- الطعن في البخاري.
- وسائل جديدة لهدم السنة.
- الطعن في أبي هريرة.
- الصحابة والإكثار من السنة.
- تحريف النصوص بين المستشرقين وعلماء الشهرة.
[ ٢٧٧ ]
٥٤ - العَقْلُ البَشَرِيُّ وَالتَّحْرِيفُ العِلْمِيُّ:
كان من تأثَّر بعض كُتَّاب المسلمين بآراء المستشرقين أنْ وجدنا انسياقًا وراء مزاعمهم دون بحث أو تدقيق فتأثَّر بهم بعض الكُتَّاب وذلك بالطعن في كتب الصحاح وعلى بعض الصحابة وفي رَدِّ السُنَّة النبوية أو نقدها بالعقل البشري المعاصر وعلى سبيل المثال:
الطعن في البخاري:
ذكر أحمد أمين أنَّ البخاري تطرَّق إلى بعض أحاديثه الضعف فقال (١) في كتابه " ضُحى الإسلام ": «نرى للبخاري نفسه على جليل قدره ودقيق بحثه، يثبت أحاديث دَلَّتْ الحوادث الزمنية والمشاهدة التجريبية على أنها غير صحيحة لاقتصاره على نقد الرجال كحديث " لاَ يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ "» وحديث «مَنْ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ».
وقد زعم الدكتور صُبحي محمصاني (٢) أنَّ المُجَدِّدِينَ أمثال ابن تيمية
_________________
(١) كتاب " ضُحى الإسلام ": ص ٢١٧، ٢١٨.
(٢) بحث منشور له في كتاب " الثقافة الإسلامية في الحياة المعاصرة " الذي يحوي ما قُدِّمَ للمؤتمر المنعقد برعاية جامعة بريستون الأمريكية (سَنَةَ ١٩٦٣ م).
[ ٢٧٩ ]
ومحمد عبده طعنوا في صحة هذا الحديث وغيره وفي " البخاري" و" مسلم " لمخالفتهما للعلم والواقع وهذا كذب يتجدَّدُ كما هو مُفَصَّلٌ بالبند ٦٩.
ولو أراد أحد الناقدين أن يتحرى عن حقيقة هذين الحديثين لبحث كغيره من العلماء أمثال الدكتور مصطفى السباعي (١) الذي أوضح في كتابه " السنة ومكانتها في التشريع " أن الحديث الأول «هو جزء من حديث كامل أخرجه " البخاري " في باب السمر [في الفقه والخير] بعد العشاء من كتاب الصلاة، وهو أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - صَلاَةَ العِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: " أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةٍ سَنَةٍ لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ (اليَوْمَ) عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ "»
فنص الحديث واضح أن الرسول أخبر صحابته في آخر حياته بل جاء في رواية جابر أن ذلك قبل وفاته - ﷺ - بشهر، أن من كان منهم على ظهر الأرض حَيًّا حين قال الرسول تلك المقالة، لا يعمر أكثر من مائة سنة ولم يفطن بعض الصحابة إلى قول الرسول ممن هو على ظهرها اليوم، فنبههم عبد الله بن عمر إلى هذا الوارد في لفظ حديث وَبَيَّنَ لهم المراد منه وكذلك فعل علي بن أبي طالب - ﵁ - في رواية الطبراني. وقد استقصى العلماء من كان آخر الصحابة موتًا فوجدوه أبا الطفيل عامر بن واثلة وقد مات سنة عشر ومائة (٢)، فيكون الحديث معجزة للنبي - ﷺ - وليس شاهدًا على عدم صحته كما ظن النقاد الذين جهلوا أصول النقد العلمي للسنة النبوية.
_________________
(١) الفصل السابع: ص ٢٧٩وما بعدها من كتاب " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ".
(٢) " الإصابة في تمييز الصحابة " لابن حجر: جـ ١ ص ٥، و" مقدمة علوم الحديث " لابن الصلاح: ص ١٥٠.
[ ٢٨٠ ]
لقد قال الحافظ ابن حجر في كتاب " فتح الباري " (١): «وَقَدْ بَيَّنَ اِبْن عُمَرَ فِي هَذَا الحَدِيث مُرَاد النَّبِيّ - ﷺ -[وَأَنَّ مُرَادَهُ] أَنَّ عِنْدَ اِنْقِضَاءِ مِائَة سَنَةٍ مِنْ [مَقَالَتهِ تِلْكَ يَنْخَرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنُ] فَلاَ يَبْقَى أَحَدٌ» منهم على ظهر الأرض.
كما ذكر الإمام مسلم هذا الحديث في رواية عن جابر بلفظ: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ اليَوْمَ، تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ، وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ». وقال الإمام النووي: «هَذِهِ الأَحَادِيثُ قَدْ فَسَّرَ بَعْضُهَا بَعْضًا وَفِيهَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلاَمِ النُّبُوَّةِ وَالمُرَادُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى الأَرْضِ لاَ تَعِيشُ بَعْدَهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ، [سَوَاءٌ قَلَّ أَمْرُهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَمْ لاَ] وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ عَيْشِ أَحَدٍ يُوجَدُ بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ» (٢).
٥٥ - حَقِيقَةُ النَّقْدِ العِلْمِيِّ:
فهل من الإسلام وشمسه وضحاه أن يغفل الناقد المسلم عن هذا وينسى هذه الحقائق ثم يظهر أقوال المستشرقين التي تزعم أن البخاري على دقة بحثه قد تطرق إلى بعض أحاديثه الضعف وعدم الصحة؟.
لا شك أن الكاتب والمؤلف الناقد لم يطلع على هذه المراجع واكتفى بأقوال المستشرقين وصدقهم فالتمس بذلك سبيلًا سهلًا ليكون ناقدًا لعلوم الحديث ورجاله وليكون مؤلفًا وكاتبًا في هذه المادة دون أقل تحقيق أو بحث علمي.
أما الحديث الثاني المتضمن وقاية العجوة للسم والسحر فقد جاء في رواية الإمام مسلم أن هذا خاص بتمر المدينة، ففي الرواية: «مَنْ أَكَلَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِمَّا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا» وفي رواية: «إِنَّ فِي عَجْوَةِ العَالِيَةِ شِفَاءً» (٣)
_________________
(١) " فتح الباري ": جـ ٢ ص ٣٢.
(٢) " المنهاج شرح صحيح مسلم " للنووي: جـ ٩ ص ٥٢٦.
(٣) " مختصر صحيح مسلم " للمنذري: جـ ٢ ص ٤٧ الحديث ١٤٧٥.
[ ٢٨١ ]
والحديث عن عجوة المدينة وتمرها. كما أنه لم يثبت أن هذا التمر قد تناوله شخص أو أكثر بهذه الكمية وواظب عليه ثم أضره السحر أو السم الذي كان معروفًا في عصر النبوة، فضلًا عن أن السحر مرض نفيسي يزول بهذا الفعل مع الاعتقاد، كما أن السم الذي كان شائعًا في هذا العصر لا يمكن أن يضر الشخص الذي تناول يوميًا هذا العدد من التمرات لأن العجوة مليئة وطاردة للديدان فكانت تمنع ضرر مثل هذه السموم في هذا الوقت.
لم يظهر في عصرنا بحث طبي يثبت أن العجوة ليس لها الخاصية بالنسبة لهذه السموم فكيف يحكم هذا الناقد المسلم بعدم صحة حديث النبي وقد قال الله عنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم، الآيتان: ٣ - ٤].
لقد أكد الدكتور مصطفى السباعي ذلك وقال أنه جرب تمر المدينة مدة خمسة أشهر كاملة خلال عام فكان يتصبح بسبع تمرات رغم أنه مصاب بمرض السكر، ثم أجرى تحليلًا للدم والبول، فلم يجد أي أثر للسكر في البول ولم تزد نسبة السكر في الدم عما كانت عليه قبل هذه التجربة (١).
فهل يقتنع بذلك المستشرقون ومن نقل عنهم؟ إن الله العليم بخلقه رَدَّ دعوى الإيمان التي أظهرها المنافقون فقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
نرجو أن يدرك ذلك من يريدون الكتابة والنقد العلمي.
_________________
(١) " السنة ومكانتها في التشريع ": ص ٢٨٣.
[ ٢٨٢ ]
٥٥ - وَسَائِلٌ جَدِيدَةٌ لِهَدْمِ السُنَّةِ:
لقد ظهر بمصر حديثًا (١) كتاب باسم " الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها " وهو كتاب فاخر الطباعة ويباع بسعر رمزي، وينسب إلى من يدعى (السيد صالح أبو بكر).
يزعم واضع الكتاب أن عمدة المراجع للأحاديث النبوية هو " صحيح البخاري "، وقد اشتمل على مائة حديث مكذوب دسها اليهود على النبي، ثم جاء البخاري وحكم بصحتها ونسبها إلى النبي - ﷺ -.
والمؤلف يدعي أنه قد اكتشف هذه الإسرائيليات في " صحيح البخاري " من خلال المراجع العلمية التي أوردها في الجزء الأول من كتابه وهي:
أولًا - كتاب " أضواء على السنة المحمدية " للمدعو محمود أبو رية الذي قال ص ٥٢: «إن قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] معناه: أن القرآن هو البداية وهو النهاية ولا شيء سواه وإنما جاءت البلوى من التقول على النبي ونسبة الأحاديث إليه وهو لم يقلها بدليل أنه لم يدونها كما دَوَّنَ القرآن».
وهذا المرجع يزعم أن الأحاديث النبوية كلها مختلفة استنادًا إلى هذه الآية التي أراد أن يهدم بها السنة النبوية. ولقد اختلق محمود أبو رية أقوالًا كثيرة في كتابه هذا ونسبها إلى " البخاري " وزعم أنها في " فتح الباري ".
_________________
(١) الطبعة الجديدة منه أحالها الأستاذ أسعد السيد صاحب مكتبة الأنصار بالقاهرة، وكان الكتاب في المراجعة بعد الطبع التي تولاها مشكورًا الأستاذ محمد الشامي، فرأى المؤلف إضافة هذا البند.
[ ٢٨٣ ]
ومن هذه الروايات أن «عبد الله بن عمرو أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب، وكان يرويها للناس " عن النبي "».
وكتاب " فتح الباري " ليس فيه عبارة «عَنْ النَّبِيِّ» بل فيه «وَكَانَ يَرْوِيهَا لِلْنَّاسِ».
بهذا يريد أبو رية أن يوهم القارئ أن الأحاديث النبوية أكثرها إسرائيليات من كتب اليهود والنصاري وحيث كانت تروى عن النبي بينما المتقول إن عبد الله بن عمرو كان يروي ما عثر عليه من صحف أهل الكتاب على أساس أنها أقوالهم وليست أقوال النبي - ﷺ -.
ولقد جاء السيد أبو بكر: ص ٥٨ وكرر نقل هذه الرواية المحرفة مؤكدًا أنها هي الحقيقة التاريخية التي تثبت أن عبد الله بن عمرو نقل الأحاديث عن أهل الكتاب كما اختلق أبو رية ونسبها إلى كتاب " البداية والنهاية " لابن كثير ونصها: قال عمر لكعب الأحبار: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ (عَنْ رَسُولِ اللهِ) أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ القِرَدَةِ».
وكتاب " البداية والنهاية " فيه: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ (عَنْ الأُوَلِ) » أي عن اليهود والنصارى وليس عن رسول الله، وهذه الأكاذيب سبق أن فصلناها في البند ٥٩.
هذا هو المرجع العلمي الذي يستند إليه من ينسب الإسرائيليات إلى " البخاري "، وهو مرجع كثر فيه الكذب والتحريف حتى وضع الشيخ عبد الرزاق حمزة كتابًا سماه " ظلمات أبي رية " كما وصفه الشيخ عبد الحليم محمود بأنه «كَذَّابٌ وَمُحَرِّفٌ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ».
[ ٢٨٤ ]
ولو اتبعنا أبا رية فيما زعمه من أنه لا يوجد إلا القرآن لأن السنة غير صحيحة لكانت الصلوات الخمس وأعمال الحج ونصاب الزكاة وشروطها من الإسرئيليات المكذوبة على الإسلام، لأنها لم ترد في القرآن الكريم، أي أن المرجع العلمي يريد هدم الإسلام عن طريق هدم السُنَّةِ وهو ما يسعى إليه المبشرون والمستشرقون.
وأبو رية وكذا المتهم الجديد المدعو السيد [صالح] أبو بكر لا يجهلان أن القرآن الكريم قد أمرنا باتباع سُنَّةَ النبي، فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
ولا يجهلان أن إجماع الصحابة والأمة قد انعقد على أن من رد الأحاديث النبوية كان كافرًا.
ثانيًا - المصدر العلمي الثاني: روايات محرفة:
والنوع الثاني من المراجع العلمية التي يستند إليها المؤلف في دعواه وجود روايات إسرائيلية في أحاديث " البخاري ".
هذا النوع هو روايات محرفة يستند إليها للوصل إلى النتيجة التي سطرها في الجزء الأول من كتابه وهي رد السنة النبوية إذ رغم أن:
«ما يروى عن النبي وليس له سند في القرآن إنما هو من وحي الخيال الخرافي والكيد الإسرائيلي اللعين»: ص ٥.
[ ٢٨٥ ]
ومن الأمثلة على الروايات المحرفة:
١ - أورد في الجزء الأول من كتابه: ص ٢٣ ما نصه: «روت عائشة حديث رؤية النبي لربه ليلة الإسراء الذي رواه الشيخان عن عامر بن مسروق»، ليثبت أن البخاري قد وردت به إسرائيليات ردها الصحابة. والتحريف يكمن في أنه لا يوجد عند الشيخين (البخاري ومسلم) حديث رؤية النبي لربه، فهذا اختلاق من المؤلف، فالذي رواه الشيخان هو (حديث عائشة عن مسروق) ونصه:
عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ يَا أُمَّتَاهْ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي مِمَّا قُلْتَ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلاَثٍ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرأَتْ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]؛ وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]؛ وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الآية؛ وَلكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فِي [صُورَتِهِ] مَرَّتَيْنِ.
(المرجع: " اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ": الحديث ١١١ ص ٤١).
من هنا يتضح أن عائشة لَمْ تُكَذِّبْ رواية " البخاري " و" مسلم " كما زعم المؤلف بل لقد نقلا عنها الرواية سالفة الذكر، ثم كيف تكذبهما ولم يكونا في عصرها؟ ولكن المؤلف يريد أن يختلق وجود تناقض في روايات " البخاري " ليتوصل لهدم السنة النبوية بزعمه أن " البخاري " روى حديث رؤية النبي لله.
٢ - وزعم المؤلف أن عائشة ردت حديث عبد الله بن عمر في " الصحيحين ": «إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». وردت حديثًا في " البخاري " و" مسلم
[ ٢٨٦ ]
وغيرهما عن قتلى المشركين في بدر. وانتهى من هذا إلى أن أصحاب النبي يُكَذِّبُونَ بعضهم بعضًا في الأحاديث النبوية كما جاء في تحقيق أبي رية في كتابه " أضواء على السنة المحمدية " وهو كتاب قد حَرَّفَ الروايات والأحاديث.
ورواية " البخاري " و" مسلم " وسائر كتب السنة ليست فيها الرواية سالفة الذكر، وأم المؤمنين عائشة لَمْ تُكَذِّبْ " البخاري " و" مسلم " كما يحلو للمؤلف أن يوهم القارئ بذلك.
بل كتب الحديث فيها أن عائشة استدركت على بعض الصحابة عند روايتهم هذين الحديثين أي قبل أن توجد كُتُب السنة، وبالتالي دَوَّنَ البخاري ومسلم هذا وهو الحديث رقم ٥٣٦ كما جاء في كتاب " اللؤلؤ والمرجان ":
«عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: تُوُفِّيتْ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ - ﵁ - بِمكَّةَ، وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلاَ تَنْهَى عَنِ البُكَاءِ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " قَدْ كَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ بَعْضَ ذلِك».
ثم ختم الرواية بقول ابن عباس: «فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ - ﵁ - ذَكَرْتُ ذلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: رَحِمَ اللهُ عُمَرَ، وَاللهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (إِنَّ اللهَ لَيُعَذِّبُ المُؤمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)؛ وَلكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ القُرْآنُ ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) [قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عِنْدَ ذلِكَ: " وَاللهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى "]، قَالَ ابْنُ أُبِي مُلَيْكَةَ: " وَاللهِ مَا قَالَ ابنُ عُمَرَ شَيْئًا "».
فالبخاري ومسلم بهذا رويا أن ابن عمر كان يحدث عن النبي قوله: «إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» ورويا استدراك عائشة وتوضيحها لنص الحديث وهو: «إِنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ».
كل ذلك كان في حياة الصحابة وفي فترة جمع الحديث النبوي وتمحيص
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(٢) [سورة الأنعام، الآية: ١٦٤]، [سورة الإسراء، الآية: ١٥]، [سورة فاطر، الآية: ١٨]، [سورة الزمر، الآية: ٧].
[ ٢٨٧ ]
الرواية وتحقيقها، تلك الفترة التي بدأت في عصر الصحابة مرورًا بعصر البخاري المُتَوَفَّى سَنَةَ ٢٥٦ هـ، وكان دوره السادس عشر في سلسلة من تخصصوا في جمع السنة وتمحيصها، وقد بلغوا الثلاثين أو يزيد (١).
أما ما زعمه المؤلف من أن عائشة قد رَدَّتْ حديثًا في البخاري عن سماع قتلى بدر لخطاب النبي - ﷺ -، فهذا تحريف آخر فيه لأن عائشة لم تعاصر البخاري حتى ترد حديثًا له، وإنما قد روى بسنده عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: (إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ) فَقَالَتْ: [وَهَلَ] ابْنُ عُمَرَ ﵀. إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الآنَ) قَالَتْ: [وَذَاكَ] مِثْلُ قَوْلِهِ (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى القَلِيبِ وَفيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكينَ، فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ: إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ) إِنَّمَا قَالَ: (إِنَّهُمُ الآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌ) ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] وَ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢].
(" اللؤلؤ والمرجان "، الحديث ٥٣٧).
فهذا ما سمعته عائشة من رسول الله - ﷺ -، وهذا ما استدركت على ابن عمر حسبما روى " البخاي "، وهذا لا ينفي أن يسمع غيرها من النبي ما يؤكد سماع قتلى بدر خطاب النبي فقد روى مسلم في " صحيحه " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: [يَا رَسُولَ اللهِ] كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا؟ قَالَ: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ،
_________________
(١) هذا مفصل في البند ١٤.
[ ٢٨٨ ]
وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا» ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا، فَأُلْقُوا فِي [قَلِيبِ بَدْرٍ]».
وقد أجاب الشيخ الألباني أن (قول النبي): «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»: «لا يفيد بأن الموتى يسمعون، إذ جاء في " صحيح البخاري " عن قتادة: أن الله أحياهم للنبي ليسمعوا ذلك» (" مختصر صحيح مسلم " للمنذري، تحقيق الألباني: جـ ٢ ص ٧٢، الحديث ١١٥٩، طبعة وزارة الأوقاف بدولة الكويت).
ثالثًا - المصدر العلمي الثالث: أحاديث مختلفة:
أما المصدر العلمي الثالث الذي استند إليه المؤلف لإثبات وجود إسرائيليات في " البخاري " وبالتالي إضعاف الثقة فيه وفي كتب السنة ليصل إلى النتيجة التي رسمها له أسياده وهي هدم السنة النبوية، هذا المصدر هو أحاديث نبوية محرفة مثل:
١ - الحديث رقم ١ في الجزء الثاني من كتابه: ص ١٢٤:
حيث قال: «ذروة الكذب في حديث يقول إن النبي الذي عصمه الله حاول الانتحار عندما تأخر عنه الوحي. " البخاري ": ص ٣٨ مجلدة كتاب الشعب» وبالرجوع إلى المجلد الخامس سالف الذكر تبين أن هذه الصفحات في باب مناقب الأنصار وبالبحث تبين أن رواية نزول الوحي على النبي هي الحديث الثالث في " صحيح البخاري " أي بالجزء الأول وليس في هذه الرواية بطبعة الشعب ولا بطبعة الحلبي ولا في طبعة دار الإرشاد من بيروت الإضافة التي وضعها هذا المؤلف والمتضمنة (أن النبي حاول الانتحار عندما تأخر عنه الوحي).
و" صحيح مسلم " أورد نفس الحديث، وهو حديث عروة عن عائشة بشأن بدء الوحي في غار حراء حيث جاء الملك وقال للنبي: اقْرَأْ، قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» وليس فيه الزيادة التي نسبها المؤلف إلى " البخاري " ليصفه بأنه ذروة الكذب، بل إن كتاب " التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول " (*) والذي يحوي
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) " التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول - ﷺ - " للشيخ منصور علي ناصف: الطبعة الثالثة: ١٣٨١ هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان (٥ مجلدات)، [انظر: " دليل مؤلفات الحديث الشريف المطبوعة، القديمة والحديثة "، تأليف محيي الدين عطية، صلاح الدين حفني ومحمد خير رمضان يوسف، ١/ ٣٢٣ رقم ١٤٤٦، الطبعة الأولى: ١٤١٦ - ١٩٩٥ م، نشر دار ابن حزم. بيروت - لبنان. وكتاب " التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول - ﷺ - " كتاب جامع، مختصر ومفيد.
[ ٢٨٩ ]
" الكتب الستة " أورد في الجزء الثالث فيه: (أول نزول الوحي) ص ٢٥٢ طبعة دار الفكر ببيروت، وليس في حديث عائشة سالف الذكر الزيادة المشار إليها.
ولكن أحد كتب السيرة غير المحققة ورد به أنه بعد نزول جبريل المرة الأولى وقال للنبي: «اقْرَأْ»، انقطع عنه مدة أرجح الأقوال فيها أربعون يومًا، فكان خلالها ياتي ذروة الجبل فيبدي له أن يرمي نفسه حذرًا من قطيعة الله له، فنطق له الملك قائلًا: «أنت رسول الله حَقًّا، فيطمئن خاطره» (" [نور] اليقين في سيرة سيد المرسلين " للشيخ محمد الخضري: ص ٣٢. وهذا ليس من قبيل الانتحار، وذلك على الرغم من أن رواية الخضري هذه لم ينسبها إلى أي مصدر من كتب السنة أو كتب السيرة، ولكن أشهر وألو كتب السيرة وهو " سيرة ابن إسحاق " التي رواها ابن هشام قد خلت من هذه الرواية مما يدل على أنها من الإسرائيليات، فالوارد عند ابن هشام تحت عنوان (فترة الوحي) «أن الوحي قد فتر حتى شق ذلك على النبي فأحزنه فجاء جبريل بسورة الضحى حيث يقسم الله فيها أنه ما ودعه وما كرهه ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣]».
٢ - الحديث رقم ٥٢ من الجزء الثاني من الكتاب المذكور: ص ٢٤١:
قال المؤلف: «الحديث رقم ٥٢ فيه افتراء على القرآن لأنه ذكر المرأة تحت اسم النعجة» " البخاري ": مجلد ٢ كتاب ٣ وذلك بتفسير قول الله: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [سورة ص، الآية: ٢٣]، ثم ذكر المؤلف أسبابًا عقلية تنفي صحة إطلاق اسم النعجة على المرأة وقال: «ومن هذه الأسباب نجرم بعدم صواب ذلك ونبرئ البخاري ورسول الله منه»: ص ٢٤٢.
وهذا يفيد أن إطلاق كلمة امرأة على اسم النعجة من قول النبي - ﷺ -، ولكن بالرجوع إلى المصدر الذي نقل عنه المؤلف وهو
[ ٢٩٠ ]
" صحيح البخاري " تبين أن الكلام منسوب إلى البخاري وليس للنبي أو أحد من الصحابة، والنص هو: «يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ نَعْجَةٌ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا شَاةٌ»: جـ ٤ ص ١٩٦. أي عند العرب، والبخاري إنما ينقل المعنى الذي اتصل بعلمه وعلم غيره ولم ينسب ذلك إلى النبي أو إلى القرآن حتى يقول المؤلف إن هذا افتراء ثم يبرأ القرآن والنبي منه.
رابعًا - المصدر العلمي الرابع: العقل البشري:
لقد زعم المؤلف أنه اكتشف الإسرائيليات في " صحيح البخاري " من خلال المراجع العملية وقد ذكرنا أمثلة منها، وهي كلها تحريف للكلم عن مواضعه.
ولا يبقى من المراجع العملية التي استند إليها المذكور في رده " صحيح البخاري " وباقي كتب السنة إلا منطقه وعقله البشري الذي احتكم إليه وزعم أنه يحتكم إلى القرآن فما كان به من أشياء توافق الحديث النبوي أخذنا بالحديث وإلا كان مكذوبًا، وبهذه المقدمة العقلية يريد أن يقنع المسلمين بترك السنة كلها لأنها ما جاءت إلا لتفصيل ما سكت عنه القرآن أو جاء به مجملًا غير مفصل مثل الصلوات الخمس ومناسك الحج والحلال والحرام وسائر المعاملات. وأيضًا يريد المؤلف أن ينسب الجهل إلى صحابة رسول الله - ﷺ - والعصور التالية لهم إلى يومنا لأنهم لم يدركوا ما توصل إليه. وفيما يلي أمثلة لهذه الأوهام العقلية التي ذكرها في كتابه:
١ - الحديث رقم ٨ في كتابه: ص ١٤٧ والخاص بالتوسل بالعباس:
يقول المؤلف: «الحديث فيه دعوى جواز التوسل إلى الله بالصالحين مع أن ذلك شرك صريح».
[ ٢٩١ ]
والوارد في " البخاري " ليس حديثًا نبويًا بل رواية من البخاري بسنده الصحيح عن عمر بن الخطاب: أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا ﷺ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا» قَالَ: فَيُسْقَوْنَ.
ولكن المؤلف يضع بعقله قاعدة ليكذب البخاري والصحابة فيقول: «إن الصحابة لم يتوسلوا بالنبي في دعاء أو رجاء لأن الشرك الذي نص عليه القرآن وحرمه على المسلمين، لم يكن إلا توسل الناس بالصالحين». ثم يقول: «من باطن التوحيد وظاهره يصدر اعتقادنا ببطلان هذا الحديث وبطلان نسبته إلى أصحاب النبي»: ص ١٤٩.
وقد حرف الكلم عن مواضعه عندما قال: «إن الشرك هو التوسل بالصالحين»، فالشرك في القرآن عبادة الناس استقلالًا أو زلفى إلى الله حيث وصف ذلك بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. أما التوسل بالصالحين في رجاء أو دعاء فليس شركًا، بل قد أخرج الترمذي والنسائي والطبراني عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قَالَ: «إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قَالَ: فَادْعُهْ، قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِيَ، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ»، قَالَ عُثْمَانُ: «فَوَاللهِ مَا تَفَرَّقْنَا [وَطَالَ بِنَا الْحَدِيثُ] حَتَّى دَخَلَ عَلَيْنَا الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ [قَطُّ]».
فالتوسل الممنوع هو التوسل بالأموات من غير الأنبياء ومخالفته ليست كفرًا أو شركًا (١) بل من المعاصي طبقًا للضوابط الشرعية.
_________________
(١) هذا الموضوع فصله المؤلف في كتابه " الحكم وقضية تكفير المسلم ": ص ١٦٨ - ١٨٤.
[ ٢٩٢ ]
٢ - الحديث رقم ٩ في فضل عائشة على نساء بني آدم:
يقول المؤلف: «روى البخاري أن النبي - ﷺ - " كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إِلاَّ [آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ]، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَ[إِنَّ] فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ "».
ثم يرد الحديث لأنه يفضل عائشة على مريم وامرأة فرعون وهي لم تذكر في القرآن مثلهما مما يجعل المغرضين يعللون ذلك بتعصب النبي لزوجته.
وهذا منطق الجهلاء الذين لا يؤمنون بالسنة النبوية ولا يسلمون أنها وحي من الله ولكن التبليغ بألفاظ النبي حتى لا تختلط بالقرآن كما يجهلون أن الحديث لم يحصر الكمال في مريم وامرأة فرعون استنتاجًا بل بتوقيف من الله تعالى. وأما قول النبي: «وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ». فهذا ليس عطفًا على الكمال بل استئناف لكلام جديد والواو هنا ليست للعطف بل للمغايرة واستئناف حكم جديد، وتشبيه عائشة بالثريد لا يفيد كمالها على نساء العالمين كما زعم المؤلف، فالثريد غير كامل حتى يكون التشبيه للكمال.
٣ - الحديث رقم ١٥ بكتابه ص ١٥٨:
يذكر المؤلف أن البخاري روى عن أبي هريرة، قال: «وَإِنَّ [إِخْوَتِي] مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَكَانَ يَشْغَلُ [إِخْوَتِي] مِنَ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ، أَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ».
[ ٢٩٣ ]
ويرد المؤلف الرواية لأنها في نظر أسياده تخريف لا يليق بالنبي وصاحبه ودس رخيص من أعداء الإسلام.
ومن الأسباب العقلية الأخرى:
أ - إنه قد جاء في كتاب " [أضواء] على السنة المحمدية ": «أن أبا هريرة أسلم وسنه سبع سنوات وعندما توفي النبي كان سن أبي هريرة عشر سنين، أي أنه لم يعاصر النبي إلا وهو طفل بين السابعة والعاشرة».
وسبق أن أوضحنا أن محمود أبو رية كذاب ومحرف للكلم عن مواضعه وكتبه ليست مصدرًا علميًا، وليس أدل على ذلك من أن أكبر خصوم الإمام أبي هريرة وهو الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي الذي تضمن كتابه " أبو هريرة " وصفًا له من محمد سعيد العريان بأنه أمي مفرط مكثار كذاب، مغلول، مهول، متزلف، سخيف، سقيم العقل، صنيعة بني أمية: ص ٣.
هذا الذي نقل ذلك عن أبي هريرة يقول عن نشأته (ص ٢٠): «نشأ في اليمن وشب حتى أناف على الثلاثين وهاجر إلى المدينة بعد فتح خيبر وأسلم وأما صحبته فقد صرح في حديث أخرجه " البخاري " بأنها كانت ثلاث سنين».
ب - أنه ليس معقولًا أن يحفظ أبو هريرة وينسى أبو بكر وعمر وأعلام الصحابة.
ولقد أوضح ذلك البخاري في " التاريخ " فروى عن الصحابي طَلْحَةَ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ - قَوْلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «[وَاللَّهِ] مَا نَشُكُّ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مَا لَمْ نَسْمَعْ وَعَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَمْ، إِنَّا كُنَّا قَوْمًا أَغْنِيَاءَ وَلَنَا بُيُوتَاتٌ وَأَهْلُونَ، وَكُنَّا نَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ
[ ٢٩٤ ]
ﷺ [فِي طَرَفَيِ النَّهَارِ] ثُمَّ نَرْجِعُ، وَكَانَ هُوَ مِسْكِينًا لاَ مَالَ لَهُ وَلاَ أَهْلَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ يَدُهُ مَعَ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ، فَمَا نَشُكُّ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَمْ وَسَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ».
٤ - الحديث رقم ٢٤ بشأن عقوبة الزنا:
ينقل المؤلف عن " البخاري " أن أعرابيًا جاء إلى النبي وقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ: صَدَقَ، [اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ]، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَقَالُوا [لِي]: عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ، فَفَدَيْتُ ابْنِي مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنَ الغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ، فَقَالُوا: إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَارْجُمْهَا»، فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا. وَأُنَيْسٌ شخص ثالث كلفة النبي بإقامة هذا الحد.
والمؤلف لا يعجبه ذلك فيرد الحديث النبوي لأنه أورد أمرين لا أصل لهما في القرآن الكريم، الأول تغريب عام والثاني الرجم (ص ١٨٠) والجدير بالذكر أن قضاء النبي بكتاب الله ليس معناه أن هذا القضاء في القرآن، فكتاب الله هنا يعني حكم الله لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقد أقسم النبي أن يحكم بينهما بكتاب الله وهو يعلم أن حكم الرجم ليس في القرآن، ولكن يبين أنه مخول بتفسير مجمل القرآن في قوله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (١).
والمؤلف يردد أقوال المنافقين والزنادقة من أنه لا التزام إلا بما في القرآن
_________________
(١) [سورة الحشر، الآية: ٧]، وقد فصل هذا المعنى الإمام الزركشي في كتابه " البرهان في علوم القرآن ": ج ٢ ص ١٤٩.
[ ٢٩٥ ]
فقط وقد نقل في ذلك عن أبي رية في كتابه " أضواء على السنة المحمدية " أن النبي حذر من الأخذ بشيء لم يرد في القرآن فقال: «إن الأحاديث ستكثر بعدي كما كثرت عن الأنبياء قبلي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فهو عني قلته أو لم أقله» وهذا الحديث من وضع الزنادقة كما قال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما من رجال الحديث، والثابت أن النبي قال: «أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»، وهؤلاء لا يجهلون أن السنة وحي من الله وهي البيان التفصيلي للقرآن الكريم للقرآن الكريم ولهذا فصلت أحكام الصلاة والصوم والزكاة والحج والحدود والعقوبات والمعاملات، وفي خصوص جريمة الزنا روى مسلم في " صحيحه " عن عبادة بن الصامت قال: «خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، وَالْبِكْرُ بِالبِكْرِ، الثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ رَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ، وَالبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ، ثُمَّ نَفْيُ سَنَةٍ». كتاب الحدود.
خامسًا - جدول المراجع العلمية المحرفة:
والمؤلف في سبيل إعطاء الشرعية لبدعته التي زعم فيها أن " البخاري " به إسرائيليات مدسوسة على النبي تبلغ مائة وعشرين حديثًا وهي الأحاديث التي لم يقبلها عقل المؤلف السقيم وقد أوردنا أمثله منها.
نراه يصل إلى نتيجة وهي رد السُنَّةِ كلها «ومن تبرئة النبي منها وذلك عملًا على تطهير ديننا من شوائب الدس الإسرائيلي»: ص ٣ من المقدمة.
وليصل إلى هذه الشرعية وضع جدولًا ص ١٠٧ به مقتطفات من مراجع علمية اقتصر فيها على شطر الكلام يؤيد بدعته كالذي يقتصر على قول الله ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ﴾ [النساء: ٤٣]، ولا يذكر باقي قوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
[ ٢٩٦ ]
أ - فمثلًا ينقل عن الدهلوي في كتابه " الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف " أن السنة هي العملية المتواترة التي رآها الناس والنبي يفعلها (بينما هذه الرسالة تضمنت باقي أنواع السنة القولية والتقريرية وهذا ما أغفله المؤلف).
ب - وينقل عن الشيخ محمد عبده أنه قال: «يجب اعتبار القرآن هو السند [الوحيد] لقبول الحديث» بينما الشيخ محمد عبده في " تفسير المنار ": ص ١٠٣ يقول: «لا بد من الرجوع بالأحاديث والمذاهب إلى القرآن» ولا يعني بذلك الاستغناء عن السنة.
ج - وينقل عن " الرسالة " للإمام الشافعي: «جَمِيعُ مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ». والشافعي يعني بذلك اجتهاد الرسول فيما لم ينزل فيه وحي بالسنة النبوية بدليل أنه في ذات " الرسالة " يقول: «وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ مَا لَيْسَ فِيهِ بِعَيْنِهِ نَصَّ كِتَابٍ، وَكُلَّ مَا سَنَّ رَسُولُ اللهِ فَقَدْ أَلْزَمَنَا اللهُ اِتِّبَاعَهُ».
د - وينقل المؤلف عن الشيخ مصطفى عبد الرازق أن عمر - ﵁ - حبس أصحاب رسول الله المعاصرين له بالمدينة عن الانتشار في الأرض حتى لاَ [يُحَدِّثُوا] عن رسول الله فيزيد الناس عنهم أو ينقصون حتى أطلقهم عثمان: ص ١٠٨. (*).
الثورة الاجتماعية والمحرفون الجدد:
وفي الوقت نفسه ينقل مجتهد آخر هو الدكتور محمد عمارة في كتابه " عمر بن عبد العزيز " الصادر عن دار الهلال في شوال ١٣٩٨ هـ / سبتمبر ١٩٧٨ م تحريفًا آخر عن سبب انتشار الصحابة فيزعم أن «هذا الذي استقر عليه الإسلام والمسلمون حتى عهد عمر قد بدأ يتغير منذ خلافة عثمان بن عفان، فأشراف قريش الذين حجزهم عمر بالمدينة ومنعهم من السعي لحيازة الثروات وامتلاك الأرض في البلاد الغنية المفتوحة، قد انطلقوا وحققوا مطامحهم ومطامعهم على عهد عثمان، وكما يقول الطبري: فإن "عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ حَجَرَ عَلَى أَعْلامِ
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) قد رد على هذا الافتراء الكاذب كل من: - الشيخ عبد الغني عبد الخالق في كتابه " الرد على من ينكر حجية السنة ": ص ٤٠٨، طبع في جمادى ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م، نشر مكتبة السنة - مصر. - الشيخ محمد محمد أبو شهبة في كتابه " دفاع عن السنة ": ص ٣٧، ٤٩، ٥٣، ٢٧٨، ٢٨٠، طبع في جمادى ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م، طبعة مكتبة السنة - مصر. - الدكتور مصطفى السباعي في كتابه " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي "، الطبعة الثالثة - بيروت: ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م، المكتب الإسلامي: دمشق - سوريا، بيروت - لبنان: ص ٦٤، ٦٥، وطبعة دار الوراق: الطبعة الثالثة - بيروت: ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م: ص ٨٢، ٨٣. - والدكتور محمد عجاج الخطيب في كتابه " السنة قبل التدوين "، الطبعة الثانية: رمضان ١٤٠٨ - أبريل ١٩٨٨ م: ص ١٠٦، ١٠٩، ١١٠، نشر مكتبة وهبة - مصر.
[ ٢٩٧ ]
قُرَيْشٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ الْخُرُوجَ فِي الْبِلْدَانِ إِلا بِإِذْنٍ وَأَجَلٍ فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ لَمْ يَأْخُذْهُمْ بِالَذِي كَانَ يَأْخُذُهُمْ بِهِ عُمَرُ "»: ص ٤٤.
ووجه التحريف في الروايتين هو:
أ - أن منع الصحابة (لا المهاجرين فقط) من مغادرة المدينة كان قرارًا نافذًا خلال خلافة أبي بكر وعمر وسنتين من خلافة عثمان لسبب ليس ما زعمه الكاتب الأول أو الثاني، بل هو رجوع الخليفة إليهم لأن أحكام السنة النبوية لم تكن قد جمعت كلها وهم يحفظون على تفاوت بينهم.
ولكن لما كثرت الفتوحات الإسلامية في خلال خلافة عثمان اضطر للسماح لهم بالهجرة إلى هذه البلاد ليعلموا أهلها أحكام الإسلام وليس للسلب والنهب والمطامع كما يزعم الشيخ عمارة الذي يتجاهل ويذكر هنا اسم الطبري في واقعة منع الصحابة من الهجرة ليوحي للقراء أن السبب الذي اخترعه من أقوال الطبري، فالمنع من الهجرة لم يكن بسبب الخوف من الزيادة أو النقصان على رسول الله كما زعم الدجال الأول وليس للحيلولة دون السلب وامتلاك الأراضي، كما زعم الكاتب الآخر الذي امتد فكره إلى القرطبي فنسب إليه أنه بالجزء الثالث من كتابه " الجامع لأحكام القرآن ": ص ٦٢ قد قطع أن جمهور المفسرين يرون أن معنى قول الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، هو أن الواجب إنفاقه، هو ما فضل عن العيال أي عن الحوئج: (ص ٤٣ من كتابه).
بينما القرطبي ينقل عن قيس بن سعد أن (العفو) هو الزكاة المفروضة ويغفل قوله عن جمهور العلماء إنها نفقة التطوع كما ينقل القرطبي عن غيرهم أن آية الزكاة قد نسخت هذه الآية، ثم يقول: والظاهر يدل على الأول أي أن
[ ٢٩٨ ]
الزيادة المطلوب إخراجها كما قال الجمهور هي نفقه التطوع، وكل ذلك حَرَّفَهُ الشيخ عمارة وكذب على القرطبي.
وهذه الزيادة كما قال الشهيد سيد قطب في " الظلال ": «حق قد يؤديه صاحبه ابتغاء مرضاة الله - وهذا هو الأكمل والأجمل - فإن لم يفعل واحتاجت إليه الدولة المسلمة التي تنفذ شريعة الله، أخذته فأنفقته فيما يصلح الجماعة المسلمة»: ص ٣٣٦ جـ ١.
مَوْقِفُ القُرْآنِ مِنَ السُنَّةِ وَصِبْيَانِ العُلَمَاءِ:
إن صبيان العلماء الذين يستغلون لرد الحديث النبوي، قد يموهون على العوام فيستدلون بما جاء في أمهات المراجع الإسلامية عن ارتباط السنة بالقرآن وتفصيلها له، غير أن هذه الأقوال لم تأت لرد السنة النبوية وقد فصلنا ذلك في البند ٦١ من هذا الكتاب وفصلنا سائر المراجع ومنها كتاب " مقدمة في تفسير الرسول للقرآن " للأستاذ محمد العفيفي. إن ما ورد في أمهات الكتب وصرح أصحابه أن المراد به أن السنة تفصل أحكام القرآن ولا تهدمه أو تعارضه ولهذا يردون أحكام السنة إلى أصل عام في القرآن وفي هذا قال الإمام الزركشي: «اعْلَمْ أَنَّ القُرْآنَ وَالحَدِيثَ أَبَدًا مُتَعَاضِدَانِ عَلَى اسْتِيفَاءِ الحَقِّ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ مَدَارِجِ الحِكْمَةِ حَتَّى إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُخَصِّصُ عُمُومَ الآخَرِ وَيُبَيِّنُ إِجْمَالَهُ ثُمَّ مِنْهُ مَا هُوَ ظَاهِرٌ وَمَعَهُ مَا يَغْمُضُ وَقَدِ اعْتَنَى بِإِفْرَادِ ذَلِكَ بِالتَّصْنِيفِ الإِمَامُ أَبُو الحَكَمُ ابْنُ بَرَّجَانَ فِي كِتَابِهِ المُسَمَّى بـ " الإِرْشَادِ " (١) وَقَالَ: مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ
_________________
(١) هو الإمام عبد السلام بن عبد الرحمن الإشبيلي المشهور بابن برجان وهو أحد علماء اللغة والنحو، مات سنة ٦٢٧ هـ كما ذكر السيوطي في " بغية الوعاة ": ص ٣٠٦، وكتابه هو " الإرشاد في تفسير القرآن "، نسخته بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية ونسخة بالمكتبة التيمورية.
[ ٢٩٩ ]
مِنْ شِيْءٍ فَهُوَ فِي القُرْآنِ وَفِيهِ أَصْلُهُ قَرُبَ أَوْ بَعُدَ فَهِمَهُ مَنْ فَهِمَهُ وَعَمِهَ عَنْهُ مَنْ عَمِهَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أَلاَ تَسْمَعُ [إِلَى] قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الرَّجْمِ: "لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ الله" وَلَيْسَ فِي نَصِّ كِتَابِ اللَّهِ الرَّجْمُ وَقَدْ أَقْسَمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَكِنَّ الرَّجْمَ فِيهِ تَعْرِيضٌ مُجْمَلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨]، وَأَمَّا تَعْيِينُ الرَّجْمِ مِنْ عُمُومِ ذِكْرِ العَذَابِ وَتَفْسِيرِ هَذَا المُجْمَلِ فَهُوَ مُبَيَّنٌ بِحُكْمِ الرَّسُولِ وبأمره بِهِ، وَمَوْجُودٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [الحشر: ٧]، وَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]».
ثم قال: «وَهَذَا البَيَانُ مِنَ العِلْمِ جَلِيلٌ وَحَظُّهُ مِنَ اليَقِينِ جَزِيلٌ، وَقَدْ نَبَّهَنَا ﷺ عَلَى هَذَا المَطْلَبِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ خِطَابِهِ، مِنْهَا حِينَ ذَكَرَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ تَعَالَى لأَوْلِيَائِهِ فِي الجَنَّةِ فَقَالَ: "فِيهَا مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ" ثُمَّ قَالَ: "اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] وَوَصَفَ الجَنَّةَ فَقَالَ: " فِيهَا شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ وَلاَ يَقْطَعُهَا" ثُمَّ قال: "اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]».
ولقد عدد الإمام الزركشي الأحاديث النبوية وربطها بالآيات القرآنية في فصل كامل بعنوان (النوع الأربعون في معاضدة السنة للقرآن) (١)، وكان مما ذكره: الروايات التي ساق بعضها صاحب كتاب " الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرئيلية وتطهير البخاري منها ": ص ٢٢٣، فكان من ذلك الحديث الخاص بالشمس وفيه: «وَتَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ» وحديث
_________________
(١) " البرهان في علوم القرآن " للإمام بدر الدين الزركشي: جـ ٢ ص ١٢٩ وما بعدها.
[ ٣٠٠ ]
«رَأْسُ الكُفْرِ نَحْوَ المَشْرِقِ»، ولكن الإمام الزركشي ربط الحديث بقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨]، وقوله تعالى: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل: ٢٤]، وقول الله: ﴿لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت: ٣٧].
أما المدعو السيد أبو بكر والمسخر اسمه لهدم الإسلام عن طريق هدم السنة، فقد زعم أن الحديثين يناقضان القرآن الكريم ولذا فهما من الإسرائيليات ورتب على ذلك استبعاد الأحاديث النبوية كلها وقدم فَهْمًا مغلوطًا للحديث النبوي زعم فيه أنه أراد بالمشرق الخليج العربي والكويت والسعودية لأنها تقع شرق المدينة، والحديث خاص بالشمس وليس بشرق المدينة أو غربها.
ونكتفي بهذا في كشف هذه الكتب التي ينفق على ترويجها أعداء الإسلام ويسخرون لذلك بعض الحكام وبعض صبيان العلماء والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
[ ٣٠١ ]
٥٦ - الطَّعْنُ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ:
إنَّ المستشرقين الذين لم يجدوا وسيلة لهدم السُنَّة النبوية، ألقوا سمومهم في بعض كتبهم ومن هذه السموم التشكيك في بعض الصحابة.
لقد نقل أحمد أمين أنَّ الصحابي أبا هريرة كان يُحَدِّثُ عن النبي - ﷺ - بغير ما سمعه منه واستدلَّ على ذلك بأنه روى عن النبي: «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، فَلاَ صَوْمَ لَهُ» فلما أنكرت عائشة ذلك قال: «إِنَّهَا أَعْلَمُ مِنِّي وَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ بَلْ سَمِعْتُهُ مِنَ الفَضْلِ بْن العَبَّاسِ» (١).
ولقد أجاب الدكتور السباعي بأنَّ كُتُبَ الصحيح لم تذكر عن عائشة أنها أنكرت بل جاء في هذه الكتب أنَّ أبا هريرة استفتى في صوم من أصبح جُنُبًا، فأفتى بأنه لا صوم له، فاستفتَتْ عائشة وأم سلمة، فأجابتا بصِحَّةِ الصوم وقالتا: كان رسول الله يصبح جنبًا ثم يصوم. فلما قيل ذلك لأبي هريرة رجع عن فتواه وقال: «هُمَا أَعْلَمُ مِنِّي» (٢).
كما أنَّ الرواية التي نسبها المسلم الناقد إلى كتاب " شرح مُسَلَّم الثبوت " ليس فيها حصول الإنكار والرَدِّ من عائشة أو أنَّ أبا هريرة نسب الحديث إلى
_________________
(١) " فجر الإسلام ": ص ٢٦٩ (للكاتب أحمد أمين).
(٢) " السُنَّةُ ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ٣٠٧.
[ ٣٠٢ ]
النبي - ﷺ - لأن رواية " مسلم " فيها أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث قال: سمعت أبا هريرة يقول: «مَنْ أَدْرَكَهُ الفَجْرُ جُنُبًا فَلاَ يَصُمْ» (١).
ولكن الكاتب تأثرًا بمنهج المستشرقين زعم أن الصحابي الجليل كان يحدث عن النبي - ﷺ - ما لم يقله النبي، والسبيل لإثبات ذلك هو مجاراة المستشرقين في النقل عن كتاب " شرح مسلم الثبوت " رواية ليست فيه كما نسب إلى أبي هريرة أنه زاد في روايته الحديث: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، (أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ) انْْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» والزيادة هي: (أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ) (٢).
وفي إثبات هذه التهمة ذكر أنه قد قيل لابن عمر: إن أبا هريرة يزيد في الرواية (أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ) فقال: «إنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا»، ويعلق الناقد المسلم على ذلك بقوله: «وَهَذَا نَقْدٌ مِنْ ابْنِ عُمَرَ لَطِيفٌ فِي البَاعِثِ النَّفْسِيِّ» (٣).
أي أن أبا هريرة زاد في الرواية لمصلحته حيث إنه صاحب زرع، ومن أراد التحقيق العلمي يتضح له أن الرواية التي فيها الزرع رواها " مسلم " عن ابن عمر أيضًا بلفظ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلاَّ كَلْبَ زَرْعٍ، أَوْ غَنَمٍ، أَوْ صَيْدٍ » (٤).
وإن الحافظ ابن حجر في كتاب " فتح الباري " أوضح أن ابن عمر أكد رواية أبي هريرة وأن سفيان بن زهير وعبد الله بن مغفل قد وافقاه على هذه الزيادة (٥).
_________________
(١) " شرح مسلم الثبوت ": ٢/ ١٣١.
(٢) " ضحى الإسلام ": جـ ٢ ص ١٣١.
(٣) المرجع السابق: ص ١٣١، ١٣٢.
(٤) مختصر صحيح مسلم جـ ٢ ص ٩٧.
(٥) " فتح الباري ": جـ ٥ ص ٦.
[ ٣٠٣ ]
قال النووي في " شرح مسلم ": «(قول ابن عمر: «إنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا») [قَالَ الْعُلَمَاءُ]: لَيْسَ [هَذَا] تَوْهِينًا لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلاَ شَكًّا فِيهَا، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ وَحَرْثٍ اعْتَنَى بِذَلِكَ وَحَفِظَهُ وَأَتْقَنَهُ» (١).
وأخيرًا وليس آخرًا فإن رواية " مسلم " عن أبي هريرة نفسها: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ»، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَذُكِرَ لابْنِ عُمَرَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: «يَرْحَمُ اللهُ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ» (٢).
قال الشيخ محمد ناصر الألباني: «قول ابن عمر هذا لا يصح عنه لأن الزهري لم يدركه فهو منقطع وليس على شرط الصحيح» (٣).
فأين هذا كله مما زعمه الناقد الأمين؟ وهل يجهل أن الشافعي والبخاري قالا عن أبي هريرة إنه أحفظ من روى الحديث؟ (٤).
٥٧ - الإِسْرَافُ فِي نَقْدِ الحَدِيثِ وَشِفَاءِ العُيُونِ:
لقد تأثر بعض الكُتَّابِ بالمستشرقين في نقد متن الحديث النبوي ومن الأمثلة على ذلك دعواهم بالتوقف في صحة الأحاديث النبوية حتى يخضع الحديث للتجارب الطويلة.
_________________
(١) " المنهاج شرح صحيح مسلم " للنووي: جـ ٦ ص ٥٥٥.
(٢) و(٣) " مختصر صحيح مسلم ": جـ ٢ ص ١٩٧، الحديث ١٢٤٤ وهامش الصفحة.
(٣) " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور مصطفى السباعي: ص ٢٩١.
[ ٣٠٤ ]
لقد طالب بعضهم إخضاع الحديث للتجارب الطويلة والتحاليل الطبية لنعلم صحة نسبته إلى النبي - ﷺ -، ولقد نقل أحدهم حديث «الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ» ثم قال: «فهل اتجهوا في نقد الحديث إلى امتحان الكمأة، وهل فيها ترياق؟ نعم إنهم رَوَوْا أن أبا هريرة قال: " أَخَذْتُ ثَلاَثَةَ أَكْمُؤٍ أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا فَعَصَرْتُهُنَّ فِي قَارُورَةٍ وَكَحَلْتُ بِهِ جَارِيَةً لِي عَشْمَاءُ فَبَرَأَتْ" ولكن هذا لا يكفي لصحة الحديث، فتجربة جزئية [نَفَعَ فيها شيء مرة] لا تكفي منطقيًا لإثبات الشيء في [ثبت الأدوية]، [إنما الطريقة] أن تجرب مِرَارًا، وخير من [ذلك] أن تحلل» (١) (*).
إن هذا الحديث قد رواه " البخاري " و" مسلم " وسنده لا يتطرق إليه الشك حتى نتوقف في قبوله على النتائج العملية أو التجارب الفردية.
فضلًا عن أن الأطباء الأقدمين قد أكدوا أن ماءها مفيد للبصر (٢). أما الطب الحديث فإنه في معامل موسكو، قام مدير مستشفى الرمد بالمنوفية وهو الدكتور المعتز بالله محمد مراد المرزوقي وأجرى أبحاثًا على الكمأة فثبت أنها تعالج الرمد الحبيبي (التراكوما) وهو مرض يؤهل لالتهاب تقيحي يساعد على العمى.
ولكن الكاتب يريد أن يجعل الحديث النبوي رهن تجارب أشخاص يخطئون أكثر مما يصيبون حتى يصلوا إلى الحقائق بعد كثير من الضحايا.
وكان أجدر بهؤلاء أن يرجعوا إلى الأسباب التي اتفق علماء الحديث على أنها وسيلة رد متن الحديث دون أن يبتدعوا أسبابًا ليست قطعية ولا يقينية، أو أن يجعلوا العقل البشري حكمًا على الكتاب والسنة النبوية.
_________________
(١) " ضحى الإسلام ": جـ ٢ ص ١٣١.
(٢) " الهدي النبوي " لابن القيم: جـ ٣ ص ١٨١. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) ما بين [] للتصحيح، رجعت فيه إلى كتاب " ضحى الإسلام " لأحمد أمين: ٢/ ١٣١، طبعة سنة ١٩٩٨ م، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
[ ٣٠٥ ]
وأجدر بمن قلدهم أن يدرك أن المؤلف المسلم أحمد أمين في قوله: «إن المحدثين عنوا عناية تامة بالنقد الخارجي، ولم يعنوا هذه العناية بالنقد الداخلي فلم يعرضوا لمتن الحديث هل ينطبق على الواقع أو لا؟» (*).
هذا المسلم كان يقلد المستشرق كايتاني الذي نقل عنه زميله يوسف شاخت قول: «كل قصد المحدثين ينحصر في واد جدب ممحل، من سرد الأشخاص [الذين] نقلوا المروي - النقد الخارجي - ولا يشغل أحد نفسه بنقد العبارة والمتن نفسه» (١). وهل جهل احمد أمين أن من دلائل معرفة الوضع في الحديث كان النظر في السند، حتى وجدنا للحديث أوصافًا تتعلق بالمتن مثل، الشاذ والمقلوب والمضطرب والمدرج والمصحف.
ومع هذا فإن الأطباء الذين أجروا تجارب على ما ورد بالسنة النبوية متعلقًا بأمور علمية أو طبية قد توصلوا إلى مطابقة الأحاديث النبوية للنتائج الطبية والعلمية، وكتاب الدكتور موريس بوكاي (٢) قد أورد كثيرًا من ذلك في القرآن والسنة، والبحث المقدم إلى المؤتمر العالمي للطب الإسلامي المنعقد بالكويت، قد كشف عن أنه بفحص ستمائة طفل وبعلاج ثمانية منهم من الرمد الحبيبي بماء الكمأة لمدة ثلاثين يومًا تبين أنه قد امتنع حدوث التليف في هذا المرض (التراكوما) مما يحول دون حصول مضاعفات لهذا المرض المؤدي إلى العمى (٢).
كما قدم لنفس المؤتمر (٣) بحثًا آخر عن الحديث الذي رواه البخاري
_________________
(١) " دائرة المعارف الإسلامية ": مادة أصول آخر الفقرة / ١٥.
(٢) و(٣) هذا البحث بعنوان " أضواء على السنة المحمدية في عصر التقدم العلمي " للصديق المخلص الدكتور معتز المرزوقي وقد قدمه ليكون ضمن وثائق المؤتمر المقرر عقده في الكويت خلال يناير سنة ١٩٨٠ (ربيع الأول سنة ١٤٠١ هـ)، والأبحاث الواردة عن الكمأة أجراها بنفسه، أما عن الذبابة فقد نقل عن غير المسلمين ما نقلناه موجزًا وذلك عن الكتاب الذي طبعته وزارة الصحة بالكويت عن المؤتمر العالمي الأول للطب الإسلامي وقد تضمن القسم الثالث من هذا الكتاب دراسات عن حقائق في الكتاب والسنة تتعلق بالطب وتطابقها مع = [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) " ضحى الإسلام " لأحمد أمين: ٢/ ١٣٠.
[ ٣٠٦ ]
بلفظ: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي [شَرَابِ] أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً».
وقد جاء في البحث أن العالم الألماني بريفلر، من جامعة هال اكتشف سنة ١٨٧١ م أن الذبابة مصابة بفطر يتكاثر ويلتصق بجسمها، وأنه في سنة ١٩٤٧ م اكتشف مفليش وجود مضادات حيوية تفرزها هذه الفطريات من جسم الذبابة وأنها فعالة ضد الجراثيم العضوية السالبة مثل التيفود والدوسنتاريا، وهذه المضادات فعالة بحيث أن الغرام منها يحفظ ألف لتر لبن من التلوث بالجراثيم المذكورة التي هي مصدر خطورة الذباب، وأن غمس الذبابة في السائل يجعل المضاد الحيوي يخرج ويذوب في السائل ويعطيه وقاية من المكروبات.
يقول الدكتور أمين رضا أستاذ جراحة العظام بجامعة الإسكندرية: إن الجراحين الذين عاشوا قبل اكتشاف مركبات السلفا راوا بأعينهم علاج الكسور المضاعفة والقرحات المزمنة بالذباب حيث كان يربى لذلك خصيصًا وبني على هذا اكتشاف فيروس البكتريوناج القاتل للجراثيم، على أساس أن الذباب يحمل في آن واحد الجراثيم التي تسبب المرض والبكتريوناج الذي يهاجم هذه الجراثيم، وتوقف هذا العلاج يرجع إلى اكتشاف مركبات السلف التي جذبت أنظار العلماء وكل هذا مفصل بدقة في جزء من رسالة الدكتوراه للزميل أبو الفتوح مصطفى عيد والمقدمة إلى جامعة الإسكندرية إشرافي. " مجلة التوحيد " الصادرة بمصر، العدد الخامس، سنة ١٣٩٧ هـ (١٩٧٧ م) نقلًا عن كتاب " فتاوى معاصرة " للدكتور يوسف القرضاوي: ص ١٠٧.
_________________
(١) = العلم من ذلك حديث «اسْقِهِ عَسَلًا» الذي رواه " البخاري " و" مسلم ". حيث ذكر الدكتور سالم نجم أن التحاليل العملية كشفت عن علاج عسل النحل للمصابين بعسر الهضم وقرحة الاثنى عشر ونقل عن دراسة الدكتور ياسين عبد الغفار علاج هذا العسل في مساعدته لالتئام هذه القرحة، وتناول بحث الدكتور أحمد شوقي هذا العسل كمضاد حيوي بالإضافة إلى ستة عشر بحثًا طبيًا في أمور أخرى.
[ ٣٠٧ ]
٥٨ - الصَّحَابَةُ وَالإِكْثَارُ مِنَ السُنَّةِ:
لقد كان بعض صحابة رسول الله - ﷺ - أكثر تفرغًا من غيرهم ولهذا اشتهروا بكثرة الرواية عن النبي - ﷺ -.
لقد كان أبو هريرة - ﵁ - من هؤلاء الصحابة وهذا مما أغضب المستشرق اليهودي (جولدتسيهر) فقال عنه: «ويظهر أن علمه الواسع بالأحاديث التي كانت تحضره دائمًا قد أثار الشك في نفوس الذين أخذوا عنه مباشرة والذين لم يترددوا في التعبير عن شكوكهم بأسلوب ساخر» (١).
ولكن كاتبًا مسلمًا لم يقف عند هذا الذي زعمه جولدتسيهر من أن كثرة رواية أبي هريرة أثارت الشك في نفوس من أخذوا عنه أي التابعين، بل زاد الكاتب المسلم أن بعض الصحابة كَذَّبُوا أبا هريرة (٢).
لهذا نوضح هذه المسألة ليزداد المؤمن إيمانًا بالسنة ورواتها، ولقد أسلم أبو هريرة سَنَةَ سَبْعٍ من الهجرة فكان يسمى عبد شمس بن صخر فسماه النبي - ﷺ - عبد الرحمن بن صخر ويكنى بأبي هريرة لأنه كان يحمل هرة صغيرة. وعلى الرغم من تأخر إسلامه إلا أنه روى كثيرًا من الأحاديث كما كان يفتي للصحابة فقد روى الإمام مسلم بسنده عن عروة عن عائشة - رَضِيَ
_________________
(١) كتاب " العقيدة والشريعة " للمستشرق جولدتسيهر.
(٢) أحمد أمين في كتابه " فجر الإسلام ": ص ٢٦٥ وما بعدها. وانظر البند ٦٩.
[ ٣٠٨ ]
اللهُ عَنْهَا -، قالت: «أَلاَ يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ حُجْرَتِي، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يُسْمِعُنِي ذَلِكَ، وَكُنْتُ أُسَبِّحُ فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ [سُبْحَتِي]، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَكْثَرَ، وَاللهُ المَوْعِدُ، وَيَقُولُونَ: مَا بَالُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لاَ يَتَحَدَّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: إِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَرَضِيهِمْ، وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا: «أَيُّكُمْ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ، فَيَأْخُذُ مِنْ حَدِيثِي هَذَا، ثُمَّ يَجْمَعُهُ إِلَى صَدْرِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْسَ شَيْئًا سَمِعَهُ» فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَيَّ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَدِيثِهِ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ، وَلَوْلاَ آيَتَانِ أَنْزَلَهُمَا اللهُ فِي كِتَابِهِ مَا حَدَّثْتُ شَيْئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] (١).
هذا هو سبب كثرة روايات أبي هريرة فكان ذلك ذريعة جولدتسيهر أنهم أكثروا من نقده والشك في صدقه فظن كاتب مسلم أنه لم يقتصر على ما سمع من النبي - ﷺ - بل كان يروي عنه أحاديث لم يسمعها (٢).
لقد استند الناقد المسلم إلى روايات نسبت إلى أبي هريرة فنقل عنه أنه قد روى حديث: «مَنْ حَمَلَ جَنَازَةً فَلْيَتَوَضَّأْ» فلم يأخذ به ابن عباس وقال: «لاَ يَلْزَمُنَا الوُضُوءُ مِنْ حَمْلِ عِيدَانٍ يَابِسَةٍ».
_________________
(١) " مختصر صحيح مسلم " للمنذري: جـ ٢ ص ٢١٦ الحديث ١٧٠٩.
(٢) " فجر الإسلام ": ص ٢٦٥ وما بعدها للأستاذ أحمد أمين.
[ ٣٠٩ ]
وقد أجاب على ذلك الدكتور السباعي (١) أنه لم يجد: «لهذا الحديث [بهذا النص] أَثَرًا في كتب الحديث قاطبة، ولا في كتب الفقه والخلاف» ولكن ذكرها بعض علماء الأصول وهؤلاء يتساهل بعضهم في ذكر الأحاديث التي ليس لها أصل أو أصلها جاء من طريق ضعيف والسبب أن الحديث ليس صناعتهم ولا هو من اختصاصهم. والجدير بالذكر أنه قد شاع هذا الحديث في كتب أصول الفقه التي تدرس بالجامعات ومنهم من نسب هذا القول إلى السيدة عائشة كسبب لرد رواية أبي هريرة، وهؤلاء ينقلون عن بعض الكتب دون تحقيق في مدى ثبوت هذا الحديث، ومع هذا فليس فيما نقله الكاتب المسلم ما يدل على أن ابن عباس كَذَّبَ أبا هريرة أو طعن فيه بل رواية تخالف القواعد الشرعية.
كما نقل الكاتب أن عائشة رَدَّتْ رواية أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «مَتَى اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَضَعَهَا فِي الإِنَاءِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». قال الناقد البصير: إن عائشة لم تأخذ بالحديث حسب الثابت في كتاب " مسلم الثبوت ": (٢/ ١٧٨) إذ قالت: «[كَيْفَ] نَصْنَعُ بِالْمِهْرَاسِ؟»، ولكن المرجع الذي نقل عنه أحمد أمين وهو " شرح مسلم الثبوت " فيه قول الشارح: «قَالَ فِي التَّفْسِيرِ لَمْ يَثْبُتْ هَذَا مِنْهُمَا - أَيُّ مِنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - وَإِنَّمَا ثَبَتَ مِنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ [قَيْنٍ] الأَشْجَعِيِّ [وَفِيْ صُحْبَتِهِ خِلاَفٌ]» والحديث لم ينفرد به أبو هريرة بل رواه الترمذي عن ابن عمر.
كما أن النهي مخصوص بالماء المحفوظ في الإناء كما هو ثابت من رواية " مسلم "، ولكن الكاتب المسلم أغفل كل ذلك وأظهر ما يفيد تكذيب بعض الصحابة لأبي هريرة - ﵁ -، وهذا لم يحدث مطلقًا.
وإذا كان بعض الصحابة لم يعمل برواية لشكه في قدرة الراوي على تحمل الرواية إما لسوء حفظه أو غفلته أو غير ذلك، فلا يجوز للمسلم في عصرنا أن يجعل من ذلك سببًا في رد حديث قد ثبتت صحته عن النبي - صَلَّى
_________________
(١) " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ٣٠٧.
[ ٣١٠ ]
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأن التوقف في العمل بحديث ما كان له ما يبرره أما اليوم فلا يوجد لرد حديث ثبت أنه صحيح، ومن فعل ذلك فليس من الإسلام في شيء.
[ ٣١١ ]
٥٩ - تَحْرِيفُ النُّصَوصِ بَيْنَ المُسْتَشْرِقِينَ وَعُلَمَاءَ الشُّهْرَةِ:
إن وسيلة أعداء الإسلام لهدمه، لم تقف عند المغالطات والتحريف في المعنى، بل استخدمت الكذب والتحريف الكلمي، فقد قامت بعض العناصر اليهودية بطبع مصحف أنيق عن طريق مطابع خاصة فحرفت فيه بعض الكلمات. من ذلك الآية ٦٤ من سورة المائدة فنصها هو: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾. فانصب التحريف في الطبعة الإسرائيلية على فصل اللام عن العين وإقلاب العين إلى ميم. وبذلك كتبت (وآمنوا بما قالوا) للتمويه لأن بعض المراجعين يكتفي بملاحظة عدد الأسطر في الصفحة وعدد كلمات السطر، ليطمئن أن الطبعة مماثلة للطبعة المنقول عنها. أما تحريف المعنى في الطبعة فلا يخفى على أحد لأن (آمنوا بما قالوا) عكس (لعنوا بما قالوا) فضلًا عن التشكيك في القرآن لأن الآية تصبح (غلت أيديهم وآمنوا بما قالوا) وهذا فيه تناقض وفي نطاق السنة نضرب مثلًا من التحريف والكذب المفضوح، فقد لجأ أحد رجال الأزهر الشريف، ألا وهو الشيخ محمود أبو رية إلى الدفاع عن السنة بوسيلة جديدة، فوضع كتابًا باسم " قصة الحديث النبوي "، لجأ فيه إلى قصر حُجِّيِّةِ السُنَّةِ على نطاق تفسير القرآن، وللتدليل على حتمية ذلك نقل عن المستشرقين أن رجلًا كذب على رسول الله - ﷺ -، خلال حياته - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، ولم يسند هذه الرواية لأي مصدر من المصادر، ثم اتبع أسلوبًا آخر في كتابه " أضواء على السنة المحمدية ": (فنقل أبو رية): «أن عبد الله بن عمرو أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب وكان يرويها للناس عن النبي». وقد نسب هذا القول لابن
[ ٣١٢ ]
حجر في كتاب " فتح الباري ": الجزء الأول، ولكن هذا المصدر ليس فيه عبارة «عن النبي» بل نص العبارة «كان يرويها للناس»، فوهم الشيخ بهذه العبارة أو نقلها عن كذاب مثل (جولدتسيهر) والنتيجة التشكيك في السنة النبوية.
كما نقل أبو رية في كتابه هذا عن " البداية والنهاية " لابن كثير، الجزء الثامن: أن عمر قال لكعب الأحبار: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ عَنْ [الأُوَلِ]» (*) وليس عن رسول الله. والسبب أن الوارد في جميع المراجع الإسلامية، أن أمير المؤمنين عمر وجد أن التحدث بما في كتب الأولين أي اليهود والنصارى، قد يخلط ما فيهما بالسنة النبوية، فنهى عن هذا.
والجزء الثامن من كتاب " البداية والنهاية " لابن كثير بريء مما نسبه إليه أبو رية. وسواء حَرَّفَ هو أو كان المحرف للحكم هو أحد المستشرقين ونقل عنه أبو رية، فالنتيجة واحدة وهي الكذب على الصحابة والتشكيك في بعضهم، لهذا قال الدكتور مصطفى السباعي: «إِنَّ كَذِبَ أَبِي رَيَّةَ عَلَى السُنَّةِ كَثِيرٌ» (١).
كما تعقب فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر هذه المفتريات ونقل أكاذيب وتضليل أبي رية كما فصلها المرحوم الدكتور مصطفى السباعي ثم قال: «إِنَّ مَقَايِيسَ البَحْثِ العِلْمِيِّ الصَّحِيحِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، تُسْقِطُ عَدَالَةَ أَبِي رَيَّةً، وَتَشْهَدُ بِهِ كَكَذَّابٍ وَكَمُحَرِّفٍ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ» (٢)، كما تعقب الدكتور فضيلة الشيخ عبد الرزاق حمزة هذا في كتابه " ظلمات أبي رية ".
ويقول الدكتور عبد الحليم محمود أيضًا: «إِنَّ المَعْرُوفَ أَنَّ الاسْتِشْرَاقَ
_________________
(١) " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ٢٢١.
(٢) " القرآن والنبي " للدكتور عبد الحليم محمود (شيخ الجامع الأزهر). [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) قارن بما ورد في الصفحة ٢٨٤ من هذا الكتاب.
[ ٣١٣ ]
فِي طَائِفَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْه إِنَّمَا هُوَ اِمْتِدَادٌ لِلْحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ» ثم يقول: «المُسْتَشْرِقُونَ لَهُمْ صِبْيَانٌ مَعْرُوفُونَ، إِنَّ لَهُمْ صِبْيَانًا تَابِعِينَ مُقَلِّدِينَ».
فالمستشرقون وأتباعهم هم الذين يشككون في السنة فقد كذب اليهودي (جولدتسيهر) على الإمام الزهري فنقل عنه: «إِنَّ [هَؤُلاَءِ] الأُمَرَاءِ أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ أَحَادِيثَ» بينما ما قاله الزهري هو: «إِنَّ [هَؤُلاَءِ] الأُمَرَاءِ أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ الأَحَادِيثَ» (١) أي على تدوين السنة النبوية.
فتحريف جولدتسيهر جاء أكثر دقة من تحريف أبي رية، فقد اكتفى (تسيهر) بحذف الألف واللام من كلمة (الأَحَادِيثَ) لتصبح (أَحَادِيثَ) فيختلف المعنى دون أن يشعر المسلم، اللهم إلا من أمعن النظر في المعنى ورجع بدقة إلى أصل الكلام للزهري، وهذا ما فعله الدكتور مصطفى السباعي - ﵀ -.
فالتعريف لكلمة الأحاديث تفيد أن الإكراه وقع على كتابة الأحاديث النبوية أي على تدوينها، لأن الزهري كغيره ممن دونوا السنة كانوا يتحرجون من التدوين لأن النبي - ﷺ - كان قد نهى عن كتابة السنة وقال: «لاَ تَكْتُبُوا [عَنِّي]، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ» رواه " مسلم ". ولقد أراد النبي - ﷺ - بذلك حفظ خاصية الإعجاز للقرآن فمنع التدوين العام للسنة. ولكن الأمراء لما وجدوا أن السنة قد دخل عليها ما ليس منها بفعل الملحدين والمنافقين ووجدوا أن القرآن جمع وكتب وقد حفظ ومن ثم لا خوف أن يختلط بالسنة، أمروا بكتابة الأحاديث النبوية فجاء الخلفية عمر بن عبد العزيز وأمر [ابن] (*) شهاب الزهري بمباشرة هذه المهمة، فسجل الزهري ذلك، فيقول: «إِنَّ [هَؤُلاَءِ] الأُمَرَاءِ أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ الأَحَادِيثَ» فأتى (جولدتسيهر) فَحَرَّفَ الكلمة ونقلها: «أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ أَحَادِيثَ». وهذا يقلب
_________________
(١) كتابه " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ٢٢١. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري وليس طارق بن شهاب كما ورد في الكتاب المطبوع.
[ ٣١٤ ]
المعنى إلى نطاق وضع الأحاديث النبوية. وجولدتسيهر يريد بهذا التحريف أن يسبغ شرعية لحقده وأهدافه التي ورد في كتابه " العقيدة والشريعة " إذ زعم أن ألوف الأحاديث هي من صنع العلماء.
وهذا وسلفه من الطاعنين ومن تبعهم يريدون الاكتفاء بما جاء في القرآن الكريم من أحكام حتى لا تكشف السنة أغراضهم ولا تحول دون أهوائهم لأنه باستبعاد السنة يستطيعون الوصول إلى حرية وضع الأحكام المتفقة مع زعمائهم دون أن يوصفوا بأنهم يهدمون الدين ودون أن يشعر المسلمون بذلك، وقد شجع هذا بعض العلماء لاجتهاد خاطئ كما فعل الدكتور مصطفى محمود في كتاب أضفى عليه اسم " التفسير العصري للقرآن " ففيه قال: إن الله قد حرم الخبيث الضار وأحل النافع المفيد ولكن مصطفى محمود في تفسيره للخبيث الضار ظن أن إمعان النظر إلى العاريات على شواطئ البحار ليس من الخبيث وبالتالي فليس من المحرم وكذلك ارتداء الفتيات الملابس القصيرة جدًا تمشيًا مع شرف العصر ليس من الخبيث لأن العبرة بالقلوب وبالتالي فإمعان النظر للعاريات بالشوطئ هو تفكر في خلق الله أي من العبادة، وقد تراجع مصطفى محمود عن موقفه فهداه الله إلى الحق. والغرض من هذا التطوير قد أفصح عنه (تيومان) فهو وسيلة لغاية قال عنها:
«فإذا أمكن للمبادئ الإسلامية أن تتطور مع الزمن المتطور عندئذ سوف يتحرر ملايين البشر من هذه العقائد» (١).
_________________
(١) كتاب " الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر " للدكتور محمد [محمد] حسين.
[ ٣١٥ ]
٦٠ - التَّحْرِيفُ وَمُوَالاَةُ أَهْلِ الكِتَابِ:
لقد أفصح المستشرقون والمبشرون عن أهدافهم من الدعاوى الهدامة ومنها التوفيق بين الإسلام والأديان السماوية وهو توفيق يراد به تطوير الإسلام ليقر علماء الأزهر الشريف يردد مزاعم المستشرقين وهذا ما فعله الشيخ علي عبد الرازق في كتابه " الإسلام وأصول الحكم "، وما فعله الشيخ محمود أبو رية في كتبه السابقة، وما فعله الشيخ محمد عمارة في كتابه " الإسلام والوحدة الوطنية " الذي أوضحنا جانبًا من التحريف الوارد به ونشير إلى اجتهاد آخر هو:
مُوَالاَةُ أَهْلِ الكِتَابِ:
لقد نهى الإسلام عن موالاة اليهود والنصارى، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].
ولكن جاء الشيخ محمد عمارة وقال: «لا حجة لأنصار الطائفية والشقاق الديني، لأن الآية - في اجتهاده الصائب - تنهى عن الخيانة الوطنية في حالة الحرب وليس فيها من قريب أو بعيد ما يتصل بالدعوة إلى حجب النصرة والموالاة عن المخالفين لنا في الشريعة وخاصة إذا كانوا لنا إخوة لنا في القومية والوطن». وقد نسب ذلك إلى القرطبي بل قال: «وأكثر من هذا فإن المفسرين يحددون أن المنهي عنه هو أن يعضد هؤلاء الأعداء على المسلمين، في حالة الحرب»: ص ١٠٦ (١).
والإمام القرطبي لم يشر من قريب ولا من بعيد إلى أن هذه الآيات تتعلق بالخيانة الوطنية أو أنها خاصة بالقتال فقط بحيث تجوز الموالاة بعد المعركة
_________________
(١) لقد نسب هذا إلى " القرطبي ": جـ ٦ ص ٢١٧، والقرطبي لم يقل أن المنهي عنه فقط هو مناصرة الأعداء من المسلمين وقت الحرب، ثم التودد إليهم وموالاتهم في غير الحرب مع استمرار أعدائهم كما يفهم من عبارات الكاتب.
[ ٣١٦ ]
فقد قال في تفسير هذه الآية: هذا يدل على قطع الموالاة شرعًا وقد مضى في آل عمران بيان ذلك، وآية آل عمران نصها: ﴿لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨].
وفي تفسير هذه الآية نقل القرطبي عن ابن عباس قوله: «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَهَى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أَنْ يُلاَطِفُوا الْكُفَّارَ فَيَتَّخِذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ».ثم قال القرطبي: «وَمَعْنَى ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ أَيْ فَلَيْسَ مِنْ حِزْبِ اللَّهِ وَلاَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ فِي شَيْءٍ».
وفي تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، يقول القرطبي: «أَيْ يَعْضُدْهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ». وقد زعم الشيخ عمارة أن المراد هنا الخيانة الوطنية في حالة الحرب وزعم أن هذا رأي القرطبي والمفسرين، بينما الإمام القرطبي حدد المراد بقوله: «بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ حُكْمَهُ كَحُكْمِهِمْ، وَهُوَ يَمْنَعُ إِثْبَاتَ المِيرَاثِ لِلْمُسْلِمِ مِنَ المُرْتَدِّ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلاَّهُمِ ابْنُ أُبَيٍّ ثُمَّ هَذَا الحُكْمُ بَاقٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي قَطْعِ المُوَالاَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] ».
كما أن القرطبي في تفسير قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ﴾ [المائدة: ٥٧]، قال: «فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالْمُشْرِكِينَ أَوْلِيَاءَ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْفَرِيقَيْنِ اتَّخَذُوا دِينَ الْمُؤْمِنِينَ هُزُوًا وَلَعِبًا». ثم نقل القرطبي أن هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]، ونقل القرطبي حديثًا عن جابر فيه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى أُحُدٍ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالُوا: نَسِيرُ مَعَكَ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - «إِنَّا لاَ نَسْتَعِينُ عَلَى أَمْرِنَا بِالمُشْرِكِينَ». ولو أن الدكتور عمارة قد أوضح أن الموالاة ممنوعة أيضًا في غير حالات الحرب إذ كانوا يتآمرون على الإسلام والمسلمين ويعادوننا كمن يساعد إسرائيل ولو تظاهر بصداقة العرب والمسلمين.
[ ٣١٧ ]