سراقة يلبس سواري كسرى
إخباره ﷺ عن الغيبيات وتحقّق وقوعها يدلّ على أن السنّة وحي
وممّا يثبت أن السنّة وحي ما أخبر به ﵊ من الغيبيات التي اختصّ الله بعلمها: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، وهي أخبار أمدّه بها الوحي ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ [هود:٤٩]، فأفصح عنها بلسانه ﷺ، وقد تحقّقت فكانت نبوءات صادقة صدق مصدرها وهو الله سبحانه:
١- سراقة يلبس سواري كسرى
من ذلك ما قاله لسراقة بن مالك بن جعشم المدلجيّ: "كأنّي بك يا سراقة تلبس سواري كسرى". فقال سراقة متعجّبا: كسرى بن هرمز!! قال: "نعم ". وقد قال له هذا وهو مطارد في هجرته إلى المدينة يخاف الرصد ولا يكاد يأمن على نفسه غوائل المشركين.
وفي عهد عمر بن الخطاب ﵁، يفتح الله على المسلمين بلاد فارس والمدائن ويؤتى بالغنائم إلى المدينة، وكان فيها سوارا كسرى وألبس عمر سراقة سواري كسرى، وتحقّقت نبوءة الرسول ﷺ (١)، لتكون علامة من علامات نبوّته، وآية من آيات صدقه، وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
_________________
(١) انظر السيرة النبويّة في ضوء القرآن والسنّة ١/٤٩٣ - ٤٩٤. [محمد محمد أبو شهبة - ط٥ - ١٤١٩هـ/١٩٩٩م - دار القلم - دمشق] .
[ ٣١ ]
٢ - فتح بلاد كسرى وهرقل واليمن
ومن ذلك ما أخبر به ﵊ في غزوة الأحزاب في شوّال من السنة ٥هـ أثناء كسره صخرة بيضاء صلدة، وهو يحفر مع المسلمين الخندق: "لقد أضاء الله لي قصور الحيرة ومدائن كسرى، فأخبرني جبريل أنّ أمّتي ظاهرة عليها. . وأضاء لي القصور الحمر من أرض الروم، فأخبرني جبريل أنّ أمّتي ظاهرة عليها. . وأضاء لي قصور صنعاء وأخبرني جبريل أنّ أمّتي ظاهرة عليها" (١) .
لقد أخبر النبيّ ﷺ بهذه الفتوح والمسلمون في حال من العسر والضيق والخوف، حيث تداعت عليهم الأحزاب المشركة من أقطار الجزيرة، وخذلهم المنافقون وتآمر عليهم اليهود فخانوا عهدهم ونقضوا مواثيقهم، وقد صوّر القرآن الكريم هذا الضيق وهذا الابتلاء خير تصوير فقال: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٠-١٢]، وتحقّق ما أخبر به النبي ﷺ ففتحت بلاد كسرى وبلاد هرقل واليمن، لتكون هذه الفتوح المباركة شاهد صدق على أنه لا ينطق عن الهوى وأنّ سنّته وحي يوحى.
_________________
(١) المصدر السابق ٢/٢٧٩.
[ ٣٢ ]
- وسأل الرسول ﷺ ذات يوم أبا طريف عديّ بن حاتم الطائيّ [ت٦٨هـ]: "هل رأيت الحيرة؟ " قال: قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: "فإن طالت بك حياة لترينّ الظعينة ترتحل من الحيرة حتّى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا الله" [قال عديّ: قلت فيما بيني وبين نفسي: أين دعّار طيئ الذين قد سعّروا البلاد!؟]، "ولئن طالت بك حياة لتفتحنّ كنوز كسرى"، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: "كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترينّ الرجل يخرج ملء كفّه من ذهب أو فضّة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه".
ويعدّد عديّ ما تحقّق من هذه النبوّات فيقول: "فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ". ثمّ يقول ﵁ جازمًا واثقًا من صدق ما سمع من رسول الله: "ولئن طالت بكم حياة لترونّ ما قال النبي أبو القاسم ﷺ يخرج ملء كفّه " (١) . وقد تحقّق ذلك في عهد خلافة عمر بن عبد العزيز، فقد أغنى الله الأمة فلم يجد ﵁ من الفقراء والمساكين من يعطيه الزكاة.
_________________
(١) صحيح البخاري - المناقب - باب علامات النبوّة - فتح الباري ٦/٧٠٦ - ٧٠٧ حديث ٣٥٩٥.
[ ٣٣ ]
٣- المسلمون يركبون البحر للفتح
ومن ذلك ما رواه البخاريّ من حديث أنس بن مالك أنّ خالته أمّ حرام بنت ملحان النجّاريّة الأنصاريّة -وكانت تحت عبادة بن الصامت- سألت النبيّ ﷺ وقد استيقظ من نومه وهو يضحك: "ما يضحكك يا
[ ٣٣ ]
رسول الله؟ " قال: "ناس من أمّتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج البحر [أي وسطه ومعظمه] ملوكا على الأسرّة أو مثل الملوك على الأسرّة". قالت: يارسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها. . . فركبت البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان [في فتح قبرص] فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت (١) .
يقول ابن حجر معلّقا على الخبر: "فيه إخبار بما سيكون فكان كما أخبر ﷺ " (٢) .
- وقد لمّح الرسول ﷺ لغزو المسلمين في البحر عند رجوعه من غزوة تبوك في رجب من السنة ٩هـ حيث اشتكى المسلمون ما برواحلهم من الجهد فدعا لها رسول الله: "اللهم احمل عليها في سبيلك، إنّك تحمل على القويّ والضعيف وعلى الرطب واليابس في البرّ والبحر" فما بلغوا المدينة، حتّى جعلت تنازعهم أزمّتها. فقال فضالة بن عبيد الأنصاريّ راوي الحديث: "هذه دعوة النبيّ ﷺ على القويّ والضعيف، فما بال الرطب واليابس!؟ فلمّا رأيت السفن في البحر وما يدخل فيها عرفت دعوة النبي ﷺ " (٣) .
_________________
(١) كتاب التعبير - باب رؤيا النهار - فتح الباري ١٢/٤٠٨ حديث ٧٠٠١ - ٧٠٠٢ - صحيح مسلم - الإمارة - باب فضل الغزو في البحر ٣/ ١٥١٨ حديث ١٩١٢ - الترمذيّ - فضائل الجهاد - باب ما جاء في غزو البحر ٤/١٧٨ حديث ١٦٩٦.
(٢) فتح الباري ١٢/٤٠٩.
(٣) مسند أحمد ٥/٤٥٣.
[ ٣٤ ]
٤ - ومن الفتوح التي أخبر بوقوعها وتحقّقت فتح القسطنطينيّة
فقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ: أي المدينتين تفتح أوّلا: قسطنطينيّة أو روميّة؟ فقال رسول الله ﷺ: "مدينة هرقل تفتح أوّلا"، يعني القسطنطينيّة، وقد تحقّقت نبوءته، ففتحها الشاب العثماني المجاهد ابن الثالثة والعشرين محمد بن مراد والمعروف بمحمد الفاتح سنة ١٤٥٣م.
[ ٣٥ ]
٥ - وممّا أخبر عنه النبيّ ﷺ وتحقّق "افتراق الأمّة " بفعل الأهواء
فقد أخرج أبوداود في سننه من حديث أبي سفيان بن حرب يرفعه إلى النبيّ ﷺ: ". . وإنّه سيخرج في أمّتي أقوام تجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى عرق ولا مفصل إلا دخله" (١)، وقد تمكّنت هذه الأهواء في الكثير من النفوس فجرت فيها مجرى الدم من العروق، وافترقت الأمّة إلى طرائق قدد، وكان الخوارج من أبرز من تنكّب عن الجماعة، فسعّروا الفتن وشغلوا الأمّة بفظاعاتهم واعتداءاتهم، وقد أخبر الرسول ﷺ بخروجهم وبأنّ طائفة من المسلمين على الحقّ تقتلهم، يقول النبيّ ﷺ: "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحقّ" (٢) وسئل
_________________
(١) أوّل كتاب السنّة - باب شرح السنّة ٥/٥ - ٦حديث ٤٥٩٧.
(٢) فتح الباري ١٢/٣٠٩ وعزاه ابن حجر لمسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ.
[ ٣٥ ]
﵊ عن سيماهم فقال:
"سيماهم التحليق" (١) . كما سئل: يا رسول الله! هل في هؤلاء القوم علامة؟ قال: "يحلقون رؤوسهم، فيهم ذو الثدية" (٢)، وفي رواية: "آيتهم رجل إحدى يديه مثل ثدي المرأة" (٣) .
وقد قاتلهم عليّ بن أبي طالب ﵁، وقتلهم، فقال لأصحابه: "اطلبوا ذا الثدية، فطلبوه فلم يجدوه! فقال: ما كذبت ولا كذبت، اطلبوه، فطلبوه فوجدوه في وهدة من الأرض عليه ناس من القتلى، فإذا رجل على يده مثل سبلات السنّور (٤)، فكبّر عليّ والناس، وأعجبه ذلك" "وفي رواية" قال عليّ: "التمسوا لي العلامة التي قال رسول الله ﷺ فإنّي لم أكذب ولا أكذب، فجيء به فحمد الله وأثنى عليه حين عرف العلامة" (٥) .
وحول صدق ما أخبر به النبيّ ﷺ من هذه الغيبيّات يقول أبو سعيد الخدريّ: "أشهد سمعت من النبيّ ﷺ، وأشهد أنّ عليّا قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ" (٦) .
_________________
(١) فتح الباري ١٢/٣٠٩.
(٢) فتح الباري ١٢/٣٠٨.
(٣) صحيح البخاري - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب من ترك قتال الخوارج للتألف. . .
(٤) وفي رواية: "إحدى يديه مثل ثدي المرأة عليها شعيرات تكون على ذنب اليربوع" - فتح الباري ١٢/٣١١.
(٥) فتح الباري ١٢/٣١١ وقد ساق ابن حجر ﵀ هذه المعلومات أثناء شرحه للحديث ٦٩٣٣، ٦٩٣٤.
(٦) صحيح البخاريّ - استتابة المرتدّين - باب من ترك قتال الخوارج - فتح الباري ١٢/٣٠٣ حديث ٦٩٣٣.
[ ٣٦ ]
٦ـ وممّا أخبر بوقوعه من الغيبيّات خروج متنبّئين كذّابين
روى الإمام البخاريّ في جامعه الصحيح بسنده إلى أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: "ولا تقوم الساعة حتى يبعث دجّالون كذّابون قريبا من ثلاثين، كلّهم يزعم أنّه رسول الله" (١) . وفي حديث ثوبان بن بجدد الهاشميّ مولى رسول الله ﷺ [ت٥٤هـ] مرفوعا يرويه أبو داود في سننه: "وإنّه سيكون في أمّتي كذّابون ثلاثون كلّهم يزعم أنّه نبيّ، وأنا خاتم النبيّين، لا نبيّ بعدي. ." (٢) . وروى أحمد في مسنده، عن أبي هريرة: "لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذّابا دجّالا كلّهم يكذب على الله ﷿ ورسوله ﷺ" (٣) .
يقول ابن حجر عن ثبوت نبوءة الرسول ﷺ وصدق ما أخبر به: "وقد ظهر مصداق ذلك في آخر زمن النبيّ ﷺ فخرج مسيلمة الكذّاب باليمامة، والأسود العنسيّ باليمن، ثمّ خرج في خلافة أبي بكر طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح التميميّة في بني تميم، وفيها يقول شبيب بن ربعيّ، وكان مؤدّبها:
أضحت نبيّتنا أنثى نطيف بها وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا
وقتل الأسود قبل أن يتوفّى النبيّ ﷺ، وقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر،
_________________
(١) كتاب المناقب - باب علامات النبوّة - فتح الباري ٦/٧١٢ - ٧١٣ حديث ٣٦٠٩.
(٢) الفتن والملاحم - باب ذكر الفتن ودلائلها ٤/٤٥٠ - ٤٥١ حديث ٤٢٥٢ - ابن ماجه - الفتن - باب ما يكون في الفتن ٢/١٣٠٣ حديث ٣٩٥٢.
(٣) ٢/٤٥٠.
[ ٣٧ ]
وتاب طليحة بن خويلد الأسديّ، ومات على الإسلام على الصحيح في خلافة عمر، ونقل أنّ سجاحا التميميّة تابت كذلك [وانتقلت إلى البصرة وماتت بها]، ومن هؤلاء الكذّابين المختار بن أبي عبيد الثقفيّ [صاحب الفرقة الكيسانيّة] الذي زيّن له الشيطان ادعاء النبوّة، وزعم أنّ جبريل يأتيه، وقد روى الشعبيّ أنّ الأحنف بن قيس أراه كتاب المختار إليه يذكر فيه أنه نبيّ. ومنهم الحارث الكذّاب خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتله. . " (١) .
فظهور ما أخبر عنه النبيّ ﷺ من هؤلاء الكذّابين قبل خروجهم بزمن طويل يدلّ على صدقه كما يدلّ على أن مصدر خبره الوحي؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله.
_________________
(١) فتح الباري ٦/٧١٤.
[ ٣٨ ]
٧ـ نعي أمراء مؤتة الثلاثة قبل وصول خبرهم إلى المدينة
وممّا أخبر به النبيّ ﷺ من الغيبيات استشهاد أمراء المعركة الثلاثة قبل وصول خبرهم إلى المدينة: روى البخاريّ عن أنس بن مالك ﵁: أنّ النبيّ ﷺ نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب ثمّ أخذ الراية جعفر فأصيب، ثمّ أخذ الراية ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتّى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم " (١) .
_________________
(١) المغازي - باب غزوة مؤتة من أرض الشام - فتح الباري ٧/٥٨٥، حديث٤٢٦٣وكانت تلك الغزوة في جمادى من سنة ثمان.
[ ٣٨ ]
وذكر موسى بن عقبة [ت١٤٠هـ] في مغازيه أنّ يعلى بن أميّة كان أوّل من قدم بخبر أهل مؤتة فقال له رسول الله: "إن شئت فأخبرني وإن شئت أخبرك". قال: فأخبرني، فأخبره خبرهم. فقال: والذي بعثك بالحقّ ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره" (١) .
فمن أخبر النبيّ ﷺ خبر المعركة وتفاصيل استشهاد الأمراء، وبين المدينة ومؤتة ببلاد الشام [الأردن] مسافات بعيدة في عصر تنعدم فيه وسائل الاتصال البرقي والسريع، لا شكّ أن الوحي هو الذي أمدّه بكلّ تلك التفاصيل الدقيقة.
_________________
(١) فتح الباري ٧/٥٨٥.
[ ٣٩ ]
٨ـ كشف خبر الخطاب السرّي الذي أرسله حاطب إلى قريش
لمّا أجمع الرسول ﷺ المسير إلى مكّة لفتحها في رمضان من السنة الثامنة للهجرة، كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بذلك، ثمّ أعطاه امرأة من مزينة اسمها سارة، وكانت مولاة لبعض بني عبد المطلب وقيل مولاة للعبّاس، وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فإذا بالوحي ينزل على رسول الله ﷺ بما صنع حاطب، فبعث ﵊ عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوّام والمقداد بن الأسود وقال لهم: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإنّ بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها". يقول عليّ راوي الحديث: "فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتّى أتينا الروضة، فإذا نحن
[ ٣٩ ]
بالظعينة، قلنا لها: " أخرجي الكتاب! قالت: "ما معي كتاب! فقلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لنلقينّ الثياب. قال فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ. . " الحديث (١) .
ونلاحظ هنا أنّ عليّا وصاحبيه ﵃ لم يصدّقا المرأة في ادعائها، وهدّداها بحزم بخلع ثيابها إن هي لم تخرج الرسالة لأنهم واثقون من صدق خبر الرسول ﷺ، ومن أنّ الوحي هو الذي أطلعه على سرّ الرسالة وصاحبها وحاملتها، والموضع الذي سيجدونها فيه. . . الأمر الذي يدعم الحقيقة الصادعة أنّ أحاديث الرسول وأخباره وحي.
_________________
(١) صحبح البخاريّ - المغازي - غزوة الفتح - فتح الباري ٧/٥٩٢ حديث ٤٢٧٤ - وذكر ابن حجر في الفتح ٧/٥٩٤ نصّ الرسالة كما أوردها يحيى بن سلام [ت٢١٠] في تفسيره: "أمّا بعد يا معشر قريش، فإنّ رسول الله جاءكم بجيش كالليل يسير كالسيل فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده، فانظروا لأنفسكم، والسلام. "
[ ٤٠ ]
٩ ـ استحلال الزنى والخمر والمعازف
ومن الغيبيات التي أخبر عنها الرسول ﷺ وتحقّقت، استحلال الزنى ولبس الرجال الحرير واتخاذ المعازف، يقول النبيّ ﷺ: "ليكوننّ من أمّتي أقوام يستحلّون الحر والحرير والخمر والمعازف" (١) .
والحر بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء هو الفرج، كنّى به عن الزنى، وما ذكره الحديث من محرّمات أصبحت تُتعاطى في بعض البلاد الإسلاميّة بدون نكير وكأنّها من الطيّبات!! بل فقد أقرّت سلطات بعض البلاد ما
_________________
(١) صحيح البخاريّ - الأشربة - باب ما جاء فيمن يستحلّ الخمر ويسمّيه بغير اسمه - فتح الباري ١٠/٥٣ حديث ٥٥٩٠.
[ ٤٠ ]
سنّه الاستعمار من قوانين غداة احتلاله لها، لإفساد الشبيبة المسلمة وإضعاف روح المقاومة، تقضي بإقامة دور الخنا العلني وتنشيط زراعة عنب الخمور وفتح الخمّارات في كلّ زاوية من زوايا البلاد وحماية مرتادي تلك البؤر الخبيثة برجال شرطة مسلمين يتقاضون مرتّباتهم من دافعي الضرائب المسلمين!!
فالذي أخبر الرسول بما سيؤول إليه أمر أمّته من التدني والانحطاط وتداعي الأمم عليها وإذلالها وانتهاك مقدّساتها ونهب ثرواتها بسبب مجافاتها الشريعة وعدم قيامها بأحكامها، وانتهاك المحرّمات. . إنما هو الوحي الصادق.
[ ٤١ ]
١٠ـ أرض العرب تعود كما كانت مروجا وأنهارا
ومن الغيبيات التي أخبر عنها الرسول ولم تتجسّد بعد على أرض الواقع إخباره أنه: "لا تقوم الساعة حتّى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا" (١) .
والحديث يتضمّن حقيقتين: الأولى: هي أنّ أرض العرب الصحراويّة كانت في غابر الزمن مروجا وبساتين وأنهارا. والثانية: أنّ يوما ما من تاريخ الأرض وقبل قيام الساعة ستعود أرض العرب إلى سالف عهدها من الخضرة وتدفّق مياه الأنهار في ربوعها.
وهذان الأمران حين نسمع بهما للوهلة الأولى يتملّكنا الاستغراب والتعجّب لكن حينما نتيقّن من مصدر الخبر لا نملك إلا التصديق. وممّا
_________________
(١) صحيح مسلم - الزكاة - باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا تجد من يقبلها ٢/٧٠١ حديث ١٥٧.
[ ٤١ ]
يزيدنا تصديقا وإيمانا أنّ العلم يؤيّد هذه النبوّة، يروي الشيخ عبد المجيد الزنداني عن أحد علماء الجيولوجيا قوله: "من الحقائق العلميّة التي يعرفها علماء الجيولوجيا أنّ جزيرة العرب الصحراويّة اليوم كانت في زمن قديم بساتين وحدائق، والدليل الحفريّات الأثريّة التي تدلّ على أنّ هذه الأرض كانت مروجا وأنهارا وأوضح برهان على ذلك قرية "الفاو" والتي اكتشفت تحت رمال الربع الخالي.
أمّا عن عودة جزيرة العرب إلى ما كانت عليه من مروج وأنهار فيقول: "وهذه حقيقة ثابتة. . . نعرفها نحن الجيولوجيين " ويتحدّث عن الأحقاب المناخيّة التي ستمرّ بها الأرض، ومنها حقبة جليديّة وفي هذه الحقبة سيتغيّر طقس الأرض وضمن ذلك يحدث تغيير في طقس بلاد العرب فيصبح باردا وتصبح شبه الجزيرة من أكثر بلاد العالم أمطارا وأنهارا ".
ويعلّق الشيخ الزنداني على هذه المعلومات بقوله: "فالرسول ﷺ لم يصل إلى هذا العلم إلا بوحي علويّ " (١) .
فهذه الأمثلة القليلة التي استعرضناها من إخباره ﵊ بالغيبيات، والتي تحقّقت أو أثبت العلم تحقّقها يقينا مستقبلا تثبت أنّ السنّة وحي وأنّ الرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى.
_________________
(١) انظر الموقع:. htmwww. geocities. com/rr_eem/z من كتاب العلم طريق الإيمان لعبد المجيد الزنداني.
[ ٤٢ ]