الجسد يبلى ماعدا عجب الذنب
الإعجاز العلمي الوارد في السنة النبوية يدلّ على أنّها وحي
ومما يثبت علويّة السنة وأنّها وحي من الله ما تحدث عنه الرسول ﷺ من أخبار علميّة معقدة تحقّق فيها الإعجاز العلمي، إذ لم تكتشف حقائقها إلا بعد تطوّر العلوم وأدوات البحث في العصر الحديث، وسوف نكتفي بذكر عينات قليلة للتدليل على أنّ ما تحدّثت عنه السنة من هذه الحقائق لا يكون إلا وحيا من خالق الكون سبحانه:
١- الجسد يبلى ما عدا عجب الذنب
عن أبي سعيد الخدري يرفعه: "يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه"، قيل: وما عجب ذنبه يا رسول الله؟ قال: "مثل حبّة خردل، منه نشأ" وفي رواية عن أبي هريرة: "ومنه يركّب الخلق يوم القيامة".
يقول د. زغلول النجّار: "يشتمل هذا الحديث على حقيقة علميّة لم تتوصل العلوم المكتسبة إلى معرفتها إلا منذ سنوات قليلة، حين أثبت المتخصّصون في علم الأجنّة أنّ جسد الإنسان ينشأ من شريط دقيق للغاية يسمّى الشريط الأولي الذي يتخلّق بقدرة الله سبحانه في اليوم الخامس عشر من تلقيح البويضة وانغراسها في جدار الرحم. . . وثبت أنّ هذا الشريط الأوّلي يندثر عدا جزءًا يسيرا منه يبقى في نهاية العمود الفقري وهو المقصود بعجب الذنب [نهاية العمود الفقري] ". ويضيف: "وقد أثبتت مجموعة من علماء الصين في عدد من التجارب المختبريّة استحالة إفناء عجب الذنب كيميائيًا بالإذابة في أقوى الأحماض أو فيزيائيًا بالحرق أو بالسحق أو
[ ٤٣ ]
بالتعريض للأشعّة المختلفة، وهو ما يؤكد صدق حديث المصطفى ﷺ الذي يعد سابقًا لكافة العلوم بأكثر من ١٤٠٠ سنة ".
إنه لا يمكن لعاقل أن يتصوّر مصدرًا لهذه الحقيقة العلميّة التي صدع بها محمد ﷺ من قبل ألف وأربعمائة سنة غير وحي صادق من الله الخالق (١) .
_________________
(١) انظر المحجّة [جريدة جامعة نصف شهرية تصدر بفاس بالمغرب]- العدد ١٩٣ - ١٤ ربيع الأول ١٤٢٤هـ/١٦-٥-٢٠٠٣م - ص ٦.
[ ٤٤ ]
٢ - متى ينجب الزوجان ذكرًا ومتى ينجبان أنثى؟
روى عبد الله بن عبّاس ﵁ عن الرسول ﷺ قال: "إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنّثا بإذن الله" (١) .
إنّ تحديد جنس الجنين من القضايا العلميّة المعقّدة التي لم يتوصّل العلم إلى معرفة أسرارها إلا حديثًا جدّا، فقد عكف الأستاذ سعد حافظ خبير علم العقم عند الرجال على دراسة العلاقة بين ماء الرجل وماء المرأة طوال عشر سنوات مستخدمًا ما توصّل إليه العلم من تقنية حديثة متطوّرة، ثم وصل إلى النتيجة التالية وهي: أنّ ماء الرجل قلويّ، وماء المرأة حمضيّ، فإذا التقى الماءان وتغلّبت الحموضة التي للأنثى على القلويّة التي للذكر كان الناتج أنثى، وإذا تغلّبت القلويّة التي للذكر على الحموضة التي للأنثى كان الناتج ذكرًا (٢) .
_________________
(١) مسند أحمد ٤/١٢٤.
(٢) من كتاب "أنت تسأل والشيخ الزنداني يجيب، حول الإعجاز العلميّ في القرآن والسنة - للشيخ عبد المجيد الزنداني" انظر الموقع. htmhttp: //www. geocities. com/rr_eem/z.
[ ٤٤ ]
هذه الحقيقة العلميّة عبّر عنها الرسول ﷺ قبل اكتشافها بأربعة عشر قرنًا من الزمان وهي تدلّ على أنّ الرسول ﷺ موصول بالوحي ومعلَّم من خالق السموات والأرض خالق كلّ شيء.
[ ٤٥ ]
٣ - الحمَّى من فيح جهنّم فأبردوها بالماء، ولا تسبّوها فإنّها تنقّي الذنوب
روى البخاريّ بسنده إلى ابن عمر مرفوعًا: "إنّ الحمى من فيح جهنّم فأبردوها بالماء" (١) . وعن جابر بن عبد الله يرفعه: "لا تسبّيها" أي الحمى "فإنّها تنقّي الذنوب كما تنقّي النارُ خبث الحديد" (٢) .
لقد تبيّن أنّ الحمّى قد تتسبّب في حرارة شديدة تصل إلى ٤١ درجة مئوية، فيصدق عليها وصف النبي ﷺ بأنها من فيح جهنم. . . وهذه الحرارة قد تؤدّي إلى هياج شديد ثم هبوط عام وغيبوبة تكون سببًا في الوفاة، ولذا كان لزامًا تخفيض درجة الحرارة فورًا حتى ينتظم مركز تنظيم الحرارة بالمخّ، وليس لذلك وسيلة إلا وضع المريض في ماءٍ بارد أو عمل كمّادات من الماء البارد والثلج. . ولذا كان الرسول ﷺ إذا حمَّ دعا بقربة من الماء فأفرغها على رأسه.
أما لِمَ دعا النبي ﷺ لعدم سبّ الحمى؟ فلأنه عند الإصابة بالحمى تزيد نسبة مادّة "الإنترفيرون " [Intefeon] لدرجة كبيرة وهي مادّة
_________________
(١) صحيح البخاري - بدء الخلق - باب صفة النار - فتح الباري ٦/٣٨٠ حديث ٣٢٦٣ - صحيح مسلم - كتاب السلام ٤/١٧٣١ حديث ٢٢٠٩.
(٢) صحيح مسلم - كتاب البرّ والصلة ٤/١٩٩٣ حديث ٤٥٧٥.
[ ٤٥ ]
تفرزها خلايا الدم البيضاء، وتستطيع القضاء على الفيروسات التي تهاجم الجسم كما تكون أكثر قدرة على تكوين الأجسام المضادّة الواقية.
ومادة "الإنترفيرون " لا تخلّص الجسم من الفيروسات والبكتيريا فحسب، ولكنّها تزيد من مقاومة الجسم للأمراض، وقدرته على القضاء على الخلايا السرطانية منذ بدء تكوّنها وبالتالي حماية الجسم من ظهورها.
ولذا قال بعض الأطباء: إنّ كثيرًا من الأمراض نستبشر فيها بالحمى لأنّها تكون أنفع من شرب الدواء (١) .
ومن هنا ندرك الحكمة من وراء منع الرسول ﷺ الناس من سبّ الحمى، وهي أنها تنقّي الذنوب كما في الحديث الماضي ذكره عن جابر ﵁. فالحديث وما تضمّنه من حقائق علميّة يثبت أنّ قائله موصول بالله يوحي إليه بما لا يأتيه الباطل.
_________________
(١) من كتاب "أنت تسأل والشيخ الزنداني يجيب، حول الإعجاز العلمي في القرآن والسنة" للشيخ عبد الحميد الزنداني وانظر الموقع. http://www. geocities. com/rr_eem/z.htm
[ ٤٦ ]
٤- إذا وقع الذباب في شراب أحدكم
روى البخاري بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإنّ في إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء" (١) .
يعدّ هذا الحديث من معجزات الرسول ﷺ الطبّيّة فقد أثبتت التجارب
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب بدء الخلق - باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم - فتح الباري ٦/٤١٤ حديث ٣٣٢٠.
[ ٤٦ ]
العلمية الحديثة. . أنّ هناك خصّيصة في أحد جناحي الذباب، وهي أنّه يحمل البكتيريا، فإذا سقط في شراب أو طعام وألْقَى تلك الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب أو الطعام فإن أقرب مبيد لتلك الجراثيم هو مبيد البكتيريا الذي يحمله في جوفه قريبًا من أحد جناحيه. . ولذا فإنّ غمس الذباب كلّه وطرحه كاف لقتل الجراثيم وإبطال عملها.
كما أنّه قد ثبت علميًا أن الذباب يفرز جسيمات صغيرة من نوع الإنزيم تسمّى "باكتريوفاج " [Bacte ﷺ iophage] أي مفترسة الجراثيم وهي عامل الشفاء من الداء. فالعلم توصّل إلى هذه الحقائق التي أخبر عنها النبيصلى الله عليه وسلم بصورة إعجازية منذ أربعة عشر قرنًا ممّا يدلّ على أنّ سنّته وحي تلقاه من الخالق العلام.
[ ٤٧ ]
٥ - الاحتراس من الأوبئة بالتزام قواعد حفظ الصحة:
روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده إلى جابر بن عبد الله ﵁ مرفوعًا: "غطّوا الإناء وأوكئوا السقاء، فإنّ في السَّنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمرّ بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء" (١) .
لقد تبيّن عند الباحثين أنّ الأمراض الخطرة والأوبئة تنتشر في مواسم معيّنة من السنة أو في عدد معيّن من السنوات، وحسب نظام دقيق لا يعرف تعليله حتى الآن، فالحصبة مثلًا وشلل الأطفال يكثران في سبتمبر وأكتوبر وحمّى
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب الأشربة - باب الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء ٣/١٥٩٦ حديث ٢٠١٤.
[ ٤٧ ]
المستنقعات [التيفويد - Typhoid] يكثر في الصيف أما الطاعون [الكوليرا Chole ﷺ a] فإنّه يأخذ دورة كل ٧ سنوات والجدري كل ٣ سنوات.
ففي قول النبي ﷺ: "إنّ في السنة ليلة ينزل فيها وباء" إعجاز علميّ يكشف وجود أوبئة موسميّة في أوقات معيّنة لم تقف الكشوفات الطبّيّة على هذه الحقيقة إلا في عصور متأخّرة، فمن علَّم الرسول ﷺ هذه الحقائق العلميّة المعقّدة؟ إنّه الوحي.
[ ٤٨ ]