المطلب الأول: السنة مؤكدة ومقررة لما جاء في القرآن الكريم
المبحث الثالث: مكانة السنة من حيث بيان الأحكام التشريعية
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: السنة مؤكدة ومقررة لما جاء في القرآن الكريم
المطلب الثاني: السنة مبينة لمجمل القرآن الكريم
المطلب الثالث: السنة مخصصة لعام القرآن الكريم
المطلب الرابع: السنة مقيدة لمطلق القرآن الكريم
المطلب الخامس: السنة تثبت أحكاما سكت عنها القرآن الكريم
المطلب السادس: السنة ناسخة لأحكام ثابتة في القرآن الكريم
[ ٣٠ ]
المبحث الثالث: مكانة السنة من حيث بيان الأحكام التشريعية
تزخر السنة بالأحكام التشريعية مع تباين أنواعها، واختلاف أحكامها، فنجدها إما أن تكون مؤكدة ومقررة لما جاء في القرآن الكريم، أو مبينة لمجمل القرآن الكريم، أو مخصصة لعام القرآن الكريم، أو مقيدة لمطلق القرآن الكريم، أو ناسخة لحكم ثابت في القرآن الكريم، أو مثبتة لحكم سكت عنه في القرآن الكريم. وسوف نبين ذلك من خلال المطالب الآتية:
المطلب الأول: السنة مؤكدة ومقررة لما جاء في القرآن الكريم
تأتي السنة مقررة ومؤكدة لحكم جاء في القرآن الكريم، فيكون الحكم له مصدران، وعليه دليلان: دليل مثبت من آي القرآن، ودليل مؤيد من سنة رسول الله ﷺ.
ومن أمثلة ذلك: قول الرسول ﷺ "لا يحل للرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه" (١)؛ وذلك لشدة ما حرم رسول الله ﷺ من مال المسلم على المسلم، فإن هذا الحديث يؤكد ويقرر ما جاء في القرآن الكريم
_________________
(١) حديث صحيح. رواه عن أبي حميد الساعدي ﵁ الإمام أحمد ٥/٤٢٥، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/٣٥٨)، وصححه ابن حبان (٥٩٧٨) .
[ ٣١ ]
من نحو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
وقول الرسول ﷺ "اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله وَاسْتحْلَلْتمْ فروجهن بكلمة الله" (١) فهذا الحديث يؤكد ويقرر ما جاء في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] والأمثلة أكثر من أن تحصر. فهناك كثير من الأحكام دلت عليها آيات القرآن الكريم، وأيدتها السنة، من هذه الأحكام: الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والنهي عن الشرك بالله، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، وقتل النفس بغير حق، وغير ذلك من المأمورات والمنهيات التي دلَّت عليها آيات القرآن الكريم، وأيدتها سنن رسول الله ﷺ، ويقام الدليل عليها منهما (٢) .
_________________
(١) رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ (١٢١٨) في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ.
(٢) علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف (ص ٣٩) .
[ ٣٢ ]
المطلب الثاني: السنة مبينة لمجمل القرآن الكريم
واللفظ المجمل هو اللفظ الذي لا يعلم المراد منه بنفس صيغته، ويتوقف فهمه ومعرفة المراد منه على أمر خارج عنه، كلفظ الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٨٣] . إن هذا لفظ لا يعرف
[ ٣٢ ]
المراد منه، ولا يعلم المطلوب منه؛ لأن إقامة الصلاة قد تحصل بفعل صلاة واحدة، أو عدد من الصلوات وقد تحصل بطرائق مختلفة، وفي أوقات متعددة، ومعلوم أن التكليف بالصلاة أو بغيرها لا يكون مبهمًا وغامضًا، وإنما يكون واضحًا ومعلومًا. وبالتالي فهذا اللفظ ﴿الصَّلاةَ﴾ مبهم وغامض ولا يعرف المراد منه من الصيغة نفسها، أي: من هذا اللفظ وأسلوبه، وإنما يعرف بالرجوع إلى أمر شرعي آخر، هذا الأمر الشرعي الذي بين المراد من لفظ الصلاة هو السنة النبوية الشريفة. وهي: أقواله وأفعاله وتقريراته التي وضحت المقصود من الصلاة، وبينت كيفيتها، ووقتها، وشروطها، وأركانها، ومندوباتها، وغير ذلك مما هو معروف في أحكام الصلاة.
وكذلك لفظ ﴿الزَّكَاةَ﴾ في قوله تعالى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ هو لفظ مجمل لا يعرف المطلوب منه على وجه التحديد والضبط، وعلى سبيل التفصيل والتفريع لذلك بينته السنة النبوية، ووضحته، وذكرت تفصيلاته، وتعريفاته، وكيفية شروطه، وغير ذلك (١) .
فهناك كثير من الأحاديث بينت الإجمال في كثير من الآيات. كالأحاديث التي بينت مواقيت الصلاة، وأعداد ركعاتها، والأحاديث التي بينت الأموال التي تجب فيها الزكاة، والأموال التي لا تجب فيها، والمقدار الواجب إخراجه. فإن هذه الأحاديث تعدّ مبينة للإجمال في آيات الصلاة، وآيات الزكاة وهذا عام في كثير من أحكام التشريع.
_________________
(١) تعليم علم أصول الفقه د. نور الدين خادمي (ص ١٥٦) .
[ ٣٣ ]
المطلب الثالث: السنة مخصصة لعام القرآن الكريم
واللفظ العام: هو اللفظ الذي يشمل جميع أفراده التي وضع لأجلها. مثل لفظ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو لفظ عام يشمل المؤمنين جميعهم، وكافتهم، ولا يقتصر على المؤمنين في العصر النبوي، أو الذين آمنوا من الرجال دون النساء.
واللفظ العام يرد ذكره في القرآن الكريم، وقد يراد به أحيانًا العموم والشمول لجميع أفراده. وقد يراد به أحيانًا بعض الأفراد فقط. ولذلك فإن معرفة المراد من العموم، وجميع الأفراد، وبعضهم، يتحدد من قبل السنة النبوية الشريفة.
وهناك في القرآن الكريم نصوص كثيرة وردت في القرآن عامة، ثم جاءت السنة وقصرت هذا العموم على بعض الأفراد، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فالآية عامة في إحلال ما وراء ذكر المحرمات في صور الآية، ثم جاءت السنة وخَصَّصت هذا العموم وقصرته على بعض أفراده، بقوله: ﷺ "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (١) .
_________________
(١) رواه الإمام البخاري (٥١٠٩) في كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها، ومسلم (١٤٠٨) في كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح.
[ ٣٤ ]
وأيضًا قوله تعالى: َ ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ البقرة: ٢٨٢] . فلفظ البيع الوارد في الآية عام، يشمل كل أنواع البيوع، فالآية عامة في حل كل أنواع البيوع ثم جاءت السنة وخصصت هذا العموم، بنهيه عن بيع الغرر، وعن البيوع الفاسدة، وهو قوله لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» (١) .
_________________
(١) رواه من حديث حكيم بن حزام الإمام أحمد ٣/٤٠٢، وأبو داود (٣٥٠٣) في كتاب البيوع، باب الرجل يبيع ما ليس عنده، والإمام الترمذي (١٢٣٢) في كتاب البيوع، باب كراهية بيع ما ليس عندك، وابن ماجه (٢١٨٧) في كتاب البيوع، باب النهي عن بيع ما ليس عندك. وصححه ابن حبان (٤٩٨٣) .
[ ٣٥ ]
المطلب الرابع: السنة مقيدة لمطلق القرلآن الكريم
المطلب الرابع: السنة مقيدة لمطلق القرآن الكريم
واللفظ المطلق هو اللفظ الذي لم يقيد، مثل لفظ"رقبة"فهو مطلق عن القيود، لكن عندما تقول"رقبة مؤمنة"فيكون هذا الوصف وهو"الإيمان"قيد به المطلق وهو"رقبة".
ويرد في القرآن الكريم ألفاظ مطلقة عن القيود والأوصاف، فتأتي السنة بتقييدها، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فاليد في الآية مطلقة غير مقيدة، بكونها اليمين، أو الشمال، فجاءت السنة وقيدت المطلق هذا بكون اليد المقطوعة هي اليد اليمنى، وبيان أن القطع من الكوع.
وأيضًا قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فلفظ الوصية الوارد في الآية مطلق غير مقيد بمقدار معين، فبينت السنة أن
[ ٣٥ ]
مقدار الوصية هو الثلث، أو أقل، فلا يجوز إخراج الوصية بأكثر من ثلث المال الذي تركه الميت. والحديث الذي قيد مطلق الوصية هو قوله: ﷺ "الثلث والثلث كثير" (١) .
_________________
(١) رواه الإمام البخاري (٢٧٤٢) في كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس، والإمام مسلم (١٦٢٨) في كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث.
[ ٣٦ ]
المطلب الخامس: السنة تثبيت أحكامها سكت عنها القرآن الكريم
المطلب الخامس: السنة تثبت أحكامًا سكت عنها القرآن الكريمفالسنة أثبتت بعض الأحكام التي سكت عنها القرآن الكريم،
وذلك مثل الأحاديث الدالة على جواز الرهن في غير السفر، فقد روى عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ "اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل، ورَهَنه درعًا له من حديد" (٢)، وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "توفي رسول ﷺ ودرعه مرهون عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير" (٣)
وكثبوت الميراث للجدة، فقد روي «أن الجدة ذهبت إلى أبي بكر ﵁ تبغى الميراث، فقال لها: لا أجد لك في كتاب الله شيئًا،
_________________
(١) رواه الإمام البخاري (٢٠٦٨) في كتاب الصوم، باب شراء النبي ﷺ بالنسيئة، والإمام مسلم (١٦٠٣) في كتاب المساقاة، باب الرهن وجوازه في الحضر كالسفر.
(٢) رواه الإمام البخاري (٢٩٠٦) في فضل الجهاد والسير، باب ما قيل في درع النبي ﷺ والقميص في الحرب
[ ٣٦ ]
وما أعلم أن رسول الله ﷺ ذكر لك شيئًا، ثم سأل الناس فقام المغيرة بن شعبة فقال: سمعت رسول الله ﷺ يعطيها السدس. فقال أبو بكر: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك. فانفذه لها أبو بكر ﵁» (١) .
وكصلاة الوتر، فقد روي أن النبي ﷺ قال: "الوتر حق، فمن لم يوتر فليس مني" (٢) وهناك كثير من الأحكام التشريعية التي أثبتتها السنة، وسكت عنها القرآن الكريم، منها ما يلي:
تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها (٣)، وتحريم الحمر الأهلية (٤)، وإيجاب صدقة الفطر (٥)، وإيجاب الدية على العاقلة (٦)، ومنع التوارث بين المسلم والكافر (٧) .وغير ذلك.
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ١٨)، تعليق رقم (٤) .
(٢) رواه من حديث بريدة بن الحصيب الإمام أحمد (٥/٣٥٧)، وأبو داود (١٤١٩) في كتاب الصلاة، باب فيمن لم يوتر، وصححه الحاكم في المستدرك (١/٣٠٥، ٣٠٦) .
(٣) إشارة إلى حديث تقدم تخريجه.
(٤) إشارة إلى حديث رواه من حديث علي بن أبي طالب الإمام البخاري (٥١١٥) في كتاب النكاح، باب نهي رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة، ومسلم (١٤٠٧) في كتاب النكاح، باب نكاح المتعة. ورواه الإمام البخاري (٤١٩٩) من حديث جابر بن عبد الله، في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر.
(٥) إشارة إلى حديث رواه الإمام البخاري (١٥٠٣) في كتاب أبواب صدقة الفطر، باب فرض صدقة الفطر، والإمام مسلم (٩٨٤) في كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير.
(٦) إشارة إلى حديث تقدم تخريجه.
(٧) إشارة إلى حديث رواه الإمام البخاري (٤٢٨٣) في كتاب المغازي، باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح، والإمام مسلم (١٦١٤) في كتاب الفرائض، أول الكتاب.
[ ٣٧ ]
المطلب السادس: السنة ناسخة لأحكام ثابتة في القرآن الكريم
والنسخ هو: الإبطال والإزالة. والمراد به: إزالة دليل وإبطاله بموجب دليل آخر حل محله. أو هو إزالة الحكم الثابت بالشرع المتقدم بشرع متأخر عنه.
وقد اتفق الأصوليون على أن السنة المتواترة تنسخ السنة المتواترة مثلها؛ لأنهما متماثلان في القوة.
والسنة المتواترة تنسخ الآحاد، لأن الآحاد أضعف من المتواتر، والسنة الآحاد تنسخ الآحاد، لأنهما متماثلان في القوة، ولا تنسخ المتواترة لأنهما يختلفان في القوة (١) .
وهذا هو الذي أجمع عليه أهل العلم. ولكنهم اختلفوا في نسخ الكتاب للسنة ونسخ الكتاب بالسنة.
ولكن الذي ذهب إليه جمهور الفقهاء هو جواز نسخ القرآن بالسنة، ومنع من ذلك الإمام الشافعي، والدليل على ذلك أن القرآن والخبر المتواتر، كلاهما شرع مقطوع بصحته. فإذا جاز أن ينسخ القرآن بالقرآن، جاز أن ينسخ بالخبر المتواتر (٢) .
_________________
(١) عدم نسخ السنة المتواترة بالآحاد منها ليس موضع اتفاق. (انظر: شرح مختصر الروضة ٢/٣٢٥_٣٢٩) . (اللجنة العلمية) .
(٢) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (جـ ٣/ ١٠٣) دار الاتحاد العربي للطباعة. وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول / للإمام الشوكاني (ص ١٩٠) ط. حلب ١٣٥٦؟. كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام للبزدوي (جـ ٣/ ٧٩٧) دار الكتاب العربي – بيروت.
[ ٣٨ ]
ومن أمثلة السنة الناسخة للأحكام الثابتة في القرآن الكريم قول الرسول ﷺ: "لا وصية لوارث" (١) فإن هذا الحديث نسخ الوصية للوارث في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وهذا بناءً على رأي الجمهور.
_________________
(١) حديث صحيح، روي عن جماعة كثيرة من الصحابة، كما قال الألباني في الإرواء (٦/٨٧ رقم ١٦٥٥) . وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٢٠/٣٩٧) أن من جعل هذا الحديث ناسخا للوصية للوالدين والأقربين فقد غَلِط، فإن ذلك إنما نسخته آية المواريث كما اتفق على ذلك السلف. (اللجنة العلمية) .
[ ٣٩ ]