المطلب الأول: ثبوت حجية السنة بأدلة القرآن الكريم
المبحث الأول: مكانة السنة من حيث حجيتها
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: ثبوت حجية السنة بأدلة القرآن الكريم.
المطلب الثاني: ثبوت حجية السنة بالأحاديث النبوية.
المطلب الثالث: ثبوت حجية السنة بإجماع الأمة.
المطلب الرابع: ثبوت حجية السنة بالدليل العقلي.
[ ٦ ]
المبحث الأول: مكانة السنة من حيث حجيتها
السنة النبوية مصدر أصيل من مصادر التشريع الإسلامي وقد قامت الأدلة المعتبرة الصحيحة الصريحة من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وإجماع الأمة، وكذلك الأدلة العقلية، على إثبات حجيتها، ومكانتها في التشريع الإسلامي، وسوف نلخص إثبات حجيتها في مطالب هذا المبحث.
المطلب الأول: إثبات حجية السنة النبوية بأدلة القرآن الكريم
فَرَض القرآن الكريم على المسلمين بأدلة قاطعة وجوبَ قبولِ سنة النبي ﷺ على أنها مصدر تشريعي في استنباط الأحكام الشرعية، وفي هذا الصدد يقول الإمام الشافعي: "الكتاب شهد للسنة بالاعتبار" (١) .
وقد نهجت الآيات القرآنية مناهج شتى في بيان حجية السنة النبوية، وتعددت فيها وسائل تؤكد على اتباعه وطاعته ﷺ،كما تعددت فيها عبارات الوعيد والإنذار والترهيب من مخالفته والخروج عن مقتضى أوامره، وعدم الاستسلام لأحكامه (٢) ولعل أبرز هذه الوسائل هي:
_________________
(١) الموافقات في أصول الشريعة والأحكام (٤/١٠) مطبعة: محمد علي صبيح وأولاده - القاهرة.
(٢) انظر: مكانة السنة في التشريع الإسلامي د. محمد لقمان السلفي (ص ٤٥) دار الراعي – الهند، ط. الثانية ١٤٢٠؟.
[ ٧ ]
أولًا: آيات قرآنية تثبت أنه ﷺ يبلِّغ عن الله تعالى: ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣-٤]، وقد علق القاضي أبو البقاء على هذه الآية بقوله: إن القرآن والحديثَ يتَّحِدان في كونهما وحيًا منزلًا بدليل الآية السابقة. (١)
أما الإمام ابن حزم فيؤكد ذلك قائلًا: "صح لنا بالآية السابقة أن الوحي ينقسم من الله ﷿ إلى رسول الله ﷺ على قسمين:
أحدهما: وحي متلو مؤلف تأليفًا معجز النظام وهو القرآن.
الثاني: وحي مروي منقول غير مؤلف، ولا معجز، ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﷺ، وهو المبين عن الله ﷿ مراده هنا". (٢)
وأيضا قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] .
فأثبت ﷾ في هذه الآية وغيرها من الآيات (٣)، إنزال الكتاب والحكمة على رسول الله ﷺ، وقد أكد سلف هذه الأمة أن الكتاب غير الحكمة، وأن المقصود بالكتاب: هو القرآن. والحكمة هي: السنة (٤) .
_________________
(١) انظر: قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث للعلامة القاسمي (ص ٥٩) تحقيق: محمد البيطار، ط. عيسى البابي الحلبي وشركاه.
(٢) الإحكام في أصول الأحكام للعلامة ابن حزم الأندلسي (ص٨٧) ط. الإمام - القاهرة.
(٣) انظر الآيات في سورة البقرة الآية ١٢٩، ١٥١، آل عمران: الآية ١٦٤، الأحزاب الآية ٣٤، الجمعة: الآية ٢.
(٤) انظر جامع بيان العلم لابن عبد البر (١/١٧) المكتبة العلمية - المدينة المنورة، وانظر: كتاب الأم للإمام الشافعي (٧/٢٧١) نشر مكتبة الكليات الأزهرية، والرسالة للإمام الشافعي (ص ٧٨) ط. المطبعة السلفية- مصر.
[ ٨ ]
وبهذا نعلم أن بيان الرسول ﷺ والجزء الذي تكامل به الدين مع القرآن الكريم كان وحيًا من عند الله (١) وإذا ثبت أنه وحي من عند الله، فهو إذًا حجة قاطعة في التشريع الإسلامي.
ثانيا: آيات قرآنية تأمر بالإيمان برسالته ﷺ على أنحاء متعددة منها:
١ - أمر إلهي بالإيمان بالرسول ﷺ مقرونًا بالإيمان بالله تعالى، ومن أمثلة هذه الصورة قوله ﷾ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
٢ - أمر إلهي بالإيمان بالرسول ﷺ ضمنًا مع رسالات الرسل السابقين، ومن أمثلة هذه الصورة قول الله تعالى ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٩] .
فاقتران الأمر بالإيمان على الوجوه السابقة يقتضي وجوب الاتباع، وهذا يعني حجية السنة في التشريع كما أكد ذلك الإمام الشافعي بقوله:
_________________
(١) انظر: مكانة السنة في التشريع د. محمد لقمان السلفي (ص٦٢) .
[ ٩ ]
إن الله جعل كمال ابتداء الإيمان الذي ما سواه تبع له، الإيمان بالله ثم برسوله ﷺ، فلو آمن عبد به ولم يؤمن برسوله، لم يقع عليه اسم كمال الإيمان ابتداءً حتى يؤمن برسوله معه. ففرض الله على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله ﷺ (١) .
ثالثًا: آيات قرآنية تأمر بطاعته ﷺ وهذا الأمر جاء بصور متعددة منها:
١ - الأمر بطاعته ﷺ مقرونة بطاعة الله تعالى ومن أمثلة هذه الصورة: قول الله تعالى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] .
فالملاحظ في هذه الآية، وغيرها من الآيات (٢) اقتران طاعة الرسول ﵊، بطاعته تعالى بواو العطف، ومعلوم عند علماء اللغة أن العطف بالواو يفيد مطلق الاشتراك، وهذا يعني أن طاعة الرسول ﷺ مأمور بها كطاعة الله تعالى.
وأحيانًا يأتي هذا الأمر مكررًا بواو العطف مع إعادة الأمر بالطاعة، ومن أمثلة هذه الصورة (٣) قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] .
_________________
(١) انظر الرسالة للإمام الشافعي (ص ٧٣، ٧٦) بتصرف.
(٢) وللاستزادة انظر الآيات في سورة: آل عمران ١٣٢، والنساء: الآية ٦٩، والأحزاب: الآية ٣٦، ٧١.
(٣) وللاستزادة انظر: سورة المائدة الآية ٩٢.
[ ١٠ ]
إن تكرار العامل (أطيعوا) مع حرف الواو يفيد عموم تأكيد وجوب طاعته ﷺ فيما استقل به من التشريع، كما أكد ذلك الإمام الشاطبي حين قال: "وسائر ما قرن فيه طاعة الرسول ﷺ بطاعة الله، دالٌ على أن طاعة الله ما أمر به ونهى عنه في كتابه، وطاعة الرسول ما أمر به ونهى عنه مما جاء به مما ليس في القرآن، إذ لو كان في القرآن لكان من طاعة الله". (١)
٢ - الأمر بطاعته ﷺ ضمنًا مع طاعة الرسل السابقين: ومن أمثلة هذه الصورة (٢) قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: الآية ٦٤] .
ومعلوم بالضرورة أنه ﷺ أحد الرسل، وبالتالي هو داخل في حكم الطاعة المقررة للرسل عامة، بل إن طاعته آكدُ وأشد لزومًا؛ لأن شريعته عامة، ورسالته خاتمة الرسالات (٣)، فإذا ثبت هذا كانت سنته حجة وتشريعًا واجبًا إلى قيام الساعة.
٣ - الأمر بطاعته ﷺ استقلالًا: وقد سلك القرآن الكريم مسالك عدة ومتنوعة في بيان هذه الصورة، وبدلالات مختلفة، من ذلك:
أ) ما جاء من الأمر بطاعته صراحة ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا
_________________
(١) الموافقات في أصول الشريعة (٤/١٠) .
(٢) وللاستزادة انظر: سورة الأنعام الآية ٤٨.
(٣) انظر: مكانة السنة في التشريع الإسلامي / د. محمد لقمان السلفي (ص ٣٩) .
[ ١١ ]
الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] .وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقد علق الحافظ ابن كثير على هذه الآية بقوله: يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد ﷺ بأن من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله (١) وفي هذا إشارة إلى حجية السنة النبوية؛ لأن طاعة الرسول ﷺ لا تتحقق إلا إذا عمل بقوله واقتدى بفعله (٢) .
ب) الأمر باتباعه، في قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقوله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فالله ﷾ لم يأمر باتباعه -في هذه الآية الأخيرة-، بل جعل ذلك الاتباع من لوازم محبته، وبهذا يثبت أن من لم يتبع السنة النبوية، ولم ير العمل بها واجبًا، فهو في دعوى محبته لله تعالى كاذبٌ، ومن كان في هذه الدعوى كاذبًا، فهو في دعوى إيمانه بالله تعالىكاذب بلا مرية (٣) .
ج) ومما جاء في الأمر بطاعته بطريق الدلالة، قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]؛ ذلك لأن
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم / للحافظ ابن كثير (١/٥٢٨) ط. عيسى البابي الحلبي وشركاه.
(٢) انظر: مكانة السنة في التشريع الإسلامي (ص ٤٩) .
(٣) انظر مقدمة تحفة الأحوذي للمباركفوري (ص ٧) المكتبة السلفية، ط. الثانية. المدينة المنورة.
[ ١٢ ]
الحكم في الظاهر يعني الانقياد في الباطن، وهذه هي الطاعة والتسليم (١) المطلوبان لحجية السنة النبوية بطريقة غير مباشرة.
ومن هذا أيضا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] يقول الإمام ابن القيم: «فإذا جعل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبًا إذا كانوا معه ﷺ إلا باستئذانه، فأولى أن يكون من لوازمه ألا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه، وإذنه يعرف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه، وهذا من تمام الطاعة التي تؤكد حجية السنة النبوية (٢) بطريقة غير مباشرة» .
د) ما جاء في الأمر بطاعته بطريق التحذير من المخالفة قوله تعالى:
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، فإذا حذر ﷾ من مخالفته ﷺ، فهذا يوجب طاعته، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: من الآية ٧] .
فإذا حذرسبحانه وتعالى نهى عن مخالفته فهذا يوجب الإيمان به (٣) وطاعته، وهذا تأكيد لحجية السنة النبوية.
رابعا: آية قرآنية تؤكد تكفُّلَ الله تعالى بحفظ السنة النبوية، ومما
_________________
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم/ للحافظ ابن كثير (١/١٢٠) .
(٢) انظر: إعلام الموقعين / للإمام ابن القيم (١/٥٨) المكتبة التجارية - مصر.
(٣) انظر: الموافقات في أصول الشريعة / للإمام الشاطبي (٤/١٠)
[ ١٣ ]
يدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّانَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الحجر: ٩] . والمقصود بالذكر هو: القرآن والسنة، كما أخبر بذلك غير واحد من السلف (١)، وكل ما تكفَّل الله بحفظه هو مضمون من الزيغ، والتحريف، وكل ما ثبت سلامته حجة للعمل والاستنباط.
_________________
(١) انظر: تدريب الراوي / للإمام السيوطي (ص ١٠٢) دار إحياء السنة النبوية، ط. الثانية ١٣٩٩؟ والإحكام في أصول الأحكام (ص ١٠٩)، المقصود بالذكر في الآية القرآن الكريم، ويلزم من حفظ القرآن حفظ السنة لأنها بيان له.
[ ١٤ ]
المطلب الثاني: ثبوت حجية السنة بالإحاديث النبوية
المطلب الثاني: إثبات حجية السنة بالأحاديث النبوية
نص النبي ﷺ على حجية السنة، وأكد أنها دليل من أدلة الأحكام التشريعية، وكان هذا التقرير منه ﷺ بَدَهيّا، ولاسيما بعد برهان القرآن ذلك بآيات صريحة لا تحتمل التأويل - كما بينا في المطلب السابق -
ولعلنا هنا نسرد أهم الأحاديث التي تناولت إثبات حجية السنة وأنها مصدر مهم وأساس في التشريع الإسلامي، وبيان ذلك يكون من خلال النقاط التالية:
أولا: أحاديث فيها دلالة صريحة على حجية السنة: وهذا في الأحاديث التي تدعو صراحة إلى الاعتصام بالسنة والتمسك بها واتخاذها منهجًا؛ لأنها صادرة من المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، ومن الأمثلة على ذلك:
أ) الدلالة الصريحة في وجوب التمسك بسنته ﷺ في حديث العرباض
[ ١٤ ]
ابن سارية ﵁ وقوله ﷺ: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ" (١) .
ب) ومما يدل صراحة على أن السنة النبوية وحي من عند الله قوله ﷺ: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه الحديث " (٢) .
ثانيا: أحاديث فيها دلالة تنبيهية على حجية السنة النبوية: وضابط هذا المسار وجود العبارات التي تُرَغِّب في اتباع السنة، وتحذر من المخالفة، ومن أمثلة ذلك:
أ) قوله ﷺ: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" (٣) . فدخول الجنة والنجاة من النار مبني على طاعته ﷺ واتباع أمره؛ إذ إن طاعته واجبة وهي مصدر أساس في التشريع الإسلامي.
ب) ومما يرغب في اتباع السنة، ويرهب من التفريط فيها، وصيته ﷺ في حجة الوداع وقوله:"تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي" (٤) فاذا كان اتباع السنة يوجب الأمن من
_________________
(١) حديث صحيح، تقدم تخريجه.
(٢) حديث صحيح. رواه عن المقدام بن معدي كرب ﵁: الإمام أحمد (٤/١٣٠-١٣١) وأبو داود برقم (٤٦٠٤) في كتاب السنة، باب لزوم السنة. وصححه ابن حبان (١/١٨٩) برقم (١٢) .
(٣) أخرجه من حديث أبي هريرة ﵁ الإمام البخاري (٧٢٨٠) في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب قول النبي ﷺ: بعثت بجوامع الكلم.
(٤) أخرجه الدارقطني في السنن (٤/٢٤٥) والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/١١٤) والخطيب البغدادي في كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١/١١١) رقم (٨٨)، وهبة الله اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/٨٠) رقم (٩٠) . وصححه الحاكم في المستدرك (١/٩٣) .
[ ١٥ ]
الضلال، فإن التفريط فيها وقوع في الضلال، وهذا يثبت حجية السنة.
ج) ومما يدل على حجية السنة النبوية بدلالة التنبيه، قول النبي ﷺ: "إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة" (١) ولما سئل ﷺ عن هذه الفرقة الناجية قال: "ما أنا عليه وأصحابي" (٢) .
ثالثًا: أحاديث فيها إيماء وإشارة إلى حجية السنة: وهذا النوع كثير في نصوص السنة المطهرة، وضابطها أنها تشير تلميحًا لا تصريحًا إلى وجوب الاعتصام بالسنة، وهذه الإشارة إنما كانت منه ﷺ لمكانة السنة في التشريع. ومن أمثلة هذا النوع:
أ) قوله ﷺ: "نضّر الله امرأ سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه، فرب مبلَّغ أوعى من سامع" (٣) .
ب) قوله ﷺ في حجة الوداع: "ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن
_________________
(١) رواه من حديث أبي هريرة: الإمام أحمد ٢/٣٣٢، وأبو داود (٤٥٩٦) في كتاب السنة، باب شرح السنة وابن ماجه (٣٩٩١) في كتاب الفتن، باب افتراق الأمم، والإمام الترمذي (٢٦٤٠) في كتاب الإيمان باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) رواه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: الإمام الترمذي (٢٦٤١) في كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، وقال حديث حسن غريب مفسّر.
(٣) رواه من حديث عبد الله بن مسعود: الإمام أحمد ١/٤٣٧، وابن ماجه (٢٣٢) في المقدمة، باب من بلغ علمًا، والترمذي (٢٦٥٧) في كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، وقال: حسن صحيح. وصححه ابن حبّان برقم (٦٩،٦٨،٦٦) .
[ ١٦ ]
يبلغ من هو أوعى له منه" (١) فدخول اللام على الفعل المضارع (يبلغ) يفيد الأمر، وهذا الأمر منه ﷺ إنما كان حماية لهذا المصدر المهم من الضياع أو التحريف.
ج) ومنه قوله ﷺ: " بلغوا عني ولو آية" (٢) ولم يقل ﵇ حديثًا؛ لأن الأمر بتبليغ الحديث يفهم منه بطريقة الأولية، لأن السنة بيان وتفسير للقرآن (٣) .
د) ومما يدل على حجية السنة بطريق التلميح والإشارة قوله ﷺ: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، مما نهيت عنه أو أمرت به فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" (٤) .
يقول الإمام الشافعي مؤكدًا ذلك: وفي هذا تثبيت الخبر عن رسول الله ﷺ وإعلامهم أنه لازم لهم، وإن لم يجدوا له نفس حكم في كتاب الله لأنه شرع (٥) .
_________________
(١) رواه الإمام البخاري (٦٧) في كتاب العلم، باب قول النبي ﷺ: رُبّ مبلغ أوعى من سامع. والإمام مسلم (١٦٧٩) في كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض.
(٢) رواه الإمام البخاري (٣٦٤١) في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل.
(٣) انظر: مكانة السنة في التشريع الإسلامي / د. محمد لقمان (ص ٧٦، ٧٧) .
(٤) حديث صحيح. رواه الإمام أحمد (١/١٧)، وأبو داود (٤٦٠٥) في كتاب السنة باب في لزوم السنة، والترمذي (٢٦٦٣) في كتاب العلم، باب ما نهي عنه أن يقال في حديث النبي ﷺ، وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان برقم (١٣) .
(٥) انظر الرسالة / للإمام الشافعي (ص ٢١٧) .
[ ١٧ ]
المطلب الثالث: ثبوت حجية السنة بإجماع الآمة
المطلب الثالث: إثبات حجية السنة بالإجماع
أجمع المسلمون من عهد رسول الله ﷺ إلى الآن على حجية السنة، وعدِّها مصدرًا من مصادر التشريع الإسلامي، ولم يخالف في ذلك إلا من
[ ١٧ ]
اتبع سبيل غير المؤمنين. وقد نقل هذا الإجماع جمع كثير من أهل العلم المحققين (١)، فعلى سبيل المثال يقول العلامة القاسمي: «انتهى العلماء المحققون إلى أن الحديث الصحيح حجة على جميع الأمة، وأيدوا رأيهم هذا بالآيات القرآنية التي تفرض على المؤمنين اتباع الرسول ﵇، والتسليم لحكمه، ورأوا مَنْ يحكي خلاف هذا المذهب غيرَ خليقٍ بالانتساب إلى العلم وأهله، وإن نسب نفسه أو نَسَبَتْه العامة إلى سعة المعرفة والتفقه في الدين» (٢) .
ويحسن بنا أن ننقل هذا الإجماع مفصلًا عن الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء وذلك من خلال ما يلي:
أولًا: نصوص في وقوع الإجماع من الصحابة رضوان الله عليهم تثبت حجية السنة النبوية:
كان الصحابة رضوان الله عليهم في حياته ﷺ يتبعون كل ما صدر منه في الأحكام الشرعية، لا يختلف في ذلك واحد منهم، فيقبلون بتسليم عام بأقواله، واتباع كامل لأفعاله (٣)،ومن أمثلة ذلك:
_________________
(١) انظر: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول / للإمام الشوكاني (ص ٣٣) ط. الحلبي وشركاه ١٣٥٦؟. والإحكام في أصول الإحكام (ص ٨٧) وعلوم الحديث ومصطلحه / د. صبحي الصالح (ص ٢٩١) دار العلم للملايين - بيروت ط. الأولى ١٣٧٨؟، وأصول الأحكام الإسلامية د. أبو السعود عبد العزيز موسى (ص ١٠١) ط ١٤١٣؟ ومكانة السنة في التشريع الإسلامي / د. محمد لقمان (ص ٩٧) .
(٢) انظر: قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث/ للعلامة القاسمي (ص٢٦٣) مطبعة ابن زيدون- دمشق ١٣٥٣؟.
(٣) انظر: تفسير الطبري / للإمام محمد بن جرير الطبري (٤/١٥٠) بيروت. وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/١٩٠) المكتبة العلمية – المدينة المنورة.
[ ١٨ ]
أ) اتخذ رسول الله ﷺ خاتمًا من ذهب - أو فضة - وجعل فصّه مما يلي كفه، ونقش فيه: محمد رسول الله، فاتخذ النّاس مثله، فلمّا رآهم قد اتخذوها رمى به، وقال: لا ألبسه أبدًا. ثم اتخذ خاتمًا من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة. (١)
ب) ومما يدلُّ على حجية السنة بإجماع الصحابة في حياته ﷺ ما رواه البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ صلى قبل بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم. فخرج رجل ممن صلى معه، فمرّ على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قِبلَ مكة، فداروا كما هم قِبلَ البيت (٢) .
ج) ومما يدلُّ على وقوع الإجماع من الصحابة رضوان الله عليهم، رجوع الصدِّيق أبي بكر ﵁ في ميراث الجدة إلى السنة النبوية (٣) .
د) رجوع الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ في دية العاقلة إلى السنة النبوية (٤) . وكان ﵁ يقول: «سيأتي قوم يجادلوكم
_________________
(١) إشارة إلى حديث رواه الإمام البخاري (٥٨٦٦) في كتاب اللباس، باب خاتم الفضة.
(٢) رواه الإمام البخاري (٤١) في كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان.
(٣) انظر: موطأ الإمام مالك (٢/٥١٣) كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة، وسنن أبي داود (٢٨٩٤) كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة، وسنن الترمذي (٢١٠١) كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدة والحديث صححه ابن حبان برقم (٦٠٣١)، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص ٣/٨٢: إسناده صحيح لثقة رجاله، إلا أنه صورته مرسل. انظر: النص كاملًا في هذا المبحث (صـ ٣٣) .
(٤) انظر: مسند أحمد (٣/٤٥٢)، وسنن أبي داود (٢٩٢٧) كتاب الفرائض، باب في المرأة ترث من دية زوجها، وسنن الترمذي (١٤١٥) كتاب الديات باب ما جاء في المرأة هل ترث من دية زوجها (٢١١٠) وكتاب الفرائض، باب، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم..
[ ١٩ ]
بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله» (١) .
؟) قضاء عثمان بن عفان ﵁ بالسنة النبوية، في بيان مكان مكوث المرأة المتوفى عنها زوجها، أثناء العدة (٢) .
ثانيًا: وقوع الإجماع من التابعين:
سلك التابعون مسلك الصحابة - رضوان الله عليهم - في لزوم سنة النبي ﷺ، فعلى سبيل المثال:
أ) يقول الإمام مطرف بن عبد الله بن الشخير: والله ما نريد بالقرآن بدلًا ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا (٣) . يقصد به رسول الله ﷺ.
ب) وكان الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵁ يقول: إن رأس القضاء اتِّباعُ ما في كتاب الله، ثم القضاء بسنة رسول الله ﷺ (٤) .
ج) أما الإمام إسحاق بن راهويه فكان يقول: مَنْ بلغه عن رسول الله
_________________
(١) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/١٢٢ رقم (٢٠٣)، وانظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/٢٣١) .
(٢) رواه الإمام مالك في الموطأ ١/٥٩١ في كتاب الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل، ومن طريقه رواه الإمام أحمد ٢/٥٣-٥٤، وأبو داود (٢٣٠٠) في كتاب الطلاق، باب في المتوفى عنها زوجها، والترمذي (١٢٠٤) في كتاب الطلاق، باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها؟ وصححه ابن حبان (٤٢٩٢)، والحاكم في المستدرك ٢/٢٠٨ ووافقه الذهبي.
(٣) انظر: جامع بيان العلم (٢/٣٠) .
(٤) انظر: مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة / للإمام السيوطي (ص ٢١) دار السلام، ط. الأولى.
[ ٢٠ ]
ﷺ خبر يقر بصحته، ثم ردَّه بغير تقية، فهو كافر (١) .
ثالثًا: وقوع الإجماع من الأئمة المجتهدين:
كان الأئمة الأربعة من أشد الناس تمسكًا بالحديث إذا ثبت عندهم لا يعدلون عنه إلى قول أحد من الناس، فعلى سبيل المثال:
أ) يقول الإمام أبو حنيفة ﵁: "إياكم والقول في دين الله تعالى بالرأي وعليكم باتباع السنة، فمن خرج عنها ضَلَّ" (٢) .
ب) وكان الإمام مالك ﵁ يقول: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وما جاء من نبيكم، وإن لم تفهموا المعنى فسلِّموا لعلمائكم ولا تجادلوهم، فإن الجدال في الدين من بقايا النفاق" (٣) .
ج) أما الإمام الشافعي فيؤكد ذلك قائلًا: يسقط كلُّ شيءٍ مخالف أمر النبي ﷺ، ولا يقحم معه رأي، ولا يقاس، فإن الله ﷿ قطع العذر بقوله ﷺ " (٤) .
د) أما الإمام أحمد فكان يقول: أولأحد كلام مع رسول الله ﷺ (٥)؟!.
_________________
(١) انظر الإحكام في أصول الأحكام (ص ٨٩) .
(٢) قواعد التحديث (ص ٢٣) وفيها زيادة.
(٣) انظر: المرجع السابق.
(٤) كتاب الأم (٢/٢٢٨) وانظر (٢/٢٢٦) (٧/٢٧٣) والرسالة (ص ٢١٧، ٢١٩) .
(٥) انظر: قواعد التحديث (ص ٥٢) .
[ ٢١ ]
المطلب الرابع: ثبوت حجية السنة بالدلبل العقلي
المطلب الرابع: العقل والحس والمشاهدة
وهي أمارات تدل على حجية السنة وتدل على أنَّ ما أجمل من القرآن الكريم تبيِّنه السنة وتفصله؛ فمثلًا فرض الله على الناس في القرآن الكريم عدة
[ ٢١ ]
فرائض مجملة غير مبينة، لم تفصل في القرآن أحكامها، ولا كيفية أدائها، فقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧]، و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] . ولم يبين كيف تقام الصلاة وتؤتى الزكاة ويؤدَّى الصوم والحج. ولكن الرسول ﷺ بين هذا الإجمال بسنته القولية والعملية؛ لأن الله ﷾ منحه سلطة هذا التبيين بقوله عز شأنه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، فلو لم تكن هذه السنة البيانية حجة على المسلمين، وقانونًا واجبًا اتباعه، ما أمكن تنفيذ فرائض القرآن ولا اتباع أحكامه.
فالعقل والحس والمشاهدة أمارات دالة على ضرورة السنة وحجيتها، ووجوب اتباعها، وهذه السنن البيانية إنما وجب اتباعها من جهة أنها صادرة عن الرسول ﷺ ورويت عنه بطريق يفيد القطع بورودها عنه، أو الظن بورودها، فكل سنة تشريعية صَحَّ صدورُها عن الرسول ﷺ فهي حُجَّة واجبةُ الاتباع (١) .
_________________
(١) انظر: علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف (١/ ٢٨) مطبعة النصر – القاهرة، ط. السابعة ١٣٧٦؟. تعليم علم الأصول د. نور الدين مختار الخادمي (ص١٥٥) مكتبة العبيكان، ط. الأولى ١٤٢٣؟.
[ ٢٢ ]