أدب الخلافة والعصمة الجديدة.
الحديث بين السُنَّة والشيعة والخوارج.
حوار حول العصمة وحديث الغدير.
أقوال الأئمة والسُنَّة.
حقائق عن السُنَّة والعصمة.
مصدر الأئمة في تبليغ الأحكام والحقيقة الغائبة.
[ ٨٥ ]
١٦ - السُنَّةُ وَالفِتْنَةُ الكُبْرَى:
لقد كان من آثار الفتنة التي ظهرت بين المسلمين أنْ نازع الصحابي معاوية (بصفته أمير الشام)، وخرج على الإمام عليٍّ مُتَّهِمًا إياه بالتهاون في معاقبة قَتَلَةِ أمير المؤمنين عثمان، وكان الإمام عليٌّ قد آثر التروي وعدم الأخذ بالشُبهات عملا بقواعد الإسلام وأصوله.
ونتج عن الحرب التي وقعت بين الإمام عليٍّ والفئة التي وقفت مع معاوية أنْ انشق على الإمام علي طائفة حاربته وسُمِّيتْ بالخوارج لأنهم خرجوا عليه عندما قبل التحكيم بينه وبين معاوية.
كما ترتَّب على هذا أنْ اشتدَّتْ طائفة في مناصرتها للإمام عليٍّ وتشيَّعتْ له وعرفت باسم الشيعة.
وكان لهذا ولهذه الفتنة أثر بالنسبة للسُنَّة النبوية، إذا أنها لم تُدَوَّنْ في عصر النبي - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - في كتاب واحد يجمع عليه المسلمون كما هو الشأن في القرآن الكريم، وهذا الأثر ينحصر فقط في المصدر الذي تؤخذ منه السُنَّة النبوية، ففي الوقت الذي حدثت فيه الفتنة كانت السُنَّة محفوظة ورُواتها محل ثقة، ولكن بسبب الفتنة وجدنا أنَّ الخوارج قد رَدُّوا الأحاديث النبوية التي رُوِيَتْ من غير أئمتهم ظنًا منهم أنَّ جمهور صحابة رسول الله - ﷺ - الذين قبلوا التحكيم بعد انتصار الإمام عليٍّ لا يكونون محلَّ ثقة في تلقي الحديث
[ ٨٧ ]
النبوي عنهم. كما وجدنا أنَّ الشيعة - فيما عدا الزيدية - أكثرهم يرُدُّون الحديث النبوية المرويَّ عن غير أئمتهم، لأنَّ عقيدتهم أنَّ من بايع أبا بكر وعمر وعثمان يكون قد خان وصيَّةَ الرسول - ﷺ - باستخلاف الإمام عليٍّ من بعده، وهذه غير ثابتة عند أهل السُنَّة، وأيضًا أهل السُنَّة منهم من يتوقَّفُ في أخذ الأحاديث النبوية من مصادر الشيعة.
هذه الحواجز يجب أنْ تزول وأنّْ تُراجع الأحاديث في جميع هذه المصادر، لأنَّ من رحمة الله بالأمَّة، أنَّ الذين رَوَوْا السُنَّة من الصحابة كثيرون حتى وجدنا أكثرها عند جميع الطوائف الإسلامية. والقول إنَّ الله تعالى أوصى أنْ يتولَّى الإمام (عليٌّ) أمر المسلمين من بعده (١) ولكن النبي لم يُبَلِّغْ ذلك خشية أنْ يقال أنه آثر ابن عمه، فنزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]، هذا القول محل نظر لقصره السُنَّة على آل البيت.
بينما سياق الآيات القرآنية يُرَجِّحُ المعنى الآخر الذي أورده (أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي والشيعي)، والمُلَقَّبْ بشيخ الطائفة، إذ أورد المعنى السابق ثم قال: قلنا قال ابن عباس: معناه إنْ كتَمْتَ آية مِمَّا أنزل إليك فما بلَّغْتَ رسالته (٢)، وبيان ذلك تجده بعنوان حديث غدير خُمْ.
_________________
(١) جاء في كتاب " عقيدة الشيعة الإمامية " للسيد هاشم معروف وكتاب " أصل الشيعة وأصولها " لكاشف الغطاء: ص ١٠٧ أنَّ قول الله ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] نزل عندما تخوَّفَ النبي في إظهار أمر الله بتولية الإمام عليٍّ بعد النبي ولكن بعد نزول الآية أمر بذلك يوم غدير خُمْ وهو مكان مَرَّ به الرسول عند عودته من حَجَّةِ الوداع، وتروي بعض كتب الشيعة أنَّ النبي أوصى هناك بخلافة الإمام عليٍّ له. وأهل السُنَّة لم يثبت هذا لديهم لأنه لم يَصِحَّ في عصر الصحابة.
(٢) " تفسير البيان " لشيخ الطائفة الطوسي: جـ ٣ ص ٥٨٨.
[ ٨٨ ]
وقوله له: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، معناه يمنعك أنْ ينالوك بسوء فعل أو شر أو قهر.
كما أنَّ الآيات السابقة واللاحقة خاصة بأهل الكتاب من اليهود والنصارى ولهذا قال الشهيد سَيِّدْ قُطْبْ: «يبدو من السياق قبل هذا النداء وبعده أنَّ المقصود به مباشرة هو مواجهة أهل الكتاب بحقيقة ما هُمْ عليه وبحقيقة صفتهم التي يستحقُّونهاعما هم عليه ومواجهتهم بأنهم ليسوا على شيء» (١).
إنَّ وصيَّة الرسول بخلافة عليٍّ، كما يرى الشيعة، يجب أنْ تزول آثاره، فإنها تنحصر في أمر لا يؤثِّرُ على السُنَّة النبوية، وقد زال سبب الخلاف حول أحقية الإمام عليٍّ بالخلافة بعد النبي - ﷺ -. وأولى بكل مسلم أن يأخذ كل ما ورد عن النبي، لأنَّ الذين رَوَوْا السُنَّة إنما نقلوها قبل وفاته - ﷺ -، فلا مجال للزيادة أو النقص فيها، ولا يجوز رَدَّ رواية بعض الصحابة لمُجرَّدِ أنهم ليسوا من أهل البيت أو لم يكونوا من أئمة الخوارج، لسبب جوهري هو أنه قد جاءت صفاتهم في القرآن الكريم الذي يؤمن به أهل السُنَّة والشيعة والخوارج، وهو مصحف عثمان الموجود بين أيدينا جميعًا، لقد قال الله عن صحابة رسول الله - ﷺ -: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]، والآية لم تُفرِّق بين الصحابة الذين حضروا بيعة الرضوان قبل فتح مكة، وهؤلاء جُلُّ الذين رويت عنهم الأحاديث النبوية. فالذين ﵃ لا ينبغي لمسلم أنْ يطعن فيهم، أو يَرُدَّ روايتهم عن النبي - ﷺ - أو رواية بعضهم، لأنهم ليسوا من أهل البيت أو من أئمة الخوارج أو لأنهم مُتَشَيِّعُونَ لأهل البيت أو كانوا مع الخوارج. فالواجب على المسلمين أنْ يَقْبَلُوا
_________________
(١) " في ضلال القرآن ": جـ ٢ ص ٨٠٦.
[ ٨٩ ]
روايات الصحابة دون تفرقة بين أحد منهم بسبب القرابة أو اجتهادهم ومواقفه من الخلافات.
بَيْنَ السُنَّةِ وَالشِّيعَةِ:
إنَّ أعظم فتنة أصابت المسلمين هي انقسامهم إلى سُنَّةٍ وَشِيعَةٍ، ولكن هذا الانقسام لا يترتَّبُ عليه قطع أواصر الأخُوَّة والمودة بين الطائفتين، ولا يترتب عليه اختلافهم في مصدر التشريع وهو القرآن الكريم والسُنَّة النبوية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولم تكن الشيعة التي كانت مع عليٍّ، يظهر منها تنَقُّصٌ لأبي بكر وعمر، ولا فيها من يُقَدِّمُ عَلِيًّا على أبي بكر وعمر ولا كان سَبُّ عثمانَ شائعًا فيها، وإنما كان يتكلم به بعضهم فيرُدُّ عليه آخر». وقال كذلك: «الشيعة المتقدِّمُون كانوا يُرَجِّحُون على المعتزلة بما خالفوهم فيه من إثبات الصفات والقدرة والشفاعة ونحو ذلك» (" مجموع الفتاوى ": المجلد ٤ ص ١١٢ و٤٣٦).
ولكن في العصور المتأخِّرة اتسعت رقعة الخلاف بين الطائفتين متى وجدنا من أهل السُنَّة من يرمي الشيعة بالكفر لاعتقادهم بعصمة الأئمة ولوجود رواية في كتاب " الكافي في الأصول " للكُلَيْنِي عن مصحف فاطمة، ووجدنا من الشيعة من يرمي أهل السُنَّة بالكفر لإنكارهم عصمة الأئمة عند الشيعة وهي من المعلوم من الدين بالضرورة عندهم.
ولقد ظل هذا الجدار من عدم الثقة قائمًا حتى توالت النكبات على بلاد المسلمين في فلسطين وغيرها، وتحالف الغرب والشرق ضِدَّهُمْ وخضعت لذلك حكومات واصلت الحرب على دُعاة الإسلام من الطائفتين، مِمَّا أدَّى إلى وجود تيار يدعو إلى التقريب بين الطائفتين ليتعاونوا فيما اتَّفقُوا عليه لا للتنازل كل طائفة عن بعض معتقداتها، بل ليتنازل كل منهما عن الخطأ والفتنة، وذلك بالاحتكام إلى القرآن وعمل الصحابة قبل الحروب.
[ ٩٠ ]
هذا التقريب وصفه نفر من أهل السُنَّة بأنه يخدم الصهيونية والاستعمار، بينما كان رَدُّ أحد الشيعة هو «أنَّ المشاكل التي نعانيها لا تتصل في واقعاه بقضية التشيع والتسنُّن من قريب أو بعيد، بل إنَّ الحديث عن هذه القضية والاهتمام بها يزيد المشاكل تعقيدًا، ويجعلها مستحيلة أو عسيرة الحل وهذا ما يريده لنا المستعمرون والصهاينة أعداء الدين والوطن أنهم يريدون أنْ نتلهَّى بالمشاحنات والنعرات الطائفية». ثم وصف الكتب والنشرات التي تصف الشيعة بالكفر بقوله: «لقد دأب هذا الجهاز في تأليفه ونشراته على مهاجمة الشيعة وتصويرهم كطائفة ملحدة مجرمة تكيد للإسلام والمسلمين، والغرض الأول هو تنفيذ الخطوط العريضة التي رسمها الاستعمار لإيقاظ الفتنة وإشاعة الفرقة بين المسلمين» (١).
هذه النشرات تستند إلى روايات في كتب الحديث النبوي عند الشيعة تفيد أنَّ لهم مصحفًا آخر يُسَمَّى " مصحف فاطمة "، وتفيد عصمة أئمتهم بمعنى أخذ ما يصدر عنهم من قول أو فعل أو تقرير على أنه رواية عن رسول الله - ﷺ -. ولما كانت هذه الروايات غير صحيحة أو محل نظر حسبما دلت عليه مراجع للشيعة، فوجب وقف المعركة لأنَّ الحد الأدنى من الإيمان بين أهل القبلة هو ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]. فإذا لم ينشرح صدر غُلاة السُنَّة والشيعة لما تضمَّنه هذا الكتاب من تصحيح الروايات والمفاهيم أسوة بمنهج شيخ الإسلام ابن تيمية فلا أَقَلَّ من أنْ يتمسَّكُوا عن إثارة الفتنة لأنهم جميعًا طوعًا أو كرهًا أمام عَدُوٍّ مشترك، وفي هذا قال الإمام حسن البنا في " رسالة المؤتمر الخامس ": «من فروع النظرة الشمولية للإسلام اعتبار المسلمين كلهم على ما بينهم من اختلاف كيانًا واحدًا فرقته أحداث الزمان، وفرض على المسلمين بعث الكيان الدولي للإسلام».
_________________
(١) " الشيعة في الميزان " - محمد جواد مغنية: ص ١٠.
[ ٩١ ]
وفي هذا يقول الدكتور الشيخ سليمان دنيا في كتابه " الشيعة وأهل السُنَّة " نقلًا عن الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في كتابه " أصل الشيعة وأصولها " ص ١٣٤: «إنَّ الجماعات الإسلامية بين السُنَّة لا تختلف في الاعتقاد بالله ونبوَّة محمد وأنه خاتم الرسل وفرضية الصلاة والصوم والحج والتصديق بالمعاد، ما دام ذلك وما دامت القبلة واحدة والقرآن في مكانة القداسة من الجميع فإنه لا يعتدُّ بالخلافات الأخرى» كما ينقل عن كاشف الغطاء «أنه إذا اقتصر المعتقد على التوحيد والنبوَّة والمعاد والعمل بالفرائض ولم يعتقد بالأئمة وعصمتهم، تجري عليه جميع أحكام الإسلام».
وهذه الاتجاهات تمثِّلُ عناصر التقريب بين المسلمين وهو ما قال عنه الإمام آية الله الخميني: «إننا نريد أن نحكم بالإسلام كما نزل على محمد - ﷺ -، لا فرق عندنا بين سُنَّة وشيعة لأنَّ هذه المذاهب لم تكن في زمن الرسول» (١). غير أنَّ هذا لم يطبَّق وساد الاتجاه المذهبي.
١٧ - أَدَبُ الخِلاَفِ وَالعِصْمَةِ الجَدِيدَةِ:
لقد ظهر كتاب " السُنَّة المفترى عليها " لكشف الشُبُهات الحديثة التي صُوِّبَتْ نحو السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، ووقف منها المختصون موقف المتفرِّج.
ولهذا لم يتعقَّب الكتاب مواطن الخلاف بين الأفراد والجماعات ولم يفصل الرد على المخالفين، باعتبار أنَّ الأمور الخلافية هي أمور اجتهادية، ولا يوجد بين المجتهدين من خَوَّلَهُ الله تعالى خاصية الفصل فيها ولقد غاب هذا عن بعض الإخوة، وهم يؤمنون بانتفاء العصمة لأحد بعد النبي - ﷺ -، فغفلوا عن معركة الإسلام الرئيسية، وشرعوا في افتعال المعارك بين المسلمين، بأسلوب يتنافى مع آداب الإٍسلام وقيمه، ومنا ألاَّ يكون المسلم سَبَّابًا ولا لعَّانًا، والاَّ يعطي نفسه صفة الأحبار الذين يزعمون أنَّ قولهم هو الحق، وماذا بعده إلاَّ الضلال المبين.
ولقد كان لهذا الكتاب وصاحبه نصيب من القذائ التي تؤدِّي إلى النزاع
_________________
(١) " مجلة الإيمان " اللبنانية: السنة الأولى. العدد ٥، و" المعرفة " التونسية: السنة الخامسة. العدد ٤ في ١/ ٤ / ١٩٧٩، و" القبس " الكويتية في ٢٣/ ٧ / ١٩٨٠.
[ ٩٢ ]
غافلين قول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] ..
ولقد حمل السيد / محمد سلامة جبر على المؤلف والناشر وطلب مصادرة الكتاب والحجر على صاحبه حتى بعد أنْ ثبت له بحضور من اختارهم هو أنَّ الأمور التي طلب تعديلها لظنه مخالفتها الإجماع، قد قال بها جمع لا يستهان بعلمهم وفقههم.
لهذا فصل الكتاب كشف هذه الشبهات في مواضعها. كما سعى آخر إلى مصادرة الكتاب لأنه يدعو إلى التقريب بين السُنَّة والشيعة وهذه دعوة يهودية في ظنه القائم على أساس أنَّ الشيعة الجعفرية ليسوا من المسلمين، ولما نوقش فيما أورده شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الشأن والمشار إليه فيما بعد، جنح الأخ إلى أنَّ التقريب يعني تنازل كل فئة عن بعض معتقداتها، وقد تضمَّنت الطبعة الثانية إزالة هذه الشبهة، لأنًّ الأصول التي جعلها الكتاب مبادئ للتقريب تنفي هذا الظن بل تدعو إلى الأخذ بما ورد في القرآن الكريم وبالثابت من السُنَّة النبوية التي رواها الصحابة - ﵃ - وذلك قبل أنْ تنشأ المذاهب والفرق. كما أنَّ التقريب يغلق باب الفتنة التي من شأنها إشعال نار الحرب بين أهل السُنَّة والشيعة، وهذا ليس من صالح الطرفين بل هو الذي تسعى إليه الصهيونية العالمية وحلفاؤها.
كما وجد الكتاب، حربًا أخرى من غلاة الشعية، فأمروا شبابهم بعد اقتنائه أو تصفُّحه، لأنه رجس من عمل الشيطان، حيث نقل عن علماء الشيعة ما يؤيِّدُ مذهب أهل السُنَّة، كما نقل عنهم تضعيفًا لعلماء الشيعة المخالفين لأهل السُنَّة.
ولقد حاول أحد هؤلاء النقل عن الكتاب نقلًا تنقصه الأمانة فأثبت الأقوال والعبارات التي تدعو إلى التقريب، وأغفل بل وحذف ضوابط التقريب وأهمها: ما أكده الكتاب في المقدمة وفي هذا الفصل هو كفر من قال بتحريف شيء من القرآن الكريم أو قال إنَّ الأئمة لهم خاصية أو عصمة تخوِّلهم تخصيص عام القرآن أو تقييد مطلقه، أو نسخ أحكامه. أورد ذلك عز الدين إبراهيم في " السُنَّة والشيعة ".
[الشِّيعَةُ وَمَذْهَبِ السَّلَفِ]
لما كان ذلك وكان الأخ إحسان ظهير قد حمل على الكتاب ومؤلفه لأنه لم يأخذ
[ ٩٣ ]
بأسلوبه عندما تناول الكتاب موضوع الشيعة والسُنَّة. وقد نسي بأنَّ الكتاب يتعلق بالأحاديث النبوية وضرورة الأخذ بها سواء كان رُواتها من أهل البيت أو من غيرهم من الصحابة، وقد استلزم هذا نزع سلاح التكفير الذي شهره الغُلاة من الفريقين، وبالتالي إبطال ما يقال عن تحريف القرآن الكريم وما يقال عن العصمة والبداء، والأستاذ إحسن إلهي ظهير قد جانبه الصواب فيما ظنه أنَّ هذا الفصل يكذبه فيما نقل من كتب الشيعة. وفيما قاله من وجوب رجوعي إليه قبل نشر أقوال الشيعة في كتابي لأتثبَّتَ من الموضوع.
فجوهر الخطأ في ظنه بغير دليل أو شبهة دليل أنَّ الأقوال التي نشرتها عن الشيعة وضعت لتكذيبه بينما هي تكذب رُواتها وهم من الشيعة الذين يرى هو كفرهم.
وعليه فجوهر الخلاف هنا ليس تكذيبي لما نقله عن المراجع الشيعية بل الخلاف في أنه قطع بكفر الشيعة الجعفرية وبالتالي قطع بجهل من يدعو إلى التقريب بينهم وبين أهل السُنَّة.
والحكم بيننا وهؤلاء الأخوة هو مذهب السلف الذي لخَّصه إمام أهل السُنَّة أحمد بن حنبل ومن بعده الإمام ابن تيمية الذي نقل عن عبد الله بن المبارك أنَّ أصول البدع أربعة، الروافض (الشيعة) والخوارج والقدريَّة والمُرجئة، ثم يقول: «والأئمة لم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة والشيعة المفضلة ونحو ذلك ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميع أهل البدع. وهذا غلط على مذهبه وعلى الشريعة» (١).
أما من قال بكفر من خالفهم وأنَّ الصحابة غيَّرُوا في الدين وبدَّلُوا فقد قال عنهم ابن تيمية: «إنهم أبعد عن الكتاب والسُنَّة» (٢).وقال: «غلظت بدعتهم» (٣) ولهذا عَدَّهُم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ضمن الطوائف الإسلامية حتى من اتَّصف منهم بالهوس والتعصُّب (٤). ولم يقولوا بكفرهم.
ومن قال إنَّ ابن تيمية كتب عن الروافض من الشيعة وهؤلاء لم يقولوا بالعصمة للأئمة، فهؤلاء نحيلهم على قول ابن تيمية «وأصل قول الرافضية إنَّ النبي نَصَّ على خلافة عَلِيٍّ نصًا قاطعًا للعذر وأنه إمام معصوم ومن خالفه كفر وأنَّ المهاجرين والأنصار كتموا النص وكفروا بالإمام المعصوم واتَّبعوا أهواءهم وبدَّلوا الدين وغيَّروا الشريعة بل كفروا إلاَّ نفرًا قليلًا منهم (٥).
_________________
(١) و(٢) و(٣) " مجموع الفتاوى ": ج ٣ ص ٣٥٠، ٣٥٦، ٤٠٨.
(٢) " العقيدة الطحاوية " شرح وتعليق الألباني: ص ٥٧.
(٣) " مجموع الفتاوى ": ج ٣ ص ٣٥٦ وج ٧ ص ٣٥٤. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: خطأ في الطباعة إذ وقع وضع هذه الهوامش في الصفحة (٩٥) بدلًا من هذه الصفحة (٩٤).
[ ٩٤ ]
إنَّ الشيعة أصحاب هذه العقيدة يعدُّهم ابن تيمية ضمن الفرق الإسلامية إذ يقول: «سائر طوائف المسلمين من أهل الحديث والفقهاء والشيعة مرجئهم وغير مرجئهم يقولون إنَّ الشخص الواحد قد يعذِّبه الله بالنار ويدخله الجنة» (٦). ولهذا تجنب الكتاب إصدار أحكام بكفر الشيعة الجعفرية ورفض ترديد هذه المقولة: ما رَدَّ بدعة تكفير أهل السُنَّة من جانب غُلاة الشيعة ورفع لواء التقريب سالف الذكر ولكن الغُلاة من الطرفين شنَّعُوا على هذا المنهج حسبما جاء في كتاب " بين الشيعة وأهل السُنَّة " للأستاذ إحسان إلهي ظهير. وكتاب " السُنَّة والشيعة " باسم عز الدين إبراهيم.
وأمام إصرار الغُلاة على نبذ التقريب وعلى رفع سلاح التكفير نقلت هذا الحوار الأخوي إلى كتاب مستقل هو ضوابط التقريب، بفصوله الأربعة ليظل كتاب " السُنَّة المفترى عليها " لما نشر من أجله ولهذا يتناول هذا الفصل ما يتعلق بالحديث النبوي.
١٨ - الحَدِيثُ النَّبَوِيُّ بَيْنَ أَهْلِ السُنَّةِ وَالشِّيعَةِ وَالخَوَارِجِ:
لقد كان المسلمون في عصر النبي - ﷺ - وحتى خلافة الإمام عليٍّ - ﵁ -، لا يختلفون في أمر السُنَّة النبوية، ثم ظهرت الفتنة بعد خروج الصحابي معاوية ومن معه، واعتراضهم على الإمام عَلِيٍّ، بدعوى أنه تهاون في إقامة الحد على قتلة أمير المؤمنين عثمان بن عفان - ﵁ جَمِيعًا -.
_________________
(١) " مجموع الفتاوى ": ج ٣ ص ٣٥٦ وج ٧ ص ٣٥٤.
[ ٩٥ ]
ولقد أشعل المنافقون نار الفتنة فنشبت الحرب بين معاوية ومن معه وبين أهل السُنَّة والجماعة بقيادة خليفة للمسلمين الإمام عليٍّ - ﵁ -، وعندما قبل التحكيم حقنًا للدماء خرجت عليه فرقة سُمِّيَتْ بالخوارج وحاربوه فكان رد الفعل أنْ ظهرت طائفة الشيعة وتغالت في حب الإمام عليٍّ، ورَدَّتْ الطائفتان الأحاديث النبوية التي رويت عن غير طريق أئمَّتهم، وانفردت الشيعة باعتبار أقوال أئمَّتهم وأفعالهم وتقريرهم أحاديث نبوية حتى ولو لم ترفع إلى النبي - ﷺ - فهي أحاديث نبوية في ذاتها لعصمة الأئمة عندهم.
لهذا أثبت هنا رسالة الشيخ الآصفي عن العصمة عندهم، يليها تحرير الخلاف حول حديث الغدير والعصمة والتكفير للمسلمين وكذلك نزاهة هؤلاء الأئمة من هذه البدعة ومن الربوبية.
بيان الشيخ الآصفي عن العصمة وتبليغ الأحكام: (١)
نعتقد نحن بعصمة الأنبياء - عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ - وعصمة رسول الله - ﵌ - وعصمة الأئمة من أهل بيته - عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ -.
والعصمة على قسمين: عصمة في السلوك تعصم صاحبها عن ارتكاب المعاصي والمحرَّمات، وعصمة في التبليغ تعصمه عن الكذب والسهو والخطأ في تبليغ أحكام الله تعالى وحدوده.
والعصمة التي نعتقد بها في الأئمة من أهل البيت لا تزيد على هذين الأمرين (٢).
وبقدر ما يتعلَّق بالائمة من أهل البيت أذكر لكم بعض الأدلَّة التي يستدلُّ بها على عصمتهم من القرآن الكريم ومِمَّا صَحَّ من حديث رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) " البيان ": ٤١٥.
(٢) نرجو أنْ يسود هذا المعنى لأنَّ المعلق في كتاب " الكافي ": ج ١ ص ٣٦٩ يربط البداء بعصمة الأئمة وعلمهم الغيب فإذا لم يقع ما أخبروا به يكون قد بدا الله شيء غير به ما أخبروا عنه.
[ ٩٦ ]
آيَةُ التَّطْهِيرِ:
أما الدليل من القرآن الكريم فآية التطهير في سورة الأحزاب الآية ٣٣: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرً﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ومن الضروري أنْ نقف وقفات قصيرة عند كلمات هذه الآية الكريمة.
وأول ما نلتقي به في هذه الآية الكريمة كله ﴿إِنَّمَا﴾ ولا شك أنها من أقوى أدوات الحصر في اللغة العربية وتفيد إثبات ما بعدها ونفي ما عداه.
فيكون المعنى في ضوء ذلك إثبات التطهير لأهل البيت ونفي أنْ يكون الله تعالى قد أراد «إرادة تكوينية» التطهير لغيرهم حين نزول الآية الكريمة.
وهذا واضح لا لبس فيه لمن أنس أسلوب العرب في الكلام وعرف أصول اللغة وقواعدها.
وبعد ذلك تأتي جملة:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ والإرادة هنا لا شك إرادة تكوينية، وليست تشريعية. ومن المعروف أنَّ الإرادة الإلهية قسمين: تكوينية وتشريعية، والتكوينية هي التي لا تتخلل إرادة أخرى بين إرادته تعالى ومراده. وهذه الإرادة لا تتخلف ولا يحول دونها شيء. يقول - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. والإرادة التشريعية هي التي تتخلل إرادة المكلف واختياره بين إرادته تعالى وما يريده تعالى من أعمال المكلفين. وتتعلق هذه الإرادة دائمًا بأفعال العباد الاختيارية.
كما في الواجبات التي يريدها الله تعالى من عباده فيستجيب له ناس ويعصيه آخرون
[ ٩٧ ]
ولا شك أنَّ إرادة الله تعالى في هذه الآية ليست من الإرادة التشريعية. إذ لا معنى لحصر إرادة التطهير في أهل البيت فقط. فإنَّ الله يريد التطهر لكل عباده دون استثناء.
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١).
فينحصر الأمر - إذن - أنْ تكون الإرادة في هذه الآية الكريمة إرادة تكوينية، وهي التي لا يمكن أنْ تتخلف.
﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣].
والرجس، كما يقول الراغب: «كل شيء قذر». يقول الطبري في تفسير الآية الكريمة «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهَ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ يَا أَهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ، وَيُطَهِّرَكُمْ مِنَ الدَّنَسِ الَّذِي يَكُونُ فِي أَهْلِ مَعَاصِي اللَّهِ تَطْهِيرًا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ» (٢).
ويقول النيسابوري في تفسير الآية الكريمة: «فاستعار للذنوب الرجس» (٣).
فقد شاء الله - إذن - ولا رَادَّ لمشيئته أنْ يذهب الذنوب والرجس والمعاصي عن نبيِّه - ﵌ - وأهل بيت نبيِّه - عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ -.
وفي حدود ما ذكرنا لا يبقى مجال للمناقشة والتشكيك في فقرات الآية الكريمة.
_________________
(١) [المائدة: ٦].
(٢) " جامع البيان " للطبري: ٢٢/ ٥.
(٣) " تفسير غرائب القرآن " للنيسابوري بهامش " جامع البيان ": ٢٢/ ١٠.
[ ٩٨ ]
يبقى السؤال عن أهل البيت من هم؟
هل هم زوجات رسول الله - ﷺ - أم هم زوجاته وسائر أهله من آل عباس وآل عقيل وآل عَلِيٍّ؟
والحديث في ذلك يطول في دراسة إسناد الروايات التي اختلفت في تحديد أهل البيت.
ونقتصر هنا على بعض الروايات التي صحت نسبتها إلى رسول الله - ﵌ - في تحديد أهل البيت.
روى الحاكم في " المستدرك " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ، قَالَ: لَمَّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الرَّحْمَةِ هَابِطَةً، قَالَ: «ادْعُوا لِي، ادْعُوا لِي» فَقَالَتْ صَفِيَّةُ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَهْلَ بَيْتِي عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ» فَجِيءَ بِهِمْ فَأَلْقَى عَلَيْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ كِسَاءَهُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ آلِي فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ»، وَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. قال الحاكم: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ» (١).
وروى مسلم في " صحيحه " والحاكم في " مستدركه " والبيهقي في " السُنن الكبرى " وكل من الطبري وابن كثير والسيوطي في تفسير الآية الكريمة واللفظ للأول:
عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، - ﵂ - قَالَتْ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَجِّلٌ مِنْ شَعَرٍ أَسْوَدَ، فَجَاءَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الحُسَيْنٌ فَدَخَلَ مَعَهُ ثُمَّ
_________________
(١) " المستدرك على الصحيحين ": ٣/ ١٤٧، ١٤٨.
[ ٩٩ ]
جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء عليٌّ فأدخله، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأَحْزَاب: ٣٣] (١).
وروى كل من الطبري وابن كثير في " تفسيريهما " والترمذي في " صحيحه " والطحاوي في " مشكل الآثار " واللفظ للأول عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ ﴾ فَدَعَا حَسَنًا وَحُسَيْنًا وَفَاطِمَةَ فَأَجْلَسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَدَعَا عَلِيًّا فَأَجْلَسَهُ خَلْفَهُ فَتَجَلَّلَ هُوَ وَهُمْ بِالكِسَاءِ، ثُمَّ قَالَ: «هَؤُلاَءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» (٢).
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي خَمْسَةٍ: فِيَّ، وَفِي عَلِيٍّ، وَحَسَنٍ، وَحُسَيْنٍ، وَفَاطِمَةَ» (٣).
والروايات بهذا المعنى كثيرة ومتضافرة ودالة على حصر أهل البيت في الخمسة الطاهرين.
وإمعانًا في تحديد أهل البيت، وإعلامًا لِلأُمَّةِ أخذ رسول الله - ﵌ - يتلو هذه الآية كل يوم على باب بيت عَلِيٍّ والزهراء حيث يجمع عَلِيًّا وفاطمة والحسن والحُسين.
_________________
(١) رواه مسلم في " الصيحح ": ٧/ ١٣٠. والحاكم في " المستدرك ": ٣/ ١٤٧. والبيهقي في " السنن ": ٢/ ١٤٩. والطبري في " جامع البيان ": ٢٢/ ٥. وابن كثير في " التفسير ": ٣/ ٤٨٥. والسيوطي في " الدر المنثور ": ٥/ ١٩٨، ١٩٩.
(٢) " صحيح الترمذي ": ١٢/ ٨٥. و" تفسير الطبري ": ٢٢/ ٧. و" تفسير ابن كثير ": ٣/ ٤٨٥. و" مشكل الآثار: ١/ ٣٣٥.
(٣) " جامع البيان " للطبري: ٢٢/ ٥. و" ذخائر العقبى " للمحب الطبري: ص ٢٤. و" الدر المنثور ": ٥/ ١٩٨.
[ ١٠٠ ]
عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - سَبْعَةَ [عَشَرَ] شَهْرًا، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ أَتَى بَابَ فَاطِمَةَ، فَقَالَ: " الصَّلاَةُ عَلَيْكُمْ، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾» [الأحزاب: ٣٣] (١).
عَنْ [أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] (**)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمُرُّ بِبَابِ فَاطِمَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ إِذَا خَرَجَ إِلَى صَلاَةِ الفَجْرِ يَقُولُ: «الصَّلاَةَ يَا أَهْلَ البَيْتِ» ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] (٢).
_________________
(١) رواه في " مجمع الزوائد " (*).
(٢) " المستدرك على الصحيحين ": ٣/ ١٥٨ وقال صحيح على شرط مسلم، وأُسْدُ الغابة ": ٥/ ٥٢١، و" مسند أحمد ": ٢/ ٢٥٨، و[تفسير] الطبري: ٢٢/ ٥ وابن كثير: ٢/ ٣٨٣، و" الدر المنثور " للسيوطي: ٥/ ١٩٩، و" مسند الطيالسي ": ٨/ ٢٧٤، و" صحيح الترمذي ": ١٢/ ٨٥ و" كنز العمال ": ٧/ ١٠٣. تعليق: إنَّ هذا الرأي والتفسير للعصمة لا يفيد علم الأئمة للغيب كما لا يفيد اختصاصهم للتحليل والتحريم أو الرواية عن الله مباشرة من غير طريق النبي - ﷺ - ولهذا يظل هذا الرأي ضمن دائرة أهل الإسلام لأنَّ أهل السُنَّة لا يُكَفِّرُونَ مسلمًا برأي أو معصية ما لم يَسْتَحِلَّهَا. أما حصر آل البيت في الخمسة في عصر نزول الآية فهو محل نظر فالأولى أَنْ نأخذ بسياق الآيات القرآنية وسياق الأحاديث النبوية معًا، فالآيات تدل على دخول الأزواج في آل البيت وسياق الأحاديث النبوية تعطي دلالة أوسع لآل البيت وهي لا تنسخ دلالة القرآن الذي أدخل نساء النبي في آل البيت ابتداءً من قول الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، ومرورًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وانتهاءً بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) [قال الهيثمي: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُمَرُ بْنُ شَبِيبٍ المُسَلِّيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ]. (**) [هو أنس بن مالك وليس مالك بن أنس كما ورد في المطبوع من الكتاب].
[ ١٠١ ]
حَدِيثُ الثَّقَلَيْنِ:
وورد هذا الحديث في روايات كثيرة عن رسول الله - ﵌ - ويبدو أَنَّ رسول الله - ﵌ - تحدث به في أكثر من موضع ورواه أئمة الحديث بألفاظ مختلفة.
ففي " صحيح الترمذي " عن رسول الله - ﵌ - «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي» عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (١).
وروى الترمذي أيضًا في " الصحيح " عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا» (٢).
وروى مسلم في " الصحيح " عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﵌ - قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ» فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» (٣).
_________________
(١) " صحيح الترمذي ": ٢/ ٣٠٨ و" كنز العمال ": ١/ ٤٨.
(٢) " صحيح الترمذي ": ٢/ ٣٠٨ و" أسد الغابة ": ٢/ ١٢.
(٣) " صحيح مسلم ": (كتاب فضائل الصحابة) باب فضائل علي بن ابي طالب. ورواه مسلم بأسانيد أخر، ورواه أحمد بن حنبل في " المسند ": ٤/ ٣٦٦ والبيهقي في " السنن ": ٢/ ١٤٨، والدارمي في " سننه " مختصرًا: ٢/ ٤٣١، والمتقي الهندي في " كنز العمال ": ١/ ٤٥ مختصرًا، والطحاوي في " مشكل الآثار ": ٤/ ٣٦٨ وورد الحديث أيضًا في كتاب " التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ": ٣/ ٣٤٧ (كتاب الفضائل)، الفصل الرابع في مناقب آهل البيت، وقد نقله عن " صحيح مسلم " و" الترمذي ".
[ ١٠٢ ]
والحديث قد روي بصورة مستفيضة عن رسول الله - ﵌ - لا يسعنا المجال لذكر إسناده ومصادره. وقد قال السمهودي: «وفي الباب ما يزيد على عشرين من الصحابة» رَوَوْا حديث الثقلين، وصححه السيوطي في " الجامع الصغير " وقال المناوي في " شرحه ": «قال الهيثمي: " رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ».
ويكفي أَنَّ " مسلم " قد روى هذا الحديث (١).
وفي الحديث:
١ - يجعل رسول الله - ﵌ - أهل بيته صنوًا للقرآن لا يفتران حتى يردا عليه الحوض يوم القيامة.
٢ - ويعتبر التمسك بهما عاصمًا من الضلال.
٣ - ويوصيهم أنْ لا يعلوهما ولا يسبقونها في قول أو في فعل فإنهما أعلم منهم.
وفي بعض ذلك كفاية في عصمة أهل البيت ومرجعيتهم في تبليغ وتبيان حدود الله تعالى وحلاله وحرامه.
• • •
ولا نتردد كثيرًا في معرفة من هم أهل البيت إذا عرفنا أنهم مع القرآن في كل شيء وأنهم لن يفترقوا عن القرآن حتى يردوا على رسول الله - ﵌ - الحوض.
فهم والقرآن صنوان لا يفترقان. وهما يستمران إلى يوم القيامة إلى جنب
_________________
(١) أوضحنا في (البند ٢٠) أنه قد ورد أيضًا في الأحاديث النبوية «كِتَابَ اللهِ، وَسُنَّتِي» كما في " الموطأ " و" الترمذي " و" كنز العمال " و" الجامع الصغير " وبالتالي فأهل البيت لا يطاعنون استقلالًا عن السنة النبوية بل من خلالها وأئمة آل البيت لا يزيدون شيئًا على ما ثبت من الحديث النبوي وقد أوضح ذلك شيخنا الآصفي في (البند ٥) بالصفحات التالية.
[ ١٠٣ ]
أحد من المسلمين لواحد من أهل البيت عدا الأئمة الإثني عشر الذين يعتقد الشيعة الإمامية عصمتهم.
فإنَّ الحديث صريح في عصمة أهل البيت في التبليغ وبيان أحكام الله تعالى والاستقامة على نهج الله تعالى.
وصريح في استمرار هذا الخط التبليغي لأحكام الله، معصومًا عن الخطأ إلى يوم القيامة في أهل البيت.
مَصْدَرُ الأَئِمَّةِ فِي تَبْلِيغِ الأَحْكَامِ:
فالأئمة من أهل البيت - إذن - انطلاقًا من هذا الشرح معصومون عن الخطأ والكذب في تبليغ أحكام الله تعالى.
فما يحدثونا ويبلغون من أحكام الله تعالى وحلاله وحرامه ليس اجتهادًا في الرأي يصيب حينًا ويخطئ حينًا آخر.
وبذلك يفترقون في سائر أئمة الفقه وفقهاء المسلمين. فالفقهاء يجتهدون في إصابة الحكم الشرعي فيصيبون حينًا ويخطئون حينًا آخر.
ولذلك يختلفون في الرأي والاجتهاد. وليس في حدود الله تعالى وحلاله وحرامه اختلاف وتعدد.
• • •
ويثار السؤال: ومن أي مصدر إذن يُحَدِّثُونَ وَيُحَدِّدُونَ الحلال والحرام، إنْ لم يكن اجتهادًا في الرأي؟
[ ١٠٤ ]
فنقول: إِنَّ كل حديث صادر عنهم في الأصول أو الأحكام ليس من رأيهم، وليس فيه شيء من اجتهادهم مطلقًا، وإنما يستندون في ذلك إلى سُنَّةٍ لرسول الله - ﵌ -، انتهى علمها إليهم، وَيَرْوُونَهَا عنهم، سواء رَوَوْهَا كما يروي المحدثون عن رسول الله مسلسلًا، مسندًا، أم أرسلوها إرسالًا (١).
روى ثقة الإسلام الكُلَيْنِي عن هشام بن سالم وحماد بن عثمان وغيره قالوا: سمعنا أبا عبد الله (الصادق) يقول: «حديثي، حديث أبي، وحديث أبي حديث جَدِّي، وحديث جَدِّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله، وحديث رسول الله - ﵌قول الله ﷿» (٢).
وروى المفيد في " الأمالي " عن جابر قال: قلت لأبي جعفر الباقر: «إِذَا حَدَّثْتَنِي بِحَدِيثٍ فَأَسْنِدْهُ لِي». فقال: «قُلْتُ لأًبٍي جَعْفَرَ البَاقِرَ: «إِذَا حَدَّثْتَنِي بِحَدِيثٍ فَأَسْنِدْهُ لِي». فقال: «حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي رَسُولَ اللهِ عَنْ جِبْرَائِيلَ عَنْ اللهِ، وَكُلَّمَا أُحَدِّثُكَ [فَبِهَذَا] الإِسْنَادِ». (٣).
وروى الكليني عن يونس بن قتيبة قال: سأل رجل أبا عبد الله (الصادق) عن مسألة، فأجابه فيها. فقال الرجل: أرأيت إِنْ كان كذا وكذا ما يكون
_________________
(١) إِنَّ إثبات الحكم الشرعي بغير مصدر يعني الإلهام من الله بغير حاجة إلى الرسول وفي هذا لا يقول به صحابة رسول الله - ﷺ -، ولكن الشيخ محمد رضا المظفري في كتاب " عقائد الإمامية "، عن علم الإمام يقول: «إذا استجد شيء لا بُدَّ أَنْ يعلمه من طريق الإلهام بالقوة الفرسية التي أودعها الله فيه، فإنّ توجه إلى شيء شاء أَنْ يعلمه على وجهه الحقيقي لا يخطئ ولا يشتبه ولا يحتاج في ذلك إلى البراهين العقلية أو إلى تلقين المعلمين» ص ٩٦ كما ورد مثل هذا في الأصول للكافي: جـ ١ ص ٢٧١ إلى ٢٧٤ ونأمل أَنْ يحقق ذلك إخواننا الشيعة وأنْ يدركوا عدم صحة ذلك.
(٢) " أصول الكافي ": ١/ ٥٣.
(٣) " أمالي المفيد ": ص ٢٦.
[ ١٠٥ ]
القول فيها؟ فقال له: مه. ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول الله. لسنا من (أرأيت) في شيء (١).
ونلخص ما تقدم من الحديث عن العصمة فيما يلي:
١ - أهل البيت معصومون عن المعاصي والذنوب في سلوكهم الشخصي.
٢ - ومعصومون عن الخطأ والكذب والتبليغ.
٣ - ويستمر هذا الامتداد المعصوم من الكذب والخطأ في تبليغ أحكام الله إلى يوم القيامة ضمن نطاق أهل بيت رسول الله، وفي كل عصر منهم إمام يعود الناس إليه في معرفة أحكام الله وحدوده.
٤ - ولم يمارس أئمة أهل البيت رأيًا واجتهادًا في الرأي في معرفة وتبليغ أحكام الله.
٥ - ولم يزيدوا فيما يقولون ويحدثون ويبينون من أحكام الله تعالى عن حديث رسول الله - ﵌ -
• • •
ويبقى السؤال: كيف استوعب الأئمة من أهل البيت من حديث رسول الله - ﵌ - وسُنَّته ما لم يستوعبه سائر الصحابة والمحدثون من حديث رسول الله - ﵌ - وسُنَّته.
والجواب: أَنَّ ما يغيب عن علمنا مما خلق الله تعالى من وسائل وأسباب
_________________
(١) " أصول الكافي ": ١/ ٥٨.
[ ١٠٦ ]
التلقي والتعليم أكثر مما نعرف، وماذا يضرنا إنْ لم نعرف ذلك بعد أَنْ علمنا أنهم صادقون في كلامهم وفي حديثهم عن رسول الله - ﵌ -. ويكفينا ذلك في قيام الحُجَّةِ ووجوب الاتباع.
ولا نريد أنْ نزيد هنا على ذلك.
فهؤلاء الأئمة من أهل البيت بشهادة كلام الله وبشهادة حديث رسول الله - ﵌ - صادقون لا يكذبون. وقد أخبرونا أنهم يحدثونا عن سُنَّة رسول الله - ﵌ - وحديثه في كل ما يحدثون ويكفينا ذلك.
على أنَّ الإمام علي بن أبي طالب كانت له مجالس خاصة مع رسول الله - ﵌ - ينقلها المحدثون، وكان رسول الله - ﵌ - يملي عليه كتابًا في الحلال والحرام. وقد نقل الإمام البخاري من هذا الكتاب، كما نقل غيره من أئمة الحديث عن الإمام علي عن رسول الله من طريق هذا الكتاب ..
وقد توارث أهل بيته من بعد هذا الكتاب. ولكننا لا نريد إطلاقًا أَنْ نقول: إِنَّ كل مرويات أهل البيت عن هذا الكتاب، لقد رَوَوْا منه من غيره. وإنما نكتفي بما علمنا من القول، وذلك أنهم يَرْوُونَ في كل ما يُحَدِّثُونَ عن رسول الله - ﵌ -، وإنهم صادقون لا يكذبون. وقد بَرَّأَهُمْ الله تعالى وَنَزَّهَهُمْ عن ذلك. وهذا هو خلاصة الكلام فيما نعتقده في عصمة الأئمة من أهل البيت - عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ - والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الكويت: محمد مهدي الآصفي
في ٥ شوال ١٣٩٩ هـ.
[ ١٠٧ ]
١٩ - حَقَائِقَ عَنْ السُنَّةِ وَالعِصْمَةِ:
وتعليقًا على البيان الذي نقلناه عن الشيخ الآصفي نضع أمام القارئ الحقائق التالية:
[١] إنَّ حصر الشيعة آل البيت في النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين يستند إلى الأحاديث النبوية ولكنها لا تفسخ القرآن الكريم الذي أدخل أمهات المؤمنين في آل البيت. فلا يوجد سبب يؤدي إلى استبعاد زوجات النبي - ﷺ - من آل البيت بعد أنْ أثبت القرآن لهن هذه الصفة.
[٢] لا يجوز أنْ يضاف إلى آل البيت غير من ذكرنا لأنَّ ثبوت هذا كان عن طريق الوحي أي القرآن أو السُنَّة ولا يتنزل الوحي على أحد بعد النبي - ﷺ -. كما أنَّ العصمة بمعنى التطهير من الكبائر والرجس لا تتعدى آل البيت المشار إليهم لأنها ليست ميراثًا لطائفة أو مذهب.
[٣] استيعاب آل البيت أو أئمة الشيعة للأحاديث النبوية لا يكون إلاَّ بالرواية المتصلة إلى النبي - ﷺ - وهذا فقه للإمام محمد باقر الصدر في كتابه، فلا وحي بعد النبي - ﷺ -، وقد فَصَّلَ ذلك في كتاب " الحكم " وكذلك كتاب " ضوابط التقريب بين الشيعة وأهل السُنَّة ".
[٤] لا جدال في أنَّ عَلِيًّا قد روى عن النبي - ﷺ - ونقل ذلك البخاري وغيره، ولكن هذه الروايات هي المدونة في كتب السُنَّة وليست أسرارًا كنسية لا يعرفها أحد إلاَّ الإمام الغائب، كما أنه لا يوجد عند أهل البيت روايات خاصة لا يعلمها أحد وتوارثها سرًا أئمة الشيعة فقد روى الإمام مسلم عن الإمام عَلِيٍّ - ﵁ - أنه قال: «من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلاَّ كتاب الله وهذه الصحيفة فيها أسنان الإبل وَشَيْءٌ من الجراحات فقد كذب»، فصحيفة الإمام عَلِيٍّ ليس فيها سوى هذه الأحكام وليست موسوعة في الأحاديث النبوية ولم يذكرها الإمام عَلِيٍّ إلاَّ للأئمة لأنَّ من عاصره منهم بنوه وهؤلاء لم يُؤْثَرْ عنم إلاَّ الثابت في كتب السُنَّة.
[٥] يرتب بعض الشيعة على القول بالعصمة أَنَّ رواية غير أئمة الشيعة للحديث النبوي لا يعمل بها إلاَّ إذا وافقت مذهبهم، كما رَتَّبُوا على هذه العصمة
[ ١٠٨ ]
ما قاله نصير الدين الطوسي إنَّ الإمامية هم الفرقة الناجية لا غير وما نقل عن نعمة الله الجزائري من أنَّ دخول الجنة لا يكون إلاَّ بالإقرار بالشهادتين والإقرار بولاية أهل البيت. (" الكشكول ": ج ١ ص ١٤٠ و١٤١ و١٦٩) للفقيه يوسف البحراني، مكتبة نينوى طهران. وانظر تفصيل ذلك في كتاب " ضوابط التقريب ": ص ٥٠ وما بعدها.
[٦] يؤكد ابن حجر الهيثمي أنَّ حديث غدير خم «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ» ليس نصًا في إمامة (عَلِيٍّ) ولا إمامة غيره من الأئمة عند الشعية، فلم يحتج به هو والعباس مع قرب العهد جدًا بيوم الغدير إذ بينهما نحو الشهرين، وجواز نسيان عَلِيٍّ والعباس وسائر الصحابة السامعين لخبر يوم الغدير، محال، فيجزم العاقل بأدنى بديهته أنه لم يقع منهم نسيان ولا تفريط وأنهم حال بيعتهم لأبي بكر كانوا متذكرين لذلك الحديث عالمين به.
إنَّ ادعاء الشيعة والرافضة أنَّ الصحابة علموا هذا النص ولم ينقادوا له، عناد ومكابرة بالباطل، وزعمهم أنَّ عليًا تركها تقية، كذب وافتراء، فقد كان في منعة من قومه مع كثرتهم وشجاعتهم، ولقد قال الأنصار: «منا أمير ومن المهاجرين أمير» واحتج عليهم بحديث «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ»، فكيف سلموا بهذا ولم يقولوا أنه ورد حديث في إمامة عَلِيٍّ.
ويستطرد ابن حجر الهيثمي فيقول: الشيعة أقل فحشًا في عقائدهم من الرافضة، وذلك لأن الرافضة يقولون بتكفير الصحابة لأنهم عاندوا بترك النص بإمامة عَلِيٍّ. بل زاد أبو كامل (رئيس الفرقة الكاملية) فَكَفَّرَ عَلِيًّا زاعمًا أنه أعان على كتمان وستر ما لا يتم الدين إلاَّ به لأنه لم يرد عنه قط أنه لم يحتج بالنص على إمامته (١).
_________________
(١) " الصواعق المحرقة " للمحدث الفقيه أحمد بن حجر الهيثمي: ص ٦٨. طبعة لبنان سَنَةَ ١٩٨٣.
[ ١٠٩ ]
٢٠ - الشِّيعَةُ وَبَرَاءَةُ الأَئِمَّةِ:
يرى الشيعة أَنَّ إمام المسلمين لا يعنيه إلاَّ الله تعالى ويفوضه في أمور الدين وهذا ما جعلهم يقولون بعصمة الأئمة مستدلين بقول الله تعالى:
الاِخْتِلاَفُ حَوْلَ الأَئِمَّةِ:
تثبت الإمامة لدى الشيعة بنص صريح متواتر أو بالمعجزة (١) والإمامة والنص هو حديث غدير خُمْ، فيقولون إنَّ النبي - ﷺ - وقف في غدير خُمْ (وهو مكان بين المدينة ومكة) وذلك عند عودته من حجة الوداع وخطب في الناس بعد أنْ رفع يد الإمام علي بن أبي طالب بجانب يده - ﷺ -، وأعلن إمامة الإمام علي وحدد المعصومين من بعده، وقد أنكر علماء الحديث من أهل السُنَّة هذه الرواية وأثبتوا أَنَّ عليًا كان في اليمن خلال حجة الوداع، ثم يختلفون في بيان الأئمة، فبعد اتفاقهم على الإمام علي بن أبي طالب، اختلفوا في الأئمة من بعده.
فمنهم من حصرها في ذرية الإمام علي - ﵁ - من السيدة فاطمة ومنهم من وقف عند إمام ثم حصرها في ذريته أو في إخوانه (٢).
كما أنه يوجد خلاف فيما بينهم في الأئمة بعد الإمام جعفر الصادق.
فمنهم من يرى أنَّ الإمامة بعد الإمام جعفر الملقب بالكاظم وتلاه علي بن موسى الرضا، ومحمد النقي وعلي النقي والحسن العسكري ومحمد المهدي، الذي اختفى في مدينة سُرَّ من رأى (سامراء) بالعراق وكان عمره خمس سنوات وما زالوا
_________________
(١) " أصل الشيعة وأصولها ". محمد حسين آل كاشف الغطاء: ص ١٠٧. و" شرح العقائد النسفية ". سعد الدين التفتازاني: ص ١٤١ و" نهاية الإقدام في علم الكلام " للشهرستاني. طبعة بغداد: ص ٤٨٠، و" المذاهب الإسلامية " للشيخ محمد أبو زهرة: ج ١ ص ٥٧.
(٢) " محاضرات في الملل والنحل " للكتور حمدي عبد العال: ص ١٣١.
[ ١١٠ ]
ينتظرون عودته على أنه المهدي المنتظر، في الوقت الذي تعتقد طائفة أنَّ المهدي المنتظر هو محمد بن الحنفية وهو ابن الإمام علي بن أبي طالب من أخرى غير السيدة فاطمة (١) وهؤلاء هم الكيسانية ومنهم من قال بنبوة الإمام عَلِيٍّ وبنيه الثلاثة الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وآخرون من القرامطة زعموا نبوة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق (٢).
ولكن من يتصف بالعصمة من الأئمة؟ وهل تنحصر في هؤلاء فقط؟
بَيْنَ العِصْمَةِ وَالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ:
إنَّ الخلاف في معنى العصمة خلاف حاد بعضه يمكن أن يسمح بالتقارب بين السُنَّة والشيعة، ومنه خلاف يؤدي إلى الكفر فلا تقريب ولا تقارب.
[أ] فمنهم من يقول: «إنَّ الإمامة صفة من الله تعالى وتحقيقها في محل معين وهو الشخص المعين، لا يجوز عليه الخطأ» ويقول: «قول الإمام وفعله وتقريره وتركه حُجَّةٌ» (٣).
[ب] ومنهم من يقول: «النبي يوحى إليه فينبه على وجه الخطأ فيتوب منه والإمام لا يوحى إليه، فيجب عصمته» (٤).
[ج] ومن يقول: «حكمة التدرج افتضت بيان جملة من الأحكام وكتمان جملة، ولكنه - سَلاَمُ اللهِ عَلَيْهِ - أودعها عند أوصيائه، كل وصي يعهد بها إلى الآخر لينشرها في الوقت المناسب حسب الحكمة» انظر " الملل والنحل " (هامش " الفصل ": ج ٣ ص ٢٢) و" المذاهب الإسلامية " للشيخ أبو زهرة " ج ١ ص ٥٥.
[د] ومنهم من يقول: «كل من شك في وجود الباري أو وحدانيته أو نبوة النبي - ﷺ - أو جعل له شريكًا في النبوة فهو خارج عن دين الإسلام، والشيعة يبرأون من جميع الغلاة وَالمُفَوِّضَةِ وفعالهم» (٥).
_________________
(١) " حقيقة البابية والبهائية ". محسن عبد الحميد: ص ٥٢.
(٢) " الفرق بين الفرق " للبغدادي: ص ٢٠٦، و" الفصل في الملل والأهواء والنحل " لابن حزم: ج ٤ص ١٨٤ و" فرق الشيعة " للنُوبَخْتِي: ص ٧٤.
(٣) و(٤) " الألفين ". جمال الدين المطهر المعروف بالعلاَّمة الحلي: ص ٢٨٥ و٢٨٧.
(٤) محسن الأمين في كتابه " أعيان الشيعة " وانظر " السبأيون " للدكتور حمدي عبد العال: ص ٣٢ و" هوية التشيع " أحمد الوائلي: ص ١٣٤.
[ ١١١ ]
أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ:
يوجد من الشيعة من يقول إن العصمة تعني أن الإمام إذا قال شيئًا في أصول الدين أوالأحكام فلا يخطئ لأن قوله ليس من اجتهاده ورأيه مطلقًا إنما يبلغ عن رسول الله - ﷺ -، ولا يشترط أن يكون هذا البلاغ بطريق الإسناد المتصل إلى النبي - ﷺ - كما هو الحال في رواية السُنَّة النبوية.
ومن قال ذلك إنما يقول بالإلهام الذي قال عنه الشيخ محمد رضا المظفري في كتابه " عقائد الإمامية ": «إذا استجد شيء لا بد أن يعلمه عن طريق الإلهام بالقوة الفرسية التي أودعها الله فيه»: ص ٩٦ وانظر " الأصول " للكُليني: ج ١ ص ٢٧١ - ٢٧٤.
وهؤلاء يرتبون على ذلك أن الإمام المعصوم إذا قال قولًا يخالف القرآن الكريم أو الحديث النبوي، لا يرد قوله بل يعمل به لأنه في عقيدتهم يملك تخصيص عموم القرآن والسُنَّةِ وتقييد المطلق ونسخ أحكامها.
ولقد أفتى هؤلاء بما يخالف القرآن في أمور كحرمان الزوجة من الميراث في الأراضي الفضاء فلا ترث إلا في المباني، فمن مات ولا يملك بنايات بل يملك أراضي فضاء، لا ترث فيها أرملته، بينما يستحق باقي الورثة، وإذا ترك بنايات يستنزل منها قيمة الأرض، وفي هذا إنقاص لفرضها المحدد في القرآن الكريم.
كما أفتوا باستقلال البنات بتركة مورثهن فيرثن التركة كلها إذا لم يكن معهن أخ ولذلك خلافًا لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]. ومنهم من يقول بالرد على البنت.
وقالوا لا تطلق الزوجة قضائيًّا إذا تركها زوجها وسافر نهائيًّا، طالما أنه يرسل إليها النفقة إذ لا حق لها في الباه، أي الاستمتاع بالرجل واستقرت أحكامهم على ذلك كله فإذا كان عن أثر يمحص وإن كان إلهامًا بمقتضى العصمة فضلال.
إن هؤلاء الأئمة لم يقولوا أبدًا بالعصمة هذه ولم يكن هذا شائعًا في عصرهم وسكتوا عنه، ومن يقلدون هذه الأحكام الاجتهادية يعتقدون أنها من أصول الدين ويجهلون أنها تنطوي على نسخ بعض أحكام القرآن أو تخصيصها.
[ ١١٢ ]
نَزَاهَةُ الأَئِمَّةِ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ:
لقد أدرك بعض علماء الشيعة أن من يقول باختصاص الأئمة بتخصيص القرآن وَالسُنَّةِ ونسخ أحكامهما، إنما يجعلهم يشرعون كالأحبار والرهبان الذين ورد فيهم قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].
ولهذا قال الإمام محمد باقر الصدر: «ثبت في محله من انتهاء عصر التشريع بانتهاء عصر النبي - ﷺ -، وأن الأحاديث الصادرة عن الأئمة المعصومين ليست إلا بيانًا لما شَرَّعَهُ النبي - ﷺ - من الأحكام وتفاصيلها» (١).
كما أنه لا خلاف بين الناس جميعًا أن يروي عن شخص لا بد أن يكون معاصرًا له، فلا يروي حفيد عن أجداد لم يعاصروه لوفاتهم قبل أن يولد، ولهذا فرواية علماء الشيعة عن أئمتهم يلزم أن يذكر فيها سلسلة الرواة ليمكن معرفة مدى معاصرة الراوي لمن روى عنه ومعرفة مدى توفر شروط العدالة والضبط في الرواة، ولكن الشيخ الآصفي يقول: «إن كل حديث صادر عنهم في الأصول أو الأحكام، ليس من رأيهم وليس فيه شيء من اجتهادهم مطلقًا، وإنما يستندون في ذلك إلى سُنَّةِ رسول الله - ﷺ - انتهى علمها إليهم ويروُونها عنهم سواء رَوَوْهَا كما يروي المحدثون عن رسول الله مسلسلًا، مسندًا أم أرسلوها إرسالًا» (٢).
وهذا يعني أن أي إمام من الأئمة الاثني عشر لو قال شيئًا، لا يحتاج إلى أن يذكر اسم من سمع منهم أو روى عنهم وبالتالي يروي عن رسول الله - ﷺ - حتى لو كان بينه وبين عصر الصحابة عشرة قرون.
وهذا لا يقول به إلا من يَدَّعِي أن هؤلاء جميعًا يوحى إليهم من الله أو يعلمون عن طريق الإلهام كما يقول الشيخ محمد رضا المظفري في كتابه " عقائد الإمامية ": ص ٩٦.
وهذا الافتراض لا يقبله إلا من زعم أن هؤلاء يوحى إليهم ولهذا يصبح عندهم ادعاء أن الأئمة إذا قالوا بخلاف القرآن صح ذلك لأن الله أعلمهم بذلك. والشيخ الآصفي يقول في موضع آخر: «لكي يسلم الحديث عند فقهاء وعلماء الإمامية
_________________
(١) " تعارض الأدلة " للسيد الإمام محمد باقر الصدر: ص ٣٠.
(٢) " السنة المفترى عليها "، الطبعة الثانية: ص ١٢٦.
[ ١١٣ ]
يخضع لمراحل متعددة من النقد في السند وفي الدلالة وفي المقارنة وفي الصدور، فإذا سلم الحديث في هذه المراحل جميعًا يؤخذ به» (١).
وإذا وجب هذا التمحيص لقبول قول رسول الله - ﷺ -، فلماذا يقرر إعفاء أقوال الأئمة من هذا التمحيص ومن اشتراط الإسناد والعدالة والضبط؟ لقد روى الإمام أحمد (*) عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله (أي الإمام جعفر) هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله بالأمس؟ قال: لا. من قال هذا أخزاه الله» (٢).
حَوْلَ تَحْدِيدِ آلِ البَيْتِ:
إن سند علماء الشيعة في عصمة الأئمة كما ذكر الشيخ [الآصفي] وغيره، ينحصر في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٣٣]، وفي حديث: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي».
فمن هو أهل البيت الوارد ذكرهم في النصين المذكورين؟
يرى علماء الشيعة حصر آل البيت في عَلِيٍّ وفاطمة وابنيهما، أما زوجات النبي - ﷺ - فقد أخرجوهن من أهل البيت بينما القرآن الكريم قد خَصَّهُنَّ بوصف أهل البيت، ويقول الشيعة: إن الحديث النبوي نسخ القرآن في ذلك حيث قال النبي - ﷺ - «أَهْلُ بَيْتِي: عَلِيًّا وَفَاطِمَةُ وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ».
إن هذا الحديث لم ينسخ الآية القرآنية فلا تعارض بينهما إذ أن وصف أهل البيت يشمل زوجات النبي - ﷺ - ويشمل من ورد ذكرهم في الحديث النبوي.
ومع هذا لو اقتصر علماء الشيعة على حصر العصمة في الإمام عَلِيٍّ والسيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين، لما حدثت الفتن والاضطرابات والخلافات.
فالشيخ الآصفي يقول: «ويستمر هذا الامتداد المعصوم من الكذب والخطأ في تبليغ أحكام الله إلى يوم القيامة ضمن نطاق أهل بيت رسول الله، وفي كل عصر منهم، إمام يعود الناس إليه في معرفة أحكام الله وحدوده» (٣).
_________________
(١) المرجع السابق: ص ١٠٠.
(٢) " المسند ": ج ١ ص ٧٣، طبع بيروت، نقلًا عن كتاب " الإمام الصادق " للشيخ محمد أبو زهرة: ص ٢٣٦.
(٣) " السنة المفترى عليها ": ص ١٢٧. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) لم أجده في " مسند أحمد " وإنما هو من مصادر شيعية ربما يكون للطوسي أو " أصول الكافي " للكُليني، [أخطأ في اعتباره " مسند أحمد "، حتى في كتاب أبي زهرة وقع ذكر " المسند " لا على أنه " مسند أحمد "، وإنما ذكر المسند مع ذكر الجزء والصفحة]. (انظر " الإمام الصادق " للشيخ محمد أبو زهرة: ص ٢٣٦، مطبعة علي أحمد مخمير - مصر).
[ ١١٤ ]
فهو لم يحصر هذه العصمة في الأربعة المذكورين في الحديث النبوي ولا في الأئمة الإثني عشر، بل قال باستمرار وجود إمام معصوم في كل عصر إلى يوم القيامة، بينما غيره يُقَدِّرُ أن العصمة تنحصر في الأئمة الإثني عشر ولهذا ينتظرون الإمام المهدي الثاني عشر لينقل لهم ما خفي عليهم (١).
ولم يقف عند ظاهر الآية القرآنية حيث تضمنت تطهير أهل البيت من الرجس، بل قال بامتداد العصمة لتشمل العصمة في تبليغ أحكام الله كما هو شأن رسل الله تعالى. وكل ذلك يخالف النصوص التي يستند إليها علماء الشيعة، بل من شأنه أن يصبح الإمام المعصوم كالأحبار والرهبان يُشَرِّعُ من دون الله تعالى.
بَرَاءَةُ الأَئِمَّةِ:
ليس صحيحًا أن أحدًا من الأئمة قد قال بهذه العصمة في الرواية لنفسه أو غيره، ولهذا نجد الشيخ جعفر كاشف الغطاء ينفي الصحة عن المراجع الأصولية عند الشيعة وهي " من لا يحضره الفقيه "، و" الكافي " و" التهذيب ".
فيقول عن أصحابها: (وهم الكُليني، ومحمد الصدوق، ومحمد الطوسي)، يقول: «كَيْفَ يُعَوَّلُ فِي تَحْصِيلِ العِلْمِ عَلَيْهِمْ وَبَعْضُهُمْ يُكَذِّبُ رِوَايَةَ بَعْضٍ، بِتَكْذِيبِ بَعْضِ الرُوَّاةِ» (٢).
ولهذا أيضًا جاء في كتاب " أعيان الشيعة ": «إِنَّ أَكْثَرَ الأَخْبَارِ المَرْوِيَّةِ غَيْرَ قَطْعِيَّة السَّنَدِ، وَإِنَّ أَحَادِيثَهَا مُخْتَلِفَةِ المَرَاتِبِ فَفِيهَا الصَّحِيحُ وَالحَسَنُ وَالمُوَثَّقُ وَالضَّعِيفُ وَالمُرْسَلُ وَالضَّعِيفُ وَغَيْرَ ذَلِكَ» (٣).
والسند غير المتصل قد اختلف في قبوله عند الشعية، فمنهم من قبله طالما أن الراوي ثقة، وفي " معالم الدين " قال (٤): «إِنَّ أَسَاسَ الرِّوَايَةِ الثِّقَةَ بِكُلِّ رِجَالِ السَّنَدِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونُوا مَعْرُوفَينَ حَتَّى يُمْكِنَ مَعْرِفَةَ مِقْدَارِ الثِّقَةِ فِيهِمْ». ص ٢١٤، ولكن الشيعة الإمامية مع طعنهم على البخاري لأنه لم يثبت روايات عن الإمام جعفر الصادق،
_________________
(١) " الشيعة وأهل السنة " تقديم الشيخ محمد تقي الدين القُمِّي: ص ٢٢ و" أصل الشيعة وأصولها " للشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء: ص ٦١.
(٢) و(٣) و(٤) نقلا عن كتاب " الإمام الصادق " للشيخ محمد أبو زهرة: ص ٢٨٦، ٢٨٧ وص ٤١٢.
[ ١١٥ ]
فهم يرون أنه لو كان بين الرواة شخص غير إمامي، فلا تقبل هذه الرواية حتى لو كان جميع الرواة من الثقات فقد ذكر الشيخ الطوسي في كتابه " عدة الأصول ": «أَنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ إِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً فِي العَمَلِ إِذَا كَانَ رَاوِيهِ مِنَ الطَّائِفَةِ المُحِقَّةِ أَيْ الاثْنَا عَشَرِيَّةِ» ص ٣١.
ثم يضع الطوسي شرطًا أخر يؤكد ضرورة اتصال السند من الإمامية الثقات فيقول عند التحقيق تبين أنه لا يعمل بالخبر الذي يرويه الإمامية مطلقًا، بل بهذه الأخبار التي رويت عن الأئمة - عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ - ودونهما الأصحاب، فليس كل خبر يرويه الإمامي يكون صحيحًا يجب العمل به، بل الخبر الصحيح الذي يجب العمل به هو ما يرويه الإمام عن الأئمة.
ومن الشيعة من قال بقبول رواية غيرهم إذا كان مُوَثَّقًا أو ممدوحًا منهم ففي رسالة " جواز الاكتفاء بتصحيح الغير " لأبي المعالي ص ٩: «لو كان بعض رجال السند غير إمامي مصرحا بالتوثيق أو مصرحا بالمدح لا بد من كون الباقي إماميا موثقا» (١). ولهذا فالإمام جعفر الصادق بَرِئَ مما ينسب إليه من عدم قبوله رواية غير الإمامية.
فقد كان يَرْوِي عنه حال حياته، مالك وأبو حنيفة وسفيان وَشُعْبَةُ، وهو لا يقبل بروايتهم عنه إذا كانوا غير عدول أو كانت روايتهم غير مقبولة، فكيف يرضى بروايتهم إذا كانوا غير أمناء في النقل عنه (٢).
ولقد روى جابر الجُعَفِي وهو من الإمامية أن الإمام محمد الباقر قال وهو يُوَدِّعُهُ عائدًا من العراق: «أبلغ أهل الكوفة أني بريء ممن تبرأ من أبي بكر وعمر - ﵃ وَأَرْضَاهُمْ -» (٣). ولقد سئل الإمام الباقر - ﵁ - عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥]، فقال: «أصحاب محمد - ﷺ -». فقال السائل يقولون هو (عَلِيٌّ)، قال الإمام محمد الباقر: «عَلِيٌّ مِنْهُمْ» (٤).
أما عن عصمة هؤلاء الأئمة بمعنى أن الله تعالى أودع عندهم أسرار الدين وعصمهم في النقل عنه أو عن النبي - ﷺ - أو عن النبي - ﷺ - بغير طريق الرواية المتصلة السند، فنجد
_________________
(١) المرجع السابق: ص ٣٨٠
(٢) و(٣) " حلية الأولياء ": ج ٣ ص ٣٩ و١٣٧.
(٣) الأخبار الأربعة في " حلية الأولياء ": ج ٣ ص ١٨٥ نقلًا عن الشيخ محمد أبو زهرة: ص ٢٠٨.
[ ١١٦ ]
الإمام علي زين العابدين يقول ما يُكَذِّبُ ذلك، فهو الإمام الرابع عند الشعية وقد جاء في " حلية الأولياء " أنه كان يذهب إلى زيد بن أسلم ويجلس عنده فقال له نافع بن جبير: «أَنْتَ سَيِّدُ النَّاسِ وَتَذْهَبُ إِلَى هَذَا العَبْدِ»، فقال الإمام: «إِنَّمَا يَجْلِسُ الرَّجُلُ إِلَى مَنْ يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ» ج ٢ ص ١٣٨.
والإمام جعفر الصادق قد قال للمعتزلة عند دعوتهم لبيعة محمد بن عبد الله بن الحسن: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: " مَنْ ضَرَبَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ وَدَعَاهُمْ إِلَى نَفْسِهِ وَفِي المُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ فَهُوَ ضَالٌّ مُتَكَلِّفٌ " وَقَالَ لِلأَبِ: " إِنَّ هَذَا لَيْسَ لَكَ وَلاَ لابْنِكَ وَإِنَّمَا هُوَ لِهَذَا - أَيْ السَفَّاحُ - ثُمَّ لِهَذَا (المَنْصُورُ) فَلَمْ يَقُلْ بِالعِصْمَةِ أَوْ الإِمَامَةِ لأَحَدٍ (١).
بَيْنَ الأَئِمَّةِ وَأُسْرَةِ أَبِي بَكْرٍ:
إن الإمام جعفر الصادق الذي ينسب إليه مذهب الشيعة الإمامية، أمه حفيدة أبي بكر الصِدِّيق، فهي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِدِّيقَ، والقاسم تربى في حجر عمته السيدة عائشة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - وكان يروي عنها، وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة وأم فروة، أمها أسماء بنت أبي بكر الصديق والقاسم جَدُّ جعفر لأمه، عَلَّمَ جعفر مما آتاه الله من العلم فقد مات - ﵁ - عام ١٠٨ هـ، وكان جعفر في الثامنة والعشرين من عمره.
والإمام عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - قد رَبَّى وَعَلَّمَ محمد بن أبي بكر (والد القاسم) لأنه احتضنه بعد أن تزوج أمه أرملة أبي بكر الصديق (٢).
الصَّادِقُ وَالعِصْمَةُ:
والإمام جعفر - ﵁ - ينفي العصمة المنسوبة إليه وإلى الأئمة التي تتضمن التحليل والتحريم بغير نص في القرآن أو السُنَّةِ النبوية بدعوى أن الإمام مُلْهَمٌ فقد روى " الكافي " عن أبي بعير عن أبي عبد الله قال: «قلت له: «﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ
_________________
(١) كتاب " الصادق " للعلامة المظفري: ج ١ ص ٢٤٢ و٢٠٣.
(٢) " الإمام الصادق " للشيخ محمد أبو زهرة: ص ٤ - ٢٧، دار الفكر العربي.
[ ١١٧ ]
أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾» [التوبة: ٣١].، فقال: «والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم ما أجابوهم ولكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لا يشعرون».
وقال أيضًا: «والله ما صاموا لهم ولا صلوا لهم ولكن أحلوا لهم حرامًا وَحَرَّمُوا عليهم حلالًا فاتبعوهم» (١).
الصَّادِقُ وَالتَّقِيَّةُ:
أما التقية التي تنسب إلى الإمام جعفر الصادق فيفسرها قوله عند الطبرسي: «نَصُونُ بِذَلِكَ مَنْ عُرِفَ مِنْ أَوْلِيَائِنَا فَإِنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ نَتَعَرَّضَ لِلْهَلاكِ» (٢).
فهذه التقية ليست منهجًا لمذهب يدعو إلى التظاهر بموالاة الصحابة وتنزيه القرآن من التحريف ثم الاعتقاد بغير ذلك وترويجه سِرًّا كما يزعم بعض غلاة الشيعة.
فالإمام جعفر يقول بالتقية بمعنى مداراة الحكام الظالمين لدفع الأذى ومنع المخاطر التي نتجت عن مقتل الحسين - ﵁ - ومقتل زيد - ﵁ -، ومقتل الأخوين محمد النفس [الزكية] وإبراهيم، ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن (٣).
الصَّادِقُ وَالقُرْآنُ:
إن ما نسب إلى الإمام جعفر الصادق عن القرآن افتراء عليه فقوله: «إِنَّ عِنْدَنَا مِنْ حَلاَلِ اللهِ وَحَرَامِهِ مَا يَسَعُنَا كِتْمَانُهُ، مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُحَدِّثَ بِهِ أَحَدًا»، ليس له سند صحيح وَتُكَذِّبُهُ الروايات الصحيحة، فقد روى العياشي في " تفسيره " عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: «مَنْ فَسَّرَ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ، إِنْ أَصَابَ لَمْ يُؤْجَرْ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَهُوَ أَبْعَدُ مِنَ السَّمَاءِ». وقد رُوِيَ عن الإمام الباقر: «مَا ضَرَبَ رَجُلٌ القُرْآنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ إِلاَّ كَفَرَ» (٤).
_________________
(١) المرجع السابق: ص ٣٢.
(٢) و(٣) المرجع السابق: ص ٢٤٢ - ٢٤٤.
(٣) المرجع السابق: ص ٢١٦ وقد نقل أيضًا عن " الصافي ": ص ٩، ١٠.
[ ١١٨ ]
٢١ - حَدِيثُ الغَدِيرِ وَأَصْلُ الخِلاَفِ:
إن أصل الخلاف بين الشيعة والسُنَّةِ يرجع إلى رواية حديث الغدير ومؤداه أن الله قد أمر نبيه بإعلان وصاية الإمام علي من بعده فلم يفعل خشية أن يقال إن النَّبِيَّ يُحَابِي أقاربه كما يرويه الإمام كاشف الغطاء في كتابه " أصل الشيعة وأصولها ": ص ١٠٧.
وقد فصله الشيخ محمد إبراهيم الموحد القزويني في كتابه " عيد الغدير ": ص ١٦ فقال: «إنه أثناء عودة النَّبِيِّ - ﷺ - من حجة الوداع وهو في طريقه إلى المدينة والعراق ومصر واليمن وكان وصولهم في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة. وكانوا مائة وعشرين ألف مسلم عدا من انضموا إليهم في الطريق والتحقوا بهم من اليمن ومن مكة، فنزل جبريل على رسول الله بالآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧].
وأبلغ جبريلُ النَّبِيِّ أن اللهَ تعالى يأمره أن يقيم عَلِيَّ بن أبي طالب إمامًا على الناس وخليفة من بعده ووصيًّا له. فتوقف النَّبِيُّ - ﷺ - عن المسير وأمر أن يلحق به من تأخر عنه ويرجع من تقدم عليه فاجتمع المسلمون جميعًا حوله وأدركتهم صلاة الظهر فصلى بهم وخطب فيهم فأبلغهم أمر الله في الإمام علي وأن يُبَلِّغَ الشاهدُ منهم الغَائِبَ وكان مما قال: " اسمعوا وأطيعوا فإن الله مولاكم وعلي إمامكم ثم الإمامة في ولدي من صلبه إلى يوم القيامة. قَوْلِي عن جبريل عن اللهِ فلتنظر نفس ما قدمت لغد "» ص: ١٦. ثم يقول القزويني: «هذه الواقعة الخالدة المعروفة بواقعة الغدير من أشهر الوقائع التاريخية ومن أبرز الأحداث في حياة النَّبِيِّ - ﷺ - وقد شهد بها مائة وعشرة من الصحابة الذين حضروا الواقعة بأنفسهم منهم أبو بكر وعمر وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وَسَمُرَةَ بن جُندب والزبير بن العوام وطلحة بن [عبيد] الله والعباس بن عبد المطلب وعبد الله بن عمر وغيرهم». ثم
[ ١١٩ ]
ثم يقول: «إن هذه الواقعة ليس هناك مجال للإنكار والتشكيك في صحتها والمناقشة في سندها لأن العلماء والحفاظ والمحدثين والمؤرخين القُدامى أثبتوا صحتها، وحقيقتها واعتمدوا عليها منذ مئات السنين وحتى هذا اليوم لكونها واقعة إسلامية هامة في تاريخ الإسلام وفي تاريخ نبي الإسلام ولوقوعها في حجة الوداع وقبل وفاة النَّبِيِّ بسبعين يومًا» ص: ٣٠.
حَقِيقَةُ حَدِيثِ الغَدِيرِ:
يذكر القزويني مصادر هذه الواقعة وَرُوَّاتِهَا في كتب أهل السُنَّةِ ويذكر الصفحات.
وبالرجوع إلى هذه المصادر التي ذكرها تبين أنها لا تتصل من قريب أو بعيد بوصاية الإمام عَلِيٍّ بعد النَّبِيِّ - ﷺ - وحصر الخلافة والأئمة في اثني عشر شخصًا من ولد السيدة فاطمة. بل تتعلق بفضله وآل البيت وليس بالخلافة.
أما المصادر الأخرى التي وجدناها كما ذكر مصادرها وصفحاتها فهي كالآتي:
١ - رواية " صحيح مسلم ":
عَنْ زَيْدٍ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ " - فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ -، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، [أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي]» فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: [لزيد بن أرقم] وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلاَءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ (*).
هذا الحديث يُسَمَّى حديث الثقلين وورد في " الموطأ " و" الترمذي " و" كنز العمال " «كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي» وبالتالي فأهل البيت لا يطاعون إلا من خلال ما لديهم من سُنَّةِ النَّبِيِّ. فهي التي تُبَيِّنُ القُرْآنَ وَتُخَصِّصَ عُمُومَهُ.
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) مسلم، " الجامع الصحيح "، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي: (٤٤) كتاب فضائل الصحابة (٤) باب من فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ -، حديث رقم ٢٤٠٨، ٤/ ١٨٧٣، الطبعة الثانية: ١٩٧٢ م، نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان.
[ ١٢٠ ]
٢ - رواية " المسند ":
أ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا بِغَدِيرِ خُمٍّ، فَنُودِيَ فِينَا: الصَّلاَةُ جَامِعَةٌ، [وَكُسِحَ] لِرَسُولِ اللهِ ﷺ تَحْتَ شَجَرَتَيْنِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، وَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ ﵁، فَقَالَ: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى [بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟»] قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ، فَقَالَ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» قَالَ: فَلَقِيَهُ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: «هَنِيئًا يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ، أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَمُؤْمِنَةٍ» " مسند أحمد ٤/ ٢٨١ (*).
ب - عَنْ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ قَالَ: نَزَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ: وَادِي خُمٍّ فَأَمَرَ بِالصَّلاَةِ فَصَلاَّهَا بِهَجِيرٍ، قَالَ: فَخَطَبَنَا، وَظُلِّلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِثَوْبٍ عَلَى شَجَرَةِ سَمُرَةٍ مِنَ الشَّمْسِ، فَقَالَ: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ، أَوْ [أَلَسْتُمْ] تَشْهَدُونَ، أَنِّي أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «فَمَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ، فَإِنَّ عَلِيًّا مَوْلاَهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» (**).
ج - عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ، قَالاَ: نَشَدَ عَلِيٌّ النَّاسَ فِي الرَّحَبَةِ: مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ إِلاَّ قَامَ، قَالَ: فَقَامَ مِنْ قِبَلِ سَعِيدٍ سِتَّةٌ، وَمِنْ قِبَلِ زَيْدٍ سِتَّةٌ، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِعَلِيٍّ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: «أَلَيْسَ اللَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ؟» قَالُوا: بَلَى قَالَ: «اللَّهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ». " مسند أحمد / ٤ وج ١ ().
٣ - رواية الحاكم في " المستدرك ":
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَنَزَلَ غَدِيرَ خُمٍّ أَمَرَ بِدَوْحَاتٍ [فَقُمْنَ]، فَقَالَ: «كَأَنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأَجَبْتُ، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَعِتْرَتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، فَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ مَوْلاَيَ، وَأَنَا مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ»، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ - ﵁ -، فَقَالَ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَهَذَا وَلِيُّهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» (****) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) أحمد بن حنبل، " المسند " تحقيق شعيب الأرناؤوط - عادل مرشد، وآخرون، ٣٠/ ٤٣٠، حديث رقم ١٨٤٧٩، الطبعة الأولى: ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م، نشر مؤسسة الرسالة. (**) المصدر السابق: ٣٢/ ٧٣، حديث رقم ١٩٣٢٥. () المصدر السابق: ٢/ ٢٦٢، حديث رقم ٩٥٠. (****) الحاكم، " المستدرك على الصحيحين "، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، ٣/ ١١٨، حديث رقم ٤٥٧٦، الطبعة الأولى: ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م، نشر دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان.
[ ١٢١ ]
بِطُولِهِ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ بِطُولِهِ (" المستدرك: ٣/ ١٠٩). .
٤ - رواية ابن حجر العسقلاني:
روى علي بن أبي طالب وأبو هريرة وجابر والبراء بن عازب وزيد بن أرقم عن النَّبِيِّ - ﷺ - أنه قال يوم غدير خُمٍّ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ» (" تهذيب التهذيب ": ٧/ ٣٣٧).
٥ - رواية السيوطي:
«مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ».
«اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» (" تاريخ الخلفاء ": ص ١١٤ و١٦٩).
٦ - [رواية أبي نعيم]:
«مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ» (" حلية الأولياء ": ٤/ ٢٣). رواية أبي نعيم وهي كغيرها لا تتعلق بالخلافة أو الإمامة أو الوصاية.
٧ - روايات كتب التفسير:
يذكر القزويني أن كتب التفسير أجمعت على حديث الغدير كما ذكره، والثابت في هذه المراجع هو:
أ - وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه وَابْن عَسَاكِر بِسَنَد ضَعِيف عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: «لَمَّا نَصَّبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ فَنَادَى لَهُ بِالولاَيَةِ هَبَط جِبْرِيلٌ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]» (" الدر المنثور ": ٢/ ٢٥٩).
فهذه الروايات ضعيفة وليس فيها تعيين الإمام عَلِيٍّ وَصِيًّا وخليفة بعد النَّبِيِّ - ﷺ - وتعيين الأئمة الاثني عشر ولكن القزويني يوهم الناس بغير ذلك.
[ ١٢٢ ]
ب - ورد في " تفسير الفخر الرازي عن آية المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]. ذكر المفسرون في سبب نزول الآية، أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» فَلَقِيَهُ عُمَرُ - ﵁ - فَقَالَ: هَنِيئًا لَكَ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ أَصْبَحْتَ مَوْلاَيَ وَمَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ (" تفسير الرازي ": ٣/ ٤٣١).
ج - " تفسير ابن كثير ": يذكر القزويني أن حديث الغدير ورد بيانًا لقول الله تعالى للنبي: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وأن ابن كثير أورد الرواية محل الخلاف (ج ٢ ص ١٤).
وبالرجوع إلى هذا التفسير وجدناه كغيره قد خلا من الأصل الذي يساق من أجله حديث الغدير وهو تعيين عَلِيٍّ وَصِيًّا بعد النبي وإسناد الخلافة إلى الأئمة الاثني عشر من نسل فاطمة.
كما أورد ابن كثير رواية ابن أبي حاتم عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ لَمْ يُبْدِهِ رسولُ اللَّهِ ﷺ لِلنَّاسِ. فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وَاللَّهِ مَا وَرَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سوداءَ فِي بَيْضَاءَ. قال: وهذا إسناد جيد.
كما ذكر ابن كثير رواية " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " أَنَّ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - سُئِلَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَحْيِ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: لاَ وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلاَّ فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ (أي الراوي وهب): وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: «العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ». والعقل يعني الديات.
٤ - " تفسير المنار ":
ذكر القزويني أن " تفسير المنار " (ج ٦ ص ٤٦٤) أورد رواية حديث الغدير كما نقلها القزويني وبالرجوع إلى تفسير القرآن الحكيم المُسَمَّى بـ " تفسير المنار " بنفس الجزء وبذات
[ ١٢٣ ]
الصفحة تبين أن ما فيها هو:
«وَرَوَتِ الشِّيعَةُ عَنِ الإِمَامِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ. النَّصُّ عَلَى خِلاَفَةِ عَلِيٍّ بَعْدَهُ، وَأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَخَافُ أَنْ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ، فَشَجَّعَهُ اللهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الآيَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ اللهَ أَمَرَهُ أَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ بِوِلاَيَةِ عَلِيٍّ فَتَخَوَّفَ أَنْ يَقُولُوا: حَابَى ابْنَ عَمِّهِ، وَأَنْ يَطْعَنُوا فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا نَزَلَتِ الآيَةُ عَلَيْهِ فِي غَدِيرِ خُمٍّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ وَقَالَ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فِعْلِيٌّ مَوْلاَهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ».
ثم قال الشيخ رشيد رضا تعليقًا على ذلك:
«وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ وَأَقْوَالٌ فِي التَّفْسِيرِ مُخْتَلِفَةٌ، فِيهَا المَوْضُوعُ وَالضَّعِيفُ، وَذَكَرَ رِوَايَةَ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ فِي غَزْوَةِ الْيَمَنِ، وَأَنَّهُ رَأَى [مِنْهُ] جَفْوَةً فَشَكَاهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ يَشْكُو عَلِيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ؛ إِذْ لَمْ يَفْعَلُ إِلاَّ مَا يُرْضِي الْحَقَّ، خَطَبَ النَّاسَ فِي غَدِيرِ خُمٍّ، وَأَظْهَرَ رِضَاهُ عَنْ عَلِيٍّ وَوِلاَيَتَهُ لَهُ، وَمَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ مُوَالاَتِهِ».
ثم قال الشيخ رشيد رضا تعليقًا على ذلك:
«وَيَقُولُ أَهْلُ السُّنَّةِ: إِنَّ الْحَدِيثَ لاَ يَدُلُّ عَلَى وِلاَيَةِ السُّلْطَةِ، الَّتِي هِيَ الإِمَامَةُ أَوِ الْخِلاَفَةُ، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْقُرْآنِ بِهَذَا الْمَعْنَى، بَلِ الْمُرَادُ بِالْوِلاَيَةِ فِيهِ وِلاَيَةُ النُّصْرَةِ وَالْمَوَدَّةِ الَّتِي قَالَ اللهُ فِيهَا فِي كُلٍّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (*) وَمَعْنَاهُ: مَنْ كُنْتُ نَاصِرًا وَمُوَالِيًا لَهُ فَعَلِيٌّ نَاصِرُهُ وَمُوَالِيهِ، أَوْ مَنْ وَالاَنِي وَنَصَرَنِي فَلْيُوَالِ عَلِيًّا وَيَنْصُرْهُ. وَحَاصِلُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْفُو أَثَرَ النَّبِيِّ ﷺ ; فَيَنْصُرُ مَنْ يَنْصُرُ النَّبِيَّ ﷺ [وَعَلَى مَنْ يَنْصُرُ النَّبِيَّ أَنْ يَنْصُرَهُ، وَهَذِهِ مَزِيَّةٌ عَظِيمَةٌ]، وَقَدْ نَصَرَ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَوَالاَهُمْ. فَالْحَدِيثُ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى مَنْ وَالاَهُمْ مِثْلُهُ، بَلْ حُجَّةٌ لَهُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُهُمْ وَيَتَبَرَّأُ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً عَلَى مَنْ وَالَى مُعَاوِيَةَ وَنَصَرَهُ عَلَيْهِ. فَهُوَ لاَ يَدُلُّ عَلَى الإِمَامَةِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى نَصْرِهِ إِمَامًا وَمَأْمُومًا. وَلَوْ دَلَّ عَلَى الإِمَامَةِ عِنْدَ الْخِطَابِ لَكَانَ إِمَامًا مَعَ وُجُودِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالشِّيعَةُ لَا تَقُولُ بِذَلِكَ».
ثم قال الشيخ رشيد رضا:
«وَلِلْفَرِيقَيْنِ أَقْوَالٌ فِي ذَلِكَ، لاَ نُحِبُّ اسْتِقْصَاءَهَا، وَالتَّرْجِيحَ بَيْنَهَا لأَنَّهَا مِنَ الْجَدَلِ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَوْقَعَ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ، وَمَا دَامَتْ عَصَبِيَّةُ الْمَذَاهِبِ غَالِبَةً عَلَى
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: [سورة المائدة، الآية: ٥١]، [سورة الأنفال، الآيتان: ٧٢، ٧٣]، [سورة التوبة، الآية: ٧١]، [سورة الجاثية، الآية: ١٩].
[ ١٢٤ ]
الْجَمَاهِيرِ فَلاَ رَجَاءَ فِي تَحَرِّيهِمُ الْحَقَّ فِي مَسَائِلِ الخِلاَفِ، وَلاَ فِي تَجَنُّبِهِمْ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الخِلاَفِ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالْعَدَاءِ، وَلَوْ زَالَتْ تِلْكَ الْعَصَبِيَّةُ، وَنَبَذَهَا الْجُمْهُورُ لَمَا ضَرَّ الْمُسْلِمِينَ حِينَئِذٍ ثُبُوتُ هَذَا الْقَوْلِ أَوْ ذَاكَ؛ لأَنَّهُمْ لاَ يَنْظُرُونَ فِيهِ حِينَئِذٍ إِلاَّ بِمِرْآةِ الإِنْصَافِ وَالاعْتِبَارِ، فَيَحْمَدُونَ الْمُحِقِّينَ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُخْطِئِينَ ﴿اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
ثُمَّ إِنَّنَا نَجْزِمُ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ الإِمَامَةِ لَوْ كَانَ فِيهَا نَصٌ مِنَ الْقُرْآنِ أَوِ الْحَدِيثِ لَتَوَاتَرَ وَاسْتَفَاضَ، وَلَمْ يَقَعْ فِيهَا مَا وَقَعَ مِنَ الْخِلاَفِ، وَلَتَصَدَّى عَلِيٌّ لِلْقِيَامِ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَطَبَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ بِالنَّصِّ، وَبَيَّنَ لَهُمْ مَا يَحْسُنُ بَيَانُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَانَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ الإِمَامُ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأَمْرٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، وَلاَ احْتَجَّ بِالآيَةِ هُوَ وَلاَ أَحَدٌ مِنْ آلِ بَيْتِهِ وَأَنْصَارِهِ الَّذِينَ يُفَضِّلُونَهُ عَلَى غَيْرِهِ، لاَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ (بعد وفاة النبي)، وَلاَ يَوْمَ الشُّورَى بَعْدَ عُمَرَ، وَلاَ قَبْلَ ذَلِكَ وَلاَ بَعْدَهُ فِي زَمَنِهِ، وَهُوَ [هُوَ] الَّذِي كَانَ لاَ تَأْخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَلَمْ يَعْرِفِ التَّقِيَّةَ فِي قَوْلٍ وَلاَ عَمَلٍ؛ وَإِنَّمَا وُجِدَتْ هَذِهِ الْمَسَائِلُ، وَوُضِعَتْ لَهَا الرِّوَايَاتُ، وَاسْتُنْبِطَتِ الدَّلاَئِلُ بَعْدَ تَكَوُّنِ الْفِرَقِ، وَعَصَبِيَّةِ الْمَذَاهِبِ. وَالْوَصِيَّةُ بِالْخِلاَفَةِ لاَ مُنَاسَبَةَ لَهَا فِي سِيَاقِ مُحَاجَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَهِيَ مِمَّا لاَ تَرْضَاهُ بَلاَغَةُ الْقُرْآنِ».
أما وجود الحديث في مراجع الشيعة فروايته غير متصلة فالراوي بينه وبين النَّبِيِّ - ﷺ - قرون ويروي عنه مباشرة، وَحُجَّتُهُمْ في ذلك أن أئمتهم لهم خاصية المعرفة دون حاجة إلى تلقين الرواة حسبما ذكره محمد رضا المظفري في كتاب " عقائد الإمامية ": ص ٩٦ والكُليني في " الكافي ": ج ١ ص ٢٧١.
وفقيه الشيعة العالم المحدث الشيخ يوسف البحراني في كتابه " الكشكول " تحت عنوان (حديث الغدير) نقل عن ابن الجوزي صحة الرواية وهي «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ» (" الكشكول ": ج ٢ ص ٣١٦ طبعة طهران، مكتبة نينوى الحديثة).
[ ١٢٥ ]
[الصحابة وحديث غير خم]
[الصَّحَابَةُ وَحَدِيثُ غَدِيرِ خُمْ]:
إن من يقول بصحة حديث غدير خم الذي قيل أنه اشتمل على وصية النَّبِيِّ - ﷺ - للأئمة الاثني عشر، ومن يعتقد ذلك يطعن في الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة بل ويرميهم بالخيانة والكفر وهو لا يجهل أن هؤلاء قد اتخذهم النَّبِيُّ - ﷺ - رُسُلًا له وزراء وقوادًا، وكان القرآن يتنزل على النَّبِيِّ - ﷺ -، وكان يكشف المنافقين، أو بأعمال لله فيها حكم آخر، فمثلًا عن الأشخاص: حذر القرآن النبي ممن أقاموا مسجدًا من المنافقين فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ﴾ [التوبة: ١٠٧]، وعن الأعمال التي ألغاها القرآن قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ﴾ [الأنفال: ٦٧]. فلو كان كبار الصحابة من المنافقين أو خانوا النبي - ﷺ - ما نسي الخالق العليم أن ينبه إلى ذلك، ليعزلهم ويحذر منهم، ولنزل القرآن بذلك أيضًا، وبالتالي فلا حجة لمروجي هذه الأكاذيب (١).
بل إن الوصية التي قيل إنها نص في إمامة الاثنا عشر وعلى رأسهم الإمام عَلِيٍّ - ﵁ -، هذه الوصية قد جاء في بعض مصادر الشيعة ما ينقضها، فقد روى اليعقوبي: «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ خِيَارُهُمْ عَلَى خِيَارِهِمْ وَشِرَارُهُمْ عَلَى شِرَارِهِمْ» (٢). ويثبت الدكتور النشار أن كلمة الشيعة لم يرد ذكرها على الإطلاق في عصر الخلفاء الراشدين وحتى مرحلة خلافة الإمام عَلِيٍّ فلم يذكرها اليعقوبي أو المسعودي وهما مؤرخان شيعيان (٣)، بل إن الإمام عَلِيًّا قد نقل عنه ما ينفي هذه الوصية إذ يقول: «إما أن يكون عندي عهد من رسول الله - ﷺ - فلا والله ولكن لما قتل الناس عثمان نظرت في أمري، فإذا الخليفتان اللذان أخذاها من رسول الله - ﷺ - قد هلكا ولا عهد لهما وإذا الخليفة الذي أخذها بمشورة المسلمين قد قتل» (٤).
_________________
(١) " الغزو الفكري للتاريخ والسيرة ".
(٢) " تاريخ اليعقوبي ": ج ٢ ص ١٨٧.
(٣) " نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام " للدكتور علي سامي النشار: ج ٢ ص ١٥ ط. ١٣٨٥ - ١٩٦٥ م.
(٤) " الإمامة والسياسة " لابن قتيبة: ص ٤٥، ٤٦. و" نظام الخلافة " للدكتور مصطفى حلمي: ص ١١٧.
[ ١٢٦ ]
ورواية اليعقوبي «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» هي بذاتها ما روتها كتب السنة المعتمدة عن أهل السنة والجماعة وهي لا تحدد أشخاصًا بأسمائهم كما جاء في رواية حديث غدير خم.
إن الاعتقاد بالإمامة والوصاية من أهم عقائد الشيعة الإمامية حيث يرون أن النبي - ﷺ - أثناء عودته من حجة الوداع وقف في غدير خُمْ في نحو عشرين ألفًا من الصحابة وأعلن أن عَلِيًّا هو الوصي والإمام من بعده وحصر الأئمة في اثنا عشر إمامًا كلهم معصومون ولا يجوز عليهم الخطأ وكل منهم ينص ويعلن عن الإمام الذي يليه (١)، وهذه من الأمور المتواترة عندهم ومن المعلوم من الدين بالضرورة ولكن الإمام الحسن ابن الإمام عَلِيٍّ وهو الإمام الثاني الاثنا عشر عندما قامت الحرب بينه وبين معاوية وتبادلا الرسائل ليقنع كل منهما الآخر في أحقيته بالخلافة، الإمام الحسن في هذه الرسائل التي أوردها الأصفهاني (٢) (الشيعي) لم يشر من قريب أو بعيد إلى حديث غدير خُمْ، بل انتهى مختارًا إلى نتيجة تنقض هذا الحديث، فعلى الرغم من كثرة أنصاره وأتباعه وعجز معاوية عن محاربته فقد تنازل عن الخلافة لمعاوية. والأمر الآخر أنه في كتاب الصلح الذي وجهه إلى معاوية ورد فيه: «وَلَيْسَ لِمُعَاوِيَةَ أَنْ يَعْهَدَ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، بَلْ يَكُونُ الأَمْرُ مِنْ بَعْدِهِ شُورَى بَيْنَ المُسْلِمِينَ». وهذا معتقد أهل السنة وهو أن الإمامة والخلافة شورى بين المسلمين وغير محصورة في الأئمة الاثنا عشر، والإمام الحسن في هذه الرسائل لم يعلل طلب الإمامة لنفسه بوصية النبي - ﷺ - ولا بحديث غدير خُمْ، بل طلب البيعة والطاعة له حتى يحقن دماء المسلمين، وفي رسالة معاوية كان الرد أنه الأكبر سِنًّا والأقدم تجربة والأكثر سياسة والأطول ولاية؟.
كما يذكر النُّوبَخْتِي من علماء الشيعة أن أتباع الحسن افترقوا بعد مقتل الحسين ومنهم من قال بإمامة محمد بن الحنفية وأنه الإمام المهدي بل منهم من قال أنه لم يمت وغاب ليعود ويملأ الأرض عدلًا (٣).
_________________
(١) " أصل الشيعة وأصولها " للشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء: ص ٢٧٢.
(٢) " مقاتل الطالبيين " للإمام أبو الفرج الأصفهاني: ص ٥٥.
(٣) " فرق الشيعة " للنوبختي: ص ٢٤، ٦٢. و" الصواعق المحرقة " لابن حجر: ١٣٤.
[ ١٢٧ ]
لما كان ذلك فإن من يدعي تواتر حديث الغدير ويتهم صحابة رسول الله - ﷺ - بكتمانه وخيانة الأمانة بذلك إنما يُكَذِّبُ القرآنَ الكريم الذي وَثَّقَ هؤلاء وزكاهم، كما أنه يتهم آل البيت بخيانة هذه الأمانة لعدم إظهارهم هذا الحديث (جَدَلًا)، وذلك لانتفاء عذر إخفائه حيث أن عصمتهم توجب أن يبلغوه ولا يخشون أحدًا، ما أن تجمع القوة بيدهم خلال خلافة الإمام عَلِيٍّ ثم مبايعة المسلمين للحسن والحسين يسقط كل أسباب كتمان مثل هذا الحديث إن وجد، فلو كانت وصية النبي - ﷺ - الواردة في هذا الحديث قد نزل بها جبريل وفيها قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]. لو كان ذلك صحيحًا ما تخلف أئمة آل البيت - ﵃ -، عن الجهر بها، بل ما تخلف أحد من الصحابة عن التسمك بها، فدل ذلك على عدم ثبوتها وأن هذه الآية قد نزلت في شأن اليهود والنصارى ويؤكذ ذلك ما قبلها وما بعدها من الآيات القرآنية.
[ ١٢٨ ]
٢٢ - دَعْوَى التَّكْفِيرِ بَيْنَ السُنَّةِ وَالشِّيعَةِ:
لقد لخص الإمام ابن تيمية عقيدة أهل السنة بشأن الفرق التي تنازعت وهي من أهل القبلة فقال: «وَأَمَّا السَّلَفُ وَالأَئِمَّةُ فَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي عَدَمِ تَكْفِيرِ المُرْجِئَةِ وَالشِّيعَةِ [المُفَضِّلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ] وَلَمْ تَخْتَلِفْ نُصُوصُ أَحْمَدَ فِي أَنَّهُ لاَ يُكَفَّرُ هَؤُلاَءِ» (١).
وقال عن الخوارج: «وَإِذَا كَانَ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ ثَبَتَ ضَلاَلُهُمْ بِالنَّصِّ وَالإِجْمَاعِ لَمْ يُكَفَّرُوا مَعَ أَمْرِ [اللَّهِ وَرَسُولِهِ] بِقِتَالِهِمْ فَكَيْفَ بِالطَّوَائِفِ الْمُخْتَلِفِينَ الَّذِينَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ الْحَقُّ فِي مَسَائِلَ غَلِطَ فِيهَا مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ؟ فَلاَ يَحِلُّ لأَحَدِ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ أَنْ تُكَفِّرَ الأُخْرَى وَلاَ تَسْتَحِلَّ دَمَهَا وَمَالَهَا وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا بِدْعَةٌ مُحَقَّقَةٌ» كما قال البغدادي: «فِرَقُ الإِمَامِيَّةِ مَعْدُودُونَ مِنْ فِرَقِ الأُمَّةِ» (٢).
كما لخص إمام الشيعة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء رأيه في هذه المسألة بقوله: «إن الجماعات الإسلامية بين السنة والشيعة لا تختلف في الاعتقاد بالله ونبوة محمد وأنه خاتم الرسل، وفرضية الصلاة والزكاة والصوم والحج والتصديق والمعاد. وما دام ذلك وما دامت القبلة واحدة والقرآن الكريم في مكان القداسة من الجميع فلا يعتد بالخلافات الأخرى. فإذا اقتصر المعتقد على التوحيد والنبوة والمعاد والعمل بالفرائض ولم يعتقد بالأئمة وعصمتهم تجري عليه جميع أحكام الإسلام» (٣).
ولكن هذه القواعد الأصولية لم يعمل بها أخوة من أهل السنة فقالوا بكفر الشيعة لاعتقادهم بالعصمة وبالإمامة وتحريف القرآن. كما أن جمعًا من الشيعة قد قالوا: نُكَفِّرُ أهل السنة والخوارج بل بكفر الصحابة وتحريف القرآن.
١ - يقول الشيخ محمد رضا المظفر: «نعتقد أن الإمامة أصل من أصول الدين لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها» (" عقائد الإمامية ": ص ٩٣، دار القدير).
«ونعتقد أن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصومًا من جميع الرذائل والفواحش ومن السهو والخطأ والنسيان» (" عقائد الإمامية ": ص ٩٥).
_________________
(١) و(٢) " مجموع الفتاوى ": ج ٣ ص ٣٥١، ٢٨٢. و" الفرق بين الفرق ": ص ٢١.
(٢) " أصل الشيعة وأصولها ": ص ١٣٤، و" السنة المفترى عليها " - الفصل الثالث.
[ ١٢٩ ]
٢ - ويقول الشيخ حسين ابن الشيخ محمد آل العصفور الدرازي البحراني: «إِنَّهُ لَيْسَ النَّاصِبُ إِلاَّ عِبَارَةٌ عَنْ التَّقْدِيمِ عَلَى عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - غَيْرَهُ». ويقول: «هُوَ مَا يُقَالُ لَهُ عِنْدَهُمْ سُنِّيًّا» (" المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل " الخراسانية ": ص ١٤٧، ١٥٧. طبعة ١٣٩٩ هـ).
٣ - وقال في " شرح نهج البلاغة " للراوندي: إن النبي سئل عن الناصب فقال: «مَنْ يُقَدِّمُ عَلَى عَلِيٍّ غَيْرَهُ» (" شرح نهج البلاغة " للراوندي: ص ١٤٥).
٤ - يقول الخميني: «أَمَّا النَّوَاصِبُ وَالخَوَارِجُ لَعَنَهُمْ اللهُ فَهُمَا بَخْسَانِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ» (" تحرير الوسيلة ": ج ١ ص ١١٨).
ويقول: «لاَ تَجُوزُ الصَّلاَةُ عَلَى الكَافِرِ بِأَقْسَامِهِ حَتَّى المُرْتَدُّ وَمَنْ حُكِمَ بِكُفْرِهِ مِمَّنْ اِنْتَحَلَ الإِسْلاَمِ كَالنَّوَاصِبِ وَالخَوَارِجِ» (" تحرير الوسيلة ": ج ١ ص ٧٩).
٥ - وَيُعَرِّفُ المامقاني الملقب بالعلاَّمة الثاني النواصب فيقول: «" كتبت إلى محمد بن علي بن عيسى أسأله عن الناصب هل أحتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاد إمامتهما؟ " فرجع الجواب: " من كان على هذا فهو ناصب "». ويقول: «يجري حكم الكافر على من لم يكن اثنا عشريًا» (" مقدمة تنقيح المقال ": ص ٢٠٧، طبعة النجف: ١٣٥٢ هـ).
[إِبَاحَةِ دَمِ النَّوَاصِبِ]:
[١] وحكم النواصب هو ما رواه شيخ الشيعة محمد بن علي بن بابويه الملقب بـ (الصَّدُوقِ) بسنده عن داود بن فرقد قال: «قلت لأبي عبد الله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -: ما تقول في مقتل الناصب؟»، قال: «حلال الدم ولكني أتقي عليك فإن قدرت أن تقلب عليه حائطًا أو تغرقه في ماء لكيلا يشهد به عليك فافعل». قلت: «ما ترى في ماله؟» قال: «توه ما قدرت عليه» (" علل الشرائع " للصدوق: ص ٦٠١، الطبعة الثانية).
[٢] ويقول الدرازي: «وقد تقدم خبر إسحاق بن عمار وفيه: إن كل شيء يملكه الناصب حلال إلا امرأته» (" المحاسن النفسانية ": ص ١٦٥، ١٦٦).
[٣] ويقول: «إن الأخبار في هذا بالغة حد التواتر المعنوي وكلها شاهدة بما ذكرنا فلا
[ ١٣٠ ]
عصمة لقول من ذهب إلى إسلامهم، «فَالَّظاهِرُ كُفْرُ مَنْ خَالَفَ الشِيعَةَ الاثْنَا عَشَرِيَّةَ» (المرجع السابق: ص ١٣٩ و١٤٤).
٤ - ويروي الطوسي عن أبي عبد الله - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - قال: «خُذْ مَالَ النَّاصِبِ حَيْثُمَا وَجَدْتَهُ وَادْفَعْ إِلَيْنَا الخُمُسَ» (" تهذيب الأحكام: ج ٤ ص ١٢٢. و" وسائل الشيعة ": ج ٦ ص ٣٤٠).
٢٣ - الحَقِيقَةُ الغَائِبَةُ:
لقد غاب عن أصحاب هذه الأقوال أن الإمام عَلِيًّا - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - لم يقل بكفر الخوارج ولهذا رفض سبي نسائهم وأطفالهم وهذه الروايات تكفرهم.
كما أنه لم يثبت عن أحد من الأئمة الاثني عشر أنهم قالوا بكفر أهل السنة أو الخوارج أو غيرهم من المسلمين الذين خالفوا الشيعة الإمامية فأنكروا مسألة الإمامة، ومقتضاها: أن الأئمة بعد النبي - ﷺ - اثني عشر حددهم الله كما أنكروا عصمة هؤلاء الأئمة بمعنى تخويلهم خاصية الرواية عن الله مباشرة.
وغاب عن إخواننا الشيعة حقيقة هامة وهي أن هذه الروايات التي تقطع بكفر من لم يكن من الجعفرية الاثنا عشرية، ليست من الروايات الصحيحة المتصلة إلى هؤلاء الأئمة، فالروايات فيها عنهم أو عن النبي - ﷺ - مرسلة وغير متصلة، وهي موقوفة على من رواها ولكن بحوارنا مع علماء الشيعة المعاصرين قالوا: «لا نصحح أي كتاب عدا القرآن الكريم، ولا نأخذ بكل ما في كتبنا مهما كان المؤلف من الثقات. والنقد عندنا يبلغ حد القسوة أحيانًا في السند والدلالة والسياق وفي المقارنة وفي الصدور» (١).
ومعنى هذا أن هذه الروايات لاَ يُسَلِّمُونَ بِهَا بل تخضع للتمحيص.
ولكن العصمة عند الشيعة تشمل العصمة في التبليغ فيمتنع الكذب والسهو والخطأ على أئمتهم في تبليغ الأحكام عن الله تعالى، لكن نقلت عنهم الأحكام بالرواية المتصلة أو بروايات مجهولة ليست فيها إشارة إلى أسماء الرواة، ذلك أن اتصال الرواية بالراوي ليست شرطًا لصحة الرواية عندهم فيمكن أن ينسب قول إلى النبي أو أحد الأئمة المعصومين عند الشيعة دون أن يذكر الراوي أسماء من روى عنهم، مثل
_________________
(١) " السنة المفترى عليها ": ص ٩٩ نقلًا عن الشيخ الآصفي و" أصل الشيعة ".
[ ١٣١ ]
الروايات السابقة التي تحكم بكفر من عدا الجعفرية والتي تُعَرِّفُ النواصب بأنهم أهل السنة وتضغ لهم أحكامًا هي أحكام الكفار والمرتدين عن الإسلام. وهذا ليس تكهنًا، فقد روى المُفِيدُ في " الأمالي " عن جابر قال: «قُلْتُ لأًبٍي جَعْفَرَ البَاقِرَ: «إِذَا حَدَّثْتَنِي بِحَدِيثٍ فَأَسْنِدْهُ لِي». فقال: «حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي رَسُولَ اللهِ عَنْ جِبْرَائِيلَ عَنْ اللهِ، وَكُلَّمَا أُحَدِّثُكَ فَبِهَذَا الإِسْنَادِ».
وَقَالَ: «يَا جَابِرُ: الحَدِيثُ وَاحِدٌ تَأْخُذُهُ عَنْ صَادِقٍ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (" الأمالي " للشيخ المفيد: ص ٢٦).
وفي هذا يقول الشيخ الآصفي: «إِنَّ كُلَّ حَدِيثٍ صَادِرٍ عَنْهُمْ فِي الأُصُولِ أَوْ الأَحْكَامِ لَيْسَ مِنْ رَأْيِهِمْ، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ اِجْتِهَادِهِمْ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا يَسْتَنِدُونَ فِي ذَلِكَ إِلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، انْتَهَى عِلْمُهُمْ إِلَيْهِمْ وَيَرْوُونَهَا عَنْهُمْ، سَوَاءٌ رَوَوْهَا كَمَا يَرْوِي المُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ مُسَلْسَلًا، مُسْنَدًا، أَمْ أَرْسَلُوهَا إِرْسَالًا».
وهنا يكمن الخطر ففي الوقت الذي يؤكد فيه بعض علماء الشيعة المعاصرين على عدم قبولهم أي كتاب إلا القرآن الكريم.
نراهم هم أنفسهم يقولون إن العبرة بمدى ثقة الراوي وأن عدم إسناد الرواية إلى من رواها لا تقدح في هذه الرواية طالما صدرت عن ثقة. وعلى هذا فلدينا روايات عن الثقات من الشيعة لشأن حكم النواصب وهو أنه حلال المال والدم، وأن النواصب هم أهل السنة.
بينما النواصب في التاريخ الإسلامي هم من استخدمهم يزيد بن معاوية في محاربة آل البيت - ﵃ - وانتصر بهم عليهم (١). ولا وجود لهم في عصرنا.
وهكذا في جميع المسائل الرئيسية المختلف عليها مثل الزعم بتحريف القرآن وكفر الصحابة عدا قلة من آل البيت، نجد علماء من الشيعة ينكرون هذا الغلو والتطرف بل والتحريف.
ثم نجد غيرهم يصرون على هذه الروايات المزيفة والتي ليس لها من سند صحيح أو متصل بمن نسبوها إليهم من الأئمة المفترى عليهم بهذه الأقوال.
_________________
(١) " تفسير المنار " للشيخ محمد رشيد رضا: ج ٦ ص ٣٠٣.
[ ١٣٢ ]
ونجد من أهل السنة من يقول: إن الذين ينكرون تحريف القرآن وكفر الصحابة إنما يقولون ذلك من باب التقية والمداراة ويستدلون بقول نعمة الله الجزائري: «إِنَّمَا صَدَرَتْ عَنْهُمْ مِنْ أَجْلِ مَصَالِحَ كَثِيرَةٍ» (" الأنوار النعمانية ": ج ٢ ص ٣٥٧).
ولهذا يحتاج هذا كله إلى وقفة موضوعية من علماء الشيعة الجعفرية خصوصً الذين يدل واقعهم على أنهم ينكرون هذه الروايات، فيلزمهم النظر في تعليل توثيقهم وغيرهم لأصحاب هذه الافتراءات وتعليل استمرار طبع هذه الكتب دون تحقيق علمي لها يثبت عدم صحة هذه الأقوال ورأيهم في الأمور التالية الواردة في كتبهم:
١ - عدم جواز الصلاة خلف أهل السنة إلا تقية:
(انظر " التقية " للخميني: ص ١٩٨. " الاستبصار " للطوسي: ١/ ٤٢٨. " الوافي ": ٥/ ١٦٤ - ١٨١. " جامع أحاديث الشيعة ": ٦/ ٤١٠ وما بعدها. " من لا يحضره الفقيه " للصدوق: ١/ ٨١. " التهذيب " للطوسي: ١/ ٢٥٥. " الكافي في الفروع " للكُليني: ١/ ٣١٨. " الخلل في الصلاة " للخُميني: ص ٩. " مصباح الفقيه ": ١/ ١٤٥. " مسالك الأفهام ": ص ٣٨. " المعتبر " للمحقق الحلي: ص ٢٤٢. " مستدرك الوسائل " للنوري: ١/ ٤٨٩. " الوسائل " للحر العاملي: - أبواب صلاة الجماعة، - استحباب حضور الجماعة خلف من لا يقتدى به للتقية والقيام في الصف الأول معه. " غنائم الأيام " للقمي: ص ٢٣٦).
٢ - نجاسة أهل السنة:
(انظر: " مسالك الأفهام ": ص ٣ - ٤. " مفتاح الكرامة " للعاملي: ص ١٤٣، ١٤٤. " مصابيح الفقيه ": ٤/ ١٩، ٣١، ٤٥، ٥٣. " غنائم الأيام ": ص ٦٥، ٦٦، ٨٧، ٨٨. " المعتبر " للحلي: ص ٨٩. " الوافي ": ٥/ ٤٤٣. " الرسالة الصلاتية " للبحراني: ص ٢١. " الأنوار النعمانية ": ٢/ ٣٠٦. " الوسائل " للعاملي: - باب نجاسة ساري أصناف الكفار، و- باب كراهة الاغتسال بغسالة الحمام. " الاستبصار " للطوسي: ١/ ١٨. " الأصول من الكافي ": ٢/ ٦٥. " الروضة البهية " للشهيد الثاني: ١/ ٤٩. " تحرير الوسيلة " للخميني: ١/ ١١٨. " الفصول المهمة " للعاملي: ص ٩٢).
٣ - عدم صحة الصلاة على موتى أهل السنة ودفنهم في مقابر الشيعة وأن دفنوا وجب نبش قبورهم:
(انظر: " مسالك الأفهام ": ص ١٢. " مصباح الفقيه ": ٣/ ٢٤، ٢٥، ٧٣. " غنائم الأيام ": ص ٢٩٦. " مستدرك النوري ": ١/ ١١٢، " الوسائل " للحر العاملي: - باب كيفية الصلاة على المخالف. " تحرير الوسيلة " للخميني: ١/ ٧٩، ٨٩. " زبدة الأحكام " للخميني: ص ٤٤.
٤ - نقل البحراني في كتابه " الكشكول ": ج ١ ص ١٦٩: «أَنَّ الإِمَامِيَّةَ هُمْ الفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ لاَ غَيْرَ، لأَنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ يَكُونُ بِالإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَبِوِلاَيَةِ أَهْلِ البَيْتِ».
[ ١٣٣ ]
الحَقِيقَةُ الغَائِبَةُ وَمَصْدَرُ تَبْلِيغِ الأَحْكَامِ:
نقلت قول الشيخ الآصفي في البند / ٥: «إِنَّ أَئِمَّةَ الشِّيعَةِ إِنَّمَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِيمَا يَقُولُونَ مِنْ أَحْكَامٍ».
وقد ذكر أنه لا حرج أن يستوعبوا من الأحاديث ما لم يستوعبه سائر الصحابة. ولكن أئمة الشيعة الذين عاصروا النبي - ﷺ - ويمكن أن ينقلوا عنه هم الأربعة (علي وفاطمة والحسن والحسين - ﵃ -) وهؤلاء روايتهم للحديث النبوي قليلة ومحدودة بشهادة كتب الشيعة، فأكثر الأحكام ينقلونها عن باقي الأئمة الذين لم يعاصروا النبي - ﷺ - وهم ستة رجال.
فهل يمتد عصر التشريع إلى ما بعد عصر النبوة حتى يملك هؤلاء التشريع؟ يقول الإمام محمد باقر الصدر في كتابه " تعارض الأدلة " ص ٣٠: «ثَبَتَ فِي مَحَلِّهِ انْتِهَاءَ عَصْرِ التَّشْرِيعِ بِانْتِهَاءِ عَصْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَنَّ الأَحَادِيثَ الصَّادِرَةَ عَنْ الأَئِمَّةِ المَعْصُومِينَ لَيْسَتْ إِلاَّ بَيَانًا لِمَا شَرَعَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ الأَحْكَامِ وَتَفَاصِيلِهَا» (١).
لما كان ذلك فإن الأحكام الشرعية الورادة في كتب الشيعة أو في غيرها من الكتب، لا حجة فيها إلا إذا استندت إلى نص صريح من القرآن الكريم أو السنة النبوية.
والأحاديث النبوية لا تعلم بالفراسة أو الإلهام أو الرؤيا إنما تعلم برواية الثقة عن غيره من الثقات حتى تتصل بالنبي - ﷺ -، ولهذا يجب ذكر أسماء الرواة حتى يعلم مدى عدالتهم وبالتالي مدى قبول روايتهم، وفي هذا يوقل الشيخ محمد جواد مغنية وهو أحد علماء الشيعة المعاصرين: «إِنَّ عُلَمَاءَ السُنَّةِ وَالشِّيعَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ قِيَاسَ العَمَلِ بِالحَدِيثِ هُوَ الثِّقَةُ بِصِدْقِ الرَّاوِي وَأَمَانَتِهِ فِي النَّقْلِ، سُنِّيًّا كَانَ أَوْ شِيعِيًّا، تَمَامًا كَالحِكْمَةِ يَأْخُذُهَا المُؤْمِنُ أَنَّى وَجَدَهَا» (١). فصدق الراوي وأمانته شرط جوهري في قبول ما يسنده من الأحاديث إلى النبي - ﷺ - ولهذا لا يقبل الحديث إذا
_________________
(١) من مقال له في " اللواء الأردنية " بتاريخ ٧/ ١ / ١٩٨٧ م.
[ ١٣٤ ]
أخفى الراوي أحد الأشخاص الذين روى عنهم، ومن باب أولى لا يقبل من أحد نسبة حديث إلى النبي - ﷺ - قرون إلا إذا ذكر أسماء الرواة في جميع الطبقات من عصره إلى عصر النبي - ﷺ - لأن هذا الشخص حتى لو كان من أئمة الشيعة لا يمكن أن يستوعب الأحاديث النبوية ولا أن يتلقاها عن النبي - ﷺ - مباشرة حيث لم يكن معاصرًا له كما أنه لا يقول الشيعة باستمرار الوحي حتى آخر أئمتهم وهو الإمام محمد المهدي الذي يعتقدون أنه اختفى في سرداب في سُرَّ مَنْ رَأَى (سَامُرَّاءْ) وما زالوا ينتظرون خروجه، وبالتالي فهم لا ينسبون إلى الأئمة الاثني عشر التلقي عن الله لأن ذلك من خصائص الأنبياء وبالتالي ينتهي التشريع بانتهاء عصر النبي - ﷺ - وبهذا قال الإمام محمد باقر الصدر.
ولا ينكر مسلم أن النبي - ﷺ - قد كلفه الله أن يبلغ أحكام الشريعة إلى الناس، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل، الآية: ٤٤]. وقد بين ذلك عن طريق السنة القولية والعملية وكان هذا البيان لجميع الصحابة فلم يخصوا به الأربعة الذين هم أئمة الشيعة من آل البيت، كما لا يقول مسلم أنه خص هؤلاء بالأحكام الشرعية وأخفاها عن باقي الصحابة والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٦٧].
فالذين رَوَوْا السنة النبوية القولية والعملية هم الصحابة جميعًا بما فيهم آل البيت مثل عَلِيٍّ وفاطمة والحسن والحسين أو غيرهم ممن لا يعدهم الشيعة من آل البيت كابن عباس وحمزة وجعفر وعاتكة وأم هانئ وغيرهم.
ولهذا فإن اشتراط علماء الشيعة أو بعضهم حصر الأحاديث النبوية في الأئمة المعصومين عندهم واشتراطهم عدم قبول رواية الحديث إلا إذا كان الراوي من الإمامية أي من الشيعة الجعفرية، هذا من شأنه رد الغالبية العظمى من أحاديث النبي - ﷺ - وهي التي رواها الصحابة - ﵃ - ثم يضطر هؤلاء إلى الالتجاء إلى القياس والاجتهاد لتبليغ أتباعهم أحكام الدين.
[ ١٣٥ ]
فهل يصبح هذا الاجتهاد والقياس حديثًا نبويًا لأن المجتهد من الشيعة الجعفرية أو أئمتهم؟.
لقد وجدت كتب للحديث النبوي عندهم وهي " الكافي " و" الاستبصار " و" التهذيب "، و" من لا يحضره الفقيه "، وهذه الكتب ليست كلها رواية متصلة من أصحابها إلى أئمتهم الذين وجدوا في عصر النبي - ﷺ - وبالتالي فإن الأحاديث المدونة بها قد خلا أكثرها من الإسناد فتجد الروايات تذكر عن عدة من أصحابنا أو عن الإمام جعفر ثم تعد هذه الأقوال أحاديث عن النبي - ﷺ - مع وجود الفارق الزمني الكبير بين أصحاب هذه الروايات وبين النبي - ﷺ - وهو فارق زمني يصل إلى عدة قرون، ويستند الشيخ الآصفي إلى الثقة في الراوي بينما هذا الراوي مجهول لم يذكر اسمه ثم يستند إلى أن الله لديه وسائل وأسباب للتلقي والتعليم تغيب عن علمنا ولكن مع التحفظ على هذا القول فإنه تجب التفرقة بين العلم الذي ينسب إلى صاحبه من العلماء أو الأئمة وبين الأحكام التي تنسب إلى النبي - ﷺ - فهذه لا تكون إلا وحيًا من الله - ﵎ -، فالنبي - ﷺ - فيما يبلغ من الأحكام إنما يبلغ عن طريق الوحي من الله الذي قال في ذلك: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم، الآيتان: ٣ - ٤].
فهل تبليغ النبي - ﷺ - للأحكام الشرعية لا يكون إلا عن طريق الوحي بينما تبليغ الأئمة الاثني عشر للأحكام الشرعية يكون بغير طريق الوحي؟
[ ١٣٦ ]