- التعريف بالنسخ.
- نسخ السنة بالقرآن.
- الإجماع والنسخ.
[ ٢٦١ ]
٥١ - التَّعْرِيفُ بِالنَّسْخِ:
النسخ هو بيان للحكم الشرعي وليس رفعًا للنصوص وإزالة لها، فيكون الحكم الأول قائمًا حتى تاريخ نزول الحكم الأخير (١).
فقد نزل قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
وقد روى الإمام أحمد أنه بعد نزول هذه الآية، كان الناس يشربون الخمر حتى يوم من الأيام، صلى رجل من المهاجرين بأصحابه صلاة المغرب فخلط في قراءته فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، ثم بعد ذلك نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
فهذه الآيات من كتاب الله تعالى، تضمنت مراحل تحريم الخمر، حسب هذا التدرج وكل حكم يظل حكمًا شرعيًا صحيحًا في الفترة السابقة على التحريم.
_________________
(١) لقد اختلف في النسخ هل هو رفع أبو بيان، فإن كان المراد رفع الحكم الشرعي بنص آخر، فلا بأس به يؤكده أنه لا نسخ بالعقل كما جاء في مجموع المتون في مختلف الفنون: ص ٦٨. وهذا ليس رفعًا للنص بل دفع للحكم [" نظرية النسخ " للدكتور شعبان إسماعيل: ص ٨].
[ ٢٦٣ ]
والنبي - ﷺ - عندما ينهى عن أمر، ثم يبيحه، يكون بين انتهاء الحكم السابق وأتى بحكم جديد في زمان آخر غير الزمن الأول.
فقد نهى النبي - ﷺ - عن زيارة القبور، ونهى عن الأكل من لحوم الأضاحي، ثم أباح ذلك، وفي هذا روى الإمام مسلم أن النبي - ﷺ - قال: «[نَهَيْتُكُمْ] عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ» م ٣/ ٦٥.
فهذا الحديث لا يكون لاغيًا للحديث الأول، بل يبين أن زمان العمل به قد انتهى.
لهذا فإن آيات القرآن التي نسخ الله حكمها، ما زالت قرآنًا ثابتًا يتعبد المسلمون بتلاوته في الصلاة وفي غير الصلاة.
ولهذا نجد أن النسخ لا يختلف كثيرًا عن تخصيص العام، فكلاهما نوع من الاستثناء ولكنه في النسخ يتأخر زمنًا فيظل الحكم الأول فترة.
ولكن الاستثناء في التخصيص لا يأتي بعد زمن بل يكون معلومًا ابتداءً مع الحكم العام مثل عدة المطلقات الواردة في قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١)، فهذا عام يشمل جميع المطلقات ولكن قد استثنى الله المطلقات قبل الدخول فلا يشملهن الحكم المذكور لقوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (٢). فالنسخ يكون بدليل من القرآن أو السنة كما يكون عند وجود فارق زمني بين النصين ولم يمكن الجمع بينهما.
_________________
(١) [البقرة: ٢٢٨].
(٢) [الأحزاب: ٤٩]. و" الاعتبار " للإمام محمد الهمذاني: ص ٨، و" الإتقان " للسيوطي: جـ ١ ص ٨٣ وجـ ٣ ص ٧١.
[ ٢٦٤ ]
لأنه لو أمكن ذلك فلا معنى للقول بالنسخ مثل «شَرُّ الشُّهُودِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ»، وحديث «خَيْرُ الشُّهُودِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ» فلم ينسخ أحدهما الآخر، فالأول خاص بالقرون المتأخرة حيث يكثر الفساد والثاني خاص بالقرون الأولى أو بمن شهد لوجود الحاجة الماسة إلى الشهادة، وهذ تفسير يظهره حديث رواه عمران بن الحصين عن النبي - ﷺ - «خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ القَرْنُ الذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (*)
«إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ » (١) (**).
شُبُهَاتٌ حَوْلَ النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ:
لقد شنع الأخ سلامة جبر على الكتاب لأنه رجح القول بالتخصيص في حديث «شَرُّ الشُّهُودِ» وفي استثناء غير المدخول بها الوارد في الصفحة السابقة، ولا خلاف على أن آية الأحزاب قطعت بإعفاء المطلقة قبل الدخول من حكم العدة الوارد في سورة البقرة، ولا خلاف في أن حديث «شَرُّ الشُّهُودِ» خاص بمن حركته الأهواء في الشهادة وفي أن حكم النسخ هو إبطال العمل بالنص المنسوخ، والناقد لا يملك القول بنسخ الإقراء للمطلقات كلهن وكذا الأمر في خير الشهود، ومن ثم يكون النص الجديد استثناء لبعض أفراد النص الأول والخلاف هل يوصف بأنه نسخ أم تخصيص؟ والناقد يصر على أنه نسخ وأن القول بالتخصيص جهل
_________________
(١) " الاعتبار ": ص ٩، " صحيح الجامع الصغير ": ص ٤٣، " صحيح مسلم ": ٧/ ١٨٦. لقد وزع الأستاذ محمد سلامة جبر مذكرة على الناشرين في الكويت وعلى من يرى أنهم أهل الرأي والعلم تضمنت اعتراضه على أن ينشر مثلي كُتُبًا إسلامية لعدم تخصصي أمام تخصصه كخريج لكلية الدراسات الإسلامية ومدرس بالمرحلة المتوسطة، وقد اعتذرت عن الحوار معه كطلب الأستاذ صلاح شادي عن دار الشعاع لاعتقادي أن هذا النقد المقترن بالألفاظ الجارحة، لا يتصل بالكتاب الذي مضى على نشره ست سنوات ونفذت طبعتين منه، وإنما يتصل بشدة حواري معه عن كتيبه " خصائص الأنوثة " حيث جعل منها أمورًا ليست خصائص للأنثى وليست حكمًا عامًا في الشريعة كنقص العقل، ولكن أمام إصرار الأستاذ صلاح قبلت الحوار معه ومع من دعاهم كعلماء وأفرغ هذا الحوار في محضر بمعرفتهم وبتوقيعهم يوم ٩/ ٥/ ١٩٨٢ م، وعلى الرغم من أنه قد تأكد له عدم مخالفتي الإجماع في المسائل التي تناولها، وعلى الرغم من أنه طلب أجلًا غير مسمى لبحث باقي المسائل وهي أربعة، إلا أنه توصل إلى نشر مذكرته في جريدة السياسة يوم ٢٠/ ٨ / ١٩٨٢ م، وتعمد إغفال ردي الثابت بالمحضر سالف الذكر مما جعل الناشر يرسل هذا المحضر إلى الجريدة التي نشرته يوم ٢٧/ ٧ واعتذرت عن الخطأ الذي أوقعها فيه وللمهاترات التي = [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) " الجامع الصحيح " للإمام مسلم، تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، (٤٤) كتاب فضائل الصحابة (٥٢) باب فضل الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم،، حديث رقم (٢١٥) ٢٥٣٥، ٤ / ص ١٩٦٥، الطبعة الثانية: ١٩٧٢ م، نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان. (**) المصدر السابق: حديث رقم (٢١٤) ٢٥٣٥، ٤/ ١٩٦٤.
[ ٢٦٥ ]
بالشريعة يوجب مصادرة الكتاب الحجر على صاحبه.
إنه لا يسمى الاستثناء نسخًا إلا إذا جاء بعد فترة زمنية، ويسمى تخصيصًا للعام إذا كان حكم الاستثناء قد ورد تاليًا للحكم السابق بغير فارق زمني، فقد اتفق الفقهاء على أن النسخ لا يفترض فلا يثبت إلا بدليل من القرآن والسنة (٢) ولا توجد أي قرينة على النسخ في هذين الحكمين، ولهذا رجحت الوصف بالتخصيص وحسبنا أن القول بالنسخ لا يكون بالاجتهاد وبالافتراض ولا دليل هنا على النسخ، ولم يذكر ابن كثير نسخًا في حكم العدة الورد في سورة البقرة كما أن الحافظ ابن حجر لم يقل بالنسخ في حديث «شَرُّ الشُّهُودِ» بل ذكر عدة طرق للتوفيق بين الحديثين، منها حمل الأول «شَرُّ الشُّهُودِ» على حقوق العباد، والآخر على حقوق الله أو حمل الأول على شهادة الزور، كما أن الإمام البيضاوي أورد حديثًا نبويا فيه «ثُمَّ [يَفْشُو] الكَذِبُ وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلاَ يُسْتَشْهَدُ» (٣). ومع هذا فلا تثريب على من قال بالنسخ فالخلاف في وصف الدليل أنه نسخ أو تخصيص لا يغير من النتيجة وهي أنه استثناء من الأصل.
وبهذا تزول الشبهة التي نسبت إلى أبي مسلم الأصفهاني ونقلها الشيخ عبد المتعال الجبري في كتابه " النسخ " كما أفهمه، فقد أجيب أن أبا مسلم لا ينكر النسخ والنقل عنه في هذا مضطرب، والراجح أنه ينكر النسخ في القرآن لقول الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. فما يسميه العلماء نسخًا يسميه هو تخصيصًا وبهذا قال التاج السبكي (٤) ملتمسًا العذر لفقيه
_________________
(١) = تسيء إلى الإسلاميين فلجأ إلى مجلة أسبوعية خليعة ينشر فيها فتاوى دينية فنشر في صفحته (أن وزارة التربية قررت عدم صلاحية كتاب " السنة المفترى عليها "، والحمد لله أن قيض لشرعه من يذب عنه بأمره ويدافع عنه بإذنه) وقد تبرأت هذه الوزارة من هذا الادعاء بكتابها رقم ٢٥٦٤٠ بتاريخ ٦/ ٤ / ١٩٨٣ م وأكدت عم صحة ما نشر في بعض الصحف بغية التشهير بالمؤلف والنيل منه وأنها تربأ بنفسها عن هذا الصغار، حسبما ورد في الرد الرسمي للوزارة. والجدير بالذكر أن الناقد أعلن بعد ذلك تخليه عن " خصائض الأنوثة " وسحبه من المكتبات.
(٢) " الإتقان " للسيوطي: ١/ ٨٣، و" تفسير ابن كثير ": ٣/ ٤٩٧.
(٣) " الغاية القصوى في دراية الفتوى " للبيضاوي: جـ ٢ ص ١٠٢.
(٤) " نظرية النسخ في الشرائع السماوية " للدكتور شعبان إسماعيل: ص ٣٩.
[ ٢٦٦ ]
المعتزلة محمد بن بحر الأصفهاني (أبي مسلم) لكن ما استدل به وهو الآية السابقة تثبت حصول النسخ، وتنحصر الشبهة في نسخ السُنَّةِ للقرآن وهي تتعلق بالتسمية فقط هل هي ناسخة أو مخصصة.
هذا وقد ينزل قرآن فينسخ السنة النبوية أو يخصص عمومها.
فقد نزل قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، فرفع بذلك الحكم الوارد في الحديث: «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، فلا يوجد تعارض بين الحديث والآية القرآنية، ولا بين هذا الحديث وحديث المبشرين بالجنة، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في بند شبهة تعارض النصوص الشرعية. كما نزل قول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
فيخصص حديث النبي - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ» (١).
فالآية القرآنية تضمنت استثناء أهل الكتاب من عموم الحديث وأيضًا من عموم الحديث النبوي لا يراد به كل الناس فهو خاص بمشركي الجزيرة العربية فهو عام أريد به الخصوص (٢).
_________________
(١) انظر " أضواء على معالم في الطريق ": ص ٣١ - ٣٤ و١٦٧ و١٦٨.
(٢) كتاب " الحكم وقضية تكفير المسلم " الطبعة الثالثة: ص ٣٧٧ حتى ٣٨٨.
[ ٢٦٧ ]
٥٢ - نَسْخُ القُرْآنِ لِلْسُنَّةِ:
إذا كان ذلك فهل تنسخ السُنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الأحكام الواردة في القرآن الكريم؟
لقد قال بعض الفقهاء: إن السنة لا تنسخ القرآن لأن الله تعالى يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].
فقال قوم: إن السنة النبوية ليست خيرًا من القرآن حتى تنسخه فنرى التخصيص، فالنسخ قد يؤدي إلى التعارض بين القرآن والسنة أو إلى وصف السنة بعدم النسخ ثم العمل بنصوصها التي تخصص بعض أحكام القرآن الكريم. وعليه فالواجب النظر الدقيق في مفهوم هذه الآية لأن الاستدلال السابق يؤدي إلى هذه النتيجة. مع أن السنة من الوحي لقول الله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم، الآيتان: ٣ - ٤].
إن ربط الآية بما قبلها وما بعدها يعطي فهمًا آخر وهو أنها تتعلق بنسخ الرسالات والآيات الكونية المؤيدة لها، فالآية السابقة هي: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]. فالخطاب يرتبط بالرسالات السابقة التي نسخها القرآن الكريم والآية التي بعدها تؤكد ذلك في قول الله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨]. والآية بمعنى المعجزة في آيات القرآن، وسواء كان سبب نزول الآية هو تعديل بعض أحكام التوراة أو
[ ٢٦٨ ]
تحويل القبلة أو غير ذلك، فالثابت أن السُنَّةَ رفعت بعض أحكام القرآن من ذلك وعلى سبيل المثال الحكم الوارد في قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. فهذا يقرر الوصية للوالدين والأقربين ولو كانوا وارثين ولكنه تغير بالنسبة للأقارب الوارثين ولا خلاف في ذلك بين المسلمين فقد روى أصحاب السنن أن النبي - ﷺ - خطب على ناقته يوم الفتح فقال: «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».
فهذا الحديث منع الوصية للوارثين من الأقارب وهذا لا خلاف فيه، إنما الخلاف في وصف هذا الدليل الصارف للحكم الأول، الوارد في القرآن الكريم، فالأحناف يقولون إنه كلام مستقل منفصل عن النص العام القطعي فيقوى على نسخه، فيكون حكم الحديث ناسخًا لحكم الوصية للوارثين من الأقارب.
بينما الشافعي والجمهور يرون أن الحديث يخصص هذه الآية ولا ينسخها.
والإمام الغزالي يقول في هذا: «وَالتَّخْصِيصُ يُرَادُ بِهِ هُنَا قَصْرَ العَامِّ عَلَى بَعْضِ آحَادِهِ بِالإِرَادَةِ الأُولَى، فَدَليلَ التَّخْصِيصِ لَيْسَ لإِخْرَاجِ مَا دَخَلَ فِي العَامِّ، بَلْ لإِرَادَةِ الخُصُوصِ فِي اللَّفْظِ العَامِّ، وَأَنَّ تَسْمِيَةَ الأَدِلَّةِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ مُخَصَّصَةٌ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ التَّجَوُّزِ» (١).
إن المستقرئ لهذه الخلافات التي لم نتوسع فيها، يتضح له أن هذا خلاف نظري، فالجميع لا يختلف في النتيجة العملية وهو وجوب العمل بحكم الحديث
_________________
(١) " المتسصفى للغزالي ": جـ ١، نقلًا عن " مناهج الاجتهاد في الإسلام " للدكتور محمد سلام مدكور: ص ٦٦١.
[ ٢٦٩ ]
النبوي: «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»، وقد ورد هذا على عموم الآية الخاصة بوجوب الوصية للأقربين وأخرج منها الورثة، وأما حكم الحديث النبوي وهل هو بطلان الوصية للوارثين كما يرى الإمام مالك أو تحريمها مع عدم بطلانها إلا إن جاوزت الثلث كما يرى غيره، فهذه مسألة أخرى تتعلق بدلالة النصوص.
والإمام الشافعي يقطع بثبوت السنة النبوية التي منعت الوصية للورثة بينما نراه يصف هذه السنة الجديدة وصفًا ينفي عنها أنها تنسخ القرآن إذ قال: «أَنَّ السُنَّةَ لاَ نَاسِخَةٌ لِلْكِتَابِ، وَإِنَّمَا هِي تَبَعٌ لِلْكِتَابِ، بِمِثْلِ مَا نَزَلُ نَصًّا، وَمُفَسِّرَةٌ مَعْنًى مَا أَنْزَلَ اللهِ مِنْهُ جُمَلًا» (*) بينما يقول: إن حديث «خُذُوا عَنِّى» نسخ حكم آية الحبس في البيوت.
ومع وصفه السنة بأنها لا ناسخة للقرآن يأخذ بحديث «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» الذي يراه غيره بأنه ناسخ لقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ﴾ [البقرة: ١٨٠].
فيقول في " الرسالة " (**): «وَوَجدْنا أهلَ الفُتْيَا، [ومَنْ حَفِظْنَا عَنْهُ] مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِالمَغَازِي، مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ: لاَ يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ عَامَ الفَتْحِ: " لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ » (١). ويرى غيره أن هذا الحديث نسخ حكم آية الوصية.
لهذا روى البيضاوي في " المنهاج " «أَنَّ لِلْشَافِعِيِّ قولَيْنِ فِي هَذَا يَمْنَعُ نَسْخَ القُرْآنِ بِالسُنَّةِ مُطْلَقًا وَهُوَ رِوايَةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ الإِمَامِ أَحَمْدَ وَقولُ أَكْثَرِ الظَّاهِرِيَّةِ عَدَا اِبْنِ حَزْمٍ (٢) وَقَوْلٌ بِجَوَازِ هَذَا النُّسْخِ. فَالخِلاَفُ لَيْسَ فِي الحُكْمِ العَمَلِيِّ، الوَارِدِ فِي الحَديثِ النُّبَوِيِّ (لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ)».
_________________
(١) " الرسالة ": ص ٩٨ وما بعدها، و" الإتقان " للسيوطي: جـ ٣ ص ٦٠.
(٢) " الإحكام ": جـ ٤ ص ٤٧٧، و" المحلى ": جـ ١ ص ١٩، و" الاعتبار " للهمداني: ص ٢٧، ٢٠٣. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) انظر " الرسالة " للإمام الشافعي، شرح وتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر: ص ١٠٦، ٥٣٥ (فقرة ٣١٤)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان. (**) المصدر السابق: فقرة ٣٩٨، ص ١٣٩.
[ ٢٧٠ ]
وإنما في وصف هذا الحديث هل هو مخصص لحكم القرآن ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ﴾ [البقرة: ١٨٠]، أم هو ناسخ لهذه الآية؟.
فالأحناف ومن معهم يرون أن الحديث ناسخ للآية لأنه دليل منفصل عنها وهو حديث مشهور ومتواتر في المعنى فيقوى على ذلك عندهم وغيرهم يرى أن الحديث مخصص للآية، لأن العام بعد التخصيص لا يبقى محتفظًا بقوته فيقوى خبر الواحد على تخصيصه.
والخلاصة أن الفقهاء يختلفون في مسالة نسخ السنة للقرآن فقد قال به ابن حزم لأن السنة وحي من الله، وقد ثبت أن قول الله ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] قد نسخه حديث: «خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ ». وآية الوصية للوالدين والأقربين نسخها حديث «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (١).
وجمهور الفقهاء يرون أن السنة لا تنسخ القرآن بل تخصص عمومه، وهذا في جوهره خلاف في الاصطلاح فقط لأن الإجماع منعقد على العمل بحديث «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».
وحديث جلد الزاني الذي لم يسبق له الزواج ورجمه إن كان محصنًا أي سبق له الزواج، ولا يغير من هذه الحقيقة أن يقال: إن هذه الأحاديث النبوية قد نسخت هذه الآيات القرآنية أو خصصتها، فالنبي - ﷺ - قد خصه الله ببيان أحكام القرآن الكريم بقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وهذا البيان يكون بإبلاغ القرآن للناس جميعًا، ويكون بتفسير وتقييد ما جاء منها مطلقًا كما هو مفصل بالفصل السابع.
_________________
(١) " الإحكام ": جـ ٤ ص ٤٧٨.
[ ٢٧١ ]
أما حديث: «كَلاَمِي لاَ يَنْسَخُ كَلاَمَ اللَّهِ، وَكَلاَمُ اللَّهِ يَنْسَخُ كَلاَمِي، وَكَلاَمُ اللَّهِ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا» فهو غير صحيح ومنكر (١).
ومع هذا فإن أكثر الفقهاء يرون أنه من الجرأة أن يقال: إن السنة تنسخ القرآن فقد قيل للإمام أحمد بن حنبل «السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الكِتَابِ» فقال: «لاَ أَجْتَرِئُ [أَنْ أَقُولَ فِيهِ]، وَلَكِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ القُرْآنَ، وَلاَ يَنْسَخُ القُرْآنَ إِلاَّ القُرْآنُ» (٢).
والحقيقة أن الآيات التي قيل أنها منسوخة بالسنة يوجد في القرآن آيات أخرى أجملت نسخها وجاءت السنة وفصلت ذلك، فآية ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] نسختها آيات سورة النور الخاصة بأحكام الزنا ثم جاءت السنة وفصلت ذلك، وآية الوصية نسختها آية المواريث بالنسبة للوارثين كما قال ابن عباس، ثم جاء الحديث وأكد أنه لا وصية لوارث (٣).
ولذها نقل السيوطي أن الإمام الشافعي قال: «حَيْثُ وقعَ نَسْخُ القُرْآنِ بِالسُنَّةِ فَمَعَهَا قُرْآنٌ عَاضِدٌ لَهَا، وَحَيْثُ وقعَ نَسْخُ السُنَّةِ بِالقُرْآنِ فَمَعَهُ سُنَّةٌ عَاضِدَةٌ لَهُ لِيَتَبَيَّنَ تَوَافُقُ القُرْآنِ وَالسُنَّةِ» (٤).
أما نسخ القرآن للقرآن فمنه الثابت وهو نسخ الحكم مع بقاء التلاوة كما في آيات القتال والزنا والخمر، ومنه ما لا يمكن التسليم به وهو نسخ التلاوة والحكم أو نسخ التلاوة مع بقاء الحكم كما في رواية «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا البَتَّةَ» والسبب في إنكار هذه الروايات هو أنها أقوال آحاد ونسبتها إلى القرآن لا تكون إلا بطريق التواتر، ومن نسب أحكامها إلى القرآن فيرجع إلى أنه يقول عن السنة إنها حكم القرآن لقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ [الحشر: ٧].
_________________
(١) و(٢) " الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار " للحازمي الهمداني: ص ٥٩.
(٢) " تفسير القرآن العظيم " لابن كثير: ١/ ٢١١.
(٣) " فتح الباري ": ١٥/ ١٥٥.
[ ٢٧٢ ]
ومما يؤكد أن الصحابة كانوا إذا قالوا أن الحكم قد ورد في القرآن أو في كتاب الله، لا يفرقون بين ما ورد في السنة النبوية لأن كلاهما وحي من الله، ما أورده الشوكاني عن الجماعة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَ[زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ] ﵄، أَنَّهُمَا قَالاَ: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلاَّ قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قُلْ، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا [عَلَى] هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، [وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ، وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي] أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وكان مما قاله: «عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ» كما قال: «اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (١) (*).
ومن هذا يتبين أن رواية: «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا البَتَّةَ»، ليست من القرآن الكريم حتى لو قال الصحابي أن هذا الحكم كان في القرآن الكريم، ولأن القرآن الكريم حتى لو قال الصحابي أن هذا الحكم كان في القرآن الكريم، ولأن القرآن إنما يثبت بالتواتر ولم يثبت هذا في القرآن الكريم.
كما يتبين خطأ من زعم أن القرآن فيه تحريف لأن آية الرجم لم تدون به، أو لأن الصحابة أخذوا بحديث: «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وتركوا حكم القرآن في ذلك، وجوهر الخطأ هو أنه لا توجد آية للرجم كما أوضحت، أما تخصيص السنة لعموم بعض آيات القرآن الكريم كحصر الوصية في غير الوارثين وتخصيص القراءة في الصلاة بسورة الفاتحة في كل ركعة، فذلك وغيره ليس تحريفًا للقرآن كما يزعم الجاهلون أو المجادلون بالباطل، وهذا مفصل بالفصل السابع.
_________________
(١) " نيل الأوطار " للإمام محمد بن علي الشوكاني: ج ٧ ص ٨٦. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) انظر " فتح الباري بشرح صحيح البخاري "، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، (٥٤) كِتَابُ الشُّرُوطِ (٩) بَابُ الشُّرُوطِ الَّتِي لاَ تَحِلُّ فِي الحُدُودِ، حديث رقم ٢٧٢٤، ٢٧٢٥، ٥/ ٣٢٣، طبعة سَنَةَ ١٣٧٩ هـ، نشر دار المعرفة - بيروت.
[ ٢٧٣ ]
٥٣ - الإِجْمَاعُ وَالنَّسْخُ:
ليس صحيحًا أن الإجماع ينسخ نصًا في القرآن أو السنة لأن النسخ هو إنشاء أو إلغاء لشرع وهذا لا يكون إلا بوحي من الله أي في عصر النبي - ﷺ - وبهذا لاَ حُجَّةَ للإجماع إلا إذا كان له سند.
قال ابن حزم: «النُّسْخُ بِالإِجْمَاعِ المَنْقُولِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ جَائِزٌ لأَنْ الإِجْمَاعِ أَصْلُهُ التَّوْقِيفُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ إِمَّا بِنَصِّ قُرْآنٍ أَوْ بُرْهَانٍ قَائِمٍ مِنْ أَيِّ مَجْمُوعَةٍ مِنْهُ أَوْ بِنَصِّ سُنَّةٍ أَوْ بُرْهانٍ قَائِمٍ مِنْهَا كَذَلِكَ أَوْ بِفِعْلٍ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَوْ بِإِقْرَارٍ مِنْهُ» (١).
فالإجماع لا ينشىء بذاته حكمًا بل يكشف عن حكم الله ورسوله وبالتالي فالناسخ هو هذا الحكم وليس أقوال الصحابة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
لقد أوجب الله الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وهذا النص القرآني وغيره في أمر الصلاة، لم يبين أوقاتها ولا عددها ولا كيفيتها، فكانت السنة النبوية هي المبينة لهذا إذ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
فهذا البيان ملزم لكل مسلم سواء ورد لنا عن طريق رواية التواتر أو الآحاد، أو ورد في سنة وصنفت بأنها ناسخة أو مخصصة أو وردت عن طريق إجماع الصحابة.
فإجماع الصحابة بعد رواية جماعية عن النبي - ﷺ - وبالتالي يكون ألزم من رواية الآحاد لأنه لا يقل عن الحديث المتواتر.
_________________
(١) " الإحكام في أصول الأحكام ": جـ ٤ ص ١٢٠.
[ ٢٧٤ ]
ولا يراد بالإجماع هنا، ما يوجد في كتب الفقه من القول بالإجماع على أمر من الأمور، بل المراد هو ما قامت الحجة القاطعة على أنه إجماع وبالتالي لا يدخل في ذلك الإجماع السكوتي، ويراد به شيوع رأي مع عدم معرفة ما يخالفه، ولا يدخل في ذلك ما كان محل خلاف على أنه إجماع من عدمه. قال ابن حزم: «الإِجْمَاعُ قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ المِلَّةِ يَكْفُرُ مَنْ خَالَفَهُ، إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِأَنَّهُ إِجْمَاعٌ» (١).
وقد علق ابن تيمية على ذلك بأن كفر من أنكر الإجماع ليس باعتبار أنه أنكر الإجماع بل باعتبار أنه أنكر ما ثبت من الدين بالضرورة. وحجية الإجماع موضع خلاف، ولم يكفروا النَظَّامَ بإنكار حجيته وإنما كفره من كفره لأمور أخرى، وفي موضع الإجماع اليقيني لا بد من وجود كتاب أو سنة متواترة فيكون منكر الحكم الثابت به غير منكر لحجية الإجماع فقط بل للكتاب أو السنة المتواترة أيضًا.
وابن حزم في كتابه " الإحكام " يقرر أنه لا يتصور إجماع إلا إذا بني على نص بل توقيف من رسول الله - ﷺ -، إما بكلام منه فيقول ولا بد محفوظ حاضر، وإما فعل منه - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - فهو منقول أيهما، وأما إقراره إذ علمه فأقره ولم يبتكره فهي أيضًا حال منقول محفوظة (٢).
والفرق بين ابن حزم وبين الأئمة المشهورة مذاهبهم في هذه المسألة هو أن ابن حزم لا يعتد بالإجماع إلا إذا كان إجماعًا على نص من القرآن أو السنة النبوية وهذا ما يسميه الأئمة بالإجماع اليقيني. وابن حزم ينكر الإجماع المستند إلى القياس والأئمة يعتدون به ويسمى عندهم الإجماع الظني، كما أنهم لا يكفرون من لم يحتج بالإجماع المستند إلى أحاديث الآحاد لأنه إجماع ظني عندهم.
_________________
(١) " مراتب الإجماع " لابن حزم: ص ٧ وبهامشه " تقديرات الإجماع ".
(٢) " الإحكام في أصول الأحكام ": جـ ٤ ص ١٣٦.
[ ٢٧٥ ]
وأما أن دعوى الإجماع تحتاج إلى دليل قاطع، فمثال ذلك ما ذكره ابن المنذر من الإجماع على أن دية المرأة نصف دية الرجل وقد اشتهر هذا في كتب الفقه وبالبحث تبين أنهم يسندون ذلك إلى صحيفة عمرو بن حزم حيث أن بها هذا الحكم مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - وتبين أن هذا الحكم ليس في صلب الحديث النبوي بل ورد في حديث معاذ بن جبل وإسناده غير ثابت (٤).
لهذا لم يثبت أي إجماع إلا إجماع الصحابة - ﵃ - حيث ثبت إجماعهم في الأحكام الشرعية بالتواتر ولذلك لم يختلف أحد في إجماعهم حتى نفاة الإجماع لا ينازعون في إجماع الصحابة على حكم شرعي لأن إجماع الصحابة له سند، فإجماعهم على ميراث الجدة إلى خبر المغيرة بن شعبة، وإجماعهم على تحريم الجمع بين المحارم استند إلى ما رواه أبو هريرة (٥) وإجماعهم على تحريم الجدات مع أنهن غير الأمهات هو الاستناد إلى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، لأن المراد تحريم الأصول، وإجماعهم على رأي عمر في عدم تقسيم الأراضي المفتوحة، استند إلى فعل النبي - ﷺ - في عدم تقسيم أرض مكة قد فتحت عنوة على ما هو الأصح، وعدم تقسيم أرض بني قريظة وبني النضير وغيرها من دور العرب (٦).
_________________
(١) " نيل الأوطار " للشوكاني: جـ ١ ص ٢٢٥، و" مكانة المرأة " للمؤلف: ص ٢٥.
(٢) " أصول الفقه " للإمام محمد أبو زهرة: ص ١٦٥.
(٣) " مناهج الاجتهاد ": ص ٢٣٣ و٥٣١.
[ ٢٧٦ ]