هذا بيان موجز قدمناه بين يدي المناقشة والنقد لما ذكرناه من الأوهام حول منهج المُحَدِّثِينَ، ومنه نرى أن عمل المُحَدِّثِينَ شامل لنقد السند والمتن على حد سواء، ونلمس بطلان ما يردد من أقاويل حول منهج المُحَدِّثِينَ وعملهم العلمي.
وَنُفَصِّلُ هذا بتفصيل الرد على المزاعم الثلاثة الأولى التي أوردناها فنقول:
أولًا - مسألة الشكل والمضمون في نقد الرواية:
إن الادعاء بأن فحص العلماء للحديث يقوم على نقد السند فقط ويقتصر عليه، لهو أشهر انتقادات المُسْتَشْرِقِينَ ومقلدتهم الذين يجترُّون أفكارهم ويرددونها ترداد الببغاء، ونلاحظ قبل المناقشة أن هؤلاء لا يعبرون باصطلاحات المُحَدِّثِينَ «سند»، «متن» بل يغيرون المصطلحات الإِسْلاَمِيَّة رغم دقتها ووضوح معناها، إلى مصطلحات سطحية غامضة، لا يدري القاريء معناها، مِمَّا ينم عن الغرض الذي في نفوسهم.
ثم بعد هذا البدء والإعادة منهم في هذا الزعم نجد أنه على شهرته أشد مزاعمهم ضعفا وأوضحها سقوطا، ومن الدليل على ما قلناه:
١ـ إِنَّ أيَّ طالب علم درس أَيَّ كتاب في مصطلح الحديث لو تفكر قليلا لتبين له سقوط هذا الادعاء وزيفه، لأننا نقرأ أيّ كتاب في مصطلح
[ ١٦٢ ]
الحديث فنجد في تعريف الحديث الصحيح والحسن أنه يشترط فيهما شرطان أساسيان لقبول الحديث هما: سلامته من أن يكون شَاذًّا أَوْ مُعَلًاّ، ثم ننظر في شرح التعريف فنجدهم يقولون: إن الشذوذ قسمان: شذوذ السند وشذوذ المتن، وكذلك العلة قسمان: علة في السند وعلة في المتن. وهي حقيقة مقررة يعرفها صغار طلبة العلم، فهل في الدنيا عاقل يصدق بعد هذا أنهم ينتقدون الإسناد فقط، ولا ينتقدون المتون.
٢ - إن نظرة إلى الصفحات الأولى من كتب هذا العلم لو كلف احدهم نفسه أن يمر بمكتبة ويتناول كتابًا في مصطلح الحديث ويقرأ قليلا من أوله، لوجد أمامه تعريف هذا العلم بما يبين حقيقة هذه القضية لأنه سيجدهم يُعَرِّفُونَهُ بِأَنَّهُ «عِلْمٌ بِقَوَانِينَ يُعْرَفُ بِهَا أَحْوَالَ السَّنَدِ وَالمَتْنِ مِنْ حَيْثُ القَبُولِ أَوْ الرَدِّ» (١).
فأين هي النظرة الشكلية التي تنظر للإسناد دون المتن أم أنهما قرينان لا ينفصل أحدهما عن الآخر في أي أصل من هذا العلم، وهل يا ترى لو اطلع قائل هذا الزعم على كتاب في أصول الحديث هل كان يجتريء أن يقول قولته؟ أم أن الأمر عنده سيان؟.
٣ - إنا نجد عند المُحَدِّثِينَ قاعدة أدق وأبلغ وهي قاعدة متفق عليها بينهم جميعا يقررون فيها: أنه قد يَصِحُّ السند ولا يصح المتن لِشُذُوذٍ أَوْ عِلَّةٍ، وقد يصح المتن ولا يصح السند لورود دلائل على صحة المتن من طرق أخرى، وهذا مُقَرَّرٌ في كل مراجع هذا الفن وليس هو من المعلومات النادرة وذلك يدل بما لا يدع مجالًا للشك على أَنَّ المُحَدِّثِينَ احتاطوا من النظرة الشكلية القاصرة، وأنهم احتاطوا لكل احتمال، وأعدوا له العدة في منهج موضوعي، شامل ومتعمق أَيْضًا
_________________
(١) انظر في " تدريب الراوي " للسيوطي: ص ٥.
[ ١٦٣ ]
٤ - نقول لهم بعد هذا: ما تظنون فيما أسميتموه النقد الخارجي؟ هل تظنونه تم واستكمل عند المُحَدِّثِينَ بعيدًا عن النظر والفحص للمتون وهذا الذي قلتم: «سلسلة شيوخ جديرين بالثقة، هذا الجدير بالثقة كيف كان جديرًا بها؟ هل حصل عليها بصك غفران أو لانتمائه إلى فئة معينة؟؟ أم أنه كما هو الواقع حاز على هذه الصفة (ثِقَةٌ) بأن اجتاز اختبارًا شاملًا لشخصيته لتحقيق صفة العدالة أو ما نسميه الآن الأمانة العلمية وصفة (الضَبْطِ) أو ما يمكن أن نسميه الكفاءة العلمية التي بها يكون على مستوى استيعاب الحديث وأدائه كما سمع.
في الواقع إن إثبات ثقة الرُوَّاةِ، وكونهم جديرين بالثقة هذا الذي استخف به جولدتسهير وَمُقَلِّدَتُهُ يرتبط المتون ارتباطًا قَوِيًّا لأن توثيق الراوي لا بد فيه من اختبار مروياته وعرضها على روايات الثقات فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو كانت له مخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه (ضَابِطًا) (١) وحكمنا له مع اتصافه بالعدالة بأنه (ثِقَةٌ).
وهذه كتب الجرح والتعديل مليئة بألفاظ الجرح للرواي بسبب الخطأ في مروياته مثل قولهم (فُلاَنٌ مُنْكَرُ الحَدِيثِ). (يَرْوِي المَنَاكِيرَ). (يَرْوِي الغَرَائِبَ). (رَوَى حَدِيثًا بَاطِلًا). (رِوَايَاتُهُ وَاهِيَةٌ). وغير ذلك كثير يدل على أن المُحَدِّثِينَ كانوا في الاحتياط أبلغ مِمَّا يريده المتطفلون عليهم.
على أنا بعد هذا نرجو أَنْ لاَ يُتَوَهَّمَ من نقاشنا أننا نغض من نقد السند، أو هموم الرُوَّاةِ، بل إن للسند قيمته التي لاَ تُجْحَدُ وَلاَ تُنْكَرُ في
_________________
(١) " علوم الحديث " لابن الصلاح: ص ١٠٦. وانظر الفكرة في " مقدمة صحيح مسلم ".
[ ١٦٤ ]
ميزان النقد، وهو الخصوصية التي اختص اللهُ بها النقد الإسلامي على مناهج النقد في الدنيا، في قديم عصورنا وفي حديثها فإن هذا السند لا ينقل كَلاَمًا عَادِيًّا عن شخص عادي، بل ينقل عن صاحب الوحي الذي يُبَلِّغُ عن اللهِ تعالى، فَأَمْرُهُ هُوَ أَمْرُ اللهِ، وَنَهْيُهُ هُوَ نَهْيُ اللهِ، فمن البَدَهِيِّ أن نقول لمن يروي شَيْئًا من الحديث، مَا سَنَدُكَ فِي نَقْلِ هَذَا الكَلاَمِ.
بل أننا لنعتز بعناية علمائنا بنقد الأسانيد، بل بتقديم نقد الأسانيد على المتون في كثير من المواضع، وذلك لأن المتن في كثير من الأحيان ربما لا يشتمل على دلائل توحي بشيء يستدل به على صحة النص أو سقمه مِمَّا يجعل نقد السند متعينا وَمُقَدَّمًا لا محالة، على حين تبقى أفكار الناقد غير المسلم في مثل هذا الوضع حائرة في احتمالات الحدس والتخمين، أو ضالة في المتاهات واتجاهات الظنون والتخيلات.
ثَانِيًا - ادِّعَاءُ التَّعَارُضِ وَالاسْتِشْكَالِ عَلَى الأَحَادِيثِ:
لقد سبق أن واجه المُحَدِّثُونَ منذ القدم هذا الزعم، وعالجوه بالقواعد والقوانين الكافلة بوضع الأمر في نصابه مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ ادِّعَاءَ التعارض بالقواعد والقوانين إنما يأتي من عدم الفهم، أو من قلة التدبر في حقيقة المراد من النص، بل قد وجدنا أكثر من واحد يُورِدُونَ التعارض بين أحاديث لا أصل لها البتة، أو يعارضون حديثًا صحيحًا بحديث مختلق مصنوع.
وَنُفَضِّلُ الجَوَابَ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَلِي:
١ - إن ادِّعَاءَ التعارض أو الاستشكال على النصوص ليس بالأمر الصعب مهما بلغت من الدقة والإحكام ما دام فيها ما ليس منه بُدٌّ، من عام
[ ١٦٥ ]
وَخَاصٌّ مُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَمُطْلَقٌ وَمُقُيِّدٌ يُقَيِّدُهُ، وَمُجْمَلٌ وَمُفَسِّرٌ يُفَسِّرُهُ. فهل يقبل هؤلاء المعترضون أن يطبق عليهم حكمهم ونترك كلامهم اللجلج، وَهَلاَّ وسعتهم الأحاديث الضخمة المحكمة التي لا إشكال فيها ولا سؤال، إذن لوجدوا ما يملأ ساحة التشريع والفكر.
٢ - إِنَّ المُحَدِّثِينَ قد تبعوا قواعد وشروطًا لعلاج مشكلة ما يظن فيه تعارض مع نص آخر أو إشكال، وهذه القواعد والشروط هي من صميم نهج نقدهم، تتصل اتصالًا وثيقًا بشروط قبول الحديث ذاتها ويتفرع عليها أنواع من علوم الحديث، مثل الشاذ، المحفوظ، المنكر، المعروف، الناسخ، المنسوخ، المضطرب، المُعَلَّلُ، ومختلف الحديث.
تفصيل ذلك:
إن الحديث المقبول إذا عارضه حديث ضعيف طرح الحديث الضعيف وحكم عليه بالإنكار، كما بَيَّنُوا في الحديث المنكر (١).
أما إذا عارضه حديث من رواية الثقات، ولا نسميه الآن صَحِيحًا فإننا ننظر في طبيعة النَصَّيْنِ وفي مدلوليهما فإن وجد وجه للتوفيق والجمع بينهما عمل به، وتبين زوال التعارض، وأنه نشأ من قلة التمعن.
وكذلك إذا دَلَّ البحث على أن أحد النَصَّيْنِ جاء بعد الآخر وحل محله فلا تعارض هنا، لأن الشارع نسخ الحكم المتقدم بالحكم الآخر.
أما إذا لم يظهر هذا ولا ذاك فإننا نأخذ بالراجح والأقوى، ويكون هو «الصَحِيحُ» وَيُسَمَّى أَيْضًا المحفوظ ويكون المرجوح «شَاذًّا» أو «مُعَلَّلًا» وهو مردود
_________________
(١) انظر " نخبة الفكر " و" شرحها " لعلي القاري: ص ٨٥ - ٨٩ و" تدريب الراوي ": ص ١٥٢.
[ ١٦٦ ]
وقد عُنِيَ العلماء بأوجه الترجيح وأنواعها وَتَقَصَّوْهَا بجزئياتها وكلياتها حتى زادت جزئياتها على مائة وجه من أوجه الترجيح، وضبطت كلياتها في سبعة أقسام كلية ترجع كلها إليها (١).
وهكذا نجد البحث في موضوع التعارض قد شمل كل جوانبه وعالج المشكلة عِلاَجًا يزيل كل توهم حول الحديث الصحيح والحسن. .
٣ - عني العلماء بدراسة ما أشكل من الأحاديث دراسة تفصيلية تتناول كل حديث منهما، فأجابوا عنه عند شرحهم للحديث في الشروح الحافلة التي صَنَّفُوهَا على كُتُبِ السُنَّةِ، ولم يكتفوا بذلك بل أفردوا هذا اللون العلمي بالدراسة في كتب خاصة كثيرة، نذكر منها:
" اختلاف الحديث "، للإمام الشافعي.
" تأويل مختلف الحديث "، لابن قتيبة.
" مشكل الآثار "، للطحطاوي.
" مشكل الحديث "، لأبي بكر بن فورك.
" مشكل الحديث "، للقصري.
فَمَثَلًا: الحديث الذي أوردناه، والذي استشكله بعضهم في محاضرة عِلْمِيَّةٍ في إحدى قاعات جامعة كبيرة مشهورة، هذا الحديث صحيح متفق عليه، أخرجه الشيخان بأسانيدهما عن أبي هريرة - ﵁ - قال: «أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: " أَرْسَلْتَنِى إِلَى عَبْدٍ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ! "، قَالَ: " فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ.
_________________
(١) أورد الإمام الحازمي من أوجه التوفيق التفصيلية خمسين وَجْهًا في كتابه " الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار ": ص ١١ - ٢٧ وأوصلها العراقي في " نكته على ابن الصلاح " إلى أكثر من مائة، ثم جاء السيوطي فضبطها بسبع قواعد كلية في كتابه " تدريب الراوي ": ص ٣٨٨ - ٣٩١.
[ ١٦٧ ]
قَالَ: «أَىْ رَبِّ ثُمَّ مَهْ؟».
قَالَ: «ثُمَّ الْمَوْتُ».
قَالَ: «فَالآنَ»، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ» (١) وقد أجاب عنه العلماء منذ أزمان بأجوبة كثيرة نذكر منها.
أنَّ الملائكة مخلوقات نورانية ليست مادية، لكن الله أعطاها قُدْرَةً على التشكل بالصور المادية، أَلاَ ترى أنَّ جبريل - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - أتى رسول الله - ﷺ - بصورة دحية الكلبي، وَمَرَّةً في صورة أعرابي، فلما جاء الملك موسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وجاذبه، لطمه موسى لطمة أذهبت العين التي هي تخييل لا تمثيل، وليست عَيْنًا حقيقية للملك، ولم يضر الملك بشيء.
وقال: الإمام أبو بكر بن فورك (٢): «وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إَِّن مَعْنَى قَوْلِهِ لَطَمَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - عَيْنَ مَلَكَ المَوْتِ تَوَسَّعَ فِي الكَلاَم وَهُوَ نَحْوَ مَا يُحْكَى عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - أَنه قَالَ: " أَنَا فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَة " يُرِيدُ بِذَلِكَ إِلْزَامَ مُوسَى مَلَكَ المَوْتِ الحُجَّةَ حِينَ رَادَهُ فِي قَبْضِ رُوحِهِ ».
٤ - الأحاديث الواردة في أمور من علوم الكون والطبيعة وأخص بالذكر هنا الأحاديث المتعلَّقة بالطب.
_________________
(١) " البخاري ": في الجنائز (باب من أحب أنْ يُدْفَنَ في الأرض المقدسة) ج ٢ ص ٩٠ والأنبياء (باب وفاة موسى) ج ٤ ص ١٥٧. و" مسلم " واللفظ له: ج ٧ ص ١٠٠.
(٢) في كتابه " مشكل الحديث ": ص ١١٣، وانظر " تأويل مختلف الحديث " لابن قتيبة: ص ٢٧٧ - ٢٧٨.
[ ١٦٨ ]
لقد عُنِيَ أسلافنا بهذه الأحاديث، وَصَنَّفُوا فيها مجموعات عرفت باسم الطب النبوي، ورأى العلم فيها دلائل من دلائل نُبُوَّتِهِ وَبَرَاهِينَ رِسَالَتِهِ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، لما اشتملت عليه من فوائد عرفها الطب وأفاد بها، كما أبرزت ذلك دراسات معاصرة كثيرة مثل الدراسات التي أجريت على الحَبَّةِ السَّوْدَاءَ، والدراسات التي أجريت على العسل وفوائده واستطباباته وهو طب القرآن وطب الحديث النبوي، حتى حازت بعض هذه البحوث على جوائز عالمية، ومع ذلك فالعلم يُقَرِّرُ أنه لا زال المجال مفتوحًا للمزيد من الدرس المفيد حول العسل.
ولكن بعض الناس مِمَّنْ لم يتمعنوا في هذه الأحاديث استشكل ما وجده من بعض الأحاديث الطبية أو الصحية واشتهر الإشكال حتى لزم البحث فيه، وكشف اللثام عن حقيقة الأمر فيها.
ونجيب عن الإشكال حول بعض الأحاديث إجابات إجمالية وإجابات تفصيلية فيما يلي:
(أ) أما الإجابة الإجمالية:
فإننا نؤمن بالله تعالى رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ - ﷺ - نَبِيًّا وَرَسُولًا فمهما ثبت عنه - ﷺ - وصح عنه في هذه القضايا فإننا نقبله ولا يضرنا بعد التثبت والتحري لثبوت صحة الحديث، عدم اكتشاف العلم لما أخبر به الحديث لأن العلم كما يقول خُبَرَاؤُهُ وَأَرْبَابُهُ مازال على حافة اكتشاف الكون.
وقد زلق بسبب هذا الوهم كثيرون حتى أن بعضهم وهو موريس بوكاي، تناول بعض هذه الأحاديث بالنقد ليؤكد بذلك إعجاز القرآن، لأن أخبار القرآن عن الكون أخبار علمية قاطعة ومعجزة، فرأى أنه لو كان القرآن كلام مُحَمَّدٍ لوقع فيه مثل ما وقع في بعض الأحاديث.
[ ١٦٩ ]
وهذا خطأ فادح ناشيء من الغفلة عَنْ أَنَّ السُنَّةَ هي وحي أَيْضًا، ولكنها وحي غَيْرَ مَتْلُوٍّ، كما قال - ﷿ -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١).
لكن هذا لا يعني أن نعمل بكل حديث في الطب من تلقاء أنفسنا بل يجب أن نرجع في كيفية ذلك إلى الأطباء أهل الخبرة بكيفية استعمال تلك الوصفات كما هو الشأن في أي علاج طبي مهما كان.
وقد أقر كبار الأطباء الذين أطلعوا على أحاديث «الطب النبوي» بما أتت به هذه الأحاديث بل قال لي استاذ في كلية الطب بجامعة دمشق:
«إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَأْتِ بِوَصْفَاتٍ طِبِيَّةٍ سَابِقَةٍ لِعَصْرِهَا فَحَسْبَ بَلْ إِنَّهُ فَوْقَ ذَلِكَ جَاءَ مُقَنِّنًا لِلْطِبِّ وَالأَطِبَّاءِ».
وقال لي زميل آخر من كبار أساتذه كلية الطب في جامعة دمشق (الدكتور محمود الجزيري): «كَيْفَ نَقْبَلُ كَلاَمَ هَؤُلاَءِ الأَجَانِبِ وَلاَ نَقْبَلُ كَلاَمَ النَّبِيَّ - ﷺ -؟.
ذكر الدكتور الجزيري قِصَّةً من واقع حياته العلمية فيها كل العبرة لمن عقل وتدبر فقال:
«قَدْ كُنْتُ أَوَّلَ مَا عُيِّنْتُ مُدَرِّسًا فِي كُلِيَّةِ الطِبِّ أُقَرِّرُ فَائِدَةَ شُرْبِ المَاءِ مَعَ الطَّعَامِ، أَخْذًا بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ .. وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ .. وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ " وَقَدْ لاَحَظْتُ فَائِدَةَ ذَلِكَ بِالتَّجْرِبَةِ عَلَى نَفْسِي وَعَلَى مَرْضَايَ الذِينَ أَصْبَحَ عَدَدُهُمْ يَزِيْدُ الآنَ عَنْ نِصْفِ مِليُونٍ وَكَانَ الطَّلَبَةُ آنَذَاكَ يُعَارِضُونَنِي لأَنَّهُمْ يَجِدُونَ فِي الكُتُبِ التِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَالمَأْخُوْذَةِ عَنْ الأَجَانِبِ ضِدَّ ذَلِكَ وَكُنْتُ أَصَرُّ عَلَىَ رَأْيِي وَأُخَالِفُ تِلْكَ الكُتُب وَأَخِيرًا جَاءَ الطِبُّ يُقَرِّرُ مَا ذَكَرَهُ الحَدِيثُ
_________________
(١) [سورة النجم، الآيتان: ٣، ٤].
[ ١٧٠ ]
الشَّرِيفُ وَيُوصِي بِشُرْبِ المَاءِ مَعَ الطَّعَامِ، لأَنَّهُ تَبَيَّنَ لِلأَطِبَّاءِ أَنَّ شُرْبَ المَاءِ مَعَ الطَّعَامِ يُفِيدُ مِنْ زِيَادَةِ إِفْرَازِ العُصَارَاتِ كُلِّهَا فِي المَعِدَةِ وَالْكَبِدِ وَالأَمْعَاءِ، وَيُسَاعِدُ مُهِمَّةَ جِهَازِ الهَضْمِ بِتَلْيِينِ الطَّعَامِ وَصِيَاغَتِهِ كَعَجِينَةٍ تَنْفُذُ فِيهَا الْعُصَارَاتُ الهَاضِمَةُ، وَيَمْنَعُ القَبْضَ، وَكُنْتُ أُوْصِي بِالمَصابِينَ بِالْقَبْضِ (الإِمْسَاكُ) المُزْمِنِ بِكَثْرَةِ شُرْبِ المَاءِ مَعَ الطَّعَامِ وَكَانَتْ تَوْصِيَةً نَاجِحَةً مِائَةً بِالمِائَةِ » إلى آخر ما ذكره الزميل الدكتور الكبير - حَفِظَهُ اللهُ -، مِمَّا يجعلنا نأخذ العبرة لذلك في هذه الأحاديث الشريفة.
(ب) وأما الإجابة التفصيلية:
فأذكر فيها هذين المثالين:
المثال الأول: حديث شرب لبن الناقة وبولها:
وهو حديث صحيح متفق عليه أخرجه " البخاري " و" مسلم " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَاجْتَوَوْهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا»، فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرِّعَاةِ، فَقَتَلُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلاَمِ، وَسَاقُوا ذَوْدَ النَّبِيِّ ﷺ، إلى آخر ما ذكر الحديث من عقوبتهم الشديدة (١).
_________________
(١) " البخاري": في الطهارة (باب أبوال الإبل والغنم) ج ١ ص ٥٢ ومواضع أخرى، و" مسلم ": في [كِتَابِ الْقَسَامَةِ] (باب حكم المحاربين) ج ٣ ص ١٢٩٦ - ١٢٩٧ واللفظ لمسلم. وقد جاء في بعض الروايات: «عَلَيْكُمْ بِأَبْوَالِ الإِبِلِ فَإِنَّهَا نَافِعَةٌ لِلذَّرِبَةِ (*) بُطُونِهِمْ» أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس مَرْفُوعًا كما في " فتح الباري ": ج ١٠ ص ١٢٠ كما ذكر داود الأنطاكي في " تذكرته ": ج ١ ص ٢٧٩ أن لبن اللقاح مع بولها ينفع دَوَاءً للاستسقاء غير الريحي وهذا يشير إلى معرفة نفعها منذ القديم وقد ذهب المالكية إلى طهارة بول الإبل وبول ما يأكل لحمه استنادا لهذه الأحاديث. وقال الحنفية: هي نجسة لكنها نجاسة مخففة وأجابوا عن الأحاديث بأنها للضرورة. -------------------- (*) [وَالذَّرِبَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، جَمْعُ ذَرِبٍ وَالذَّرَبُ بِفَتْحَتَيْنِ فَسَادُ الْمَعِدَةِ].
[ ١٧١ ]
والجواب من ملاحظة ما ذكرنا في الإجابة الإجمالية أنه لا ينبغي الاستشكال على الحديث لعدم توصل العلم إلى ما وصفه الحديث وغير ذلك مِمَّا ذكرناه بل إنه موجب عند العقلاء لمتابعة البحث حَتَّى يَتَوَصَّلَ الطب إلى طريق الإفادة من هذا العلاج وقد وفق الله تعالى بعض اخواننا من أساتذة جامعة دمشق وأفاد من هذا الطب النبوي في علاج طفل له صغير أصيب باستسقاء في رأسه، وتضخم رأس الطفل جِدًّا، وأعيا الأطباء علاجه، فتذكر الوالد العالم المؤمن قِصَّةَ العُرَنِيِّينَ، وصار يذهب إلى مناطق نائية يأتي منها باللبن من النوق، وكانت النتيجة جيدة والفائدة ملحوظة جِدًّا على حين لم يفدهم عقار الأطباء، ولولا عقبات بُعْدِ المكان وَنُدْرَةِ الحليب وغير ذلك من معوقات لأمكن أن تُسْتَوْفَى التجربة وتتابع وها نحن نذكر هذه المحاولة عسى أن تثير عزائم الخبراء للإفادة من الحديث في علاج هذا الداء بالتجارب العلمية كما أننا نهيب بأطبائنا أن ينفضوا عن أنفسهم نعاس الركون إلى الأجانب فباب العلم مفتوح لطالبه. ولهم بأسلافهم القدوة الحسنة:
عِلْمًا أن تعليل نفع لبن الناقة وبولها للاستسقاء واضح وَمُيَسَّرٌ عِلْمِيًّا: وذلك لأن لبن الناقة يحتوي على كمية كبيرة من الكالسيوم مركزة فيه كما ذكر الدكتور الجزيري، يضاف لذلك ما ذكره الأنطاكي في " تذكرته ": ص ٧٨ ج ١ أن الإبل ترعى النباتات الصحراوية كالشيح والقيصوم، وفيها مواد نافعة لفتح السدد، وهذا التوسيع أو الفتح للأوعية يساعد على تصريف السوائل المتجمعة في حالة الاستسقاء.
المثال الثاني: حَدِيثُ الذُّبَابِ: «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الآخَرِ دَاءً». وهو حديث صحيح أخرجه البخاري وغيره (١).
_________________
(١) " البخاري ": في آخر الطب و" أبو داود ": في الأطعمة، رقم ٣٨٤٤ كلاهما من حديث أبي هريرة وأخرجه " النسائي " من حديث أبي سعيد: ج ٧ ص ١٧٨ - ١٧٩ وسنده حسن.
[ ١٧٢ ]
استشكل بعضهم هذا الحديث بأن الذباب ينقل الجراثيم وخصوصًا جراثيم حُمَّى التِيفُوئِيدْ فكيف نغمسه في الطعام أو الشراب ثم نطرحه بَدَلًا من أن نطرح الشراب الذي وقع فيه الذباب؟.
وقد أجيب عن ذلك بأجوبة نظرية وتطبيقية.
فمن الأجوبة النظرية: ما قاله طبيب إحدى الجامعات: «لَوْ لَمْ يَكُنْ الذُّبَابُ مُحَصَّنًا بِمُضَادَّاتِ تِلْكَ الجَرَاثِيمِ لَمَاتَتْ الذُّبَابَةُ بِعُلُوقِ الجَرَاثِيمِ بِهَا وَلَمَا بَقِيَ ذُبَابٌ فِي العَالَمِ».
ومن الأجوبة التطبيقية ما لاحظه الأقدمون بالتجربة أَنَّ دَلْكَ مَوْضِعَ لَدْغِ الزُّنْبُورِ أَوِ العَقْرَبِ بِالذُّبَابِ يَنْفَعُ مِنْهُ نَفْعًا بَيِّنًا.
ومن التطبيقات الحديثة: ما لوحظ على جرحى الحرب العالمية من الجنود أن جراحهم أسرع شفاء وَالْتِئَامًا من الضباط الذين يعنى بهم مزيد عناية في المستشفيات لأن الجنود يتداوون في الميدان فيتعرضون لوقوع الذباب على جراحاتهم
ومنذ سَنَةِ ١٩٢٢ نشر الدكتور ديريل بعد دِرَاسَةٍ مُسْبَقَةٍ لأسباب جائحات الهيضية (كُولِيرَا) في الهند وجود كائنات دقيقة تغزو الجراثيم وتلتهمها وتدعى مُلْتَهِمَاتِ الجَرَاثِيمِ (بَكْتِرْيُوفَاجْ) وأثبت ديريل أن البَكْتِرْيُوفَاجْ هو العامل الأساسي في إطفاء جوائح (الكُولِيرَا) وأنه يوجد في بُرَازِ الناقهين من المرض المذكور وأن الذباب ينقله من البُرَازِ إلى آبار ماء الشرب فيشربه الأهلون وتبدأ جذوة جائحة الهيضة بالانطفاء.
وقد تمكن الأستاذ ديريل من تكثير مُلْتَهِمَ الجَرَاثِيمِ وتنميته والاستفادة منه في المعالجة كما أنه تأكد من تأثيره في الجَرَاثِيمِ بإضافته إلى مزروعها وملاحظة إذابته لها تَمَامًا ثم اكتشف منذ ذلك الحين حتى الآن عدد كبير من مُلْتَهِمَاتِ الجَرَاثِيمِ كُلٌّ مِنْهَا يَلْتَهِمُ نَوْعًا مُعَيَّنًا أَوْ عِدَّةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الجَرَاثِيمِ.
[ ١٧٣ ]
كما تأكد عام ١٩٢٨ حين أطعم ذباب البيوت زروع جراثيم مُمْرِضَةٍ فاختفى أثرها بعد حين وماتت كلها من جراء وجود مُلْتَهِمَ الجَرَاثِيمِ شأن الذباب الكبير في مكافحة الأمراض الجرثومية التي قد ينقلها هو بنفسه وعرف أنه إذا هُيِّءَ خلاصة من الذباب في فصل فيزيولوجي فإن الخلاصة تحتوي على ملتهمات أربعة أنواع على الأقل مِنَ الجَرَاثِيمِ المُمْرِضَةِ.
والغمس في الحديث ليس غَمْسًا للجناحين فقط وانما [هُوَ] غَمْسٌ لجسم الذبابة مع جناحيها فيدخل مُلْتَهِمُ الجَرَاثِيمِ إلى الشراب من جراء غَمْسِ جسمها هذا فَضْلًا عن أن الذبابة تمسح دَائِمًا أجنحتها بأرجلها ولذلك تكون الأجنحة مَقَرًّا لِلْمُلْتَهِمَاتِ وَلِلْجَرَاثِيمِ أكثر من غيرها من أعضاء الذبابة.
ثَالِثًا - تَطْبِيقُ المُحَدِّثِينَ لِنَهْجِهِمْ النَّقْدِيِّ:
وأما الادعاء والزعم بأن المُحَدِّثِينَ لَمْ يُطَبِّقُوا قواعدهم في النقد، فقد وجدت هذه الفكرة مَنْ يُرَدِّدُهَا من بعض المعاصرين في كتاب أصدره أَخِيرًا، حاز به فيما يبدو على درجة جامعية عُلْيَا، وقد صدر كتابه هذا بمحاولة للدفاع عن السُنَّةِ ولا أقول إنه دافع عَنْ السُنَّةِ، ثم بعد ذلك راح يزعم أن المُحَدِّثِينَ لم يطبقوا قواعد منهجهم بدقة في فصل طويل، أَيَّدَ فيه رأيه وَادَّعَى مَا ادَّعَاُه مِنْ قَبْلُ جولدتسهير؟.
وهذا الزعم من أكبر الأدلة على تهافت منهج هؤلاء الناقدين المتعالين المغرورين، لأنه يشير إلى أَنَّ المُحَدِّثِينَ لو طبقوا قواعدهم، لكان نقدهم سليما، وقد كانوا يزعمون قَبْلُ أَنَّ نَهْجَهُمْ قاصر عن التمعن في قالتهم هذه يكشف حقيقتهم وَتَقَوُّلَهُمْ بغير علم، بل بمجرد التسرع، والمجازفة في الحكم، حتى لقد أصاب والله هؤلاء الناقدين من أنفسهم المقاتل بطعنهم المفتعل على المُحَدِّثِينَ ومنهجهم العلمي:
[ ١٧٤ ]
ومن أوجه تبيان ذلك بالأدلة القاطعة:
١ - أَنَّ المُحَدِّثِينَ قَرَّرُوا كما هو مُدَوَّنٌ في كل كتب علوم الحديث، أن من دلائل الوضع في الحديث مخالفته للوقائع الحِسِّيَّةِ المُشَاهَدَةِ أَوْ لِلْتَأْرِيخِ
وهذا أمر مفروغ منه، مطبق على أوسع نطاق في نقد الأحاديث كما يشاهد في الكُتُبِ الخَاصَّةِ بالأحاديث الموضوعة والتحذير منها وفي كُتُبِ نقد الرُوَّاةِ.
وهذه حادثة لطيفة من أسلاف جولدتسهير من اليهود لها دلالتها الهامة، جرت مع الحافظ الإمام أبي بكر الخطيب البغدادي سَنَةَ ٤٤٧ هجرية.
قال الإمام الذهبي في " تذكرة الحفاظ ": «أَظْهَرَ بَعْضُ اليَهُودِ كِتَابًا بِإِسْقَاطِ النَّبِيِّ - ﷺ - الجِزْيَةَ عَنْ الخَيَابِرَةِ - يَعْنِي يُهَودَ خَيْبَرَ -وَفِيهِ شَهَادَةٌ لِلْصَّحَابَةِ، فَعَرَضَهُ الوَزِيرُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ؟ فَقَالَ: «هَذَا مُزَوَّرٌ».
قِيلَ: «مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا؟».
قال: «فِيهِ شَهَادَةُ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ أَسْلَمَ عَامَ الفَتْحِ بَعْدَ خَيْبَرَ، وَفِيهِ شَهَادَةُ سَعْدٍ بْنِ مُعَاذٍ، وَمَاتَ قَبْلَ خَيْبَرَ بِسَنَتَيْنِ».
فَاسْتَحْسَنَ الوَزِيرُ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ مَا فِي الكِتَابِ (١) انتهى.
_________________
(١) " التذكرة ": ١١٤١، وانظر " طبقات الشافعية الكبرى ": ٤/ ٣٥ و" الإعلان بالتوبيخ " للسخاوي: ص ١٠، و" الخطيب البغدادي " للدكتور يوسف [العش]: ص ٢٣٥ وقد أحال إلى هذه المصادر وغيرها وأوردنا ذلك في تصديرنا لكتاب " الرحلة في طلب الحديث " للخطيب البغدادي، مع واقعة أخرى في عتق سلمان الفارسي ص ٥٣ - ٥٤. لكن الغريب أَنَّ القوم لم يرتدعوا بما حاق بهم من الخيبة بل حاولوا تثبيت هذه الوثيقة كَرَّةً ثَانِيَةً فأحضروا هذا الكتاب بين يدي ابن تيمية - ﵀ - وحوله اليهود يزفونه ويجلونه وقد غشي بالحرير والديباج فلما فتحه وتأمله بزق عليه وقال: «هَذَا كَذِبٌ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ» وذكرها، فقاموا من عنده بِالذُلِّ وَالصَّغَارِ. انظر القصة وتفصيل الأوجه وهي عشرة في كتاب تلميذه ابن القيم: " المنار المنيف في الصحيح والضعيف ": ص ١٠٢ - ١٠٥.
[ ١٧٥ ]
فهذا الناقد المسلم لاَ يَتَرَدَّدُ لحظة ولا يتوقف عن الحكم ببطلان الوثيقة المُزَوَّرَةِ التي أسندها إلى النَّبِيِّ - ﷺ - هؤلاء الأفاكون.
وها نحن نجعل هذه التجربة التي خاضها أجداد «تْسِهِيرْ» مِنْ قَبْلُ هَدِيَّةً إِلَيْهِ تَعْبِيرًاعن الموقف البارد الذي يزعمه في حق النقاد المسلمين.
٢ - إن الحديث الذي أوردوه وقالوا حَرْفِيًّا: «إنه مأخذ من حقل تطبيق هذا العلم نفسه، وهو حديث: أَبُو حَنِيفَةَ سِرَاجُ هَذِهِ الأُمَّةِ» (١). هذا الحديث هو نفسه برهان يثبت دِقَّةَ نَظَرِ المُحَدِّثِينَ، فإنهم قد وسموا بالكذب راويه مأمون بن أحمد السُّلَمِي الهَرَوِي منذ الأيام التي ظهر فيها وطلع على الناس بهذا الحديث ونحوه وسجلوا اسمه في القائمة السوداء، قائمة الكَذَّابِينَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - التي لا تقبل لها توبة فِي الرِّوَايَةِ أَبَدًا. وكان منهم آنذاك عَصْرِيُّهُ الإمام أبوحاتم محمد بن حِبَّانَ البُسْتِيَّ - ﵀ -.
٣ - زعمهم أن العلماء لم يجهدوا مُطْلَقًا في أن يجعلوا الناس يصدقون بأن النَّبِيَّ قد ذكر اسم العالم العراقي.
هذا زعم مناقض للحقيقة وللواقع تَمَامًا فإن هذا الحديث اسْتُنْكِرَ هُوَ وَمَا شَاكَلَهُ غَايَةَ [الاستنكار] من العلماء والعامة حتى سقط راويه ولم يعد يسمع منه أحد.
ثم إن الراوي ليس من تلامذة أبي حنيفة ولا له صلة به، بل هو بعيد عن عصر أبي حنيفة وعن وفاته بمائتي عام.
وقد قال الحاكم في " المدخل " - بعد أن أورد هذا الحديث -: «وَمِثْلُ هَذِهِ الأَحَادِيثِ يَشْهَدُ مَنْ رَزَقَهُ اللهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -».
_________________
(١) [الحَدِيثُ الذِي وَضَعَهُ المُتَعَصِّبُونَ لأَبِي حَنِيفَةَ: «سَيَكُونُ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَالُ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ هُوَ سِرَاجُ أُمَّتِي»].
[ ١٧٦ ]
فَهَلْ يُصَدِّقُ أَحَدٌ بعد هذا من يزعم أن الناس تلقوا الحديث بالقبول وأن الواضعين بزعمه الفاسد ورأيه الفاسد لم يجهدوا في أن يجعلوا الناس يصدقونه، أو أن الواقع يعكس ذلك، وأن الأُمَّةَ جميعها قد رفضت هذا الحديث كما رفضت سائر الأكاذيب وتبرأت منها ومن مختلقيها.
٤ - إننا إذا رجعنا إلى حقل التطبيق الذي يزعم «جولدتسهير» ومن يتبعه أنه أخذ الحديث منه، فإننا سنجد العجاب من فظاعة الإفك وَالبُهْتَانِ.
إن هذا الحديث قد نَبَّهَ عليه العلماء في مختلف العصور في تصانيفهم الحديثية المشتهرة والمتداولة بين الخاصة والعامة في كتب الأحاديث الموضوعة، وكتب مصطلح الحديث وكتب التعريف برجال الحديث، واسمحوا لي أن أطيل عليكم فأسرد جملة من المراجع من عصور مختلفة تُحَذِّرُ من هذا الحديث ومن روايته:
[١]- ذكره معاصره الإمام محمد بن حاتم بن حِبَّانَ البُسْتِيَّ المتَوَفَّى فِي سَنَةِ ٣٥٤ هـ في كتاب " المجروحين ". كما نقل عنه الذهبي في " ميزان الاعتدال ": ص ٤٢٩ - ٤٣٠.
[٢]- الحاكم أبوعبدالله المتَوَفَّى سَنَةَ ٤٠٥ هـ في " المدخل إلى كتاب معرفة الإكليل ": (ورقة ٢٩١/ ٢).
[٣]- ومحمد بن طاهر المقدسي المتَوَفَّى سَنَةَ ٥٠٣ هـ فِي " تذكرة الموضوعات ": ص ١٤٤.
[٤]- وعبد الرحمن بن الجوزي (٥٩٧ هـ) في " الموضوعات الكبرى " وقال: «حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لَعَنَ اللهُ وَاضِعَهُ»: ج ٢ ص ٤٧ - ٤٩.
[٥]- والذهبي (٧٤٨ هـ) في " ميزان الاعتدال ".
[٦]- والحافظ ابن حجر (٨٥٢ هـ) في " لسان الميزان ": ج ٥ ص ٨.
[٧]- والحافظ السَّخَاوِيُّ (٩٠٢ هـ) في " فتح المغيث ": ص ١١٤.
[ ١٧٧ ]
[٨] و[٩]- والسيوطي (٩١١ هـ) فِي كتابه " تدريب الراوي ": ص ١٨١، و" اللآلي المصنوعة ": ج ١ ص ٥٧.
[١٠]- والحافظ أبوالحسن بن عَرَّاقْ (٩٦٣ هـ) في كتاب " [تَنْزِيهُ] الشَّرِيعَةِ ": ج ٢ ص. (١).
[١١] و[١٢]- وَالمُحَدِّثُ علي القاريِّ في " شرح النخبة ": ص ١٢٨، وفي كتاب " الموضوعات الكبرى "، وقال: «مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ المُحَدِّثِينَ»: ص ٧٦.
[١٣]- والشوكاني في " الفوائد المجموعة ": ص ٤٢٠.
[١٤]- والأبياري في " حاشية نيل الأماني ": ص ٥٣.
[١٥]- وَالعَلاَّمَةُ حسين خاطر في " لَقْطِ [الدُّرَرْ] ": ص ٧٣.
هذه خمسة عشر مرجعا في أعصر متتالية منذ عصر الرَّاوِي الوَضَّاع حتى عصرنا هذا، وفي حقول الحديث المتنوعة، حقل القواعد كـ " المدخل " و" تدريب الراوي ".
وحقل التطبيق الذي زعم الطاعن أنه يرجع إليه كـ " الميزان " وغيره من كتب الرجال وكتب الموضوعات في شتى الحقول تُوَضِّحُ كذب هذا الحديث وتفضح إفكه وهي كلها بحمد الله مشهورة معروفة متداولة ثم يأتي بعد ذلك من يزعم أنه يُدِينُ المُحَدِّثِينَ من حقل تطبيقهم بأنهم يَرْوُونَ الأحاديث الموضوعة أو أنها تنطلي عليهم حين أنهم سَيَّرُوا في الناس وأذاعوا فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ التحذير من الأحاديث الموضوعة والتنبيه عليها بما في ذلك نفس الحديث الذي استشهد به الطاعن، حيث توالى المُحَدِّثُونَ على التحذير منه في المُصَنَّفَاتِ المشهورة المتداولة عَلَى مَرِّ العُصُورِ كَمَرِّ الدُّهُورِ.
ثم إننا نلاحظ إخواني القُرَّاء، أَنَّ الأجانب وأتباعهم من أبنائنا يَتَبَجَّحُونَ
_________________
(١) [لم يقع ذكر الصفحة في هذا المصدر، ورجعت إلى الكتاب نفسه. انظر: " تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة " نور الدين ابن عراق الكناني (المتوفى: سَنَةَ ٩٦٣هـ)، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، عبد الله محمد الصديق الغماري، ٢/ ٣٠، الطبعة الأولى: ١٣٩٩ هـ، نشر دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان].
[ ١٧٨ ]
بما يقال له: «العِلْمُ التَّجْرِيبِيُّ» وبأنهم لا يقبلون قضية إِلاَّ إذا أقاموا عليها الدليل الصحيح الصريح، وَقَدْ تَبَيَّنَ لكم أن هذه الفئة المتحاملة من الأجانب لا تسلك هذا الأسلوب الملتزم بِالحُجَّةِ وَالبُرْهَانِ تُجَاهَ تُرَاثِنَا، بل قد أقامت أَحْكَامًا على غاية الخطورة دون أن يكون لهم على كلامهم مُسْتَنَدٌ ولا ما يشبه أن يكون مُسْتَنَدًا، إنما هي كلمات سطحية وَدَعَاوَى خَالِيَةٌ، تابعهم عليها بعض المُنْبَهِرِينَ من أبناء جلدتنا، ثُمَّ يَتَبَجَّحُ بِالعِلْمِ، والنظريات العلمية ويلوك هذا في أثناء كلامه الذي قد يشتمل على أفحش الأخطاء في حق الإسلام أو الحديث النبوي.
والحقيقة أن هذا البعض مِنَ المُسْتَشْرِقِينَ الذين اشتهروا ما كان يمكن أن يشتهروا ويكون لهم شأن يذكر في بلاد الإسلام لولا أن بعض أبنائنا فَاجَؤُوا المسلمين ابتداء من مطلع القرن الهجري السابق بترداد تلك الآرَاءِ الشَاذَّةِ البَاطِلَةِ.
وإلا فإن الدارسين في دنيا الغرب الذين خبروا تلك المجتمعات العلمية قد تعجبوا لما حدث في بلاد الإسلام من ضجة كبيرة حول هؤلاء بالرد عليهم وكثرة البدء والإعادة في ذلك، حتى صاروا كَأَنَّ لَهُمْ شَأْنًا كَبِيرًا.
لكننا بسبب الانهزام الداخلي الذي وقعنا فيه تلك الفترة قفزنا بهم تلك القفزة. .؟، غير أننا لا نقصد بهذا إلى إغفال النقد العلمي، والمناقشة، كَلاَّ لكن يجب أن نعرف الأمور على حقيقتها وأن تكون واضحة في أذهاننا خُصُوصًا وقد تخلصنا الآن والحمد لله من رِقِّ تَقْلِيدِهِمْ ومن الانهزام الذي وقع فيه كثير من أبناء الطبقة السابقة علينا من بعض أهل الفكر المسلم، فقد أصبح عندنا الآن القناعة الكافية واليقين الراسخ بأن ما عندنا هو الحق واليقين وهو الأصل الذي يجب أَنْ تُبْنَى عليه القضايا والحقائق، كما أنه الخير الذي نقدمه للعالم ونود أن تستفيد منه الدنيا
[ ١٧٩ ]
الخَاتِمَةُ: