- السنة ودلالة العام والخاص.
- شبهة التعارض بين العام والخاص.
- شبهة تعارض النصوص الشرعية.
- قتال المبشرين بالجنة.
- نقصان العقل والدين.
- الوحدة الوطنية بين الماضي والحاضر.
[ ٢٢٣ ]
السُنَّةُ وَدَلاَلَةُ العَامِّ وَالخَاصِّ:
قد يراد بالعام بعض أفراده، كما في قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١).
فالقائلون ليسوا هم جميع الناس، بل فرد أو بعض أفراد، قال السدي: هو أعرابي كان له مكافأة على ذلك، وقال الواقدي: هو نعيم بن مسعود الأشجعي (٢).
والناس الذي جمعوا لصحابة رسول الله - ﷺ -، هم أبو سفيان وأصحابه وليس جميع الناس.
مثل هذا العام يقال عنه العام المخصوص أو المقصور أي على بعض أفراده.
ويثور الخلاف بشأن العام الذي يراد منه جميع أفراده لأنه لم يدخله التخصيص، فقال الأحناف: إن دلالته على كل فرد من أفراده دلالة قطعية مثل دلالة الخاص على معناه.
وقال الجمهور: إن دلالته ظنية، بينما دلالة الخاص قطعية. وقد نتج عن
_________________
(١) [آل عمران: ١٧٣].
(٢) تفسير " التبيان " للطوسي: المجلد الثالث: ص ٥٢.
[ ٢٢٥ ]
هذا الخلاف اختلاف هؤلاء في أمرين: هما تخصيص العام بالدليل الظني ويريدون به سُنَّةَ الآحاد أو القياس، والثاني: التعارض بين العام والخاص.
٤٢ - الدَّلِيلُ الظَنِّيُّ بَيْنَ العَامِّ وَالخَاصِّ:
ترد بعض نصوص القرآن الكريم عامة مثل قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فإن هذا النص يشمل جميع الأفراد الذين علموا بدخول شهر رمضان بما فيهم الصبيان.
ولكن ترد في السنة النبوية نصوصًا تخصص هذا العام فيستثنى بعض أفراده من الحكم الشرعي، مثل حديث «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» رواه أحمد وأصحاب السنن.
فهل تخصص مثل هذه السنة عموم القرآن الكريم؟ لقد تعض الفقهاء لذلك في مباحث الأصول وخصوصًا بالنسبة لأحاديث الآحاد.
فلا يجوز عند الحنفية تخصيص الكتاب بخبر الواحد، وكذا تخصيص السنة المتواترة بخبر الواحد، ما لم يخص بقطعي دلالة وثبوتًا. وأجاز الباقون من علماء الأصول مطلقًا سواء خص بقطعي قبله أم لا (١). والسبب عند الجمهور أن دلالة الخاص قطعية فيقوى على تخصيص العام لأن دلالة العام ظنية (٢)، وهذا الخلاف نتج عنه خلاف في الأحكام.
_________________
(١) " فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت " للإمام محب الله بن عبد الشكور: جـ ١ ص ٣٤٩.
(٢) " مناهج الاجتهاد " للدكتور مدكور: ص ١٢٢ - ١٣٩ ومراجعه، و" المستصفى من علم الأصول " للإمام أبي حامد الغزالي: جـ ٢ ص ١٤٨.
[ ٢٢٦ ]
نذكر من ذلك حكم ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية عند الذبح، فالأحناف يرون تحريم أكل هذه الذبيحة لعموم قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١)، بينما يرى جمهور الفقهاء أن هذه الذبيحة حلال، لأن هذه الآية قد خصصها الحديث النبوي: «ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلاَلٌ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ» (٢) كما خصصها ما رواه " البخاري " عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: [قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَا هُنَا أَقْوَامًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِشِرْكٍ]، يَأْتُونَا بِلُحْمَانٍ لاَ نَدْرِي [يَذْكُرُونَ] اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لاَ، قَالَ: «اذْكُرُوا [أَنْتُمُ] اسْمَ اللَّهِ، وَكُلُوا».
وأيضًا يثور السؤال إذا كان العام والخاص من النصوص الشرعية في مرتبة واحدة مثل الحديث الذي أورده الإمام مسلم بشأن زكاة الأموال إذ قال - ﷺ -: «فِيمَا سَقَتِ الأَنْهَارُ، وَالغَيْمُ [العُشُورُ]، وَفِيمَا سُقِيَ [بِالسَّانِيَةِ] نِصْفُ العُشْرِ». فهذا حكم عام في جميع الزروع والثمار قلت أو كثرت، ولكن قد ورد نص خاص في نفس الدرجة وهو قول النبي - ﷺ -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (٣)، فهذا الحديث جعل نصاب هذه الزكاة خمسة أوسق، وما قل عن ذلك لا تجب فيه الزكاة وبهذا قال جمهور الفقهاء، ولكن الأحناف يوجبون الزكاة في القليل والكثير من الزروع والثمار. لأن العام عند الأحناف قطعي الدلالة مثل الخاص فيكون الحديثان من درجة واحدة في الثبوت وهي الظنية ومن الدلالة وهي القطعية فلا يقوى أحدهما على تخصيص الآخر، بينما يرى الجمهور أن العام ظني الدلالة فإن كان في القرآن ومتواتر السنة تقوي سنة الآحاد على تخصيصه لأنها قطعي الدلالة (٤).
_________________
(١) [سورة الأنعام، الآية: ١٢١].
(٢) " سبل السلام شرح بلوغ المرام ": جـ ٤ ص ١٣٩.
(٣) رواه مالك ورواه مسلم بلفظ آخر.
(٤) " مناهج الاجتهاد ": ص ٦٠٥.
[ ٢٢٧ ]
والمراد بأن النص ظني الدلالة أن به كلمات غير قطعية المعنى كقول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فالقرء معناه اللغوي الحيض أو الطهر. فهذا التعدد يجعله في حاجة إلى قرينة للترجيح.
التَّخْصِيصُ وَشُبْهَةُ التَّعَارُضِ:
إذا ورد نص عام كقول الله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. ثم نص خاص كقول النبي «لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» فيرى الجمهور أن هذا الحديث وإن كان آحادًا فإنه خاص قطعي الدلالة ويخصص عموم هذه الآية لأنها ظنية الدلالة لعمومها، وخالف الأحناف لأن الحديث لا يخصص عموم القرآن لأن العام لا يخصصه إلا ما كان قطعي الثبوت كالقرآن والسنة المتواترة أو المشهورة، ولكن العام إذا خصص كان الباقي من أفراده ظني الدلالة وتخصصه سنة الآحاد أو القياس ولهذا فعموم قول الله ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] يخصصه الأحناف بالحديث المشهور: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالفَضْلُ رِبًا» فهذا الحديث الذي رواه أحمد والبخاري قد حدد الذهب والفضة والقمح والشعير والتمر والملح ونهى عن بيعها أو التبادل فيها إلا يَدًا بِيَدٍ ومثلًا بمثل منعًا من الربا.
فقال الأحناف: باقي البيوع التي يشملها النص القرآني يخصصها حديث الآحاد أو القياس لأن النص العام بعد هذا التخصيص أصبح ظني الدلالة. ولهذا حرموا التفاضل في الأصناف التي توزن أو تكال أو تتحدد في النوع أو الجنس مع الأصناف الربوية الستة وذلك عن طريق التخصيص بالقياس.
ومنهج الأحناف في عدم تخصيص العام بسنة الآحاد محل نظر فلم يكن معمولًا به قبلهم فنقل البزدوي (٢) ما يفيد توسع الأحناف في تخصيص العام بأخبار الآحاد كانتقاض الوضوء بالضحك في الصلاة وبالنوم مضطجعًا وعدم إفساد الصوم بالأكل والشرب نسيانًا.
_________________
(١) " المستصفى من علم الأصول " للإمام أبي حامد الغزالي: جـ ١ ص ١٤٨ أو " مناهج الاجتهاد ": ص ٦٠٧.
(٢) " كشف الأسرار " للبزدوي: جـ ١ ص ٣٨٣، و" مناهج الاجتهاد ": ص ٦٠٢.
[ ٢٢٨ ]
لقد ترتب على القول بظنية ثبوت أحاديث الآحاد أن اتجه فقهاء الرأي إلى عدم الأخذ بها إذا كان حكمها زائدًا عما جاء في القرآن الكريم لأن الزيادة نسخ ولا يؤخذ بالدليل الظني. كما رفضوا تخصص عام القرآن والسنة المتواترة والمشهورة بأحاديث الآحاد لأن الظني لا يعارض القطعي، والتخصيص يكون عند التعارض (١).
ولكن في الأحكام العملية أخذ الأحناف بخلاف هذه القاعدة كانتقاض الوضوء بالضحك في الصلاة وبالنوم مضطجعًا والمساواة في قيمة الدية الشرعية من أصابع اليد الواحدة وغير ذلك من أحكام الفروع ولكن فقهاء مدرسة الحديث يرون أن خبر الآحاد يستقل بتشريع الأحكام فالزيادة فيه على القرآن والسنة المتواترة مقبولة لقضاء النبي بشاهد ويمين المدعي وجلد الزاني المحصن وتغريبه عام لأن التغريب ورد في السنة النبوية.
كما اختلفوا في دلالة النصوص العامة في القرآن والسنة فترى مدرسة الحديث أنها ظنية وبهذا يخصص عام القرآن والسنة المتواترة بأحاديث الآحاد، بينما ترى مدرسة الرأي أن العام مثل الخاص قطعي الدلالة وبالتالي أحاديث الآحاد لا تخصص عام القرآن والسنة المتواترة وهذا لا يظهر إلا عند تعارض النصوص في الظاهر فإن عرف المتأخر منهما كان ناسخًا وعمل به، فإذا لم يعرف المتأخر يعمل بقطعي الثبوت منهما وهو القرآن والسنة المتواترة ومثلها المشهورة وهذا ثبت الرجم عند الأحناف بالسنة النبوية لأنه إذا لم يعرف تاريخ العام والخاص كان العام هو الأخير احتياطًا ونسخ المتقدم (٣).
«وتخصيص العام عند الجمهور يعني قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل أو غير مستقل مقارن أو غير مقارن». [" أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء " الدكتور مصطفى سعيد الخن: ص ٢٠٦].
قال الآمدي: «إِنَّ النَّسْخَ لاَ يَكُونُ فِي نَفْسِ الأَمْرِ إِلاَّ بِخِطَابٍ مِنَ الشَّارِعِ، بِخِلاَفِ التَّخْصِيصِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِالقِيَاسِ وَبِغَيْرِهِ مِنَ الأَدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ. [" الإحكام ": ٣/ ١٦١.].
_________________
(١) " الإسلام عقيدة وشريعة ": ص ٧٥ وكتابه " الفتاوى ": ص ٦٢.
[ ٢٢٩ ]
ومن هذا يتضح عدم سلامة منهج الأحناف بشأن أحاديث الآحاد، فهم نظريًا يقولون بعدم قدرتها على تخصيص عام القرآن والسنة المتواترة وعمليًا يأخذون بها.
إن صحابة رسول الله - ﷺ - كانوا يقبلون الحديث النبوي ويعملون به، دون أن يفرقوا بين الآحاد والمتوتر ولكن بعضهم كأبي بكر يستشهد مع الراوي آخر ليتأكد من نسبة الحديث النبوي إلى النبي - ﷺ -.
وكانوا يعملون بالسنة النبوية كلها لأنها البيان الإلهي للقرآن الكريم لقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
فقد أمر الله بقطع يد السارق في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]. ثم بين النبي - ﷺ - بوحي من ربه أنه لا قطع في ربع دينار فصاعدًا، فأخذ الصحابة والتابعون بعدهم بالحديث ولم يبحثوا عن القطعي والظني من السنة بل لم يكن عندهم هذا الاصطلاح.
إن صحابة رسول الله - ﷺ - يقرأون الفاتحة في كل ركعة من الصلاة امتثالًا لقول النبي - ﷺ - فيما رواه " مسلم ": «مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» أي ناقصة، وقوله: «لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ». ولم يقل أحد منهم أن هذا الحديث النبوي من سُنَّةِ الآحاد فلا يخصص قول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، ومن ثم وجب أن نتبع منهاج النبي - ﷺ - وصحابته فقد حذرنا من الابتداع فقال فيما رواه " مسلم ": «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
وعلى ذلك فسنعرض بإيجاز لشبهة التعارض بين النصوص ونسخ الأحكام وذلك من خلال هذه الحقيقة وليس من خلال المصطلحات المؤدية إلى عدم الوفاق.
[ ٢٣٠ ]
٤٣ - شُبْهَةُ التَّعَارُضِ بَيْنَ العَامِّ وَالخَاصِّ:
إذا ورد نص عام بثبوت حكم شرعي ثم ورد نص خاص بنفي هذا الحكم ورفعه، فهل يعد ذلك من قبيل التعارض؟ وكيف يعالج ذلك؟.
إن جمهور الفقهاء لا يقول بالتعارض بين العام والخاص في هذه الأحوال، بل يعملون بالخاص أولًا فيما دل عليه من استثناء ويبقى حكم العام كما هو فيما عدا ذلك.
أ - فالعموم الوارد في قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وفي قول النبي - ﷺ -: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ» تضمن وجوب الزكاة عن جميع ما تخرجه الأرض، ولكن الحديث الذي رواه " البخاري " و" مسلم " بلفظ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ [مِنَ التَّمْرِ] صَدَقَةٌ » استثنى ما قل عن هذا المقدار وظل الوجوب قائمًا فيما بلغ هذا القدر فصاعدًا.
ب - والعموم الوارد في قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، يستثنى منه: الخصوص الوارد في قول النبي - ﷺ -: «لاَ يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، إِلاَّ وَمَعَهَا أَبُوهَا، أَوِ ابْنُهَا، أَوْ زَوْجُهَا، أَوْ أَخُوهَا، [أَوْ] ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا»، وقوله: «لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو
[ ٢٣١ ]
مَحْرَمٍ، وَلاَ تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ»، رواها " مسلم " في كتاب الحج.
ولكن ابن حزم يرى أن الآية القرآنية هي التي خصصت الحديث النبوي فيكون السفر إلى الحج قد خرج عن النهي وقد رجح رأيه بالحديث الشريف «لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» (١) لأن الذهاب إلى الحج ذهاب إلى أعظم المساجد كما ورد النهي عن الكلام أثناء خطبة الجمعة في الحديث الذي رواه الجماعة إلا ابن ماجه بلفظ: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: [أَنْصِتْ]، يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ». كما ورد قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢). ثم ورد قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٣). وأمام هذا فإن النص الخاص يستثنى من العام، أي المعنى الأقل هو المستثنى من الحكم العام.
والعام في هذه الحالة هو الإنصات لخطبة الجمعة، والاستماع لقراءة القرآن، والخاص هو رد التحية، فيستثنى من الإنصات في الحالتين.
النَّسْخُ وَشُبْهَةُ التَّعَارُضِ:
وقد يرد النص مغايرًا في حكمه للنص الآخر مغايرة تامة، كأن ينهى أحدهماعن شيء ويبيحه الآخر وهذا يدل على أن أحدهما ناسخ والآخر منسوخ.
_________________
(١) رواه أحمد وأبو داود.
(٢) [الأعراف: ٢٠٤].
(٣) [النساء: ٨٦].
[ ٢٣٢ ]
أ - فقد روى الخمسة عن بسرة بنت صفوان أن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلاَ يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، وقال البخاري: «هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا البَابِ». بينما روى الخمسة عن طلق أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - عن رجل يمس ذكره، هل عليه وضوء؟ فقال: «إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ».
لهذا قال الأحناف بعدم انتقاض الوضوء بهذا اللمس، ولكن ابن حزم قال: إن إسلام بسرة تأخر عن إسلام طلق، فيكون الحديث الموجب للوضوء قد نسخ الحديث الدال على عدم الوضوء.
ب - كما روى أحمد ومسلم عن النبي - ﷺ - حديثًا بلفظ: «تَوَضَّؤُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ» ولكن روى أبو داود والنسائي عن جابر قال: «كَانَ آخِرُ الأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكَ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ».
فدل هذا على أن الحديث الأخير نسخ حكم (الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ).
ج - ويكون ترك الوضوء قرينة على أن الأمر بالوضوء كان للاستحباب وليس للوجوب ويؤكد ذلك ما رواه " البخاري " و" مسلم " عن عمرو بن أمية أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ [يَحْتَزُّ] مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاَةِ، فَقَامَ فَطَرَحَ السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ».
٤٤ - بَيْنَ النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ:
النسخ والتخصيص وصفان لأثر النص الذي يرفع الحكم الشرعي.
[ ٢٣٣ ]
أ - فإذا كان رفع الحكم والنص مقارنًا في الزمان للحكم أي النص الأولى سمى ذلك تخصيصًا، كما في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وهكذا حكم عام في عدة المتوفى عنها زوجها. ولكن ورد حكم آخر في عدة من كانت حاملًا، فقال تعالى: ﴿وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. فقيل نسخ الحكم الأول بينما الآثار تدل على أن النص الأخير مخصص لعموم الحكم الأول، إذا استثنى منه عدة الحوامل. " نيل الأوطار ": جـ ٧ ص ٨٩، وابن كثير: جـ ٤، و" [الإتقان] " للسيوطي: جـ ٣ ص ٤٦.
ب - وإذا كان الاستثناء نصًا متأخرًا في الزمن كان ذلك نسخًا، كما في قول الله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]. والنسخ لا يكون إلا بدليل من القرآن والسنة.
فالنسخ والتخصيص يشتركان في رفع الحكم الشرعي والفرق بينهما أن الوصف بالنسخ يكون في الحالات التي يدل النص الوارد بشأنها أن الحكم الأول كان مرادًا من الله لأن النص كان يتناوله سواء ورد في القرآن والسنة، ثم جاء نص متأخر بحكم جديد وأبطل العمل بالأول ابتداء من تاريخ نزول الحكم الجديد، وما ورد في السنة النبوية عن أسباب نزول الحكم الجديد هو الفيصل في ذلك وفي هذا كتب الأستاذ محمد العفيفي: «لذلك كان النسخ في القرآن وثيق الصلة بأسباب النزول من جهة، كما هو وثيق الصلة من جهة أخرى بالسنة القولية والعملية.
[ ٢٣٤ ]
ولذلك ربط الله تعالى بين القرآن والسنة في بيان الحكمة في نزول القرآن منجمًا.
وهنا نجد النسخ وأسباب النزول والقرآن والسنة في عمل جماعي متواصل يؤدي في النهاية إلى الإحاطة بكل ما هو عام أو خاص في حياة البشر في كل مكان وزمان (١).
أما تخصيص العام فهو استثناء بعض ما تناوله العام وإخراجه من الحكم الشرعي ونسمي ذلك رفعًا للحكم تجاوزًا مثل قول الله ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فهذا حكم عام في كل مطلقة ولكن قد استثنى من ذلك المطلقات قبل الدخول على الزوج إذ زال سبب العدة وهو احتمال الحمل، وفي هذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فهذه الآية استثنت المطلقات قبل الدخول من حكم العدة ورفعت عنهن هذا الحكم، فمنذ البداية لا يسري في حقهن حكم الآية وذلك بخلاف النسخ حيث يظل الحكم الأول معمولًا به فقد كان المسلم مكلفًا به، ثم يتغير الحكم وينسخ بعد فترة بحكم جديد مثل حديث: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمِ الآخِرَةَ» (٢).
وعلم ناسخ الحديث ومنسوخه يبحث فيما ظاهره التعارض من الأحاديث النبوية وأيضًا أنواع البيان الأخرى كبيان المجمل وتخصيص العام وتقييد المطلق، يزيل هذه الشبهات.
_________________
(١) عن كتابه " مقدمة في تفسير الرسول للقرآن الكريم "، الباب الثالث، الفصل الثالث،: ص ١٣٢.
(٢) كتاب " الاعتبار " للهمداني: ص ٢٤، وكتاب " الإتقان في علوم القرآن " للسيوطي: جـ ١ ص ٨٣، و" تفسير ابن كثير ": جـ ٤ ص ٣٨١.
[ ٢٣٥ ]
٤٥ - شُبْهَةُ تَعَارُضِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ:
إن القرآن الكريم والسنة النبوية كلاهما من عند الله تعالى، وبالتالي فلا يتعارض أحدهما مع نفسه أو مع الآخر.
وسنعرض فيما يلي أمثلة لنصوص ظن نفر أنها متعارضة وبنى على ذلك نتائج منها الاكتفاء بالقرآن أو إعلان حكم يخالف إجماع الأمة، والأمثلة هي:
قِتَالُ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ:
لقد قيل إن الإمام عَلِيٍّ من المبشرين بالجنة بينما يصدق عليه قول النبي: «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، وهذا عند القائل تناقض يبرر ترك السنة النبوية! ولكن هذه الرواية لها تكملة هي: «فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: "إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ "». أخرجه البخاري في كتاب الإيمان والراوي هو أبو بكرة.
إن القرآن الكريم الذي يزعمون اتباعه قد صرح أن القتال عن فهم في الدين، ليس كفرًا ولا يجعل صاحبه من أهل النار بقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩].
فالرواية معناها أن المسلم الذي يتعمد ويحرص على الخروج لقتل أخيه المسلم، يدخل النار، وينطبق هذا على القاتل والمقتول لوجود الحرص والإصرار على القتل لديه (١) والذي كان بين الإمام عَلِيٍّ والخوارج أو أصحاب
_________________
(١) ورد في هذا قول النبي: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». أخرجه البخاري في أول كتابه.
[ ٢٣٦ ]
معاوية، ليس من هذا القبيل بل هو اجتهاد أدى أن تقف كل فئة لتدافع عما تعتقد أنه الحق. وهذا لم يقترن بنية قتل أحد بذاته والحرص على ذلك.
كما أن هنالك فَرْقًا شاسعًا بين تعمد المسلم قتل أخيه في الإيمان بغير سبب مشروع، وبين الموقف الذي أدى إلى خروج الإمام عَلِيٍّ لرد البغاة الذين خرجوا على الخلافة وشهروا سلاحهم ضد أمير المؤمنين.
وهنالك فرق شاسع بين قتال المسلم عن عرضه ونفسه ودينه وماله وبين قتل المسلم أخاه المسلم بغير سبب شرعي فقد ورد في الحديث الشريف: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ». رواه " البخاري " و" مسلم "، كما جاء في الحديث: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»، رواه أبو داود والترمذي.
فهذه أنواع من القتال المشروع بموجب هذه النصوص، ولا يوجد أي مظهر من مظاهر التعارض النظري بين هذه الأحاديث حتى نقول إن حديث: «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا» قد خصصه حديث الشهادة، أو خصصته آية ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] (١).
إن قتال الإمام علي لمن خرجوا على إمامته له أحكام أخرى وردت في باب الإمامة والإمارة، وهي لا تدخل تحت مدلول «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا» فضلًا عن أن تبشير الرسول - ﷺ - للإمام عَلِيٍّ والخلفاء الأربعة وستة آخرين بالجنة، أمر آخر هو إخبار بالغيب ومن أول شرائط الإسلام الإيمان بالغيب الذي يرد في القرآن والسنة، فمن رَدَّ ذلك أو شك فيه فقد كفر لأنه يَرُدُّ القرآن والسنة وهما من عند الله تعالى الذي قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
_________________
(١) جاء في " مذكرة حزب التحرير ": «إن هذه الآية خصصت كلمة القاتل والمقتول في الحديث» (ص ٢٦).
[ ٢٣٧ ]
٤٦ - نُقْصَانُ العَقْلِ وَالدِّينِ:
لقد اشتهر بين العامة أن النساء ناقصات عقل ودين وفهمها أقوام أنها تسيء إلى إنسانية المرأة وإلى رشدها.
واشتهر بين العامة حديث بلفظ: «عَائِشَةٌ نَاقِصَةُ عَقْلٍ وَدِينٍ» بينما استدركت على كثير من الصحابة رويتهم عن النبي - ﷺ - حتى جمع الزركشي وغيره ذلك في كتاب مستقل.
فهل يوجد تناقض بين حديث «نُقْصَانِ العَقْلِ» وحديث: «خُذُوا نِصْفَ دِينِكُمْ عَنْ عَائِشَةَ أَوْ عَنْ هَذِهِ الحُمَيْرَاءِ»؟ وقد بحثت في كتب السنة وفي " موطأ مالك " و" مسند الدارمي " فلم أجد حديث «خُذُوا نِصْفَ دِينِكُمْ » على الرغم من أن بعض الكتب جاء به أن الحديث ورد بلفظ: «خُذُوا نِصْفَ دِينِكُمْ عَنْ هَذِهِ الحُمَيْرَاءِ» (١).
وأيضًا لم أجده في باب فضل عائشة بالجزء الرابع من كتاب " المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية ".
وقد أورد الإمام بدر الدين الزركشي في كتابه " الإجابة "، بحثًا عن الحديث المذكور جاء فيه: «وَسَأَلَتُ شَيْخَنَا الحَافِظَ عِمَادَ الدِّينِ ابْنَ كَثِيْر ﵀ عَنْ
_________________
(١) ورد هذا في " مذكرة حزب التحرير ": ص ٢٦.
[ ٢٣٨ ]
ذَلِكَ فَقَالَ: كَانَ شَيْخنَا [حَافِظُ الدُّنْيَا] أَبُوالحَجَّاجِ المِزِّيُّ ﵀ يَقُولُ: كُلُّ حَدِيثٍ فِيهِ "الحُمَيْرَاءُ" بَاطِلٌ إِلاَّ حَدِيْثًا فِي الصَّوْم فِي " سُنَنِ النَّسَائِيِّ ".
قُلْتُ: وَحَدِيثٌ آَخَرُ فِي " [سُنَنِ] النَّسَائِيِّ " أَيْضًا عَنْ أَبِيْ سَلَمَة قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: " دَخَلَ الحَبشَةُ المَسْجِدَ يَلْعَبُوْنَ فَقَالَ لِي: يَا حُمَيْرَاءُ أتُحِبِّيْنَ أَنْ تَنْظُرِيْ إِلَيْهِمْ "» (١).
أما عبارة «عَائِشَةٌ نَاقِصَةُ عَقْلٍ وَدِينٍ» (*) فلم ترد في السُنَّةِ كوصف لعائشة بل وردت عن النبي كوصف للنساء عامة في حديث روه " البخاري " و" مسلم " بلفظ: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ، أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ [الحَازِمِ]، مِنْ إِحْدَاكُنَّ، يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ». قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟» قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا».
إن وصف النبي - ﷺ - لأحوال النساء، قد تضمن أن المرأة لا تصلي ولا تصوم أثناء الحيض الذي يتكرر كل شهر وهذا جعلها تنقص عن الرجل في أمور الدين.
وتضمن الحديث أنها في الشهادة لا تتساوى مع الرجل لأن الله قد جعل دليل شهادتها على النصف من دليل شهادة الرجل والسبب كما جاء في القرآن الكريم هو قول الله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي خشية أن تنسى فتذكرها الأخرى التي حضرت معها موضوع الشهادة.
وقد وصف النبي - ﷺ - هذا بأنه نوع من نقصان العقل وهذا أمر نسبي، وقد أثبتت ذلك البحوث العلمية الحديثة فقد جاء بـ " دائرة المعارف
_________________
(١) " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة " للزركشي: ص ٥٨، الفصل ٢. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) لم أجد هذا الحديث إلا من بين النقاشات التي أثارها الرئيس الطاغية المقبور معمر القذافي وتخريفاته في (الندوة العلمية حول منزلة السنة النبوية من القرآن) التي عقدت في طرابلس عاصمة ليبيا عام ١٩٧٨ والتي تحدث فيها حسب زعمه عن التناقضات في صحيح البخاري مستشهدًا بعدد من الأحاديث منها: (خذوا دينكم من عائشة) - وهذا الحديث ليس من أحاديث البخاري - وحديث آخر: (عائشة ناقصة عقل ودين). وحسب الرئيس القذافي فإن الحديث الأول وضعه أنصار عائشة أما الحديث الآخر فوضعه شيعة علي في معركة الجمل انظر كتاب " تدوين الحديث " لإبراهيم فوزي: ص ١٥٤، الطبعة الثانية: تموز / يوليو ١٩٩٥ م، نشر دار رياض اريس للكتب والنشر، المملكة المتحدة، وهذا الكتاب فيه إساءة كبيرة للسنة النبوية ورُواتها.
[ ٢٣٩ ]
الكبيرة " قول الدكتور روفاريي: «إن المجموع العضلي عند المرأة أقل منه كمالًا عند الرجل، وأضعف منه بمقدار الثلث، فالقلب عند المرأة أصغر وأخف بمقدار ستين غرامًا في المتوسط والرجل أكثر ذكاءً وإدراكًا أما المرأة فأكثر انفعالًا».
وفي نفس الدائرة يقرر (نيكوليس وبيليه) أن الحواس الخمس عند المرأة أضعف منها عند الرجل، وأن مخ الرجل يزيد عن مخ المرأة بمقدار مائة غرام في المتوسط، فنسبة مخ الرجل إلى جسمه ١/ ٤٠ ونسبة مخ المرأة إلى جسمها ١/ ٤٤: كما يوجد اختلاف في المخيخ أيضًا وفي المادة السنجابية فهي عند النساء أقل بدرجة ملحوظة ومحسوسة جدًا.
إن نقصان العقل الوارد في الحديث النبوي مقترن بأمر الشهادة على الديون حيث أن ذاكرة المرأة أضعف من ذاكرة الرجل وقد أثبت الطب الحديث ذلك.
ولكن هذا النقص لا يراد به انتقاص مكانة المرأة أو وضعها القانوني والاجتماعي، فقد روى الخمسة أن النبي - ﷺ - قال: «نَعَمْ. إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ». [" حقوق النساء " للشيخ رشيد رضا: ص: ٨] و[البهي الخولي: ص ٢٠].
فاختلاف ذاكرة المرأة عن الرجل هو السبب في جعل شهادتها على النصف من شهادة الرجل كما جاء في القرآن الكريم، وهذا ما وصفه النبي - ﷺ - بأنه نوع من نقصان العقل، وهذا وصف معنوي لا يتساوى فيه النساء جميعًا بل هو الوصف الغالب لأكثرهن والحكم الشرعي يبنى على الأمر الغالب.
[ ٢٤٠ ]
وهذا النقصان ليس له أثر في الفقه الإسلامي إلا في الشهادة على الأموال (١) وذلك حفظًا للحقوق، كما هو الحال في اشتراط أربع شهود من الرجال لإقامة حد الزنا وشهادة المرأة وحدها في الولادة.
ولا يختلف أحد أنه توجد فوارق بين الرجل والمرأة في بعض الأمور، ولكن الفوارق في هذا الحديث في أمر ضئيل ومحصور في موضوع الشهادة، وهذا لا يمنع أن تروي المرأة أحكام الإسلام كالرجال، فإذا ما اعتقد أحد جدلًا أن رواية «خُذُوا نِصْفَ دِينِكُمْ عَنْ عَائِشَةَ» حديث عن النبي - ﷺ - فلا يتعارض هذا مع وصف النساء بنقصان العقل لأنه وصف معلل بما ورد في القرآن الكريم، من النسيان الطارئ الموجب أن يكون شهادتها في الأموال نصف شهادة الرجل، وهذا لا علاقة له برواية الحديث عن النبي - ﷺ - لأن هذه الرواية لا تقوم بها إلا المرأة الذاكرة الحافظة، وهذا التخصص في هذا العلم لا يتحقق إلا للعالمات بأمور الدين والحافظات الذاكرات، أما الوصف العام بنقصان العقل فقد أورد النبي - ﷺ - سببه وهو النسيان في المعاملات المالية والتجارية، فالنسيان خاص بهذا فقط، فلا يشمل الأمور العلمية والاجتماعية والقانونية أو غيرها.
وأكبر شاهد على ذلك أن أم المؤمنين عائشة كانت من أهل العلم والفقه بل هي رائدة في ذلك بلا منازع، فقد روت عن النبي - ﷺ - ألفين ومائتين وعشرة أحاديث (٢٢١٠) واستدركت على أعلام الصحابة والفقهاء وصححت لهم عن النبي - ﷺ - وقد ذكر الزركشي
_________________
(١) قال الإمام القرطبي: «وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الأَمْوَالِ دُونَ غَيْرِهَا» " الجامع لأحكام القرآن ": جـ ٣. أي أن هذا النقص في الشهادة على الأموال فقط وهذا لا يعني جواز شهادتها في الحدود.
[ ٢٤١ ]
أنها استدركت على أربع وعشرين صحابيًا ومنهم من استدركت عليه في أكثر من رواية (١).
ومع هذا فإن أخذ نصف أمور الدين عنها لا يتعارض مع الحديث الذي وصف النساء بنقص العقل والدين بل يتفق على النحو سالف الذكر.
٤٧ - مُفْتَرَيَاتٌ عَلَى المَرْأَةِ وَالفِقْهِ:
يروج أحد الإخوة الباحثين أن وصف النبي للنساء بنقص العقل والدين يفيد أنه نقص حقيقي وهو من خصائص الأنوثة ويرتب على ذلك أن هذا النقص يجعلها تفضل الرجال عن النساء في الخياطة وأعمال الطهي والطب، ولهذا فالشرع لم يعتد بشهادة النساء أصلًا في أي شيء إلا للضرورة وما لا تدعو إليه الضرورة لا يعتد بشهادتهن أصلًا لا مجتمعات ولا منفردات.
ولهذا ادعى الناقد بطلان قولي إن نقص العقل لا أثر له في الفقه إلا في الشهادة على الأموال حفظًا للحقوق وكرر الناقد أن هذا يرجع لجهلي بأحكام الشريعة حيث أثبت عدم جواز شهادتها في الحدود وفي الوقت نفسه أثبت أن نقص العقل لا أثر له إلا في الشهادة على الأموال.
وللمعلوم أن الحديث النبوي لم يرتب على وصف المرأة بنقص العقل إلا كون شهادتها على النصف من شهادة الرجل، أما التشريعات الأوروبية فقد أبطلت التصرفات المالية للمرأة في أموالها الخاصة إذا تمت بغير إذن الزوج، تأسيسًا على نقصان أهلية المرأة في هذه التشريعات، ولهذا لزم الإشارة إلى أن الإسلام يرمز إلى نقص الذاكرة بنقص العقل وحصر أثر ذلك في الشهادة أي لا يبطل التصرفات المالية للمرأة ولا يمنع قيامها ببعض الولايات، يقول ابن حزم: «وَجَائِزٌ أَنْ تَلِيَ المَرْأَةُ الحُكْمَ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ وَلَّى الشِّفَاءَ [امْرَأَةً مِنْ قَوْمِهِ]
_________________
(١) الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة " تأليف الإمام بدر الدين الزركشي، وقد أورد استدراكها على أبيها والأئمة عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وغيرهم.
[ ٢٤٢ ]
السُّوقَ، وَقَدْ أَجَازَ المَالِكِيُّونَ أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةً وَوَكِيلَةً» (١).
وقال الكمال بن الهمام: «وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْمَرْأَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلاَّ فِي [الحُدُودِ] وَالقِصَاصِ» (٢). وقال الكاساني: «المَرْأَةَ مِنْ أَهْلِ [الشَّهَادَاتِ] فِي الجُمْلَةِ، إلاَّ أَنَّهَا لاَ تَقْضِي بِالحُدُودِ وَالقِصَاصِ؛ لأَنَّهُ لاَ شَهَادَةَ لَهَا فِي ذَلِكَ» (٣) ويقول الدكتور مصطفى السباعي عن هذا النقص: «فَلَيْسَتْ المَسْأَلَةُ إِذًا مَسْأَلَةَ [إِكْرَامٍ] وَإِهَانَةٍ، وَأَهْلِيَّةٍ وَعَدَمِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ [مَسْأَلَةُ] تَثَبُّتٍ فِي الأَحْكَامِ، وَاِحْتِيَاطٍَ فِي القَضَاءِ بِهَا» (٤). ولكن الشيخ سلامة جبر يصر على إنكار كل هذه الأقوال وإن من رددها يصبح جاهلًا.
السُنَّةُ بَيْنَ العَدْوَى وَالوِقَايَةِ:
قيل إن حديث العدوى متناقض إذ نفي العدوى وأمر بالوقاية، ونصه في " البخاري ": «لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ، [وَلاَ هَامَةَ] وَلاَ صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ [كَمَا تَفِرُّ] مِنَ الأَسَدِ». ولقد جهلوا أن نفي العدوى ارتبط بالتطير من المرض. ومن شهر صفر وهذا اعتقاد جاهلي من شأنه أن يصبح المريض محل شؤم فلا يرعاه أحد، ويترك الناس العمل في صفر، كما تجاهلوا أنه قد ثبت علميًا أن المرض لا ينتقل بذاته حتمًا بل الأمور مجتمعة منها المسببات الأصلية كالميكروبات والفيروسات وظروف خاصة بالشخص كنقص المناعة العارض للإجهاد أو التدخين أو التوتر أو للبرد الشديد، ولهذه الأمور لا تترك الوقاية ومن ثم أمر بها النبي - ﷺ - في قوله في " البخاري ": «لاَ [يُورِدَنَّ] مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» وفي الأمر بالفرار من المجذوم كالفرار من الأسد، وقد ثبت علميًا وجود جذام شديد العدوى يجعل وجه المريض كوجه الأسد، ولهذا كله فالحديث النبوي من دلائل النبوة.
_________________
(١) " المحلى ": جـ ٩ مسألة ١٨٠٠.
(٢) " فتح القدير ": جـ ٥ ص ٤٨٥.
(٣) " بدائع الصنائع ": جـ ٧ ص ٣.
(٤) " المرأة بين الفقه والقانون ": ص ٣١.
[ ٢٤٣ ]
وأخيرًا قالوا بتعارض السنة مع الطب في حديث: «إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ [سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ] فِي التُّرَابِ». رواه " مسلم " فقالوا: إن التراب لم يحلله العلماء حتى نتاكد من صحة الحديث النبوي، وهم بهذا يريدون رفض الأحاديث النبوية الثابتة انتظارًا لاحتمالات ظنية نتجت عن التفكير السطحي في تقليد أوروبا التي أثبت بعض علمائها أن جراثيم لُعَابِ الكلب لا يزيلها الماء بل يزيلها التراب حسب الأبحاث التي أجريت في إسبانيا. ولقد أوضح العالم النمساوي محمد أسد أن دعوى التعارض بين السُنَّةِ والعلم يراد بها هدم الإسلام لأن السنة هي الهيكل الحديدي لصرح الإسلام.
انظر كتابه " الإسلام على مفترق الطرق ": ص ٨٧ - ٩٧.
وكتاب " ظاهرة رفض السنة " للدكتور صالح أحمد رضا: ص ٤١.
لما كان ذلك، وكانت علة التعارض بين القرآن والسنة، سرابًا في خيال المرضى فقد زعم هؤلاء أن السنة تعارض العلم بحديث الكمأة والذباب، وهذا مفصل بالبنود ٥٩ - ٦٢.
[ ٢٤٤ ]
٤٨ - الوَحْدَةُ الوَطَنِيَّةُ بَيْنَ المَاضِي وَالحَاضِرِ:
لقد ظهر أخيرًا كتاب للشيخ الدكتور محمد عمارة، والكتاب باسم " الإسلام والوحدة الوطنية " الصادر عن دار الهلال في ربيع أول ١٣٩٩ هـ - فبراير ١٩٧٩ م، العدد ٣٣٨. وفيه زعم أن الألوهية والعمل الصالح والحساب والجزاء هي أصول الدين الواحد، أما تعدد الأنبياء والرسل فهذه مناهج ووسائل للتدين لا تمنع دخول أصحاب هذه الديانات الجنة حتى لو ظلوا على شريعتهم بعد بعثة النبي محمد - ﷺ -، وأن الفارق بين المسلمين وأهل الديانات السابقة كالفارق بين العاملين بالكتاب والسنة وبين المبتدعين، وزعم أن الفوز بأجر الله وثوابه والنجاة من العذاب الذي تحدث عنه القرآن في وعيده الذي توعد به العصاة - كل ذلك حق وعد به الله سبحانه - لا المسلمين المؤمنين بالشريعة المحمدية فقط وإنما مطلق المؤمنين بالدين الإلهي سواء منهم الذين آمنوا بشريعة محمد أو موسى أو عيسى لقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢].
ثم قال: ولقد يحسب البعض وتلك قضية هامة أن هؤلاء المبشرين بالنجاة من أتباع الشرائع السماوية هم من عاشوا وماتوا قبل البعثة المحمدية، أما من أدرك هذه البعثة أو جاء بعدها فلن يمنعه الإيمان بالله والآخرة والعمل
[ ٢٤٥ ]
الصالح إلا إذا هو آمن بشريعة محمد قد يحسب البعض هذا، ولكننا نجد في القرآن ما يقطع بأن اختلاف الشرائع السماوية حتى بعد البعثة المحمدية لن يحول بين فرائقها وبين النجاة: ص ١١٣، ١١٤.
كان للدكتور عمارة اجتهاد مماثل كالربط بين الحكم الإسلامي والحكومة الدينية في أوروبا ثم غير هذا الاتجاه فانتصر للإسلام ونقد الأدباء الذين تجاوزوا حدود الإسلام وظهر ذلك في كتبه " الإسلام وحقوق الإنسان "، " الصحوة الإسلامية "، " الدين والدولة "، ونرجو أن يعيد النظر في كتابه " الإسلام والوحدة الوطنية ".
اسْتِدْلاَلٌ مَعْكُوسٌ:
والآيات القاطعة التي يستدل بها الشيخ هي قول الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ، وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ، وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ، فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٥].
والاستدلال المعكوس من الشيخ هو قوله: إن هذه الآية ﴿وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٤]، ومعناها شريعة عيسى التي جاءتهم وإن الآية تتحدث عن طائفة نصرانية ظلت على نصرانيتها وكانت علاقتهم بالمسلمين من طابع المودة والموالاة لهذا كانوا من أهل المثوبة بالخلود في الجنات التي تجري من تحتها الأنهار: ص ١١٥. أي على الرغم من عدم إيمانهم برسالة محمد - ﷺ -. وفيما يلي الأدلة على أن استدلاله في غير محله.
[ ٢٤٦ ]
مَوْطِنُ التَّحْرِيفِ:
إن القرآن الكريم والسنة النبوية لا يمكن أن يناقض بعضها بعضًا لأن مصدرها واحد وهو الله - ﵎ - الذي قال عن نبيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. وفي هذا روى الإمام أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْمًا [يَتَدَارَءُونَ]، فَقَالَ: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا، ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَلاَ تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا، وَمَا جَهِلْتُمْ، فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ».
إن هذا الاجتهاد أراد أن يخدم أوضاعًا زائلة وأقوامًا لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، فحرف معنى الآية ٦٢ من سورة البقرة والآية المماثلة لها وهي ٦٩ من سورة المائدة، فجعلها تكذب باقي ما ورد في القرآن والسنة النبوية عن اليهود والنصارى.
فهذه الآية تبشر اليهود والنصارى وكل من آمن برسالة سابقة على رسالة محمد - ﷺ - بأن ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢].
والمعنى الذي أجمع عليه المسلمون هو أن من صدق منهم برسالة محمد وآمن بها وعمل صالحًا ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وهذا يؤكده قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧].
ويؤكد ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ
[ ٢٤٧ ]
اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧].
فهذه الفئات هي نفسها التي قال الله عنها ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢].
وهذا يشمل من آمن برسالة نبيه ومات قبل بعثة محمد - ﷺ - ومن آمن منهم بالقرآن الكريم وهذه الفئات يفصل الله بينها يوم القيامة.
عَلاَمَاتُ التَّحْرِيفِ وَالاِفْتِرَاءِ:
إن المستقرئ للقرآن الكريم من غير المسلمين يتضح له أن الذين يقولون بالدين الموحد الذي يضم الإسلام واليهودية والمسيحية ويسوي بينهم في الجنة بدعوى اتفاقهم على الإيمان بالله تعالى، هؤلاء يحرفون الكلم عن مواضعه ويستدركون على الله ورسوله وعلى الناس جميعًا لأسباب لا تحصى، نذكر منها:
١ - أن هذه الآية التي استشهد بها الشيخ محمد عمارة ويستشهد بها كل من يريد مجاملة اليهود والنصارى على حساب الله ورسوله والقرآن المنزل من عند الله تعالى وردت مرة أخرى في سورة المائدة برقم ٦٩ مسبوقة بتحذير من الله لأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى بأن يكفوا عن تحريف التوراة والإنجيل ويكون ذلك بالعمل بهما وبما أنزل إليهم بعدها وهو القرآن. قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٨، ٦٩].
[ ٢٤٨ ]
٢ - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [سورة المائدة، الآيتان: ١٧ و٧٢].
٣ - الآيات التالية تؤكد كفر هؤلاء بسبب هذه العقيدة لأنهم بها يعبدون غير الله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [المائدة: ٧٦، ٧٧].
٤ - كما بين القرآن بعد ذلك أن الله قد سخط عليهم لموالاتهم المشركين ولعدم إيمانهم بالقرآن والنبي فقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ، وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة: ٨٠، ٨١].
ثم أعقب ذلك مباشرة بالتفرقة بين اليهود والنصارى مبينًا أن من النصارى قسيسين ورهبانًا لا يستبكرون عن الحق المنزل على خاتم النبيين ويعلنون إيمانهم بما سمعوه من الرسول الذي أسمعهم القرآن (وليس الإنجيل) لهذا قال الله: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [المائدة: ٨٥، ٨٦].
هذه الآيات ٨٠، ٨١، ٨٢، ٨٣، ٨٤، ٨٥، ٨٦ من سورة المائدة هي التي يستشهد بها الدكتور محمد عمارة على إيمان أهل الكتاب وأنهم من أهل الجنة وهذا خطأ واضح.
[ ٢٤٩ ]
٥ - من هذا يتضح تجاوز الدكتور عمارة حدود الاجتهاد في آيات القرآن الكريم بما زعم من أن النصارى الذين لا يؤمنون بالقرآن قد شهد القرآن لهم بالرضوان والمغفرة وأنهم أهل الجنة استنادًا إلى قول الله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ﴾ [المائدة: ٨٥]، والآية لم تحكم لهم جميعًا بهذا الثواب بل للذين صدقوا النبي.
كما فسر الدكتور عمارة آيات سورة المائدة السابق ذكرها فزعم أن قول الله: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، يراد به ما ورد في الإنجيل الموجود بين أيديهم وقت نزول الآيات وهو الإنجيل الوارد به عقيدة التثليث التي قال الله تعالى عنها: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].
٦ - وهذا يؤدي إلى إغفال ما يبين أن هذا الحق هو القرآن لأنه مسبوق بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]. فالحق الذي عرفوا هو الذي سمعوا وهو ما أنزل الله إلى الرسول وهو القرآن وليس الإنجيل كما زعم الشيخ الوضاع.
وقولهم: ﴿وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٤] مرتبط بما سمعوه من القرآن، فالإيمان هنا هو الإيمان بالقرآن والنبي وليس الإيمان بالإنجيل المحرف وما به من عقيدة التثليث.
٧ - إن الاجتهاد الذي تجاوز الأصول هو الزعم بأن الثواب لجميع النصارى وهو يعلم أن الله أثابهم على هذا الإيمان جنات خالدين فيها، ولو كان هذا الجزاء هو لإيمانهم بما جاء في كتبهم لكان هذا معارضًا صراحة لسياق هذه الآيات لأن ما جاء قبلها وبعدها يؤكد كفر أصحاب عقيدة التثليث وأن مصيرهم النار، وبالتالي فإن الجزاء الجديد وهو الجنة كان لشيء آخر غير الإيمان بهذه الكتب ألا وهو الإيمان بما سمعوه من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
[ ٢٥٠ ]
وَسَلَّمَ - وهو القرآن الكريم والذي فاضت أعينهم دمعًا مما جاء فيه من الحق الذي كانوا يختلفون فيه.
٨ - وأخيرًا وليس آخرًا فإن آيات القرآن الكريم الأخرى تؤكد هذا المعنى ونكتفي منها بقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
والجزية هي ضريبة سنوية تؤخذ من أهل الكتاب الذين يقيمون في الدولة الإسلامية وذلك مقابل عدم تجنيدهم في الجيوش ومقابل الدفاع عنهم.
وهذه ليست ضريبة رأس كتلك التي كانت تفرضها الجيوش على أهل البلاد التي اغتصبت واحتلت لأنها تفرق عنها في السبب سالف الذكر وفي أنها لا تفرض على النساء والشيوخ المسنين والصبيان الصغار كما يعفى منها غير القادرين من الرجال.
تَضْلِيلٌ آخَرَ:
ولكن مع هذا الاجتهاد قد يقدم منه اليهود والنصارى وجهات أخرى، زعم أن الآية التي فرضت الجزية على أهل الكتاب نزلت في طائفة خاصة من اليهود والنصارى ليسوا هم صنف أهل الكتاب أو جنسهم بل خاصة بفئة لا تدين بالتوحيد ولا تؤمن بالله واليوم الآخر، وأهل الكتاب لا تنطبق عليهم هذه الآية، فقد نزلت في أهل الروم في غزوة تبوك والغرض منها حث المسلمين على الرضا بآية منع المشركين من الحج وقد كانوا يجلبون الأموال والمنافع للمسلمين: ص ٨٤.
[ ٢٥١ ]
أمام هذا نود أن يعيد الدكتور عمارة النظر في هذا الاجتهاد حيث أنه لا اجتهاد مع النص.
أ - فالآية التالية قد قطعت بفساد عقيدة أهل الكتاب والتي تجعلهم لا يعدون من المؤمنين بالله واليوم الآخر حيث قال الله تعالى عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠].
ب - فليس صحيحًا أن الآية نزلت في فئة خاصة ليست من صنف أهل الكتاب لأن القرآن صريح في أمره أخذ الجزية من أهل الكتاب بجميع طوائفهم والسبب الذي زعمه الشيخ عمارة لم يرد في أي حديث نبوي بل لم يدعيه أحد من المنافقين والكفار [" تفسير الطبري ": جـ ١٤ ص ١٩٨ و" تفسير البيان " للطوسي: جـ ٥ ص ٢٠٢].
ج - والجزية أخذها المسلمون من أهل الروم ومن غيرهم من أهل الكتاب فليست خاصة بفئة معينة.
٤٩ - بِدْعَةُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الإِسْلاَمِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ:
عندما كانت البلاد الإسلامية تحت الاحتلال الإنجليزي أو الفرنسي كانت تتردد في بعض الفترات بدعة التوفيق بين الإسلام والمسيحية وقد دعا إلى ذلك قديمًا «ويلفرد بلنت» وإسحاق تيلور الذي التقى بالشيخ محمد عبده، في دمشق سَنَةَ ١٨٨٣ م وحاول إقناعه بهذه الفكرة هو وصديق له يدعى محمد
[ ٢٥٢ ]
باقر، وقد روى الشيخ محمد رشيد رضا هذه القصة في كتابه " تاريخ الأستاذ الإمام " حيث أوضح أن محمد باقر كان مذبذبًا وتردد بين الإسلام والمسيحية وتنصر ثم عاد وأعلن توبته وعودته إلى الإسلام وأخذ يدعو للتوفيق بين الإسلام والمسيحية على أساس ما وجد عند الكنيسة الإنجيلية.
وقد ذكر الدكتور محمد حسين في كتابه " الإتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر " تحت عنوان «دعوات هدامة» أن أحد الفرنسيين زار مصر في أوائل هذا القرن وأخذ يفاوض شيوخ الإسلام لتوحيد الأديان فأهمله الشيخ حسن الطويل ولم يرد عليه.
وفي مجلة " الهلال " عدد مارس سَنَةَ ١٩٣٩ م (شهر المحرم سَنَةَ ١٣٥٨ هـ) تحت عنوان «هل يمكن توحيد الإسلام والمسيحية؟» نقل عن القمص سرجيوس أن هذه الدعوة باطلة ولا يمكن تحقيقها. وفي عدد أغسطس من نفس العام كتب الشيخ الفيشاوي من علماء غزة أن التوفيق بين المسيحية والإسلام لا يكون إلا بدخول المسيحيين في الإسلام، فالأناجيل لو فهمت فهمًا صحيحًا لا تعارض الإسلام، وكل مسلم يؤمن بعيسى وسائر الأنبياء وفي الفترة الأخيرة ابتداء من سَنَةِ ١٩٥٢ تولى بعض الأمريكيين المرتبطين بالصهيونية الدعوة إلى مؤتمرات للتوفيق بين الإسلام والنصرانية ولقد اختاروا أشخاصًا بذواتهم لحضور هذه المؤتمرات.
إِلْغَاءُ الشَّرِيعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ:
إن الغرض والهدف من هذا الاجتهاد الذي توصل إليه الدكتور محمد عمارة قد أفصح عنه في قوله: «فإن جمهور المتحدثين باسم الدين وجمهرة الباحثين فيه وعامة المسلمين يدعون إلى تطبيق الشريعة الإسلامية على مجتمعات تضم رعايا غير مسلمين أي أنهم يدعون إلى تطبيق شريعة أمة محمد - عَلَيْهِ الصَلاَةُ
[ ٢٥٣ ]
وَالسَّلاَمُ - على غير أهلها وهذا طلب يمثل خروجًا عن سنة الله في كونه وقانونه في خلقه» [" تعدد الشرائع الدينية لتعدد أمم الرسالات ": ص ٦٤].
ولقد زعم أن هذا منهج الرسول والخلفاء، وقال: «إن المسلمين الأوائل على عهد الخلافة الراشدة عندما كانوا يفتحون البلاد ويضمونه إلى الدولة فإنهم كانوا يميزون بين قطاعين من التشريعات في تعاملهم مع هؤلاء الرعايا الجدد غير المسلمين». «فبعد الفتح تدخل البلاد المفتوحة في إطار الدولة الواحدة التي تخضع جميعها لقوانين متحدة، تنظم أمور الحرب والسلم والأمن والمال الخ. على حين لم يكن الأمر كذلك في مسائل الدين وأيضًا الشريعة، فلقد تركت الحرية للرعايا غير المسلمين في عقائدهم وفي شرائعهم الأمر الذي يشهد أن الشرائع من الدين وأنها متعددة وليست واحدة وأنه لذلك فلا حق لأبناء شريعة في فرض شريعتهم على أبناء الشريعة الأخرى ما داموا جميعًا أصحاب شرائع إلهية أي في إطار الدين الإلهي الواحد، الذين نسميهم أهل الكتاب»: ص ٦٦.
ولقد استشهد الشيخ عمارة ببنود المعاهدات في عهد الخلفاء حيث إن بها (لا يحال بينهم وبين شرائعهم)، (لهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وملتهم وشرائعهم، لا يغير شيء من ذلك هو إليهم): ص ٦٧.
ثم «جعل الشيخ المعاملات من الأمور الدنيوية التي لا يحكمها دين ويوحدها الوطن وهو محور ولاء الجميع»: ص ١٨٩.
ولا توجد في شرائع أهل الكتاب تنظيم للتشريعات المالية والاجتماعية والجنائية بل ولا المواريث، فليس عندهم من الشرائع سوى نظام الزواج والطلاق وقد ضمن لهم المسلمون عدم المساس به لأنه من عقائدهم ولا إكراه في الدين.
[ ٢٥٤ ]
مَوْطِنُ التَّضْلِيلِ:
هو أن الدين الإلهي الواحد قد ابتدعه بعض اليهود والنصارى لتحويل المسلمين عن دينهم ولو كان لدى أصحاب هذه الدعوى أدنى درجة من الصدق لاتبعوا الرسالة الخاتمة وتركوا مزاعمهم أن الله ثالث ثلاثة أو أن عيسى ابن الله أو أن عُزَيْرًا ابن الله أو أن اليهود أبناء الله وشعبه المختار.
كما أن ليس صحيحًا ما زعمه بأن الإنجيل تضمن شريعة في فقه المعاملات وكان يرجع إليها النصارى، فالإنجيل جاء خاليًا من أي تشريع في أمور الدنيا، ولهذا يتبع النصارى في كل دولة تشريع هذه الدولة عن طاعة وقناعة بل ذهب إلى السعودية في العام الماضي وفد من فرنسا على رأسه وزير العدل وصرح بأنهم يرغبون في أخذ نظام المعاملات والمواريث في الشريعة الإسلامية للعمل بها ونصارى مصر يطبقون هذه المواريث حيث لا بديل عنها.
وليس صحيحًا أن المعاملات من الأمور الدنيوية التي يحكمها دين لأنه لا خلاف بين المسلمين وأعدائهم في أن الإسلام تضمن تنظيم الشؤون الدنيوية في مجال المعاملات المالية والتجارية والأمور المدنية.
والثابت في السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ أن النبي - ﷺ - واجه عَدِيَّ بْنِ حَاتِمٍ وكان من علماء النصارى بحقيقة كفرهم في المعاملات المالية والدنيوية إذ روى عن " الترمذي " أنه عندما دخل على النبي ليعلن إسلامه قَرَأَ النَّبِيُّ - ﷺ -: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. قَالَ عَدِّيٌّ: «مَا عَبَدْنَاهُمْ». قَالَ النَّبِيُّ: «أَلَمْ يُحِلُّوا لَكُمْ الحَرامَ وَيَحَرِّمُوا عَلَيْكُمْ الحَلالَ فَتَتَّبِعُونَهُمْ؟»، قَالَ عَدِّيٌّ: «بَلَى»، قَالَ النَّبِيُّ: «فَتِلْكَ عِبَادَتَهُمْ مِنْ دُونَ اللهِ» (*).
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) الحديث كما ورد في " سنن الترمذي " كالآتي: عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ»، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ». الترمذي، " السنن "، تحقيق الشيخ أحمد شاكر وآخرون (الشيخ إبراهيم عطوة عوض): (٤٨) كتاب تفسير القرآن (١٠) باب «ومن سورة التوبة»، حديث رقم ٣٠٩٥، الطبعة الثانية: ١٣٩٥ هـ / ١٩٧٥ م، ٥/ ٢٧٨، نشر دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان
[ ٢٥٥ ]
إن قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]. فقد فهم منه أخ عربي أن اليهود والنصارى في عصرنا ليسوا كفارًا، وأعلن ذلك في ندوة الحوار الإسلامي المسيحي بطرابلس (١)، ثم جاء عالم إسلامي وحاول إضفاء الشرعية على هذه النظرية فقال: «إِنَّ النَّصَارَى الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ قَدْ شَهِدَ لَهُمْ القُرْآنُ بِالرِّضْوَانِ وَالمَغْفِرَةَ» (٢).
واليهود والنصارى أنفسهم لم يفهموا هذا المعنى من هذه الآية أو غيرها من القرآن بل فهموا أنه قد قطع بكفرهم في ختام هذه الآيات كما أنهم يعلمون أن من أنكر رسولًا فقد كفر ولكن المنافقين مازالوا يحرفون معاني الآيات.
وأما معنى الآية السابقة فقد نقل ابن أبي حاتم بسنده عن سلمان الفارسي - ﵁ - قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ عَنْ أَهْلِ دِينٍ كُنْتُ مَعَهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ، قال: «يَا سَلْمَانُ هُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى سَلْمَانَ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةِ (٣).
فكان إيمان اليهود أن من تمسك بالتوراة وسنة موسى حتى جاء عيسى فآمن به كان ناجيًا، ومن تمسك بالإنجيل وسنة عيسى حتى جاء محمد فآمن به كان ناجيًا، ومن لم يتبع عيسى ومحمدًا كان هالكًا لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
إن نصوص القرآن والآية التي يحرف معناها هؤلاء صريحة أن استحقاق الثواب والأمن في الآخرة مرتبط بالإيمان بالله وباليوم الآخر والعمل الصالح وهذا يقتضي عدم الكفر بأي رسول من الرسل، فمن آمن منهم برسالة محمد له الأجر مرتان، ومن كفر بها فهو من أصحاب النار، أما من مات قبل هذه الرسالة فهو من أهل الجنة إن كان عمله صالحًا، وهذا ما تؤكده أسباب النزول.
_________________
(١) من كتاب " خطب وأحاديث القائد الدينية ": ص ١٠٠، ١٠١.
(٢) من مزاعم الشيخ محمد عمارة في كتابه " الإسلام والوحدة الوطنية ": ص ١١٢.
[ ٢٥٦ ]
الحَقِيقَةُ الغَائِبَةُ:
لقد أورد ابن القيم فصلًا في كتابه " هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى "، تضمن من آمنوا بالنبي - ﷺ - من رؤساء اليهود والنصارى فاختاروا الإسلام عن رغبة ولقد كان النجاشي ملك الحبشة أعلم النصارى بدينهم وكان عدي بن حاتم من كبار الرؤساء بل إنه الرئيس المطاع في قومه وكذا كان سلمان الفارسي من أعلم النصارى بدينهم، وقد أسلم هؤلاء كما أسلم غيرهم من اليهود والنصارى ولم يتطرق إلى أحدهم شيئًا مما يقول به بعض أصحاب النظرية الثالثة الذين يعلمون أن رسالة محمد - ﷺ - هي دعوة جميع الرسل قبله، فالمكذب بها مكذب بدعوة الرسل كلهم كما صرح القرآن الكريم بذلك في آخر سورة البقرة، والغريب في أصحاب هذه النظرية أنهم يعلمون أيضًا أن اليهود ينكرون رسالة عيسى أيضًا وينتظرون أصحاب هذه النظرية أنهم يعلمون أيضًا أن اليهود ينكرون رسالة عيسى أيضًا وينتظرون مسيحًا آخر هو المسيح الدجال، والنصارى يؤمنون بمسيح زعموا أنه الله نزل إلى الأرض في صورة ابن وأنه ثالث ثلاثة، وهذا المسيح لا وجود له ولا يقبل به أي عقل سليم.
وأخيرًا فهم لا ينكرون ما رواه مسلم في " صحيحه " أن النبي - ﷺ - قال: «وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».
وهذا كله يؤكد أن أصحاب هذه النظرية قد ردوا صريح السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ زاعمين أن أحاديث الآحاد لا يعمل بها في العقائد وهو ما تم بيان زيفه وبطلانه، بدليل أنهم قد صرفوا حكم القرآن الكريم في اليهود والنصارى على النحو سالف الذكر.
[ ٢٥٧ ]
٥٠ - أَهْلُ الكِتَابِ يُكَذِّبُونَ عُلَمَاءَ السُّلْطَةِ:
بل إن العلماء من أهل الكتاب يصرحون بأن الإسلام دين شامل لأمور الدنيا كلها وأنه أصلح الشرائع والقوانين.
ففي العدد الثاني من مجلة " الدعوة " الصادرة في القاهرة في شعبان ١٣٩٦ هـ (أغسطس ١٩٧٦ م) نقلت ما نشرته صحف القاهرة للكتاب المسيحي الأستاذ سامي داود، فقال رَدًّا على وزير العدل المستشار أحمد سميح طلعت: «إن تصريح وزير العدل بأن إقامة الحدود الشرعية ستكون قاصرة على المسلمين أما المسيحيون فسيطبق عليهم القانون الوضعي، يفصم الوحدة القانونية التي ظلت تحفظ وحدة المسلمين والمسيحيين على مر العصور، وبأي ضمير يحكم على المسيحي إذا سرق بالحبس بضعة أشهر» ثم قال: «إن ما تضمنه القانون المدني من مواد تستند إلى الشريعة الإسلامية ومنها ما يتعلق بالمواريث وهو أهم وأخطر على علاقات الأسر يطبق على الجميع، فهل شكا أحد من ذلك؟».
وفي العدد التاسع من ذات المجلة الصادرة في غرة ربيع الأول سَنَةَ ١٣٩٧ هـ (فبراير ١٩٧٧ م) نشرت تحقيقًا تضمن رأي علماء المسيحيين في مصر عن تطبيق الشريعة الإسلامية فنقلت قول الكاردينال اصطفانوس بطريرك الأقباط الكاثوليك: «إن تطبيق حدود الشريعة الإسلامية ضروري على الشخص وعلى جميع المجتمع حتى تستقيم الأمور وينصلح حال الناس، وليس في تطبيقها أبدًا ما يمس حقوق المسيحيين أو يضايقهم والذي يحترم الشريعة الإسلامية يحترم جميع الأديان». ونقلت المجلة عن الأنبا غريغوريوس ممثل الأقباط الأرثوذكس قوله: «إن تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر أمر لا شك فيه ولا اعتراض عليه». وقال: «على الرغم من أن الديانة المسيحية ليس في نصوصها
[ ٢٥٨ ]
قطع يد السارق أو قتل القاتل إلا أن المسيحيين لا يعارضون تطبيق حدود الشريعة الإسلامية في مصر».
كما نقلت المجلة عن القس برسوم شحاته وكيل الطائفة الإنجيلية في مصر قوله: «لا بد من تطبيق حدود الشريعة الإسلامية لتحقيق العدالة والسلام والحب في المجتمع».
أَهْلُ الذِمَّةِ وَعَهْدُ الأَمَانِ:
لقد استشهد الشيخ عمارة بعبارات وردت في عهود الخلفاء لأهل الذمة الذين ارتضوا حكم الإسلام وزعم أنها تعني أن يطبق هؤلاء شرائعهم في المعاملات الدنيوية.
والشيخ لا يجهل أن شرائعهم ليست فيها نصوص في هذا الشأن ولا يجهل أنه لم يحدث في التاريخ الإسلامي كله إن كانت لليهود والنصارى شرائع خاصة في المعاملات المالية على الرغم من أن الإسلام لا يجبرهم على حكمه في هذه المعاملات ولكن إن التجأوا إلى القاضي المسلم حكم بالإسلام إذ قد ارتضوا حكم الإسلام بهذا التحاكم.
أما الحدود وهي العقوبات فلا توجد دولة في العالم تسمح باستثناء واحد من هذه العقوبات وهذا يسمى في الفقه القانوني المعاصر بمبدأ إقليمية القوانين.
وقد شهد الممثلون للنصارى في مصر بما يخالف الشيخ عمارة ويفسر معنى هذه العهود أو حسبنا قول وكيل الطائفة الإنجيلية فيما نشرته مجلة " الدعوة " بذا العدد سالف الذكر «في كل عهد أو حكم إسلامي التزم المسلمون فيه بمبادئ الدين الإسلامي كانوا يشملون رعاياه من غير المسلمين والمسيحيين على وجه الخصوص بكل أسباب الحرية والأمن».
[ ٢٥٩ ]
أما ممثل الأقباط الأرثوذكس فيقول: «لقد لقيت الأقليات غير المسلمة - المسيحيون بالذات - في ظل الحكم الإسلامي كل حرية وسلام وأمن في دينها ومالها وعرضها حيث كانت تتجلى روح الإسلام السمحة».
أما بطريرك الأقباط الكاثوليك فقد قال: «لقد وجدت الديانات الأخرى والمسيحية بالذات في كل عصر التي كان الحكم الإسلامي فيها قائمًا بصورته الصادقة، ما لم تلقه في ظل أي نظام آخر من حيث الأمان والاطمئنان في دينها ومالها وعرضها وحريتها».
نأمل أن يعيد الدكتور محمد عمارة النظر في ذلك لأن كتابه " الدين والدولة " قد تضمن مقارنة علمية مشرقة للإسلام والحضارة الغربية والفتح الإسلامي والتوحيد وأوضح أنه التوحيد الإسلامي: ص ١٩٩ - ٢٢٨.
كما نأمل أن يدرك ذلك المسلمون المسيحيون واليهود حكامًا وشعوبًا، ونأمل أن يدرك صبيان العلماء وأتباع دعاة الشهرة والزعامة على حساب الدين، إن شبهة التعارض بين النصوص من القرآن والسنة النبوية قد تناولها علماء الحديث حتى أصبح لذلك علم خاص هو (علم اختلاف الحديث ومشكله)، والجدير بالذكر أن أقدم كتاب فيه هو " اختلاف الحديث " للإمام محمد بن إدريس الشافعي المتوفى سَنَةَ ٢٠٤ هـ، ثم كتاب " تأويل مختلف الحديث " للإمام عبد الله بن مسلم بن قتيبة (٢٧٦ هـ) و" مشكل الآثار " للإمام أحمد بن محمد الطحاوي (٣٢١ هـ) وهو في أربع مجلدات، و" مشكل الحديث " للإمام محمد بن الحسن الأنصاري (٤٠٦ هـ)، وقد قال الإمام السخاوي عن هذا العلم: «هو من أهم الأنواع مضطر إليه جميع الطوائف من العلماء وإنما يكمل للقيام به من كان إمامًا جامعًا لصناعتي الحديث والفقه غائصًا على المعاني الدقيقة» [" فتح المغيث " للسخاوي: ص ٣٦٢، و" نشأة علوم الحديث " (*) للدكتور محمد عجاج الخطيب: ص ٣٤٧].
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) ربما يقصد المؤلف كتاب " أصول الحديث، علومه ومصطلحه " للدكتور محمد عجاج الخطيب. وقد نشرته دار الفكر، الطبعة الثانية: ١٣٩١ هـ - ١٩٧١ م.
[ ٢٦٠ ]