- المعجزات بين الدين والعقل.
- الإسراء والمعراج بين المسلمين وأعدائهم.
- المعجزات وأخطاء الإصلاحيين والمستشرقين.
- الغزو الفكري وبدعة الإسراء بالروح.
- العلم والمعجزات النبوية.
[ ١٩٧ ]
٣٨ - المُعْجِزَاتُ بَيْنَ الدِّينِ وَالعَقْلِ:
إن المستقرئ لتاريخ الرسل والرسالات يجد أن هؤلاء الرسل إنما جاءوا بالعدل ومكارم الأخلاق، دون أن يكون لهم نفع مادي أو معنوي، بل كان تعرضهم للأذى وتحملهم المشاق في سبيل إنقاذ الناس وتحقيق الخير لهم ورفع الظلم عنهم.
هذه الدعوات تحمل للناس نفعًا محضًا لا شبهة فيه، ومن ثم فالعقول الصحيحة تسارع إلى تصديقها دون انتظار المعجزات والبراهين الدالة على صدق الرسالة. ولكن لأنها تضمنت الوعد بالجنة والوعيد بالنار في عالم آخر فيه حياة أبدية لا نهاية لها، فإن الله تعالى قد أقام الحجة على الناس، فأرسل رسلًا مبشرين ومنذرين، وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١). كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢).
بهذا أخبرنا القرآن الكريم أن كل رسول كان مؤيدًا من الله بالبينات والبراهين الدالة على صدقه وصحة رسالته، وكان مع كل رسول الكتاب
_________________
(١) [سورة الإسراء، الآية: ١٥].
(٢) [سورة الحديد، الآية: ٢٥].
[ ١٩٩ ]
الذي يضم التشريعات التي تصلح أحوال الناس وتفصل بينهم في منازعاتهم وذلك بهذا العدل الإلهي المرموز إليه بالميزان.
والمعجزة هي أمر خارق للعادة أو لنواميس الكون وقوانين الحياة يظهره الله على يد نبي وذلك على وجه التحدي تصديقًا له.
ولقد كانت معجزة نبي الله عيسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - هي ما أخبر القرآن عنه في وصف هذه الرسالة إذ قال الله عن المسيح ﴿إِذْ قَالَتِ المَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ، قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ، وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ المَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١).
أما معجزة خاتم النبيين التي تحدى بها الإنس والجن فكانت القرآن الكريم وفي هذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣).
_________________
(١) [سورة آل عمران، الآيات: ٤٥ - ٤٩].
(٢) [سورة الإسراء، الآية: ٨٨].
(٣) [سورة البقرة، الآية: ٢٣].
[ ٢٠٠ ]
وبجانب هذا القرآن المعجز في كلماته وآياته ومعانيه، فقد كان للنبي - ﷺ - معجزات أخرى أظهرها الإسراء والمعراج الوارد في القرآن والسنة، كما توجد خوارق للعادات والنواميس منها ما أخرجه " البخاري " و" مسلم " عن أنس بن مالك قال: حديث أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَحَانَتْ صَلاَة العَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ (أي الماء الذي يتوضأون به)، فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَضُوءٍ (أي إناء للوضوء)، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فِي ذلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّؤُوا مِنْهُ قَالَ: فَرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبَعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدَ آخِرِهِمْ» (١). ومن هذه الخوارق ما أخرجه " البخاري " و" مسلم " عن ابن عباس وابن مسعود وأنس بن مالك «أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ القَمَرِ»، وفي رواية أخرى: [انْشَقَّ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِشِقَّتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اشْهَدُوا»] (٢).
إن المعجزات النبوية ترتبط بالإيمان فمن آمن برسالة خاتم النبيين يصدق ما أخبر به من أمور خارقة للعادة، ومنها الإسراء والمعراج، ومن كفر بهذه الرسالة رد هذه المعجزات، ولهذا كان حكم الله في المنافقين هو قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (٣).
ولكن هذا المنطق القرآني غفل عنه بعض المسلمين فاتبع أوهام بعض المبشرين والمستشرقين الذين زعموا أن رحلة الإسراء والمعراج لا يصدقها العقل البشري إلا إذا كان الإسراء بالروح.
_________________
(١) كتاب " اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ": كتاب الفضائل - باب معجزات النبي: ص ٥٩٨، طبعة وزارة الأوقاف بالكويت.
(٢) المرجع السابق: باب انشقاق القمر: ص ٧٨٨.
(٣) [سورة المنافقون، الآية: ١].
[ ٢٠١ ]
ولقد تجاهل هؤلاء أن عقلهم هذا قد صدق معجزات رسول الله عيسى ومنها إحياء الميت ورد البصر للأعمى، كما صدق هذا العقل أن الله - ﷾ - يتكون من ثلاثة أشخاص: هي الأب وهو ذات الله والابن وهو السيد المسيح بوصفه ابنًا لله في اعتقادهم الخاطئ، والروح القدس وهو الله الحي إذا ظهر كحياة (١).
إن منطق العقول السليمة يقضي بأن يكون الحوار مع هؤلاء المستشرقين والمبشرين في مسألة الإيمان بالرسالة والرسول وليس في الإسراء والمعراج، لأن الذي لا يؤمن بالإسلام لا مجال لإقناعه بما جاء في القرآن والسنة، وهذا هو الخطأ الشائع لدى من ناقش المستشرقين من المسلمين عندما [حَاوَرَهُمْ] في زعمهم أن الإسراء بالروح دون الجسد، وهم ما أشاعوا ذلك إلا للتوصل إلى تكذيب الرسالة والرسول وصرف الناس عنها ولهذا تعمد كبراؤهم الكذب، فادعى مارجليوث أن النبي محمدًا كان يمارس الشعوذة، وزعم القس لامانس أنه كان يسترسل في الشهوات والملذات، وفي ثنايا كتاباته تتضح خلفية هذه الأكاذيب حيث يقول رينيه: «إن لامنس في كتابه عن محمد صاح متأوهًا من أن القرآن عندما جاء صرف العرب عن الإنجيل بعد أن شرعوا في تذوق حلاوته».
انظر " المقدمة " وكتاب " معالم تاريخ الإنسانية ": جـ ١ ص ٣٦ تأليف هـ - ج ويلز.
_________________
(١) كتاب " الله واحد أم ثالوث " للأستاذ محمد مجدي مرجان (*): ص ٩، ٩٥. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) هو المستشار الدكتور المصري: محمد مجدي مرجان رئيس محكمة الاستئناف العلياولد فى أسرة متدينة مسيحية، وكان شماسًا في الكنيسة، ثم اعتنق الإسلام، وكتب أربعة كتب فى إظهار الحق: " الله واحد أم ثالوث "، " المسيح إنسان أم إله "، " محمد ﷺ نبى الحب "، " لماذا أسلمت؟ ". يشغل الآن منصب رئيس محكمة الجنايات والاستئناف العليا، ورئيس منظمة الكتاب الأفريقيين والآسيويين؛ وتنشر جريدة " الأهرام " المصرية مقالاته.
[ ٢٠٢ ]
٣٩ - الإِسْرَاءُ وَالمِعْرَاجُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَأَعْدَائِهِمْ:
الإسراء هو انتقال النبي - ﷺ - من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس، وهذا ما ورد في أول سورة الإسراء في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١].
والمعراج هو صعود النبي من بيت المقدس إلى السماوات السبع حيث فرض الله عليه وعلى أمته الصلوات الخمس، أشار الله إليه في سورة النجم [الآيات ١٠ - ١٥]: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾.
هذه الرحلة وردت بشأنها روايات في السنة النبوية عن مشاهد النبي - ﷺ -. وقد وردت أحاديث أخرى عن رؤيا منامية للنبي فيها مشاهد لأحوال بعض الناس مما جعل الشيخ محمد الغزالي يجزم بأن المشاهد المنسوبة إلى ليلة الإسراء والمعراج هي رؤيا منام في ليلة أخرى من الليالي المعتادة.
وصحيح أنه ورد في " صحيح البخاري " في آخر [كتاب] الجنائز عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى [صَلاَةً] أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟» [قَالَ]: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ: «مَا شَاءَ اللَّهُ» فَسَأَلَنَا يَوْمًا [فَقَالَ]: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟» قُلْنَا: لاَ، قَالَ: «لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي
[ ٢٠٣ ]
فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ، بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ» [قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى]: " إِنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ الكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ [فَيَصْنَعُ] مِثْلَهُ » وذكر مشاهد أخرى ثم أخبراه عنها، «قَالاَ: نَعَمْ، أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ، فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، [فَيُصْنَعُ] بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ، فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ القُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُو الرِّبَا الخ» (*).
ولكن بجانب هذه الرؤيا المنامية توجد مشاهد رآها النبي في اليقظة في رحلة الإسراء والمعراج فقد أخرج أحمد وأبو داود عن النبي - ﷺ - قال: «لَمَّا عَرَجَ بِي رَبِّي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ. فَقُلْتُ: " مَنْ هَؤُلاَءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ "». كما أخرج ابن حبان حديثًا آخر «عن [أُمَرَاءَ - أَقْوَامٌ] يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ». وروى [ابن إسحاق] عن النبي - ﷺ - قال: «لَمَّا دَخَلْتُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا رَأَيْتُ رِجَالًا فِي أَيْدِيهِمْ [قِطَعًا] مِنَ النَّارِ كَالأَحْجَارِ يَقْذِفُونَهَا فِي أَفْوَاهِهِمْ فَتَخْرُجَ مِنْ أَدْبَارِهِمْ، فَقَلَتُ: مَنْ هَؤُلاَءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاَءِ الذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا». والجدير بالذكر أن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (١).
قَالَ: «ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالًا لَهُمْ بُطُونٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا قَطُّ بِسَبِيلِ آلِ فِرْعَوْنَ، يَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ كَالإِبِلِ المَهْيُومَةِ حِينَ يُعْرَضُونَ [عَلَى النَّارِ]، يَطَئُونَهُمْ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ ذَلِكَ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاَءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاَءِ أَكَلَةُ الرِّبَا» (**).
والجدير بالذكر أن الله تعالى قال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٢). كما يقول - ﷿ - عن
_________________
(١) [سورة النساء، الآية: ١٠].
(٢) [سورة البقرة، الآية: ٢٧٥]. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) انظر " فتح الباري بشرح صحيح البخاري "، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، (٢٣) كتاب الجنائز (٩٣) باب، حديث رقم ١٣٨٦، ٣/ ٢٥١، طبعة سَنَةَ ١٣٧٩ هـ، نشر دار المعرفة - بيروت. (**) " السيرة النبوية " لابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي: ١/ ٤٠٥، الطبعة الثانية: ١٣٧٥ هـ - ١٩٥٥ م، نشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
[ ٢٠٤ ]
مؤمن آل فرعون: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ، النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (١).
ويكمل النبي - ﷺ - فَيَقُولُ: «ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالًا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لَحْمٌ [ثَمِينٌ] طَيِّبٌ، إلَى [جَنْبِهِ] لَحْمٌ غَثٌّ [مُنْتِنٌ]، يَأْكُلُونَ مِنْ [الغَثِّ المُنْتِنِ]، وَيَتْرُكُونَ السَّمِينَ الطَّيِّبَ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاَءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ، وَيَذْهَبُونَ إلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْهُنَّ» (*).
كما قال: «ثُمَّ رَأَيْتُ نِسَاءً مُعَلَّقَاتٍ بِثُدِيِّهِنَّ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاَءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاَءِ اللاَّتِي أَدْخَلْنَ عَلَى الرِّجَالِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَوْلاَدِهِمْ» (**).
كما شاهد النبي - ﷺ - نبي الله آدم في السماء الأولى، وشاهد في السماء الثانية عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا، وفي السماء الثالثة شاهد نبي الله يوسف وفي الرابعة إدريس وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى وفي السابعة شاهد أبا الأنبياء إبراهيم وسلم عليهم نَبِيًّا نَبِيًّا.
ثم وصل إلى النبي - ﷺ - إلى سدرة المنتهى حيث فرض الله الصلوات الخمس، وفي هذا قال الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٢).
_________________
(١) [سورة غافر، الآيتان: ٤٥، ٤٦].
(٢) [سورة النجم، الآيات: ١ - ١٨]. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) " السيرة النبوية " لابن هشام: ١/ ٤٠٦. (**) المصدر السابق: ١/ ٤٠٦.
[ ٢٠٥ ]
فَرْضُ الصَّلاَةِ فِي السَّمَاءِ:
وعن فرض الصلاة يقول النبي - ﷺ -: «فَأَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ، فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلاَةً، قَالَ: " ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ "، [قَالَ]: " فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا، قَالَ: " إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ "، قَالَ: " فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎، وَبَيْنَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ حَتَّى قَالَ: " يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلاَةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلاَةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً "، قَالَ: " فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ "، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ» (١).
فهل ترد هذه الوقائع لأنها وردت في أحاديث آحاد؟ أو لأن عصرًا ما لم يتصور أهله المصاعد الربانية التي وردت في قول الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ، لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ، مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ، تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ١ - ٤]. فالسماء بها معارج أي مصاعد خاصة بالملائكة والروح يستخدمونها صعودًا وهبوطًا بين السماء والأرض.
_________________
(١) الحديث رواه مسلم في كتاب الإيمان - باب الإسراء، كما رواه البخاري في كتاب الصلاة بألفاظ أخرى
[ ٢٠٦ ]
وإذا احتسبنا سرعة المعراج الرباني بالزمن البشري لكان ما يقطعه هذا المصعد في يوم من أيامنا نقطعه نحن في خمسين ألف سنة.
فكيف لا نفهم كيف صعد النبي - ﷺ - إلى السماوات السبع ثم عاد إلى مكة في نفس الليلة، والقرآن بين أيدينا يبين لنا هذه الحقائق ويكشف بوضوح عن هذه الوسائل التي خلقها الله تعالى؟.
إن المسلم يصدق هذه الوقائع والحقائق التي جاء بها القرآن الكريم وفصلتها السنة النبوية، سواء اكتشفها العلم وحاول اتخاذ الأقمار الصناعية سبيلًا للصعود إلى الكواكب أو جهل العلم ذلك أو عجز في التماس هذه الوسائل والأسباب، لأن الله تعالى يقول عن المنافقين: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١).
ثم هل يدرك الإصلاحيون والمجددون أن رد هذه الوقائع يتضمن رد موضوع فرض الصلاة؟ وهذا ما يصبو إليه الكفر ويتمناه.
_________________
(١) [سورة النور، الآيات: ٤٧ - ٥٠].
[ ٢٠٧ ]
٤٠ - المُعْجِزَاتُ وَأَخْطَاءُ الإِصْلاَحِيِّينَ وَالمُسْتَشْرِقِينَ:
لقد رد بعض المسلمين المعجزات النبوية تأثرًا ببعض الإسرائيليات وأقوال بعض المستشرقين، وحجة هؤلاء جميعًا أن المعجزات لم تثبت بطريق التواتر بل بروايات آحاد، بل زعم درمنجم (*) أنها أساطير (١).
ولقد تجاهل هؤلاء المستشرقون أنهم يؤمنون بمعجزات نبي الله عيسى وهي ثابتة عندهم بطريق روايات الآحاد، والتي كتبت بعد عصر السيد المسيح بعدة قرون، كما أنهم يؤمنون بعقائد لا يفهمها العقل البشري وأهمها الأقانيم الثلاثة وهي أن الله هو الأب وهو الابن نزل في شكل بشر هو السيد المسيح وهو روح القدس.
إنه من الأمور الطبيعية أن يلجأ المستشرقون والمبشرون إلى هذه الوسائل في صراعهم مع الإسلام، ولكن ليس طبيعيًا أبدًا أن يكون دفاع بعض المسلمين عن الإسلام أمام هذا الهجوم هو التسليم بهذه البدعة ومؤداها أن الإسراء والمعراج ورد بروايات غير متواترة أو أن أحاديث الآحاد لا تصلح لإثبات هذه العقائد لأنه بهذا المنطق يستطيع غيرهم أن يرد الحدود الشرعية والعبادات لأنها وردت بطريق أحاديث الآحاد.
_________________
(١) " حياة محمد " للدكتور محمد حسين هيكل، و" الأعمال الكاملة " للشيخ محمد عبده: جـ ٥ ص ٣٧. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) درمنجم (درمنغهام) Dermenghem، E. مدير مكتبة الجزائر. آثاره: بمعاونة محمد الفاسي: قصص من فاس، وقصص جديدة من فاس (باريس ٢٨)، وله: " حياة محمد "، وهو خير ما صنفه مستشرق عن النبي، ويرجع إليه -١٩٢٦ علماء المسلمين (باريس ١٩٢٩، والطبعة الثانية ١٩٥٠ وقد نقله إلى العربية الأستاذ عادل زعيتر و" قصص القبيلة " (١٩٤٥)، و" أروع النصوص العربية " (باريس ١٩٥١)، و" تكريم أولياء الإسلام في المغرب " (باريس ١٩٥٤)، و" محمد والسنة الإسلامية " (باريس ١٩٥٥)، و" سيرة الأولياء المسلمين " (الجزائر ١٩٥٦) وغيرها. [انظر " معجم أسماء المستشرقين "، يحيى مراد، ص ٥٠٨، الطبعة بدون تاريخ، كتب عربية].
[ ٢٠٨ ]
لا مجال أنه قد واجه النبي - ﷺ - مشركي مكة وما حولها من القرى بحادث الإسراء والمعراج كما وردت في ذلك الأحاديث التي لا خلاف على صحتها ولكنهم قالوا: إنها ليست متواترة على الرغم من أنه قد نزل القرآن بذلك فقال - ﷿ -: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
إن بدعة أعداء الإسلام في العصر الحديث ليست رد هذه المعجزة على الرغم من أنهم ينكرون الإسلام نفسه ويكفرون برسالته.
إنما زعموا أن الإسراء بالروح فقط، وذلك ليستطيعوا التأثير على المسلمين وليتمكنوا من تأويل الدين وتحريفه من واقع التسليم بالقرآن والسنة.
وفي سبيل هذا الهدف المسموم ظاهرًا يزعمون أن الإسراء كان بالروح لأن هذه الرحلة رويت بأحاديث ليست متواترة، ولا غرابة أن يقولوا ذلك فليس بعد الكفر ذنب، إنما الغريب أن يتأثر بعض المفكرين الإسلاميين بهذا حيث ردوا المعجزات النبوية التي لم ترد في القرآن أو السنة المتواترة وهؤلاء وقعوا في أخطاء فادحة أهمها:
١ - أن جواب الله على المنافقين كان وما زال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. فالأصل أن يؤمنوا بالإسلام أولًا، فإن فعلوا فعليهم التسليم بما جاء به، ومنه صريح القرآن والسنة في أمر الإسراء والمعراج.
٢ - إن الذين يردون الإسراء والمعراج وسائر المعجزات النبوية يؤمنون بتحضير الأرواح وهذه تصدر عن أشخاص ليسوا رسلًا ولا أنبياء، بل ومنهم
_________________
(١) [سورة الإسراء، الآية: ١].
[ ٢٠٩ ]
الكفار والملحدون أي أن هؤلاء العلماء يؤمنون بالأمور الغيبية التي يدعي بها غير الأنبياء بينما يردون المعجزات النبوية، وهذا موقف غريب وشاذ إن صدر من المسلم، لأنه بنص القرآن الكريم ملزم بالأخذ عن الرسول - ﷺ - في كل ما يبلغنا به سواء كان هذا التبليغ قرآنًا أم سنة قولية أو عملية، فالله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وعليه فإذا ما أخبر النبي أن الله قد أرسل له جبريل فأخذه على البراق حتى وصل إلى بيت المقدس ثم صعد به إلى السماوات العُلَى حيث فرض الله عليه الصلوات الخمس، ثم عاد من حيث أتى، لا يقبل مسلم أن يزعم أن هذا كان بالروح فقط.
٣ - إن قول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، إنما تفسره قواعد اللغة العربية والمصطلحات القرآنية، فالأصل أن اللفظ العام يظل على عمومه ولا يخصص إلا بمخصص وعبارة «أَسْرَى بِعَبْدِهِ» تطلق على انتقال الإنسان وحركته ولا يمكن أن يراد بها انتقال روح الإنسان وحدها.
والقرآن الكريم عندما يعبر عما تشاهده الروح أثناء النوم لا يعبر إلا بلفظ الرؤية، ومن هذا قول الله تعالى عن رؤيا نبي الله يوسف ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، وعند ذكر الله تعالى جواب يعقوب عن هذه الرؤيا كان اللفظ وهو: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥]. بينما التعبير في الإسراء لم يكن بألفاظ الرؤيا، بل كان بأسلوب التحديث والإعجاز ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١].
٤ - أيضًا لو جاز رد هذه الألفاظ الصريحة وادعاء أن قول الله سبحانه الذي أسرى بعبده وقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١]، لا يراد منه إلا الإسراء بالروح فقط. إنه كان كذلك، لأصبح القرآن الكريم لعبة في أيدي العابثين
[ ٢١٠ ]
والمنحرفين، فيردون أحكامه بهذه التأويلات الفاسدة، وهذا هو ما وقع فيه - من غير قصد - بعض أصحاب هذا الاتجاه، فردوا معجزة انشقاق القمر الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة وزعموا أن قول الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] معناه اقتربت الساعة وظهر الحق مع أن هذه المعجزة رآها أهل مكة ورواها عدة رجال من الصحابة كما هو ثابت في " البخاري " و" مسلم " وسائر كتب السنة.
٥ - أن أعداء الإسلام الذين تحداهم النبي - ﷺ - كان اعترافهم على هذا الحادث المعجز منصبًا حول سفر النبي من مكة إلى بيت المقدس، ثم الصعود إلى السماوات العلى والعدودة إلى مكة في ليلة واحدة، ولو كان الإسراء بالروح فقط لما استنكر العرب هذا، وأيضًا ما كان هناك سب لأن يرتد بعض المسلمين حتى يسارع أبو بكر بالتصديق معللًا أنه يأتمن النبي - ﷺ - على ما هو أبعد من ذلك وهو الوحي الذي ينزل بالقرآن الكريم. وأخيرًا ما كان هنالك معنى ولا سبب ليرد الله على المنكرين بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١].
٦ - إن الذين ظنوا أنهم يدافعون عن الإسلام برد المعجزات الواردة عن طريق أحاديث الآحاد قد وقعوا في المصيدة وأولوا ما ورد بالقرآن الكريم خاصًا بأمور خارقة للعادات كالإسراء الوارد في سورة تحمل هذا الاسم. ثم تجاوزوا هذا إلى غيره، فمنهم من أنكر الملائكة والجن والشياطين، فقال عن الملائكة هي نوازع الخير في أنفسنا وعن الشياطين هي نوازع الشر - وهذا لا يجهل ما رواه الإمام مسلم عن ابن عباس - ﵄ - في تفسير سورة الجن - ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١].
فقد جاء في هذا الحديث النبوي: «وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ
[ ٢١١ ]
وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ. فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: مَا لَكُمْ. قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ. قَالُوا: مَا ذَاكَ إِلاَّ مِنْ شَيْءٍ حَدَثَ. فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا» (١). فالحديث صريح في أن الشياطين مخلوقات تتحرك وليست نوازع في النفس الإنسانية.
والقرآن الكريم فيه آيات كثيرة تدل على أن الملائكة مخلوقات وكذا الشياطين، وأن لها حياة ومملكة ووظائف نكتفي هنا بقول الله تعالى في وصف إبليس: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]، وقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى﴾ [البقرة: ٣٤] و[طه: ١١٦]، وقال تعالى عن وظائف الملائكة: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، كما يقول: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٩٣]، كما يقول: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]. فهل هذه نوازع في النفس أم مخلوقات لها رسالة تتحرك لتحقيقها؟.
٧ - إن الذين يؤولون نصوص القرآن والسنة يخدمون أهداف المستشرقين مع أنهم ما فعلوا ذلك إلا رَدًّا على هؤلاء الأعداء ودفاعًا عن الدين فيما يفهمون، فالمستشرقون تواتروا على ذلك وحسبنا هنا ما كتبه المستشرق - درمنجم - الذي نقل عنه الدكتور هيكل في كتابه " حياة محمد "، فقد زعم هذا المستشرق «أن أحاديث الإسراء والمعراج أساطير لم يرجح منها علماء الأحاديث رواية واحدة يعتمد عليها». ثم يقول الدكتور هيكل: «وأحسبك لو سألت الذين يقولون الإسراء والمعراج بالروح في هذا لما رأوا فيه عجبًا بعد الذي عرف العلم في وقتنا الحاضر من إمكان التنويم المغناطيسي للتحدث عن أشياء واقعة في الجهات النائية». ثم يأتي الشيخ محمد مصطفى المراغي وهو من المدرسة الإصلاحية ويكتب مقدمة كتاب " حياة محمد " فيقول: «وعلم استحضار
_________________
(١) من حديث طويل في " صحيح مسلم " في تفسير سورة الجن (" مختصر صحيح مسلم " للمنذري: جـ ٢ ص ٣٣٩).
[ ٢١٢ ]
الأرواح فسر للناس شيئا كثيرا مما كانوا فيه يختلفون، وأعان على فهم تجرد الروح وإمكان انفصالها وفهم ما تستطيعه من السرعة في طيّ الأبعاد، وقد انتفع الدكتور هيكل بشيء من هذا في تقريب قصة الإسراء فأتى بشيء طريف».
وإذا كان هذا اتجاه المستشرقين وهؤلاء ظهروا حديثًا فإن التبشير والمبشرين لم يكن معاصرًا لحركة المستشرقين، بل يمتد إلى عصور الإسلام الأولى حيث جند علماء أهل الكتاب أنفسهم للتبشير بدينهم والطعن على الإسلام بطرق مختلفة، ومنها اختلاق أحاديث وروايات ونسبتها إلى بعض الصحابة والتابعين، ولذا لا يجب الاعتماد على كتب السيرة والتاريخ إلا إذا تم تحقيق رواياتها كما حدث في كتب السنة النبوية، فقد ورد في كتاب أحد الإصلاحيين قال: «ضعوا من المواد القانونية ما يبدو أنه يوافق الزمان والمكان وأنا لا يعوزني أن آتيكم بنص من المذاهب الإسلامية يطابق ما وضعتهم» (١).
لهذا أظهر المخطط الصليبي ومفكروه وفلاسفته رضاهم عن اتجاه المدرسة الإصلاحية وتشجيعهم لها، من ذلك قول - جب - في كتابه " إلى أين يتجه الإسلام؟ ": «لسوء الحظ ظل قسم كبير من المسلمين المحافظين ولا سيما في الهند لا يخضعون لهذه الحركات الإصلاحية المهدئة وينظرون إلى الحركة التي تزعمها مدرسة عليكرة بالهند، ومدرسة محمد عبده بمصر نظرة كلها ريبة وسوء ظن لا تقل عن ريبتهم في الثقافة الأوروبية نفسها» ولكن الإصلاح الذي ينشده المستشرق جب أوضحه في نفس الكتاب: «إن مشكلة الإسلام بالقياس إلى الأوروبيين، ليست مشكلة أكاديمية خالصة فحسب فإن لتعاليم الدين الإسلامي من السيطرة على المسلمين في كل تصرفاتهم ما يجعل لها مكانًا بارزًا في أي تخطيط لاتجاهات العالم الإسلامي». والتخطيط الذي يريده سجله في
_________________
(١) القول المنسوب للشيخ المراغي في كتاب لأنور الجندي باسم " الإمام المراغي "، العدد ١١٥ من سلسلة كتب (إقرأ)
[ ٢١٣ ]
هذا الكتاب بقوله: «والسبيل الحقيقي للحكم على مدى التغريب (أي أن يصبح الإسلام غريبًا) هو أن نتبين إلى أي حد يجري التعليم على الأسلوب الغربي وعلى المبادئ الغربية وعلى التفكير الغربي، وهذا هو السبيل الوحيد ولا سبيل غيره». ثم يقول: «إن التعاليم الدينية ومظاهرها عند أشد المسلمين محافظة على الدين وتمسكًا به قد أخذت في التحول ببطء خلال القرن الماضي، وإذا حدث هذا فمعناه أن الموازين الدينية والتعاليم الأخلاقية في الإسلام آخذة في التحول وتتجه نحو تقريبه من الموازين الغربية في الأخلاق، التي هي في الوقت نفسه متمثلة في التعاليم الأخلاقية للكنيسة المسيحية».
غير أن الإصلاحيين اجتهدوا في خدمة الإسلام بهذه الوسائل وليسوا مهتمين بالعمل ضده كما يريد المستشرقون.
٨ - من تجاوزهم الحد أن قال شيخهم: إن هزيمة أصحب الفيل كانت بالرعب مع أن الله يقول: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٣ - ٥]. ولكن الإصلاح الديني الذي أرادوه تضمن أن هذه الطير هي مرض الجدري والحصبة الذي جعل الجيش يولي هاربًا، هذا هو قول محمد بن بحر الأصفهاني وهو من المعتزلة، ومع أنه يخالف جميع المفسرين ويخالف صريح القرآن إلا أن الشيخ محمد عبده قال: «إن هذا الفهم هو المتبادر من الآية والواجب الأخذ به» (١).
ويمثل هذا الفهم الخاطئ، زعم هؤلاء أن قول اله تعالى لنبيه إبراهيم: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ
_________________
(١) " الأعمال الكاملة " للإمام محمد عبده: ج ٤ ص ٧٣٨ جمع الشيخ محمد عمارة.
[ ٢١٤ ]
ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيً﴾ [البقرة: ٢٦٠]. لا يفيد أبدًا أن هذه الطيور مزقت ووزعت على الجبال ثم أعاد الله الروح وبعثها بعد نداء الله لها. إذ يقول هؤلاء أن المعنى لما ورد في القرآن هو أن يضم نبي الله إبراهيم إليه بعض الطيور حتى تستأنس بحيث يستجيب له كلما ناداها، ثم بعد ذلك يوزعها على الجبال أي دون أن يمزقها وينادي عليها حسبما دربها لأن الطيور من أشد الحيوانات استعدادًا لذلك، وهنا ستأتيه سعيًا، والغريب أن هؤلاء الإصلاحيون قد كذبوا صريح القرآن دون أن يدركوا ذلك، فالقرآن الكريم قدم لهذا العمل بقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ومن ثم لا تفسير لعبارة ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: ٢٦٠] إلا تفسيرٌ واحدٌ وهو أن الطيور مزقها إبراهيم وفرق أجزاءها على الجبال، ليثق كيف يحيي الله الموتى، ولكن القوم يزعمون غير ذلك. وأيضًا: قول الله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: ٣، ٤] لا تفسير له إلا أن هذه الطيور ألقت بالحجارة على جيش أبرهة الذي جاء لهدم الكعبة ولكن دعاة الإصلاح يكذبون ذلك وهم يزعمون أنهم يدافعون عن الإسلام.
٩ - إن الذين يردون المعجزات التي رويت بغير طريق التواتر، ويقولون: إن الأحاديث النبوية غير المتواترة ليست قطعية الثبوت. لقد غابت عنهم أمور كثيرة أهمها أن المعجزات النبوية هي أحداث تاريخية خارقة للعادات يتناقلها الناس كافة قرنًا عن قرن، وهذا النقل الجماعي يتحقق فيه التواتر وزيادة، ومن ثم لم يستطع أعداء الإسلام أن يردوا أخبار الغزوات التاريخية ونتائجها التي ليست في صالحهم. وعليه فالأمور الكونية مثل خسوف القمر وانشقاقه إنما تنقل قرنًا عن قرن بحيث تصبح متواترة في ذاتها، أما ما يجيب به النبي من قول عن هذه المعجزات فقد يروى بطريق الآحاد كما لو كان جوابًا لسائل، وهذا لا يطعن في تواتر الوقائع والمعجزات ذاتها.
١٠ - إن أحاديث الإسراء والمعراج وأحاديث انشقاق القمر قد رويت
[ ٢١٥ ]
عن جماعة من الصحابة ثم عن أضعافهم من التابعين ثم عن الجم الغفير (١) ومثل هذا يكفي لإثبات هذه الأحاديث بيقين، ولكن الذين ضعفوا أمام مفتريات المستشرقين أرادوا الدفاع فأخطأوا السبيل، إذا أولوا صريح القرآن ليخدم مذهبهم، فما ورد عن الإسراء والمعراج في القرآن زعموا أن المراد به الروح وأن أحاديث الآحاد لا تصلح لإثبات العقائد والغيب (٢).
وآية انشقاق القمر، قالوا: المراد يوم القيامة مع أن هذه الآية مقترنة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٢، ٣]، ولا يعقل أن يكون هذا التكذيب وهذا الأمر عن يوم القيامة وخصوصًا أن الآية التي بعدها هي: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ، خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٦، ٧]. وذلك فضلًا عن الأحاديث الصحيحة في " البخاري " و" مسلم " وسائر كتب الحديث عن انشقاق القمر في عهد النبي - ﷺ - الأمر الذي يقطع أن هذا كان معجزة للنبي وليس المراد انشقاق القمر يوم القيامة. فقد روى الترمذي والشيخان عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً، فَانْشَقَّ القَمَرُ بِمَكَّةَ [مَرَّتَيْنِ]، فَنَزَلَتْ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١، ٢]».
وفي رواية الترمذي: «انْشَقَّ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى صَارَ فِرْقَتَيْنِ: عَلَى هَذَا الجَبَلِ، وَعَلَى هَذَا الجَبَلِ (٢)، فَقَالُوا: سَحَرَنَا مُحَمَّدٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ كَانَ سَحَرَنَا فَمَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ» (٣).
_________________
(١) قال ذلك ابن عبد البر وغيره - وقاله الحافظ في " الفتح " - كما ورد في تعليق " اللؤلؤ والمرجان ": ص ٧٨٨، ٧٨٩.
(٢) " الأعمال الكاملة ": ٥/ ٣٧.
(٣) " التاج الجامع للأصول ": جـ ٤ ص ٢٤٨، تفسير سورة القمر.
[ ٢١٦ ]
٤١ - الغَزْوُ الفِكْرِيُّ وَبِدْعَةُ الإِسْرَاءِ بِالرُّوحِ:
لقد اقترن ضعف المسلمين واحتلالهم بلادهم بحملة واسعة من الغزو الفكري استهدفت الطعن على الإسلام بإضعاف السنة النبوية في مجال المعجزات ثم العقائد والحدود بدعوى عدم تواتر الروايات الواردة بها. ولقد كان ردود الفعل لدى بعض علماء المسلمين، البحث عن جواب يوفق بين هجوم المستشرقين وضعف المسلمين، فمنهم من آثر ألا يفصل موضوع الإسراء والمعراج ليتجاوزه إلى ما هو أيسر وأجدى في نظره (١).
ومنهم من استشهد بأقوال نسبت إلى السيدة عائشة وغيرها (٢) فقد نسب آخرون إلى أم المؤمنين أنها قالت: «مَا فَارَقَ جَسَدَهُ جَسَدِي» ليثبتوا أن الإسراء بالروح، ولا يجهل أحد أن الإسراء كان بمكة ودخول النبي بها كان في شوال من السَنَةِ الأُولَى للهجرة وهي بنت تسع سنين أي كانت بالمدينة.
وأما ما نقله الفخر الرازي من روايات عن حذيفة - ﵁ - من أن الإسراء والمعراج كان رؤيا فقط، وما نقله عن عائشة ومعاوية والحسن - ﵃ -، ليس إلا روايات لابن إسحاق في " السيرة "، وبتمحيصها
_________________
(١) كتاب " فقه السيرة " للشيخ محمد الغزالي: ص ١٣٦، ولقد نقده الشيخ ناصر الألباني (هامش الصفحة).
(٢) مقال للشيخ أحمد حماني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر في مجلة " المجتمع الكويتية " في ٢٣ رمضان ١٣٩٧ هـ.
[ ٢١٧ ]
طبقًا لقواعد علم مصطلح الحديث تبين أن ابن إسحاق قال: «حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ أَبِي بَكْرٍ» ولا توجد معاصرة بينه وبين من روى عنهم لأنه قد مات في منتصف القرن الثاني الهجري كما أنه لم يذكر اسم من روى عنهم، فتكون الرواية منقطعة وليست حجة في أي استدلال علمي.
والرواية المنقولة عن معاوية أيضًا منقطعة إذ يوجد فارق زمني كبير بين يعقوب بن عقبة شيخ ابن إسحاق الذي روى عنه وبين معاوية المنسوب إليه هذا القول، وهذا الانقطاع يجعل الرواية ساقطة ولا يحتج بها عِلْمِيًّا فضلًا عن أنه روى غير ذلك عن حذيفة - ﵁ - فقد نقل ابن كثير في " السيرة ": ص ٦٠ عن عمر وبعض الصحابة - ﵃ - أن الإسراء والمعراج كانا أولًا رؤيا منامية تدريبًا وتيسيرًا على النبي - ﷺ - وتمهيدًا للرحلة الواقعية في اليقظة وهي رحلة الإسراء والمعراج الواردة في الكتاب والسنة. كما نقل ذلك عن " شرح الشفاء " للعلامة علي القاري: ج ١ ص ٤٠٥، ٤٠٣.
فضلًا عن ذلك كله فإن الثابت في " الصحيحين البخاري ومسلم " أن أم المؤمنين عائشة - ﵂ - قالت: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللهِ الْفِرْيَةَ»، وفي الحديث الشريف أنه - ﷺ -: «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ، لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ التِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ المَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ » وهكذا يؤكد أن النبي - ﷺ - أسري به بالجسد والروح ولو حدث هذا فالرواية الأخيرة الأصح هي التي تقبل.
ومع ضعف سند هذه الرواية فإن الشبهة التي يرون أنها دليل له هي قول الله ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا التِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]. وقد أجاب الجمهور على ذلك أنها رؤيا عين، وأخرج ذلك " البخاري " عن ابن عباس - ﵄ - في تفسير هذه الآية.
[ ٢١٨ ]
والراجح أنها تتعلق برحلة الإسراء والمعراج كمشاهدة عملية لأن الفتنة لا مجال لها إذا كانت رؤيا منامية لأنها تحدث لجميع الناس ولا يكذبهم أحد.
أما ما ورد في بعض أحاديث الإسراء والمعراج من عبارات مثل «بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ»، ومثل «فَاسْتَيْقَظْتُ» فلا يدل على الرؤية المنامية لأنه قبل الرحلة كان - ﷺ - نائمًا فعلًا وجاء جبريل وأيقظه، وآيات سورة الإسراء تقطع بأن الرحلة ليست رؤيا منامية (١).
والسنة النبوية تؤكد ذلك وتفصله، فقد روى " البخاري " حديث الإسراء والمعراج عن مالك بن صعصعة أن نبي الله حدثهم عن ليلة أسرى به فقال: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ، وَاليَقْظَانِ - وَذَكَرَ: يَعْنِي رَجُلًا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ -، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ البَطْنِ، ثُمَّ غُسِلَ البَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، وَأُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ، دُونَ البَغْلِ وَفَوْقَ الحِمَارِ: البُرَاقُ، فَانْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ » (*).
وروي (٢) عن الحسن أن رسول الله - ﷺ - قال: «بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ فِي الحِجْر، إذْ جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ فَلَمْ أرَ شَيْئًا فَعُدْتُ إلَى مَضْجَعِي، فَجَاءَنِي الثانيةَ فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَعُدْتُ إلَى مَضْجَعِي فَجَاءَنِي الثَّالِثَةَ فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ، فَأَخَذَ بِعَضُدِي، فَقُمْتُ مَعَهُ».
كما روى الإمام مسلم في باب الإسراء بكتاب الإيمان عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قال: «أُتِيتُ بِالبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الحِمَارِ، وَدُونَ البَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ»، قَالَ: «فَرَكِبْتُهُ
_________________
(١) المرجع أيضًا " رسالة الإسراء والمعراج " للأستاذ محمد أنس المراد: ص ٥٨ و٥٩.
(٢) محمد بن إسحاق عن " تهذيب سيرة ابن هشام ": ص ٩١ ج ١. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) جمع المؤلف بين الحديث الذي أثبته: [" فتح الباري بشرح صحيح البخاري "، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، (٥٩) كتاب بدء الخلق (٦) باب ذكر الملائكة، حديث رقم ٣٢٠٧، ٦/ ٣٠٢، نشر دار المعرفة - بيروت، طبعة سَنَةَ ١٣٧٩ هـ]. وهذا الحديث في " صحيح البخاري ": عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ﵄، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ: «بَيْنَمَا أَنَا فِي الحَطِيمِ، - وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الحِجْرِ - مُضْطَجِعًا إِذْ أَتَانِي آتٍ فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا». " فتح الباري بشرح صحيح البخاري "، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، (٦٣) كتاب مناقب الأنصار (٤٢) باب المعراج، حديث رقم ٣٨٨٧، ٧/ ٢٠١، نشر دار المعرفة - بيروت، طبعة سَنَةَ ١٣٧٩ هـ.
[ ٢١٩ ]
حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ»، قَالَ: «فَرَبَطْتُهُ بِالحَلْقَةِ التِي يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ»، قَالَ " ثُمَّ دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ ﷺ: اخْتَرْتَ الفِطْرَةَ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ ».
هذا الوصف وكيفية ركوب المعراج بقوله: «أَصْعَدَنِي فِيهِ» ثم وصفه الصعود بين كل سماء وفتح باب كل منها وكل ذلك لا يصعب فهمه وتصديقه من الجميع بعد أن ظهرت المصاعد وأبوابها والأقمار والمركبات الفضائية، فما بالنا بالمؤمنين الذين لا يثبت إيمانهم إلا بتصديق القرآن وكل ما جاء فيه.
فهذه الروايات وغيرها في القرآن والسنة تبين أن الإسراء والمعراج تم برحلة ذات وقائع مادية وليس رؤيا منامية أو انتقالًا بالروح وحدها مع بقاء البدن في مكة.
والأصل هو أن اللفظ إنما يدل على الظاهر منه بغير تأويل، إذ لا يعدل عن الظاهر من الكلمات إلا إذا وجدت قرائن وأدلة توجب صرف اللفظ عن ظاهره وهذه الدلائل ليس لها وجود في الماضي أو الحاضر اللهم إلا أن تكون عدم جرأة إعلان ذلك لأعداء الإسلام في زمن لم يثبت فيه العلم جواز ذلك، أو أن تكون الدلائل هي الشك في قدرة الله تعالى على الإسراء والمعراج بنبيه بغير الوسائل المحسوسة أمام أعين الناس، وهذا أو ذاك لا يقول به مسلم مؤمن بالله تعالى.
٤١ - العِلْمُ وَالمُعْجِزَاتُ النَّبَوِيَّةِ:
إن حنين الجذع بصوت سمعه الصحابة أمر قد ثبت في رواية " البخاري " بسنده عن جابر قال: «كَانَ المَسْجِدُ مَسْقُوفًا عَلَى جُذُوعٍ مِنْ نَخْلٍ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ [يَقُومُ إِلَى جِذْعٍ مِنْهَا، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ المِنْبَرُ وَكَانَ عَلَيْهِ،] فَسَمِعْنَا لِذَلِكَ الجِذْعِ صَوْتًا كَصَوْتِ العِشَارِ، حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا [فَسَكَنَتْ]» وفي رواية: «[فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ] صِيَاحَ الصَّبِيِّ».
ولا ينازع مؤمن أن الله تعالى إذا أراد أن يعيد الحياة إلى الميت من البشر أو الشجر لفعل وهذا الجذع قد سمع له صوت وهذا من خوارق العادات والنواميس الكونية، ومع هذا فقد فحص العلماء الخلايا الحية لورقة صغيرة من وريقات
[ ٢٢٠ ]
العشب المائي الذي يسمى الأيلوديا تحت العدسة الكبرى للمجهر، فشاهدوا مظاهر الحياة المنتظمة والرائعة، فكل خلية تؤدي جميع وظائف الحياة مستقلة عن غيرها من الخلايا الأخرى المشابهة لها وتتكون الورقة الواحدة من آلاف من هذه الخلايا المتراكمة التي تعدو كأنها بنيان مرصوص. وفي الخلية حركة ففي داخل شريط الحشو (السيتوبلازم) أجسام دقيقة خضر، تتهادى فيه كما تتهادى السفن الصغيرة يجرفها تيار الماء في بحر خضم، إنه الحبلة (البروتوبلازم) ذو التركيب المائي والحيوية الفياضة هو الذي يتحرك وهو مركز الحركة والحياة في جميع الكائنات الحية (١).
فلعل هذه الحياة والحركة في خلايا تفسر لغير المؤمنين ما عجزوا عن فهمه من الخوارق والمعجزات وكذلك الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية تفسر لهم فهم الإسراء والمعراج كان في الماضي عسير الفهم لدى من هزموا أمام هجمات بعض المستشرقين حتى قال الدكتور هيكل: إن المعراج استجمام ذهني ونفسي لوحدة الوجود كما أن القرآن منذ خمسة عشر قرنًا قد نص على أنه توجد معارج للملائكة تستخدمها بين الأرض والسماوات السبع، وقد ذكرت سورة المعارج سرعة هذه المعارج، يقول الله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤].
ووضعت سورة السجدة معراجًا في قول الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]. فالمسافة التي تقطعها بعض المعارج في يوم نقطعها نحن بوسائلنا في خمسين ألف سنة ومسافة أخرى تقطعها معارج أخرى في يوم نقطعها نحن في ألف سنة.
وكل ذلك لم يكن معلومًا بهذا التفصيل قبل صنع المصاعد الكهربائية والأقمار الصناعية والنبي - ﷺ - يصف المعراج بقوله: «لَمَّا فَرَغْتُ مِمَّا كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ أُتِيَ بِالمِعْرَاجِ، وَلَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَهُوَ الذِي يَمُدُّ إِلَيْهِ مَيِّتُكُمْ عَيْنَيْهِ إِذَا حُضِرَ (جاءه ملك الموت) فَأَصْعَدَنِي فِيهِ [صَاحِبِي] حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ ».
_________________
(١) بحث للدكتور رسل تشارلز أرنست، دكتوراه في علم الأحياء والنبات. نقلًا عن كتاب " الله يتجلى في عصر العلم ": ص ٧٣، طبعة الحلبي بالقاهرة / ١٩٦٨ م بالاشتراك مع مؤسسة فرانكلين.
[ ٢٢١ ]
الأوروبيون والمعراج:
إن إيمان محمد هيكل سَوَّلَ له أن يزعم في كتابه " حياة محمد ": ص ١٩٣، أن الإسراء والمعراج كان بالروح وهو ما أوردته بعض الإسرائيليات، متجاهلين قول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، فهذا التعجب لبيان قدرة الله لا يكون للإسراء بالروح بل بمعجزة خارقة لنواميس الكون، ففي نفس السورة طلب المشركون من النبي - ﷺ - أن يفجر لهم من الأرض ينبوعًا أو يرقى إلى السماء ويأتيهم بكتاب، فكان جواب الله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣]، فسبحان تكون للقدرة الإلهية أي للمعجزات الحسية الخارقة، فضلًا عن أن لفظ «عَبْدِهِ» لا يكون للروح فقط فالله يقول: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، فلم ينزل القرآن على الروح فقط.
وإذا كان الأعرابي قد وجد في مخالفة الإجماع شهرة (كاذبة)، فإن الباحثين الأوروبيين في نقدهم لمسرحية الكوميديا الإلهية لمؤلفها أليجييري دانتي الذي تخيل أنه رحل للسماوات ومعه دليل، فرأى الجنة والنار ووصف ذلك، قالوا: لقد أخذ ذلك عن رحلة الإسراء والمعراج لرسول الإسلام، قال ذلك الإسباني آسين بلاثيوس سنة ١٩٤٩، فطلبوا منه دليلًا ماديًا على ترجمة هذه القصة إلى لغتهم، فجاء سنة ١٩٤٩ من يثبت ذلك فنشر الإيطالي أنريكو أنشرولي الترجمة اللاتينية والفرنسية لحديث المعراج والتي نقلها من العربية أبراهام الحكيم بأمر من الملك ألفونس العاشر في القرن الثالث عشر للميلاد وأضاف إليها ترجمة إسبانية مع الشواهد على معرفة أوروبا لهذه الترجمات قبل أن يولد دانتي بسنة، كما نشرته هذه الترجمات بشروح وتعليقات الأستاذ مينوز ساندينوا.
فالباحثون الأوروبيون لا يشكون في رحلة الإسراء والمعراج كما وردت في الحديث النبوي بشرح محيي الدين بن عربي، أما الأعراب فمنهم من يجادل في آيات الله ترديدًا للأكاذيب أو ظنًا أن ذلك ما يقبله الأوروبيون.
[ ٢٢٢ ]