المبحث الأول: التعريف بالشريعة ومصادرها ومقاصدها
أولًا: تعريف الشريعة لغةً وشرعًا
المبحث الأول: التعريف بالشريعة ومصادرها ومقاصدها
أولًا: تعريف الشريعة لغةً وشرعًا
الشريعة في اللغة:
موْرِدُ الشاربة التي يردها الناس فيشربون منها ويستقون، والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء لا انقطاع له، ويكون ظاهرًا معينا لا يُسقى بالدلو، وشرعت في هذا الأمر شُرُعا: أي خضت (١) .
الشريعة شرعًا:
استعمل العلماء لفظ الشريعة باستعمالات متعددة وذلك حسب المقام فمنهم من أطلقها على التوحيد وما سواه من الفروع ومنهم من أطلقها وأراد بها التوحيد فقط ومنهم من أطلقها وأراد بها الفروع فقط (٢) .
والرأي الراجح في معنى الشريعة عند الباحثين: هي الفرائض والحدود والأمر والنهي (٣) .
فيدخل في تعريفها التوحيد وسائر الأحكام، وهي بذلك أعم من الحكم الشرعي الذي عرفه العلماء بأنه: الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالطلب، أو التخيير أو الوضع (٤) .
_________________
(١) ابن منظور/ لسان العرب (مادة شرع) ٨/١٧٥.
(٢) عابد السفياني/ الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية: ٢٤-٢٦.
(٣) عبد الله الكمالي/ الشريعة الإسلامية وفقه الموازنات: ص ٣٠.
(٤) شرح البدخشي على المنهاج: ١/٣٠، شرح الأسنوي على المنهاج: ١/٤٦.
[ ٦ ]
فيمثل الحكم الشرعي الوجه العملي للدين فقط، والشريعة تمثل الوجهين العقدي والعملي معًا.
ثانيًا: مصادر الشريعة
ذكر العلماء أن مصادر الشريعة الأساسية أربعة مصادر: القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والإجماع، والقياس (١) .
ولا يخفى على المتأمل أن أدلة حجية الإجماع والقياس الكتاب والسنة.
أتى رجل إلى الإمام الشافعي فسأله عن الدليل في أن اتفاق الأمة حجة في الدين؟ فذهب الإمام الشافعي ولم يخرج ثلاثة أيام، ثم خرج وجاءه الشيخ فسلم ثم جلس، فقال حاجتي؟ فقال الشافعي ﵀: نعم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَسَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] . لا يصليه – تعالى- جهنم على خلاف سبيل المؤمنين إلاّ وهو فرض. قال: فقال: صدقت. وقام وذهب. قال الشافعي: قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقفت عليه (٢) .أي الدليل على أن حجية الإجماع ثابتة في الكتاب.
_________________
(١) ذكر العلماء للاستدلال مصادر غير أساسية وتسمى الأدلة الفرعية، ولم تسلم من الاختلاف بين الأصوليين وهي: الاستصحاب، شرع من قبلنا، مذهب الصحابي، الاستحسان، المصالح المرسلة. انظر: الآمدي/ الإحكام في أصول الأحكام: ٤/١٧٢-٢٠٩.
(٢) انظر الشافعي/ أحكام القرآن: ١/٣٩-٤٠.
[ ٧ ]
وكذلك رُوِيَ في السنة قوله ﷺ: (ما رآه المسلون حسنًا فهو عند الله حسن) (١) .
وذكر أهل القياس ونفاته أدلتهم من الكتاب والسنة (٢) .
وتعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلي لا جزئي، فهو محتاج إلى كثير من البيان، والسنة إنما هي بيان للقرآن (٣) .فمصادر الشريعة: الكتاب والسنة وغيرهما تبع لهما.
ثالثًا: مقاصد الشريعة
القرآن الكريم والسنة الشريفة أتيا للتعريف بمصالح الدارين جلبا لها، والتعريف بمفاسدهما دفعًا لها.
وهذه المصالح لها ثلاثة أقسام: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيّات.
والضروريات خمس: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العرض، وحفظ المال، وحفظ العقل.
والحاجيات تدور على التوسعة، والتيسير، ورفع الحرج، والرفق في هذه المقاصد.
والتحسينيّات ترجع إلى العمل بمكارم الأخلاق وما يحسن في مجاري العادات في هذه المقاصد الخمس.
ولكل مما تقدم أمثلة عديدة وردت في الكتاب والسنة (٤) .
_________________
(١) قال الألباني: لا أصل له مرفوعًا، وإنما ورد موقوفًا على ابن مسعود. انظر السلسلة الضعيفة ٢/١٧ رقم ٥٣٣.
(٢) ابن القيم/ أعلام الموقعين: ١/١٩٥-١٩٨-٢٢٧.
(٣) الشاطبي/ الموافقات: ٤/١٨٠.
(٤) المرجع السابق: ٤/٣٤٦-٣٥٢.
[ ٨ ]
والفقهاء وهم ينظرون في السنن يجدون بالاستقراء أنه لا يمكن أن تشذ سنة فتدفع مصلحة أو تجلب مفسدة راجحة، فإن وجدت مفسدة، فهو دليل ضعفها أو كذب ناقلها.
[ ٩ ]
المبحث الثاني: التعريف بالسنة، وأدوار العناية بها
أولًا: السنة لغة وشرعًا
السنة في اللغة:
تأتي في اللغة بمعاني منها الصورة وما أقبل من الوجه، والطريقة: سنّ الله سنّة أبي بيّن طريقا قويما، قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب:٣٨] .
والسنّة السيرة، حسنة كانت أو قبيحة:
يقول الشاعر:
فلا تجْزعن من سيرة أنت سِرْتها فأول راضٍ عن سنّةً يَسيرُها (١)
السنة شرعًا: ما جاء منقولًا عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير بالوحي أو الاجتهاد (٢) .
وتطلق السنة في الشرع أيضًا فيما يقابل البدعة، يقال: فلان على سنة إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبي ﷺ.
ويطلق أيضًا لفظ السنة على ما عمل عليه الصحابة مجتمعًا عليه منهم أو من خلفائهم (٣) .يدل عليه قوله ﵊: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ (٤) " (٥)
_________________
(١) لسان العرب، مادة "سنن" ١٣/٢٢٥.
(٢) الشاطبي/ الموافقات: ٤/٢٩٣.
(٣) المرجع السابق: ٤/٢٩٠.
(٤) النواجذ: الناجذ آخر الأضراس، وللإنسان أربعة نواجذ في أقصى الأسنان، ويسمى ضرس الحلم لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل، يقال ضحك حتى بدت نواجذه. انظر: الرازي/ مختار الصحاح: باب النون، فصل الجيم. ص: ٦٤٦.
(٥) أخرجه الترمذي وصححه الشيخ الألباني. انظر: الألباني: إرواء الغليل: (٢٤٥٥) ٨/١٠٧.
[ ١٠ ]
ثانيًا: الفرق بين السنة والحديث
للحديث قسمان عند علماء الحديث:
علم الحديث رواية وهو العلم الذي يشتمل على أقوال الرسول ﷺ وأفعاله وتقريراته وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها. وهذا القسم ينطبق تعريفه على تعريف السنة.
والقسم الثاني علم الحديث دراية ويقصد به العلم الذي يعرف به حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها وحال الرواة وشروطهم وأصناف مروياتهم (١) .
يقول الدكتور رفعت فوزي:" قد يبدو في أقوال بعض العلماء في القرن الثاني الهجري التفرقة بينهما ذلك في قول الأعمش رحمه الله تعالى:" لا أعلم لله قومًا يطلبون هذا الحديث، ويحبون هذه السنة"وأوضح من هذا قول عبد الرحمن بن مهدي: (الناس على وجوه، فمنهم من هو إمام في السنة وليس بإمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث وليس بإمام في السنة) وربما كان أساس هذا التفريق هو أنهم كانوا ينظرون إلى أن الحديث أمر علمي نظري، وأن السنة أمر عملي، إذ إنها كانت تعتبر المثل الأعلى للسلوك في كل أمور الدين والدنيا، وكان هذا سبب الاجتهاد في البحث عنها والاعتناء بحفظها والاقتداء بها. وربما كان الأساس هو أن بعضهم كان ينظر إلى السنة على أنها أعم من فعل الرسول وقوله وتقريره وتشمل أفعال الصحابة والتابعين" (٢) .
وسأسير في البحث على طريق من اختار أن السنة والحديث معناهما واحد.
_________________
(١) السيوطي/ تدريب الراوي: ١/٤٠.
(٢) توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته: ص: ١٩-٢٠.
[ ١١ ]
ثالثًا: الأدوار التي مرّت بها السنة وتدوينها
الدور الأول: القرن الأول الهجري
السنة في عصر النبي ﷺ وعصر الصحابة:
كان المعول في حفظ السنة وضبطها صدور الصحابة رضوان الله عليهم، وذلك لشيوع الأمية فيهم فكان اعتمادهم على السماع والحفظ لا على القراءة والكتابة، لم يكن للتدوين ضرورة، ولاسيما وأن حرصهم على تدوين القرآن الكريم وخشيتهم من أن يكون في تدوين الحديث ما يؤدي إلى اتخاذ الناس صحف الحديث مصاحف يضاهون بها صحف القرآن العزيز، فيشتبه على بعضهم القرآن بالأحاديث وربما اشتغلوا به عن التلاوة (١) .
لكن وجد من الصحابة من كان يكتب ويكثر من الكتابة لنفسه كعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فكانت عنده صحيفة يسميها الصادقة (٢) .
وأمر رسول الله ﷺ بالكتابة لرجل من أهل اليمن عام الفتح سمع النبي ﷺ يخطب فقال: اكتب لي يا رسول الله. فقال: اكتبوا لأبي فلان (٣) .
وذكر أن عليًا ﷺ كان لديه كتاب فيه حكم النبي ﷺ في الزكاة (٤) .
وثبت أن لديه صحيفة فيها فكاك الأسير والدية ولا يقتل مسلم بكافر (٥)
_________________
(١) العسقلاني/هدي الساري مقدمة فتح الباري: ص٦، السيوطي/تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك: ١/٥.
(٢) يقول (:" هذه الصادقة فيها ما سمعت من رسول الله (ليس بيني وبينه أحد"انظر: طبقات ابن سعد: ٤/٢٦٢.
(٣) الخطبة عن مكة وحرمتها هي مشهورة. انظر صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم: (١١٠) ١/١١٩.
(٤) ابن حزم/ الإحكام في أصول الأحكام: ٢/٢٦٢.
(٥) أخرجه البخاري، انظر: صحيح البخاري، باب كتابة العلم، باب كتابة العلم: (١٠٩) ١/١١٩.
[ ١٢ ]
الدور الثاني: القرن الثاني الهجري
بدأ تدوين السنة في هذا القرن بطريقة أوسع وبشكل أمر رسمي من ولي أمر المسلمين حيث كتب عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين الخليفة الراشد رحمه الله تعالى إلى الآفاق: (انظروا حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه) (١) .
والأرجح أن أول من جمع الحديث من العلماء الإمام محمد بن شهاب الزهري. ومن وقته شاع جمع الحديث وتدوينه فكتب بعده: ابن إسحاق ومالك بالمدينة، وحماد بن سلمة بالبصرة، ومعمر باليمن.
ثم تلا هؤلاء: عبد الرزاق باليمن وأبو قُرة موسى بن طارق، وتفرد بالكوفة أبو بكر بن أبي شيبة بتكثير الأبواب، وجودة الترتيب وحسن التأليف (٢) .
الدور الثالث: القرن الثالث الهجري
في هذا الدور بلغ الحديث غايته ومنتهاه، فلم يزل يروى ويجمع ويدوَّن ويُسطّر في الأجزاء، والكتب إلى زمن الإمامين البخاري ومسلم، ورزقهما الله حسن القبول شرقًا وغربًا، ثم ازداد الجمع والتدوين وظهر جهابذة المحدّثين كالترمذي وأبي داود والنسائي وكان هذا العصر خلاصة العصور في تحصيل هذا العلم وإليه المنتهى (٣) .
_________________
(١) العسقلاني/ فتح الباري: ١/١٩٥، الكتاني/ الرسالة المستطرفة: ص: ٤.
(٢) انظر: الرامهرمزي/ المحدث الفاصل: ٦١٣-٦١٤.
(٣) القنوجي/ الحطة في ذكر الصحاح الستة: ص ٦١.
[ ١٣ ]
الدور الرابع: القرن الرابع الهجري
طغى التدوين في هذا القرن على الرواية الشفهية عن الشيوخ كما كان الحال فيمن سبق من علماء الحديث (١) .
وكثرت المستخرجات (٢)، وظهرت كتب جمعت أدلة المذاهب الفقهية من الأحاديث (٣) .
الدور الخامس: من القرن الخامس الهجري وحتى سقوط بغداد على أيدي التتار عام ٦٥٦هجري
ما كاد القرن الرابع أن ينتهي، حتى أصبح عمل العلماء قاصرًا على الجمع، والانتقاء، والترتيب، أو التهذيب لكتب السابقين (٤) .
الدور السادس: بعد سقوط بغداد وحتى نهاية القرن العاشر
بعد سقوط بغداد تقاعست الهمم وفترت العزائم عن الرحلة إلى الأقطار، وخدمة الحديث فانقرضت الرواية الشفهية إلاّ في أفراد يجددون ما خلق ويحيون ما اندثر من وقت لآخر، (٥) .ويشتكي الإمام الذهبي من قتلهم فيقول:"فأين علم الحديث وأين أهله؟ كدت لا أراهم إلاّ في كتاب أو تحت تراب" (٦) .
_________________
(١) محمد أبو زهو/ الحديث والمحدثون: ص ٤٢٣.
(٢) من المستخرجات المشهورة: مستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم، ومستخرج ابن أبي دُهل الهروي على صحيح البخاري.
(٣) من ذلك كتاب معاني الآثار للطحاوي في المذهب الحنفي، والسُّنن الكبرى على المذهب الشافعي.
(٤) انظر: محمد أبو زهو/ الحديث والمحدثون: ص ٤٣.
(٥) مثل الحافظ زين الدين العراقي وتلميذه الحافظ ابن حجر العسقلاني.
(٦) تذكرة الحفّاظ: ١/٤.
[ ١٤ ]
وأصبح للسنة شأن في مصر على مدار ثلاثة قرون حيث اهتم المماليك بالعلوم وأنشأوا فيها مدارس الحديث، حبسوا الأموال على المؤسسات الدينية والعلمية واستمرت هذه النهضة بمصر إلى أوائل القرن العاشر ثم أخذ النشاط العلمي يتضاءل ويضمحل، وطفق يرحل شيئًا فشيئًا إلى الهند (١) .
الدور السابع: من بداية القرن الحادي عشر وحتى اليوم
سخر الله ﷿ بفضله ومنه في الهند من حمل لواء السنة يدعو إليها وينافح عنها. وكانت لهم آثار ملموسة وأحيا الله بهم الحديث والسنة (٢) .
وممّا هو جدير بالذكر الإشادة بالجهود الطيبة المباركة التي قام بها جلالة الملك الراحل (عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود) عليه رحمة الله وعدد من أبنائه وعدد من علماء الجزيرة الذين عُنوا بكتب السنة والفقه وبذلوا الأموال في تحقيقها وطبعها ونشرها بين أيدي الناس دون مقابل (٣) .
_________________
(١) أبو زهو/ الحديث والمحدثون: ص ٤٤٠، الكشميري/ فيض الباري: ١/١٥.
(٢) انظر الزركلي/ الأعلام: ١/١٤٩.
(٣) من الكتب التي حصلت عليها مجانًا جامع الأصول في أحاديث الرسول لابن الأثير، والفتاوى لابن تيمية، المغني لابن قدامة.
[ ١٥ ]
المبحث الثالث: الأدلة على حجية السنة
أولًا من القرآن:
- قوله جلّ شأنه: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء:٨٠] .
- قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِيالأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء:٥٩] .
- قوله عزّ من قائل: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْفِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] .
- قوله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر:٧] .
[ ١٦ ]
ثانيا: من السنة الشريفة:
حذر الرسول ﷺ من ترك سنته ففي الحديث الذي يرويه المقدام بن معد يكرب ﷺ: (لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو النهي مما نهيت عنه، فيقول: ما أدري؟ ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) وفي لفظ (يوشك أحدكم أن يكذبني وهو متكئ على أريكته يُحدَّث بحديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرّم الله) (١) .والشاهد من الحديث (ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله) .
_________________
(١) أخرجه أحمد والحاكم وقال: صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي. انظر: المسند: ٤/١٣٢. والمستدرك على الصحيحين: ١/١٠٨
[ ١٦ ]
ثالثًا: الإجماع:
المتتبع لتصرفات الصحابة ﵃ في وقائع كثيرة لا تنحصر يجد أنهم حيث وجدوا السنة عملوا بها، وجعلوها حجة في الدين ولم يستجيزوا مخالفتها أو إغفالها أو طرحها، مما لا يدع مجالًا للشك أنه كان مقررً لديهم أن سنة رسول الله ﷺ حجة على عباده، وأن العمل بها عمل بالدين، فانعقد على ذلك إجماعهم (١) .
_________________
(١) انظر: ابن القيم/ أعلام الموقعين: ١/٤٩، محمد الأشقر/ أفعال الرسول (ودلالتها على الأحكام الشرعية: ص ١٥.
[ ١٧ ]
رابعًا: المعقول:
كيف لا تكون السنة حجة وهي التي جاءت ببيان كيفية العمل ففيها ذكر الأسباب والشروط والموانع واللواحق وما أشبه ذلك كبيانها مواقيت الصلوات والركوع والسجود، وبيانها للزكاة في مقاديرها وأوقاتها وتعيين ما يزكى، وبيان أحكام الصوم وما فيه مما لم يقع النص عليه في الكتاب، وكذلك الطهارة من الحدث والخبث، والحج، والذبائح والصيد وما يؤكل مما لا يؤكل والأنكحة وما يتعلق بها من الطلاق والرجعة والظهار واللعان، والبيوع وأحكامها، والجنايات من القصاص وغيره كل ذلك بيان لما وقع مجملًا في القرآن (٢) .
وكيف لا تكون حجة وقد استقلت بأحكام كثيرة في الحلال والحرام عمل بها سلف الأمة وخلفها؟
فمن قال: إن السنّة ليست حجة في التشريع الإسلامي معطل بالعقل لأحكام الشرع حيث إن معظمها لا يعرف إلاّ عن طريق السنة (٣) .
_________________
(١) الشاطبي/ الموافقات: ص ٥٠٥.
(٢) الباحثة: مدخل لدراسة أحاديث الأحكام، مجلة جامعة أم القرى، عدد ١٨، ١٤١٩، ص: ١٤٥.
[ ١٧ ]
المبحث الرابع: عناية الفقهاء بالحديث وعناية المحدثين بأحكام الشريعة
لا يخفى على أحد اهتمام الفقهاء بالحديث وأنهم لا يستغنون عنه لاستنباط الحكم الشرعي، يقول الإمام النووي مبينًا أهمية ذلك: " على السنن مدار أكثر الأحكام الفقهيات، فإن أكثر الآيات الفروعيات مجملات، وبيانها في السنن المحكمات، وقد اتفق العلماء على أن من شروط القاضي والمفتي أن يكون عالمًا بالأحاديث الحكميات" (١) .وكان تأثر الأئمة المحدثين أمثال البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي بمذاهب أئمة الفقه كبيرًا.
والمتأمل في كتبهم يظهر له حرصهم على وزن المذاهب الفقهية ومقارنتها بما صح من حديث رسول الله ﷺ ومناقشتها أحيانًا.
ولقد تفاوت حظ الفقهاء من الحديث كما تفاوت حظ المحدثين من الفقه. فالإمامان مالك وأحمد بن حنبل محدثان ولكن شهرتهما في الفقه غلبت شهرتهما في الحديث (٢) .
واختلف تأثر المحدثين بالفقهاء، يقول في ذلك الإمام ابن تيمية:" أما البخاري وأبو داود فإمامان في الفقه والاجتهاد، وأما مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة ونحوهم فهم على مذهب أهل الحديث ليسوا مقلدين لواحد بعينه من العلماء، وهم إلى مذاهب أهل الحجاز كمالك وأمثاله أميل منهم إلى مذاهب أهل العراق كأبي حنيفة والثوري ووكيع. ويحي بن سعيد وابن المبارك يميلان إلى مذهب العراقيين
_________________
(١) النووي/ شرح صحيح مسلم: ١/٤.
(٢) اشتهر كتاب الموطأ للإمام مالك، كما اشتهر مسند الإمام أحمد ولم يثبت للإمامين أبي حنيفة، والشافعي مثلهما.
[ ١٨ ]
كأبي حنيفة والثوري، والبيهقي على مذهب الإمام الشافعي، والدارقطني يميل إلى مذهب الشافعي ولكن اجتهاده أقوى من البيهقي وكان أعلم منه وأفقه" (١) .
فالسنن والأحكام الشرعية علمان يكمل أحدهما الآخر كعلم الصيدلة والطب لا يستغني أحدهما عن الآخر (٢) .
وقد يكون الفقيه محدثًا فقيهًا. مع التسليم جميعًا من الجميع أن الحكم الشرعي ينبغي أن لا يخالف الحديث القطعي الدلالة والقطعي الثبوت بحال من الأحوال.
يقول الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى:" لم يزل الناس في صلاح ما دام فيهم من يطلب الحديث، فإن طلبوا العلم بلا حديث فسدوا" (٣) .
يقول أبو يوسف ﵀:" لا يحل لأحد أن يقول قولنا حتى يعلم من أين قلناه" (٤) .
وقول الإمام مالك بن أنس ﵀ المشهور:" ما كان من كلامي موافقًا للكتاب والسنة فخذوه وما لم يوافق فاتركوه" (٥) .
وقول الإمام الشافعي ﵀:" الحديث مذهبي فما خالفه فاضربوا به الحائط" (٦) .
_________________
(١) الفتاوى: ٢٠/٣٩-٤٢.
(٢) يوسف القاسم/ مبادئ الفقه الإسلامي: ص ١١٥، الحجوي/ الفكر السامي: ٢/١٦٢.
(٣) محمد عوامة/ أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة ص ١٩.
(٤) ابن القيم/ أعلام الموقعين: ٢/١٨٢.
(٥) الشاطبي/ الاعتصام بالكتاب والسنة: ص ٥٠٥.
(٦) الذهبي/ سير أعلام النبلاء: ١٠/٧٨.
[ ١٩ ]
ويقول الإمام أحمد ﵀:" عليكم بأصحاب الآثار والسنن" (١) .
والمتأمل بعمق في كتابي الإمامين البخاري والترمذي يلحظ الترابط القوي بين الأحكام الشرعية التي ناقشها الأئمة الفقهاء وإثباتها بما صح من الأحاديث والآثار (٢) .
وهذه الأقوال توضح أن مذهب أعلام وعلماء الأمة محدثين وفقهاء: اعتماد السنة مصدرًا أساسيًا للتشريع الإسلامي، فمن شذّ عنهم بإنكار حجيتها، فقد جاء ببهتان وإثم عظيم، ومن شذّ فقد شذّ في النار.
_________________
(١) المرجع السابق: ١١/٢٣١.
(٢) ظهرت دراسات في الحديث اهتمت بإظهار الجوانب الفقهية عند المحدثين، ومن أوائل من كتب في ذلك الأستاذ الدكتور عبد المجيد محمود في كتابه الاتجاهات الفقهية عند المحدثين في القرن الثالث الهجري، الباحثة/ مدخل لدراسة أحاديث الأحكام، مجلة جامعة أم القرى العدد،١٨، ١٤١٩؟، ص ١٥٤.
[ ٢٠ ]
المبحث الخامس: أقسام السنة من حيث ثبوتها ومن حيث دلالاتها
أولًا: أقسام السنة من حيث ثبوتها
المبحث الخامس: أقسام السنة من حيث ثبوتها ومن حيث دلالاتها
ينبغي لطلبة العلم بعد معرفتهم أن جميع الأئمة المقبولين عند الأمة قبولًا عامًّا لا يتعمدون مخالفة السنة في دقيق ولا جليل، وأنهم متفقون يقينًا على وجوب إتباع الرسول ﷺ: معرفة أن تلك السنن منها المعتبر في التشريع من حيث الثبوت والدلالة ومنها غير المعتبر. وفصّل العلماء في ذلك حيث ذكروا أن بعض الأحاديث لا تصلح مصدرًا للتشريع، وأن بعض أفعاله ﷺ الخاصة به ليست حجة لعمل سائر الأمة ويوضح ذلك أكثر المبحث التالي:
أولًا: أقسام السنة من حيث ثبوتها
تنقسم من حيث ثبوتها إلى قسمين: ثابتة وغير ثابتة. والثابتة إما قطعية الثبوت أو ظنية الثبوت.
والقطعية هي الأحاديث المتواترة التي تفيد العلم اليقيني: أي الضروري الذي يضطر الإنسان إليه فلا يستطيع دفعه، والفرق بينه وبين العلم النظري: أن العلم الضروري يفيد العلم بلا استدلال والنظري يفيد العلم لكن مع الاستدلال، والضروري يحصل لكل سامع، والنظري لا يحصل إلاّ لمن فيه أهلية النظر (١) .
أما الظنية الثبوت فهي الأحاديث المقبولة التي رواها آحاد يغلب على الظن فيها صدق الخبر لصدق ناقله. فيؤخذ بها، ويجب العمل بها عند الجمهور، وتفيد غلبة الظن ما لم تعارض بمثلها.
_________________
(١) العسقلاني: نزهة النظر: ص ٣٨.
[ ٢١ ]
ثم إذا اجتمعت لها قرائن مثل كون الحديث في الصحيحين، وله طرق متعددة، ورواه الأئمة فلا يبعد حينئذ القطع بصدقه (١) .
أما الأحاديث غير الثابتة، أو المردودة فهي التي يغلب على الظن فيها كذب الخبر، لثبوت كذب ناقليه، وهذه الأحاديث الضعيفة، والتي لها أنواع قد يعمل ببعضها في فضائل الأعمال والمواعظ وأشباهها (٢) .
والخلاصة: أن المتواترة يجب العمل بها إجماعًا وتفيد العلم اليقيني، والآحاد الصحيحة يجب العمل بها عند الجمهور وتفيد غلبة الظن، فإذا اجتمعت لها قرائن وجب العمل بها وأفادت العلم النظري، والمردودة الضعيفة لا تفيد علمًا ولا عملًا.
_________________
(١) المرجع السابق: ص ٣٨.
(٢) النووي/ شرح صحيح مسلم: ١/٢٨-٢٩، النووي/ ما تمس إليه حاجة القارئ إلى صحيح البخاري: ص ٣٨.
[ ٢٢ ]
ثانيًا: أقسام السنة من حيث دلالتها (٣)
تنقسم سنة رسول الله ﷺ من حيث دلا لتها إلى ثلاثة أقسام: أقوال، أفعال، تقريرات. ولكل قسم فرع ولكل فرع دلالة ذكرها العلماء.
القسم الأول:
أقواله ﷺ وهي على خمسة أنواع: أوامر وهي تدل على الوجوب ما لم
_________________
(١) الدلالات لغة: مفردها دلالة من دلّه على الشيء إذا أرشده إليه، والدليل المرشد. واصطلاحًا: وضع الشيء بحيث يفهم منه شيء آخر وقسمها الجمهور إلى قسمين؛ منطوق: وهو ما يفهم من اللفظ في محل النطق، ومفهوم وهو ما يفهم من اللفظ لا في محل النطق. وقسّم الأصوليون الألفاظ الواضحة الدلالة إلى قسمين نص وظاهر، فالنص بهذا المفهوم هو ما كانت دلالته قطعية وهو المقصود من القاعدة " لا اجتهاد مع نص". والظاهر ما كانت دلالته راجحة فقط، الأحكام الشرعية تارة تؤخذ من نص الكتاب والسنة وتارة تؤخذ من ظاهرهما. انظر: ابن بيه/ أمالي الدلالات: ص ٥٨، سعد العثماني: الفقه الدعوي مساهمة في التأصيل: ص ١٧، السعدي/ رسالة مختصرة في أصول الفقه: ١٢٣.
[ ٢٢ ]
يقم دليل على خروج الوجوب إلى الندب وغيره (١) . وللوجوب صور وأمثلة. (٢) .
ونواهٍ، والنهي عند الجمهور يفيد التحريم ما لم تأت قرينة أو دليل يصرفه عن التحريم إلى الكراهة (٣) .وللتحريم صور وأمثلة (٤)
وإذا مدح رسول الله ﷺ أمرًا، أو أثنى عليه دون أن يأمر به فإنه يدل على استحباب ذلك الأمر (٥) . وله صور وأمثلة (٦) .
وإذا ذم الرسول ﷺ أمرًا ولم ينه عنه أو يتوعد عليه بعقوبة فإنه يدل على الكراهة (٧) . وله صور وأمثلة (٨)
_________________
(١) أصول السرخسي: ١/١٥، الأصفهاني/ مختصر ابن الحاجب: ٢/١٩، الخبازي/ المغني في أصول الفقه: ص ٣٠، ابن دقيق العيد/ إحكام الأحكام: ١/١٩.
(٢) صيغة الوجوب لها صور، فعل الأمر مثل قوله (: «تنزهوا من البول»، أو فعل مضارع مسبوق بلام الأمر مثل قوله (: «فليستطب بثلاثة أحجار» أو بذكر صريح الوجوب مثل قوله (: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل» أو بقرن الفعل بعقوبة على تركه مثل قوله (: «رضا الله في رضا الوالد وسخط الله في سخط الوالد» الباحثة/ مدخل لدراسة أحاديث الأحكام، مجلة أم القرى، العدد ١٨.
(٣) أصول السرخسي: ١/٧٩، الخبازي/ المغني في أصول الفقه: ص ٦٧، الأصفهاني/ بيان المختصر: ٢/٨٧.
(٤) صيغة التحريم لها صور، لفظ النهي مثل حديث «نهى رسول الله (عن كل ذي ناب » لا الناهية مثل حديث: «لا يخلونّ رجل بامرأة..» أو بذكر التحريم مثل حديث «كل ذي ناب من السباع فأكله حرام»، أو بذكر الفعل مقرونًا بالعقوبة مثل حديث «لعن الله الواصلة » الباحثة/ المدخل لدراسة أحاديث الأحكام.
(٥) ابن حزم/ الإحكام في أصول الأحكام: ٣/٣٠٥.
(٦) انظر الباحثة/ المدخل لدراسة أحاديث الأحكام.
(٧) ابن حزم / الإحكام في أصول الأحكام: ١/٢٤١.
(٨) حديث جابر بن عبد الله ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحامًا ورجلًا قد ضُلِّل عليه فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم قال: «ليس من البر الصيام في السفر» أخذ العلماء منه كراهة الصوم في السفر لمن يجهده ويشق عليه. انظر ابن دقيق العيد/ إحكام الأحكام: ٢/٢٥.
[ ٢٣ ]
أما إذا قال الرسول ﷺ عن شيء: «شأنكم به» فمعناه أمره إليكم فمن شاء فعله، ومن شاء تركه، فيدل هذا القول على الإباحة (١) ففي الحديث عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ سمع أصواتًا، فقال: ما هذا الصوت؟ قالوا: النخل يؤبرونها (٢) . فقال: لو لم يفعلوا لصلح. فلم يؤبروها عامئذ، فصار شيصًا (٣)، فذكروا للنبي ﷺ فقال: إن كان شيئًا من أمور دنياكم فشأنكم به، وإن كان من أمور دينكم فإلي» (٤) .
وكذلك قوله ﷺ عن شيء هذا حلال فإنه يدل على الإباحة. كقوله ﷺ عن البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (٥) .
أما القسم الثاني فدلالات أفعاله ﷺ، ولها ثلاثة فروع:
١- أفعال تدل على الإباحة، ولا قدوة فيها للأمة. ولها ثلاث صور:
الفعل الجبلي الطبيعي المركوز في أصل الخِلْقة (٦):
والمقصود به المحبة والكراهة الطبيعيتان، كحبه ﷺ الحلواء والعسل والدباء والثريد من الخبز واللحم ومن الشراب الحلو البارد، وكراهته لرائحة الحناء (٧) .
_________________
(١) ابن حزم/ الإحكام في أصول الأحكام: ٣/٣٠٥.
(٢) يُؤبرونها: يُلقحونها والمأبورة المُلقّحة. انظر: ابن الأثير/ النهاية باب الهمز مع الباء، ١/١٣.
(٣) شيصًا: الشيص التمر الذي لا يشتد نواه ويقوى، وقد لا يكون له نوى. انظر المرجع السابق باب الشين مع الباء، ٢/ ٥١٨.
(٤) أخرجه أحمد، وابن ماجه وصححه الشيخ الألباني، انظر المسند: ٦/١٢٣، سنن ابن ماجه كتاب الرهون، باب تلقيح النخل: ٢/٨٢٥، صحيح ابن ماجه (٢٤٧١) ٢/٦٤.
(٥) أخرجه أبو داود (٨٣) وصححه الشيخ الألباني، انظر: صحيح سنن أبي داود: كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، (٧٦) ١/١٩.
(٦) قلعة جي/ معجم لغة الفقهاء: ص ١٦٠.
(٧) ابن القيم/ زاد المعاد: ٣/١٥٦، ١٧٩.
[ ٢٤ ]
o الفعل العادي: ويقصد بالأمور العادية ما سوى الأمور العبادية أي ما فعله الرسول ﷺ على عادة قومه ومألوفهم مما لم يدل دليل على ارتباطه بالشرع، مثال ذلك: لبسه ﷺ الثوب المخطط، وإطالة شعره، وأنواع الطيب والعطور.
o الفعل الدنيوي: كالوسائل التي استخدمها الرسول ﷺ في الطب والزراعة والتجارة والتدابير من اتخاذ الولاة والحراس والسفراء (١)
٢- أفعال خاصة به ﷺ:
إذا ثبتت الخصوصية في فعل من أفعال النبي ﷺ فإنها تقتضي أن حكم غيره ليس كحكمه، وذلك إجماع (٢)، كاختصاصه ﷺ بوجوب الوتر والتهجد بالليل.
وقد تكون واجبة عليه محرمة على أمته، كاختصاصه بإباحة الوصال في الصوم فلا يفطر بين اليومين أو الأيام (٣) .
٣- أفعال تدل على الوجوب أو الندب في حقه ﷺ وحق أمته:
كالأفعال التي تصدر عنه ﷺ بيانًا لآية دالة على الوجوب في حقه وحقنا كبيانه صلاة الظهر وأنها أربع ركعات، والجمعة وأنها ركعتان، وبيانه ﷺ لكيفية الصلاة، ففي الحديث: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبّر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صُلبه من الركعة ثم يقول: وهو قائم: ربنا ولك الحمد ثم يكبّر حين يهوي، ثم يكبر
_________________
(١) الأشقر/ أفعال الرسول (: ١/٢١٦.
(٢) الآمدي/ الإحكام في أصول الأحكام: ١/٢٤٧.
(٣) معجم لغة الفقهاء: ص ٥٠٣.
[ ٢٥ ]
حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حين يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس» (١) .
أما الأفعال التي يفعلها ﷺ من ذات نفسه مطابقًا لما فرضه الله تعالى له من إنشاء بعض الأحكام فإن دل الدليل على أنه ﷺ فعله واجبًا دل على وجوبه، وإن دل الدليل على أنه فعله ندبًا كان مندوبًا في حقه وحق أمته (٢) . مثال ذلك ما ورد في الحديث «كان ﷺ يعجبه التيامن في تنعله وترجله وفي شأنه كله» (٣) ." يعجبه" دليل أن هذا الفعل للاستحباب.
أما القسم الثالث: تقريراته ﷺ:
إذا رأى الرسول ﷺ شيئًا، أو علمه، فسكت عنه ولم ينكره، فهذا يدل على إباحته لذلك الشيء فقط غير موجب له، ولا ندب إليه (٤) .
عن عمرو بن خارجة ﷺ قال: «خطبنا رسول الله ﷺ بمنى وهو على راحلته ولعابها يسيل على كتفي» (٥) .دلّ الحديث على أن لعاب ما يؤكل لحمه طاهر، وهو مبني على أنه ﷺ علم سيلان لعاب الناقة على الصحابي راوي الحديث ولم يأمره بغسله، ولا إزالته. وأخذ العلماء بذلك فلم ينقل عن أحد من الأئمة القول بوجوب غسل لعاب ما يؤكل لحمه لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بالاتفاق (٦) .
_________________
(١) متفق عليه، واللفظ للبخاري، انظر: صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب إتمام التكبير إذا قام من السجود: (٧٤٦) ١/٧٤٦.
(٢) أفعال الرسول ﷺ: ١/٣٢٥-٣٧٢.
(٣) متفق عليه، واللفظ للبخاري، كتاب الوضوء، باب التيمن في الوضوء والغسل: ١/١٤٣ (١٦٤) .
(٤) ابن حزم/ الإحكام في أصول الأحكام: ١/١٤٩.
(٥) أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، انظر: المسند: ٤/١٨٦، سنن ابن ماجه، أبواب الوصايا، باب لا وصية لوارث: ٢/١١٧، سنن الترمذي، أبواب الوصايا، باب لا وصية لوارث: ٣/٢٩٤.
(٦) الصنعاني، سبل السلام: ١/٣٦
[ ٢٦ ]
المبحث السادس: أنواع القرائن الصارفة عن العمل بظاهر السن
المبحث السادس: أنواع القرائن الصارفة عن العمل بظواهر السنن
ورد في تعريف القرينة عدة مصطلحات منها:
القرينة: الأمر الذي يصرف الذهن عن المعنى الوضعي إلى المعنى المجازي، وقيل هي: ما يدل على المراد من غير أن يكون صريحًا فيه. وقيل: أمر يشير إلى المطلوب (١) .
والمتتبع لمسائل الأمر عند جمهور الأصوليين يجد أنهم متفقون على أن القرينة بجميع أنواعها تعتبر صارفة الأمر عن حقيقته فإنه متى وجدت ترك تحديد المراد من الأمر حينئذ إليها (٢) .
فالسنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي والجميع متفقون على مكانتها المهمة من حيث الاحتجاج والعمل لكن ينبغي عدم إغفال ما تقدم من ثبوت السنة، ووضوح دلالتها، ومعرفة القرائن التي لها أثر في صرف السنة عن ظاهرها. ويوضح ذلك الأمثلة التالية:
عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر ﵁ لرسول الله ﷺ فتغيظ رسول الله ﷺ ثم قال له: «مره فليراجعها» (٣) . فدلّ ظاهر الحديث على وجوب الرجعة، ولكن ذهب
_________________
(١) انظر: معجم لغة الفقهاء، ص ٣٦٢، الحيفان/ القرائن الصارفة للأمر عن حقيقته: ص ١١٨.
(٢) المرجع السابق: ص ١١٦-١٣٤.
(٣) أخرجه مسلم، انظر: صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها: ١٠/٦١.
[ ٢٧ ]
١- الجمهور إلى أنها مستحبة فقط (١)،حيث ظهرت لهم قرينة صرفت الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، وتلك القرينة هي: أن ابتداء النكاح لا يجب فاستدامته كذلك لا تجب، فقاس العلماء ابتداء النكاح في عدم وجوبه على استمرار وجوبه بالرجعة، فقالوا: هي أيضًا ليست بواجبة. فكان القياس قرينة على أن الأمر للندب (٢) .
٢- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده" (٣) . ظاهر الحديث يدل على وجوب غسل اليدين ثلاثًا بعد الاستيقاظ، ولكن ذهب الجمهور إلى أن الأمر للندب (٤) .
لا يدخله احتمال. فكان قرينة لصرف الأمر عن ظاهره (٥) .
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ:
"إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" (٦) . دلّ الحديث على وجوب الغسل يوم الجمعة. وذكر الإمام الشوكاني أن جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء
_________________
(١) سبل السلام: ٣/١١٣.
(٢) المرجع السابق: ٣/١٦٩.
(٣) رواه الجماعة إلا البخاري، انظر: صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب كراهة غمس المتوضئ يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثًا. ١/٢٣٣.
(٤) الشوكاني/ نيل الأوطار: ١/٢٩٠-٢٩١.
(٥) ابن دقيق العيد/ إحكام الأحكام: ١/١٩، سبل السلام: ١/٤٧.
(٦) أخرجه الجماعة واللفظ للبخاري، انظر صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم الحمعة: (٨٢٦) ٢/٤٠٩.
[ ٢٨ ]
الأمصار ذهبوا إلى أنه مستحب (١) . والقرينة الصارفة عن الوجوب أحاديث صحيحة دلّت على الاستحباب، كقوله ﷺ: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام" (٢) .
وهناك أمثلة عديدة خالف فيها الجمهور ظاهر السنة لقرينة قوية ظهرت لهم. وهم في هذا الأمر مخالفون لبعض الظاهرية الذين لا يبالون بأي قرينة إذا خالفت ظاهر السنة (٣) .
_________________
(١) نيل الأوطار: ١/٢٩٠-٢٩١.
(٢) أخرجه مسلم، انظر صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب فضل من استمع وأنصت في الخطبة: ٢/٥٨٨ (٨٥٧) .
(٣) من أعجب أقوال الظاهرية: أن الرجل إذا بال في قارورة أو في إناء ثم صبه في الماء الدائم فإنه لا ينجس ولا يكون منهيًا عنه‘ وما ذلك إلا لمنعهم النظر في الحديث ومنعهم القول بالقرائن، ومن أمثلة النظر في القرائن التي يذهب إليها جمهور الفقهاء موقفهم من عدم وجوب الاضطجاع بعد ركعتي سنة الفجر انظر: الشوكاني/ نيل الأوطار: ١/٢٣٩-٢٤١، سبل السلام: ١/٢١، ٢/٦.
[ ٢٩ ]
المبحث السابع: أسباب عدم الاحتجاج ببعض السنن
أستهل هذا المبحث بقول للإمام ابن تيمية: " ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولًا عامًا يتعمد مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سننه دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون على وجوب إتباع الرسول ﷺ وعلم أن كل واحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ " (١) .
فلو وجد لأحدهم قول مخالف لسنة صحيحة فلا بد له من سبب قوي كضعف في رجال السند، أو اختلاف في عدالة الرواة، أو غير ذلك مما يسوغ عد الأخذ بالحديث والعدول عنه إلى غيره (٢) .
وينبغي لطالب العلم أن يرفع الملام عن الأئمة الأعلام إن وجد لأحدهم فتوى تخالف سنة رسول الله ﷺ، ولقد ذكر العلماء أسبابًا عديدة تجعل الأئمة معذورين مأجورين، وملخصها هذان السببان:
الأول: زيادة بعضهم على بعض في كثرة العلم:
فالخلفاء الراشدون والصحابة ﵃ كانوا أعلم الأمة وأفقهها، وأتقاها وأفضلها، ومع ذلك لم يحيطوا بجميع أحاديث رسول الله ﷺ (٣)، فمن بعدهم أنقص (٤) .
وقد ينظر العالم في الحديث فيراه ضعيفًا لرجل متهم في إسناده ويخفى عليه طريق أخرى للحديث صحيحة يعلمها إمام غيره.
_________________
(١) رفع الملام عن الأئمة الأعلام: ص ٣.
(٢) المنبجي/ اللباب في الجمع بين السنة والكتاب: ١/٥٥.
(٣) وقعت قصص ثابتة معروفة مثل قصة استئذان أبي موسى الأشعري على عمر ﵁ ثلاثًا ثم رجوعه، وقصة التيمم لعمار بن ياسر ﵄. انظر: رفعت فوزي/ توثيق السنة في القرن الثاني: ص ١١٤.
(٤) ابن تيمية/ رفع الملام عن الأئمة الأعلام: ص ١١٤.
[ ٣٠ ]
الثاني: زيادة بعضهم على بعض في قوة الفهم:
فقد تخفى دلالة الحديث على إمام وتظهر لغيره، أو يعتقد الإمام أن تلك الدلالة قد عارضها ما دلّ على أنها ليست مُرادة (١) وقد يفتح الحق سبحانه بدقائق الفهم لإمام لا تفتح لغيره (٢) . وذكر سبحانه قصة داود وسليمان ﵉ دليلًا على ذلك: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْنَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٨-٧٩] . فاختصّ سبحانه سليمان ﵇ بالفهم، وأثنى عليهما بالحكم والعلم، وتدلّ الآية كذلك على أن خطأ المجتهد لا يقدح فيه بل يبقى المجتهد موضع الثناء والتقدير لعلمه الذي يحمله (٣) . ولقد بين العلماء أن دلالات أحاديث رسول الله ﷺ من حيث وضوحها وخفاؤها تنقسم إلى قسمين:
١- دلالة قطعية واضحة، لا يسع أحدًا – غير مغلوب على عقله- جهلها كالأمر بالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، فالقطع بوجوبها لا خلاف فيه. وكالنهي عن الربا، والزنى، وقول الزور، والسرقة، فالقطع بتحريمها لا خلاف فيه (٤) .
_________________
(١) ابن تيمية/ الفتاوى: ٢٠/٢٣١.
(٢) ذكر الرامهرمزي قصة لامرأة تغسل الموتى فسألت الفقيه أبا ثور فأجاب: إذا فرقت رأس الحي بالماء فالميت من باب أولى، استنباطًا من حديث عائشة ﵂ كنت أفرق رأس رسول الله وأنا حائض. المحدث الفاصل بين الراوي والسامع: ص ٢٤٩.
(٣) البيضاوي/ أنوار التنزيل: ص ٤٣٤.
(٤) أبو زهرة/ أصول الفقه: ص ٣٤٧.
[ ٣١ ]
١- دلالة ظنية خفية يعلمها الخاصة دون العامة كفروع الفرائض والمسائل المختلف فيها بين الصحابة رضوان الله عليهم، وقد يكون خفاؤها في الحديث، إما للفظ غريب غير مشتهر، وإما لكون اللفظ مشتركًا وفيه أكثر من معنى (١)، أو لكون المعنى يختلف بين عرف وعرف، وبلد وبلد. وإما لكون الحديثين ظاهرهما التعارض. وهذه الدلالة يتفاوت العلماء في إدراكها وفهم وجوه الكلام فيها بحسب ما يفتح الحق سبحانه. وهي أحد أسباب اختلاف الأئمة رحمهم الله تعالى (٢) .
_________________
(١) الألفاظ المشتركة: ما اتحد لفظه وتعدد معناه: كالقرء. والمترادفة: كالفقير والمسكين. والمترددة بين الحقيقة والمجاز كالقمر. انظر: ولد بيه: أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات: ص ٧٥.
(٢) رفع الملام: ص ٢١.
[ ٣٢ ]
المبحث الثامن: موقف العلماء من السنن التي ظاهرها التعارض
الباحث في موضوع الاحتجاج بالسنة النبوية وكونها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي لا يمكنه بحال إغفال النظر في موضوع الأحاديث التي ظاهرها التعارض حيث ذهب جمهور العلماء إلى ما يلي:
١- ينظر في الحديث المعارِض، فإن كان ضعيفًا فلا أثر له في المعارضة، لأن القوي لا تؤثر فيه مخالفة الضعيف.
٢- إذا كان الحديث المعارض صحيحًا مقبولًا مثل الأول، فينظر هل يمكن أن يجمع بينهما؟ فإن أمكن: جمع بينهما وعمل بهما معًا، فإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.
والخلاف الظاهر بين العلماء هنا أن منهم من يقدم الجمع على الترجيح، ومنهم من يقدم الترجيح على الجمع. ويعتبر هذا الأمر من أهم أسباب اختلافهم رحمهم الله تعالى. ويوضح ذلك المثال التالي:
- عن النبي ﷺ قال: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرّبوا " (١) .
- وحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «لقد ارتقيت يومًا على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلًا بيت المقدس لحاجته » (٢) .
_________________
(١) متفق عليه، انظر: صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق: (٣٨٠) ١/١٣٥.
(٢) رواه الجماعة، انظر: صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب من تبرز على لبنتين. (١٤٢) ١/١٣٥.
[ ٣٣ ]
- فمن العلماء من رجح الحديث الأول فقال: لا يجوز استقبال واستدبار القبلة بالبول والغائط لا في الصحاري ولا في البنيان.
- ومنهم من رجح الحديث الثاني فقال: بمطلق الإباحة وأنه يجوز استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط في الصحاري والبنيان.
- ومنهم من جمع بين الحديثين فقال: لا يجوز في الصحاري، ويجوز في البنيان (١)
١- إن لم يمكن الجمع بينهما فلا يخلو أن يعرف التأريخ أولا؟ فإن عرف وثبت المتأخر فهو الناسخ والآخر منسوخ. مثال ذلك حديث "نهيتكم عن زيارة القبور فزروها" (٢) . بين الحديث أن الأمر بزيارة القبور نسخ النهي عن زيارتها.
٢- إن لم يعرف التأريخ للمتأخر فلا يخلو إما أن يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح المتعلقة بالمتن أو السند، أو لا يمكن ذلك بحسب ما يفتح به الله من كثرة العلم أو عمق الفهم (٣)
فإن لم يمكن الجمع بينهما، ولا معرفة الناسخ والمنسوخ، ولا الترجيح لأحدهما على الآخر فيكون التوقف عن العمل بالحديثين (٤) . يقول الإمام ابن حجر:" التعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط، لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه والله أعلم" (٥) .
_________________
(١) الشوكاني/ نيل الأوطار: ١/٩٨.
(٢) أخرجه مسلم، انظر صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي ربه ﷿ في زيارة قبر أمه: ٢/٩٧٧.
(٣) الشافعي/ الرسالة: ص ٢٨٢.
(٤) محمد عوامة/ أثر الحديث الشريف قي اختلاف الفقهاء: ص ١٠١.
(٥) نزهة النظر: ص ٨٣.
[ ٣٤ ]