مدخل
الفصل الأول: بين النبوة والوحي
إن الحديث عن الاستدلال على أن السنة النبوية وحي لا بد أن يسبقه أمور: تعريف الوحي، وبيان أنواعه، وهل يشترط نزولُ كتاب على من اختاره الله تعالى للنبوة، أو يُكتفى بوجود الوحي؟ لأنه لو كان يُشترط وجودُ كتابٍ حتى تثبت نبوة من اختاره الله تعالى؛ لَما بقي إلا القليل من العدد الكبير من الأنبياء والرسل ﵈، لأنه من الثابت عدم وجود الكتب عند الكثيرين منهم، كما لا بد من معرفة أن ليس كل ما ينزل على الأنبياء ﵈ من وحيٍ هو مكتوب، بل قد يكون غير مكتوب، وهذا ما سنراه إن شاء الله تعالى في هذا الفصل.
والخلاصة أن الكلام في هذا الفصل سيكون في أربعة أمور:
أولًا: في تعريف الوحي.
ثانيًا: في أنواع الوحي.
ثالثًا: النبوة تثبت بالوحي لا بنزول الكتاب.
رابعًا: ليس كل الوحي مكتوبًا. والله تعالى هو الموفق والمعين.
[ ٩ ]
أولًا - تعريف الوحي:
الوحي لغةً: يطلق على: الإشارة، ِ والكتابةِ، والرسالةِ، والإلهامِ، والكلامِ الخفيِّ، والسرعة، وكل ما ألقيتَهُ إلى غيرك.
ومن هذا يقال للوحي: هو الإعلامُ الخفيُّ السريعُ (١) .
وقد ورد الوحيُ بالمعنى اللغوي في عدد من الآيات القرآنية.
_________________
(١) انظر: الزاهر (٢: ٣٥٣) والصحاح (٢٥١٩ وما بعد) ومعجم مقاييس اللغة (٦: ٩٣) والقاموس المحيط (٤: ٣٩٩) والمغرب (٢: ٣٤٤-٣٤٥) ولسان العرب (١٥: ٣٧٩وما بعد) .
[ ٩ ]
كقولِه تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [سورة القصص: ٧]
وقولِه تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [سورة النحل: ٦٨]
وقولِه جل شأنه: ﴿شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [سورة الأنعام: ١١٢]
وقولِه تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [سورة مريم: ١١]
وقولِه تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [سورة المائدة:١١١]
وقولِه ﷿: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ ِ [سورة فصلت:١٢]
وقولِه تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا، وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [سورة الزلزلة: ١– ٥]
وأما تعريفُه في الشرع: فهو الإعلامُ بالشرع. وذلك بأن يُعلم الله تعالى من اصطفاه من عباده كلَّ ما أراد اطلاعَه عليه؛ من حُكمٍ شرعي وغيرِه، ويكونُ في خفاءٍ، غيرِ معتادٍ للبشر، وهذا باعتبار مصدرِه.
وقد يُطلق ويرادُ به اسمُ المفعول منه، وهو المُوحى به؛ وهو كلامُ الله ﷿ المنزَّلُ على نبيه الكريم سيدنا محمدٍ ﷺ.
[ ١٠ ]
ثانيًا - أنواع الوحي:
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]
[ ١٠ ]
لقد حصرها الله تعالى في ثلاثِ حالات، وهي ترجع إلى حالتين:
الأولى: بغير واسطة، وتشمل الحالتين الأولى والثانية.
والثانية: بواسطة، وتشمل الحالة الثالثة.
والحالات الثلاث هي:
١- قوله تعالى: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ فيكون بغير واسطةٍ، وله حالتان:
- يكون في اليقظةِ؛ كالإلهامِ، والتكلمِ ليلةَ المعراج مع النبي المصطفى الكريم ﷺ بدون واسطة،
- يكون في المنام؛ كما في قصة إبراهيم ﵇، وكما في قصة دخول النبي ﷺ مكة، إلخ.
٢- قوله تعالى: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وذلك بأن يكلمَ الله تعالى نبيَّه من وراء حجاب، كما حصل لموسى ﵇.
٣ - قوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ فيوحي ذلك الرسولُ الملَكُ إلى المرسَلِ إليه من البشر، بإذن الله تعالى ما يشاءُ الله تعالى، وله صور متعددة:
أ - أن يظهر بصورته الحقيقية الملكية، كما حصل لرسول الله ﷺ، إذ رأى جبريلَ ﵇ مرتين، كما حكى القرآن الكريم في سورة النجم. (١)
ب - أن يظهرَ جبريلُ ﵇ بصورةِ إنسانٍ، ويراه الناسُ، وقد ظهر في صورة دِحية الكلبي رضي الله تعالى عنه مرارًا، كما ظهر في صورة أعرابي، كما في حديث سؤاله عن «الإيمان، والإسلام، والإحسان» وهو المعروف بحديث جبريل ﵇.
_________________
(١) انظر الآيات البينات لما في الإسراء والمعراج من الخوارق والمكرمات، فقد أوضحت ذلك، وذكرت النصوص فيه.
[ ١١ ]
ج- أن ينفث في الرُّوع، وذلك بأن ينفث روحُ القدس في رُوع النبيِّ المصطفى الكريم ﷺ.
د- أن يهبط على النبي المصطفى الكريم ﷺ خفية - وهذا هو الغالب -، بحيث لا يراه الناسُ الحاضرون، ولكن يظهر أثرُه من التغيير والانفعال الذي يصيب النبيَّ المصطفى الكريمَ ﷺ، والاستغراق التام، وتصببِ العرق في اليوم الشديد البرد. وله مقدمةٌ تُنبِّه النبيَّ الكريمَ ﷺ بقدومه، شبَّهها ﷺ بصلصلة الجرس، ويسمعها الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم كدوي النحل.
والقرآن الكريم نزل كلُّه بواسطةِ جبريل ﵇، إلا ما ورد في أواخر سورة البقرة (١) .
_________________
(١) انظر: الإتقان (١: ٤٤ - ٤٥) ومناهل العرفان (١: ٤٨ - ٥١) .
[ ١٢ ]
ثالثًا - ثبوت النبوة بالوحي:
إن نزول الوحي على من اصطفاه الله تعالى من البشر؛ بما يريدُه تعالى، وبما يدلُّه عليه، وينزله عليه من أحكام تشريعية، وأخبارٍ بمغيبات، ودلائل، وحججٍ، كلُّ ذلك يدل على أن هذا المصطفى من الخلق إنما هو نبي، أُعلم بذلك من قِبَل الله تعالى، وهو كافٍ في الدلالة على نبوته واصطفائه من قِبَلِ ربه ﷿.
فإذا نزل عليه أمرٌ من الله جل شأنه بتبليغ ما أنزل عليه، فهو رسولٌ، فحصل من هذا: أن كلَّ رسولٍ نبيٌّ، ولا عكس.
وقد يكون النبيُّ المختارُ متعبَّدًا على شريعةِ من سبقه من الأنبياء والرسل
[ ١٢ ]
على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. كما قد يكون في الوقت الواحد أكثرُ من نبيٍّ، ولو في القرية الواحدة، كما قد يكون أكثر من رسول أيضًا.
ولا يشترطُ وجودُ كتابٍ منزل من قبل الله تعالى حتى يعتبر ذلك المصطفى بالوحي رسولًا أو نبيًا، إنما العبرةُ بوجود الوحي، لأنه من المجمع عليه أن الكتب والصحف إنما نزلت على بعض الأنبياء والرسل ﵈، أما أغلب الأنبياء والرسل ﵈ فليس عندهم كتب ولا صحف، إنما ينزل عليهم الوحي بما يريده الله ﷿. ولو كان يُشترط وجودُ الكتاب لصحة النبوة أو الرسالةِ لأُلغِيت نبوةُ كثيرين ورسالتهُم من الرسل والأنبياء ﵈، لعدم وجود ذلك عندهم.
كما لو كان وجودُ الكتاب شرطًا لصحة نبوة كل نبي، لوجب وجودُ الكتب عندهم جميعًا، وهذا خلاف الواقع المجمع عليه، وهو وجودُ بعض الكتب عند بعض الأنبياء والرسل على نبينا وعليهم الصلاة والسلام.
لكن المجمع عليه: هو وجودُ الوحي عند جميعهم ﵈.
كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء:١٦٣]
فيلاحظ قوله تعالى: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إذ ذكر نوحًا ﵇ لأنه أولُ رسولٍ أُرسل إلى البشرية، ثم ذكر ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ليكون شاملًا مستغرِقًا جميعَ الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة السلام من بعد نوح ﵇.
[ ١٣ ]
وقال الله جل شأنه عن سيد البشر عليه وآله الصلاة والسلام: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]
فالعبرة إذًا: بوجود الوحي، وبه قامت الحجةُ على الناس كلهم، والله تعالى أعلم.
[ ١٤ ]
رابعًا - ليس كل الوحي مكتوبًا:
والأمر الآخر المقرر، بالنسبة للأنبياء والرسل على نبينا وعليهم الصلاة والسلام الذين ينزل عليهم الوحي، فإنه لا يُشترط أن يكون ذلك الوحيُ مكتوبًا، سواء ممن لم يسبق لهم كتابٌ منزل، كما هو الحال في أغلب الأنبياء والرسل ﵈، أو حتى الذين نزلت عليهم كتبٌ وصحفٌ؛ كموسى وعيسى وداود على نبينا وعليهم الصلاة السلام، فإنه لا يشترط أن يكون جميعُ الوَحْي المنزَّل إليهم مكتوبًا في الكتب أو الصحف المنزلةِ عليهم. وقد عرفنا هذا مما ذكره الله تعالى في القرآن الكريم.
ولما كانت الشواهدُ في القرآن الكريم كثيرةً جدًا فإني أقتصر على ذكر شاهدين فقط: ليكونا مثالًا لما قررتُه هنا، ومن أراد الزيادة، فليرجع إلى ما كتبته في غير هذا المكان (١) .
المثال الأول:
قال الله ﵎ بعد ما ذكر ما كان بين نوح ﵇ وبين قومه -: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ، وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا
_________________
(١) انظر: شبهات حول السنة ودحضها، والسنة النبوية وحي - الفصل الرابع من الباب الأول.
[ ١٤ ]
تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ، قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ثم يقول الله ﵎ في خاتمة الآيات لنبيه المصطفى الكريم سيدنا محمد ﷺ: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٣٦ – ٤٩]
هذا الخطاب من الله تعالى لنوح ﵇ بعدم إيمان قومه، وأمره ﷿ له ﵇ بصناعة السفينة، وعدم مخاطبته جل وعز في الكفار بعد عقوبتهم، ثم هذه المحاورة بين الله تعالى ونوح ﵇ بشأن ولد نوح، وما كان منه، ثم الأمر منه تعالى لنوح بالهبوط من السفينة إلى اليابسة: هل هذا موجودٌ في كتابٍ مكتوبٍ عند نوح ﵇ يقرؤه ويتلوه، أو هو خطاب مباشِرٌ، كلّمه الله جلت قدرته به مباشرةً، وليس ثمة كتاب يقرؤه؟
والجواب: لا يمكن أن يكون هذا مكتوبًا في كتاب، إذ لو كان مكتوبًا عنده في كتاب لأُمر بالرجوع إليه مباشرة، ولما احتيج إلى هذه المحاورة والمخاطبة، ثم إن سياق القصة يتضح منه عدم وجوده عنده من قبل، كما هو واضح، والله تعالى أعلم.
[ ١٥ ]
المثال الثاني:
ما كان بين موسى ﵇ وبني إسرائيل، في قصة البقرة.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ، قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ، وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٦٧- ٧٣] .
ففي هذه الآيات: أمرانِ وأربعةُ أقوالٍ لله تعالى، فلو كانت هذه الأقوال في التوراة، لما اضطر موسى ﵇ إلى الأسئلة عن البقرة وأجوبتها، بل لأمرهم بالرجوع إلى التوراة، أو لقرأها عليهم، وأمرهم بالعمل بها، وكل ذلك غير موجود، إنما هو سؤالٌ وجوابٌ عن حادثةٍ وقعت.
[ ١٦ ]
يضاف إلى هذا: أن التوراة نزلت جملةً واحدةً، وليس فيها إلا ما هو مسطور، وأما ما يقع بعدها من حوادث فتحتاج إلى جوابٍ جديدٍ. وهذا الخطاب هو وحيٌ غير مسطور ولا متلوٍّ.
فإذا جاز هذا لموسى وغيره من الأنبياء السابقين على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، فنبينا المصطفى الكريم ﷺ من باب أولى وأولى، والله تعالى أعلم.
[ ١٧ ]