مدخل
تمهيد في التعريف بمعاني السنة حسب اللغة والاصطلاح، وما تطلق عليه من المعاني:
الحمد لله رب العالمين، الذي أنزل هذا الدين، وحفظه من التحريف والتبديل، حيث قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فإن السنة لها مكانة عظيمة في هذا الدين، فإنها المفسرة للقرآن الكريم، والمبينة له. وهي وحي من الله ﷿؛ كما قال الرسول ﷺ: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" ١.
سأتحدث في هذه المقدمة عن تعريف السنة لغة وشرعًا، وذكر معانيها التي تطلق عليها، وأهميتها في معرفة الشريعة الإسلامية من خلال فروعها القولية والفعلية والتقريرية، التي تتمثل في حياة النبي ﷺ في سيرته وعبادته وتشريعاته ومنهجه في حياته كلها.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في مسنده، ٢٨/٤١٠-٤١١، برقم ١٧١٧٤، ورواه أبو داود في سننه، ٥/١٠-١٢، كتاب السنة، بَاب فِي لُزُومِ السُّنَّةِ، الحديث رقم ٤٦٠٤.
[ ٥ ]
المبحث الأول: تعريف السنة في اللغة، وبيان المعاني التي تطلق عليها:
المطلب الأول: تعريف السنة في اللغة:
هي السيرة والطريقة. قال ابن منظور: "السنة: السيرة حسنة كانت أو قبيحة.
وقد استعملت السنة في القرآن الكريم بمعنى الطريقة. قال الراغب الأصفهاني: "وسنة النبي طريقته التي كان يتحراها، وسنة الله -تعالى- قد تقال لطريقة حكمته، وطريقة طاعته. نحو: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح:٢٣]، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣] . فنبه على فروع الشرائع وإن اختلفت صورها، فالغرض المقصود منها لا يختلف ولا يتبدل؛ وهو تطهير النفس وإعدادها لتنال ثواب الله تعالى وجواره" (١) .
وتطلق السنة في اللغة على معان أخرى كثيرة (٢) .
_________________
(١) المفردات في غريب القرآن ص ٢٥٠.
(٢) منها: الدوام، والمثال المتبع، والإمام المؤتم به، كما تطلق على الطبيعة، والوجه، وعلى الخط الأسود على متن الحمار، وعلى تمر بالمدينة معروف. نقل ذلك كله الدكتور عبد الغني عبد الخالق، في كتابه "حجية السنة" ص ٤٧-٤٨.
[ ٦ ]
المطلب الثاني: بيان المعاني التي تطلق عليها السنة:
ذكر الشاطبي إطلاقات السنة في الشرع فقال:
"١- يطلق لفظ (السنة) على ما جاء منقولًا عن النبي ﷺ على الخصوص، مما لم ينص عليه في الكتاب العزيز، بل إنما نص عليه من جهته - ﵊-، كان بيانًا للكتاب أو لا.
٢-ويطلق أيضًا في مقابلة البدع، فيقال: (فلان على سنة) إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي ﷺ، كان ذلك مما نص عليه في الكتاب أو لا، ويقال: (فلان على بدعة)، إذا عمل على خلاف ذلك.
٣- ويطلق أيضًا لفظ السنة على ما عمل عليه الصحابة، وجد ذلك في الكتاب أو السنة أو لم يوجد؛ لكونه اتباعًا لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا، أو اجتهادًا مجتمعًا عليه منهم أو من خلفائهم، فإن إجماعهم إجماع، وعمل خلفائهم راجع أيضًا إلى حقيقة الإجماع، من جهة حمل الناس عليه حسبما اقتضاه النظر المصلحي عنهم. فيدخل تحت هذا الإطلاق المصالح المرسلة والاستحسان؛ كما فعلوا في حد الخمر، وتضمين الصُّنَّاع، وجمع المصحف ويدل على هذا الإطلاق قوله (١) ﵊: "فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ" (٢) .
_________________
(١) رواه أبو داود في سننه ٥/١٣-١٤، في كتاب السنة، باب لزوم السنة، الحديث رقم ٤٦٠٧، وسنن ابن ماجه ١/١٥-١٦، في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، الحديث رقم الحديث ٤٢. وهو صحيح، انظر: صحيح سنن أبي داود للشيخ الألباني (٣/١١٨-١١٩) برقم ٤٦٠٧، وصحيح ابن ماجه برقم ٤٢.
(٢) الموافقات ٤/٣-٧.
[ ٧ ]
المبحث الثاني: تعريف السنة في الاصطلاح:
المطلب الأول: تعريف السنة في الاصطلاح:
عرفها علماء الحديث: بأنها "كل ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، أو صفة خَلْقية أو خُلُقية أو سيرة، سواء أكان ذلك قبل البعثة
-كتحنثه في غار حراء- أم بعدها، والسنة بهذا مرادفة للحديث النبوي" (١) .
هل يختلف مفهوم السنة عن مفهوم الحديث؟
لقد سبق بيان تعريف السنة فيما سبق، وسأتحدث الآن عن تعريف الحديث؛ ليتضح مدى اتفاقهما أو اختلافهما في المعنى.
الحديث يطلق في اللغة على الجديد ضد القديم، كما يطلق على الخبر والقصص. قال في القاموس المحيط: "والحديث: الجديد والخبر" (٢) .
وتخصيص الحديث بما قاله الرسول ﷺ، قد بدأ في حياته ﷺ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: "لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلاَّ يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلَ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ. أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ" (٣) .
_________________
(١) أصول الحديث علومه ومصطلحه ص ١٩، وانظر كتاب الحديث والمحدثون أو عناية الأمة الإسلامية بالسنة النبوية لمحمد أبو زهو، ص ١٠.
(٢) انظر القاموس المحيط مادة "حدث". (١/١٧٠) .
(٣) صحيح البخاري مع فتح الباري ١١/٤١٨، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، الحديث رقم ٦٥٧٠.
[ ٨ ]
ثم بعد وفاة الرسول ﷺ، اتسع هذا المصطلح حتى أصبح بعد ظهور علم مصطلح الحديث، يطلق معنى الحديث على: "ما أضيف إلى النبي ﷺ قولًا أو فعلًا أو تقريرًا أو صفةً" (١) .
بعد عرض تعريف السنة والحديث، اتضح أنه لا فرق بينهما في التعريف الشرعي؛ وقد بَيَّنَ شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الأمر فقال: " الحديث النبوي عند الإطلاق ينصرف إلى ما حدث به بعد النبوة: من قوله وفعله وإقراره". ثم قال: "فإن سنته ثبتت من هذه الوجوه الثلاثة" (٢) .
ثم أضاف شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يدخل في تعريف السنة ما يتعلق بسيرته وحسن أخلاقه؛ فقال - بعد أن تحدث عن بعض أفعاله وتقريراته -: "فهذا كله يدخل في مسمى الحديث، وقد يدخل فيها بعض أخباره قبل النبوة، وبعض سيرته قبل النبوة، مثل: تحنثه بغار حراء. ومثل حسن سيرته، كقول خديجة له:" كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق " (٣) .
أما تعريف السنة عند علماء الأصول: فقد عَرَّفها الآمدي بأنها: "تطلق على ما صدر عن الرسول ﷺ من الأدلة الشرعية مما ليس بمتلوٍ، ولا هو معجز، ولا داخل في المعجز" (٤) . كما عَرَّفها غيره بأنها: "كل ما صدر عن
_________________
(١) قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث ص ٦١.
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ١٨/٦-٧.
(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ١٨/١٠.
(٤) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/١٥٦.
[ ٩ ]
النبي ﷺ، غير القرآن الكريم، من قول، أو فعل، أو تقرير (١)، مما يصلح أن يكون دليلًا لحكم شرعي" (٢) .
والسنة في اصطلاح الفقهاء: "هي كل ما ثبت عن النبي ﷺ، ولم يكن من باب الفرض ولا الواجب" (٣) .
_________________
(١) انظر إرشاد الفحول ص ٣٣؛ حيث قال في تعريف السنة شرعًا: "قول النبي ﷺ وفعله وتقريره".
(٢) أصول الحديث علومه ومصطلحه ص ١٩.
(٣) أصول الحديث علومه ومصطلحه ص ١٩.
[ ١٠ ]
المطلب الثاني: مفهوم السنة في القرون الأولى:
ولكن السنة مرت في مفهومها في القرون الأولى بمراحل:
أولًا: إطلاقها على الشريعة كلها
حيث إن الشريعة كلها هي طريقة الرسول ﷺ، كما ورد هذا المعنى في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء:٢٦]، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يعني طرائقهم الحميدة واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها" (٤) .
ثانيًا: إطلاقها على العقيدة عند أهل السنة والجماعة
بعد ظهور الفرق المبتدعة، أُلِّفت الكتب باسم السنة لبيان منهج العقيدة
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٢/٢٣٣.
[ ١٠ ]
الذي يميز ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه عن غيرهم، ولهذا أطلق عليهم اسم أهل السنة والجماعة. وقد أُلِّفت الكتب باسم السنة لبيان أصول الدين ومسائل الاعتقاد، وساد هذا الاصطلاح في القرن الثالث الهجري. ومن الكتب التي أُلِّفت في ذلك: السنة للإمام أحمد، وصريح السنة لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، والسنة لابن أبي عاصم الضحاك، وكتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي وغيرهم (١) . ولذا عرَّف علماء العقيدة السنة بأن المراد بها: "الطريقة التي كان عليها رسول الله ﷺ وأصحابه قبل ظهور البدع والمقالات" (٢) . وعرفها ناصر العقل -من الجانب العقدي- بقوله: "الهدي الذي كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، علمًا واعتقادًا وقولًا وعملًا، وهي السنة التي يجب اتباعها، ويحمد أهلها، ويذم من خالفها" (٣) .
ثالثًا: ورد التفريق بين السنة والحديث عند بعض المتقدمين في القرن الثاني الهجري
فقد ورد ذلك عن الأعمش حيث قال: "لا أعلم لِله قومًا أفضل من قوم يطلبون هذا الحديث، ويحبون السنة" (٤)، وأوضح منه في هذا المعنى قول عبد الرحمن بن مهدي: "الناس على وجوه؛ فمنهم من هو إمام في السنة،
_________________
(١) انظر تفصيل أسماء الكتب التي ألفت في ذلك: كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين من بعدهم للالكائي ص ٥٠ من مقدمة المحقق، وكتاب مفهوم أهل السنة والجماعة عند أهل السنة والجماعة ص ٤٤.
(٢) شرح العقيدة الواسطية ص ١٥-١٦.
(٣) مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة ص ١٣.
(٤) المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، للرامهرمزي ص ١٧٧،
[ ١١ ]
وليس بإمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث وليس بإمام في السنة" (١) .
وربما كان أساس التفريق هو أنهم كانوا ينظرون إلى أن "الحديث أمر علمي نظري، وأن السنة أمر عملي (٢)؛ إذ إنها كانت تعتبر المثل الأعلى للسلوك في كل أمور الدين والدنيا، وكان هذا سبب الاجتهاد في البحث عنها والاعتناء بحفظها والاقتداء بها" (٣) . قال الدكتور رفعت فوزي: "وربما كان الأساس هو أن بعضهم كان ينظر إلى السنة على أنها أعم من فعل الرسول ﷺ وقوله وتقريره، وتشمل أفعال الصحابة والتابعين" (٤) .
رابعًا: استقر الأمر على المساواة بين السنة والحديث في المعنى
بعد كتابة علم مصطلح الحديث، استقر الأمر على عدم التفريق بين السنة والحديث في المعنى؛ كما سبق أن بينته.
_________________
(١) كتاب الجرح والتعديل للرازي ص ١١٨.
(٢) وربما كان وجه تفريق السلف بين الإمامة في الحديث والإمامة في السنة ما ذكره ابن الصلاح في فتاواه (١/٢١٣) بتحقيق عبد المعطي قلعجي، حينما سئل عن قول بعضهم عن الإمام مالك: إنه جمع بين السنة والحديث، فما الفرق بين السنة والحديث؟ فأجاب: بأن السنة هاهنا ضد البدعة، وقد يكون الإنسان من أهل الحديث وهو مبتدع، ومالك رحمة الله عليه جمع السنتين فكان عالمًا بالسنة أي الحديث، ومعتقدًا للسنة، أي كان على مذهب أهل الحق من غير بدعة، والله أعلم. (اللجنة العلمية) .
(٣) الاتجاهات الفقهية ص ١٦.
(٤) توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته ص ٢٠.
[ ١٢ ]