مدخل
الفصل الثالث: مكانة السنة النبوية في التشريع الإسلامي من حيث الاحتجاج والعمل
في هذا الفصل سأتحدث عن مبحثين: الأول: عن مكانة السنة النبوية في التشريع الإسلامي من حيث الاحتجاج بها، وهذا الموضوع هو الأساس في هذا البحث، وهو موضوع مهم في هذا الدين الإسلامي؛ لأنه ينبني عليه
[ ٣٣ ]
اعتماد السنة عند المسلمين، ومن ثم وجوب العمل بها، وتطبيقها في حياتهم، وهذا هو المبحث الثاني؛ إذ هو ثمرة للمبحث الأول، ونتيجة وهدف له؛ إذ به يتحقق امتثال الناس لهذا الدين العظيم، وتنفيذهم لأوامره؛ باتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
[ ٣٤ ]
المبحث الأول: مكانة السنة النبوية في التشريع الإسلامي من حيث الاحتجاج بها:
المطلب الأول: معنى حجية السنة ودليل ذلك:
معنى حجية السنة: "أنها دليل على حكم الله، يفيدنا العلم أو الظن به، ويظهره ويكشفه لنا. فإذا علمنا أو ظننا الحكم بواسطته: وجب علينا امتثاله والعمل به. فلذلك قالوا: معنى حجية السنة: وجوب العمل بمقتضاها. فالمعنى الحقيقي للحجية، هو: الإظهار والكشف والدلالة؛ ويلزم هذا وجوب العمل بالمدلول: حيث إنه حكم الله " (١) . فكل ما يأمر به الرسول ﷺ، إنما هو بأمر الله له؛ حيث إنه لا ينطق عن الهوى، بل هو مبلغ لما أوحاه الله إليه، سواءً كان ذلك الموحى إليه قرآنًا أو سنة. قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣، ٤] . وكما جاء في حديث الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ (﵁) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، ألا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، لا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، ألا لا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الأَهْلِيِّ ولا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ ألا وَلا لُقَطَةٌ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ إِلا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُمْ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُمْ فَلَهُمْ أَنْ يُعْقِبُوهُمْ بِمِثْلِ
_________________
(١) انظر حجية السنة لعبد الغني عبد الخالق ص ٢٤٣. وسيأتي مزيد لمسألة وجوب العمل بالسنة، في المبحث الثاني من الفصل الثالث.
[ ٣٥ ]
قِرَاهُمْ" (١) . وروى أبو داود عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ: نَزَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ خَيْبَرَ وَمَعَهُ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَكَانَ صَاحِبُ خَيْبَرَ رَجُلا مَارِدًا مُنْكَرًا فَأَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَلَكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا حُمُرَنَا، وَتَأْكُلُوا ثَمَرَنَا، وَتَضْرِبُوا نِسَاءَنَا؟ فَغَضِبَ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وَقَالَ: "يَا بْنَ عَوْفٍ، ارْكَبْ فَرَسَكَ ثُمَّ نَادِ: أَلا إِنَّ الْجَنَّةَ لا تَحِلُّ إِلا لِمُؤْمِنٍ وَأَن اجْتَمِعُوا لِلصَّلاةِ. قَالَ فَاجْتَمَعُوا" ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: "أَيَحْسَ بُ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ قَدْ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلا مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ، ألا وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ وَعَظْتُ وَأَمَرْتُ وَنَهَيْتُ عَنْ أَشْيَاءَ إِنَّهَا لَمِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ، وَإِنَّ اللَّهَ ﷿ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا بِإِذْنٍ ولا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ ولا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ إِذَا أَعْطَوْكُمْ الَّذِي عَلَيْهِمْ" (٢) .
فهذا الحديث يبين فيه النبي ﷺ أنه أوحي إليه القرآن الكريم، وأوتي مثله معه وهو السنة النبوية، فهي وحي مثل القرآن الكريم؛ حيث إنها من الله ﷿، وأنه يجب العمل بهما.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في مسنده، ٢٨/٤١٠-٤١١، برقم ١٧١٧٤، ورواه أبو داود في سننه، ٥/١٠-١٢، كتاب السنة، بَاب فِي لُزُومِ السُّنَّةِ، الحديث رقم ٤٦٠٤، وروى الجزء الأول منه الترمذي، ٤/١٤٤، في كتاب العلم، بَاب مَا نُهِيَ عَنْهُ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ، الحديث رقم ٢٨٠٠، وابن ماجه، ١/٦، كتاب المقدمة، بَاب تَعْظِيمِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ عَارَضَهُ، الحديث رقم ١٢، والدارمي، ١/١٤٤، كتاب المقدمة، بَاب السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ. وهو صحيح، انظر: صحيح سنن أبي داود (٣/١١٧-١١٨) ح٤٦٠٤، وصحيح سنن ابن ماجه برقم١٢.
(٢) رواه أبو داود في سننه، ٣/٤٣٦، كتاب الخراج والإمارة والفيء، بَاب فِي تَعْشِيرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا اخْتَلَفُوا بِالتِّجَارَاتِ، الحديث رقم ٣٠٥٠، وإسناده ضعيف، انظر ضعيف سنن أبي داود/٢٤٥ برقم ٣٠٥٠، والمشكاة (١/٥٨) برقم ١٦٤ ج٣.
[ ٣٦ ]
وقد عنون الخطيب البغدادي في كتابه "الكفاية" بقوله: "باب ما جاء في التسوية بين كتاب الله تعالى وحكم سنة رسول الله ﷺ في وجوب العمل ولزوم التكليف" (١) .
"وصحة الاستدلال بحديث يروى عن رسول الله ﷺ، على عقيدة دينية أو حكم شرعي، يتوقف على أمرين:
الأول: ثبوت أن السنة - من حيث صدورها عن النبي ﷺ حجة وأصل من أصول التشريع" (٢) . وهذه المسألة لم يخالف فيها أحد من العلماء في الجملة؛ بحيث ينكرها كلها فلا يحتج بشيء منها (٣) .
"الثاني: ثبوت أن هذا الحديث قد صدر عن رسول الله ﷺ بطريق من طرق الرواية المعتمدة" (٤) .
وإذا ثبتت السنة عن النبي ﷺ؛ فإن اتباعها واجب على كل مسلم؛ وبهذا جاء القرآن الكريم، يأمرنا باتباع كل ما جاء به الرسول ﷺ؛ حيث يقول ﷾: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] .
_________________
(١) ص ٢٣. ثم ذكر تحته حديث المقدام المذكور آنفًا من طرق مختلفة.
(٢) حجية السنة لعبد الغني عبد الخالق ص ٢٤٥.
(٣) انظر: حجية السنة لعبد الغني عبد الخالق ص ٢٤٨.
(٤) حجية السنة لعبد الغني عبد الخالق ص ٢٤٥.
[ ٣٧ ]
المطلب الثاني: حجية السنة عند علماء المسلمين، والأدلة على ذلك
وحجية السنة متفق عليها عند المسلمين. قال الشوكاني: "اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال، وتحريم الحرام" (١) . ثم قال: "والحاصل أن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية لا يخالف في ذلك إلا مَنْ لا حَظَّ له في دين الإسلام" (٢) .
أدلة حجية السنة:
وهناك أدلة كثيرة على حجية السنة سأذكر بعضًا منها:
١- دليل العصمة: وهي أن الله تعالى عصم نبيه مِنْ تَعَمُّدِ ما يُخِلُّ بالتبليغ إجماعًا بدلالة المعجزة، ومن السهو والغلط فيه على الصحيح. والذاهبون إلى تجويز ذلك عليه يجمعون على اشتراط التنبيه فورًا من الله تعالى، وعدم التقرير عليه (٣) .
وقد أجمعت الأمة على عصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (٤) .
_________________
(١) إرشاد الفحول ص ٣٣.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) انظر حجية السنة لعبد الغني عبد الخالق ص ٢٧٩.
(٤) انظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/١٥٦-١٥٧، وإرشاد الفحول ص ٣٣-٣٤.
[ ٣٨ ]
وقد أثبت الله لرسوله العصمة في كتابه الكريم حيث قال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] . قال القرطبي: "دلت الآية على رد قول من قال: إن النبي ﷺ كتم شيئًا من أمر الدين تقية، وعلى بطلانه، وهم الرافضة، ودلت على أنه ﷺ لم يسرَّ إلى أحد شيئًا من أمر الدين؛ لأن المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك ظاهرًا، ولولا هذا ما كان في قوله ﷿: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ .
فائدة وقال ابن عباس: "المعنى: بَلِّغ جميع ما أنزل إليك من ربك، وإن كتمت شيئًا فما بلغت رسالته" (١)
كما قال عن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ إن في ذلك دليلًا على نبوته؛ لأن الله ﷿ أخبر أنه معصوم، ومن ضمن سبحانه له العصمة فلا يجوز أن يكون قد ترك شيئًا مما أمره الله به" (٢) .
٢- أن الله -﷾- كما عصم رسوله أن يخطئ، عصم حديثه أن يحرف عليه شيء؛ فتكفل الله تعالى بحفظ هذا الدين كتابًا وسنةً، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] . والذكر في الآية يشمل القرآن والسنة؛ وقد استدل ابن حزم بهذه الآية، وبقوله تعالى: ﴿قُلْ
_________________
(١) تفسير القرطبي ٦/٢٤٢.
(٢) تفسير القرطبي ٦/٢٤٣.
[ ٣٩ ]
إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء:٤٥]، فأخبر تعالى أن كلام نبيه ﷺ كله وحي، والوحي بلا خلاف ذكر، والذكر محفوظ بنص القرآن؛ فصح بذلك أن كلامه ﷺ كله محفوظ بحفظ الله ﷿ مضمون لنا أن لايضيع منه شيء، فهو منقول إلينا كله فلله الحجة أبدًا" (١) .
وقال ابن القيم: "إن كل ما حكم به رسول الله ﷺ، فهو مما أنزل الله، وهو ذكر من الله، أنزله على رسوله ﷺ، وقد تكفل سبحانه بحفظه؛ فلو جاز على حكمه الكذب والغلط والسهو من الرواة، ولم يقم دليل على غلطه وسهو ناقله لسقط حكم ضمان الله وكفالته لحفظه، وهذا من أعظم الباطل" (٢) . وهذا هو مذهب أهل الحديث، "وقد قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] " (٣) . وقد نقل مثل ذلك عن الإمام عبد الرحمن بن مهدي. وقال ابن الوزير: "وهذا يقتضي أن شريعة رسول الله ﷺ لا تزال محفوظة، وسنته لا تبرح محروسة" (٤) .
٣- لقد هيأ الله ﷾ لهذه الأمة الإسناد لحفظ الدين، منذ عهد الصحابة، فقد روى مسلم في مقدمة صحيحه، بسنده عن مجاهد، قال: جاء
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام ١/١١٠.
(٢) مختصر الصواعق ص ٤٠٠.
(٣) تدريب الراوي ١/٢٨٢.
(٤) الروض الباسم ١/٣٢-٣٣.
[ ٤٠ ]
بُشير العدوي إلى ابن عباس. فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ، فجعل ابن عباس ﵁ لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه. فقال: يا ابن عباس! ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ، ولا تسمع. فقال ابن عباس -﵁-": إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا. فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف" (١) .
وهكذا حفظ الله الدين منذ عهده الأول، إلى أن تقوم الساعة؛ فهيأ ﷾ الإسناد؛ فكشف به العلماء السابقون وضع الزنادقة وغيرهم للأحاديث المكذوبة، في فترة كتابة الأحاديث، وما زال العلماء يكتشفون كذب المستشرقين وأذنابهم من المسلمين وغيرهم، بواسطة الأسانيد؛ فإن المستشرقين ما فتئوا يطعنون حتى في أصح الأحاديث عندنا كصحيحي البخاري ومسلم وغيرهما، وذلك بالطعن في أسانيد كتب الحديث، ويقولون إن هذه الأسانيد كُتبت في وقت متأخر، حيث كتبت في زمن كتابة الحديث بعد قرن من وفاة الرسول ﷺ - حسب زعمهم- وبذلك كتبت عشوائيًا، وهنا وجدنا في هذه الأسانيد ردًا على زعمهم وباطلهم، كما كانت ردًا على أسلافهم من الزنادقة الذين وضعوا أحاديث مكذوبة في العهود المبكرة.
وقد قمت بكتابة بحث في الذب عن مصادر الإمام البخاري المكتوبة، باستخدام الأسانيد؛ حيث أفدت من الأسانيد فائدتين: الفائدة الأولى: وهي التي استخدمها السلف لكشف زيف كذب المبطلين؛ وذلك من خلال معرفة رجال السند؛ لتمييز الثقات من غيرهم.
_________________
(١) صحيح مسلم ١/١٣.
[ ٤١ ]
والفائدة الثانية للأسانيد: هي: أن رجال السند يعدون مصادر مكتوبة لكل كتاب من كتب الحديث المسندة؛ وذلك أن علماء الحديث كان لديهم صحف وأجزاء حديثية مكتوبة مشتملة على أحاديثهم؛ يبرهن على ذلك، أن طرق تحمل الحديث - أي سماعه - عددها ثمانية، هي: السماع، والعرض على الشيخ، والإجازة، والمناولة، والكتابة، والإعلام، والوصية، والوجادة. وهذه الطرق الثمانية يعتمد سبعة منها على الكتابة فقط، والطريقة الأولى يمكن أن تعتمد على المشافهة أو على الكتابة؛ ولذلك كان بحثي في رسالة الماجستير يعتمد على هذه الفائدة في إبطال زيف المستشرقين الذين اتهموا أهل الحديث بأنهم زيفوا الأسانيد، وذلك بتتبع رجال السند لكل حديث، ثم بتتبع الكتب التي ألفها رجال السند، ومقارنة الحديث الذي روي عن طريقهم بكتبهم المطبوعة أو المخطوطة. ولا يخلو سند من أكثر من راو له كتاب مطبوع أو مخطوط. أما الرواة الذين ذكرت لهم صحف أو أجزاء حديثية فكثيرون (١)، حسب ما تذكر عنهم كتب التراجم؛ ولكن كثيرًا من صحفهم وأجزائهم الحديثية مفقودة (٢) . ولكن ما يوجد من المطبوعات (٣) فضلًا عن
_________________
(١) فقد وصل عدد الرواة الذين وردت لهم أحاديث أو صحف أو أجزاء أو كتب حديثية، ١٠٧ راوٍ، من ضمن الرواة الذين روى لهم البخاري في كتاب الوضوء من صحيحه، البالغ عددهم فيه ٢٣٨راويًا. وعدد تلك المرويات المنسوبة لهم يزيد على ٣٣٧ ما بين كتاب أو نسخة أو صحيفة أو رسالة أو جزء حديثي. انظر رسالتي للماجستير والتي هي بعنوان (المصادر المكتوبة للبخاري في صحيحه "كتاب الوضوء")، ص ٤١٨. وانظر أيضًا آثار الرواة الذين لهم مصادر مكتوبة في كتاب الوضوء، فتصل آثارهم إلى (٤٢٩) أثرًا. انظر الفصل الثاني ص ٨٧-٣٦٥.
(٢) انظر ترجمة كل راوٍ من رواة كتاب الوضوء من رسالة الماجستير السابق ذكرها. ص ٨٧-٣٦٥.
(٣) روى البخاري لستة من الرواة الذين وجدت لهم كتب مطبوعة ٧٨٣ حديثًا بالمكرر. انظر تفصيلها في الرسالة المذكورة ص ٤١٠-٤١٣.
[ ٤٢ ]
المخطوطات كافٍ في رد تلك الشبه. وقد قمت بهذه الدراسة في رسالة الماجستير بدراسة كتاب الوضوء من صحيح البخاري. ورددت من خلالها على بعض المستشرقين، ومن تأثر بهم من المسلمين أمثال: فؤاد سزكين، وأحمد أمين، وأبي رية.
٤- الإيمان بالرسول ﷺ؛ فمقتضى الإيمان بالرسول ﷺ، الإيمان بكل ما جاء به. قال الإمام الشافعي ﵀: "بيان فرض الله في كتابه اتباع سنة نبيه" ثم قال: "وضع الله رسوله من دينه وفرضه وكتابه الموضع الذي أبان جل ثناؤه أنه جعله علمًا لدينه، بما افترض من طاعته، وحرم من معصيته، وأبان من فضيلته، بما قرن من الإيمان برسوله مع الإيمان به قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور:٦٢] . فجعل كمال ابتداء الإيمان الذي ما سواه تبع له: الإيمان بالله ثم برسوله" فلو آمن عبد به ولم يؤمن برسوله: لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبدًا، حتى يؤمن برسوله معه" (١) .
وقال ابن القيم: "فإذا جُعِلَ من لوازم الإيمان: أنهم لا يذهبون مذهبًا إذا كانوا معه إلا باستئذانه. فأولى أن يكون من لوازمه: ألا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي، إلا بعد استئذانه. وإذنه يُعرف بدلالة ما جاء به على أنه إذن فيه" (٢) .
٥- أن القرآن الكريم بيَّن أن وظيفة الرسول ﷺ أن يعلم الناس الكتاب
_________________
(١) الرسالة ٧٣-٧٥.
(٢) إعلام الموقعين ١/٥١-٥٢.
[ ٤٣ ]
والسنة؛ حيث قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤] .
قال الإمام الشافعي: "فذكر الله الكتاب، وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة: سنة رسول الله. وهذا يشبه ما قال، والله أعلم" (١) .
وقال الله ﷾: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٤]، قال غير واحد من العلماء: منهم يحيى بن أبي كثير، وقتادة، والشافعي وغيرهم: الحكمة: هي السنة؛ لأن الله ﷾ أمر أزواج نبيه أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من الكتاب والحكمة. والكتاب: القرآن، وما سوى ذلك مما كان الرسول ﷺ يتلوه: هو السنة" (٢) .
ومن وظائف التعليم: بيان معاني القرآن الكريم بالقول والعمل والتقرير: قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤] .
٦- أننا أُمرنا عند الاختلاف بالتحاكم إلى سنة رسول الله ﷺ، قال
_________________
(١) الرسالة ص ٧٨.
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ١/٦.
[ ٤٤ ]
تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، قال ابن كثير - في تفسير هذه الآية: "أي مهما اختلفتم فيه من الأمور، وهذا عام في جميع الأشياء، ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، أي: هو الحاكم فيه بكتابه وسنة نبيه ﷺ، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] " (١)، وقال ابن حزم معلقًا على قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]: "فوجدنا الله تعالى يردُّنا إلى كلام نبيه ﷺ ، فلم يسع مسلمًا يقر بالتوحيد، أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن، والخبر على رسول الله ﷺ، ولا أن يأبى عما وجد فيهما، فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق، وأما من فعله مستحلًا للخروج عن أمرهما، وموجبًا لطاعة أحد دونهما، فهو كافر، لا شك عندنا في ذلك" (٢) . ولذلك أوجب الله -تعالى- على المؤمنين أن ينفذوا أمر الله وأمر رسوله ﷺ، ولا يحق لهم أن يختاروا بين تنفيذ أمر الله ورسوله، وعدمِ التنفيذ، وحكم الله تعالى على من يعص الله ورسوله في أي حكم يأمرانه به بالضلال المبين، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦] .
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٧/١٨٢.
(٢) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/١١٠.
[ ٤٥ ]
المبحث الثاني: مكانة السنة النبوية في التشريع الإسلامي من حيث العمل بها:
المطلب الأول: السنة كالقرآن من حيث وجوب العمل بها:
الواجب على المسلمين جميعًا ألا يفرقوا بين القرآن والسنة، من حيث وجوب الأخذ بهما كليهما، وإقامة التشريع عليهما معًا، فإن هذا هو الضمان لهم أن لا يميلوا يمينًا ويسارًا، وأن لا يرجعوا القهقرى ضلالًا، كما أفصح عن هذا رسول الله ﷺ، في الحديث الذي رواه الحاكم بسنده عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ خطب الناس في حجة الوداع، فقال: "قد يئس الشيطان بأن يعبد بأرضكم، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروا، يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا: كتاب الله وسنة نبيه ".
ثم قال الحاكم بعد روايته لهذا الحديث: "قد احتج البخاري بأحاديث عكرمة، واحتج مسلم بأبي أويس، وسائر رواته متفق عليهم، وهذا الحديث لخطبة النبي ﷺ متفق على إخراجه في الصحيح: "يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم مسؤولون عني فما أنتم قائلون" (١) . ووافقه الذهبي في تلخيصه على ذلك الحكم؛ وقال: "له أصل في الصحيح" (٢) . والحديث الذي ذكره الحاكم، وأشار الذهبي إلى أن أصله
_________________
(١) المستدرك على الصحيحين في الحديث ١/٩٣.
(٢) المستدرك على الصحيحين في الحديث ١/٩٣.
[ ٤٦ ]
في الصحيح، رواه مسلم من حديث طويل (١)، ورواه مالك في الموطأ بلاغًا، ولكن يشهد له حديث الحاكم السابق، ولفظ مالك: "تركت فيكم أمرين؛ لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض" (٢) .
كما روى الحاكم أثرًا عن أبي بن كعب أنه لما وقع الناس في أمر عثمان ﵁ سئل أبي بن كعب: ما المخرج من هذا الأمر؟ قال: "كتاب الله وسنة نبيه، ما استبان لكم فاعملوا به، وما أشكل عليكم فكِلُوه إلى عالمه" (٣) .
وبعد أن سقت الأدلة التي تبين حجية السنة، في الفصل الثالث، يتضح لنا ثمرة ذلك الفصل، ونتيجته التي تترتب عليه؛ ألا وهي: أن السنة يجب العمل بها، ولم يختلف العلماء في هذه النتيجة. وقد لخص مصطفى السباعي خلاصة أقوال العلماء في ذلك فقال: "والسنة إما متواترة أو آحاد، وقد اتفق العلماء على أن المتواتر يفيد العلم والعمل معًا، وهو عندهم حجة لا نزاع فيها، إلا عمن ينكر السنة وأما خبر الآحاد فالجمهور على أنها حجة يجب العمل بها، وإن أفادت الظن وذهب قوم، منهم الإمام أحمد، والحارث بن أسد المحاسبي، والحسين بن علي الكرابيسي، وأبو سليمان الخطابي، وروي عن مالك: أنه قطعي موجب للعلم والعمل معًا. ولكل من الفريقين أدلة بسطت في كتب الأصول، والمهم أنهم جميعًا متفقون على حجية أخبار الآحاد،
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه ٢/٨٨٦-٨٩٢، في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، الحديث رقم ١٢١٨.
(٢) الموطأ ٢/٨٩٩، كتاب القدر، باب النهي عن القول في القدر، الحديث رقم ٣.
(٣) المستدرك ٣/٣٠٣.
[ ٤٧ ]
ووجوب العمل بها" (١) . كما بَيَّن أنه لم يخالف في حجية السنة إلا أصحاب المذاهب المنحرفة كالرافضة، والمعتزلة (٢) .
_________________
(١) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص ١٦٧.
(٢) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص ١٦٧-١٦٨.
[ ٤٨ ]
المطلب الثاني: الأدلة على وجوب العمل بالسنة:
ومن الأدلة التي تبين وجوب العمل بالسنة ما يأتي:
١- أن الله ﷾ أوجب اتباع رسوله ﷺ في جميع ما يصدر عنه، وأمر بالتأسي به في ذلك، وجعل اتباعه لازم لمحبة الله ﷿ قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] . روى القاضي عياض في "الشفا"، عن الحسن البصري: أن أقوامًا قالوا: يارسول الله: إنا نحب الله؛ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآية" (٣) . وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١] . قال محمد بن علي الترمذي: "الأسوة في الرسول: الاقتداء به، والاتباع لسنته، وترك مخالفته في قول أوفعل" (٤) . قال القاضي عياض: "وقال غير واحد من المفسرين بمعناه" (٥) .
_________________
(١) انظر الشفا ٢/٩.
(٢) انظر المصدر السابق.
(٣) انظر المصدر السابق.
[ ٤٨ ]
٢- أمر الله تعالى عباده المؤمنين بطاعة رسوله الطاعة المطلقة: فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩] روى القاضي عياض عن عطاء (١)، وابن عبد البر والبيهقي -في المدخل- عن ميمون بن مهران (٢): "أن الرد إلى الله هو: الرجوع إلى كتابه. والرد إلى الرسول هو: الرجوع إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته".
وقال ابن حجر-معلقًا على الآية السابقة-: "والنكتة في إعادة العامل في الرسول دون أولي الأمر- مع أن المطاع في الحقيقة هو: الله تعالى، -: كون الذي يعرف به ما يقع به التكليف، هما: القرآن والسنة، فكأن التقدير: أطيعوا الله فيما نص عليكم القرآن، وأطيعوا الرسول فيما بين لكم: من القرآن؛ وما ينصه عليكم: من السنة. أو المعنى أطيعوا الله فيما يأمركم به: من الوحي المتعبد بتلاوته، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الوحي الذي ليس بقرآن" (٣) .
٣- أن الله -﷾- كلَّف نبيه ﷺ باتباع ما يوحى إليه متلوًا أو غير متلو، وبتبليغ جميع ما أنزل عليه.
_________________
(١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١/٧٦٥) ح١٤١٣. وانظر حجية السنة ص ٢٩٨.
(٢) جامع بيان العلم وفضله (١/٧٦٦) ح١٤١٤. وانظر: حجية السنة ص٢٩٨.
(٣) فتح الباري ١٣/١١١.
[ ٤٩ ]
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:١، ٢]، وإذا كان الرسول ﷺ يجب عليه اتباع ما يوحى إليه؛ فكذلك يجب على المؤمنين به اتباعه (١) .
_________________
(١) انظر حجية السنة ص ٣٠٥، وأصول الحديث علومه ومصطلحه ص ٤١.
[ ٥٠ ]