، إلى صحيحٍ وحسنٍ وضعيفٍ.
حيثُ إنَّ تعدُّدَ الطُّرُقِ ليسَ دليلَ قوَّةٍ وصحَّةٍ، بلْ لا بُدَّ مِنْ وجودِ صفاتٍ تجعلُ هذهِ الأسانيدَ صحيحةً، أو صالحةً للتَّقوِّي ببعضِهَا، والاحتجاجِ بهَا.
أمَّا منْ حيثُ الحجيَّةُ فالذي عليهِ جماهيرُ المسلمينَ مِنَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ فمنْ بعدَهُمْ مِنَ المحدِّثينَ والفقهاءِ وأصحابِ الأصولِ، أنَّ خبرَ الواحدِ الثقةِ حجَّةٌ، يجبُ العملُ بهِ (^١).
_________________
(١) وقد أفرد كثير من الأئمة أبوابًا في حجية الآحاد، وصنفت كتب في ذلك، منها: «الدلائل والشواهد على صحة العمل بخبر الواحد» للخطيب البغدادي. أشار إليه في الكفاية ص ٦٦، ومن الكتب المعاصرة: = = «خبر الواحد في التشريع الإسلامي وحجيته». تأليف: القاضي برهون - مكتبة أضواء السلف - الرياض - ط ٢ - ١٤١٩ هـ.
[ ٤٠١ ]
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُتَوَاتِرِ وَالآَحَادِ وَالمَشْهُورِ وَالعَزِيزِ:
ذكرَ بعضُ أئمَّةِ الحديثِ بأنَّ المتواترَ لا يدخلُ في مصطلحِ الحديثِ، وليسَ منْ صناعةِ هذَا العلمِ، وعلَّلوا ذلكَ بأنَّ علمَ أصولِ الحديثِ يُبْحَثُ فيهِ عمَّا يُوصِلُ إلى صحَّةِ الحديثِ أو حُسنِهِ أو ضَعفِهِ، والمتواترُ لا يُحتَاجُ فيهِ إلى البحثِ، فالقوَّةُ فيهِ حاصلةٌ ضرورةً بالكثرةِ، وعلى ذلكَ فالعلمُ بهِ يشتركُ فيهِ العالمُ وغيرُهُ، والآحادُ لا يحصلُ إلَّا للعالمِ المتبحِّرِ فيهِ.
إلَّا أنَّهُ ينبغي التَّنبُّهُ إلى أنَّ آليَّةَ التَّوصُّلِ لمعرفةِ المتواترِ مِنْ مهامِّ علماءِ الحديثِ، وسبيلُ ذلكَ السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ، فالمتواترُ مِنْ حيثُ إفادةُ القوَّةِ لا يدخلُ في هذَا العلمِ، وإنَّمَا يدخلُ فيهِ مِنْ جهةِ طُرقِ معرفتِهِ وهيئةِ التَّوصُّلِ إليهِ، لذَا فإنَّ ابنَ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» بيَّنَ عدمَ دخولِ المتواترِ في علمِ الإسنادِ في معرضِ كلامِهِ عنْ الفرقِ بينَ العلمِ الضَّروريِّ والعلمِ النَّظريِّ - وهذَا مبحثٌ منْ مباحثِ أصولِ الفقهِ - فقالَ: «وَإِنَّمَا أُبْهِمَتْ شُرُوطُ المُتَوَاتِرِ فِي الأَصْلِ، لِأَنَّهُ عَلَى هَذِهِ الكَيفِيَّةِ لَيسَ مِنْ مَبَاحِثِ عِلْمِ الإِسْنَادِ، إِذْ عِلْمُ الإِسْنَادِ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ صِحَّةِ الحَدِيثِ أَوْ ضَعْفِهِ؛ لِيُعْمَلَ بِهِ أَوْ يُتْرَكَ، مِنْ حَيثُ صِفَاتِ الرِّجَالِ وَصِيَغِ الأَدَاءِ. وَالمُتَوَاتِرُ لَا يُبْحَثُ عَنْ رِجَالِهِ، بَلْ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ مِنْ غَيرِ بَحْثٍ» (^١).
وأمَّا دخولُهُ في علمِ أصولِ الحديثِ مِنْ جهةِ الإسنادِ فقدْ بيَّنَ القاريُّ «ت ١٠١٤ هـ» في شرحِهِ لعبارةِ ابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «الإِسْنَادُ: حِكَايَةُ طَرِيقِ المَتْنِ». رادًَّا شبهةَ لزومِ
_________________
(١) نزهة النظر ص ١٩٧.
[ ٤٠٢ ]
الدَّورِ (^١) مِنْ هذَا التَّعريفِ: «وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّ الإِسْنَادَ تَبْيِينُ طَرِيقِ المَتْنِ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ أَوْ آَحَادٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَالإِسْنَادُ حِكَايَةٌ عَنْ طَرِيقِ المَتْنِ» (^٢).
والآحادُ يدخلُ في هذَا العلمِ مِنَ الجهتينِ، فمعرفتُهُ تتمُّ بالسَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ، وقوَّتُهُ لا بدَّ فيهَا معَ السَّبرِ مِنْ تطبيقِ قواعدِ المحدِّثينَ لبيانِ صحَّتِهِ مِنْ ضعفِهِ.
فالمتواترُ والآحادُ بأقسامِهِ: أنواعٌ للحديثِ مِنْ جهةِ تعدُّدِ الرُّواةِ معَ اتِّفاقِهِمْ، وكلُّ مَا كانَ مُستندُهُ العددَ، فالسَّبرُ هوَ الطَّريقُ الرَّئيسُ والأساسُ لكشفِهِ، قالَ أبو العبَّاسِ الطَّبريُّ «ت ٣٣٥ هـ»: «فَكَانَ فِي تَحَفُّظِ طُرُقِ الأَخْبَارِ مَا يَخْرُجُ بِهِ الخَبَرُ عَنْ حَدِّ الوَاحِدِ إِلَى حَدِّ الاِثْنَينِ، وَخَبَرِ الثَّلَاثَةِ وَالأَرْبَعَةِ، وَلَعَلَّهُ يَدْخُلُ فِي خَبَرِ الشَّائِعِ المُسْتَفِيضِ» (^٣).
وقالَ الصَّنعانيُّ «ت ١١٨٢ هـ»: «وَتُعْرَفُ صِحَّةُ دَعْوَى التَّوَاتُرِ بِالبَحْثِ عَنْ طُرُقِ الأَحَادِيثِ، وَقَدْ يَحْصُلُ التَّوَاتُرُ لِبَاحِثٍ دُونَ بَاحِثٍ، لِأَنَّ المَدَارَ عَلَى كَثْرَةِ الاِطِّلَاعِ، وَلَيسَ النَّاسُ فِيهِ سَوَاءً» (^٤). فإذَا خلَا الحديثُ بعدَ السَّبِر مِنَ التَّعدُّدِ كانَ فردًَا أو غريبًَا، فإذَا عثرْنَا على طريقٍ أُخرى لهُ فهوَ العزيزُ، فإذَا تجاوزتِ الطُّرُقُ الاثنينِ فأكثرَ فهوَ المشهورُ، وإذَا بلغتِ الطرقُ كثرةً يستحيلُ معهَا التَّواطؤُ على الكذبِ عُدَّ الحديثُ متواترًَا، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «الحَدِيثُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ طُرُقُ أَسَانِيدَ بِلَا عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ مَعَ حَصْرٍ بِمَا فَوقَ الاِثْنَينِ أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِوَاحِدٍ، فَالأَوَّلُ: المُتَوَاتِرُ … وَهوَ: عَدَدٌ كَثِيرٌ أَحَالَتِ العَادَةُ
_________________
(١) المقصود بالدور هنا: أن الحاصل من تعريف ابن حجر للإسناد يصير: الطريق حكاية الطريق.
(٢) شرح نخبة الفكر للقاري ١/ ١٦٠.
(٣) جزء في حديث أبي عمير ١/ ص ٣٤. وانظر تعليق ابن حجر على كلامه في فتح الباري ١٠/ ٥٨٥.
(٤) توضيح الأفكار ٢/ ٤١١.
[ ٤٠٣ ]
تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الكَذِبِ، وَالثَّانِي: المَشْهُورُ، وَالثَّالِثُ: العَزِيزُ، وَالرَّابِعُ: الغَرِيبُ. وَسِوَى الأَوَّلِ: آَحَادٌ …» (^١).
وقدْ دلَّلَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» على كثرةِ التَّواترِ بتعدُّدِ طرقِ الأحاديثِ في المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ، وهيَ إشارةٌ منهُ للبحثِ عنِ المتواترِ في بطونِ هذهِ الكتبِ، فقالَ: «وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُقَرَّرُ بِهِ كَونُ المُتَوَاتِرِ مَوجُودًَا وُجُودَ كَثْرَةٍ فِي الأَحَادِيثِ: أَنَّ الكُتُبَ الَمشْهُورَةَ المُتَدَاوَلَةَ بَينَ أَهْلِ العِلْمِ، المَقْطُوعَ بِصِحَّةِ نِسْبَتِهَا إِلَى مُصَنِّفِيهَا، إِذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى إِخْرَاجِ حَدِيثٍ وَتَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ تَعَدُّدًَا تُحِيلُ العَادَةُ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الكَذِبِ، أَفَادَ العُلْمُ اليَقِينِيُّ بِصِحَّةِ نِسْبَتِهِ إِلَى قَائِلِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الكُتُبِ المَشْهُورَةِ كَثِيرٌ» (^٢).
وهوَ المنهجُ الذي اعتمدَهُ السُّيوطيُّ بتصنيفِهِ في الحديثِ المتواترِ، بيَّنَ ذلكَ في مقدِّمةِ كتابِهِ، فقالَ: «فَإِنِّي جَمَعْتُ كِتَابًَا، وَسَمَّيتُهُ: «الفَوَائِدُ المُتَكَاثِرَةُ فِي الأَخْبَارِ المُتَوَاتِرَةِ» أَورَدْتُ فِيهِ مَا رَوَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَشَرَةٌ فَصَاعِدًَا، مُسْتَوعِبًَا طُرُقَ كُلِّ حَدِيثٍ وَأَلْفَاظَهُ فِي كِتَابٍ حَافِلٍ» (^٣).
وممَّا يُؤخذُ بعينِ الاعتبارِ عندَ السَّبرِ شرطُ العلماءِ بوجودِ عدَّةِ التَّواترِ في جميعِ طبقاتِ الحديثِ، فإذَا فُقِدَ هذَا الشَّرطُ في بعضِ طبقاتِهِ لا يُعدُّ متواترًَا، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «حَدِيثُ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» لَيسَ مِنْ ذَلِكَ السَّبِيلِ، وَإِنْ نَقَلَهُ عَدَدُ المُتَوَاتِرِ وَزِيَادَةٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ طَرَأَ عَلَيهِ فِي وَسَطِ إِسْنَادِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي أَوَائِلِهِ» (^٤).
_________________
(١) نخبة الفكر ص ١.
(٢) نخبة الفكر وشرحها للقاري ص ١٨٨.
(٣) مخطوط في مكتبة الأزهر الشريف، وفيه ذكر أن اسم الكتاب «الفوائد المتكاثرة» واسم المختصر: «قطف الأزهار المتناثرة». وقد بين الشيخ أحمد شاكر أنه خطأ من السيوطي نفسه. انظر شرح ألفية السيوطي ص ٢٦ و٢٧.
(٤) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٦٧.
[ ٤٠٤ ]
وقالَ العراقيُّ «ت ٨٠٦ هـ»: «أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ عَلَى الحَدِيثِ اسْمَ الشُّهْرَةِ، وَبَعْضُهُمْ اسْمَ التَّوَاتُرِ، وَلَا كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَرْدٌ، وَمَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ أَرَادَ الاِشْتِهَارَ وَالتَّوَاتُرَ فِي آَخِرِ السَّنَدِ،
فَقَدْ قَالَ ابنُ المَدِينِيِّ: رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ» (^١).
ومنْ أمثلةِ المتواترِ حديثُ: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا إِلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلُ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ».
الحديثُ رواهُ عددٌ مِنَ الصَّحابةِ، منهمْ:
عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ -﵁- عندَ التِّرمذيِّ «ر ٢٦٥٨» و«٢٦٥٧»، وابنِ ماجةَ «ر ٢٣٢»، وابنِ حبَّانَ «ر ٦٦»، والحميديِّ «ر ٨٨»، وأبي يعلى «ر ٢١٩»، والشَّاشيِّ «ر ٢٧٧» و«ر ٢٧٨».
وابنُ عمرَ -﵁- في مسندِ الشَّاميِّينَ «ر ٥٠٨».
وأبو سعيدٍ الخدريُّ -﵁- في مسندِ الشَّاميينَ أيضًَا «ر ١٣٠٢».
والنُّعمانُ بنُ بشيرٍ -﵁- في المستدركِ «ر ٢٩٧».
وأنسُ بنُ مالكٍ -﵁- عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٣٣٧٤»، وابنِ ماجةَ «ر ٢٣٦».
وجابرُ بنُ عبدِ اللهِ -﵁- عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٥٢٩٢».
وجبيرُ بنُ مُطْعِمٍ -﵁- عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٦٧٨٤»، وابنِ ماجةَ «ر ٢٣١»، والدَّارِمِيِّ «ر ٢٧٧».
_________________
(١) طرح التثريب ٢/ ٥.
[ ٤٠٥ ]
وجَنْدَرَةُ بنُ خَيشَنَةَ -﵁- عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٣٠٧٢»، والصَّغيرِ «ر ٣٠٠».
وربيعةُ بنُ عثمانَ التَّيميُّ -﵁- في معرفةِ الصَّحابةِ «ر ٢٧٧٧».
وزيدُ بنُ ثابتٍ -﵁- عندَ ابنِ ماجةَ «ر ٢٣٠»، والدَّارِمِيِّ «ر ٢٢٩»، وابنِ حبَّانَ «ر ٦٨٠».
وسعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ -﵁- عندَ الطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٧٠٢٠».
وعُميرُ بنُ قتادةَ اللَّيثيُّ -﵁- عندَ الطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ١٠٦».
ومعاذُ بنُ جبلٍ -﵁- عندَ أبي نُعيمٍ في المستخرجِ «ر ١٣»، والطَّبرانيِّ في الأوسطِ «ر ٦٧٨١».
وعبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ -﵁- في المحدِّثِ الفاصلِ «ر ٩»، والحاكمِ في علومِ الحديثِ «ص ٢٦».
وبشيرُ بنُ سعدٍ -﵁- عندَ الطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ١٢٢٤»، وتاريخِ أصبهانَ «ر ١٦٧١».
وأبُو الدَّرداءِ -﵁- عندَ الدَّارِمِيِّ «ر ٢٣٠».
وزيدُ بنُ خالدٍ الجُهنيُّ -﵁- في تاريخِ دمشقَ «ر ٢٥٢٢».
هؤلاءِ هُمْ جملةُ الصَّحابةِ الذينَ تمخَّضَ عنهُمْ بحثِي، وهُمْ سبعةَ عشرَ صحابيًَّا -﵃-، وزادَ الكتَّانيُّ (^١) «ت ١٣٤٥ هـ» بقولِهِ: «وَرَدَ أَيضًَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيرَةَ، وَشَيبَةَ بْنِ عُثْمَانَ -﵃-.
_________________
(١) محمد بن جعفر بن إدريس، الكتاني، الحسني، الفاسي، أبو عبد الله، «١٢٧٤ هـ - ١٣٤٥ هـ»، محدث، مؤرخ، من تصانيفه: «نظم المتناثر في الحديث المتواتر»، و«الرسالة المستطرفة». الأعلام للزركلي ٦/ ٧٢.
[ ٤٠٦ ]
وَذَكَرَ ابْنُ مَنْدَةَ فِي تَذْكِرَتِهِ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ صَحَابِيًَّا، ثُمَّ سَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ. نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي أَمَالِيهِ المُخَرَّجَةِ عَلَى مُخْتَصَرِ ابْنِ الحَاجِبِ الأَصْلِيِّ، وَفِي شَرْحِ المَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ، قَالَ الحَافِظُ: أَنَّهُ مَشْهُورٌ، وَعَدَّهُ بَعْضُهُمْ مِنَ المُتَوَاتِرِ، لِأَنَّهُ وَرَدَ عَنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًَّا، وَسَرَدَهُمْ. وَفِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ لِلسِّيُوطِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ أَنَّهُ وَارِدٌ عَنْ نَحْوِ ثَلَاثِينَ مِنْهُمْ» (^١).
وبيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ المشهورِ، يكونُ منْ جهتينِ، بحسبِ ما ينقسمُ إليهِ:
فالأوَّلُ: ما تقدَّمَ تعريفُهُ بناءً على تعدُّدِ طرقِهِ بأكثرَ منَ اثنينِ ولمْ يبلغْ حدَّ التَّواترِ، فمنهُ ما يستوي في معرفتِهِ الخاصُّ والعامُّ، ومنهُ ما معرفتُهُ خاصَّةٌ بأهلِ الصَّنعةِ مِنَ المحدِّثينَ، بالسَّبرِ والتَّتبعِ، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» في معرضِ كلامِهِ عنْ حديثِ أنسٍ -﵁-، في قنوتِ النَّبيِّ -ﷺ- ودعائِهِ على رِعْلٍ وَذَكْوَانَ: «وَأَمْثَالُ هذَا الحَدِيثِ أُلُوفٌ مِنَ الأَحَادِيثِ التِي لَا يَقِفُ عَلَى شُهْرَتِهَا غَيرُ أَهْلِ الحَدِيثِ وَالمُجْتَهِدِينَ فِي جَمْعِهِ وَمَعْرِفَتِهِ» (^٢).
ومنْ أمثلةِ المشهورِ حديثُ رِعْلٍ وَذَكْوَانَ آنفِ الذِّكرِ، نُبيِّنُ شُهرتَهُ مِنْ خلالِ السَّبرِ:
* الحديثُ رواهُ عدَّةٌ مِنَ الصَّحابةِ منهُمْ:
أنسٌ -﵁- عندَ البخاريِّ «ر ٩٥٨»، ومسلمٍ «ر ٦٧٧»، والنَّسائيِّ «ر ٦٥٧».
وابنُ عبَّاسٍ -﵁- عندَ أبي داودَ «ر ١٤٤٣»، وابنِ حنبلٍ «ر ٢٧٤٦»، وابنِ خُزيمةَ «ر ٦١٨».
_________________
(١) نظم المتناثر ص ٣٣.
(٢) معرفة علوم الحديث ص ٩٢.
[ ٤٠٧ ]
وابنُ عمرَ -﵁- عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٦٠٩٢».
وخُفَافُ بنُ إِيمَاءَ الغِفَاريُّ عندَ البيهقيِّ «ر ٢٩٢٠».
* فإذَا عمدْنَا إلى حديثِ أنسٍ -﵁-، نجدُ أنَّهُ قدْ رواهُ عنه جمعٌ، منهُمْ:
أبو مِجْلَزٍ (^١) عندَ البخاريِّ «ر ٩٥٨»، والنَّسائيِّ «ر ٦٥٧»، وابنِ حنبلٍ «ر ١٢١٧٢» وغيرِهِمْ.
وَإسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بنُ أبي طلحةَ (^٢) عندَ البخاريِّ «ر ٢٦٥٩»، ومسلمٍ «ر ٦٧٧».
وقتادةُ بنُ دعامةَ (^٣) عندَ البخاريِّ «ر ٢٨٩٩»، وابنِ حنبلٍ «ر ١٢٠٨٣»، والبيهقيِّ «ر ٢٩١٥».
وعاصمُ بنُ سليمانَ (^٤) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٣٠٥٠»، والبيهقيِّ «ر ٢٩١٦».
* وإذَا نظرْنَا إلى طريقِ قتادَةَ بنِ دِعامةَ السَّدوسيِّ، نجدُ أنَّهُ قدْ رواهُ عنهُ:
شعبةُ بنُ الحجَّاجِ (^٥) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ١٣٩٨٤»، وأبي عوانةَ «ر ٢١٧٠».
وسعيدُ بنُ أبي عروبة (^٦) عندَ البخاريِّ «ر ٢٨٩٩»، وابنِ حنبلٍ «ر ١٢٠٨٣».
وهشامُ الدَّستوائيُّ (^٧) عندَ البخاريِّ «ر ٣٨٦١»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٦٩٧٩».
_________________
(١) لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي، أبو مِجلَز، «ت ١٠٩ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٤٩٠».
(٢) إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، أبو يحيى المدني، «ت ١٣٢ هـ»، ثقة حجة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٣٦٧».
(٣) قتادة بن دعامة بن قتادة، أبو الخطاب السدوسي، «ت ١١٠ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر القريب «ر ٥٥١٨».
(٤) عاصم بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، «ت ١٤٠ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٣٠٦٠».
(٥) تقدمت ترجمته ص ٢٤٨.
(٦) تقدمت ترجمته ص ٢٥٧.
(٧) تقدمت ترجمته ص ٢٥٧.
[ ٤٠٨ ]
* وقدْ رواهُ عنْ سعيدِ بنِ أبي عروبةَ:
يزيدُ بنُ زُرَيعٍ (^١) عندَ البخاريِّ «ر ٣٨٦٣»، والبيهقيِّ «ر ٢٩١٥».
وسهلُ بنُ يوسفَ (^٢) عندَ البخاريِّ «ر ٢٨٩٩».
ومحمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أبي عَديٍّ (^٣) عندَ البخاريِّ «ر ٢٨٩٩»، وابنِ حنبلٍ «ر ١٢٠٨٣».
قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «هَذَا حَدِيثٌ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحِ، وَلَهُ رُوَاةٌ عَنْ أَنَسٍ غَيرُ أَبِي مِجْلَزٍ وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ غَيرُ التَّيمِيِّ، وَرَوَاهُ عَنِ التَّيمِيِّ غَيرُ الأَنْصَارِيِّ، وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيرُ أَهْلِ الصَّنْعَةِ، فَإِنَّ الغَيرَ إِذَا تَأَمَّلَهُ يَقُولُ: سُلَيمَانُ التَّيمِيُّ هُوَ صَاحِبُ أَنَسٍ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَنَسٍ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ الحَدِيثَ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ، وَلَهُ عَنْ قَتَادَةَ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ، وَلَا يَعْلَمُ أَيضًَا أَنَّ الحَدِيثَ بِطُولِهِ فِي ذِكْرِ العُرَنِيِّينَ يُجْمَعُ وَيُذَاكَرُ بِطُرُقِهِ» (^٤).
والثَّاني: ما اشتهرَ بالنَّظرِ إلى الأوساطِ التي يذيعُ فيهَا وينتشرُ، فقدْ يُطلقُ المشهورُ على ما ذاعَ بينَ أهلِ الحديثِ وغيرِهِمْ مِنَ العُلمَاءِ، وقدْ يُطلقُ على ما اشتهرَ على ألسنةِ النَّاسِ، وأهميَّةُ السَّبرِ في ذلكَ هوَ تمييزُ مالَهُ أصلٌ ممَّا لا أصلَ لهُ، وبيانُ درجتِهِ إنْ كانَ لهُ أصلٌ مِنْ صحَّةٍ أو حسنٍ أو ضعفٍ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» مبيِّنًَا منهجَهُ في مقدِّمةِ المقاصدِ:
_________________
(١) يزيد بن زريع البصري، أبو معاوية، «ت ١٨٢ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٧١٣».
(٢) سهل بن يوسف الأنماطي، البصري، «ت ١٩٠ هـ»، ثقة، رمي بالقدر، أخرج له «بخ ٤». انظر التقريب «ر ٢٦٦٩».
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٧٩.
(٤) معرفة علوم الحديث ص ٩٣.
[ ٤٠٩ ]
«فَهَذَا كِتَابٌ … أُبَيِّنُ فِيهِ بِالعَزْوِ وَالحُكْمِ المُعْتَبَرِ، مَا عَلَى الأَلْسِنَةِ اشْتَهَرَ، مِمَّا يُظَنُّ إِجْمَالًَا أَنَّهُ مِنَ الخَبَرِ وَلَا يَهْتَدِي لِمَعْرِفَتِهِ إِلَّا جَهَابِذَةُ الأَثَرِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ فِيهِ شَيءٌ مَرْفُوعٌ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي المَوقُوفِ أَوِ المَقْطُوعِ، وَرُبَّمَا لَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى أَصْلٍ أَصْلًَا» (^١).
وقالَ العجلونيُّ (^٢) في مقدِّمةِ كشفِ الخفاءِ «ت ١١٦٢ هـ»: «وَأَنُصُّ فِي هَذَا المَجْمُوعِ عَلَى بَيَانِ الحَدِيثِ مِنْ غَيرِهِ، وَتَمْيِيزِ المَقْبُولِ مِنْهُ السَّالِمِ مِنْ غَيرِهِ» (^٣).
وكتبُ الأحاديثِ المشتهرةِ على ألسنةِ النَّاسِ حافلةٌ بأمثلةٍ مستفيضةٍ عَنِ المشهورِ على ألسنةِ النَّاسِ، إلَّا أنَّ كتابَ السَّخاويِّ أوسعُ، لإيرادِهِ طرقَ الأحاديثِ، واكتفى العجلونيُّ بإيرادِ المخرِّجينَ للحديثِ معَ الحكمِ عليهِ.
والعزيزُ - كمَا بيَّنَا سابقًَا - في تعريفِهِ أَنَّهُ سُمِّيَ عزيزًَا لكونِهِ عزَّ، أي: قويَ بمجيئِهِ مِنْ طريقٍ أُخرى، فالسَّبرُ يُمكِّنُنَا مِنْ معرفةِ العزيزِ، وإخراجِهِ عَنْ حدِّ التَّفرُّدِ أو الغرابةِ، وتقويتِهِ مِنْ طريقٍ أُخرى إِنْ كانتْ صالحةً لذلكَ، ومثالُ ذلكَ حديثُ أنسٍ -﵁- وأبي هريرةَ -﵁-، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».
* الحديثُ رواهُ أبو هريرةَ -﵁- عندَ البخاريِّ «ر ١٤»، وابنِ حنبلٍ «ر ١١٧٤٦».
_________________
(١) المقاصد الحسنة ص ٢، وقد طبع في دار الكتاب العربي - بيروت - ١٤٢٥ هـ - بتحقيق: عثمان الخشت.
(٢) إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي الجراحي، العجلوني، الدمشقي، أبو الفداء، «١٠٨٧ هـ - ١١٦٢ هـ»، محدث الشام، من تصانيفه: «كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس»، و«عقد الجوهر الثمين»، و«شرح الحديث المسلسل بالشاميين». انظر الأعلام للزركلي ١/ ٣٢٥.
(٣) كشف الخفاء ١/ ٦. طبع الكتاب في مؤسسة الرسالة - بيروت - ١٤٠٥ هـ - ط ٤ - تحقيق: أحمد القلاش.
[ ٤١٠ ]
وأنسُ بنُ مالكٍ -﵁- عندَ البخاريِّ «ر ١٥»، ومسلمٍ «ر ٤٤»، والنَّسائيِّ «ر ١١٧٤٤».
* وروى الحديثَ عنْ أنسٍ -﵁-:
قتادةُ بنُ دِعامةَ السَّدوسيُّ عندَ البخاريِّ «ر ١٥»، ومسلمٍ «ر ٤٤»، والنَّسائيِّ «ر ١١٧٤٤».
وعبدُ العزيزِ بنِ صُهيبٍ (^١) عندَ البخاريِّ «ر ١٥»، ومسلمٍ «ر ٤٤»، والنَّسائيِّ «ر ١١٧٤٥».
* وروى الحديثَ عنْ عبدِ العزيزِ بنِ صهيبٍ كُلٌّ مِنْ:
إسماعيلُ بنِ عُلَيَّةَ (^٢) عندَ البخاريِّ «ر ١٥»، ومسلمٍ «ر ٤٤».
وعبدُ الوارثِ بنِ سعيدٍ (^٣) عندَ مسلمٍ «ر ٤٤»، والنَّسائيِّ «ر ١١٧٤٥».
* ورواهُ عَنْ عبدِ الوارثِ بنِ سعيدٍ كُلٌّ مِنْ:
شيبانُ بنِ أبي شيبةَ (^٤) عندَ مسلمٍ «ر ٤٤».
وعمرانُ بنِ موسى (^٥) عندَ النَّسائيِّ «ر ١١٧٤٥».
وكلُّ مَا بيَّنتُهُ مِنْ سبرٍ في الأمثلةِ السَّابقةِ إِنَّمَا هوَ على سبيلِ البيانِ لا على سبيلِ الاستيعابِ، فاستيعابُ طرقِ كلِّ حديثٍ يحتاجُ لأجزاءٍ مستقلَّةٍ.
* * *
_________________
(١) عبد العزيز بن صهيب البناني، البصري، «ت ١٣٠ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤١٠٢».
(٢) إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، أبو بشر المصري، المشهور ب «ابن علية»، «ت ١٩٣ هـ»، ثقة حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤١٦».
(٣) عبد الوارث بن سعيد العنبري، أبو عبيدة، «ت ١٨٠ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٢٥١».
(٤) شيبان بن فروخ «أبي شيبة» الحبطي، أبو محمد الأبلي، «ت ٢٣٥ هـ»، وثقه ابن حنبل ومسلمة، وقال أبو زرعة والسَّاجي: «صدوق». وقال ابن حجر: «صدوق يهم». أخرج له «م د س». انظر التهذيب «ر ٦٣٩»، والتقريب «ر ٢٨٣٤».
(٥) عمران بن موسى القزاز، أبو عمرو البصري، «ت ٢٤٠ هـ»، وثقه النسائي ومسلمة بن قاسم والدارقطني، وقال النسائي في موضع آخر: «لا بأس به». وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: «صدوق». أخرج له «ت س جه». انظر الجرح والتعديل «ر ١٦٩٦»، والثقات «ر ١٤٦٥٣»، وتهذيب الكمال «ر ٤٥٠٦»، والتهذيب «ر ٢٤٥»، والتقريب «ر ٥١٧٢».
[ ٤١١ ]
المَبْحَثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: تَعْيِينُ المُبْهَمِ وَتَمْيِيزُ المُهْمَلِ فِي الإِسْنَادِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُبْهَمِ والمُهْمَلِ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا:
المُبْهَمُ (^١): لغةً: اسمُ مفعولٍ مِنَ الإبهامِ: هوَ الإخفاءُ وعدمُ البيانِ (^٢).
اصطلاحًَا: معرفةُ اسمِ مَنْ أُغفِلَ ذكرُ اسمِهِ في الحديثِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ.
المُهْمَلُ (^٣): لغةً: المتروك (^٤).
اصطلاحًَا: أنْ يرويَ الرَّاوي عَنْ شخصينِ مُتَّفقينِ في الاسمِ فقطْ، أو معَ اسمِ الأبِ، أو نحوِ ذلكَ، ولمْ يتميَّزَا بمَا يَخُصُّ كلَّ واحدٍ منهُمَا (^٥).
والفرقُ بينَ المبهمِ والمُهملِ ذكرَهُ القاريُّ «ت ١٠١٤ هـ»، فقالَ: «الرَّاوِي إِذَا لَمْ يُسَمَّ ك «رَجُلٍ» يُسَمَّىْ مُبْهَمًَا، وَإِنْ ذُكِر مَعَ عَدَمِ تَمْيِيزٍ فَهُوَ المُهْمَلُ» (^٦).
_________________
(١) انظر في المبهم: مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٣٧٥، ورسوم التَّحديث ص ١٥٥، والشَّذا الفيَّاح ٢/ ٧٠٣، والمقنع في علوم الحديث ٢/ ٦٣٢، والتقييد والإيضاح ص ٤٢٧، وشرح التَّبصرة والتَّذكرة ص ٢٧٠، وفتح المغيث ٣/ ٣٠١، والتَّوضيح الأبهر ص ١٠٤، والغاية في شرح الهداية ص ٢٥٧، وتدريب الرَّاوي ٢/ ٣٤٢، وشرح نخبة الفكر للقاري ص ٥١١، واليواقيت والدُّرر ٢/ ١٣٦. ومن الكتب المهمة والمصنفة في المبهمات: كتاب المستفاد من مبهمات المتن والإسناد - للحافظ العراقي «ت ٨٢٦ هـ» - تحقيق: الدكتور عبد الرحمن عبد الرحيم البر - دار الوفاء - مصر - المنصورة - ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م.
(٢) انظر مختار الصحاح - مادة «ب هـ م»، والقاموس المحيط - مادة «بهم».
(٣) انظر في المهمل: فتح المغيث ٣/ ٢٨٠ وما بعده، وقفو الأثر في صفوة علوم الأثر ص ١٠٤، واليواقيت والدرر ٢/ ٢٦٧، ومقال «البيان والتبيين لضوابط ووسائل تمييز الرواة المهملين» - مجلة جامعة أم القرى - العدد ٢٠ - ١٤٢١ هـ - د. محمد بن تركي التركي.
(٤) انظر لسان العرب - مادة «همل» ١١/ ٧١٠.
(٥) تيسير مصطلح الحديث - د. محمود الطحان - ص ١١٤.
(٦) شرح نخبة الفكر للقاري ص ٢٩٣.
[ ٤١٢ ]
المَطْلَبُ الثَّاني: أَقْسَامُ المُبْهَمَاتِ:
قسَّمَهُ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» أقسامًَا بحسبِ نوعِ الإبهامِ، وهيَ كمَا يأتي:
١ - ما قيلَ فيهِ: «رجلٌ» أو «امرأةٌ»، وهوَ مِنْ أبهمِهَا.
٢ - ما أُبهمَ بأنْ قيلَ: «ابنٌ أو ابنةُ فلانٍ» أو «ابنُ الفلانيُّ».
٣ - عمُّ فلانٍ أو عمَّتُهُ.
٤ - زوجُ فلانةٍ، أو زوجةُ فلانٍ (^١).
ويمكنُنَا تقسيمُ الإبهامِ بحسبِ موضعِهِ إلىْ قسمينِ:
١ - الإبهامُ في السَّندِ.
٢ - الإبهامُ في المتنِ (^٢).
_________________
(١) مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٣٧٥.
(٢) وسيأتي الحديث عليه في مبحث «أثرُ السَّبرِ في المتنِ». انظر ص
[ ٤١٣ ]
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي تَعْيِينِ المُبْهَمِ وَتَمْيِيزِ المُهْمَلِ فِي الإِسْنَادِ:
قبلَ أنْ نبدأَ الكلامَ علىْ أثرِ السَّبرِ في تعيينِ المبهمِ وتمييزِ المهملِ، لا بُدَّ مِنْ بيانِ أهميَّةِ ذلكَ في الإسنادِ، أمَّا تعيينُ المبهمِ فقدْ قالَ أبو زُرعةَ العراقيُّ «ت ٨٢٦ هـ»: «وَأَمَّا مُبْهَمَاتُ الإِسْنَادِ فَلَا يَخْفَىْ شِدَّةُ الاِحْتِيَاجِ إِلَىْ مَعْرِفَتِهَا، لِتَوَقُّفِ الاِحْتِجَاجِ بِالحَدِيثِ عَلَىْ مَعْرِفَةِ أَعْيَانِ رُوَاتِهِ [وَأَحْوَالِهِمْ]» (^١). هذَا إذَا كانَ المبهمُ مِنْ غيرِ الصَّحابةِ، لأنَّ الصَّحابةَ عدولٌ كلُّهُمْ، ولا تقدحُ بهِمُ الجهالةُ، إلَّا أنَّ معرفةَ المبهمِ إذَا كانَ صحابيًَّا مِنَ الأهميَّةِ بمكانٍ، بيَّنَ ذلكَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» فقالَ: «مِنْ فَوَائِدِهِ: أَنْ يَكُونَ المُبْهَمُ سَائِلًَا عَنْ حُكْمٍ عَارَضَهُ حَدِيثٌ آَخَرُ، فَيُسْتَفَادُ بِمَعْرِفَتِهِ النَّسْخُ وَعَدَمُهُ، إِنْ عُرِفَ زَمَانُ إِسْلَامِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، وَكَانَ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ قِصَّةٍ شَاهَدَهَا وَهُوَ مُسْلِمٌ» (^٢).
وأمَّا تمييزُ المهملِ: فتظهرُ فائدتُهُ فيمَا إذَا كانَ أحدُهُمَا ثقةً والآخرُ ضعيفًَا، فتعيينُ الرَّاوي وتمييزُهُ عَنْ غيرِهِ أساسٌ لبيانِ حالِهِ، وفي حالِ كونِهِمَا ثقتينِ فلا يضرُّ الإهمالُ بصحَّةِ الحديثِ، لأنَّهُ صحيحٌ عنهُمَا، وكذلكَ للأمنِ مِنَ اللَّبسِ بجعلِ الواحدِ اثنينِ.
وتعيينُ المبهمِ وتمييزُ المهملِ يحصلُ بمَا يأتي:
_________________
(١) المستفاد من مبهمات المتن والإسناد ١/ ٩٢. وما بين معقوفتين من إدراج الكاتب لأن الاحتجاج يتوقف على معرفة عين وحال الراوي، ولا يكتفى بمجرد معرفة عينه. انظر كلام ابن كثير في علوم الحديث ٢/ ٦٥٢.
(٢) فتح المغيث ٣/ ٣٠١.
[ ٤١٤ ]
أوَّلًَا: السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ:
قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِوُرُودِهِ مُسَمَّىً فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ» (^١). وهوَ العمدةُ في معرفتِهِ (^٢)، وقالَ ابنُ كثيرٍ (^٣) «ت ٧٧٤ هـ»: «وَأَهَمُّ مَا فِيهِ مَا رَفَعَ إِبهَامًَا فِي إِسْنَادٍ، كَمَا إِذَا وَرَدَ فِي سَنَدٍ: عَنْ فُلَانِ بنِ فُلَانٍ، أَوْ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَمِّهِ، أَوْ أُمِّهِ، فَوَرَدَتْ تَسْمِيَةُ هَذَا المُبْهَمِ مِنْ طَرِيقٍ أُخرَىْ، فَإِذَا هُوَ ثِقَةٌ أَوْ ضَعِيفٌ أَوْ مِمَّنْ يُنْظَرُ فِي أَمْرِهِ، فَهَذَا أَنْفَعُ مَا فِي هَذَا النَّوعِ» (^٤).
لذَا قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «لَا يَنْبَغِي الحُكْمُ بِالاِنْقِطَاعِ وَلَا بِجَهَالَةِ الرَّاوِي المُبْهَمِ بِمُجَرَّدِ الوُقُوفِ عَلَىْ طَرِيقٍ كَذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الإِمْعَانِ فِي التَّفْتِيشِ لِئَلَّا يَكُونَ مُتَّصِلًَا وَمُعَيَّنًَا فِي طَرِيقٍ آَخَرَ» (^٥).
مثالُ ذلكَ حديثُ: «إِنَّمَا جُعِلَ الاِسْتِئْذَانُ لِأَجْلِ النَّظَرِ».
* الحديثُ أخرجَهُ أبو داودَ «ر ٥١٧٥» مِنْ طريقِ الأعمشِ (^٦)، عنْ طلحةَ بنِ مُصَرِّفٍ، عنْ رجلٍ، عنْ سعدِ بنِ عبادةَ -﵁-.
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ٣٧٥.
(٢) ذكره الجعبريُّ في رسوم التحديث ص ١٥٥.
(٣) إسماعيل بن عمر بن كثير، القرشي، البصري، الدمشقي، أبو الفداء، عماد الدين، «٧٠١ هـ - ٧٧٤ هـ» المحدث، المفسر، والمؤرخ، من كتبه: «البداية والنهاية»، و«اختصار علوم الحديث»، و«التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل». انظر معجم المحدثين ص ٧٤، وذيل تذكرة الحفاظ ص ٧٥، وطبقات الحفاظ ص ٥٣٤.
(٤) علوم الحديث ٢/ ٦٥٢.
(٥) فتح المغيث ١/ ١٨.
(٦) تقدمت ترجمته ص ٢٤٩.
[ ٤١٥ ]
* وأخرجَهُ أبو داودَ أيضًَا «ر ٥١٧٤»، وابنُ أبي شيبةَ «ر ٢٦٢٣٤» مِنْ طريقِ الأعمشِ، عنْ طلحةَ بنِ مُصرِّفٍ، عنْ هُزيلِ بنِ شُرحبيلَ، أنَّ رجلًَا.
* وأخرجَهُ البيهقيُّ «ر ١٧٤٣٩» مِنْ طريقِ الأعمشِ نفسِهِ، لكنَّهُ ذكرَ أنَّ الرَّجلَ الذي روىْ عنهُ هُزَيلٌ، هوَ سعدُ بنُ عبادةَ.
وتابعَهُ علىْ ذلكَ منصورُ بنُ المعتمرِ (^١)، عندَ البخاريِّ في الأدبِ «ر ٢٣»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ٥٣٨٦»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٢٦٢٣٢».
فبمجموعِ هذِهِ الطُّرقِ تعيَّنَ الرَّجلُ المبهمُ الذي روىْ عنهُ طلحةُ بنُ مُصرِّفٍ، وهوَ هُزيلُ بنُ شُرحبيلَ، وتعيَّنَ الرَّجلُ المبهمُ الذي روىْ عنهُ هزيلٌ، وهوَ سعدُ بنُ عبادةَ -﵁-.
قالَ ابنُ دقيقِ العيدُ «ت ٧٠٢ هـ»: «فَيَظْهَرُ مِنَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ الرَّجُلَ المُبْهَمَ فِيهَا هُوَ هُزَيلُ المُبَيَّنُ فِي الأُولَىْ، وَأَنَّهُ يَرْوِيهِ عَنْ سَعْدٍ» (^٢).
وقالَ أبو زرعةَ العراقيُّ «ت ٨٢٦ هـ»: «هُوَ هُزَيلُ ابْنُ شُرَحْبِيلَ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُبْهَمًَا وَمُبَيَّنًَا» (^٣).
* وأمَّا المهملُ، فقدْ قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَيَتَبَيَّنُ المُهْمَلُ وَيَزُولُ الإِشْكَالُ عِنْدَ أَهْلِ المَعْرِفَةِ بِالنَّظَرِ فِي الرِّوَايَاتِ، فَكَثِيرًَا مَا يَاتِي مُمَيَّزًَا فِي بَعْضِهَا» (^٤).
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٢٤٨.
(٢) الاقتراح ص ١٠٩.
(٣) المستفاد من مبهمات المتن والإسناد ٣/ ١٤٢٨/ ر ٥٦٦.
(٤) فتح المغيث ٣/ ٢٨١.
[ ٤١٦ ]
إلا أنَّ تمييزَ المهملِ مِنْ هذَا الطَّريقِ ليسَ هوَ العمدةُ، بلْ لا بدَّ منْ قرائنَ أخرىْ تُقوِّي الظَّنَّ بتمييزِهِ وتقييدِهِ.
ومثالُ ذلكَ الرِّوايةُ الآنفةُ: «إِنَّمَا جُعِلَ الاِسْتِئْذَانُ لِأَجْلِ النَّظَرِ»، فقدْ وردَ سعدٌ مهملًا في روايةِ أبي داودَ، ممَّا أشكلَ بينَ سعدِ بنِ عبادةَ -﵁- وسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ -﵁-، لكنَّ الرِّواياتِ تواطأتْ علىْ أنَّهُ سعدُ بنُ عبادةَ -﵁-، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَسَعْدُ هَذَا لَمْ يُنْسَبْ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَنُسِبَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، فَوَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ: جَاءَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ -﵁-، وَأَورَدَ ابنُ عَسَاكِرٍ هَذَا الحَدِيثَ فِي الأَطْرَافِ فِي تَرْجَمَةِ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁-، واللهُ أعلمُ» (^١).
ومنْ ذلكَ أيضًَا، ما رواهُ البخاريُّ، قالَ: حدَّثنَا إبراهيمُ، أخبرنَا الوليدُ، حدَّثنَا الأوزاعيُّ، سمعَ عطاءً يُحدِّثُ عنْ جابرٍ -﵁-: «أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مِنْ ذِي الحُلَيفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ».
قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَإِبْرَاهِيمُ شَيخُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَقَعَ مُهْمَلًَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَىْ الرَّازِيُّ، وَهُوَ الحَافِظُ المَعْرُوفُ بِالفَرَّاءِ الصَّغِيرِ» (^٢).
_________________
(١) فتح الباري ١/ ٣٣١.
(٢) المصدر ذاته ٣/ ٣٨٠. وانظر البخاري «ر ١٤٤٤».
[ ٤١٧ ]
ثانيًَا: تنصيصُ أهلِ العلمِ علىْ تعيينهِ:
قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «وَيُعْرَفُ تَعْيِينُ المُبْهَمِ بِالتَّنْصِيصِ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَنَحْوِهِمْ إِنْ اتَّفَقَتِ الطُّرُقُ عَلَىْ الإِبْهَامِ» (^١). ومظانُّ ذلكَ فصولُ المبهماتِ مِنْ كتبِ الرِّجالِ، والشُّروحُ الحديثيَّةُ، والمُصنَّفاتُ المفردةُ في المبهماتِ، مِنْ أهمِّهَا وأجمعِهَا: «المستفادُ منْ مبهماتِ المتنِ والإسنادِ» (^٢) للحافظِ وليِّ الدِّينِ أحمدِ العراقيِّ «ت ٨٢٦ هـ»، جمعَ فيهِ بينَ تصانيفِ مَنْ قبلهُ في ذلكَ مع زيادات جمة (^٣).
* وكذلكَ تمييزُ المهملِ يُعلمُ بتنصيصِ الأئمَّةِ علىْ تمييزِهِ، فقدْ يذكرُ المصنِّفُ الرَّاويَ باسمِهِ، ثمَّ يُميِّزُهُ عنْ غيرِهِ بكنيةٍ أو لقبٍ أو غيرِ ذلكَ، ومثالُهُ في صحيحِ البخاريِّ كثيرٌ، فنجدُهُ يذكرُ إبراهيمَ في عدَّةِ مواطنَ، ثمَّ يقولُ: «إبراهيمُ: هوَ ابنُ طَهمَانَ» وفي موضعٍ آخرَ «إبراهيمُ: هوَ ابنُ سعدٍ» وفي موضعٍ ثالثٍ «إبراهيمُ: هوَ التَّيميُّ» (^٤).
ومنَ المصنَّفاتِ في المهملِ: «تقييدُ المهملِ وتمييزُ المشكِلِ»، لأبي عليٍّ الجيانيِّ «ت ٤٩٨ هـ» (^٥).
_________________
(١) فتح المغيث ٣/ ٣٠١ «بتصرف يسير».
(٢) طبع في دار الوفاء - القاهرة - ط ١ - ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م - تحقيق: د. عبد الرحمن عبد الحميد البر.
(٣) جمع فيه الكتب الآتية: «الأسماء المبهمة» للخطيب، و«الإشارات» للنووي، و«غوامض الأسماء المبهمة» لابن بشكوال، و«إيضاح الإشكال» لابن طاهر المقدسي.
(٤) انظر المواضع في البخاري - طبعة دار طوق النجاة - على الترتيب «ر ٤٣٧١» - «ر ٤٤٠٩» - «ر ٧٤٢٤».
(٥) طبع في دار عالم الفوائد - مكة المكرمة - ١٤٢١ هـ - ط ١ - اعتناء: علي محمد العمران، ومحمد عزيز شمس.
[ ٤١٨ ]
وثمَّةَ طرقٌ أُخرىْ لتمييزِ المهملِ، بيَّنَهَا السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»، بعدَ أنْ ذكرَ طريقَ السَّبرِ وجمعِ الطُّرُقِ، فقالَ: «أَوْ بِاخْتِصَاصِ الرَّاوِي بِأَحَدِهِمَا، إِمَّا بِأَنْ لَمْ يَرْوِ إِلَّا عَنْهُ فَقَطْ، أَوْ بِأَنْ يَكُونَ مِنَ المُكْثِرِينَ عَنْهُ المُلَازِمِينَ لَهُ دُونَ الآَخَرِ، أَوْ بِكَونِهِ كَمَا أُشِيرِ إِلَيهِ فِي مَعْرِفَةِ أَوطَانِ الرُّوَاةِ: بَلَدِيُّ شَيخِهِ أَوْ الرَّاوِي عَنْهُ إِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالرِّحْلَةِ، فَإِنَّ بِذَلِكَ وَبِالذِي قَبْلَهُ يَغْلِبُ عَلَىْ الظَّنِّ تَبَيُّنُ المُهْمَلِ، وَمَتَىْ لَمْ يَتَبَيَّنْ ذَلِكَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، أَوْ كَانَ مُخْتَصًَّا بِهِمَا مَعًَا فَإِشْكَالُهُ شَدِيدٌ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَىْ القَرَائِنِ وَالظَّنِّ الغَالِبِ، قَالَ ابنُ الصَّلَاحِ: "وَقَدْ يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ فِي حَالِ الرَّاوِي وَالمَرْوِيِّ عَنْهُ، وَرُبَّمَا قَالُوا فِي ذَلِكَ بِظَنٍّ لَا يَقْوَىْ"» (^١).
وبذلكَ نخلصُ إلىْ أنَّ العمدةَ في تعيينِ المبهمِ هوَ السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ، ويُميَّزُ المهملُ بالسَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ، لكنْ لا بدَّ فيهِ مِنْ قرائنَ تُقوِّي الظَّنَّ بتمييزِهِ وتقييدِهِ.
* * *
_________________
(١) فتح المغيث ٣/ ٢٨١.
[ ٤١٩ ]
المَبْحَثُ الخَامِسَ عَشَرَ: مَعْرِفَةُ التَّصْحِيفِ وَالتَّحْرِيفِ فِي الإِسْنَادِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ التَّصْحِيفِ وَالتَّحْرِيفِ فِي الإِسْنَادِ:
* المصحَّفُ (^١): لغةً: تغييرُ اللَّفظِ، صحَّفَهُ فتصحَّفَ، أي: غيَّرهُ فتغيَّرَ. ومأخوذٌ مِنَ الخطأِ في الصَّحيفةِ (^٢).
اصطلاحًَا: التَّصحيفُ: هوَ تغييرٌ في نَقْطِ الحروفِ أو حركاتِهَا معَ بقاءِ صورةِ الخطِّ.
* وأمَّا المحرَّفُ: فلمْ يفرِّقِ المتقدِّمونَ بينَهُ وبينَ المصحَّفِ، إلَّا أنَّ الحافظَ ابنَ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» فرَّقَ بينَهُمَا، حيثُ قالَ: «إِنْ كَانَتِ المُخَالَفَةُ بِتَغْيِيرِ حَرفٍ أَوْ حُرُوفٍ مَعَ بَقَاءِ صُورَةِ الخَطِّ فِي السِّيَاقِ، فَالمُصَحَّفُ فِي النَّقْطِ، وَالمُحَرَّفُ فِي الشَّكْلِ» (^٣).
ويحصلُ التَّصحيفُ والتَّحريفُ بسببِ الوهمِ والخطأِ، والخلطِ بينَ المتشابِهِ، وبينَ ما هوَ مؤتلفٌ ومختلفٌ، وما كانَ مِنَ المتَّفقِ والمفترقِ، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» في ذكرِهِ للمتشابهِ: «وَمَنْ لَمْ يَاخُذْ هَذَا العِلْمَ مِنْ أَفْوَاهِ الحُفَّاظِ المُبَرِّزِينَ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيهِ التَّصْحِيفُ فِيهَا» (^٤).
_________________
(١) انظر في المصحَّف والمحرَّف: مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٢٧٩، واليواقيت والدُّرر ٢/ ١٠٤، وتوجيه النَّظر ٢/ ٥٩٢، وشرح نخبة الفكَر للقاري ١/ ٤٤٨، والشَّذا الفيَّاح ٢/ ٤٦٧.
(٢) انظر لسان العرب - مادة «صحف» - ٩/ ١٨٧، وقواعد التحديث ص ١٢٦.
(٣) نخبة الفكر ص ٢٣٠ «بتصرف يسير».
(٤) معرفة علوم الحديث ص ٢٢١.
[ ٤٢٠ ]
لذَا وعندَ الكلامِ على التَّصحيفِ والتَّحريفِ لا بُدَّ منْ الإشارةِ إلى هذهِ الأنواعِ بالتَّعريفِ والبيانِ.
أولًا: المتشابهُ: لغةً: مِنَ التَّشابُهِ، بمعنى: التَّماثُلِ، ويُرادُ بهِ هنَا: الملتبِسُ.
اصطلاحًا: أنْ يتَّفقَ اسمُ شخصينِ أو كنيتُهُمَا التي عُرفَا بهَا، ويوجدُ في نسبِهِمَا أو نسبتِهِمَا الاختلافُ والائتلافُ الآتي بيانُهُ، أو على العكسِ، بأنْ تختلفَ وتأتلفَ أسماؤُهُمَا، وتتَّفقَ نسبتُهُمَا أو نسبُهُمَا اسمًا أو كنيةً.
فهوَ يتركَّبُ منَ المؤتلفِ والمختلفِ، والمتَّفقِ والمفترقِ.
ثانيًا: المؤتلفُ والمختلفُ: لغةً: الائتلافُ: بمعنى الاجتماعِ والتَّلاقي.
الاختلافُ: ضدُّ الاتِّفاقِ (^١).
اصطلاحًَا: ما تتَّفقُ في الخطِّ صورتُهُ، وتختلفُ في النُّطقِ والتَّلفُّظِ صيغتُهُ.
ثالثًا: المتَّفقُ والمفترقُ: أمَّا معناهُ اللغويُّ فبيِّنٌ.
وفي اصطلاحِ المحدِّثينَ: وهوَ مَا يتَّفقُ لفظًَا وخطًَّا، ويفترقُ عينًَا.
وقدْ يكونُ الاتِّفاقُ بينَهُم بالاسمِ واسمِ الأبِ والجدِّ، وغيرِ ذلكَ (^٢).
_________________
(١) انظر لسان العرب مادتي «ألف - خلف» ٩/ ١٠ و٩/ ٩١.
(٢) انظر في المتفق والمفترق مقدمة ابن الصلاح ص ٣٥٨، وتقسيمه له.
[ ٤٢١ ]
المَطْلَبُ الثَّانِي: أَقْسَامُ التَّصحِيفِ:
قسَّمَ العلماءُ التَّصحيفَ عدَّةَ أقسامٍ بحسبِ كيفيَّةِ حصولِهِ، بالسَّمعِ أو بالبصرِ، أو اللَّفظِ، أو بالمعنى، والحقيقةُ أنَّ مرجعَ هذَا كلِّهِ إلى قسمينِ رئيسينِ بحسبِ موضعِهِ، وهمَا:
التَّصحيفُ في الإسنادِ: وهوَ ما حصلَ فيهِ تغييرٌ في ضبطِ رجلٍ أو أكثرَ منْ رجالِ السَّندِ مثلَ: «جوابٌ التَّيميُّ»، قرأَهُ بعضُهُم: «جِرابٌ». و«أبو حرَّةَ»، قرأَهُ بعضُهُم: «أبو جرَّةَ».
التَّصحيفُ في المتنِ: وسيأتي الكلامُ عليهِ في مباحثِهِ (^١).
_________________
(١) انظر ص ٤٠٩.
[ ٤٢٢ ]
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ التَّصحيفِ والتَّحريفِ فِي الإِسْنَادِ:
معرفةُ المصحَّفِ والمحرَّفِ في الأسانيدِ ذو أهميَّةٍ بالغةٍ عندَ المحدِّثينَ، لأنَّ التَّصحيفَ والتَّحريفَ يُعمِّيَانِ عينَ الرَّاوي، وبالتَّالي حالَهُ الذي يتوقَّفُ عليهِ معرفةُ صحَّةِ الحديثِ مِنْ ضعفِهِ، ولأجلِ هذَا قالَ ابنُ المدينيِّ «ت ٢٣٤ هـ»: «أَشَدُّ التَّصْحِيفِ: التَّصْحِيفُ فِي الأَسْمَاءِ» (^١). وهوَ فنٌّ يحتاجُ إلى الدِّقَّةِ والفهمِ واليقظةِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «هَذَا فَنٌّ جَلِيلٌ، إِنَّمَا يَنْهَضُ بِأَعْبَائِهِ الحُذَّاقُ مِنَ الحُفَّاظِ» (^٢).
والتَّصحيفُ في الإسنادِ يُعرفُ بمَا يأتي:
أوَّلًا: السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ: فمَا يردُ مُصحَّفًا أو مُحرَّفًا في طريقٍ، قدْ يردُ صحيحًَا ومضبوطًا في طريقٍ أُخرى، قالَ الدُّكتورُ حمزةُ المليباريُّ: «فَالمُصَحَّفُ نَوعٌ مِنَ المَعلُولِ، لِأَنَّ الذِي صَحَّفَهُ الرَّاوِي لَا يَكُونُ إِلَّا خَطَأً، وَبِذَلِكَ أَصْبَحَ مُخَالِفًَا لِلوَاقِعِ، أَوْ مُتَفَرِّدًَا بِمَا لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَا يَظْهَرُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ خِلَالِ الجَمْعِ وَالمُقَارَنَةِ» (^٣).
قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» ممثِّلًا: «وَمِنْهُ مَا رَوَينَاهُ عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بنِ عَرْفَطَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ، عَنْ عَائِشَةَ
_________________
(١) تصحيفات المحدثين ١/ ١٢.
(٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٧٩.
(٣) الحديث المعلول قواعد وضوابط ص ٨٨.
[ ٤٢٣ ]
﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-: «نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالمُزَفَّتِ». قَالَ أَحمَدُ: "صَحَّفَ شُعْبَةُ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَالِدُ بنُ عَلقَمَةَ"» (^١). فبيَّنَ تصويبَ ابنِ حنبلٍ للتَّصحيفِ، وأيَّدهُ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ» مِنْ طُرقٍ أُخرى، فقالَ: «وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَولِ أَحْمَدَ: أَنَّ زَائِدَةَ بنَ قُدَامَةَ وَأَبَا عَوَانَةَ وَشَرِيكَ بنَ عَبْدِ اللهِ، رَوَوا عَنْ خَالِدِ بنِ عَلقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ بِنَحْوِهِ» (^٢). أمَّا حديثُ أبي عَوانةَ فقدْ أخرجَهُ البغداديُّ في تاريخِهِ «ر ٣٩٤١»، ووردَ في حديثِ أبي الفضلِ الزُّهريِّ «ت ٣٨١ هـ» (^٣). وقدْ بحثتُ مليًَّا عَنْ طريقي زائدةَ وشريكٍ في المصنَّفاتِ الحديثيَّةِ والأجزاءِ فلمْ أجدْهُمَا.
ومِنَ قرائنِ التَّرجيحِ في معرفةِ المصحَّفِ، ما يأتي:
١ - كثرةُ العددِ: كمَا في المثالِ آنفِ الذِّكرِ، فإنَّ الطُّرقَ اتَّفقتْ على أنَّ الرَّاويَ هوَ خالدُ ابنُ علقمةَ، وليسَ مالكَ بنَ عرفطةَ، فاتَّضحَ الشُّذوذُ بمخالفةِ الجمعِ.
٢ - موافقةُ المنصوصِ عليهِ لدى الأئمَّةِ المحققينَ: وسيأتي بيانُهُ قريبًا.
٣ - كونُ الرَّاوي ممَّنْ عُلمَ بضَبطِ الأسماءِ، ومخالفُهُ ممَّنْ عُرِفَ بالتَّصحيفِ: والأمثلةُ كثيرةٌ في كتبِ الرِّجالِ، قالَ ابنُ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «ابْنُ مَهْدِيٍّ أَكْثَرُ تَصْحِيفًَا مِنْ وَكِيعٍ، وَوَكِيعٌ أَكْثَرُ خَطَأً مِنْ ابنِ مَهْدِيٍّ، وَكِيعٌ قَلِيلُ التَّصحِيفِ» (^٤).
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٧٩. وانظر حديث شعبة عن مالك بن عرفطة، في مسند الطيالسي «ر ١٥٣٨» ومسند ابن حنبل «ر ١١٧٨» و«ر ٢٥٤٣٦» و«ر ٢٦١١٤»، ومسند ابن راهويه «ر ١٧٧١».
(٢) معرفة علوم الحديث ص ١٤٩.
(٣) / ٤٦. طبع في مكتبة أضواء السلف - الرياض - ١٤١٨ هـ - تحقيق: د. حسن بن محمد البلوط.
(٤) العلل لابن حنبل ١/ ٣٩٤.
[ ٤٢٤ ]
وقالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٧٧ هـ» في ترجمةِ «إبراهيمَ بنِ الفضلِ بنِ أبي سُويدٍ»: «سَمِعْتُ يَحيَى بنَ مَعِينٍ- وَذَكَرَ ابنَ أَبِي سُوَيدٍ - فَقَالَ: يُقَالُ: إِنَّهُ كَثِيرُ التَّصحِيفِ، لَا يُقِيمُهَا» (^١).
ومنهُمْ مَنْ كانَ يُخطئُ في أسماءِ الرِّجالِ خاصَّةً، كشعبةَ - وإنْ كانَ لا يضرُّهُ - لكنَّ معرفةَ ذلكَ تُفيدُ عندَ التَّرجيحِ (^٢).
٤ - ضبطُ الكتابِ: إنْ كانَ صاحبُهُ مِنْ أهلِ الضَّبطِ، لا مِنَ النُّسَّاخِ، فإذَا اختلفَ راويانِ عنْ شيخٍ في ضبطِ اسمٍ، فالعمدةُ للكتابِ، بأنْ يكونَ ما في كتابِ الرَّاوي مُخالفًَا لمَا سمعَهُ منْ تصحيفٍ، فتلكَ قرينةٌ قويَّةٌ، قالَ الخطيبُ البغداديُّ «ت ٤٦٣ هـ»: «بَلَغَنِي عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّجِستَانِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَوَانَةَ يَومًَا: حَدَّثَنَا مَالِكُ بنُ عَرفَطَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيرٍ. فَقَالَ لَهُ عَمْرُو الأَعْصَفُ: رَحِمَكَ اللهُ يَا أَبَا عَوَانَةَ، هَذَا خَالِدُ بنُ عَلقَمَةَ، وَإِنَّ شُعْبَةَ يُخْطِئُ فِيهِ، فَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ: هُوَ فِي كِتَابِي: خَالِدُ بنُ عَلقَمَةَ، وَلَكِنْ قَالَ لِي شُعْبَةُ: هَوَ مَالِكُ بنُ عَرفَطَةَ» (^٣). وتقوى هذِهِ القرينةُ إذَا كانَ صاحبُ الكتابِ منْ أضبطِ النَّاسِ لحديثِ شيخِهِ، قالَ ابنُ المباركِ «ت ١٨١ هـ»: «إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ، فَكِتَابُ غُنْدَرٍ حَكَمٌ بَينَهُمْ» (^٤).
* والتَّحريفُ بمعنى المخالفةِ في الشَّكْلِ، فهذَا ممَّا لا يُمكنُ معرفتُهُ بالسَّبرِ، لأنَّ أغلبَ الكتبِ خاليةٌ مِنَ التَّشكيلِ.
_________________
(١) الجرح والتعديل ٢/ ١٢٢.
(٢) انظر تهذيب الكمال ١٢/ ٤٩٤.
(٣) موضِّح أوهام الجميع والتفريق ٢/ ٦١.
(٤) ميزان الاعتدال ٦/ ٩٤.
[ ٤٢٥ ]
وكذلكَ المُتشابِهُ فقدْ يردُ مُهملًَا في طريقٍ، ومُقيَّدًا ومبيَّنًَا في طريقٍ أُخرى، قالَ السِّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» في مطلعِ بحثِ المتشابهِ: «ثُمَّ مَا وُجِدَ مِنْ هَذَا البَابِ فِي الأَقْسَامِ كُلِّهَا غَيرَ مُبَيَّنٍ، فَيُعْرَفُ بِالرَّاوِي عَنْهُ أَوْ المَرْوِيِّ عَنْهُ، أَوْ بَيَانُهُ فِي طَرِيقٍ آَخَرَ، فَإِنْ لَمْ يُبَيَّنْ وَاشْتَرَكَتِ الرُّوَاةُ فَمُشْكِلٌ جِدًَّا، يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى غَالِبِ الظُّنُونِ وَالقَرَائِنِ أَوْ يُتَوَقَّفْ» (^١).
والمتَّفقُ والمفترقُ يُعرفُ كذلكَ بورودِهِ مِنْ طريقٍ أُخرى مُميَّزًَا، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «ثُمَّ إِنَّ مَا يُوجَدُ مِنَ المُتَّفِقِ وَالمُفْتَرِقِ غَيرَ مَقْرُونٍ بِبَيَانٍ، فَالمُرَادُ بِهِ قَدْ يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ فِي رِوَايَاتِهِ، فَكَثِيرًَا مَا يَاتِي مُمَيَّزًَا فِي بَعْضِهِمَا» (^٢).
مثالُ ذلكَ ما رواهُ ابنُ حنبلٍ، قالَ: حدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قالَ: أنبأنَا محمَّدُ بنُ إسحاقَ، عنْ يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ راشدٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي مُرَّةَ، عنْ خارجةَ ابنِ حُذافةَ -﵁-، قالَ: خرجَ علينَا رسولُ اللهِ -ﷺ- ذاتَ غداةٍ، فقالَ: «لَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ». قالَ ابنُ الجوزيِّ «ت ٥٩٧ هـ»: «وَأَمَّا حَدِيثُ خَارِجَةَ فَفِيهِ ابنُ إِسحَاقَ، وَقَدْ كَذَّبَهُ مَالِكٌ، وَفِيهِ عَبدُ اللهِ بنُ رَاشِدٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ» (^٣). وتعقَّبَهُ ابنُ عبدِ الهادي «ت ٧٤٤ هـ»، فقالَ: «وَتَضْعِيفُ المُؤَلِّفِ لِابنِ إِسْحَاقَ لَيسَ بِشَيءٍ، وَقَدْ تَابَعَهُ اللَّيثُ ابنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بنِ أَبِي حَبِيبٍ. وَقَولُهُ في عَبْدِ اللهِ بنِ رَاشِدٍ: "ضعَّفَهَ الدَّارَقُطْنِيُّ" وَهْمٌ بَيِّن، فَإِنَّهُ إِنَّمَا ضَعَّفَ عَبدَ اللهِ بنَ رَاشِدٍ البَصرِيُّ مَولَى عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ الرَّاوِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ.
_________________
(١) تدريب الراوي ٢/ ٣٢٩.
(٢) مقدِّمة ابن الصَّلاح ص ٣٦٤.
(٣) التحقيق في أحاديث الخلاف ١/ ٤٥٤.
[ ٤٢٦ ]
وَأَمَّا رَاوِي حَدِيثِ خَارِجَةَ فَهُوَ الزَّوفِيُّ، أَبُو الضَّحَّاكِ المَصْرِيُّ، قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: "الزَّوفِيُّ مِنْ حِمْيَرَ، وَلَيسَ لَهُ إِلَّا حَدِيثُهُ فِي الوِتْرِ، وَلَا يُعرَفُ سَمَاعُهُ مِنْ ابنِ أَبِي مُرَّةَ". وَكَذَلِكَ قَالَ البُخَارِيُّ: "لَا يُعْرَفُ سَمَاعُهُ مِنهُ". وَذَكَرَهُ أَبُو حَاتِمِ بنِ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ» (^١).
ويُؤيِّدُ ذلكَ أنَّ الحديثَ أخرجَهُ الدَّارِميُّ «ر ١٥٧٦»، وأبو داودَ «ر ١٤١٨»، وابنُ ماجةَ «ر ١١٦٨»، والتِّرمذيُّ «ر ٤٥٢»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٤١٣٦»، والدَّارقطنيُّ «٢/ ٣٠»، والبيهقيُّ «ر ٤٢٥٠»، وغيرُهُمْ، كلُّهُمْ أوردَ عبدَ اللهِ بنَ راشدٍ مُقيَّدًا بالزَّوفيِّ.
ثانيًَا: تنصيصُ أهلِ العلمِ على بيانِهِ: وهذَا هوَ العمدةُ في معرفةِ التَّصحيفِ، لأنَّ التَّصحيفَ إنَّمَا يحصلُ بسببِ تلقِّي العلمِ مِنَ الصُّحفِ لَا مِنْ أفواهِ الأئمَّةِ الأعلامِ، قالَ التَّنوخيُّ (^٢) «ت ١٦٧ هـ»: «لَا تَحْمِلُوا العِلمَ عَنْ صَحَفِيٍّ، وَلَا تَأخُذُوا القُرآَنَ مِنْ مُصْحَفِيٍّ» (^٣). وكثرةُ التَّصحيفِ مِنَ المحدِّثِ طعنٌ فيهِ، إلَّا أنْ يكونَ نادرًَا، لأجلِ هذَا صنَّفَ الأئمَّةُ المحقِّقونَ مِنَ أهلِ الحديثِ كتبَ «التَّصحيفِ والتَّحريفِ» و«المؤتلِفِ والمختلفِ».
منْ أشهرِهَا في التَّصحيفِ: «إصلاحُ خطأِ المحدِّثينَ»، لأبي سليمانَ الخطَّابيِّ «ت ٣٨٨ هـ» (^٤).
_________________
(١) تنقيح تحقيق أحاديث التعليق ١/ ٥٠٧.
(٢) سعيد بن عبد العزيز التنوخي، الدمشقي، أبو محمد، «٩٠ هـ - ١٦٧ هـ»، الحافظ الحجة، فقيه دمشق في عصره، قال الإمام ابن حنبل: «ليس بالشام أصح حديثًا منه». انظر تذكرة الحفاظ ١/ ٢١٩، وطبقات الحفاظ ص ٩٩.
(٣) الجرح والتعديل ٢/ ٣١.
(٤) طبع في مؤسسة الرسالة - بيروت - ط ٢ - ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م - تحقيق: د. حاتم صالح الضامن.
[ ٤٢٧ ]
ومنْ أشهرِهَا في المؤتلفِ: «تبصيرُ المنتبهِ بتحريرِ المشتبهِ»، لابنِ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» (^١).
ومنْ أهمِّهَا في المتَّفقِ والمفترقِ: «المتَّفقُ والمفترقُ»، للخطيبِ البغداديِّ «ت ٤٦٣ هـ» (^٢).
ومنْ أحسنِهَا في المتشابِهِ «تلخيصُ المتشابِهِ في الرَّسمِ، وحمايةُ ما أشكلَ منهُ عنْ بوادرِ التَّصحيفِ والوهمِ» للخطيبِ البغداديِّ «ت ٤٦٣ هـ»، «ثُمَّ ذَيَّلَ عَلَيهِ بِمَا يَتَّفِقُ مِنْ أَسْمَاءِ الرُّوَاةِ وَأَنْسَابِهِمْ، غَيرَ أَنَّ فِي بَعْضِهِ زِيَادَةَ حَرْفٍ، وَسَمَّاهُ "تَالِي التَّلخِيصِ"» (^٣).
وبذلكَ نُدركُ أنَّ المعوَّلَ عليهِ في تلقِّي هذَا العلمِ هوَ الأخذُ مِنْ أفواهِ الأئمَّةِ المحقِّقينَ.
وتنصيصُهُمْ وضبطُهُمْ لأسماءِ الرِّجالِ هوَ العمدةُ في تمييزِ المشتبِهِ مِنَ الأسماءِ، كمَا أنَّ السَّبرَ وجمعَ الطُّرقِ بالإضافةِ إلى القرائنِ المرجِّحةِ مِنَ الطُّرقِ الرئيسةِ في بيانِ ذلكَ وتقييدِهِ.
* * *
_________________
(١) ويعد هذا الكتاب من أفضل الكتب في موضوعه، حيث استدرك ما فات الذهبي في كتابه «المشتبه» الذي جمع فيه كتاب «الإكمال» لابن ماكولا، والكتب التي استدركت عليه وغيرها، ويتميز أيضًا بضبطه للشكل ضبطًا مبينًا بالكتابة. طبع في دار الكتب العلمية - بيروت - ١٩٦٤ م - تحقيق: محمد علي النجار وعلي محمد البجاوي.
(٢) طبع في دار القاري - دمشق - ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٧ م - تحقيق الدكتور محمد صادق آيدن الحامدي. وقد فصَّل الدكتور حسن فتحي طرق تمييز المتَّفق والمفترق، في بحث «المتَّفق والمفترق - طرق تمييزه - وخطورة إغفاله»، مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية - قسنطينة - العدد ٢٧، فلينظر.
(٣) انظر الرسالة المستطرفة ص ١١٩، وقد طبع كتاب «تلخيص المتشابه» في دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر - دمشق - ١٩٨٥ م - تحقيق: سكينة الشهابي. وكتاب «تالي التلخيص» طبع في دار الصميعي - الرياض- ١٤١٧ هـ - تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، وأحمد الشقيرات.
[ ٤٢٨ ]
الفَصْلُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي المتنِ (^١):
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ زِيَادَةِ الثِّقَةِ فِي المَتْنِ (^٢):
تحدَّثتُ عنْ الزِّيادةِ في السَّندِ في عدَّةِ مواضعَ مِنْ مباحثِ أثرِ السَّبرِ في السَّندِ، وهيَ تشملُ اختلافَ الرُّواةِ في وصلِ الحديثِ وإرسالِهِ، وكذَا في رفعِهِ ووقفِهِ، أو بزيادةِ راوٍ (^٣).
وما أتكلَّمُ عنهُ هنَا هوَ زيادةُ الثِّقةِ في المتنِ، وهيَ المتبادَرُ إلى الذِّهنِ عندَ الإطلاقِ، وأكثرُ العلماءِ إنَّمَا بحثُوا زيادةَ المتنِ في مبحثِ زيادةِ الثِّقاتِ، وعرَّجُوا على زيادةِ السَّندِ إلحاقًا، وهذَا ظاهرٌ في مصنَّفاتِ أصولِ الحديثِ.
_________________
(١) انظر الكلام على أثر السبر في المتن في مبحث «أهمية السبر وأقوال العلماء فيه» ص ٤٩ وما بعدها.
(٢) انظر في زيادة الثقة: الكفاية ص ٤٢٤، ومقدمة ابن الصلاح ص ٨٥، والتقريب ص ٥، ورسوم التحديث ص ٨٢، والمنهل الروي ص ٥٨، والنكت للزركشي ٢/ ١٧٤، والشذا الفياح ١/ ١٩٢، والمقنع في علوم الحديث ١/ ١٩١، والتقييد والإيضاح ص ١١١، والنكت لابن حجر ٢/ ٦٨٦، وفتح المغيث ١/ ٢١٢، والغاية في شرح الهداية ص ١٨٠، وتدريب الراوي ص ٢٤٥، وشرح نخبة الفكر للقاري ص ٣١٥، واليواقيت والدرر ١/ ٤١٠. ومن الكتب المفردة في زيادة الثقة: زيادة الثقة وما يتصل بها من أنواع الحديث للدكتور حمزة المليباري - طبعه ملتقى أهل الحديث - ط ١ - ١٤٢٥ هـ، وكتاب: الشاذ والمنكر وزيادة الثقة موازنة بين المتقدمين والمتأخرين - للدكتور: عبد القادر مصطفى عبد الرزاق المحمدي - دار الكتب العلمية - بيروت - ٢٠٠٥ م، وهناك رسالة ماجستير بعنوان: زيادة الثقة بين القبول والرد - للباحثة أسماء الحميضي - جامعة الملك سعود - كلية التربية - الثقافة الإسلامية - الرياض - ١٩٩٧ م.
(٣) هذا إذا كانت زيادة الراوي راجحة وراويها ثقة، فهو من العالي والنازل، أما إذا كانت الزيادة وهمًا فهو المزيد في متصل الأسانيد، ويدخل في زيادة الثقة لكونه زيادة، ويفترق عنه بأن الزيادة فيه غير معتبرة.
[ ٤٢٩ ]
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ زِيَادَةِ الثِّقَةِ في المتنِ:
زيادةُ الثِّقةِ: لغةً: الزِّيادةُ هيَ النُّموُّ، وهوَ خلافُ النُّقصانِ (^١).
اصطلاحًا: وهيَ أنْ يرويَ أحدُ الرُّواةِ زيادةَ لفظةٍ أو جملةٍ في متنِ الحديثِ لا يرويهَا غيرُهُ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «كَزِيَادَةِ لَفْظَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ لَمْ يَذْكُرْهَا سَائِرُ رُوَاتِهِ، فَيُخَالِفُ الزَّائِدُ إِطْلَاقَ الحَدِيثِ، أَوْ شَيئًَا مِنْ وَصْفِهِ» (^٢). وهذَا هوَ المعنى الذي نحنُ بصددِ بحثِهِ هُنَا.
_________________
(١) انظر لسان العرب - مادة «زيد» - ٣/ ١٩٨.
(٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٨٥ «بتصرف». وانظر منهج النقد ص ٤٢٥ و٤٢٦.
[ ٤٣٠ ]
المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ زِيَادَةِ الثِّقَةِ فِي المَتْنِ:
اختلفَ العلماءُ اختلافًَا متباينًَا وواسعًَا في حكمِ زيادةِ الثِّقةِ، وذلكَ حسبَ موافقةِ الزِّيادةِ أو مخالفتِهَا للأصلِ المزيدِ عليهِ، وحسنِ مكانةِ الرَّاوي الذي جاءَ بهذِهِ الزِّيادةِ، والرَّأيُ المختارُ هوَ المستفادُ مِنْ صنيعِ المتقدِّمينَ منَ الأئمَّةِ المحدِّثينَ، وهوَ الرَّأيُ الوسطُ ما بينَ القبولِ والرَّدِّ، باعتمادِ القرائنِ والمرجِّحاتِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَالمَنْقُولُ عَنْ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِينَ - كَعَبْدِ الرَّحمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ، وَيَحْيَى القَطَّانِ، وَأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بنِ مَعِينٍ، وَعَلِيِّ ابنِ المَدِينِيِّ، وَالبُخَارِيِّ، وَأَبِي زُرْعَةَ، وَأَبِي حَاتِمٍ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ، وَغَيرِهُمْ- اِعْتِبَارُ التَّرْجِيحِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالزِّيَادَةِ وَغَيرِهَا، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ قَبُولُ إِطْلَاقِ الزِّيَادَةِ» (^١).
_________________
(١) انظر نخبة الفكر وشرحها للقاري ص ٣٢٣. وانظر كلام الزيلعي في نصب الراية ١/ ٣٣٦ و٣٣٧. ففيه تفصيل مهم بالنسبة لقبول زيادة الثقة.
[ ٤٣١ ]
الَمطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ زِيَادَةِ الثِّقَةِ فِي المَتْنِ:
معرفةُ الزِّياداتِ في المتونِ لهُ أهميَّةٌ عظيمةٌ عندَ المحدِّثينَ والفقهاءِ على حدٍّ سواءٍ، لما يترتَّبُ على ذلكَ منْ فوائدَ مهمَّةٍ في علمِ الحديثِ والفقهِ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَذَلِكَ فَنٌّ لَطِيفٌ، تُسْتَحْسَنُ العِنَايَةُ بِهِ» (^١). وقدْ عُرفَ مُحدِّثُو الفقهاءِ بالعنايةِ بزياداتِ المتونِ، ومنْ أكثرِهِمْ عنايةً بهِ أبو داودَ في كتابِهِ السُّننِ، قالَ الحاكمُ «ت ٤٠٥ هـ»: «هَذَا مِمَّا يَعِزُّ وُجُودُهُ، وَيَقِلُّ فِي أَهْلِ الصَّنْعَةِ مَنْ يَحْفَظُهُ، وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرِ بنُ زِيَادٍ النَّيسَابُورِيُّ الفَقِيهُ بِبَغْدَادَ يُذْكَرُ بِذَلِكَ، وَأَبُو نُعَيمٍ عَبْدُ المَلِكِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَدِيٍّ الجُرْجَانِيُّ بِخُرَاسَانَ، وَبَعْدَهُمَا شَيخُنَا أَبُو الوَلِيدِ - يَعْنِي حَسَّانَ بنَ مُحَمَّدٍ القُرَشِيَّ -» (^٢).
والجمعُ والمقارنةُ بينَ المرويَّاتِ هوَ السَّبيلُ لمعرفةِ الزَّائدِ في المرويَّاتِ، قالَ ابنُ دقيقٍ
العيدُ «ت ٧٠٢ هـ»: «عَلَى طَالِبِ التَّحْقِيقِ أَنْ يَجْمَعَ طُرُقَ الحَدِيثِ، وَيُحْصِيَ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ فِيهِ، وَيَاخُذَ بِالزَّائِدِ فَالزَّائِدَ، فَإِنَّ الأَخْذَ بِالزَّائِدِ وَاجِبٌ» (^٣). وقالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «المُتَعَيِّنُ عَلَى مَنْ يَتَكَلَّمُ عَلَى الأَحَادِيثِ أَنْ يَجْمَعَ طُرُقَهَا، ثُمَّ يَجْمَعَ أَلْفَاظَ المُتُونِ إِذَا صَحَّتِ الطُّرُقُ، وَيَشْرَحَهَا عَلَى أَنَّهَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّ الحَدِيثَ أَولَى مَا فُسِّرَ بِالحَدِيثِ» (^٤).
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ٨٥.
(٢) معرفة علوم الحديث ص ١٣٠.
(٣) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ٢/ ٤.
(٤) فتح الباري ٦/ ٤٧٥.
[ ٤٣٢ ]
وبمَا أنَّ العمدةَ في قبولِ الزِّيادةِ منْ عدمِهِ للقرائنِ والمرجِّحاتِ، فالسَّبرَ هوَ الطَّريقُ لمعرفةِ كثيرٍ منَ القرائنِ والمرجِّحاتِ التي تُقوِّي ثبوتَ أو ردَّ الزِّيادةِ في الحديثِ، قالَ العلائيُّ «ت ٧٦١ هـ»: «وَوُجُوهُ التَّرجِيحِ كَثِيرَةٌ لَا تَنحَصِرُ وَلَا ضَابِطَ لَهَا بِالنِّسبَةِ إِلَى جَمِيعِ الأَحَادِيثِ، بَلْ كُلُّ حَدِيثٍ يَقُومُ بِهِ تَرجِيحٌ خَاصٌّ، وَإِنَّمَا يَنهَضُ بِذَلِكَ المُمَارِسُ الفَطِنُ الذِي أَكثَرَ مِنَ الطُّرُقِ وَالرِّوَايَاتِ» (^١).
ومنَ القرائنِ المرجِّحةِ لقبولِ زيادةِ الثِّقةِ:
أولًا: المتابعةُ: بحيثُ يُتابَعُ صاحبُ الزِّيادةِ على زيادتِهِ، ممَّا يؤكِّدُ ثبوتَهَا، ويدفعُ عنهَا شبهةَ الانفرادِ، ومنْ بابِ أولى إذَا كانَ الرُّواةُ لهَا أكثرَ، وكذلكَ إذَا كانُوا متساويينَ، قالَ الصَّنعانيُّ «ت ١١٨٢ هـ»: «المُلَاحَظُ القَرَائِنُ، وَالكَثْرَةُ أَحَدُ القَرَائِنِ» (^٢). مثالُ ذلكَ زيادةُ محمَّدِ بنِ عجلانَ «وإذَا قَرأَ فأنصتُوا» في حديثِ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ»، قالَ أبو حاتمٍ «ت ٢٧٧ هـ»: «لَيسَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ بِمَحْفُوظَةٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنْ تَخَالِيطِ ابْنِ عَجْلَانَ» (^٣).
فردَّ عليهِ العينيُّ (^٤) «ت ٨٥٥ هـ» بكلامٍ طويلٍ، وأدلَّةٍ كثيرةٍ نقتصرُ منهَا على ما يأتي: «أَمَّا ابْنُ عَجْلَانَ فَإِنَّهُ وَثَّقَهُ العِجْلِيُّ، وَفِي «الكَمَالِ»: ثِقَةٌ كَثِيرُ الحَدِيثِ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الجَمَاعَةُ
_________________
(١) نظم الفرائد ص ٢١٥.
(٢) توضيح الأفكار ١/ ٣٤٤.
(٣) علل الحديث ١/ ١٦٤.
(٤) محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد، أبو محمد، بدر الدين العيني، «ت ٧٦٢ هـ - ٨٥٥ هـ»، من كبار المحدثين، مؤرخ، فقيه حنفي، من كتبه: «عمدة القاري في شرح صحيح البخاري»، و«مغاني الأخيار في رجال معاني الآثار»، وغيرها كثير. انظر الضوء اللامع ١٠/ ١٣١، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٢٥٥.
[ ٤٣٣ ]
وَالبُخَارِيُّ مُسْتَشْهِدًَا، فَهَذَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ فَتُقْبَلُ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيهِمَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ وَيَحْيَى بنُ العَلَاءِ. وَأَمَّا أَبُو خَالِدٍ فَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الجَمَاعَةُ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ هَذَا الحَدِيثَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ ابنِ سَعْدٍ الأَنْصَارِيِّ، وَهُوَ ثِقَةٌ، وَقَدْ تَابَعَ ابْنَ سَعْدٍ هَذَا أَبُو خَالِدٍ، وَتَابَعَهُ أَيضًَا إِسْمَاعِيلُ بنُ أَبَّانَ …، وَقَدْ صَحَّحَ مُسْلِمٌ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -﵁-، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-» (^١).
وكذلكَ إذَا كانَ الرُّواةُ الذينَ لمْ يأتُوا بالزِّيادةِ منَ الكثرةِ بحيثُ يبعدُ على مثلِهِمْ احتمالُ نسيانِهِمْ أو عدمُ تنبُّهِهِمْ جميعًا لهذهِ الزِّيادةِ، فإنَّ ذلكَ يُشكِّلُ قرينةً يترجَّحُ معهَا ردُّ الزِّيادةِ أو التَّوقفُ عنْ قبولِهَا. قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «الزِّيَادَةُ مَتَى تَضَمَّنَتْ مُخَالَفَةَ الأَحْفَظِ أَوْ الأَكْثَرِ عَدَدًَا، كَانَتْ مَرْدُودَةً» (^٢).
ثانيًَا: الحفظُ: فإذَا كانتِ الزِّيادةُ من ثقةٍ تفرَّدَ بهَا تُقبلُ منهُ إذَا كانَ مِنَ الحفَّاظِ المبرِّزينَ (^٣) قالَ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «وَالزِّيَادَةُ فِي الأَخْبَارِ لَا تُلْزَمُ إِلَّا عَنِ الحُفَّاظِ الذِينَ لَمْ يُعْثُرْ عَلَيهِمُ الوَهْمُ فِي حِفْظِهِمْ» (^٤). منْ ذلكَ: حديثُ سهلِ بنِ سعدٍ -﵁-، أنَّ النبيَّ -ﷺ- قالَ لبلالٍ -﵁-: «إِذَا حَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ وَلَمْ آَتِكَ، فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ».
_________________
(١) عمدة القاري ٦/ ١٥.
(٢) النكت لابن حجر ٢/ ٦٨٨، وسيأتي الكلام عليه في مبحث أثر السبر في معرفة الشاذ في المتن الآتي.
(٣) وهذا هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل في قبول الزيادة، خلافًا لمن قال بأن الإمام أحمد يقبل الزيادة مطلقًا، معتمدين على كلام أحمد بن حنبل في حديث فوات الحج، حيث جاء في الرواية الأولى: القضاء فقط، وفي الثانية: زيادة الدم، فقال ابن حنبل: «والزائد أولى أن يؤخذ». وانظر كلام ابن رجب ورده على هذا الاستدلال في شرحه لعلل الترمذي ١/ ٢١٢.
(٤) التمييز ص ١٨٩.
[ ٤٣٤ ]
قالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «قَولُهُ «لِبَلَالٍ» فِي هَذَا الحَدِيثِ زِيَادَةٌ حَفِظَهَا حَمَّادُ بنُ زَيدٍ، وَالزِّيَادَةُ فِي مِثْلِهِ مَقْبُولَةٌ» (^١).
وقالَ ابنُ رجبٍ «ت ٧٩٥ هـ»: «وَإِنَّمَا تَصِحُّ إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى حِفْظِهِ، مِثْلُ مَا رَوَى مَالِكُ بنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵁-، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ زَكَاةَ الفِطْرِ فِي رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ المُسْلِمِينَ، صَاعًَا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًَا مِنْ شَعِيرٍ». فَزَادَ مَالِكٌ فِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ المُسْلِمِينَ» (^٢).
ثالثًا: الاختصاصُ: أنْ يكونَ الرَّاوي منْ أوثقِ النَّاسِ في المرويِّ عنهُ، ولا بُدَّ في هذَا مِنْ معرفةِ مراتبِ الرُّواةِ في الحفظِ والإتقانِ، وأيُّهُمَا يُقبلُ ويُرجَّحُ على غيرِهِ عندَ الاختلافِ، قالَ الدَّارقطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «مَا جَاءَ بِلَفْظَةٍ زَائِدَةٍ، فَتُقْبَلُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ مِنْ مُتْقِنٍ، وَيُحْكَمُ لِأَكْثَرِهِمْ حِفْظًَا وَثَبْتًَا عَلَى مَنْ دُونَهُ» (^٣).
قالَ الدُّكتورُ هُمامُ سعيد (^٤): «فَحَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ أَوثَقُ النَّاسِ فِي ثَابِتٍ البُنَانِيِّ، فَالزِّيَادَةُ التِي يَنْفَرِدُ بِهَا فِي حَدِيثِ ثَابِتٍ مَقْبُولَةٌ، وَأَمَّا حَمَّادٌ فِي غَيرِ ثَابِتٍ فَفِي حِفْظِهِ نَظَرٌ، فَزِيَادَتُهُ فِي
_________________
(١) سنن البيهقي ٣/ ١٢٣.
(٢) شرح علل الترمذي ١/ ٦٣.
(٣) نقله ابن حجر في النكت ٢/ ٦٨٩، وعزاه لسؤالات السهمي للدارقطني، ولم أجده فيه.
(٤) الدكتور همام عبد الرحيم سعيد، ولد في فلسطين «١٩٤٤ م»، حصل على الدكتوراة من جامعة الأزهر «١٩٧٧ م»، يعمل مديرًا لمركز دراسات السنة النبوية الشريفة في الأردن، من مصنفاته: «العلل في الحديث»، و«شرح علل الترمذي لابن رجب - دراسة وتحقيقًا»، و«المعين في طبقات المحدثين - تحقيق ودراسة»، وغيرها. نقلًا عن الموسوعة الحرة على شبكة الانترنت، المعروفة ب «ويكبيديا».
[ ٤٣٥ ]
غَيرِ ثَابِتٍ فِيهَا نَظَرٌ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ رَاوٍ مِنَ الرُّوَاةِ فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِرَجُلٍ يَرْوِي عَنْهُ فَيَضْبِطُ أَحَادِيثَهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيرِهِ، فَزِيَادَةُ هَذَا الرَّاوِي مَقْبُولَةٌ» (^١).
وثمَّةُ قرائنُ أُخرى لقبولِ أو ردِّ الزِّيادةِ تخصُّ كلَّ حديثٍ بعينِهِ، ومدارُ معرفتِهَا على السَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ، كمَا تقدَّمَ كلامُ العلائيِّ في ذلكَ (^٢).
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ زيادةِ الثِّقةِ في المتنِ منْ خلالِ التَّطبيقِ الآتي:
حديثُ أبي هريرةَ -﵁-، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ».
* الحديثُ أخرجَهُ مسلمٌ «ر ٢٧٩»، والنَّسائيُّ «ر ٦٦»، والبيهقيُّ «ر ٦١»، منْ طريقِ عليِّ ابنِ مُسهِرٍ، عنِ الأعمشِ، عنْ أبي رَزِينٍ وأبي صالحٍ، عنْ أبي هريرةَ -﵁-، وفيهِ زيادةُ: «فَلْيُرِقْهُ».
* وكذَا أخرجَهُ ابنُ خزيمةَ «ر ٩٨»، وأبو عوانةَ «ر ٥٣٧»، وابنُ حبَّانَ «ر ١٢٩٦»، والدَّارقطنيُّ «١/ ٦٤»، والبيهقيُّ «ر ٦١»، بالزِّيادةِ، لكنْ بلفظِ «فَلْيُهْرِقْهُ».
* وأخرجَهُ منْ غيرِ هذهِ الزِّيادةِ: مسلمٌ «ر ٢٧٩» منْ طريقِ إسماعيلَ بنِ زكريَّا (^٣)، عنِ الأعمشِ، عنْ أبي صالحٍ وأبي رزينٍ، عنْ أبي هريرةَ -﵁-.
_________________
(١) مقدمة شرح علل الترمذي ١/ ٢١٢.
(٢) انظر ص ٣٧٩، وانظر مقدمة الدكتور همام سعيد في شرحه لعلل الترمذي ١/ ٢٠٦ وما بعدها.
(٣) إسماعيل بن زكريا، أبو زياد الخلقاني، «ت ١٩٤ هـ»، صدوق يخطئ قليلًا، أخرج له الستة. انظر التقريب «٤٤٥».
[ ٤٣٦ ]
وتابعَهُ محمَّدُ بنُ خازمٍ (^١) عندَ النَّسائيِّ «ر ٩٧٩٧»، وابنِ ماجةَ «ر ٣٦٣»، وابنِ حنبلٍ «ر ٩٤٧٩»، «ر ٧٤٤٠»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ١٨٢٩»، وابنِ راهويهِ «ر ٢٥٧».
وشعبةُ (^٢) عندَ الطَّيالسيِّ «ر ٢٤١٧».
وجريرُ بنُ عبدِ الحميدِ الضَّبيُّ (^٣) عندَ ابنِ راهويهِ «ر ٢٥٦».
وعبدُ الرَّحمنِ بنُ حميدٍ الرُّؤاسيُّ (^٤) عندَ الطَّبرانيِّ في الصَّغيرِ «ر ٢٥٦».
وعبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ (^٥) عندَ الدَّارقطنيِّ «١/ ٦٣».
قالَ النَّسائيُّ «ت ٣٠٣ هـ»: «لَا أَعْلَمُ أَحَدًَا تَابَعَ عَلِيَّ بنَ مُسْهِرٍ عَلَى قَولِهِ: «فَلْيُرْقِهِ»» (^٦).
وقالَ ابنُ مندةَ (^٧) «ت ٣٩٥ هـ»: «وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَفَرَّدَ بِهَا عَلِيُّ بنُ مُسْهِرٍ، وَلَا تُعْرَفُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ» (^٨).
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٣٤٨.
(٢) تقدمت ترجمته ص ٢٤٨.
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٦١.
(٤) عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، الكوفي، ثقة، أخرج له «م د س». انظر التقريب «ر ٣٨٤٨».
(٥) تقدمت ترجمته ص ٢٧٧.
(٦) سنن النسائي ١/ ٥٣.
(٧) محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى، ابن منده، أبو عبد الله العبدي، الأصبهاني، «٣١٠ هـ - ٣٩٥ هـ»، من كبار حفاظ الحديث، رحالة، من تصانيفه: «فتح الباب في الكنى والألقاب»، و«معرفة الصحابة»، و«الرد على الجهمية». انظر تاريخ مدينة دمشق ٥٢/ ٢٩، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٧٤١.
(٨) نقله ابن الملقن في البدر المنير ١/ ٥٤٥.
[ ٤٣٧ ]
وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ «ت ٤٦٣ هـ»: «لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ الأَعْمَشِ الثِّقَاتُ الحُفَّاظُ، مِثْلُ شُعْبَةَ وَغَيرِهِ» (^١).
قالَ ابنُ الملقِّنِ «ت ٨٠٤ هـ» مُعقِّبًَا على كلامِ ابنِ مندةَ: «وَلَا يَضُرُّ تَفَرُّدُهُ لَهَا، فَإِنَّ عَلِيَّ بنَ مُسْهِرٍ إِمَامٌ حَافِظٌ، مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَالَتِهِ وَالاِحْتِجَاجِ بِهِ» (^٢).
* * *
_________________
(١) التمهيد ١٨/ ٢٧٣.
(٢) البدر المنير ١/ ٥٤٥. وانظر تفصيله في التلخيص الحبير ١/ ٢٣.
[ ٤٣٨ ]
المَبْحَثُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الشَّاذِّ وَالمُنْكَرِ فِي المَتْنِ:
تقدَّمَ الكلامُ في تعريفِ الحديثِ الشَّاذِّ والمنكرِ، وأثرِ السَّبرِ في معرفتِهِمَا سندًا (^١)، وسآتي على معرفةِ الشَّاذِّ والمنكرِ في المتنِ، وتمييزِهِمَا عنِ المحفوظِ والمعروفِ متنًا منْ خلالِ السَّبرِ، فقدْ يصحُّ السَّندُ، لكنْ يشذُّ المتنُ أو يُوصفُ بالنَّكارةِ، أو العكسُ، وقدْ يشذَّانِ أو يُوصفانِ بالنَّكارةِ معًَا.
وإنَّمَا يُوصفُ المتنُ بالشُّذوذِ حينمَا يُخالفُ الثقةُ أو المقبولُ مَنْ هوَ أولى منهُ، قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ «ت ٢٠٤ هـ»: «لَيسَ الشَّاذُّ مِنَ الحَدِيثِ أَنْ يَرْوِيَ الثَّقَةُ مَا لَا يَرْوِي غَيرُهُ، إِنَّمَا الشَّاذُّ: أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ حَدِيثًَا يُخَالِفُ مَا رَوَى النَّاسُ» (^٢). ويكونُ ما رواهُ النَّاسُ محفوظًَا.
وَبالنَّكارةِ حينمَا يُخالفُ الضَّعيفُ مَنْ هوَ أولى منهُ حفظًَا أو كثرةً، قالَ الإمامُ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «وَعَلَامَةُ المُنْكَرِ فِي حَدِيثِ المُحَدِّثِ إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيرِهِ مِنْ أَهْلِ الحِفْظِ وَالرِّضَا خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتَهُمْ أَوْ لَمْ تَكَدْ تُوَافِقُهَا» (^٣). ويكونُ ما رواهُ أهلُ الحفظِ والرِّضَا معروفًَا.
وأمَّا أثرُ السَّبرِ في معرفةِ الشَّاذِّ والمنكرِ متنًَا، فمَا ذكرناهُ في مبحثِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الشَّاذِّ والمنكرِ سندًَا ينطبقُ على المتنِ، وهوَ أنَّ نفيَ المتابعِ والشَّاهدِ في الشَّاذِّ والمنكرِ،
_________________
(١) انظر ص ٢٢٦.
(٢) نقله الحاكم بسنده عن الشافعي - معرفة علوم الحديث - ص ١١٩.
(٣) صحيح مسلم ١/ ٧.
[ ٤٣٩ ]
وزيادةَ الضَّبطِ أو كثرةَ العددِ في المحفوظِ والمعروفِ، وكذلكَ بيانَ المخالفةِ المرجوحةِ للشَّاذِّ والمنكرِ، والرَّاجحةِ للمحفوظِ والمعروفِ، تتمُّ منْ خلالِ السَّبرِ ومعارضةِ المرويَّاتِ بعضِهَا ببعضٍ.
وتجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ الشَّاذَّ كثيرًا ما يشتبهُ بزياداتِ الثِّقاتِ، لأنَّهمَا يجتمعانِ في ثقةِ راويهِمَا، قالَ شيخُنَا نورُ الدِّينِ: «وَهَذَا النَّوعُ - أَي: الشَّاذُّ - دَقِيقٌ جِدًَّا، لِأَنَّهُ يَشْتَبِهُ كَثِيرًَا بِزَيَادَةِ الثِّقَةِ فِي السَّنَدِ أَوْ المَتْنِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ دَقِيقٍ لِلْفَصْلِ بَينَهُمَا» (^١). فالزِّيادةُ مِنَ الثِّقةِ إنْ كانتْ راجحةً بأنْ لمْ تكنْ مخالفةً ولا منافيةً لمَا رواهُ الثِّقاتُ، ولمْ يكنْ مَنْ لمْ يروِهَا أوثقَ أو أكثرَ عددًَا ممَّنْ رواهَا، كانتْ زيادةَ ثقةٍ، وإلَّا فزيادةً شاذةً مرجوحةً، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» في تقسيمِهِ لزياداتِ الثِّقاتِ: «أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُخَالِفٌ مُنَافٍ لِمَا رَوَاهُ سَائِرُ الثِّقَاتِ، فَهَذَا حُكْمُهُ الرَّدُّ كَمَا سَبَقَ فِي نَوعِ الشَّاذِّ» (^٢). والفيصلُ بينَهُمَا للقرائنِ بعدَ السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ، ولا بدَّ مِنَ النَّظرِ في صنيعِ وأقوالِ المتقدِّمينَ مِنْ أئمَّةِ الحديثِ، فهمْ أهلُ هذِهِ الصَّنعةِ وصيارفتُهَا.
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ الشَّاذِّ والمنكرِ متنًَا مِنْ خلالِ التَّطبيقينِ الآتيينِ:
أَوَّلًَا: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ الشَّاذِّ مَتْنًَا مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:
مثالُ ذلكَ: حديثُ أبي قتادةَ الأنصاريِّ -﵁-، قالَ: «خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ الله -ﷺ- زَمَنَ الْحُدَيبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابِي وَلَمْ أُحْرِمْ، فَرَأَيتُ حِمَارًا فَحَمَلْتُ عَلَيهِ، فَاصْطَدْتُهُ،
_________________
(١) منهج النقد ص ٤٢٩.
(٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٨٥.
[ ٤٤٠ ]
فَذَكَرْتُ شَانَهُ لِرَسُولِ الله -ﷺ-، وَذَكَرْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَحْرَمْتُ، وَإِنِّي إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا، وَلَمْ يَاكُلْ مِنْه حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ».
مِنْ خلالِ السَّبرِ نجدُ أنَّ الحديثَ بهذَا اللفظِ أخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر ٢٢٦٤٣»، وابنُ ماجةَ «ر ٣٠٩٣»، وابنُ خزيمةَ «ر ٢٦٤٢»، والدَّارقطنيُّ «ر ٢٤٨»، وعبدُ الرَّزَّاقِ «ر ٨٣٣٧»، والبيهقيُّ «ر ٩٧٠٠»، كلُّهُمْ مِنْ طريقِ مَعْمَرِ بنِ راشدٍ (^١)، عنْ يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي قتادةَ عنْ أبيهِ -﵁-، وقدْ تفرَّدَ مَعمرٌ عنْ يحيى بزيادتَي «إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ» و«وَلَمْ يَاكُلْ مِنْه حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ».
* وروى الحديثَ مِنْ غيرِ هاتينِ الزِّيادتينِ عَنْ يحيى بنِ أبي كثيرٍ ثقاتٌ، منهمْ:
هشامٌ الدَّستوائيُّ (^٢) كمَا في البخاريِّ «ر ١٧٢٥» ومسلمٍ «ر ١١٩٦» والنَّسائيِّ «ر ٢٨٢٤».
وعليُّ بنُ المباركِ (^٣) كمَا في البُخاريِّ «ر ٣٩١٨».
ومعاويةُ بنُ سلامٍ (^٤) كمَا في مسلمٍ «ر ١١٩٦» والنَّسائيِّ «ر ٢٨٢٥».
وشيبانُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ (^٥) كمَا في مسندِ أبي عَوانةَ «ر ٣٦٠٢».
* كمَا تابعَ يحيى بنَ أبي كثيرٍ في روايتِهِ عنْ عبدِ اللهِ بنِ أبي قتادةَ جمعٌ مِنَ الرُّواةِ الثِّقاتِ منْ غيرِ ذكرِ هاتينِ الزِّيادتينِ، منهمْ:
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٢٣٢.
(٢) تقدمت ترجمته ص ٢٥٧.
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٦٣.
(٤) معاوية بن سلَّام بن أبي سلام، أبو سلام الدمشقي، «ت ١٧٠ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٧٦١».
(٥) تقدمت ترجمته ص ٢٤٧.
[ ٤٤١ ]
عثمانُ بنُ مَوهَبٍ (^١) كمَا في البخاريِّ «ر ١٧٢٨» ومسلمٍ «ر ١١٩٦».
وسلمةُ بنُ دينارٍ (^٢) كمَا في البخاريِّ «ر ٢٤٣١» والنَّسائيِّ «ر ٤٣٤٥».
وعبدُ العزيزِ بنُ رُفيعٍ (^٣) كمَا في صحيحِ ابنِ حبَّانَ «ر ٣٩٧٤» وسننِ البيهقيِّ «ر ٩٦٩٩».
* ورُويَ الحديثُ مِنْ طرقٍ أُخرى عَنْ أبي قتادةَ، مِنْ غيرِ ذكرِ هاتينِ اللفظتينِ:
فرواهُ نافعٌ مولى أبي قتادةَ (^٤) كمَا في البخاريِّ «ر ١٧٢٧» ومسلمٍ «ر ١١٩٦».
وأبو صالحٍ مولى التَّوأمةِ (^٥) كمَا في البخاريِّ «ر ٥١٧٣».
وعطاءُ بنُ يسارٍ (^٦) كمَا في موطأِ مالكٍ «ر ٧٨٠» ومسندِ ابنِ حنبلٍ «ر ٢٢٦٢١». وغيرُهُمْ، مِنْ غيرِ ذكرِ هاتينِ الزِّيادتينِ، ممَّا يُؤكِّدُ شُذوذَ رِوايةِ مَعْمَرِ بنِ راشدٍ في هذَا الحديثِ.
قالَ ابنُ خُزيمةَ (^٧) «ت ٣١١ هـ»: «هَذِهِ الزِّيَادَةُ: «إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ»، وقولُهُ: «وَلمْ يَاكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَكَ»، لَا أَعْلَمُ أَحَدًَا ذَكَرَهُ فِي خَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ غَيرَ مَعْمَرٍ فِي هَذَا الإِسْنَادِ» (^٨).
_________________
(١) عثمان بن عبد الله بن موهب، الأعرج، «ت ١٦٠ هـ»، ثقة، أخرج له «خ م ت س جه». انظر التقريب «ر ٤٤٩١».
(٢) سلمة بن دينار، أبو حازم الأعرج، التمَّار، ثقة، عابد، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٤٨٩».
(٣) عبد العزيز بن رفيع، أبو عبد الله الأسدي، «ت ١٣٠ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٠٩٥».
(٤) نافع بن عباس، أبو محمد الأقرع، مولى أبي قتادة، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٠٧٤».
(٥) نبهان الجمحي، والد صالح مولى التوأمة، مقبول، أخرج له البخاري. انظر التقريب «ر ٧٠٩١».
(٦) عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد المدني، «ت ٩٤ هـ»، ثقة، فاضل، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٦٠٥».
(٧) محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي، أبو بكر، «٢٢٣ هـ - ٣١١ هـ»، الفقيه المجتهد، عالم بالحديث، تزيد مصنفاته على مئة وأربعين مصنفًا، منها: «مختصر المختصر» المعروف ب «صحيح ابن خزيمة»، و«التوحيد وإثبات صفة الرب». انظر تاريخ جرجان ٤٥٦، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٧٢٠، وطبقات الحفاظ ص ٣١٣.
(٨) صحيح ابن خزيمة ٤/ ١٨٠.
[ ٤٤٢ ]
وقالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «هَذِهِ لَفْظَةٌ غَرِيبَةُ لَمْ نَكْتُبْهَا إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَقَدْ رَوَينَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ بنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ فِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَكَلَ مِنْهَا، وَتِلْكَ الرِّوَايَةُ أَودَعَهَا صَاحِبَا الصَّحِيحِ كِتَابَيهِمَا دُونَ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَإِنْ كَانَ الإِسْنَادَانِ صَحِيحَينِ» (^١).
ثَانِيًَا: مَعْرِفَةُ الحَدِيثِ المُنْكَرِ مَتْنًَا مِنْ خِلَالِ السَّبْرِ:
مثالُ ذلكَ: حديثُ ابنِ عبَّاسٍ -﵁-: «نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى، وَرُبَّمَا قَالَ: اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى».
فمنْ خلالِ السَّبرِ نجدُ أنَّ الحديثَ أخرجَهُ البُخاريُّ «ر ١٣٨»، ومُسلمٌ «ر ٧٦٣»، والنَّسائيُّ «ر ١١٢١»، وابنُ حنبلٍ «ر ٢٠٨٤»، وابنُ ماجةَ «ر ٤٧٥»، بهذَا اللفظِ أو قريبٍ منهُ.
ورُويَ مِنْ طريقِ أبي خالدٍ الدَّالانيِّ (^٢) عَنْ قتادةَ، بزيادَةِ: «إِنَّمَا الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًَا» (^٣). كمَا في سننِ أبي داودَ «ر ٢٠٢»، والطَّبرانيِّ في الكبيرِ «ر ١٢٧٤٨»، والبيهقيِّ «ر ٥٩٢».
_________________
(١) سنن البيهقي ٥/ ١٩٠.
(٢) قال ابن حبان في المجروحين ٣/ ١٠٥: «كان كثير الخطأ فاحش الوهم، يخالف الثقات في الروايات حتى إذا سمعها المبتدئ في هذه الصناعة علم أنها معمولة أو مقلوبة، لا يجوز الاحتجاج به إذا وافق الثقات فكيف إذا انفرد عنهم بالمعضلات». وقال ابن حجر في التقريب ص ٦٣٦: «صدوق، يخطئ كثيرًا، وكان يدلس».
(٣) وتمام حديث ابن عباس -﵁-: «أن رسول الله -ﷺ- كان يسجد وينام وينفخ، ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ. قال: فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت؟ فقال: إنما الوضوء على من نام مضطجعًا».
[ ٤٤٣ ]
قالَ أبو داودَ «ت ٢٧٥ هـ»: «قَولُهُ: «الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا» هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا يَزِيدُ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ عَنْ قَتَادَةَ، وَرَوَى أَوَّلَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا شَيئًَا مِنْ هَذَا» (^١).
وقالَ التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بنَ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: هَذَا لَا شَيء» (^٢).
وقالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «تَفَرَّدَ بِهَذَا الحَدِيثِ عَلَى هَذَا الوَجْهِ يَزِيدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ، أَنْكَرَهُ عَلَيهِ جَمِيعُ الحُفَّاظِ، وَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ الثَّورِيِّ دُونَ الزِّيَادَةِ التِي تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ» (^٣).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَهُوَ عِنْدَهُمْ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ قَتَادَةَ الثِّقَاتِ، وَإِنَّمَا انْفَرَدَ بِهِ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ، وَأَنْكَرَهُ عَلَيهِ، وَلَيسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا نَقَلَ» (^٤).
وهذهِ الزِّيادةُ بالإضافةِ إلى تفرُّدِ يزيدَ، فإنَّهَا تُعارضُ قولَ ابنِ عباسٍ -﵁-: «كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَحْفُوظًَا» (^٥). وحديثَ عائشةَ -﵁-: «تَنَامُ عَينَايَ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» (^٦).
* * *
_________________
(١) سنن أبي داود ١/ ٥٢.
(٢) علل الترمذي ص ٤٥.
(٣) سنن البيهقي ١/ ١٢١ و١٢٢، ومعرفة السنن والآثار ١/ ٢١٠.
(٤) التمهيد ١٨/ ٢٤٣، ولينظر تفصيل ذلك في نصب الراية ١/ ٤٤، والتلخيص الحبير ١/ ١١٩ و١٢٠.
(٥) سنن أبي داود ر ٢٠٢.
(٦) البخاري «ر ١٠٩٦»، ومسلم «ر ٧٣٨».
[ ٤٤٤ ]
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الإِدْرَاجِ فِي المَتْنِ:
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ المُدْرَجِ مَتْنًَا:
مرَّ معنَا تعريفُ المدرجِ لغةً، والمدرجِ في السَّندِ اصطلاحًَا، وقدْ عرَّفَ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» المدرجَ في المتنِ، فقالَ: «وَأَمَّا مُدْرَجُ المَتْنِ: فَهُوَ أَنْ يَقَعَ فِي المَتْنِ كَلَامٌ لَيسَ مِنْهُ، مِنْ غَيرِ فَصْلٍ» (^١).
_________________
(١) نخبة الفكر وشرحها للقاري ص ٤٦٧.
[ ٤٤٥ ]
المَطْلَبُ الثَّاني: أَسْبَابُ وُقُوعِ الإِدْرَاجِ فِي المَتْنِ:
تتعدَّدُ أسبابُ وقوعِ الإدراجِ وتختلفُ مِنْ شخصٍ لآخرَ، ومِنْ حديثٍ إلى حديثٍ، يمكنُ أنْ نُجملَهَا فيمَا يأتي (^١):
أولًا: تفسيرُ بعضِ الألفاظِ الغريبةِ الواردةِ في متنِ الحديثِ: مثالُهُ: ما وردَ مِنْ قولِ الزُّهريِّ مُفسِّرًا لقولِ عائشةَ -﵁- في حديثِ بدءِ الوحيِ: «وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءَ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ». حيثُ قالَ الزُّهريُّ: «وَهُوَ التَّعَبُّدُ» (^٢). مُدرِجًَا هذهِ اللفظةَ منْ غيرِ فصلٍ أو تمييزٍ.
ثانيًا: الاستدلالُ بحديثٍ مرفوعٍ لإثباتِ حكمٍ ما: مثالُهُ: حديثُ أبي هريرةَ -﵁-: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَيلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (^٣). فقولُهُ: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ» مُدرَجٌ مِنْ قولِ أبي هريرةَ -﵁-، وقولُهُ: «وَيلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» منْ كلامِ النبيِّ -ﷺ-، استدلَّ بهَا أبو هريرةَ على قولِهِ.
ثالثًا: استنباطُ حكمٍ مِنْ كلامِ النَّبيِّ -ﷺ-: مثالُهُ: حديثُ بُسرَةَ بنتِ صفوانَ -﵁-: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ رِفْغَهُ أَوْ أُنْثَيَيهِ فَلْيَتَوَضَّا» (^٤).
_________________
(١) انظر الفصل للوصل المدرج في النقل ص ٧٤، وأثر اختلاف المتون والأسانيد في اختلاف الفقهاء ٢/ ٩٠.
(٢) البخاري «ر ٣»، ومسلم «ر ١٦٠».
(٣) البخاري «ر ١٦٥»، ومسلم «ر ٢٤١».
(٤) سنن الطبراني «ر ٥٠٧».
[ ٤٤٦ ]
قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «فَعُرْوَةُ لَمَّا فَهِمَ مِنْ لَفْظِ الخَبَرِ أَنَّ سَبَبَ نَقْضِ الوُضُوءِ مِظَنَّةُ الشَّهْوَةِ جَعَلَ حُكْمَ مَا قَرُبَ مِنَ الذَّكَرِ كَذَلِكَ، فَقَالَ ذَلِكَ فَظَنَّ بَعْضُ الرُّوَاةِ أَنَّهُ مِنْ صُلْبِ الخَبَرِ فَنَقَلَهُ مُدْرَجًَا فِيهِ، وَفَهِمَ الآَخَرُونَ الحَالَ فَفَصَّلُوا» (^١).
رابعًا: الخطأُ وقلَّةُ الضَّبطِ: وأمثلةُ هذَا النَّوعِ كثيرةٌ، فقلَّةُ الضَّبطِ مدعاةٌ لخلطِ الأحاديثِ ببعضِهَا، وإدراجِ ما ليسَ منهَا فيهَا، مِنْ غيرِ فصلٍ أو تمييزٍ.
_________________
(١) تدريب السيوطي ١/ ٢٧١.
[ ٤٤٧ ]
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَقْسَامُ الإِدْرَاجِ فِي المَتْنِ:
ينقسمُ الإدراجُ في المتنِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، بحسبِ موضعِهِ:
١ - في أوَّلِ المتنِ: وهوَ نادرٌ جدًَّا، مثالُهُ: حديثُ أبي هُريرةَ -﵁- المتقدِّمُ: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَيلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» (^١).
٢ - في وسطِ المتنِ: وهوَ قليلٌ. مثالُهُ: حديثُ بُسرَةَ بنتِ صفوانَ -﵁-، آنفِ الذِّكرِ.
٣ - في آخرِ المتنِ: وهوَ الأكثرُ. مثالُهُ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -﵁-، أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- علَّمَهُ التَّشهُّدَ في الصَّلاةِ … وفي آخرِهِ: «فَإِذَا قُلْتَ هَذَا فَقَدْ قَضَيتَ صَلَاتَكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ قُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ» (^٢). فهذَا القولُ مُدرجٌ منْ كلامِ ابنِ مسعودٍ -﵁- (^٣).
_________________
(١) انظر ص ٣٩١.
(٢) سنن أبي داود «ر ٩٧٢»، وسنن النسائي «ر ١٠٥٣».
(٣) انظر تسهيل المدرج إلى المدرج ص ٣٧ وما بعدها.
[ ٤٤٨ ]
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الإِدْرَاجِ فِي المَتْنِ:
تقدَّمَ في مبحثِ «أثرُ السَّبرِ في معرفةِ المدرجِ سندًَا» أنَّهُ ثمَّةَ ترابطٌ قويٌّ بينَ المدرجِ متنًَا وسندًَا، بلْ قدْ رجَّحَ بعضُ العلماءِ أنَّ مُدرجَ السَّندِ مرجعُهُ في الحقيقةِ إلى مُدرجِ المتنِ، كمَا بيَّنَّا الطُّرقَ التي اعتمدَهَا العلماءُ لكشفِ الإدراجِ سواءٌ في السَّندِ أو المتنِ، ومنْ أخصِّهَا السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ فهوَ السَّبيلُ الذي يُفَصِّلُ أو يفصِلُ الزّيادةَ المدرجةَ، وما ذكرناهُ في ما يخصُّ السَّندَ ينطبقُ على المتنِ أيضًَا، ونفيدُ بشيءٍ ممَّا ذكرناهُ سابقًَا، معَ زيادةِ تفصيلٍ في معرفةِ المدرجِ متنًَا.
وقدْ صنَّفَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» كتابَهُ «المَدرجُ إلى المُدرجِ» مبيِّنًَا فيهِ الزِّياداتِ المدرجةَ في المتونِ، فقالَ في مقدِّمتِهِ: «اِقْتَصَرْتُ فِيهِ عَلَى مُدْرَجِ المَتْنِ دُونَ مُدْرَجِ الإِسْنَادِ، لِأَنَّ العِنَايَةَ بِتَمْيِيزِ كَلَامِ الرُّوَاةِ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ أَهَمُّ» (^١). وقدْ اتَّبعَ السِّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ» في كتابِهِ هذا المنهجَ الذي اعتمدَهُ الخطيبُ وابنُ حجرٍ في الكشفِ عَنِ الإدراجِ، بإيرادِ رواياتِ الفصلِ ومعارضتِهَا برواياتِ الوصلِ، والتَّرجيحِ وفقًَا للقرائنِ والمقوِّياتِ، إلَّا أنَّهُ اعتمدَ الاختصارَ بالإشارةِ إلى مَنْ وصلَ ومنْ فصلَ فحسبُ مِنْ غيرِ تفصيلٍ.
ويبقى أنْ نُبيِّنَ أنَّهُ منْ لوازمِ السَّبرِ للكشفِ عنِ الإدراجِ في المتنِ: التَّنبُّهُ إلى أنَّ الإدراجَ قدْ يشتبهُ بزاياداتِ الثِّقاتِ، لأنَّهُمَا يجتمعانِ في كونِهِمَا زيادةً في المتنِ إذا كان المُدْرِجُ ثقةً (^٢)،
_________________
(١) مجموعة رسائل في الحديث «المدرج إلى المدرج» صبحي السامرائي ص ٥.
(٢) والفرق بينهما: أن زيادة الثقة: تكون فيما يعزوه الثقة إلى الرسول. وأما الإدراج: فهو كلام أحد الرواة من تفسير أو تعليق أو نحوها.
[ ٤٤٩ ]
والعمدةُ في التَّفريقِ بينَهُمَا للدَّلائلِ والقرائنِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «وَفِي الجُمْلَةِ إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى إِدْرَاجِ جُمْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بِحَيثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ فَسَوَاءٌ كَانَ فِي الأَوَّلِ أَوْ الوَسَطِ أَوْ الآَخِرِ، فَإِنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الاِخْتِصَارُ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ بِحَذْفِ أَدَاةِ التَّفْسِيرِ، أَوْ التَّفْصِيلُ، فَيَجِيءُ مَنْ بَعْدَهُ فَيَرْوِيهِ مُدْمَجًَا مِنْ غَيرِ تَفْصِيلٍ، فَيَقَعُ ذَلِكَ» (^١).
ومِنَ الدَّلائلِ التي تَفْرِقُ زيادةَ الثِّقةِ عنْ الزِّيادةِ المدرجةِ ما يأتي (^٢):
أولًا: تصريحُ الرَّاوي بالإدراجِ: بأنْ تتواردَ طُرقُ الحديثِ على بيانِ أنَّ الزِّيادةَ المدرجَةَ مِنْ كلامِ الرَّاوي، وليستْ مِنْ كلامِ النَّبيِّ -ﷺ-، مخالفينَ بذلكَ مَنْ رواهُ مُتَّصلًا مِنْ غيرِ فصلٍ للزِّيادةِ المُدرجةِ، كمَا في حديثِ أبي هُريرةَ -﵁- المتقدِّمِ: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَيلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَةَ، وَهِمَ فِيهِ شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ وَأَبُو قَطَنٍ، وَالمَرْفُوعُ مِنْهُ «وَيلٌ … إِلَى آَخِرِهِ» وَصَدْرُهُ مُدْرَجٌ، كَذَا مَيَّزَهُ سَائِرُ الرُّوَاةِ، مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: "كَانَ أَبُو هُرَيرَةَ -﵁- يَاتِي عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَوَضَّؤُونَ، فَيَقُولُ لَهُمْ: أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا القَاسِمِ -ﷺ- يَقُولُ: «وَيلٌ لِلْاعَقَابِ مِنَ النَّارِ»» (^٣).
أو أنْ يُصرِّحَ الرَّاوي بأنَّ الزِّيادةَ مِنْ كلامِهِ لا مِنْ حديثِ رسولِ اللهِ -ﷺ-، كحديثِ ابنِ مسعودٍ -﵁-، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ -ﷺ- يقولُ: «مَنْ جَعَلَ للهِ نِدًَّا
_________________
(١) النكت لابن حجر ٢/ ٨٢٩.
(٢) انظر اليواقيت والدرر ٢/ ٨٣.
(٣) تسهيل المدرج إلى المدرج ص ٥٢. وأخرجه البخاري «ر ٦٠»، ومسلم «ر ٢٤٠».
[ ٤٥٠ ]
جَعَلَهُ اللهُ فِي النَّارِ». ثمَّ قالَ ابنُ مسعودٍ -﵁-: «وَأُخْرَى أَقُولُهَا لَمْ أَسْمَعْهَا مِنْهُ: مَنْ مَاتَ لَا يَجْعَلُ للهِ نِدًَّا أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ». وقدْ روى أحمدُ بنُ عبدِ الجبَّارِ العُطارديُّ الحديثَ كلِّهِ مِنْ غيرِ فصلٍ بينَ كلامِ النَّبيِّ -ﷺ- وقولِ ابنِ مسعودٍ -﵁- (^١). وقدْ رُويَ مُفصَّلًا منْ طرقٍ أخرى.
ثانيًا: تنصيصُ الأئمَّةِ على ذلكَ: مثالُهُ: حديثُ البراءِ -﵁-: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- حِينَ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيهِ حَتَّى حَاذَى بِهِمَا إِلَى أُذُنَيهِ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إِلَى شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ». قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «قَولُهُ: "ثُمَّ لَمْ يَعُدْ" مُدْرَجٌ مِنْ زِيَادَةِ يَزِيدِ بنِ أَبِي زِيَادٍ، نَبَّهَ عَلَيهِ ابنُ عُيَينَةَ» (^٢).
ثَالِثًَا: أنْ يمتنعَ صُدورُ ذلكَ الكلامِ منَ النَّبيِّ -ﷺ-: فيدلُّ السِّياقُ على أنَّ اللَّفظةَ لا يُمكنُ أنْ تكونَ مِنْ قولِهِ -ﷺ-، فغالبًَا ما تكونُ الزِّيادةُ المدرجةُ تفسيرًَا لغريبٍ، أو بيانًَا لحكمٍ شرعيٍّ، أو تعليلًَا لحكمٍ ضمنَ الحديثِ، والفيصلُ الرَّئيسُ ما بينَ زيادةِ الثِّقةِ والزِّيادةِ المدرجةِ هوَ أنَّ زيادةَ الثِّقةِ تكونُ يقينًَا مِنْ كلامِ النَّبيِّ -ﷺ-، والزِّيادةُ المدرجةُ يترجَّحُ يقينًَا أنَّها مِنْ كلامِ الرُّواةِ. قالَ ابنُ القيِّمِ (^٣) «ت ٧٥١ هـ»: «وَأَمَّا قَولُهُ: "فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ" فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُدْرَجَةٌ فِي الحَدِيثِ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيرَةَ لَا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ -ﷺ- … قَالَ شَيخُنَا
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في المصدر السابق ص ٣٧.
(٢) المصدر ذاته ص ١٩ و٢٠.
(٣) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي، الدمشقي، أبو عبد الله، شمس الدين، ابن قيم الجوزية، «٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ»، له تصانيف كثيرة، منها: «إعلام الموقعين»، و«الطرق الحكمية في السياسة الشرعية»، وغيرها كثير جدًا. انظر معجم المحدثين ص ٢٦٩، والمقصد الأرشد لابن مفلح ٢/ ٣٨٤.
[ ٤٥١ ]
- ابْنُ تَيمِيَّةَ -: "هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَإِنَّ الغُرَّةَ لَا تَكُونُ فِي اليَدِ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا فِي الوَجْهِ، وَإِطَالَتُهَا غَيرُ مُمْكِنَةٍ، إِذْ تَدْخُلُ فِي الرَّاسِ فَلَا تُسَمَّى تِلْكَ غُرَّةٌ"» (^١).
وكحديثِ أبي هُريرةَ -﵁-، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «لِلْعَبْدِ المَمْلُوكِ أَجْرَانِ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَولَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالحَجُّ، وَبِرُّ أُمِّي، لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ». فقولُهُ: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ …». ممَّا تستحيلُ نسبتُهُ إلى النَّبيِّ -ﷺ-، إِذْ لا يجوزُ في حقِّهِ أنْ يتمنَّى الرِّقَّ، ولَمْ تكنْ لَهُ أمٌّ يبرُّهَا، ومنْ خلالِ السَّبرِ وجمعِ الطُّرقِ تبينَ أنَّهُ منْ كلامِ أبي هُريرةَ -﵁- (^٢).
رابعًا: أنْ يُصرِّحَ بعضُ الرُّواةِ بتفصيلِ الزِّيادةِ المدرجةِ: مثالُهُ: حديثُ شعبةَ، عنْ أنسِ بنِ سيرينَ، أنَّهُ سمعَ ابنَ عمرَ -﵁- يقولُ: طلَّقتُ امرأتي وهيَ حائضٌ، فذكرَ عمرُ -﵁- ذلكَ للنَّبيِّ -ﷺ-، فقالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا». قالَ: فتُحتسبُ بالتَّطليقةِ؟ قالَ: فَمَهْ. قالَ الخطيبُ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَالصَّوَابُ: أَنَّ الاِسْتِفْهَامَ مِنْ قَولِ أَنَسِ بنِ سِيرِينَ، وَأَنَّ جَوَابَهُ مِنْ قَولِ ابنِ عُمَرَ -﵁-» (^٣).
ومنْ خلالِ السَّبرِ فقدْ رواهُ جماعةٌ عنْ شعبةَ بنسبةِ السُّؤالِ إلى ابنِ سيرينَ، والجوابِ إلى ابنِ عمرَ -﵁- (^٤). وسيأتي تفصيلُهُ في آخرِ هذَا المبحثِ.
_________________
(١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص ١٣٨.
(٢) انظر تفصيل ذلك في كتاب تسهيل المدرج إلى المدرج ص ٥٦. وقد رجح ابن حجر القول بالإدراج بوروده من طرق أخرى تفصل الزيادة المدرجة. انظر فتح الباري ٥/ ١٧٦.
(٣) الفصل للوصل المدرج في النقل ١/ ١٥٥.
(٤) انظر تفصيل ذلك في تسهيل المدرج إلى المدرج ص ٣٣.
[ ٤٥٢ ]
فالسَّبرُ طريقٌ قويٌّ لبيانِ الإدراجِ في المتنِ، لكنْ لا بُدَّ معهُ مِنْ قرائنَ ودلائلَ تُقوِّي الظَّنَّ بكونِ الزِّيادةِ مُدرجَةً مِنْ كلامِ الرَّاوي، إذْ لا يعني خُلوُّ متنٍ مِنْ زيادةٍ ووجودُهَا في متنٍ آخرَ، كونَهَا مُدرجةً منْ كلامِ الرُّواةِ، بلْ قدْ تكونُ زيادةَ ثقةٍ، أو زيادةً شاذَّةً، أو منكرةً إذَا كانَ راويهَا ضعيفًَا.
وكمَا أنَّ بيانَ الإدراجِ في الحديثِ يتمُّ منْ خلالِ الجمعِ والمقارنةِ بينَ المرويَّاتِ، كذلكَ نفيَ الإدراجِ عَنْ حديثٍ يكونُ أيضًَا مِنْ خلالِ السَّبرِ، بورودِهِ مِنْ طريقٍ أقوى تُبيِّنُ أنَّ الزِّيادةَ زيادةُ ثقةٍ، وليستْ مُدرجةً مِنْ كلامِ الرُّواةِ، مثالُهُ: حديثُ أمِّ قيسٍ بنتِ مِحْصَنٍ أنَّهَا أتتْ بابنٍ لهَا لمْ يبلغْ أنْ يأكلَ الطَّعامَ إلى رسولِ اللهِ -ﷺ-، فبالَ في حجرِهِ فدعَا بماءٍ فنضحَهُ على بولِهِ ولمْ يغسلْهُ غَسْلًا. قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «فَائِدَةٌ: ادَّعَى الأَصِيلِيُّ أَنَّ قَولَهُ «وَلَمْ يَغْسِلْهُ» مُدْرَجٌ مِنْ قَولِ ابْنِ شِهَابٍ، وَفِي البَابِ: عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -﵁- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ، فَيَدْعُو لَهُمْ، فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، زَادَ مُسْلِمٌ: «وَلَمْ يَغْسِلْهُ»» (^١).
أو بورودِهِ منْ طريقٍ أُخرى تُبيِّنُ أنَّ اللَّفظةَ المدرجةَ لهَا أصلٌ ثابتٌ عنْ رسولِ اللهِ -ﷺ-، فهيَ مُدرجَةٌ بالنِّسبةِ للطِّريقِ الأولى، ومُثبتَةٌ بالنِّسبةِ للطِّريقِ الثَّانيةِ، قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى -﵁-: «إِنَّ بَينَ يَدَي السَّاعَةِ أَيَّامًَا يُرْفَعُ فِيهَا العِلْمُ، وَيَظْهَرُ فِيهَا الهَرْجُ، وَالهَرْجُ: القَتْلُ». فَصَّلَهُ بَعْضُ الحُفَّاظِ مِنَ الرُّوَاةِ، وَبَيَّنَ أَنَّ
_________________
(١) التلخيص الحبير ١/ ٣٩، وقد فصل الزرقاني في شرحه على الموطأ القول بنفي إدراج هذه الزيادة ١/ ١٨٧.
[ ٤٥٣ ]
قَولَهُ: «وَالهَرْجُ: القَتْلُ»: مِنْ كَلَامِ أَبِي مُوسَى -﵁-. وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ تَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ مَرْفُوعًَا فِي حَدِيث سَالِمِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ -﵃-، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-» (^١). وفائدةُ هذَا حتَّى لا تُردَّ الزِّيادةُ بالجملةِ.
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ المدرجِ في المتنِ مِنْ خلالِ التَّطبيقِ الآتي:
حديثُ ابنِ عمرَ -﵁-، أنَّهُ قالَ: طلَّقتُ امرأتي وهيَ حائضٌ، فذكرَ عمرُ -﵁- ذلكَ للنَّبيِّ -ﷺ-، فقالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا». قالَ: فتُحتسبُ بالتَّطليقةِ؟ قالَ: فَمَهْ.
أخرجَهُ هكذَا الخطيبُ في الفصلِ «ر ٧»، منْ طريقِ أحمدِ بنِ عبدِ الجبَّارِ العُطارديِّ (^٢)، عنْ أبي بكرِ بنِ عيَّاشٍ، عنْ عاصمِ بنِ أبي النُّجودِ، عنْ زرِّ بنِ حُبيشٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.
قالَ الخطيبُ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَالصَّوَابُ: أَنَّ الاِسْتِفْهَامَ مِنْ قَولِ أَنَسِ بنِ سِيرِينَ، وَأَنَّ جَوَابَهُ مِنْ قَولِ ابنِ عُمَرَ».
وقدْ بيَّنَ ذلكَ جماعةٌ مِنَ الرُّواةِ عنْ شعبةَ، منهُمْ:
_________________
(١) النكت لابن حجر ٢/ ٨١٩.
(٢) أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي، أبو عمر الكوفي، «ت ٢٧٢ هـ»، ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح، لم يثبت أن أبا داود أخرج له. انظر التقريب «ر ٦٤».
[ ٤٥٤ ]
سليمانُ بنُ حربٍ (^١) عندَ البخاريِّ «ر ٤٩٤٥».
ومُحمَّدُ بنُ جعفرٍ (^٢) عندَ مسلمٍ «ر ١٤٧١»، والنَّسائيِّ «ر ٣٥٥٥»، وأبي عَوانةَ «ر ٤٥١٦».
وخالدُ بنُ الحارثِ (^٣) عندَ مسلمٍ «ر ١٤٧١».
وبَهْزُ بنُ أسدٍ (^٤) عندَ مسلمٍ «ر ١٤٧١»، وابنِ حنبلٍ «ر ٢٥٦٨».
وعبدُ الرَّحمنِ بنُ مهديٍّ (^٥) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٥٢٦٨».
ويزيدُ بنُ هارونَ (^٦) في المنتقى لابنِ الجارودِ «ر ٧٣٥».
وبشرُ بنُ عمرَ (^٧) عندَ الدَّارقطنيِّ «٤/ ٥»، والتَّمهيدُ لابنِ عبدِ البرِّ «١٥/ ٦١».
وحجَّاجُ بنُ منهالٍ (^٨) عندَ البيهقيِّ «ر ١٤٦٩٨». وغيرُهُمْ.
_________________
(١) سليمان بن حرب الأزدي، الواشحي، «ت ٢٢٤ هـ»، ثقة، حافظ، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٥٤٥».
(٢) محمد بن جعفر الهذلي، المعروف ب «بندر»، «ت ٢٩٤ هـ»، ثقة، صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٥٧٨٧».
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٧٨.
(٤) بهز بن أسد العمي، أبو الأسود البصري، «ت بعد ٢٠٠ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٧٧١».
(٥) تقدمت ترجمته ص ٢٧٣.
(٦) تقدمت ترجمته ص ٢٧٩.
(٧) بشر بن عمر بن الحكم الزهراني، أبو محمد البصري، «ت ٢٠٩ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٩٨».
(٨) حجاج بن المنهال الأنماطي، أبو محمد السلمي، «ت ٢١٧ هـ»، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ١١٣٧».
[ ٤٥٥ ]
كلُّ هؤلاءِ بيَّنُوا أنَّ الاستفهامَ منْ ابنِ سيرينَ، والجوابَ منْ ابنِ عمرَ -﵁-، لا مِنْ كلامِ النَّبيِّ -ﷺ- (^١).
وفي خاتمةِ هذَا المبحثِ أُشيرُ إلى أنَّهُ قدْ يُلحظُ بعضُ التَّداخلِ والتَّكرارِ بينَ هذَا المبحثِ ومبحثِ «أثرُ السَّبرِ في معرفةِ المُدرجِ سندًَا» وهذَا عائدٌ إلى طبيعةِ ما ذكرناهُ منْ أنَّهُ لا يُمكنُ الكلامُ على مُدرجِ المتنِ بمعزلٍ عنْ مُدرجِ السَّندِ لتداخلُهِمَا وترابطُهِمَا.
* * *
_________________
(١) النكت لابن حجر ٢/ ٨١٥. والأمثلة كثيرة في كتاب الخطيب البغدادي «الفصل للوصل المدرج في النقل»، والمَدرجُ إلى المُدرجِ للسيوطي.
[ ٤٥٦ ]
المَبْحَثُ الرَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ الاِضْطِرَابِ فِي المَتْنِ:
تقدَّمَ تعريفُ المضْطَربِ لغةً واصطلاحًَا، وحكمُهُ، وشروطُهُ، وأنَّهُ ينقسمُ إلى مضْطَربٍ سندًَا وهوَ الأغلبُ، ومُضْطَربٍ سندًَا ومتنًَا (^١)، وبقيَ النَّوعُ الثَّالثُ: وهوَ المضْطَربُ متنًَا فقطْ - وهوَ نادرٌ - وهوَ ما جاءَ عنْ راوٍ واحدٍ أو عنْ عددٍ مِنَ الرُّواةِ بألفاظٍ يُعارضُ بعضُهَا بعضًَا، وتعذَّرَ الجمعُ أو التَّرجيحُ بينَهَا، أمَّا إذَا أمكنَ الجمعُ أو التَّرجيحُ فَلَا اضْطِرابَ حينئذٍ، وتكونُ الرِّوايةُ الرَّاجحةُ محفوظةً أو معروفةً، والمرجوحةُ شاذَّةً أو مُنكرةً، ويدخلُ في بابِ مُختلفِ الحديثِ أو مشكلِهِ.
وقدْ تبيَّنَ أثرُ السَّبرِ في معرفةِ المضْطربِ سندًَا، وسندًَا ومتنًَا، وهوَ ينطبقُ على المضْطَربِ متنًَا، وقلَّ أنْ يُوجدَ مثالٌ مستقلٌّ للمضْطَربِ متنًَا إلَّا ويكونَ مُحتمِلًَا يزولُ بالجمعِ أو التَّرجيحِ أو يكونَ معَهُ اضْطرابٌ في السَّندِ، أو مُضعَّفٌ سندُهُ بغيرِ الاضطرابِ، ومثالُهُ:
حديثُ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-، قالَ: «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَينِ وَهُوَ جَالِسٌ».
* الحديثُ أخرجَهُ بهذَا اللَّفظِ: ابنُ حنبلٍ «ر ١٧٤٧»، والنَّسائيُّ «ر ١٢٥١»، والطَّبريُّ في تهذيبِ الآثارِ «ر ٧٨»، وغيرُهُمْ منْ طريقِ رَوحِ بنِ عُبادةَ (^٢)، عنِ ابنِ جُريجٍ، عنْ عبدِ اللهِ
_________________
(١) انظر ص ٢٤٢.
(٢) تقدمت ترجمته ص ٢٨١.
[ ٤٥٧ ]
ابنِ مُسافعٍ، عنْ مُصعبِ بنِ شيبةَ، عنْ عُقبةَ بنِ محمَّدِ بنِ الحرثِ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ- (^١).
* وأخرجَهُ أبو داودَ «ر ١٠٣٣»، وابنُ حنبلٍ «ر ١٧٥٢»، والنَّسائيُّ «ر ١٢٥٠»، والبيهقيُّ «ر ٣٦٣٧»، منْ طريقِ حجَّاجِ بنِ محمَّدٍ الأعورِ (^٢)، عنْ ابنِ جُريجٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مُسافعٍ، عنْ مُصعبِ بنِ شيبةَ، عنْ عقبةَ بنِ محمَّدٍ بنِ الحرثِ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.
* والنَّسائيُّ «ر ١٢٤٩» إنَّمَا أخرجَهُ منْ طريقِ حجَّاجٍ ورَوحٍ مقرونينَ، عنِ ابنِ جُريجٍ … ثمَّ قالَ النَّسائيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «قالَ حجَّاجٌ: «بَعْدَمَا يُسَلِّمْ»، وقالَ رَوحٌ: «وَهُوَ جَالِسٌ»».
وقولُهُ: «وَهُوَ جَالِسٌ». يُفيدُ أنَّهُ قَبْلَ التَّسليمِ، والأُخرى «بَعْدَمَا يُسَلِّمُ». تُبيِّنُ أنَّهُ بعدَ التَّسليمِ، وهوَ تعارضٌ بيِّنٌ، لا يُمكنُ الجمعُ بينَهُمَا لتضَادِّهمَا، ولا التَّرجيحُ لثقةِ راويهِمَا.
وبمَا أنَّ شرطَ الاضْطِرابِ التَّساوي، فإنَّ أحدَ القرائنِ المرجِّحةِ لنفيِ الاضْطرابِ كثرةُ العددِ وتواردُ الرُّواةِ على روايةٍ، وكذلكَ إمكانيةُ الجمعِ بينَهُمَا، فقدْ ردَّ الحافظُ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ» دعوى بعضِ الحنفيَّةِ اضْطرابَ حديثِ «تحريمِ المدينةِ»، بقرينةِ إمكانِ الجمعِ وتواردِ الرُّواةِ على روايةِ «ما بينَ لابتَيهَا».
_________________
(١) انظر أثر اختلاف المتون والأسانيد في اختلاف الفقهاء ص ٤٢٧.
(٢) حجاج بن محمد، الأعور، أبو محمد المصيصي، «ت ٢٠٦ هـ»، ثقة ثبت، اختلط آخر عمره لما قدم بغداد أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ١١٣٥».
[ ٤٥٨ ]
فقالَ: «اِدَّعَى بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ أَنَّ الحَدِيثَ مُضْطَرِبٌ، لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ: «مَا بَينَ جَبَلَيهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «مَا بَينَ لَابَتَيهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «مَازِمَيهَا» وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الجَمَعَ بَينَهُمَا وَاضِحٌ، وَبِمِثْلِ هَذَا لَا تُرَدُّ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، فَإِنَّ الجَمْعَ لَو تَعَذَّرَ أَمْكَنَ التَّرْجِيحُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ رِوَايَةَ «مَا بَينَ لَابَتَيهَا» أَرْجَحُ لِتَوَارُدِ الرُّوَاةِ عَلَيهَا، وَرِوَايَةُ «جَبَلَيهَا» لَا تُنَافِيهَا» (^١).
* * *
_________________
(١) فتح الباري ٤/ ٨٣.
[ ٤٥٩ ]
المَبْحَثُ الخَامِسُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ القَلْبِ فِي المَتْنِ:
تقدَّمَ الكلامُ على تعريفِ القلبِ وأقسامِهِ سندًَا (^١)، ونتكلَّمُ هنَا على النَّوعِ الثَّاني منْ أنواعِ القلبِ بحسبِ موضعِهِ:
القلبُ في المتنَ: وهوَ أنْ تُوضعَ لفظةٌ أو جملةٌ موضعَ لفظةٍ أو جملةٍ منْ متنِ الحديثِ.
وقدْ ذكرَ اللَّكنويُّ «ت ١٣٠٤ هـ» طُرقَ الكشفِ عنِ القلبِ في المتنِ، فقالَ: «القَلْبُ قَدْ يَشْهَدُ لَهُ نَفْسُ عِبَارَةِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ لَا يَشْهَدُ لَهُ نَفْسُ المَتْنِ، بَلْ يُعْرَفُ ذَلِكَ لِمُخَالَفِتِهِ لِلْمُعْتَادِ وَالمَعْقُولِ وَالأَمْرِ الوَاقِعِيِّ المَنْقُولِ، وَمُخَالَفَتِهِ لِأَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ مِنَ الثِّقَاتِ الأَثْبَاتِ» (^٢).
وفي بيانِهِ ثلاثةُ طُرقٍ لمعرفتِهِ:
الأوَّلُ: دلالةُ السِّياقِ على أنَّ الحديثَ مقلوبٌ: كحديثِ أبي هُريرةَ -﵁- قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكُ كَمَا يَبْرُكُ البَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيهِ قَبْلَ رُكْبَتَيهِ» (^٣).
قالَ ابنُ القيِّمِ «ت ٧٥١ هـ»: «وَهُوَ مِمَّا انْقَلَبَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ مَتْنُهُ وَأَصْلُهُ، وَلَعَلَّهُ: «وَلْيَضَعْ رُكْبَتَيهِ قَبْلَ يَدَيهِ»» (^٤).
_________________
(١) انظر ص ٢٥٢.
(٢) ظفر الأماني في مختصر الجرجاني ص ٤٠٩.
(٣) ورد بهذا اللفظ في سنن أبي داود «ر ٨٤٠»، والنسائي «ر ١٠٩١»، وغيرهم …
(٤) زاد المعاد ١/ ٢٢٦.
[ ٤٦٠ ]
وقالَ أيضًَا: «فَإِنَّ أَوَّلَهُ يُخَالِفُ آَخِرَهُ، فَإِنَّهُ إِذَا وَضَعَ يَدَيهِ قَبْلَ رُكْبَتَيهِ فَقَدْ بَرَكَ كَمَا يَبْرُكُ البَعِيرُ، فَإِنَّ البَعِيرَ إِنَّمَا يَضَعُ يَدَيهِ أَوَّلًَا» (^١).
وقدْ وردَ مِنْ طرقٍ كثيرةٍ تُؤيِّدُ ذلكَ (^٢).
الثَّاني: مُخالفةُ النَّصِّ للمعتادِ والأمرِ الواقعيِّ والمنقولِ: كحديثِ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ». فقدْ جاءَ في روايةِ مسلمٍ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ» (^٣). والسُّنَّةُ والمعلومُ والواقعُ أنَّ الإنفاقَ يُضافُ لليمينِ لا للشِّمالِ، وقدْ جاءَتِ الرِّواياتُ تعضدُ ذلكَ، فالحديثُ مرويٌّ في البخاريِّ وغيرِهِ منْ طُرقٍ بلفظِ: «حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» (^٤).
الثَّالثُ: السَّبرُ وجمعُ الطُّرقِ: وهوَ القاعدةُ الرَّئيسةُ التي ترتكزُ عليهَا معرفةُ المقلوبِ في المتنِ، وذلكَ بمخالفةِ الرِّوايةِ لأكثرِ الرِّواياتِ منَ الثِّقاتِ، والطريقانِ الأوَّلانِ - بالإضافةِ إلى كونِهِمَا مِنَ الطُّرقِ المعتمدةِ في معرفةِ القلبِ في المتنِ - همَا مِنَ القرائنِ التي تُقوِّي نتيجةَ السَّبرِ، قالَ الزَّركشيُّ «ت ٧٩٤ هـ»: «تَقُومُ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ قَرَائِنُ وَظُنُونٌ يَحْكُمُونَ بِهَا عَلَى الحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَقْلُوبٌ» (^٥). وصنيعُ المحدِّثينَ في كُتبِ العللِ والشُّروحِ وغيرِهَا مِنْ كتبِ الحديثِ قائمٌ على ذلكَ إذْ يسوقونَ الرِّوايةَ المقلوبةَ، ثمَّ يُبيِّنونَ وجهَ القلبِ بإيرادِ الرِّواياتِ الصَّحيحةِ، ويدعمونَ قولهمْ بمثلِ هذهِ القرائنِ والدَّلالاتِ، ومثالُ ذلكَ:
_________________
(١) المصدر ذاته ١/ ٢٢٤. وانظر سبل السلام ١/ ١٨٧، ونيل الأوطار ٢/ ٢٨٣.
(٢) انظر أبي داود «ر ٨٣٨»، والترمذي «ر ٢٦٨»، وابن ماجة «ر ٨٨٢»، والنسائي «ر ١٠٨٩»، وغيرهم …
(٣) مسلم «ر ١٠٣١».
(٤) البخاري «ر ٦٢٩». وانظر نخبة الفكر وشرحها للقاري ص ٤٧٧.
(٥) النكت على مقدمة ابن الصلاح ٢/ ٢٩٩.
[ ٤٦١ ]
حديثُ ابنِ عمرَ -﵁-، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ».
* الحديثُ أخرجَهُ بهذَا اللفظِ: الطَّيالسيُّ «ر ١٦٦١»، والبيهقيُّ «ر ١٦٦٦»، منْ طريقِ شعبةَ (^١)، عنْ خُبيبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أُنَيسةَ، مرفوعًا.
* وأخرجَهُ ابنُ حنبلٍ «ر ٢٧٤٨٠»، والنَّسائيُّ «ر ٦٤٠»، وابنُ حبَّانَ «ر ٣٤٧٤»، منْ طريقِ منصورِ بنِ زادانَ (^٢)، عنْ خُبيبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أُنيسةَ، بلفظِ: «إِذَا أَذَّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا، وَإِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ فَلَا تَاكُلُوا وَلَا تَشْرَبُوا».
وتابعَهُ شعبةُ عندَ البيهقيِّ «ر ١٦٦٧».
* وأخرجَهُ ابنُ خُزيمةَ «ر ٤٠٥»، والطَّبرانيُّ في الكبيرِ «ر ٤٨١»، على الشَّكِّ، بلفظِ: «حَتَّى يُؤَذِّنَ بِلَالٌ أَوْ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ». منْ طريقِ شعبةَ، عنْ خُبيبِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أُنيسةَ.
والصَّحيحُ هوَ اللفظُ الأوَّلُ، واللفظُ الثَّاني انقلبَ على بعضِ رُواتِهِ.
يُؤيِّدُ ذلكَ روايةُ شعبةَ للحديثِ على الوجهينِ، ومرَّةً على الشَّكِّ، كمَا رُويَ باللَّفظِ الأوَّلِ منْ حديثِ ابنِ عمرَ -﵁- عندَ البخاريِّ «ر ٥٩٢»، ومسلمٍ «ر ١٠٩٢»، وغيرِهِمْ …، ومنْ حديثِ عائشةَ -﵁- ا عندَ البُخاريِّ «ر ٥٩٧»، ومسلمٍ «ر ١٠٩٢».
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٢٤٨.
(٢) منصور بن زادان الواسطي، أبو المغيرة الثقفي، «ت ٢٢٩ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٦٨٩٨».
[ ٤٦٢ ]
قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «فَهُوَ مَقْلُوبٌ، إِذِ الصَّحِيحُ فِي لَفْظِهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ … الحَدِيثُ. وَكَذَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵁-، وَلَمْ يَرْتَضِ البَلْقِينِيُّ جَمْعَ ابْنِ خُزَيمَةَ بَينَهُمَا بِتَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ آَذَانَ اللَّيلِ نَوبًَا بَينَهُمَا، فَجَاءَ الخَبَرَانِ عَلَى حَسَبِ الحَالَينِ، وَإِنْ تَابَعَهُ ابْنُ حِبَّانَ عَلَيهِ، بَلْ بَالَغَ فَجَزَمَ بِهِ. وَقَالَ البَلْقِينِيُّ: إِنَّهُ بَعِيدٌ، وَلَو فَتَحْنَا بَابَ التَّاوِيلِ لَانْدَفَعَ كَثِيرٌ مِنْ عِلَلِ المُحَدِّثِينَ، وَأَمَّا شَيخُنَا فَمَالَ إِلَى ضَعْفِ رِوَايَةِ القَلْبِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: المَحْفُوظُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ الصَّوَابُ» (^١).
* * *
_________________
(١) فتح المغيث ١/ ٢٨٠، ونقل ذلك ابن حجر في النكت «٢/ ٨٧٩» عن شيخه أبي الفضل بن الحسين، ثم رجع عن ذلك في الفتح، وكأنه صحح قول من جمع بين الحديثين بأدلة، فلتنظر ٢/ ١٠٢ و١٠٣.
[ ٤٦٣ ]
المَبْحَثُ السَّادِسُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المبهمِ فِي المَتْنِ:
تقدَّمَ الكلامُ على تعريفِ المبهمِ، وأنَّهُ ينقسمُ إلى قسمينِ (^١):
مبهمٌ في الإسنادِ، ومبهمٌ في المتنِ، والأصلُ في معرفتِهِ: قولُ ابنِ عبَّاسٍ -﵁-: «طَلَبْتُ اسْمَ رَجُلٍ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، حَتَّى وَقَفْتُ عَلَيهِ، وَهُوَ اسْمُ الذِي خَرَجَ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرًَا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، يُقَالُ: إِنَّهُ ضَمْرَةُ بنُ العِيصِ» (^٢).
_________________
(١) انظر ص ٣٦٢.
(٢) غوامض الأسماء المبهمة ٧/ ٤٨٤.
[ ٤٦٤ ]
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: فَوَائِدُ مَعْرِفَةِ المُبْهَمِ فِي المَتْنِ:
بيَّنَ ابنُ كثيرٍ «ت ٧٧٤ هـ» أنَّ الفائدةَ منْ مُبهمِ المتنِ قليلةٌ بالنِّسبةِ للفائدةِ المترتِّبةِ على معرفةِ مُبهمِ الإسنادِ، فقالَ: «هُوَ فَنٌّ قَلِيلُ الجَدْوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَعْرِفَةِ الحُكْمِ مِنَ الحَدِيثِ، وَلَكِنَّهُ شَيءٌ يَتَحَلَّى بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ وَغَيرِهِمْ» (^١).
وتعقَّبهُ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»، فقالَ: «بَلْ مِنْ فَوَائِدِهِ: أَنْ يَكُونَ المُبْهَمُ سَائِلًَا عَنْ حُكْمٍ عَارَضَهُ حَدِيثٌ آَخَرُ، فَيُسْتَفَادُ بِمَعْرِفَتِهِ النَّسْخُ وَعَدَمُهُ، إِنْ عُرِفَ زَمَنُ إِسْلَامِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، وَكَانَ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ قِصَّةٍ شَاهَدَهَا وَهُوَ مُسْلِمٌ» (^٢).
وزادَ أبو زرعةَ العراقيُّ (^٣) «ت ٨٢٦ هـ» منْ فوائدِهِ، فقالَ: «تَحْقِيقُ الشَّيءِ عَلَى مَا هُوَ عَلِيهِ،
فَإِنَّ النَّفْسَ مُتَشَوِّفَةٌ إِلَيهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ فِي الحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ لِذَلِكَ المُبْهَمِ، فَيُسْتَفَادُ بِمَعْرِفَتِهِ فَضِيلَتُهُ، فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ، وَيَحْصُلُ الاِمْتِثَالُ لِقَولِهِ -ﷺ-: «أَنْزِلُوا النّاسَ مَنَازِلَهُمْ»
وَمِنْهَا: أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى نِسْبَةِ فِعْلٍ غَيرِ مُنَاسِبٍ إِلَيهِ، فَيحْصُلُ بِتَعْيِينِهِ السَّلَامَةُ مِنْ جَوَلَانِ الظَّنِّ فِي غَيرِهِ مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ» (^٤).
_________________
(١) علوم الحديث ٢/ ٦٥٢.
(٢) فتح المغيث ٣/ ٣٠١.
(٣) أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الكردي، الرازياني، المصري، أبو زرعة، ولي الدين، ابن العراقي، «٧٦٢ هـ - ٨٢٦ هـ»، قاضي الديار المصرية، من كتبه: «البيان والتوضيح لمن أخرج له في الصحيح وقد مس= = بضرب من التجريح»، و«المستفاد من مبهمات المتن والإسناد»، و«أخبار المدلسين». انظر طبقات الحفاظ ص ٥٤٨.
(٤) المستفاد من مبهمات المتن والإسناد ١/ ٩١.
[ ٤٦٥ ]
المَطْلَبُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ المُبْهَمِ فِي المَتْنِ:
يعرفُ المبهمُ في المتنِ منْ طريقينِ، نصَّ عليهِمَا العلماءُ، وهمَا:
أَوَّلًَا: السَّبرُ: قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِوُرُودِهِ مُسَمَّىً فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ» (^١). مثالُ ذلكَ ما وردَ في سننِ ابنِ ماجةَ «ر ٢٨٨٥» منْ حديثِ أنسٍ -﵁-، قالَ: قالُوا: يا رسولَ اللهِ، الحجُّ في كلِّ عامٍ؟ قالَ: «لَو قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ». ثمَّ أوردَ ابنُ ماجةَ روايةً أُخرى «ر ٢٨٨٦» منْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ -﵁-، أنَّ الأقرعَ سألَ النبيَّ -ﷺ- … الحديثُ. فتعيَّنَ المبهمُ بهَا.
وقدْ بنى ابنُ العراقيِّ «ت ٨٢٦ هـ» كتابَهُ «المستفادُ (^٢)» على السَّبرِ، سواءٌ في المتنِ أو في الإسنادِ، حيثُ يسوقُ الرِّوايةَ المشتملةَ على مبهمٍ، ثمَّ يُعيِّنُهُ، ويستدلُّ لقولِهِ بإيرادِ مَنْ أخرجَهُ مِنْ أصحابِ السُّننِ مُعيَّنًَا، مُكتفيًَا بالإشارةِ لذلكَ فحسبُ، وكذلكَ يُوردُ مَنْ نصَّ مِنَ الأئمَّةِ على تعيينِهِ، مثالُ ذلكَ: حديثُ جابرٍ -﵁-: جاءَ رجلٌ إلى
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ٣٧٥.
(٢) كتاب المستفاد من مبهمات المتن والإسناد - للحافظ العراقي «ت ٨٢٦ هـ» - قال مصنفه «١/ ٩٣»: «أوردت فيه جميع ما ذكره ابن بشكُوال والخطيب والنووي، مع زيادات عليهم». - حققه: الدكتور = = عبد الرحمن عبد الحميد البر - ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م - دار الوفاء - مصر - المنصورة. واسم كتاب ابن بشكوال: (غوامض الأسماء المبهمة الواقعة في متون الأحاديث المسندة» طبع في دار عالم الكتب - بيروت - ١٤٠٧ هـ - تحقيق: د. عز الدين علي السيد، ومحمد كمال الدين عز الدين. واسم كتاب الخطيب: «الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة» طبع في دار مكتبة الخانجي - القاهرة - ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م -ط ٣ - تحقيق: د. عز الدين علي السيد. واسم كتاب النووي: «الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات» طبع في دار البيان - دمشق - ٢٠٠٧ م - تحقيق: الدكتور طه الحمداني.
[ ٤٦٦ ]
النَّبيِّ -ﷺ-، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ المسلمينَ أفضلُ؟ فقالَ -ﷺ-: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». قالَ ابنُ العراقيِّ «ت ٨٢٦ هـ»: «السَّائِلُ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ -﵁-، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ» (^١).
كمَا ويُستدلُّ عليهِ مِنْ خلالِ السَّبرِ بمَا أشارَ إليهِ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ» بقولِهِ: «وَرُبَّمَا اسْتُدِلَّ لَهُ بِوُرُودِ تِلْكَ القِصَّةِ المُبْهَمِ صَاحِبُهَا لِمُعَيَّنٍ، مَعَ احْتِمَالِ تَعَدُّدِهَا» (^٢). وكذَا نبَّهَ ابنُ العراقيِّ «ت ٨٢٦ هـ» إلى ذلكَ، فقالَ: «وَفِيهِ نَظَرٌ، لِجَوَازِ وُقُوعِ تِلْكَ الوَاقِعَةِ لِاثْنَينِ» (^٣).
ويبقى نفيُ التَّعدُّدِ أو إثباتُهُ للقرائنِ التي تُفهمُ مِنْ النَّصِّ وتدلُّ عليهَا سياقاتُ المتونِ، كمَا في حديثِ طلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ: أنَّ رجلًا منْ أهلِ نجدٍ، ثائرَ الرَّأسِ، جاءَ إلى النَّبيِّ -ﷺ- … الحديثُ. في سؤالِهِ عنِ الإسلامِ، وقولِهِ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ». ذكرَ ابنُ العراقيِّ «ت ٨٢٦ هـ» أنَّ السَّائلَ هوَ «ضِمامُ بنُ ثعلبةَ السَّعديُّ»، وقالَ: «ذَكَرَهُ ابْنُ إِسَحَاقَ، وَالبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيرُهُمْ». ثمَّ قالَ مُعقِّبًَا: «قُلْتُ: ضِمَامُ بنُ ثَعْلَبَةَ هُوَ السَّائِلُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ -﵁-، لَا فِي حَدِيثِ طَلْحَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ، نَبَّهَ عَلَيهِ شَيخُنَا أَبُو حَفْصٍ البُلْقِينِيُّ» (^٤).
قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «جَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ وَآَخَرُونَ بِأَنَّهُ ضِمَامُ بنُ ثَعْلَبَةَ وَافِدُ بَنِي سَعْدٍ ابنِ بَكْرِ، وَالحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِيرَادُ مُسْلِمٍ لِقِصَّتِهِ عَقِبَ حَدِيثِ طَلْحَةَ، وَلِأَنَّ فِي كُلٍّ
_________________
(١) المستفاد من مبهمات المتن والإسناد ١/ ١١٠.
(٢) فتح المغيث ٣/ ٣٠٢.
(٣) نقله السيوطي في تدريب الراوي ٢/ ٣٤٣.
(٤) المستفاد من مبهمات المتن والإسناد ١/ ٩٧.
[ ٤٦٧ ]
مِنْهُمَا أَنَّهُ بَدَوِيٌّ، وَأَنَّ كُلًَّا مِنْهُمَا قَالَ فِي آَخِرِ حَدِيثِهِ: لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. لَكِنْ تَعَقَّبَهُ القُرْطُبِيُّ بِأَنَّ سِيَاقَهُمَا مُخْتَلِفٌ وَأَسْئِلَتَهُمَا مُتَبَايِنَةٌ» (^١).
الثَّاني: التَّنصيصُ: قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «أَوْ بِالتَّنْصِيصِ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَنَحْوِهِمْ إِنِ اتَّفَقَتِ الطُّرُقُ عَلَى الإِبْهَامِ» (^٢). ومظانُّ ذلكَ كتبُ السِّيرِ والحديثِ والشُّروحِ، والكتبُ المفردةُ في المبهماتِ.
* * *
_________________
(١) فتح الباري ١/ ١٠٦. ووافق القرطبيَّ البلقينيُّ كما مرَّ، وكذلك ابنُ حجرٍ في هدي الساري ص ٢٤٥.
(٢) فتح المغيث ٣/ ٣٠٣.
[ ٤٦٨ ]
المَبْحَثُ السَّابِعُ: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ التَّصْحِيفِ فِي المَتْنِ:
لمعرفةِ التَّصحيفِ في المتنِ أهميَّةٌ كبيرةٌ، لا تقلُّ عنْ أهميَّةِ معرفتِهِ في الإسنادِ، لأنَّ سلامةَ مبنى الحديثِ هيَ سلامةٌ لمعناهُ، والتَّصحيفُ يُحيلُ اللَّفظَ عنِ المعنى المرادِ منهُ، ويزيدُ مِنَ الاختلافاتِ المرجوحةِ في الحديثِ الواحدِ التي تنبني عليهَا الأحكامُ الفقهيَّةُ، قالَ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «وَكَنَحْوِ مَا وَصَفْتُ مِنْ هَذِهِ الجِهَةِ مِنْ خَطَأِ الأَسَانِيدِ فَمَوجُودٌ فِي مُتُونِ الأَحَادِيثِ مِمَّا يَعْرِفُ خَطَأَهُ السَّامِعُ الفَهِمُ حِينَ يَرِدُ عَلَى سَمْعِهِ، نَحْوُ رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ حَيثُ صَحَّفَ، فَقَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ -ﷺ- عَنِ التَّحَيُّرِ» أَرَادَ: النَّجَشَ. وَكَمَا رَوَى آَخَرُ، فَقَالَ: «إِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللهِ ﷿ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الحِرْفَةِ، وَكَذَا وَكَذَا …» أَرَادَ: مُلْحِدًَا فِي الحَرَمِ. وَكَرِوَايَةِ الآَخَرِ إِذْ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ تُتَّخَذَ الرُّوحُ عَرَضًَا» أَرَادَ: الرُّوحَ غَرَضًَا» (^١).
وقدْ يكونُ سببُ التَّصحيفِ في المتنِ - بالإضافةِ إلى الخطأِ والوهمِ - روايةَ الحديثِ بالمعنى، لذَا اشترطَ العلماءُ لمنْ يروي الحديثَ بالمعنى أنْ يكونَ عالمًَا بمَا يُحيلُ المعاني، قالَ جريرُ ابنُ حازِمٍ (^٢) «ت ١٧٠ هـ»: «كَانَ الحَسَنُ يُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ، الأَصْلُ وَاحِدٌ وَالكَلَامُ مُخْتَلِفٌ» (^٣).
ويُدركُ التَّصحيفُ في المتونِ أحيانًَا بداهةً حينمَا يكونُ سياقُ الحديثِ مُختلًَّا، غيرَ مفهومٍ بدايةً، ومعرفةُ الصَّوابِ فيهِ تكونُ بالطُّرقِ ذاتِهَا التي يُعرفُ بهَا التَّصحيفُ في الأسانيدِ (^٤)، وذلكَ: بتنصيصِ الأئمَّةِ المشتهرينَ بضبطِ المتونِ وألفاظِهَا، وهوَ العمدةُ في ذلكَ.
_________________
(١) التمييز ص ١٧١.
(٢) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله بن شجاع، الأزدي، العتكي، أبو النضر البصري، «٨٥ هـ- ١٧٠ هـ» ثقة، من الحفاظ. انظر طبقات الحفاظ ص ٩٢.
(٣) الدارمي في السنن ١/ ١٠٥/ ٣١٧.
(٤) انظر ص ٣٧١ وما بعدها.
[ ٤٦٩ ]
قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «يَنْبَغِي لِلْمُحَدِّثِ أَلَّا يَرْوِيَ حَدِيثَهُ بِقِرَاءَةِ لَحَّانٍ أَوْ مُصَحِّفٍ … وَأَمَّا التَّصْحِيفُ فَسَبِيلُ السَّلَامَةِ مِنْهُ الأَخْذُ مِنْ أَفْوَاهِ أَهْلِ العِلْمِ وَالضَّبْطِ، فَإِنَّ مَنْ حُرِمَ ذَلِكَ وَكَانَ أَخْذُهُ وَتَعَلُّمُهُ مِنْ بُطُونِ الكُتُبِ كَانَ مِنْ شَانِهِ التَّحْرِيفُ، وَلَمْ يَفْلَتْ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّصْحِيفِ» (^١).
وكذلكَ فللسَّبرِ أثرٌ كبيرٌ في معرفةِ التَّصحيفِ في المتونِ، إذْ إِنَّ التَّباينَ في الألفاظِ يُشيرُ إلى وُجودِ الخطأِ، ومَا يَرِدُ مُصحَّفًَا أو مُحرَّفًَا في متنٍ يأتي مُحرَّرًَا ومُصوَّبًَا مِنْ طريقٍ أُخْرَى، وبدلالةِ قرائنِ اللُّغةِ والسِّياقِ والقُوَّةِ - وغيرِ ذلكَ - يتميَّزُ الصَّوابُ مِنَ التَّصحيفِ.
مثالُ ذلكَ: حديثُ زيدِ بنِ ثابتٍ -﵁-، أنَّ النَّبيَّ -ﷺ-: «احْتَجَمَ فِي المَسْجِدِ بِخُوصَةٍ …».
الحديثُ رواهُ بهذَا اللَّفظِ ابنُ حنبلٍ في مسندِهِ «ر ٢١٦٤٨» منْ طريقِ ابنِ لهيعةَ (^٢).
وقدْ روى الحديثَ بلفظِ: «اِحْتَجَرَ». بدلَ: «احْتَجَمَ». البخاريُّ «ر ٥٧٦٢»، ومسلمٌ «ر ٧٨١»، وأبو داودَ «ر ١٤٤٧»، وابنُ حنبلٍ «ر ٢١٦٧٥»، وغيرُهمْ منْ حديثِ زيدٍ -﵁-.
قالَ الإمامُ مسلمٌ «ت ٢٦١ هـ»: «وَهَذِهِ رِوَايَةٌ فَاسِدَةٌ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، فَاحِشٌ خَطَؤُهَا فِي المَتْنِ وَالإِسْنَادِ جَمِيعًَا، وابنُ لَهِيعَةَ المُصَحِّفُ فِي مَتْنِهِ، المُغَفَّلُ فِي إِسْنَادِهِ، وَإِنَّمَا الحَدِيثُ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- احْتَجَرَ فِي المَسْجِدِ بِخُوصَةٍ …» (^٣).
* * *
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ٢١٨.
(٢) عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي، أبو عبد الرحمن المصري، «ت ١٧٤ هـ»، صدوق، خلط بعدما احترقت كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، أخرج له «م د ت جه». انظر التقريب «ر ٣٥٦٣».
(٣) التمييز ص ١٨٧. «خوصة»: المنسوج من روق النخل. انظر النهاية في غريب الحديث ٢/ ٨٧.
[ ٤٧٠ ]
المَبْحَثُ الثَّامِنُ: ضَبْطُ الحَدِيثِ «الرِّوَايَةُ بِاللَّفْظِ وَالمَعْنَى» (^١):
تصدَّرتْ مسألةُ الرِّوايةِ بالمعنى الأهميَّةَ بالنِّسبةِ لعلمِ الحديثِ روايةً، لمَا لهَا مِنْ أثرٍ بالغٍ في فهمِ المرادِ منَ الحديثِ، ولمَا يترتَّبُ عليهَا منْ اختلافٍ والتباسٍ في الألفاظِ، يُؤدِّي إلى اختلافٍ في الدَّلائلِ والأحكامِ.
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ الرِّوَايَةِ بِالمَعْنَى، وَالفَرْقُ بَينَهَا وَبَينَ التَّصْحِيفِ:
الرِّوايةُ بالمعنى: هيَ تغييرُ اللَّفظِ معَ بقاءِ المعنى واحدًَا. قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «شَرْطُ الرِّوَايَةِ بِالمَعْنَى أَنْ يَتَّفِقَ المَعْنَى فِي اللَّفْظَينِ» (^٢).
وقدْ تبيَّنَ في مبحثِ «التَّصحيفِ في المتنِ» السَّابقِ (^٣)، أنَّ أحدَ أسبابِ التَّصحيفِ: الرِّوايةُ بالمعنى، إذَا رواهَا غيرُ عالمٍ بمَا يُحيلُ الألفاظَ.
والفرقُ بينَهُمَا أنَّ التَّصحيفَ: تغييرٌ في اللَّفظِ يُؤدِّي إلى تغييرٍ في المعنى.
_________________
(١) انظر العلل للترمذي ص ٧٤٦، والكفاية ص ١٩٨، ومقدمة ابن الصلاح، واختصار علوم الحديث ٢/ ٤١٩، والمنهل الروي ص ٩٩، وجامع الأصول ١/ ٩٧، والتقريب ص ١٥، والشذا الفياح ١/ ٣٦٧، والمقنع في علوم الحديث ١/ ٣٧٥، وفتح المغيث ٢/ ٢٤١. ومن المؤلفات المفردة: «الرواية بالمعنى وأثرها في الفقه الإسلامي» - د. عبد المجيد بيرم - طبع في مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة.
(٢) فتح الباري ٨/ ١٩٨.
(٣) انظر ص ٤٠٩.
[ ٤٧١ ]
المَطْلَبُ الثَّانِي: حُكْمُ الرِّوَايَةِ بِالمَعْنَى:
اختلفَ العلماءُ في جوازِ الرِّوايةِ بالمعنى اختلافًا كثيرًا، والمعتمدُ في ذلكَ هوَ قولُ جمهورِ العلماءِ مِنَ الفقهاءِ والمحدِّثينَ: بجوازِ الرِّوايةِ بالمعنى مِنْ مشتغلٍ بالعلمِ ناقدٍ لوجوهِ تصرُّفِ الألفاظِ، على ألَّا يكونَ الحديثُ مُتعبَّدًا بلفظِهِ، وألَّا يكونَ مِنْ جوامعِ كلمِ النَّبيِّ -ﷺ- (^١). قالَ التِّرمذيُّ «ت ٢٧٩ هـ»: «فَأَمَّا مَنْ أَقَامَ الإِسْنَادَ وَحَفِظَهُ وَغَيَّرَ اللَّفْظَ، فَإِنَّ هَذَا وَاسِعٌ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرِ المَعْنَى» (^٢).
_________________
(١) الإلماع للقاضي عياض ص ١٧٨.
(٢) العلل الصغير للترمذي ص ٧٤٦.
[ ٤٧٢ ]
المَطْلَبُ الثَّالثُ: أثرُ السَّبرِ في ضبطِ الحديثِ:
ضبطُ الحديثِ وإيرادُهُ باللَّفظِ أولى مِنْ روايتِهِ بالمعنى - وإنْ كانتْ جائزةً كمَا تقدَّمَ - لأنَّهُ أداءٌ للحديثِ بحروفِهِ كمَا سُمِعَ منهُ -ﷺ-، قالَ ابنُ الأثيرِ «ت ٥٤٤ هـ»: «فَالنَّقْلُ بِاللَّفْظِ عَزِيمَةٌ وَبِالمَعْنَى رُخْصَةٌ فِي بَعْضِ الأَخْبَارِ» (^١).
فإذَا كانَ تغييرُ اللَّفظِ يُؤدِّي إلى تغييرِ المعنى فهوَ التَّصحيفُ، وقدْ مرَّ بيانُهُ في المبحثِ السَّابقِ.
وإذَا كانَ تغييرُ اللَّفظِ بمعنىً مُرادفٍ يُفسِّرُ اللفظَ الأوَّلَ، فهوَ يدخلُ في تفسيرِ غريبِ الحديثِ - ما لمْ يكنْ مُدرجًَا مِنْ كلامِ الرُّواةِ - وسيأتي الكلامُ عليهِ في المبحثِ الآتي، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
وإذَا كانتِ الرِّوايةُ بالمعنى بلفظٍ مُرادفٍ يحملُ المعنى ذاتَهُ، فلا يترتَّبُ على ذلكَ شيءٌ، سوى التَّباينِ في الألفاظِ فحسبُ، مثالُ ذلكَ: حديثُ ابنِ عمرَ -﵁- أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ- قالَ: «الحُمَّى مِنْ فَيحِ جَهَنَّمَ، فَأَطْفِئُوهَا بِالمَاءِ».
قالَ ابنُ عبدِ البرِّ «ت ٤٦٣ هـ»: «وَلَفْظُ حَدِيثِ عَائِشَةَ -﵁-: «فَأَبْرِدُوهَا»، وَهَذَا عَلَى نَقْلِ الحَدِيثِ بِالمَعْنَى» (^٢).
_________________
(١) جامع الأصول ١/ ٩٩.
(٢) التمهيد لابن عبد البر ٢٢/ ٢٩٣، والحديث مخرج باللفظين في البخاري «ر ٥٣٩١»، و«ر ٥٣٩٢» وما بعدهما، ومسلم «ر ٢٢٠٩»، وما بعده.
[ ٤٧٣ ]
وقدْ يروي بعضُ الرُّواةِ الحديثَ بالمعنى على وجهٍ يَظنُّ أنَّهُ أدَّى المطلوبَ منهُ، ولكنْ بمقارنةِ روايتِهِ برواياتِ غيرِهِ يظهرُ قُصُورُهُ في تأديةِ المعنى الصَّحيحِ (^١)، ممَّا يترتَّبُ عليهِ اختلافٌ في الأحكامِ والدَّلائلِ، قالَ السَّخاويُّ «ت ٩٠٢ هـ»: «أَلَا تَرَى إِلَى إِسْمَاعِيلَ بنِ عُلَيَّةَ كَيفَ أَنْكَرَ عَلَى شُعْبَةَ - مَعَ جَلَالَتِهِ وَإِتْقَانِهِ - رِوَايَتَهُ بِالمَعْنَى عَنْهُ بِحَدِيثِ النَّهْيِ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ، بِلَفْظِ: «نَهَى عَنِ التَّزَعْفُرِ» الدَّالِّ عَلَى العُمُومِ. حَيثُ لَمْ يَفْطَنْ لِمَا فَطِنَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ الذِي رِوَايَةُ شُعْبَةَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ الأَكَابِرِ عَنِ الأَصَاغِرِ مِنْ اخْتِصَاصِ النَّهْيِ بِالرِّجَالِ» (^٢).
وهنَا تظهرُ فائدةُ السَّبرِ والمقارنةِ وإيرادِ المتونِ المختلفةِ، وممَّنِ اعتنى بذلكَ الإمامُ مسلمٌ ﵀، حيثُ ميَّزَ في صحيحِهِ اختلافَ الرُّواةِ حتَّى في حرفٍ مِنَ المتنِ، وربَّمَا كانَ لا يتغيَّرُ بهِ معنىً، وربَّمَا كانَ في بعضِهِ اختلافٌ في المعنى، ولكنَّهُ خفاءٌ لا يتفطَّنُ لهُ إلَّا مَنْ هوَ في العلمِ بمكانٍ (^٣). ويكونُ إبرازُ الصَّوابِ منْ غيرِهِ منْ خلالِ القرائنِ والمرجِّحاتِ، مِنْ ذلكَ:
أولًا: الأكثرُ عددًَا: مثالُ ذلكَ حديثُ أبي هريرةَ -﵁-، أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ-، قالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا وَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». قالَ ابنُ حجرٍ «ت ٨٥٢ هـ»: «قَولُهُ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»، أَي: فَأَكْمِلُوا: هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي رِوَايَة الزُّهْرِيِّ، وَرَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ عُيَينَةَ بِلَفْظِ «فَاقْضُوا»» (^٤).
_________________
(١) ولأجل هذا قال القاضي عياضٌ: «ينبغي سد باب الرواية بالمعنى، لئلا يتسلط من لا يحسن، ظنا منه أنه يحسن، كما وقع لكثير من الرواة قديمًا وحديثًا». انظر الغاية في شرح الهداية ص ١١٤.
(٢) فتح المغيث ٢/ ٢٤١.
(٣) المصدر ذاته ٢/ ٢٤٤.
(٤) فتح الباري ٢/ ١١٨.
[ ٤٧٤ ]
قالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «وَالذِينَ قَالُوا: «فَأَتِمُّوا» أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ وَأَلْزَمُ لِأَبِي هُرَيرَةَ -﵁- فَهُوَ أَولَى» (^١).
ثانيًا: الأضبطُ أو أنْ يكونَ الرَّاوي ممَّنْ لا يرى الرِّوايةَ بالمعنى: فتُرجَّحُ روايتُهُمَا على روايةِ مَنْ هوَ أقلُّ ضبطًَا، أو كانَ ممَّنْ يرى الرِّوايةَ بالمعنى، قالَ ابنُ عونٍ (^٢) «ت ١٥١ هـ»: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ يَاتُونَ بِالحَدِيثِ عَلَى المَعَانِي، وَكَانَ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ ابنُ سِيرِينَ وَرَجَاءُ بنُ حَيَوَةَ يُقَيِّدُونَ الحَدِيثَ عَلَى حُرُوفِهِ» (^٣)، وقدْ نقلَ الأبناسيُّ «ت ٨٠٢ هـ» عَنِ الحازميِّ في كتابِهِ «الاعتبارُ في النَّاسخِ والمنسوخِ» هذَا الوجهَ مِنْ وجوهِ التَّرجيحِ، فقالَ: «العِشْرُونَ: كَونُ رَاوِيهِ لَا يُجِيزُ الرِّوَايَةَ بِالمَعْنَى» (^٤). وقالَ الصَّنعانيُّ «ت ١١٨٢ هـ» في بيانِ وجوهِ التَّرجيحِ: «أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَينِ لَا يُجِيزُ الرِّوَايَةَ بِالمَعْنَى، فَإِنَّ رِوَايَتَهُ أَرْجَحُ» (^٥).
مثالُ ذلكَ حديثُ أبي هُريرةَ -﵁- في كفَّارةِ الإفطارِ في رمضانَ، فقدِ اختُلِفَ على الزُّهريِّ في روايتِهِ، فروى بعضُ الرُّواةِ الكفَّاراتِ «العتقَ أو الصِّيامَ أو الإطعامَ» على التَّخييرِ، ورواهَا غيرُهُمْ على التَّرتيبِ، قالَ البيهقيُّ «ت ٤٥٨ هـ»: «وَرِوَايَةُ الجَمَاعَةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُقَيَّدَةٌ بِالوَطْءِ، نَاقِلَةٌ لِلَفْظِ صَاحِبِ الشَّرْعِ، أَولَى بِالقَبُولِ لِزِيَادَةِ حِفْظِهِمْ،
_________________
(١) سنن البيهقي ٢/ ٢٩٨.
(٢) عبد الله بن عون بن أرطبان، المزني، البصري، «… - ١٥١ هـ»، من حفاظ الحديث. تذكرة الحفاظ ١/ ١٥٦.
(٣) انظر العلل للترمذي ص ٧٤٦.
(٤) الشذا الفياح ٢/ ٤٧٣.
(٥) توضيح الأفكار ٢/ ٢٣١.
[ ٤٧٥ ]
وَأَدَائِهِمُ الحَدِيثَ عَلَى وَجْهِهِ، كَيفَ وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بنُ مَسْعَدَةَ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَ رِوَايَةِ الجَمَاعَةِ» (^١).
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في ضبطِ الحديثِ وترجيحِ روايةِ الألفاظِ على الرِّوايةِ بالمعنى منْ خلالِ حديثِ أبي هريرةَ -﵁-، أنَّ رسولَ اللهِ -ﷺ-، قالَ: «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». السَّابقِ، نُبيِّنُهُ بمزيدِ تفصيلٍ:
* روى هذَا الحديثَ الزُّهريُّ، عنْ سعيدِ بنِ المسيَّبِ وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أبي هُريرةَ -﵁-، مرفوعًَا (^٢)، بلفظِ: "فَأَتِمُّوا" جمعٌ منَ الرُّواةِ، منهُمْ:
ابنُ أبي ذئبٍ (^٣) عندَ البخاريِّ «ر ٦١٠».
وإبراهيمُ بنُ سعدٍ (^٤) عندَ مسلمٍ «ر ٦٠٢»، وابنِ ماجةَ «ر ٧٥٥».
وشعيبُ بنُ أبي حمزةَ (^٥) عندَ البخاريِّ «ر ٨٦٦».
وعُقيلُ بنُ خالدٍ الأيليُّ (^٦) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٩٨٣٤».
_________________
(١) سنن البيهقي ٤/ ٢٢٥.
(٢) انظر تفصيل طرق الحديث في العلل للدارقطنيِّ ٩/ ٣٢٩.
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٤٠.
(٤) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، أبو إسحاق المدني، «ت ١٨٥ هـ»، ثقة حجة، تكلم فيه بلا قادح، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ١٧٧».
(٥) شعيب بن أبي حمزة الأموي، أبو بشر الحمصي، «ت ١٦٢ هـ»، ثقة، من أثبت الناس في الزهري، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٧٩٨».
(٦) عُقيل بن خالد بن عَقيل الأيلي، أبو خالد الأموي، «ت ١٤٤ هـ»، ثقة ثبت، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٦٦٥».
[ ٤٧٦ ]
وسفيانُ بنُ عيينةَ (^١) عندَ مسلمٍ «ر ٦٠٢»، والدَّارِميِّ «ر ١٢٨٢».
ومحمَّدُ بنُ أبي حفصةَ (^٢) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٧٢٥١».
ومعمرُ بنُ راشدٍ (^٣) عندَ التِّرمذيِّ «ر ٣٢٧»، وابنِ حنبلٍ «ر ٧٦٤٩».
ويونسُ بنُ يزيدٍ الأيليُّ (^٤) عندَ أبي داودَ «ر ٥٧٢».
وعبدُ الرَّزَّاقِ الصَّنعانيُّ (^٥) في مصنَّفِهِ «ر ٣١٠٢».
* ورواهُ عنِ الزُّهريِّ بلفظِ "فَاقْضُوا":
سفيانُ بنُ عيينةَ (^٦) عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٧٢٤٩»، والنَّسائيِّ «ر ٨٦١»، وابنِ أبي شيبةَ «ر ٧٤٠٠»، والحُميديِّ «ر ٩٣٥».
ومعمرُ بنُ راشدٍ عندَ ابنِ حنبلٍ «ر ٧٦٥١»، وعبدِ الرَّزَّاقِ «ر ٣٣٩٩».
قالَ أبو دَاوُدَ «ت ٢٧٥ هـ»: «كَذَا قَالَ الزُّبَيدِيُّ، وابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ، وَمَعْمَرٌ، وَشُعَيبُ بنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ٢٣٠.
(٢) تقدمت ترجمته ص ٣٢٦.
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٣٢.
(٤) تقدمت ترجمته ص ٢٤٠.
(٥) عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، أبو بكر الصنعاني، «ت ٢١١ هـ»، ثقة حافظ، مصنف، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٤٠٦٤».
(٦) تقدمت ترجمته ص ٢٣٠.
[ ٤٧٧ ]
وَقَالَ ابْنُ عُيَينَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَحْدَهُ: «فَاقْضُوا» (^١).
وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-. وَجَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-: «فَأَتِمُّوا». وابْنُ مَسْعُودٍ -﵁-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-. وَأَبُو قَتَادَةَ -﵁-، وَأَنَسٌ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- كُلُّهُمْ قَالُوا: «فَأَتِمُّوا»» (^٢).
وعلى هذَا فضبطُ الحديثِ يقومُ على مقارنةِ المتونِ بعضِهَا ببعضٍ، فقدْ يُروى الحديثُ على المعنى، وبالسَّبرِ والمقارنةِ يتَّضحُ اللَّفظُ الأصليُّ لهُ، ويكونُ التَّرجيحُ للقرائنِ واستنادًَا على قوَّةِ الإسنادِ وضعفِهِ.
* * *
_________________
(١) مرَّ أنَّ معمرًا تابع ابن عيينة على هذا اللفظ، كما إنَّ ابن عيينة ومعمرًا رويا الحديث على اللفظ تارة، وعلى المعنى أخرى.
(٢) سنن أبي داود ١/ ١٥٦.
[ ٤٧٨ ]
المَبْحَثُ التَّاسِعُ: مَعْرِفَةُ غَرِيبِ الحَدِيثِ: (^١)
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ غَرِيبِ الحَدِيثِ:
لغةً: الغريبُ: الغامضُ والخفيُّ منَ الكلامِ (^٢).
اصطلاحًا: ما وقعَ في متونِ الأحاديثِ منَ الألفاظِ الغامضةِ، البعيدةِ منَ الفهمِ (^٣).
_________________
(١) انظر مقدمة ابن الصلاح ص ٢٧٢، ورسوم التحديث ص ٩٤، والشذا الفياح ٢/ ٤٥١، وفتح المغيث ٣/ ٤٧، تدريب الراوي ٢/ ١٨٤، وشرح نخبة الفكر للقاري ص ٥٠٢، واليواقيت والدرر ٢/ ١٢٥.
(٢) انظر لسان العرب - مادة «غرب» ١/ ٦٤٠.
(٣) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٧٢.
[ ٤٧٩ ]
المَطْلَبُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ غَرِيبِ الحَدِيثِ:
عنيَ العلماءُ بشرحِ غريبِ الحديثِ عنايةً فائقةً، قالَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ»: «هَذَا فَنٌّ مُهِمٌّ، يَقْبُحُ جَهْلُهُ بِأَهْلِ الحَدِيثِ خَاصَّةً، ثُمَّ بِأَهْلِ العِلْمِ عَامَّةً» (^١).
ولأجلِ هذَا فلمْ يخلُ عصرٌ ممَّنْ أفردَ غريبَ الألفاظِ بالتَّصنيفِ، حتَّى جاءَ الإمامُ ابنُ الأثيرِ «ت ٦٠٦ هـ» فصنَّفَ كتابَ «النِّهايةِ في غريبِ الحديثِ» جمعَ فيهِ ما تفرَّقَ في غيرِهِ (^٢).
وقدْ بيَّنَ ابنُ الصَّلاحِ «ت ٦٤٣ هـ» أنَّهُ لا ينبغي أنْ يُقلَّدَ مِنْ كتبِ غريبِ الحديثِ إلَّا مَا كانَ مُصنِّفوهَا مِنَ الأئمَّةِ الأجلَّاءِ (^٣).
وقدْ أجمعتْ كُتبُ أُصولِ الحديثِ على أنَّ أقوى ما يُعتمدُ عليهِ في تفسيرِ غريبِ الحديثِ أنْ يُظفرَ بِهِ مُفسَّرًَا في بعضِ رواياتِ الحديثِ، قالَهُ ابنُ الصَّلَاحِ «ت ٦٤٣ هـ» (^٤).
وقالَ النَّوويُّ «ت ٦٧٦ هـ»: «إِنَّ أَصَحَّهُ مَا جَاءَ مُفَسَّرًَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِنْ كَانَ» (^٥).
_________________
(١) المصدر ذاته.
(٢) قال شيخنا محمد عجاج - حفظه الله -: «وهذا الكتاب من أجمع وأشهر ما صنف في غريب الحديث، وهو ثمار جهود العلماء قبل ابن الأثير». لمحات في المكتبة والبحث والمصادر ص ٢٠٥. والكتاب طبع في المكتبة العلمية - بيروت - ١٩٧٩ م - في خمس مجلدات - بتحقيق: طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي.
(٣) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٧٢.
(٤) المصدر السابق.
(٥) التقريب ص ١٩.
[ ٤٨٠ ]
وقالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «وَأَجْوَدُ تَفْسِيرِهِ مَا جَاءَ مُفَسَّرًَا بِهِ فِي رِوَايَةٍ» (^١).
وبذلكَ تبرزُ أهميَّةُ السَّبرِ وتتبُّعُ طُرقِ الحديثِ والمقارنةُ بينَ متونِهِ في تفسيرِ غريبِ الحديثِ، وأنَّهُ العمدةُ في ذلكَ، وقدْ تقدَّمَ كلامُ الإمامِ ابنِ حنبلٍ «ت ٢٤١ هـ»: «الحَدِيثُ إِذَا لَمْ تُجْمَعْ طُرُقُهُ لَمْ تَفْهَمْهُ، وَالحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًَا» (^٢).
ومنْ أشهرِ أمثلةِ ذلكَ: حديثُ ابنِ صيَّادٍ، أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- قالَ لهُ: «قَدْ خَبَاتُ لَكَ خَبِيئًَا. قَالَ: الدُّخُ. قَالَ: اِخْسَا، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ».
قالَ ابنُ الصَّلاحُ «ت ٦٤٣ هـ»: «فَهَذَا خَفِيَ مَعْنَاهُ وَأُعْضِلَ، وَفَسَّرَهُ قَومٌ بِمَا لَا يَصِحُّ، وَفِي مَعْرِفَةِ عُلُومِ الحَدِيثِ لِلْحَاكِمِ: «أَنَّهُ الدَّخُ»، بِمَعْنَي الزَّخُ الذِي هُوَ الجِمَاعُ، وَهَذَا تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ يَغِيظُ العَالِمَ وَالمُؤْمِنَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-، قَالَ لَهُ: قَدْ أَضْمَرْتُ لَكَ ضَمِيرًَا، فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: الدُّخُ، بِضَمِّ الدَّالِ، يَعْنِي الدُّخَانَ، وَالدُّخُ: هُوَ الدُّخَانُ فِي لُغَةٍ. إِذْ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ مَا نَصُّهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِنِّي قَدْ خَبَأتُ لَكَ خَبِيئًَا، وَخَبَأَ لَهُ يَومَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ … وَهَذَا ثَابِتٌ صَحِيحٌ، خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيرُهُ» (^٣).
وإليكَ بيانُ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ غريبِ الحديثِ، وتفسيرِ الرِّواياتِ بعضِهَا ببعضٍ، منْ خلالِ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ -﵁-، أنّ رسولَ اللهِ -ﷺ-، قالَ: «الأَيِّمُ أَحَقُّ
_________________
(١) تدريب الراوي ص ١٨٦.
(٢) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٢١٢.
(٣) مقدمة ابن الصلاح ص ٢٧٤.
[ ٤٨١ ]
بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالبِكْرُ تُسْتَاذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صِمَاتُهَا». مدارُ هذَا الحديثِ على عبدِ اللهِ بنِ الفَضلِ (^١)، عنْ نافعِ بنِ جُبيرٍ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ -﵁-، عنِ النَّبيِّ -ﷺ-.
* وقدْ رواهُ بلفظِ «الأَيِّمِ» الإمامُ مالكٌ في الموطَّأِ «ر ١٠٩٢»، وعندَ مسلمٍ «ر ١٤٢١»، وأبي داودَ «ر ٢٠٩٨»، والتِّرمذيِّ «ر ١١٠٨»، والنَّسائيِّ «ر ٣٢٦٠»، وغيرِهِمْ.
وتابعَهُ الثَّوريُّ (^٢) عندَ عبدِ الرَّزَّاقِ في مصنَّفِهِ «ر ١٠٢٨٢».
ومحمَّدُ بنُ إسحاقَ (^٣) عندَ ابنِ أبي شيبةَ «ر ١٥٩٦٩».
قالَ الدَّارقطنيُّ «ت ٣٨٥ هـ»: «وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ الفَضْلِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا» مِنْهُمْ شُعْبَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ دَاوُدَ الخُرَيبِيُّ، وَسُفْيَانُ بنُ عُيَينَةَ، وَيَحْيَى بنُ أَيُّوبَ المِصْرِيُّ، وَغَيرُهُمْ» (^٤). وساقَ الدَّارقطنيُّ الأسانيدَ للذينِ ذكرَهُمْ في سننهِ «ر ٧١»، وروايةُ شعبةَ عندَ أبي عَوَانةَ «ر ٤٢٥٣» أيضًا.
قالَ ابنُ بطَّالٍ (^٥) «ت ٤٤٩ هـ»: «المُرَادُ بِالأَيِّمِ فِي هَذَا الحَدِيثِ: الثَّيِّبُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا» مَكَانَ قَولِهِ: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا»» (^٦).
_________________
(١) عبد الله بن الفضل بن العباس الهاشمي، المدني، ثقة، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٣٥٣٣».
(٢) تقدمت ترجمته ص ٢٣٢.
(٣) تقدمت ترجمته ص ٢٩٥.
(٤) سنن الدارقطني ٣/ ٢٤٠.
(٥) علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، أبو الحسن، «… - ٤٤٩ هـ»، من علماء الحديث، من تصانيفه: «شرح البخاري». انظر الأعلام للزركلي ٤/ ٢٨٥.
(٦) شرح صحيح البخاري ٧/ ٢٥٣.
[ ٤٨٢ ]
* كمَا رُويَ مِنْ طريقِ زيادِ بنِ سعدٍ (^١) بالإسنادِ ذاتِهِ، بلفظِ «الثَّيِّبُ» بدلَ «الأَيِّمُ»، عندَ الإمامِ مسلمٍ «ر ١٤٢١»، وأبي داودَ «ر ٢٠٩٩»، والنَّسائيِّ «ر ٣٢٦٤»، والحميديِّ «ر ٥١٧».
وبذلكَ تبرزُ أهميَّةُ اعتمادِ السَّبرِ والمقارنةِ بينَ الرِّواياتِ في تفسيرِ غريبِ ألفاظِ الحديثِ لأنَّهُ قدْ يكونُ مرادُ الألفاظِ في الحديثِ شرعيًّا لا لُغويًّا، كمَا بينَ ذلكَ السَّخاويُّ (^٢).
وكذلكَ فأهميَّةُ بيانِ الغريبِ تكمنُ في التَّرجيحِ بينَ اختلافاتِ الفقهاءِ في الأحكامِ الذي تُسبِّبهُ الاختلافاتُ في تفسيرِ معاني الغريبِ، فالخلافُ بينَ «الثَّيِّبِ» و«الأَيِّمِ» يترتَّبُ عليهِ الاختلافُ في اشتراطِ الوليِّ في صحَّةِ نكاحِ البكرِ البالغةِ (^٣).
* * *
_________________
(١) زياد بن سعد الخراساني، ثقة ثبت، من أثبت أصحاب الزهري، أخرج له الستة. انظر التقريب «ر ٢٠٨٠».
(٢) انظر فتح المغيث ٣/ ٤٥.
(٣) لتفصيل الخلاف بين المذاهب والترجيح، انظر الاجتهاد في علم الحديث وأثره في الفقه الإسلامي - د. علي البقاعي ص ٣٢٥.
[ ٤٨٣ ]
المَبْحَثُ العَاشِرُ: مَعْرِفَةُ أَسْبَابِ وُرُودِ الحَدِيثِ: (^١)
المَطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ أَسْبَابِ وُرُودِ الحَدِيثِ:
لغةً: أسبابٌ: جمعُ سببٍ، والسَّببُ: الحبلُ، وما يُتوصَّلُ بِهِ إلى غيرِهِ (^٢).
والورودُ: الموافاةُ إلى الشَّيءِ (^٣).
اصطلاحًَا: معرفةُ ما جرى الحديثُ في سياقِ بيانِ حكمِهِ وقتَ وقوعِهِ (^٤).
_________________
(١) انظر في أسباب ورود الحديث: محاسن الاصطلاح للبلقيني ٦٩٨ وما بعدها، ونخبة الفكر وشرحها للقاري ص ٨١٤، وتوجيه النظر ٢/ ٦٠٩، ومن الكتب المفردة في هذا الفن: «اللُّمع في أسباب الحديث» للسيوطي - طبع في دار المكتبة العلمية - بيروت - ١٩٨٤ م - تحقيق: يحيى إسماعيل أحمد. وكتاب: «البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث» لإبراهيم بن محمد الحسيني - المعروف: بابن حمزة «ت ١١٢٠ هـ» - طبع في دار الكتاب العربي - بيروت - ١٤٠١ هـ - تحقيق: سيف الدين الكاتب. وهذا الأخير هو أوسع ما صنِّف في هذا الفن. وقد ألف الدكتور طارق الأسعد كتابًا أسماه «علم أسباب ورود الحديث - وتطبيقاته عند المحدثين والأصوليين» - وأصله رسالة دكتوراة - طبع في دار ابن حزم - بيروت - ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠١ م.
(٢) انظر القاموس المحيط - مادة «سبب» ١/ ٨٣.
(٣) انظر معجم مقاييس اللغة ٦/ ١٠٥.
(٤) علم أسباب ورود الحديث ص ١٩.
[ ٤٨٤ ]
المَطْلَبُ الثَّانِي: أَثَرُ السَّبْرِ فِي مَعْرِفَةِ أَسْبَابِ وُرُودِ الحَدِيثِ:
لمعرفةِ أسبابِ ورودِ الأحاديثِ أهميَّةٌ عظيمةٌ عندَ المحدِّثينَ والفقهاءِ على حدٍّ سواءٍ، لأنَّهُ بمثابةِ معرفةِ أسبابِ النُّزولِ مِنَ القرآنِ الكريمِ، وبِهِ يُفهمُ الحديثُ (^١).
وقدْ يأتي سببُ الورودِ في سياقِ الحديثِ ذاتِهِ، أو في بعضِ طرقِهِ، وقدْ يكونُ منْ طريقِ الصَّحابيِّ نفسِهِ، بأنْ يرويهِ بعضُ الرُّواةِ مُختصرًَا، ثمَّ يرويهِ غيرُهُ مُطوَّلًا أو بتمامِهِ، وقدْ يكونُ الحديثُ بتمامِهِ - معَ سببِ ورودِهِ - منْ طريقِ صحابيٍّ آخرَ.
وهنَا تظهرُ فائدةُ السَّبرِ وتتبُّعِ الطُّرقِ في الكشفِ عنْ سببِ ورودِ الحديثِ، قالَ البَلقينيُّ «ت ٨٠٥ هـ»: «وَاعْلَمْ أَنَّ السَّبَبَ قَدْ يُنْقَلُ فِي الحَدِيثِ، كَمَا فِي حَدِيثِ سُؤَالِ "جِبْرِيلَ" عَنِ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ وَالإِحْسَانِ وَغَيرِهَا … وَقَدْ لَا يُنْقَلُ السَّبَبُ فِي الحَدِيثِ، أَوْ يُنْقَلُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، فَهُوَ الذِي يَنْبَغِي الاِعْتِنَاءُ بِهِ» (^٢).
_________________
(١) وقد عدد الدكتور طارق الأسعد ستة فروع في فوائد معرفة سبب ورود الحديث، وهي: =
(٢) معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم.
(٣) تخصيص الحكم به إذا ورد النص بصيغة العموم.
(٤) تقييد الحكم به إذا ورد النص بصيغة الإطلاق.
(٥) تعيين المجمل فيما يقع به البيان في النصوص.
(٦) تعليل المتن به إذا أُدِّي بألفاظ تحيل الحديث عن معناه المراد منه.
(٧) تحديد النسخ في الأخبار، ومعرفة المتقدم على المتأخر من الأحاديث. انظر علم أسباب ورود الحديث ص ٣٢ - ٨٧.
(٨) محاسن الاصطلاح ص ٦٩٨.
[ ٤٨٥ ]
ومنهجُ السَّبرِ والتَّتبعُ في الكشفِ عنْ أسبابِ ورودِ الحديثِ هوَ منهجُ كلٍّ مِنَ السُّيوطيِّ في كتابِهِ «اللُّمعُ في أسبابِ ورودِ الحديثِ»، وابنِ حمزةَ في كتابِهِ «البيانُ والتَّعريفُ في أسبابِ ورودِ الحديثِ الشَّريفِ»، حيثُ يُوردانِ الحديثَ مُختصرًَا، ثمَّ مَنْ أخرجَهُ مِنَ أصحابِ الكتبِ الحديثيَّةِ مُطوَّلًا بسياقِ سببِ ورودِهِ، قالَ السُّيوطيُّ «ت ٩١١ هـ»: «حَدِيثٌ: أَخْرَجَهُ الأَئِمَّةُ السِّتَّةُ (^١)، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁-، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأتُوهَا وَأَنتُمْ تَسْعَونَ، وَلَكِنْ ائْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ، وَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» …
سَبَبٌ: أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (^٢)، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَينَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَاهُمْ، فَقَالَ: مَا شَانُكُمْ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! اِسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا سَبَقَكُمْ فَأَتِمُّوا» (^٣).
وقالَ ابنُ حمزةَ (^٤) «ت ١١٢٠ هـ»: «- «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيئًَا دَخَلَ الجَنَّةَ، فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ. قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ». أَخْرَجَهُ الشَّيخَانُ (^٥) عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ -﵁-».
_________________
(١) البخاري «ر ٨٦٦»، ومسلم «ر ٦٠٢»، وأبو داود «ر ٥٧٢»، والترمذي «ر ٣٢٧»، والنسائي «ر ٨٦١»، وابن ماجة «ر ٧٧٥».
(٢) مسند أحمد «ر ٢٢٦٦١»، والبخاري «ر ٦٠٩»، ومسلم «ر ٦٠٣».
(٣) اللمع في أسباب ورود الحديث ص ٤٠.
(٤) إبراهيم بن محمد بن محمد بن كمال الدين، برهان الدين بن حمزة، الحسيني، الدمشقي، «١٠٥٤ هـ - ١١٢٠ هـ»، محدث، نحوي، من تصانيفيه: «البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث». انظر الأعلام ١/ ٦٨.
(٥) البخاري «ر ١١٨٠»، ومسلم «ر ٩٤».
[ ٤٨٦ ]
ثمَّ قالَ: «سَبَبُهُ كَمَا فِي البُخَارِيِّ (^١)، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مَرَّةً فِي المَدِينَةِ، فَاسْتَقْبَلْنَا أُحُدًَا … ثُمَّ قَالَ: مَكَانَكَ. لَا تَبْرَحْ حَتَّى آَتِيكَ، ثُمَّ انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيلِ حَتَّى تَوَارَى، فَسَمِعْتُ صَوتًَا قَدِ ارْتَفَعَ، فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ عَرَضَ لَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَّبِعَهُ، فَذَكَرْتُ قَولَهُ: لَا تَبْرَحُ، فَلَمْ أَبْرَحْ حَتَّى أَتَانِي. فَقُلْتُ: سَمِعْتُ صَوتًَا تَخَوَّفْتُ مِنْهُ. قَالَ: وَهَلْ سَمِعْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَانِي فَبَشَّرَنِي». فَذَكَرَهُ» (^٢).
والنَّاظرُ في صحيحي البخاريِّ ومسلمٍ يجدُ أنَّ مِنْ فوائدِ تكرارِهِمَا للأحاديثِ، إيرادُها على الاختصارِ تارةً، وعلى التَّمامِ أُخرى بسياقِ سببِ الوُرودِ، كمَا ظهرَ جليًَّا في المثالينِ السَّابقينِ، وفي هذينِ المثالينِ اكتفاءٌ ببيانِ أثرِ السَّبرِ وتتبُّعِ الأحاديثِ في معرفةِ سببِ ورودِ الحديثِ والكشفِ عنهُ، وأمَّا ما يترتَّبُ عليه منْ فوائدَ فقهيةٍ فمحلُّهُ كتبُ الفقهِ والأحكامِ.
وبتمامِ هذَا المبحثِ أكونُ - بتوفيقٍ منَ اللهِ وكرمِهِ ﷻ - قدْ انتهيتُ منْ مباحثِ أثرِ السَّبرِ في معرفةِ أنواعِ علومِ الحديثِ المتعلِّقةِ بالمتنِ، وكذلكَ أثرُهُ في معرفةِ أنواعِ علومِ الحديثِ المتعلِّقةِ بالسَّندِ، نخلصُ مِنْ كلُّ ذلكَ إلى أنَّ السَّبرَ وجمعَ الطُّرقِ هوَ الآليَّةُ الرَّئيسةُ للكشفِ عنْ عللِ الحديثِ وإبرازِ فوائدِهِ في المتنِ والإسنادِ، وهوَ العمودُ الفقريُّ الذي عليهِ مدارُ علمِ الحديثِ درايةً كمَا جسَّدَهُ صنيعُ المحدِّثينَ.
وآخرُ دعوانَا إنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ
والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدنَا محمَّدٍ
وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ
* * *
_________________
(١) البخاري «ر ٦٠٧٩».
(٢) البيان والتعريف ١/ ١٥.
[ ٤٨٧ ]