المبحث الأول: جهود الصحابة في حفظ السنة في النبي ﷺ
مدخل
الفصل الثاني: كيف حفظت السنة؟؟
المبحث الأول: جهود الصحابة في حفظ السنة في عهد النبي ﷺ
كان من رحمة الله بالإنسانية جمعاء أن بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. وهذا الرسول هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أشرف الناس نسبًا وأكرم قريش أصلًا.
بدأ رسول الله ﷺ الدعوة إلى الله سرًّا حتى لا يفجأ القوم بها وهم غارقون في جهلهم هائمون في غيهم.فتبعه منهم نفر قلائل لا يتجاوزون أصابع اليد، ثم جهر بالدعوة إلى الله ﷿ فدخل في الدين من علية القوم كثير، دخلوا الإسلام على بينة من أمره واستمعوا إلى كتاب الله وسنة نبيهم فخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، ولاسيما وهم متعطشون إلى ما ينقذهم من ظلمات الشرك ويهديهم إلى سبل السلام فصادف الإسلام قلوبًا مستعدة ونفوسًا متلهفة متهيأة فتمكن منها كل التمكن وجرى الإيمان فيهم مجرى الدم في عروقهم.
ذلك أنهم عرفوا من الرسول ﷺ أن هذا الدين هو منبع سعادتهم ومعقد عزهم وسبب نهضتهم فعقدوا عليه خناصرهم وأحبوا رسول الله حبًا يعلو على حب الآباء والأبناء وانكبوا على ما جاءهم به من القرآن يحفظونه وعلى ما حدثهم به من بيان للكتاب
[ ١٨ ]
أو تشريع للأحكام فجمعوه في صدورهم وطبقوه على جميع أحوالهم، ثم كانت الهجرة إلى المدينة فانفسح المجال لاستماع القرآن وحضور مجالس النبي ﷺ.
علم أصحاب رسول الله ﷺ للسنة مكانها من الدين وأنها الركن الثاني في بنائه القويم بعد الكتاب العزيز كما علموا وصية الله تعالى باتباعها وتحذيره الشديد من مخالفتها، وأن من فَرَّطَ في أمرها أو تهاون بشأنها فهو محروم، ومن حفظها وعمل بها فهو سعيد مشكور.
ولم يخف عليهم أن القرآن العزيز رفع من شأن العلم والعلماء وحط من شأن الجهل والجهلاء فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] وحث على التفقه في الدين وتبليغه إلى الناس فقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] .
كما لم يخف عليهم الوعيد الشديد على كتمان العلم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩] .
وكما جاءت الآيات القرآنية حاثة لهم على تعلم الدين وأحكامه ودرسه ونشره كذلك جاءت الأحاديث النبوية محببة إليهم حمل العلم والتفقه في الدين محذرةً لهم من كتمانه حاضةً على تبليغه إلى الناس فقال
[ ١٩ ]
ﷺ: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (١) "الدنيا ملعونة. ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالمًا ومتعلمًا" (٢) .
"نضر الله امرأً سمع منا شيئًا فَبَلَّغهُ كما سمعهُ فَرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامع" (٣) "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة" (٤) "من سُئل عن علمٍ فكتمه جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار" (٥) والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة شهيرة.
ملكت هذه الآيات والأحاديث على الصحابة مشاعرهم وأخذت عليهم ألبابهم وأفعمت قلوبهم حبًا لله ورسوله ﷺ وألهبت نفوسهم نشاطًا نحو العلم والعمل فلم يدخروا وسعًا في حفظ الأحكام والسنن، وضحوا في سبيل ذلك بأموالهم وأنفسهم. وإلى جانب هذه الحمية الدينية استعداد فطري ونشاط طبيعي هو استعداد الحافظة ونشاط الذاكرة وسرعة الخاطر وقوة الذكاء وكمال العبقرية، فالصحابة
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ١/١٦٤، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ح ٧١، وأخرجه مسلم ٢/٧١٨، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة ح ٩٨ (١٠٣٧) .
(٢) أخرجه ابن ماجه ٢/١٣٧٧، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، ح ٤١١٢، وحسنه الألباني كما في صحيح سنن ابن ماجه ٢/٣٩٥، ح ٣٣٢٠.
(٣) أخرجه الترمذي ٥/ ٣٤، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، ح ٢٦٥٧، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) أخرجه مسلم ٤/ ٢٠٧٤، كتاب الذكر، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر ح ٣٨ (٢٦٩٩) .
(٥) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند ٢/ ٢٩٦ و٤٩٥، مسند أبى هريرة، وقال أحمد شاكر - في تحقيقه للمسند ١٤/٥، ح ٧٥٦١ -: إسناده صحيح.
[ ٢٠ ]
عرب خلص أكثرهم أميون لا يقرؤون ولا يكتبون فكل اعتمادهم على ملكتهم في الحفظ وقوة شأنهم فيه، واعتبر ذلك بحالهم في الجاهلية فقد حفظوا أنسابهم ومناقبهم وأشعارهم وخطبهم وكثيرًا ما كانت تقع بينهم المفاخرة بالأنساب والأحساب فلا يسعفهم غير اللسان يثيرون به ما حفظوه من أخبارهم وأخبار خصومهم مما يرفع من شأنهم ويحط من شأن أعدائهم، فكان كل امرئٍ منهم على مقدار حفظه وقوة وعيه ترجمان قبيلته يرفع من قدرها ويتحدث عن مفاخرها وأحسابها والقوم من ورائه كأنهم سجل مليء بالحوادث والأخبار وكتاب شحن بالتواريخ والآثار، ساعدهم حبهم للتفاخر بالأحساب والأنساب والتنابز بالمثالب والألقاب مع ما رسخ فيهم من عصبية قبلية على إجادة الحفظ والضبط ونشاط في الذاكرة لم يتوافر في أمة من الأمم.
وكأن الله تعالت قدرته هيأ هذه الأمة العربية على هذا الاستعداد الهائل إرهاصًا لنبوة محمد ﷺ فكانت هذه الصدور الحافظة مهدا لآي الذكر الحكيم، وكانت هذه القلوب الواعية أوعية لحديث النبي الكريم فاندفع هؤلاء الصحابة الأجلاء إلى تلقي حديث رسول الله بِنَهَم عظيم وشوق كبير، وأظهر الله بهم دينه على الدين كله، وكان أمر الله قدرًا مقدورا.
نعم تظاهر هذان العاملان العامل الروحي والعامل الفطري فأتى القوم بمالم تأت به أمة من يوم أن بعث الله تعالى رسله إلى الخلق فحفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم واتخذوا شريعته نبراسًا في أمر معاشهم ومعادهم وبلغوها إلى الناس على وجهها غضةً طريةً.
[ ٢١ ]
أ - مجالس النبي ﷺ العلمية:
لم يكن للنبي ﷺ مدرسة مشيدة ولا معهد للتعليم يجلس فيه إلى أصحابه، بل كانت مجالسه العلمية كيفما اتفق فهو في الجيش معلم وواعظ يلهب القلوب بوعظه ويحمس الجنود بقوله وهو في السفر مرشد وهاد وهو في البيت يعلم أهله، وهو في المسجد مدرس وخطيب وقاض ومفت، وهو في الطريق يستوقفه أضعف الناس ليسأله عن أمر دينه فيقف، وهو على كل أحواله مرشد وناصح ومعلم، إلا أنه كثيرًا ما يعقد لأصحابه المجالس العلمية بالمسجد حيث يجتمعون فيه في أغلب الأوقات لأداء فريضة الصلاة فكان يتخولهم بالموعظة والدرس تلو الدرس حتى لا يملوا ويسأموا، فعن ابن مسعود ﵁ أنه قال "كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا" (١) . وفي هذه المجالس كان ﷺ يفيض على أصحابه من الكلم الطيب والعلم النافع والهدى الرشيد ما يشرح صدورهم ويفعم قلوبهم، وكانوا يحضرون أولادهم مجالس الرسول ﷺ لسماع حديثه والتأدب بآدابه وكان ﵇ كثيرًا ما يستفتى فيفتي، أو يسأل فيجيب، أو تقع أمامه الحادثة فيكشف عن حكم الله فيها، أو تنزل عليه الآية من القرآن فيفصح عن مراد الله منها، أو يقع من بعض الصحابة عمل لم يكن يعرف حكمه فيسكت إيذانًا منه بأنه جائز في الدين.
_________________
(١) أخرجه البخاري كما في الفتح ١/١٦٢، كتاب العلم، باب ما كان النبيصلى الله عليه وسلميتخولهم بالموعظة إلخ، وأخرجه مسلم ٤/٢١٧٢ كتاب صفات المنافقين، باب الاقتصاد في الموعظة ح ٨٢ (٢٨٢١) .
[ ٢٢ ]
ولاتظن أن رسول الله ﷺ كان ملكًا محجوبًا عن رعيته أو سلطانًا مترفعًا عن الاختلاط بأفراد أمته، بل كان على عكس ذلك متقلبًا بين ظهرانيهم يبلغ رسالة ربه ويعود مرضاهم ويشيع موتاهم ويفصل في قضاياهم ويفض منازعاتهم ويقضي على اختلافاتهم وهم في كل ذلك مقبلون عليه بآذان صاغية وقلوب واعية.
هذا ولم يكن الصحابة ﵃ في حضور مجالسه العلمية سواء، بل كان منهم من يلازمه ولا يتخلف عنه في الحضر ولا في السفر كما كان من أبى بكر وأبى هريرة ﵄. وكان منهم من يتخلف عنه في بعض الأوقات لقضاء مصالحه المعيشية كزراعة أو تجارة أو نحوها أو الخروج في سرية إلى غير ذلك، ومع ذلك فكانوا حريصين على ما فاتهم من دروس النبي ﷺ فإذا ما حضروا سألوا واستفسروا.
وكان من الصحابة من يشتد به الحرص على حديث رسول ﷺ فيتناوب حضور مجالسه مع جار له يحضر هذا يوما وهذا يوما ثم يخبر كل منهما صاحبه عما سمعه في يومه فعن عمر بن الخطاب ﵁ "أنه كان هو وجارٌ له من الأنصار يتناوبان مجالس رسول الله ﷺ ويخبر كل منهما صاحبه بما رآه أو سمعه" (١)، أما من بعدت عليهم الشُّقة فكانوا إذا نزلت بهم نازلة وأشكل عليهم حلها، فإنهم يضربون أكباد الإبل إلى مدينة رسول الله ﷺ ليقفوا على حكم الله فيما عرض لهم من الحوادث وربما مكثوا في أسفارهم الأيام والليالي ذوات العدد.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ١/١٨٥، كتاب العلم باب التناوب في العلم ح ٨٩.
[ ٢٣ ]
فعن عقبة بن الحارث أنه أخبرته امرأة بأنها أرضعته هو وزوجه فركب من فوره - وكان بمكة - قاصدًا المدينة حتى بلغ رسول الله ﷺ فسأله عن حكم الله فيمن يتزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما فقال له النبي ﷺ: "كيف وقد قيل" (١) ففارق زوجته لوقته.
علم النبي ﷺ أن أصحابه سيخلفونه من بعده وسيقع على كاهلهم أمر الإرشاد والتعليم فأتى في دروسه التعليمية بأمور كان لها أكبر الأثر في توجيه الصحابة وتعليمهم كيف يضطلعون بمهمة التعليم فيما بعد، ولنذكر لك أمثلة من هديه التعليمي الذي كان منارًا اهتدى به أصحابه ﵃.
كان من هديه التعليمي ﵇ أنه إذا سئل عما لا يعلم يسكت منتظرا الوحي من الله بذلك، وكان من هديه ﷺ أنه إذا قال كلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه وكان من هديه ﵇ أنه ربما طرح المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم وليشحذ أذهانهم للفهم، وكان إذا سئل عن مسألة فأجاب عنها فإنه قد يفيض في مسائل أخرى لها مناسبة بالمقام أو صلة بالجواب فيستطرد بها ليفيد السائل والحاضرين علما جديدًا.
وكان يتخولهم بالموعظة كراهة الملل حتى إن أصحاب ابن مسعود
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ١/١٨٤، كتاب العلم، باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله، ح ٨٨.
[ ٢٤ ]
طلبوا منه أن يحدثهم كل يوم فأبى وقال إنما نتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا كراهة السآمة علينا. وكان ﷺ يخص بعض أصحابه بالعلم دون بعض مخافة ألا يفهموا فيفتنوا. إلى غير ذلك من الأمثلة التي إذا تتبعناها في حديث رسول الله ﷺ اطلعنا منه على
خطة حكيمة في توجيه الصحابة حتى كانوا أساتذة في التعليم أمناء على أحكام الدين.
[ ٢٥ ]
ب - كيف كان الصحابة يتلقون الحديث عن النبي ﷺ؟
لم يكن في أصحاب رسول الله ﷺ من يحسن الكتابة إلا نفر قليل فقد كانت الأمية غالبة عليهم فكان اعتمادهم في تلقي الحديث عنه ﷺ على استعدادهم في الحفظ على ما سبق آنفا كما أنهم نهوا عن كتابة الحديث في بدء الأمر خوف اختلاطه بالقرآن الكريم، وكان الصحابة يتلقون الحديث عن النبي ﷺ إما بطريق المشافهة وإما بطريق المشاهدة لأفعاله وتقريراته وإما بطريق السماع ممن سمع منه ﷺ أو شاهد أفعاله وتقريراته لأنهم لم يكونوا جميعا يحضرون مجالسه ﷺ بل كان منهم من يتخلف لبعض حاجاته. هذا ولما كان عدد الحاضرين للسماع من حضرة النبي ﷺ يختلف قلة وكثرة اختلف لذلك المروي عنه، فبعضه بلغ درجة التواتر وهو ما نقله عنه ﷺ جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب وهذا نوعان:-
متواتر لفظًا وهو قليل من الأحاديث كحديث "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" (١) ومتواتر معنى وهو كثير ومن ذلك الأحاديث الواردة في أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والبيوع والنكاح والغزوات مما لم يختلف فيه فرقة من فرق الإسلام، وبعضه لم يبلغ درجة التواتر وهو الذي يسميه العلماء «خبر الآحاد» .
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ١/٣٠٢،كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلمح ١١٠، وأخرجه مسلم ١/١٠، المقدمة، باب تغليظ الكذب على الرسول ﷺ ح ٣و٤.
[ ٢٦ ]
كان الصحابة يحفظون الأحاديث عن ظهر قلب ويبلغونها للناس بطريق المشافهة إلا ما كان من بعض أفراد قلائل كعبد الله بن عمرو بن العاص فقد أذن له النبي ﷺ في كتابة الحديث عنه.
فعن عبد الله بن عمرو هذا أنه قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق" (١) .
هذا ولاختلاف الصحابة في معرفة الكتابة وعدم معرفتها وكثرة حضورهم مجالسه ﷺ وقلة حضورهم اختلفوا في تحمل الحديث وأدائه قلة وكثرة فكان منهم المقل ومنهم المكثر.
هذا أبو هريرة ﵁ يقول: "ما من أصحاب رسول الله ﷺ أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فانه كان يكتب ولا أكتب"٢)
وكما اختلف الصحابة في صفة الأخذ عن رسول الله ﷺ وفي كثرة المروي وقلته لأسباب أشرنا إليها كذلك اختلفوا في فقه الحديث حسب اختلافهم في الفهم والاستعداد الفطري فلم يكونوا سواء في معرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمفسر
_________________
(١) أخرجه أبو داود ٤/٦٠، كتاب العلم، باب في كتابة العلم، ح ٣٦٤٦ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/٦٩٥، ح ٣٠٩٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه مع ١/٢٠٦، كتاب العلم، باب كتابة العلم ح ١١٣.
[ ٢٧ ]
ونحو ذلك إلا أنهم كانوا كثيرا ما يرجعون إلى الرسول ﷺ عند ما يقع الاختلاف بينهم فيُصدر حكمه الفصل وقَضاءَه العدل.
[ ٢٨ ]
ج - أثر النساء في نشر الحديث
جـ - أثر النساء في نشر الحديث:
لم تكن مجالسه ﷺ قاصرة على الرجال بل كان كثير من النساء يحضرن المسجد أيضا ويستمعن إلى حديثه الشريف وفي الاجتماعات العامة كالاجتماع بصلاة العيد كن يخرجن جميعا إلى المصلى لاستماع الموعظة النبوية وكان النبي ﷺ بعد أن يلقي خطبة العيد في الصفوف الأمامية للرجال ينتقل إلى صفوف النساء يتحدث إليهن ويعلمهن إلا أن المجالس النبوية بوجه عام كانت الغلبة فيها للرجال دون النساء لذلك جاء وفد النساء إلى رسول الله ﷺ وطلبن إليه أن يجعل لهن يومًا يعلمهن فيه فكان النبي ﷺ يجيبهن إلى ذلك، على أن هذه الدروس كلها من عامة وخاصة لم تكن قائمة بحوائج النساء الدينية فكثيرا ما كانت تتجدد لهن شؤون ولاسيما وهن حديثات عهد بالإسلام فكانت المرأة تقصد رسول الله ﷺ فيما يعرض لها من أمر دينها ولا تستحيي أن تسأله لعلمها أنه لا حياء في التعلم وربما قدمت بين يدي سؤالها قولها "يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق" ثم تذكر حاجتها فتقول مثلا (هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت) وكثيرا ما يكون ذلك في نساء الأنصار حتى امتدحتهن عائشة زوج النبي ﷺ بقولها "نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين" (١)، أما من
_________________
(١) أخرجه البخاري ١/ ٢٢٨، كتاب العلم، باب الحياء في العلم ح ١٣٠.
[ ٢٨ ]
كان يغلب عليها الحياء منهن فكان لها من أمهات المؤمنين أعظم وسيط لدى رسول الله ﷺ يستوضح لها عن جواب سؤالها.
[ ٢٩ ]
د - أمهات المؤمنين يبلغن الحديث عن رسول الله ﷺ:
ولاننس ما لزوجاته ﷺ من فضل كبير في تبليغ أحكام الدين ونشر السنن بين نساء المؤمنين ولاسيما ما كان من عائشة ﵂ التي كانت على مقدار عظيم من الذكاء والفهم، فقد كانت تسأله ﷺ وتناقشه في بعض المسائل التي قد تخفى عليها وتستوضح عن كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
فعن ابن أبي مُلَيْكة أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي ﷺ قال "من حوسب عذب، قالت عائشة أو ليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨]، قالت فقال: إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك" (١) .
ولعل من الحكم التي لأجلها أباح الله للرسول ﷺ الزواج بأكثر من أربع قيام هؤلاء الزوجات بالتبليغ عنه ﷺ وبخاصة في الأمور التي لا توجد منه ﷺ بين أصحابه أو يستحيي من فعلها بينهم ولا يمكن الاطلاع عليها لأحد غير أمهات المؤمنين ﵅ لذلك نجد أصحاب رسول الله ﷺ من بعده إذا اختلفوا في شيء من الأحكام
_________________
(١) أخرجه البخاري ١/١٩٦، كتاب العلم، باب من سمع شيئًا فراجع حتى يعرفه، ح ١٠٣ وأخرجه مسلم ٤/٢٢٠٤، كتاب الجند، باب إثبات الحساب، ح ٧٩ (٢٨٧٦) .
[ ٢٩ ]
كالغسل والحيض والجماع ونحوها يلجؤون إلى أمهات المؤمنين ويرجعون إلى أقوالهن عن رسول الله ﷺ وبذلك يزول ما بينهم من خلاف.
هذا ولا ريب في أن نساءه ﷺ كن على جانب عظيم من العلم فقد أمرهن الله تعالى بالاستقرار في بيوتهن ومُدَارسة القرآن والسنة في قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] إلى أن قال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]
لذا كان لأمهات المؤمنين أثر فعال في نشر السنة، ولولاهن لضاعت أحاديث وأحكام ما كنا لنطلع عليها من غيرهن ولاسيما الأفعال التي تقع بين النبي ﷺ وأزواجه مما لا يمكن لأحد الاطلاع عليها والوقوف على أحكامها.
[ ٣٠ ]
هـ- البعوث والوفود وأثرها في انتشار:
الحديث النبوي
١- بعوثه ﷺ وأثرها في نشر الحديث:-
بدأت الدعوة المحمدية سرًا واستمرت على ذلك ثلاث سنوات، ثم أمر الله نبيه بأن يجهر بها بعد أن تكونت نواة صالحة من المسلمين، فما كان من قريش إلا أن ناصبوه العداء واستمر الأمر على ذلك حينًا من الزمن حتى دخل في الإسلام كثير من أهل المدينة فأمر الله نبيه بالهجرة إليها فانتقل إليها مع أصحابه وأصبحت المدينة من ذلك الوقت مهبط الوحي وقاعدة الإسلام. غزا منها النبي ﷺ أعداء الدين وحدث
[ ٣٠ ]
بها أكثر حديثه، إلا أن القتال كان حائلًا دون دخول كثير من القبائل في الإسلام كما كان مانعًا من وصول الدعوة إلى أطراف الجزيرة، فما أن وقع صلح الحديبية بين النبي ﷺ وأهل مكة حتى أمن الناس بعضهم بعضا، وجالس بعضهم بعضا وتحدثوا في شأن هذا الدين الجديد، وفي ظل هذه الهدنة المباركة دخل كثير من العرب في الإسلام وبعث النبي ﷺ بعوثه إلى القبائل المسلمة لتعليمهم السنن والأحكام، فبعث منهم إلى اليمن وإلى البحرين وإلى حضرموت وإلى عمان وغير ذلك من بلاد العرب.
كانت هذه البعوث رسل رحمة وهداية للناس بما حملوه إليهم من القرآن والسنة اللذين هما حياة النفوس والأرواح كما كانت هذه البعوث عاملًا مهمًا في نشر حديث النبي ﷺ بين المسلمين في أنحاء الجزيرة، وقد كان النبي ﷺ يتخير لهذه المهمة من كان على جانب عظيم في العلم بالقرآن والسنن وكان يزودهم بحديثه الشريف وإرشاده الحكيم ويعلمهم كيف يدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، انظر إلى قوله لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك تأتي قومًا أهل كتاب فقل لهم إن الله فرض عليكم في اليوم والليلة خمس صلوات فإن هم أطاعوك فقل: إن الله فرض عليكم في السنة صوم شهر رمضان، فإن هم أطاعوك فقل: إن الله فرض عليكم حج البيت من استطاع إليه سبيلا، فإن أطاعوك فقل: إن الله فرض عليكم في أموالكم صدقة تؤخذ من أغنيائكم فترد في فقرائكم" (١) إلخ، وبطبيعة الحال كان المبعوث يبين أحكام كل ذلك بما سمعه من حديث
_________________
(١) أخرجه مسلم ١/٥٠، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام ح ٢٩ (١٩) .
[ ٣١ ]
النبي ﷺ، وبسبب هذا الهدي النبوي آتت هذه البعوث ثمرتها الطيبة في نشر الحديث الشريف بين ربوع المسلمين.
٢- وفود القبائل إليه ﷺ وأثر ذلك في نشر الحديث:-
لما تم لرسول الله ﷺ هذه الانتصارات الباهرة والفتوح المتكاثرة وفرغ من غزوة تبوك جاءته الوفود من أطراف الجزيرة العربية تضرب إليه أكباد الإبل يحفزها الشوق إلى لقاء هذا النبي الأمين ليأخذوا الدين من منبعه الأول، فقد عرفت هذه القبائل أنه لا طاقة لها بحرب محمد ﷺ بعد أن انضوت قريش تحت لواء الإسلام، وقريش هي في نظرهم لها لواء الإمامة والسيادة فدخلت هذه القبائل في الدين أفواجًا ووفدوا على رسول الله ﷺ زرافات ووحدانًا مصداقًا لقوله تعالى:
﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١–٣] .
جاءت الوفود تترى إلى رسول الله كما جاءته الكتب والرسل من الملوك تخبره بإسلامهم ومفارقتهم للشرك وأهله وكلما جاء وفد أكرمهم ﷺ وأرشدهم وعرفهم أمر دينهم، وبشرهم إِنْ هم أطاعوه وحذرهم إن هم عصوه، وأفهمهم بما لهم وما عليهم، وكان قدوم الوفود سنة تسع من الهجرة، حتى سميت هذه السنة بسنة الوفود، ولم تكن هذه الوفود تأتي لنيل عطاء وإن كان النبي ﷺ يكرمهم ويعطيهم من مال الله الذي آتاه، بل يأتون إليه فيسألون عن أحكام الإسلام، أصوله وفروعه وكان النبي ﷺ يتحدث إليهم في كل ذلك ويجيبهم عن أسئلتهم ويخطب فيهم ويرشدهم ويعلمهم ويوصيهم بتقوى الله والسمع والطاعة.
وإن من يقرأ السيرة النبوية يجد أن وفودًا كثيرة جدًا أقبلت عليه ﷺ
[ ٣٢ ]
حتى كأنه لم تبق قبيلة من قبائل العرب إلا قدم منها وفد على رسول الله ﷺ ولقد عرف الصحابة ﵃ تلك الوفود وفدًا وفدا وحفظوا ما حدثهم به النبي ﷺ من حديث وما خطبهم من خطب وما بثه فيهم من مواعظ ونصائح وأحكام وسنن حتى إنك لتجد كتب الحديث والسير والمغازي مملوءة بذكر هذه الوفود وما كان لها من أثر عظيم في نشر الدين والسنن سواء ما كان من هذه الوفود في سنة تسع وما كان قبلها. وهاك بعض الوفود التي أقبلت عليه ﷺ:-
١- وفد بني سعد بن بكر- وكان وافدهم إلى النبي ﷺ هو ضمام بن ثعلبة وفد على رسول الله سنة تسع من الهجرة ولما قدم المدينة وجد النبي ﷺ جالسًا بين أصحابه ولا يعرفه، فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فأشاروا إلى النبي ﷺ فدنا منه وقال: "إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، قال: سل عما بدا لك، فقال: يا محمد جاءنا رسولك فذكر لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق، فقال أنشدك برب من قبلك وبرب من بعدك، قال: اللهم نعم، أنشدك بالله آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟، قال اللهم نعم، قال: وأنشدك بالله آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟، قال: اللهم نعم، قال: وأنشدك بالله آلله أمرك أن تأخد هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي ﷺ اللهم نعم، فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة" (١) ثم رجع ضمام إلى قومه فأسلموا جميعًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ١/ ١٤٨، كتاب العلم، باب ما جاء في العلم، ح ٦٣.
[ ٣٣ ]
٢- وفد عبد القيس - لما قدموا على النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام وبيننا وبينك هذا الحي من مضر فمرنا بأمر فصل نُخبر به من وراءنا وندخل به الجنة وسألوه عن الأشربة فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أنَّ لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المَغنم الخمس، ونهاهم عن أربع عن الحنتم والدباء والنقير والمزفت، وقال احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم" (١) .
من هذا ترى أن الوفود كانت تقدم على رسول الله ﷺ لتنهل من معين العلم ولتتفقه في دين الله وتقف على أحكام الإسلام، ثم يرجعوا إلى أوطانهم يعلمون من وراءهم من قبائلهم وعشائرهم، فهذه الوفود إلى جانب البعوث التي كان يرسلها النبي ﷺ إلى القبائل والملوك كان لها أكبر الأثر في نشر السنة النبوية في أنحاء الجزيرة العربية.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ١/١٨٣، كتاب العلم، باب تحريض النبي ﷺ وفد عبد القيسإلخ ح ٨٧.
[ ٣٤ ]
وحجة الوداع وأثرها في نشر الحديث:
هذا ولما استتب لرسول الله ﷺ الأمر في الجزيرة قصد حج بيت الله الحرام وقد حج معه من المسلمين أكثر من مئة ألف فألقى فيهم النبي ﷺ خطبة عظيمة جمع فيها أحكامًا غزيرة وسننًا كثيرة ووضع من آثار الجاهلية ما أبطله الإسلام، ولكثرة الناس في ذلك اليوم اتخذ ربيعة بن أمية بن خلف مُبلغًا عنه، وافتتح هذه الخطبة بعد حمد الله بقوله "أيها الناس اسمعوا قولي فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا" (١) وهي خطبة طويلة بين للناس فيها مناسك الحج وكأنه ﵇ كان يشعر بدنو أجله فلم يترك شيئًالم يكن بينه للناس إلا بينه وأظهره، فكانت هذه الخطبة الحافلة في هذا الجمع الحاشد من أكبر العوامل في ذيوع السنن الكثيرة بين قبائل العرب وعشائرهم وهي كمنهاج ختامي للدعوة الإسلامية عامة ولحديث رسول الله ﷺ خاصة وقد نزل في هذا الوقت قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] .
_________________
(١) هذا القول بلفظه لم أجده فيما بين يدي من الكتب، ولكن خطبة حجة الوداع المشهورة من حديث جابر أخرجها مسلم ٢/٨٨٦، كتاب الحج، باب حجة النبيصلى الله عليه وسلم، ح ١٤٧ (١٢١٨) .
[ ٣٥ ]
المنحث الثاني: جهود الصحابة والتابعين في حفظ السنة بعد وفاة النبي ﷺ
مدخل
المبحث الثاني: جهود الصحابة والتابعين في حفظ السنة بعد وفاة النبي ﷺ
كان مصدر التشريع في عهد الرسول ﵊ كتاب الله وسنة رسوله، ينزل الوحي فيبلغه النبي الكريم إلى الناس كافة، ويبين مقاصده، ثم يطبق أحكامه، فكان الرسول ﷺ المرجع الأعلى في جميع أمور الأمة، في القضاء والفتوى، والتنظيم المالي والسياسي والعسكري، ويعالج الأمور على مرأى من أصحابه ﵃.
ثم ما لبث أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، وانقطع الوحي ولم يبق أمام الأمة إلا القرآن الكريم والسنة الشريفة، مصداقًا لقوله ﷺ: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي" (١) .
وتمسك الصحابة والتابعون بسنته ﵊ استجابة لأوامر الله ﷿ وطاعة لرسوله ﵊.
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ ٢/٨٩٩، كتاب القدر، باب النهي عن القول بالقدر، ح ٣ وصححه الألباني كما في السلسلة الصحيحة ٤/٣٥٥، ح ١٧٦١.
[ ٣٦ ]
منهج الصحابة والتابعين في المحافظة على السنة:
رأينا حرص الصحابة والتابعين على التمسك بالسنة المطهرة، وحسن اقتدائهم بالرسول ﷺ وتتبعهم آثاره، ووقوفهم عند أحكامه ﵊ متى ثبتت عندهم، وقد نهج الصحابة والتابعون
[ ٣٦ ]
سبيلًا قويمًا للمحافظة على الحديث النبوي، ويتضح هذا المنهج من احتياطهم في رواية الحديث، وفي تثبتهم في قبول الأخبار، هذا إلى جانب ما عرضناه من تمسكهم بالسنة وحضهم الناس على الاقتداء بالرسول ﷺ.
١ – احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث:
احتاط الصحابة في رواية الحديث عن الرسول ﷺ خشية الوقوع في الخطأ، وخوفًا من أن يتسرب إلى السنة بعض التحريف، وهي المصدر الأول بعد القرآن الكريم، ولهذا اتبعوا كل سبيل يحفظ على الحديث نوره، فحملهم ورعهم وتقواهم على الاعتدال في الرواية عن الرسول ﷺ، حتى إن بعضهم آثر الإقلال منها خوفا من الوقوع في الخطأ والزّلل لا زهدًا فيه، واشتهر من بين الصحابة عمر بن الخطاب﵁- بشدة إنكاره على من يكثر الحديث.
والتزم الصحابة هذا المنهج، فلم يرووا الأحاديث إلا حين الحاجة، وكانوا حين يروونها يتحرون الدقة في أدائها، وكثيرًا ما كان يقول بعضهم بعد رواية الحديث (نحو هذا، أو كما قال،أو شبيها بذلك) (١)
ونرى من الصحابة من تأخذه الرعدة، ويقشعر جلده، ويتغير لونه حين يروي شيئًا عن الرسول ﷺ، ورعًا واحتراما لحديثه ﵊.
_________________
(١) كما في سنن ابن ماجه ١/١١، المقدمة باب التوقي في الحديث عن رسول الله ﷺ، ح ٢٣ و٢٤.
[ ٣٧ ]
من هذا ما رواه عمرو بن ميمون قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه قال: فما سمعته بشيءٍ قط قال: (قال رسول الله ﷺ) فلما كان ذات عشية قال: " قال رسول الله ﷺ، قال: فنكس، قال: فنظرت إليه، فهو قائم محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريبًا من ذلك أو شبيهًا بذلك" (١)
ولم ينهج الصحابة هذا السبيل لقلة ما لديهم من الحديث، بل فعلوا ذلك كله حرصًا على السنة وصيانة لها، واحتياطًا للدين ورعاية لمصلحة المسلمين، لا زهدًا في الحديث النبوي ولا تعطيلًا له.
وقد ثبت عن الصحابة جميعًا تمسكهم بالحديث الشريف واجلالهم إياه، وأخذهم به، وقد تواتر خبر اجتهاد الصحابة إذا وقعت لهم حادثة شرعية من حلال أو حرام، وفزعهم إلى كتاب الله تعالى، فان وجدوا فيه ما يريدون تمكسوا به، وأجروا (حكم الحادثة) على مقتضاه، وإن لم يجدوا ما يطلبون فزعوا إلى (السنة)، فإن روي لهم خبر أخذوا به ونزلوا على حكمه، وإن لم يجدوا الخبر فزعوا إلى الاجتهاد بالرأي.
وطريقة أبي بكر وعمر في الحكم مشهورة: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله تعالى نظر في سنة رسول الله ﷺ فإن
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه ١/١٠، المقدمة، باب التوقي في الحديث عن رسول الله ﷺ، ح ٢٣ وقال المحقق وفي الزوائد: إسناده صحيح، احتج الشيخان بجميع رواته.
[ ٣٨ ]
وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى فيه بقضاء، فربما قام إليه القوم فيقولون قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنة سنها النبي ﷺ جمع رؤساء الناس فاستشارهم (١) وكان عمر ﵁ يفعل ذلك.
ورأى الصحابة في منهج عمر ﵁ حفظ السنة، وحمل الناس على التثبت بما يسمعون، والتروي فيما يؤدون، فالتزموه من غير إفراط ولا تفريط، ولم يكثروا من الرواية مخافة رفع التدبر والتفقه، فالتزموا الاعتدال فيها.
ثم إن كثرة الرواية مظنة الوقوع في الخطأ، وبخاصة أنه ورد النهي عن التحديث بكل ما يسمعه المرء، فقد روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع" (٢)، وسار التابعون وأتباعهم على منهج الصحابة، فاحتاطوا في رواية الحديث، وعابوا الإكثار منها مخافة أن يرتفع تدبر الحديث وفهمه، قال محمد بن المنكدر: (الذي يحدث الناس إنما يدخل بين الله وبين عباده فلينظر بما يدخل) (٣)
٢– تثبّت الصحابة والتابعين في قبول الحديث
أمر الإسلام بالتثبت في قبول الأخبار، ونهى عن الكذب، وأمر بقول الحق، نزل بهذا الوحي الأمين، ونطق به الرسول الكريم، وعمل
_________________
(١) إعلام الموقعين لابن قيم الجوزيه ١/٦٢.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ١/١٠، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع.
(٣) الكفاية للخطيب البغدادي ص ١٦٨.
[ ٣٩ ]
بذلك الصحابة أجمعون، وسار على ذلك المتقدمون والمتأخرون، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] وقال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا،،يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١]، وقال: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام:١٥٢] ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] .
وقال ﷺ: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" (١) وقال: "إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" (٢) .
هكذا أُمر المسلمون بالصدق في كل شيء، وبالأمانة والعدل وبتحري الحق واجتناب الباطل، ولهذا فقد احتاط رجال الحديث ونقاده في قبول الحديث، وتثبتوا وتأكدوا من الأخبار التي يرويها المسلمون، وقد نهج هذا السبيل الصحابة والتابعون، ومن جاء بعدهم، وحاولوا التثبت بكل وسيلة تضمن لهم صحة المروي وضبط ناقله، بطلب الحديث من راو آخر، وجمع طرقه تارة، وبالرجوع إلى أئمة هذا الشأن تارة أخرى.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ١/٢٠٠، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي ﷺ، ح ١٠٧.
(٢) أخرجه مسلم ١/١٠، المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلمح ٤.
[ ٤٠ ]
وحق للأمة الإسلامية أن تتثبت في حديث رسول الله ﷺ وتستوثق له - وهو المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم، فكما احتاط الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم في رواية الحديث، احتاطوا وتثبتوا في قبول الأخبار عن رسول الله ﷺ، وأمثلة تثبت الصحابة والتابعين ومن خلفهم أكثر من أن تحصى، وسنكتفي بذكر مثال عليها:
روى الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي، فرجعت فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ "إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع". فقال: والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ؟ فقال أبيّ بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ (١) .
ولم يكن التابعون وأتباعهم أقل اهتماما من الصحابة بالاحتياط لقبول الحديث فكانوا يتثبتون من الراوي بكل وسيلة تطمئن إليها قلوبهم وإن من يتتبع تاريخ الرواة، وكيفية تحملهم الحديث الشريف؛ ليدرك تماما جهود التابعين وأتباعهم، تلك الجهود التي بذلوها لنقل السنة إلى خَلَفهم، وهذا مثال يدل على ذلك:
١ - عن عبادة بن سعيد التجيبي أن عقبة بن نافع الفهري أوصى بنيه فقال: (يا بني لا تقبلوا الحديث عن رسول الله ﷺ إلا من ثقة) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه مع الفتح ١١/٢٦، كتاب الاستئذان، باب الاستئذان ثلاثًا، ح ٦٢٤٥.
[ ٤١ ]
ويؤكد ذلك قول كثير من العلماء كعبد الله بن عون (١٥٠هـ) وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر (المتوفى نحو سنة ١٥٣هـ) وشعبة بن الحجاج (٨٢-١٦٠هـ)، وسفيان الثوري (٩٧-١٦١هـ) وغيرهم قالوا: (خذوا العلم من المشهورين)، و(لا يؤخذ هذا العلم إلا عمن شهد له بالطلب) (١) .
_________________
(١) يراجع كتاب أصول الحديث لمحمد عجاج الخطيب ص ١٨٠ وما بعدها بتصرف.
[ ٤٢ ]
المبحث الثالث: جهود أتباع التابعين في حفظ السنة
بعد أن أدى الصحابة والتابعون ما في وسعهم لحفظ السنة آتى هذا الجهد ُثماره يانعة في عهد أتباع التابعين الذين ساروا على خطى من سبقهم وذلك بأمرين:-
الأول: ما خرج للناس من مدونات حديثية مختلفة على يدي أبناء النصف الأول من القرن الثاني الهجري، وقد ظهرت تلك المصنفات والكتب في أوقات متقاربة، وفي مناطق مختلفة من الدولة الإسلامية، فبعد أن كان أهل الحديث يجمعون الأحاديث المختلفة في الصحف والكراريس، أصبحوا يرتبون الأحاديث على الأبواب، وكانت هذه المصنفات تشتمل على السنن وما يتعلق بها، وكان بعضها يسمى مصنفا وبعضها يسمى جامعا أو مجموعا وغير ذلك.
وقد اختلف في أول من صنف وبوب، فقيل عبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج البصري (١٥٠هـ) بمكة، ومالك بن أنس (٩٣-١٧٩هـ) أو محمد بن إسحاق ( -١٥١هـ) بالمدينة المنورة، وصنف بها محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ذئب (٨٠-١٥٨هـ) موطأ أكبر من موطأ مالك، والربيع بن صبيح ( -١٦٠هـ) أو سعيد بن أبي عروبة ( -١٥٦هـ) أو حماد بن سلمة ( -١٦٧هـ) بالبصرة، وسفيان الثوري (٩٧-١٦١هـ) بالكوفة، وخالد بن جميل العبد، ومعمر
[ ٤٣ ]
ابن راشد (٥٩-١٥٣هـ) باليمن (١)، والإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (٨٨–١٥٧هـ) بالشام، وعبد الله بن المبارك (١١٨-١٨١هـ) بخرا سان، وهشيم بن بشير (١٠٤-١٨٣هـ) بواسط (٢)، وجرير بن عبد الحميد (١١٠-١٨٨هـ) بالري، وعبد الله بن وهب (١٢٥-١٩٧هـ) بمصر (٣)، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم، وقد كان معظم هذه المصنفات، والمجاميع يضم الحديث الشريف وفتاوى الصحابة والتابعين، كما يتجلى لنا بعض هذا في موطأ الإمام مالك بن أنس (٤) .
ثم رأى بعضهم أن تفرد أحاديث النبي ﷺ في مؤلفات خاصة، فألفت المسانيد، وهي كتب تضم أحاديث رسول الله ﷺ بأسانيدها خالية من فتاوى الصحابة والتابعين تجمع فيها أحاديث كل صحابي ولو كانت في مواضيع مختلفة – تحت اسم مسند فلان ومسند فلان وهكذا.
وأول من ألف المسانيد أبو داود سليمان بن الجارود الطيالسي (٣٣ -٢٠٤هـ) (٥) . وتبعه بعض من عاصره من أتباع التابعين وأتباعهم، فصنف أسد بن موسى الأموي ( -٢١٢هـ) وهو أول من صنف المسند بمصر، وعبيد الله بن موسى العبسي ( -٢١٣هـ) وقال ابن
_________________
(١) تدريب الراوي للسيوطي ١/٨٩.
(٢) تاريخ بغداد ١٤/٨٥.
(٣) تدريب الراوي للسيوطي ١/٨٩.
(٤) الرسالة المستطرفة للكتاني ص ٦-٧.
(٥) الرسالة المستطرفة للكتاني ص ٦١.
[ ٤٤ ]
عدي: هو أول من صنف المسند بالكوفة، ونعيم بن حماد الخزاعي المصري ( -٢٢٨هـ) واقتفى الأئمة آثارهم كأحمد بن حنبل (١٦٤ -٢٤١هـ) وإسحاق بن راهويه (١٦١-٢٣٨هـ) وعثمان بن أبي شيبة (١٥٦-٢٣٩هـ) وغيرهم (١) . ويعُدّ مسند الإمام أحمد بن حنبل – وهو من أتباع التابعين – أوفى تلك المسانيد وأوسعها.
جمع هؤلاء الحديث ودونوه بأسانيده. واجتنبوا الأحاديث الموضوعة وذكروا طرقا كثيرة لكل حديث، يتمكن بها جهابذة هذا العلم وصيارفته من معرفة الصحيح من الضعيف، والقوي من المعلول، مما لا يتيسر لكل طالب علم فرأى بعض الأئمة أن يصنفوا في الحديث الصحيح فقط، فصنفوا كتبهم على الأبواب واقتصروا فيها على الحديث الصحيح. ظهرت الكتب الستة في هذا العصر، عصر أتباع أتباع التابعين، وكان أول من صنف ذلك الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (١٩٤-٢٥٦هـ)، ثم الإمام مسلم بن الحجاج القشيري (٢٠٤-٢٦١هـ)، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (٢٠٢-٢٧٥هـ)، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ( -٢٧٩هـ) وأحمد بن شعيب النسائي (٢١٥-٣٠٣هـ) . ثم ابن ماجه وهو عبد الله بن محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه القزويني (٢٠٧-٢٧٣هـ)، وقد خدمت هذه الكتب بالشرح والتهذيب والاختصار والاستخراج عليها من قبل العلماء الذين جاؤوا بعدهم (٢) .
_________________
(١) الرسالة المستطرفة للكتاني ص ٦١ – ٦٣.
(٢) جمعت مادة المبحثين الثاني والثالث من كتاب أصول الحديث وعلومه ومصطلحه للدكتور محمد عجاج الخطيب من ص ٧٩ إلى ص ١٨٥ بتصرف شديد وإضافات.
[ ٤٥ ]
الثاني: علم الرجال أو ما يسمى بالجرح والتعديل وقد ظهر هذا العلم في عصر الصحابة والتابعين ولكن اشتدت الحاجة إليه في عصر أتباع التابعين، حيث كان التابعون وأتباعهم وأهل العلم من بعدهم يبينون أحوال الرواة وينقدونهم ويعدلونهم حسبة لله، لا تأخذهم خشية أحد ولا تتملكهم عاطفة، فليس أحد من نقاد الحديث ورجاله يحابي في حديث رسول الله ﷺ أباه ولا أخاه ولا ولده، وقد قصد الجميع خدمة الشريعة الإسلامية وحفظ مصادرها، فصدقوا القول وأخلصوا النية.
فهذا شعبة بن الحجاج (٨٢-١٦٠هـ) يُسأل عن حديث حكيم ابن جبير فيقول (أخاف النار) (١) وكان شديدًا على الكذابين، ولهذا قال الإمام الشافعي: (لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق) (٢) .
وقد كان أئمة الحديث يدققون في حكمهم على الرواة، يعرفون كل محدث ما له وما عليه
قال الإمام الشعبي: (والله لو أصبت تسعًا وتسعين مرة وأخطأت مرة لعدو علي تلك الواحدة) (٣)
وقال يحيى بن سعيد القطان: (سألت سفيان الثوري وشعبة ومالكًا وابن عيينةَ عن الرجل يكون ثبتًا في الحديث، فيأتيني الرجل فيسألني عنه، قالوا أخبر عنه أنه ليس بثبت) (٤)
_________________
(١) الجرح والتعديل ١/١٤٠.
(٢) تذكرة الحفاظ ١/١٩٣.
(٣) تذكرة الحفاظ ١/٨٢.
(٤) ضعفاء العقيلي ١/١٤.
[ ٤٦ ]
وقد أكد العلماء ضرورة بيان أحوال الرواة، وأنه ليس في هذا غيبة، بل في ذلك حفظ السنة، وصيانتها عن الدخيل، وبيان الصحيح من الضعيف، والمقبول من المردود، قال ابن المبارك: (المعلى بن هلال هو، إلا أنه إذا جاء الحديث يكذب، فقال له بعض الصوفية: يا أبا عبد الرحمن، تغتاب؟ فقال: اسكت، إذا لم نبين، كيف يعرف الحق من الباطل؟) (١)
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: (جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي فجعل أبي يقول: فلان ضعيف، فلان ثقة، فقال أبو تراب: يا شيخ، لا تغتب العلماء، فالتفت أبي إليه، فقال له: ويحك هذا نصيحة وليس هذا غيبة) (٢)
وكانت غاية العلماء في كل هذا بيان الحق بكل أمانة وإخلاص، وكانوا يرون الأمانة في الذهب والفضة أيسر
من الأمانة في الحديث، فكانوا أمناء في كل هذا ولولا ضرورة التثبت والبحث ما خاضوا هذا الميدان الخطير، وما قاسوا المكاره والصعاب.
وقيل ليحيىبن سعيد القطان: (أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءَك عند الله؟ قال: لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إليَّ من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ، يقول: لم حدثت عني حديثًا ترى أنه كذب؟) (٣)
_________________
(١) الكفاية للخطيب البغدادي ص ٤٥.
(٢) الكفاية للخطيب البغدادي ص ٤٥.
(٣) تدريب الراوي ٢/٣٦٩.
[ ٤٧ ]
وهكذا قام هؤلاء العلماء بهذه الجهود المباركة لما فيها من نصح للمسلمين، وحفظ لسنة رسول الله ﷺ وإقامة لقواعد الدين استجابة لقول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ – ٧١]
فجزى الله هؤلاء الرجال الأفذاذ خير الجزاء على ما قدموه من جهود جبارة لخدمة هذا الدين وجعلها في موازين أعمالهم.. آمين.
[ ٤٨ ]