في مطلع عصرنا الحديث ومنذ أول القرن الرابع عشر الهجري أعاد
_________________
(١) " تذكرة الحفاظ " للذهبي: ص ٤٣١، ٤٣٢.
[ ١٥٦ ]
التاريخ نفسه باحتكاك العالم الإسلامي الراقد في سِنَةِ الغَفْوَةِ مع الشرق والغرب، ونتيجة الصِدَامِ العَسْكَرِيِّ، ومحاولات الاستعمار للغزو الفكري الذي يفوق في الواقع فِي خُبْثَهُ وَخَطَرِهِ كل خطر فأخذت تَتَرَدَّدُ منذ ذلك الوقت وتتكرر دسائس وأباطيل حول السُنَّةِ أثارها مستشرقون مغرضون متحاملون، وَتَلَقَّفَهَا، وَيَا لِلأَسَفِ بعض أبنائنا من المُنْبَهِرِينَ بحضارة الأجنبي وَالمُغْتَرِّينَ بزخارفها وزينتها، وصاروا يدندنون بما تلقفوا من آراء بعض المُسْتَشْرِقِينَ المُتَحَامِلِينَ وَيُرَدِّدُونَ، دون علم منهم بما في هذه المقالات من عظيم البُهْتَانِ وَزَيْفِ البَاطِلِ المُخْتَلَقِ أَوْ تَوَهُّمٍ وَوِسْوَاسِ الجَاهِلِ بِأَمْرِ هَذَا العِلْمْ ومنهجه المتعمق والمتكامل.
وقد نهض علماء الإسلام في هذا العصر أَيْضًا بواجبهم وَتَصَدُّوا لهذه المحاولات، وَصَنَّفُوا فِي الرَدِّ على هذه الأباطيل والافتراءات أَبْحَاثًا قَيِّمَةً مفيدة، أَدُّوا بها واجب الأمانة والعلم أجزل اللهُ مَثُوبَتَهُمْ وأينعت جهودهم ثِمَارًا عظيمة الفائدة أَمَدَّتْ مكتبة العلوم الإِسْلاَمِيَّة بِزَادٍ جديد على غاية الأهمية تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْهُمْ.
ونحن في موقفنا هنا نَوَدُّ أَنْ نتعرض لبعض قضايا هذه الإثارات تمس الحاجة إليها ولعلها قد ترددت هنا في آونة أخيرة في بعض المناسبات وهي استشكالات تختلف عن كثير مِمَّا نوقش وقدم الرَدَّ عليه لأنها تمس تكوين منهج المُحَدِّثِينَ بكليته وليست تقتصر على أمور جزئية منه.
وَأُلَخِّصُ هذه القضايا التي أَوَدُّ أَنْ أتناولها بالمناقشة بعبارات عن المستشرق اليهودي جولدتسهير المتحامل على الإسلام في الشرق والغرب، وتبعه ليون بورشيه في كتابه " دِرَاسَاتٌ في السُنَّةِ الإِسْلاَمِيَّة " مع بعض عبارات وأفكار مِمَّا صدر عن بعض الأقدمين وَالعَصْرِيِّينَ المُتَأَثِّرِينَ بالفلسفة اليونانية أو العقلية المادية.
[ ١٥٧ ]
أَوَّلًا: الشَكْلُ وَالمَضْمُونُ:
يَدَّعِي تْسِيهِرْ ومن معه أَنَّ فحص علماء الإسلام لِلْسُنَّةِ وَنَقْدِ الروايات يعتمد على النقد الخارجي فقط يريدون (نقد السند) دون النظر من حيث النقد الداخلى، يقصدون «نَقْدَ المَتْنِ» فعندما يقدم هذا الإسناد سلسلة متصلة لشيوخ جديرين بالثقة فَإِنَّ هذا الحديث يعتبر صَحِيحًا حتى لو كان قد نقل به فكرة مستحيلة تَدُلُّ على الكذب والبهتان.
ثَانِيًا: التَّنَاقُضُ بَيْنَ الأَحَادِيثِ:
وهو اِدِّعَاءٌ قديم وَجَّهَهُ إلى المُحَدِّثِينَ من لم يُمْعِنْ النظر في صنيعهم، ثم كَرَّرَ - المُسْتَشْرِقُونَ، وبعض من تَلَقَّى عنهم أو قرأ آراء أولئك السابقن، فزعم هؤلاء كلهم أَنَّ المُحَدِّثِينَ حملوا المتناقض من الروايات وَصَحَّحُوهَا، فإنه كما يقول بعض المُسْتَشْرِقِينَ، وضعت مبادىء شكلية زعم أصحاب الحديث أنها تستهدف تصحيح عِلَلِ الحديث، أي إزالة التعارض.
وقد اغْتَرَّ بهذا الزعم كَثِيرٌ مِمَّنْ لم يخبر واقع هذا العلم الدقيق وحقيقة أصول المُحَدِّثِينَ في مواجهة هذه المشكلة حَتَّى تَوَرَّطَ في ذلك بعض من لا ينبغي أَنْ يصدرعنه ذلك فاعترض على حديث «أَنَّ مُوسَى لَمَّا جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ صَكَّهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ»، وقال: «لَعَلَّ عِيسَى ضَرَبَهُ أَيْضًا فَفَقَأَ عَيْنَهُ الأُخْرَى؟؟».
ثَالِثًا: فِي تَطْبِيقِ المُحَدِّثِينَ لِمَنْهَجِ النَّقْدِ:
زعموا أَنَّ المُحَدِّثِينَ في حقل التطبيق لم يراعوا القواعد التي قََعَّدُوهَا لنقد الأحاديث بل إنهم مشوا أحاديث موضوعة مسفة جِدًّا والامتياز النبوي لمحمد هو وسيلة للتغلب على مثل هذه المشكلات فللبرهنة على أَنَّ أبا حنيفة هو أفضل فقيه من فقهاء الشريعة الدينية اخترع تلامذته الحديث التالي: «يَكُونُ
[ ١٥٨ ]
فِي أُمَّتِي يَوْمًا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسَيَكُونُ سِرَاجُ أُمَّتِي»، ولم يجهدوا مُطْلَقًا فِي أنْ يجعلوا الناس يُصَدِّقُونَ بأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قد ذكر فِعْلًا اسم العالم العراقي كذا قال جولدتسهير وتابعه ليون بورشيه.
هكذا تَكَلَّفَ هؤلاء الخوض في هذا العَلَمِ العظيم ثم راحوا يَتَطَفَّلُونَ على علم الحديث ينقدونه، وعلى المُحَدِّثِينَ يقترحون عليهم.
وَأَوَدُّ أَوَّلًا أَنْ أُنَبِّهَ إخواني إلى رأي في جملة مزاعم الناقدين لِلْمُحَدِّثِينَ ببيان تصنيفها العلمي، وذلك أنها بصورة إجمالية ليست أكثر من تخيلات أو أباطيل أو أوهام، إنها ليست من النوع الذي يرقى إلى ما يسميه العلماء في بحوثهم ومناقشاتهم «شُبْهَةٌ» لأنها ليست من نوع ما يشتبه على العقل الباحث الجاد، بأن يقع له دليل ضعيف يخلط فيه الناظر فيظنه قَوِيًّا، إنما هي تخيلات أو أوهام وبعضها مزاعم مُلَفَّقَةٌ فقد فضح تلفيقها أصحابها وغشاهم بِالخِزْيِ وَالخَيْبَةِ.
لكننا نتساءل هل نشأت هذه الأفكارعند هؤلاء لأنهم لم يفهموا منهج المُحَدِّثِينَ، أو أنهم فهموا ذلك فأرادوا أَنْ ينتهزوا غفلة الناس عن تكاسل بنيان علم الحديث وإحكام خِطَّتِهِ النقدية؟.