المطلب الأول: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بإدلة القرآن الكريم
المبحث الثاني: مكانة السنة من حيث مرتبتها
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: إثبات أنَّ السنة هي المصدر الثاني بأدلة القرآن الكريم
المطلب الثاني: إثبات أنَّ السنة هي المصدر الثاني بالأحاديث النبوية
المطلب الثالث: إثبات أنَّ السنة هي المصدر الثاني بالإجماع
المطلب الرابع: إثبات أنَّ السنة هي المصدر الثاني بالمعقول
[ ٢٣ ]
المبحث الثاني: مكانة السنة النبوية من حيث المرتبة
أثبتنا في المبحث السابق - بما لا يدع مجالًا - للشك حجية السنة، وأنها مصدر وأصل يقصد في استنباط الأحكام الشرعية، وذلك للآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة والإجماع الأكيد من جمهور المسلمين على مرّ العصور.
وهذه الحجية الثابتة تأتي متأخرة عن القرآن الكريم، فمرتبتها تلي مرتبة القرآن، بمعنى أن الباحث إذا لم يجد في القرآن الكريم رأي الشرع فيما يريد معرفته من أحكام لجأ إلى السنة يبحث فيها عما يريد (١) .
لهذا نسمع ونردد أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع. وإثبات حجيتها مصدرًا ثانيًا يكون من خلال آيات القرآن، ونصوص الأحاديث، وإجماع الأمة، وأخيرًا الدليل العقلي.
المطلب الأول: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بأدلة القرآن الكريم
كل الآيات التي دعت إلى طاعة رسول الله ﷺ، واتباع النور الذي جاء به كانت مشروطةً بالإيمان بالله وطاعته قبل ذلك (٢) فعلى سبيل
_________________
(١) أصول الأحكام الإسلامية، د. أبو السعود موسى (ص ١٠١) والمدخل لدراسة السنة النبوية، د. يوسف القرضاوي (ص ٦٩) مكتبة وهبة - القاهرة، ط. الثانية ١٤١١؟، ومكانة السنة في التشريع الإسلامي، د. محمد لقمان (ص ١٠٥) .
(٢) سبق بيان أمثال هذه الآيات في هذا البحث انظر: (ص٨-١٢) من هذا البحث.
[ ٢٤ ]
المثال:
أ - يقول ﷾ في بيان ذلك: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] .
ب – وقوله ﷾: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . فالدلالة واضحة في الآية لأن الرد إلى الله ﷾ يعني الرجوع إلى كتابه، وهو القرآن الكريم.
والرد إلى رسوله ﷺ يعني: الرّد إلى سنة رسوله ﷺ، والدلالة واضحة كما ذكره أهل العلم الذين يُعتد بقولهم (١) .
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٤/١٥٠) والرسالة للإمام الشافعي (ص ٨٠) والإحكام في أصول الأحكام للإمام ابن حزم (ص ٨٧) .
(٢) انظر مبحث إثبات حجية السنة بالنصوص النبوية (ص ١٣) من هذا البحث.
[ ٢٥ ]
المطلب الثاني: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بالأحاديث النبوية
إن النصوص النبوية أشارت بالفعل إلى عدّ السنة هي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم، وقد أشرنا إلى ما نحن بصدد إثباته الآن سابقًا (٢) ولا ضير أن نؤكد منهج النبي ﷺ في هذا الاعتقاد من خلال حواره مع معاذ ابن جبل ﵁ لما بعثه إلى اليمن فقد ذكرت الروايات أنه ﷺ لما
[ ٢٥ ]
بعث معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن وقال له: "ماذا تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال معاذ: فضرب رسول الله ﷺ صدري، وقال: الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يرضي الله" (١) .
_________________
(١) رواه الإمام أحمد (٥/٢٣٠و٢٤٢)، وأبو داود (٣٥٩٢) في كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء. والإمام الترمذي (١٣٢٧) في كتاب الأحكام، باب ما جاء في القاضي كيف يقضي، والدارمي (١٦٨) في المقدمة، باب الفتيا وما فيه من الشدة. وقال الإمام الترمذي: إسناده ليس بمتصل. هذا الحديث تكلم فيه كثير من أهل الحديث، لكن الفقهاء كلهم يذكرونه في كتبهم ويعتمدون عليه. معناه صحيح انظر: العلل المتناهية لابن الجوزي (٢/٧٥٨) ونقل الألباني تضعيفه عن البخاري والترمذي والعقيلي والدراقطني وابن حزم وابن طاهر وابن الجوزي والذهبي والسبكي وابن حجر، انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة رقم: ٨٨١.
[ ٢٦ ]
المطلب الثالث: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بالإجماع
نقل إجماع السلف على أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع غير واحد من أهل العلم، فعلى سبيل المثال: يقول الدكتور أبو السعود موسى:
"أجمع المسلمون من عهد رسول الله ﷺ إلى الآن على الاعتداد بالسنة واعتبارها مصدرًا من مصادر الالتزام الشرعية يتم الرجوع إليه بعد الرجوع إلى القرآن الكريم وعدم وجود الحكم المراد معرفته فيه" (٢) .
_________________
(١) أصول الأحكام الإسلامية (ص ١٠١) .
[ ٢٦ ]
ويؤكد الدكتور محمد لقمان هذه المنزلة للسنة بقوله: "الأخبار والآثار المذكورة في مرتبة السنة من كتاب الله، وإن كان أكثرها متكلمًا فيها إلا أن المجموع يفيد بأن الرسول ﷺ والصحابة الأجلاء كانوا يعدُّون السنة في المرتبة الثانية من القرآن، فالمقطوع به في المسألة أن السنة ليست كالكتاب في مراتب الاعتبار" (١) .
والآثار التي تثبت هذا الإجماع كثيرة سبق بيانها، (٢) منها على سبيل المثال:
أ -كتاب عمر ﵁ إلى شُرَيح، وقولُه: "إذا أتاك أمر بما في كتاب الله فاقض بما في كتاب الله، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله، فاقض بما سَنَّ فيه رسول الله ﷺ ".
ب -ومن هذا قول ابن مسعود ﵁: "من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإنْ جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه ﷺ" (٣) .
_________________
(١) انظر: مكانة السنة في التشريع الإسلامي (ص ١٠٦، ١٠٧) .
(٢) انظر المبحث الأول من هذا البحث.
(٣) الموافقات في أصول الشريعة (٤، ٥، ٦) .
[ ٢٧ ]
الطلب الرابع: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بالمعقول
المطلب الرابع: إثبات أن السنة هي المصدر الثاني بالمعقول
إن الدليل العقلي من الأدلة التي يعتدّ بها شرعًا في الإقناع، وقد أعلى سبحانه من شأن العقل في مواضع عديدة في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢]، كما أمر سبحانه بإعمال العقل في التفكر والتدبر، ومن ثم الوصول إلى الحقيقة، وذلك في مجالات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] . لهذا كان من المهم ونحن نثبت السنة مصدرًا ثانيًا من مصادر التشريع الإسلامي أن نشير إلى الدليل العقلي الذي اشتمل على وجهين:
الوجه الأول: إن القرآن الكريم مقطوع به جملة وتفصيلًا، والقطع في السنة إنما يصح في الجملة لا في التفصيل، وذلك أن آيات القرآن الكريم متواترة عن الرسول ﷺ عن جبريل ﵇، عن رب العزة جل وعلا، معنى ذلك: أن جملة القطع جاءت من كون جميعه متواترًا من عند الله ﷾، أما تفصيل القطع فلأن كل آية من آياته تثبت بالتواتر بأنها من عند الله تعالى، بخلاف السنة، فإنَّ ما فيها من القطع في الحديث المتواتر في الجملة فقط، وهو قليل، والمظنون فيها كثير، والمعروف عقلًا أن المقطوع به مقدم على المظنون، فلزم من ذلك تقديم القرآن على السنة.
[ ٢٨ ]
الوجه الثاني: إن السنة إمَّا بيانٌ للكتاب، أو زيادة على ذلك. فإن كانت بيانًا فهي ثانية على المبيَّن في الاعتبار، إذ يلزمُ من سقوط المبيَّن سقوطُ البيان، ولا يلزم العكس، وما شأنه هذا فهو أولى في التقدُّم، هذه واحدة، والأخرى: إن لم تكن بيانًا فلا يعتد بها إلا بعد ألا يوجد الحكم في الكتاب، وهذا دليل على تقدم اعتبار القرآن الكريم على السنة (١) .
_________________
(١) انظر: الموافقات في أصول الشريعة / للإمام الشاطبي تحقيق: محمد الفاضلي (٤/٦) المكتبة العصرية، ط. الأولى ١٤٢٣؟ وأصول الأحكام الإسلامية د. أبو السعود موسى (ص ١٣) .
[ ٢٩ ]