المبحث الأول: المصادر الأساسية للتشريع الإسلامي
المطلب الأول: المصدر الأول القرآن الكريم
الفصل الأول: مصادر التشريع الإسلامي:
الشريعة لها مصادر تستقي منها علومها التي انبثقت منها، وهي كلها تعتمد على الوحي المنزل على الرسول ﷺ، قرآنًا وسنة. وهذان هما المصدران الأساسيان، وهناك مصادر فرعية أرشدت إليها نصوص الكتاب والسنة: كالإجماع والقياس (١) .
المبحث الأول: المصادر الأساسية للتشريع الإسلامي:
المطلب الأول: المصدر الأول: القرآن الكريم:
تعريف القرآن لغة:
القرآن مصدر للفعل قرأ، بمعنى: تلا (٢) . وقال الجوهري: "قرأت الشيء قرآنًا: جمعته وضممت بعضه إلى بعض، ، وقرأت الكتاب: قراءة وقُرْآنًا، ومنه سمي القرآن. وقال أبو عبيدة: سُمِّي القرآن؛ لأنه يجمع السور فيضمها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٧]، أي جمعه وقراءته، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨]، أي قراءته" (٣) . ثم أطلق هذا الاسم على القرآن الكريم، وصار علمًا له.
_________________
(١) انظر كتاب المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص ١٨٣.
(٢) انظر القاموس المحيط ١/٢٥.
(٣) الصحاح ١/٦٥.
[ ١٣ ]
تعريف القرآن اصطلاحًا:
وأما تعريف القرآن الاصطلاحي، فهو: "كلام الله المنزل على محمد ﷺ، بلسان عربي مبين، والمكتوب بين دفتي المصاحف، والمنقول إلينا تواترًا" (١) . وعرفه الزرقاني بأنه "اللفظ المنزل على النبي ﷺ المنقول عنه بالتواتر، المتعبد بتلاوته" (٢) . وهذا التعريف الذي استقر عليه الأمر واشتهر عن المؤلفين (٣) .
ومن خصائص القرآن الكريم أنه معجز للبشر عن أن يأتوا بمثله، وإذا ثبت العجز من الجميع، ثبت أن القرآن من عند الله -﷿-، وإذ ثبت ذلك وجب على الناس اتباعه، وعلى هذا فالقرآن الكريم حجة على جميع الناس؛ قال تعالى مبينًا ذلك: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] .
_________________
(١) التعريف بالقرآن والحديث لمحمد الزفزاف ص ٥.
(٢) مناهل العرفان في علوم القرآن ١/٢٠.
(٣) والراجح في تعريف القرآن ما ذكره الطحاوي في شرح العقيدة الطحاوية (١/١٧٢) " إن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية ". (اللجنة العلمية) .
[ ١٤ ]
المطلب الثاني: المصدر الثاني هو السنة النبوية:
للسنة مع القرآن ثلاثة أحوال هي:
١-إما موافقة للقرآن ومؤكدة لما ثبت فيه من أحكام، أو مفرعة على أصل تقرر فيه. ومثال ذلك جميع الأحاديث التي تدل على وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك، وكذلك ما جاء في السنة من النهي عن عقوق الوالدين، وشهادة الزور، وقتل النفس بغير حق ونحو ذلك.
٢- أحكام مبينة ومفصلة لمجمل القرآن. ومن ذلك السنة التي بينت مقادير الزكاة، ومقدار المال المسروق الذي تقطع فيه يد السارق. وأنواع البيان الأخرى مثل: تخصيص العام في القرآن، وتقييد مطلق القرآن.
٣- أحكام جديدة لم يذكرها القرآن الكريم؛ وليست بيانًا له، ولا تأكيدًا لما ثبت فيه من أحكام. مثل تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وتحريم نكاح المرأة على عمتها، أو على خالتها (١) .
ومما يبين أن هذين المصدرين هما مصدران أساسيان؛ أن الله تعالى أمر بالرجوع إليهما عند التنازع، لكون ما عداهما تابعًا لهما. قال ابن حزم: "فكانت الأخبار التي ذكرنا أحد الأصول الثلاثة التي ألزمنا طاعتها في الآية الجامعة لجميع الشرائع، أولها عن آخرها: وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ [النساء:٥٩]، فهذا أصل وهو القرآن، ثم قال تعالى:
_________________
(١) انظر كتاب أصول الحديث علومه ومصطلحه ص ٤٧-٤٩، وكتاب المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص ١٩٤.
[ ١٥ ]
﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩]، فهذا ثانٍ، وهو الخبر عن رسول الله ﷺ، ثم قال تعالى: ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فهذا ثالثٌ وهو الإجماع المنقول إلى رسول الله ﷺ حكمه، وصح لنا بنص القرآن أن الأخبار هي أحد الأصلين المرجوع إليهما عند التنازع. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء:٥٩] " (١) . فدل كلام ابن حزم على أن المصدرين الأساسيين، هما القرآن والسنة؛ بدليل الاعتماد عليهما عند التنازع، وبدليل أن الإجماع لا يصح إلا بدليل من الكتاب أو السنة.
وهناك مصادر تشريعية تابعة لهذين المصدرين الأساسيين، أرشدت إليها نصوص الكتاب والسنة، هي: الإجماع والقياس.
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/١٠٨-١٠٩.
[ ١٦ ]
المبحث الثاني: المصادر الفرعية للتشريع الإسلامي:
المطلب الأول: المصدر الأول: الإجماع:
معنى الإجماع في اللغة: الاتفاق، وجعل الأمر جميعًا بعد تفرقه، والعزم على الأمر: أجمعت الأمر وعليه، والأمر مجمع (١) . "قال الكسائي: يقال: أجمعت الأمر وعلى الأمر، إذا عزمت عليه؛ والأمر مُجمَعٌ وقال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس:٧١]، أي وادعوا شركاءكم؛ لأنه لا يقال: أجمعت شركائي، إنما يقال: جمعت" (٢) .
وقسم الآمدي معنى الإجماع في اللغة إلى اعتبارين:
أحدهما: العزم على الشيء والتصميم عليه. ومنه يقال: أجمع فلان على كذا، إذا عزم عليه وعلى هذا يصح إطلاق اسم الإجماع على عزم الواحد (٣) .
والثاني: الاتفاق؛ ومنه يقال: أجمع القوم على كذا؛ إذا اتفقوا عليه. وعلى هذا فاتفاق كل طائفةٍ على أمرٍ من الأمور، دينيًا كان أو دنيويًا، يسمى إجماعًا حتى اتفاق اليهود والنصارى" (٤) .
_________________
(١) انظر القاموس المحيط ٣/١٥، مادة (جمع) .
(٢) الصحاح للجوهري ٣/١١٩٩. ومراد الجوهري أن معنى الآية: أجمعوا أمركم، وادعوا شركاءكم، وليس المراد "وأجمعوا شركاءكم"؛ لأنه لا يقال: أجمعت شركائي، وإنما يقال: جمعت شركائي.
(٣) الإحكام في أصول الأحكام ١/١٧٩. وأشار إلى الآية المذكورة قبله. وإلى حديث:"لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" أي يعزم.
(٤) الإحكام في أصول الأحكام ١/١٧٩.
[ ١٧ ]
ومعنى الإجماع اصطلاحًا: "اتفاق أمة محمد ﷺ خاصة على أمر من الأمور الدينية" (١) .
وعرفه الآمدي بقوله: "الإجماع عبارة عن اتفاق جملة من أهل الحل والعقد من أمة محمد في عصر من الأعصار على حكم واقعة من الوقائع. هذا إن قلنا: إن العامِّيَّ لا يعتبر في الإجماع. وإلا فالواجب أن يقال: الإجماع عبارة عن اتفاق المكلفين من أمة محمد "إلخ (٢) . وقال الباجي: الإجماع هو: "إجماع علماء العصر في حكم حادثة لم يتقدم فيها خلاف" (٣) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "معنى الإجماع: أن تجتمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام. وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم؛ فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكنْ كثير من المسائل يظن بعض الناس فيها إجماعًا، ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون القول الآخر أرجح في الكتاب والسنة" (٤) .
وبهذا يتضح أن الإجماع يعد مُلْزِمًا ويجب العمل به. ولكن بعض المؤلفين قد يتساهلون في إطلاق الإجماع على مسائل فيها خلاف، لذلك نبه شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا الأمر، كما سبق في كلامه.
_________________
(١) المستصفى من علم الأصول ٢/٢٩٤.
(٢) الإحكام في أصول الأحكام ١/١٨٠، قال هذا التعريف جمعًا بين الأقوال التي ذكرها.
(٣) كتاب الحدود في الأصول ص ٦٤.
(٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ٢٠/١٠، ثم بيَّن أن قول الأئمة الأربعة ليس حجة لازمة ولا إجماعًا.
[ ١٨ ]
كيف نشأ الإجماع؟
كان الصحابة ملتفين حول الرسول ﷺ، يتعلمون منه، ويلازمونه في أموره كلها، وشاهدوا الوقائع والحوادث، وعايشوا التنزيل، ولذلك فهم أعرف الناس بمعاني آيات القرآن الكريم، ونصوص السنة؛ وإضافة إلى ذلك فقد هيأهم الله - ﷾- لأن يهتدوا بهدي النبي ﷺ، ويقتفوا أثره، وفضلهم على من بعدهم بشرف الصحبة. قال الرسول ﷺ: "مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ " (١) . ثم بعد وفاة الرسول ﷺ، كانوا إذا حدثت لهم قضية، تشاوروا فيها، وبحثوا عن دليل عند أحدٍ منهم، فإن لم يجدوا اجتهدوا في الوصول إلى رأي واحد. فإذا استطاعوا أن يجتمعوا على رأي واحد في القضية فعلوا؛ فكان ذلك أساسًا للعمل بالإجماع، والاحتجاج به. وقد دل القرآن والسنة على العمل بإجماعهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، وبهذا يتضح مدى اعتماد هذا المصدر على المصدرين الرئيسين الكتاب والسنة؛"فإن إجماعهم يرجع لنفس النص، أو أنه يكشف عن دليل سمعوه من الرسول ﷺ، ولاستحالة اجتماعهم على خطأ أصلًا" (٢)؛ لقول النبي ﷺ: " لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه، ١/٦٩-٧٠، كتاب الإيمان، بَاب بَيَانِ كَوْنِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مِنْ الإيمان وَأَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبَانِ، الحديث رقم ٥٠.
(٢) أسباب اختلاف الفقهاء/للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، ص ١٠٢.
[ ١٩ ]
يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ" (١) . واستدل العلماء بذلك على العمل بالإجماع، قال النووي: "وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل لِكَوْنِ الإجماع حُجَّة، وَهُوَ أَصَحّ مَا اسْتُدِلَّ بِهِ لَهُ مِن الْحَدِيث، وَأَمَّا حَدِيث " لا تَجْتَمِع أُمَّتِي عَلَى ضَلالة " فَضَعِيف. وَاللَّهُ أَعْلَم" (٢) .
وقد بَيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- هذه الأصول الثلاثة، الكتاب والسنة والإجماع، وأنها مصادر صحيحة لمعرفة الحق، وتمييزه من الباطل؛ حيث قال: "إن الحق الذي لا باطل فيه: هو ما جاءت به الرسل عن الله، وذلك في حقنا يعرف: بالكتاب والسنة والإجماع. وأما ما لم تجئ به الرسل عن الله، أو جاءت به، ولكن ليس لنا طريق موصلة إلى العلم به؛ ففيه الحق والباطل؛ فلهذا كانت الحجة الواجبة الاتباع: للكتاب والسنة والإجماع؛ فإن هذا حق لا باطل فيه، واجب الاتباع، لا يجوز تركه بحال، عام الوجوب، لا يجوز ترك شيء مما دلت عليه هذه الأصول، وليس لأحد الخروج عن شيء مما دلت عليه. وهي مبنية على أصلين: أحدهما: أن هذا جاء به الرسول. والثاني: أن ما جاء به الرسول وجب اتباعه" (٣) .
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه ٣/١٥٢٣، كتاب الإمارة، بَاب قَوْلِهِ ﷺ: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ"، الحديث رقم ١٩٢٠.
(٢) شرح النووي لمسلم ١٣/٦٧. والحديث رواه أبو داود ٤/٤٥٢، في كتاب الفتن، باب الفتن ودلائلها. الحديث رقم ٤٢٥٣، وابن ماجه ٢/١٣٠٣، في كتاب الفتن، باب السواد الأعظم. الحديث رقم ٣٩٥٠، وأحمد في مسنده ٤٥/٢٠٠، ورقم الحديث ٢٧٢٢٤. وقال عنه المحقق: "صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف؛ لإيهام الراوي عن أبي بصرة وبقية رجال السند ثقات، رجال الصحيح" وذكر له شواهد كثيرة. وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/٣٢٠.
(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ١٩/٥-٦.
[ ٢٠ ]
مستند الإجماع:
لابد أن يستند الإجماع إلى دليل؛ لأن القول في الأمور الشرعية من غير دليل خطأ، والأمة الإسلامية لا تجتمع على خطأ فلابد إذن أن يكون إجماع المجتهدين عن دليل لئلا تجتمع الأمة على خطأ؛ لأن غير المجتهدين تبع للمجتهدين، فإذا وقع المجتهدون في الخطأ وقعت الأمة في الخطأ، واجتماعها على الخطأ منفي عنها بنص الأحاديث. ومستند الإجماع، أي دليله قد يكون نصًا من الكتاب والسنة، كما قد يكون قياسًا، أو عرفًا، أو غير ذلك من أنواع الاجتهاد" (١) .
الإجماع في العصر الحاضر:
هل يمكن الاستفادة من هذا المصدر في عصرنا الحاضر؟ وكيف يمكن ذلك؟ أجاب الدكتور عبد الكريم زيدان عن هذا السؤال بالإيجاب، وَبيَّنَ كيفية الاستفادة من ذلك فقال: "ونعتقد أن هذه الاستفادة لا يمكن أن تتم إلا عن طريق إيجاد مجمع فقهي يضم جميع المجتهدين من جميع الأقطار الإسلامية، ويكون لهذا المجمع مكان معين، ويهيأ (٢) له جميع ما يلزم لعمله، وتعرض عليه المسائل والوقائع الجديدة لدراستها وإيجاد الأحكام لها، ثم تنشر هذه الأحكام في نشرات دورية أو كتب خاصة لإطلاع الناس عليها، وإبداء أولي العلم آراءهم فيها. فإذا ما اتفقت الآراء على هذه الأحكام كانت من الأحكام المجمع عليها، وكان هذا الإجماع قريبًا من الإجماع المنصوص عليه عند الفقهاء، ولزم اتباعه، والعمل بموجبه" (٣) .
_________________
(١) المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية/ لعبد الكريم زيدان ص ١٩٦.
(٢) في الأصل "ويهيء" ولا تستقيم العبارة.
(٣) المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ص ١٩٨.
[ ٢١ ]
المطلب الثاني: المصدر الثاني: القياس:
القياس لغة: مأخوذ من "قاسه بغيره وعليه: يقيسه قيسًا وقياسًا، واقتاسه: قَدَّره على مثاله فانقاس" (١) . "وقايست بين الأمرين مقايسةً وقياسًا. ويقال أيضًا: قايست فلانًا، إذا جاريته في القياس. وهو يقتاس الشيء بغيره، أي يقيسه به. ويقتاس بأبيه اقتياسًا: أي يسلك سبيله ويقتدي به" (٢) .
أو يمكن أن يقال: القياس في اللغة يدور حول التقدير والمساواة (٣) .
وأما في الشرع: القياس: حمل معلوم على معلوم، في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما، بأمرٍ يجمع بينهما، من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما" (٤) .
ويمكن تعريفه بأنه: "حمل فرع على أصل في حكم بجامعٍ بينهما" (٥) .
والقياس له أهمية كبيرة في الشريعة الإسلامية؛ حيث إن نصوص الكتاب والسنة محصورة، والقضايا التي تحتاجها الأمة غير محصورة؛ بل متجددة وغير متناهية. قال الجويني مبينًا أهميته في الدين: "القياس مناط الاجتهاد، وأصل الرأي، ومنه يتشعب الفقه، وأساليب الشريعة، وهو المفضي إلى الاستقلال بتفاصيل أحكام الوقائع، مع انتفاء الغاية والنهاية؛ فإن نصوص الكتاب والسنة محصورة مقصورة، ومواقع الإجماع معدودة مأثورة، فما ينقل منهما تواترًا،
_________________
(١) القاموس المحيط ٢/٢٥٣، وانظر الصحاح للجوهري ٣/٩٦٧.
(٢) الصحاح للجوهري ٣/٩٦٧-٩٦٨.
(٣) انظر الإحكام في أصول الأحكام ٣/١٦٧، وأصول مذهب الإمام أحمد ص ٥٤٩.
(٤) البرهان في أصول الفقه للجويني ٢/٧٤٥.
(٥) روضة الناظر وجنة المناظر ص ١٤٥.
[ ٢٢ ]
فهو المستنِد إلى القطع وهو معوز قليل، وما ينقله الآحاد عن علماء الأعصار ينزل منزلة أخبار الآحاد، وهي على الجملة متناهية، ونحن نعلم قطعًا أن الوقائع التي يتوقع وقوعها لا نهاية لها. والرأي المبتوت المقطوع به عندنا: أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى، متلقى من قاعدة الشرع، والأصل الذي يسترسل على جميع الوقائع القياس، وما يتعلق به من وجوه النظر والاستدلال فهو إذن أحق الأصول باعتناء الطالب، ومن عرف مأخذه وتقاسيمه، وصحيحه وفاسده، وما يصح من الاعتراضات عليها، وما يفسد منها، وأحاط بمراتبه جلاءً وخفاءً، وعرف مجاريها ومواقعها، فقد احتوى على مجامع الفقه" (١) .
وفي الحقيقة: يعدُّ القياس من أعظم مميزات هذا الدين، يوضح ذلك صاحب كتاب إثبات القياس بقوله: "والقياس مظهر من أعظم مظاهر شمول الشريعة وعمومها، وأبرز سمات بقائها ودوامها، فبالقياس ترد الأحكام التي يجتهد فيها المجتهد إلى الكتاب والسنة؛ لأن الحكم الشرعي يكون نصًا أو حملًا على نصٍ بطريق القياس" (٢) .
حجية القياس:
القياس حجة عند الصحابة وجمهور علماء السلف والخلف.
قال الغزالي: "والذي ذهب إليه الصحابة ﵃ بأجمعهم، وجماهير الفقهاء والمتكلمين بعدهم ﵏، وقوع التعبد به شرعًا" (٣) .
_________________
(١) البرهان في أصول الفقه ٢/٧٤٣-٧٤٤.
(٢) كتاب إثبات القياس في الشريعة والرد على منكريه، لعبد القادر شيبة الحمد ص ٣.
(٣) المستصفى ٣/٤٩٤.
[ ٢٣ ]
وقال الجويني: "ذهب علماء الشريعة، وأهل الحل والعقد إلى أن التعبد بالقياس في مجال الظنون جائز غير ممتنع" (١)، ثم قال: "نحن نعلم قطعًا أن الوقائع التي جرت فيها فتاوى علماء الصحابة وأقضيتهم، تزيد على المنصوصات زيادة لا يحصرها عد، ولا يحويها حد؛ فإنهم كانوا قايسين في قريب من مائة سنة، والوقائع تترى" (٢) .
وقال شيبة الحمد: "ذهب عامة الفقهاء والمتكلمين من سلف الأمة وخلفها إلى أن القياس حجة شرعية، وأصل من أصول الفقه في الشريعة الإسلامية، مستدلين بكتاب الله -تعالى-، وسنة رسوله ﷺ، وإجماع الصحابة ﵃، والفطرة والعقل" (٣) .
_________________
(١) البرهان ٢/٧٥٣.
(٢) البرهان ٢/٧٦٤-٧٦٥.
(٣) كتاب إثبات القياس في الشريعة والرد على منكريه ص ١٥.
[ ٢٤ ]