مدخل
الفصل الثاني: تبيين السنة لأحكام القرآن الكريم
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تفصيل السنة لأحكام مجملة في القرآن الكريم.
المبحث الثاني: تخصيص السنة لأحكام عامة في القرآن الكريم.
المبحث الثالث: تقييد السنة لأحكام مطلقة في القرآن الكريم.
[ ٣٥ ]
لم يقع الخلاف بين الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين في أن السنة مبينة لأحكام القرآن الكريم: فعن عبد الرحمن بن يزيد رأى محرمًا عليه ثيابه فنهى المحرم فقال: ائتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي؟ فقرأ عليه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُو﴾ [الحشر:٣٦] (١) .
عن هشام بن حجير قال: كان طاووس يصلي ركعتين بعد العصر. فقال ابن عباس ﵄: اتركهما. فقال: إنما نهي عنهما أن تتخذ سنة، فقال ابن عباس ﵄: قد نهى رسول الله ﷺ عن صلاة بعد العصر، فلا أدري أتُعذب أم تؤجر؟ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ َمْرًا أَن يَكُونَلَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] (٢) .
_________________
(١) القرطبي/ الجامع لأحكام القرآن: ١/٣٨.
(٢) المرجع السابق: ١/٣٧.
[ ٣٦ ]
المبحث الأول: تفصيل السنة لأحكام مجملة في آيات القرآن الكريم
جاءت السنة مفصلة ومفسرة للأحكام المجملة في آيات عديدة من القرآن الكريم؛ إما بحسب كيفيات العمل أو أسبابه أو شروطه أو موانعه أو لواحقه، وما أشبه ذلك؛ كبيانها للصلوات على اختلافها في أنواع مواقيتها، وركوعها وسجودها وسائر أحكامها، وبيانها للزكاة في مقاديرها ونُصبِ الأموال وتعيين ما يزكى مما لا يزكى.
وبيان أحكام الصوم وما فيه مما لم يقع النص عليه في الكتاب.
وكذلك الطهارة الحَدَثية والخبثية، والحج، والذبائح، والصيد، وما يؤكل مما لا يؤكل، والأنكحة وما يتعلق بها من الطلاق والرجعة والظهار واللعان، والبيوع وأحكامها، والجنايات من القصاص وغيره، كل ذلك بيان لما وقع مجملًا في القرآن الكريم، وهو الذي يظهر دخوله تحت قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، (١)
يوضح ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨] .
ظاهر الآية يقتضي قَطع سارق القليل والكثير، والعقل لا يهتدي إلى الفصل فيه بحد تقف المعرفة عنده، فجاءت السنة بتحديده بربع دينار؛ فعن
_________________
(١) انظر الشاطبي/ الموافقات: ٤/٣٤٣.
[ ٣٧ ]
عائشة ﵂ قالت: «ما طال عليّ ولا نسيتُ: القطعُ في ربع دينار فصاعدًا» (١) (٢) .
وظاهر الآية يقتضي القطع في كل مال لا يسرع إليه الفساد أو يسرع كالخضار والفاكهة فجاءت السنة مفصلة أن من سرق ثمرًا ونحوه لا تقطع يده؛ فعن النبي ﷺ أنه قال: "لا قطع في ثمرٍ ولا كثرٍ (٣) " (٤) (٥) .
ولم تبين الآية اشتراط الحرز وجاءت السنة به، ففي الحديث ".. ومن سرق شيئًا منه بعد أن يُؤوِيه الجَرِينُ (٦)، فبلغ ثمن المجنِّ فعليه القطعُ.." (٧) .
واشترطه الفقهاء للقطع في السرقة، ورد في زاد المستقنع:" فإن سرقه من غير حرز فلا قطع، وحرز المال ما العادة حفظه فيه، ويختلف باختلاف الأموال والبلدان.." (٨) .
وجاءت السنة لتبين أن حد السرقة وغيره من الحدود لا يقام في المساجد لقوله ﷺ: "لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها" (٩) .
_________________
(١) متفق عليه، انظر صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْأَيْدِيَهُمَا﴾، وفي كم القطع. (١٦٣٨) ٨/٥٧٤.
(٢) ابن العربي/ أحكام القرآن: ٢/٧٨.
(٣) الكَثَر: بفتحتين، جمّار النخل، وهو شحمه الذي وسط النخلة، انظر: ابن الأثير/ النهاية: باب الكاف مع الثاء، ٤/١٥٢.
(٤) أخرجه أبو داود (٤٣٨٨)، وابن ماجه (٢٥٩٣)، وصححه الشيخ الألباني. انظر: صحيح سنن أبي داود: كتاب الحدود، باب ما لا قطع فيه (٣٦٨٨) ٣/٨٢٩.
(٥) النجدي/ هداية الراغب: ص ٥٣٤.
(٦) الجرين: موضع تجفيف التمر، يجمع على جُرون بضمتين، انظر: ابن الأثير/ النهاية: باب الجيم مع الراء، ١/٢٦٣.
(٧) أخرجه النسائي، وأبو داود، وحسنه الألباني. انظر: صحيح سنن النسائي (٤٥٩٣) ٣/١٠٢٠.
(٨) ٢/٣٥٠.
(٩) أخرجه أحمد ٣/٤٣٤، والدارقطني ٣٢٤-٣٢٥، قال الشيخ الألباني: اختلف فيه قول الحافظ فقال في بلوغ المرام: سنده ضعيف، وقال في التلخيص: لا بأس بإسناده ثم قال: وعندي أن الحديث حسن بالنظر.. انظر الألباني/ الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب: ٢/٦٩٥.
[ ٣٨ ]
وفصلت السنة أنه لا يقام الحد مع وجود شبهة لقوله ﷺ: "ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم" (١) . ومثّل الفقهاء للشبهة: أنه لا يقطع السارق بالسرقة من مال أبيه وإن علا ولا بسرقة مال ولده وإن سفل لأن نفقة كل منهما تجب في مال الآخر (٢) .
فهذه التفصيلات وغيرها وردت في السنة، فلولا السنة لما عرف كيفية قطع يد الساق، ولا متى تقطع. وعلى ذلك أكثر الآيات. يقول الإمام النووي ﵀: "على السنن مدار أكثر الأحكام الفقهيات، فإن أكثر الآيات الفروعيات مجملات، وبيانها في السنن المحكمات وقد اتفق العلماء أن على القاضي والمفتي أن يكون عالمًا بالأحاديث الحكميات" (٣) .
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١٤٢٤) في الحدود، باب ما جاء في درء الحدود، قال الشيخ عبد القادر الأرناؤوط: وفي سنده يزيد بن زياد الدمشقي وهو متروك كمال قال الحافظ في التقريب، وقد روي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح كما قال الترمذي. انظر: ابن الأثير/ جامع الأصول في أحاديث الرسول: (١٩٣٣) ٣/٦٠٣.
(٢) انظر البهوتي/ الروض المربع: ٢/٣٥١.
(٣) النووي/ شرح صحيح مسلم: ١/٤.
[ ٣٩ ]
المبحث الثاني: تخصيص السنة لأحكام عامة في القرآن الكريم
العام اللفظ المستغرق لما يصلح له (١) .
أي يستغرق جميع الأفراد التي يصدق عليها معناه من غير حصر كمي ولا عددي (٢) .
وصيغة الألفاظ العربية تفيد الشمول والاستغراق وهي على النحو التالي:
- لفظ كل، جميع، كافة
- المعرف ب "أل" التي ليست للعهد.
- النكرة في سياق النفي، أو النهي.
- الذي، والتي وفروعهما.
- أسماء الشروط.
- المضاف إلى جمع.
- المفرد المضاف.
ولا خلاف بين العلماء أن السنة إذا كانت متواترة يجوز تخصيص القرآن بها.
أما إذا كانت السنة من أخبار الآحاد فمذهب الأئمة الأربعة جوازه، وهو المختار عند العلماء (٣) .
_________________
(١) الأصفهاني/ بيان المختصر لابن الحاجب: ٢/١٠٤.
(٢) صبحي الصالح/ مباحث في علوم القرآن: ص ٣٠٤.
(٣) الآمدي/ الإحكام في أصول الأحكام: ٢/٤٧٢.
[ ٤٠ ]
والأدلة المنقولة عن الصحابة ﵃ كثيرة منها الآيات التالية التي خُصصت بالسنة التي رويت بأخبار الآحاد:
- بعد ذكر الحق ﷾ للمحرمات من النسب والرضاع والمصاهرة قال سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، وخصص هذا الحل بما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها" (١) .
وخصص قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بقوله ﷺ: "لا يرث القاتل" (٢) وبقوله: "لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم من الكافر" (٣) .
- وخصص قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ النساء:١١] بما روي عن النبي ﷺ: "أنّه جعل للجدة السدس" (٤) .
- وخصص قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] بما روي عنه ﷺ: "أنه نهى عن بيع الدرهم بالدرهمين" (٥) .
_________________
(١) متفق عليه انظر: صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة مع عمتها (٤٥) ٧/٢٢.
(٢) أخرجه الترمذي، ثم قال: والعمل على هذا عند أهل العلم أن القاتل لا يرث، وصححه الألباني. انظر سنن الترمذي، أبواب الفرائض، باب ما جاء في إبطال ميراث القاتل: ٣/٢٨٨، صحيح سنن الترمذي: (١٧١٣) ٢/٢١٥.
(٣) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، أبو داود، انظر: جامع الأصول في أحاديث الرسول (٧٣٧١) ٩/٥٩٩.
(٤) أخرجه الموطأ، الترمذي، أبو داود، انظر: جامع الأصول في أحاديث الرسول (٧٣٧١) ٩/٦٠٩.
(٥) أخرجه مسلم والموطأ، انظر: جامع الأصول: (٣٨٢) ١/٥٥٨.
[ ٤١ ]
- وخصص قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥] . بإخراج المجوس وهم عبدة النار بما روي: "سنُّوا بهم سنّة أهل الكتاب" (١) .
والصحابة أجمعوا على تخصيص العمومات بأخبار الآحاد، حيث إنهم أضافوا التخصيص إليها من غير نكير، فكان إجماعًا (٢) .
_________________
(١) أخرجه الموطأ، قال عبد القادر الأرناؤوط ورجاله ثقات، لكنه منقطع، فإن محمد بن علي لم يلق عمر، وله شاهد من حديث مسلم بن العلاء الحضرمي انظر: جامع الأصول: (١١٥١) ٢/٦٦٠.
(٢) الآمدي/ الإحكام في أصول الأحكام: ٣/٣.
[ ٤٢ ]
المبحث الثالث: تقييد السنة لأحكام مطلقة في القرآن الكريم
المطلق: ما دل على شائع في جنسه.
أي هو اللفظ الدال على معنى غير متعين، له أفراد مماثلة له (١) .
كقولك رقبة، رجل، صبي.
والمقيد: بخلاف المطلق. فهو لفظ دال على معنى غير شائع في جنسه.
فهو يتناول ما دلّ على معين، ومادلّ على شائع لكن لا في جنسه.
فيكون العام مقيدًا بهذا التعريف (٢) .
كقولك عن الرقبة: مؤمنة. وعن الرجل: صالح. وعن الصبي: ذكي. إذا ورد مطلق ومقيد، فلا يخلو، إما أن يختلف حكمهما، أو لا يختلف (٣) .
ومثال اختلاف حكمهما: إن ظاهرت فأعتق رقبة، مع: لا تملك رقبة كافرة (٤) .
ولا خلاف في امتناع حمل أحدهما على الآخر (٥) .
وإن لم يختلف حكمهما أي حكم المطلق والمقيد، واتحد سببهما، وكان اللفظ دالًا على إثباتهما أو نفيهما، كما لو قال في الظهار: أعتقوا رقبة، ثم
_________________
(١) الأصفهاني/ بيان المختصر: ٢/٤٧٥.
(٢) المرجع السابق: ٢/٣٥٠.
(٣) الآمدي/ الإحكام في أصول الأحكام: ٣/٤.
(٤) بيان المختصر: ٢/٣٥١.
(٥) الآمدي/ الإحكام في أصول الأحكام: ٣/٣.
[ ٤٣ ]
قال: أعتقوا رقبة مسلمة. يقول الآمدي:" فلا نعرف خلافًا في حمل المطلق على المقيد هاهنا" (١) .
ومن أمثلة تقييد السنة للآيات المطلقة التي وردت في القرآن الكريم:
قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النسا:١٢] . فالوصية لفظ مطلق شائع جنسه.
وقيّد رسول الله ﷺ الوصية بالثلث، وذلك في قصة مرض سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجعٍ اشتدّ بي فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مالٍ، ولا يرثني إلاّ ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. فقلت: بالشطر؟ فقال: لا. ثم قال: الثلث والثلث كبير أو كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، الحديث" (٢) .
قال الإمام الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، أنه ليس للرجل أن يوصي بأكثر من الثلث، وقد استحب بعض أهل العلم أن ينقص من الثلث (٣) .
_________________
(١) المرجع السابق: ٣/٤.
(٢) متفق عليه، انظر: محمد فؤاد عبد الباقي/ اللؤلؤ والمرجان، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث: (١٠٥٣) ص ٤٦١.
(٣) أخرجه الترمذي وصححه الألباني، انظر: سنن الترمذي، أبواب الوصايا، ما جاء في الوصية بالثلث: ٣/٢٩١. صحيح سنن الترمذي (١٧١٨) ٢/٢١١١.
[ ٤٤ ]
كما ورد قيد ثان للوصية في السنة فذهب الفقهاء إلى أن الإنسان إذا وصى لوارثه بوصية، فلم يجزها سائر الورثة، لم تصح بغير خلاف بين العلماء واشترط بعضهم لصحة الوصية ألاّ يكون المُوصى له وارثًا (١) .
فعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: «إن الله ﵎ قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث..» (٢) .
وجمهور الفقهاء أو قفوا نفاذها على إجازة باقي الورثة، إن أجازوها نفذت وإلاّ بطلت (٣) .
ولم أعثر فيما اطلعت عليه على أمثلة كثيرة لتقييد السنة لمطلق أحكام القرآن، بخلاف تخصيص الآيات العامة.
_________________
(١) ابن قدامة/ المغني: ٨/٣٩٨.
(٢) أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح، أبواب الوصايا، باب لا وصية لوارث: ٣/١٩٤.
(٣) محمد شلبي/ أحكام الوصايا والأوقاف: ص ٨٧.
[ ٤٥ ]