لما كان منكرو السُنَّةِ حديثًا قد تعلَّقوا بكثير من آراء السُنَّة قديمًا وكان لمنكري السُنَّةِ قديمًا أثر كبير في ظهور منكري السُنَّة حديثًا لذا رأيت أنْ أقدِّم نبذة سريعة ونظرة عاجلة عن منكري السُنَّةِ قديمًا في ثلاثة فصول:
١ - الفصل الأول: السُنَّةُ والخوراج.
٢ - الفصل الثاني: السُنَّة والشيعة.
٣ - الفصل الثالث: السُنَّة والمعتزلة.
[ ٢٥ ]
تمهيد:
ذكرنا - فيما سبق - مكانة السُنَّة من التشريع الإسلامي وإنها صنو الكتاب ولا يمكن الاستغناء عنها والاعتماد على القرآن وحده، وأنه لا يمكن الجمع بين دعوى الالتزام بتعاليم الإسلام وإنكار حُجِيَّةِ السُنَّةِ إلاَّ أنَّ بعض الناس قد يجهلون أو يتجاهلون البدهيات من الأمور وهذا الذي حدث بالنسبة للسُنَّة النبوية الشريفة.
قَالَ أُمَيَّةُ [بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] بْنِ خَالِدٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: «إِنَّا نَجِدُ صَلاَةَ الْحَضَرِ، وَصَلاَةَ الْخَوْفِ فِي الْقُرْآنِ، وَلاَ نَجِدُ صَلاَةَ السَّفَرِ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: «يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّ اللَّهَ ﷿ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ وَلاَ نَعْلَمُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ يَفْعَلُ» (١).
ثم كثر أصحاب هذه الفتنة حتى قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيِّ: «إِذَا حَدَّثْتَ الرَّجُلَ بِالسُّنَّةِ فَقَالَ: دَعْنَا مِنْ هَذَا وَحَدِّثْنَا مِنَ الْقُرْآنِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ ضَالٌّ مُضِلٌّ» (٢).
إلاَّ أنَّ هذا الاتجاه لم يكن عامًا جماعيًا حيث لم يكن هناك حزب أو جماعة تعرف بهذا الاتجاه وإنما كان ثمة أفراد معدودون وأشخاص معروفون بالإلحاد والزندقة وبشكل خاص بالعراق.
ثم دار الزمان دوره فَقُبَيْلَ نهاية القرن الثاني، وُجِدَتْ شرذمة أنكرت حُجِيَّةَ السُنَّة كمصدر للتشريع، وأخرى أنكرت حُجِيَّةَ غير المتواتر منها، وإليك بعض هذه الطوائف:
_________________
(١) رواه الحاكم في " المستدرك ": (١/ ٢٥٨) وسلمه الذهبي.
(٢) " الكفاية " للخطيب البغدادي: ص ١٦.
[ ٢٦ ]
الفصل الأول: السُنَّةُ والخوراج:
الخوارج إنْ لم ينغمسوا في رذيلة الكذب على رسول الله - ﷺ - كما فعل أغمار الشيعة - نظرًا لصراحتهم وتقواهم وبداوة طبائعهم وبُعْدِهِمْ عن الأخذ بمذهب التَقِيَّةِ الذي يؤمن به الشِيعَة، لكنهم خالفوا الجمهور في مواقف تشريعية كثيرة فرويت عنهم أحكام غريبة، مثل إباحتهم الجمع بين المرأة وعمّتها أو خالتها، وإنكارهم حكم الرجم الوارد في السُنّة، ولم يكن سبب ذلك كما زعم بعض الكاتبين جهلهم بالدين وجرأتهم على الله واستحلالهم لما حرّم اللهُ ورسُولُه، بل كان سببه ما ذهبوا إليه من رد الأحاديث التي خرجت بعد الفتنة أو التي اشترك رواتُها بالفتنة. وإنه لبلاء عظيم أن تسقط عدالة جمهور الصحابة الذين اشتركوا في النزاع مع عليّ ومعاوية، أو نسقط أحاديثهم ونحكم بكفرهم أو فسقهم، وهم هذا الرأي لا يقِلُّون عن الشِيعَة خطرًا وفساد رأي وسوء نتيجة (١).
إلاَّ أنه ليس كل الخوارج على هذ الحالة بل كان هناك فرقة منها تُسَمَّى - الإباضية - يقبلون الأحاديث النبوية وَيَرْوُونَ عن عَلِيٍّ وعثمان وعائشة وابي هريرة وغيرهم - ﵃ -.
وأما أخذهم بخبر الآحاد فواضح مِمَّا كتبوه في أصول الفقه، ومن هنا لا ينبغي إطلاق القول بأنَّ كافة الخوارج يرفضون السُنَّة التي رواها الصحابة بعد التحكيم أو قبله، إلاَّ أنَّ السُنَّةَ الصحيحة قد لقيت من الخوارج والشيعة عَنَتًا كبيرًا وكان لآرائهم الباطلة في الصحابة أثر كبير في اختلاف الآراء والأحكام في الفقه وفيما أثير حول السُنَّةِ من شُبَهٍ فيما بعد.
_________________
(١) انظر " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي" للدكتور مصطفى السباعي: ص ١٣٢، ١٣٣ و" تأويل مختلف الحديث " لابن قتيبة: ص ١٧، ٢٠ وما بعدها.
[ ٢٧ ]
الفصل الثاني: السُنَّة والشيعة:
الشيعة طوائف عديدة وفرق كثيرة والموجود منهم حاليًا في العالم الإسلامي أكثرهم من الإثني عشرية، يطعنون في أبي بكر وعُمَرَ وعثمان ومن شايعهم من الصحابة ويُلَفِّقُونَ التُّهَمَ على أم المؤمنين عائشة - ﵂ - وينالون من طلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص ويحطون على جمهور الصحابة إلاَّ عَلِيًّا وشيعته من الصحابة - على زعمهم - وقد ذكر بعضهم أنهم من ثلاثة إلى خمسة عشر صحابيًا فقط، وأقاموا على ذلك مذاهبهم من رَدِّ أحاديث جمهور الصحابة إلاَّ ما رواه شيعة عَلِيٍّ - ﵁ -، على أنْ تكون رواية الأحاديث التي يقبلونها من طرق أئمتهم لاعتقادهم عِصْمَتَهُمْ أو عن طريق من هو على نِحْلَتِهِمْ، والقاعدة العامة عندهم أنَّ من لم يوال عَلِيًّا - على التفصيل الذي عندهم - فقد خان وصية الرسول - ﷺ - ونازع أئمة الحق فليس أهلًا للثقة والاعتماد مع أنهم أكذب الطوائف كلها. قال الشافعي: «مَا رَأَيْتُ أَشْهَدَ بالزُّورِ مِنَ الرَّافِضَةِ» وقال صاحب " الوشيعة: «ادَّعَتْ كُلُّ كُتُبِ الشِيعَةِ أَنَّ الأَئِمَّةَ أَوْلاَدُ عَلِيٍّ كَانَتْ تُنْكِرُ كُلَّ حَدِيثٍ يَرْوِيهِ إِمَامٌ مَن أَئِمَّةِ الأُمَّةِ، وَأَنَّ الأَخْذَ بِنَقِيضِ مَا أَخَذَتْهُ الأُمَّةُ أَسْهَلُ طَرِيقٍ فِي الإِصَابَةِ، وَكُلُّ خَبَرٍ وَافَقَ الأُمَّةَ بَاطِلٌ، ومَا خَالَفَ الأُمَّةَ فَفِيهِ الرَّشَادُ، وَكَانَ الإِمَامُ يَقُولُ: (دَعُوا مَا وَافَقَ القَوْمَ فَإِنَّ الرُّشْدَ فِي خِلاَفِ القَوْمِ). وَتَقُولُ الشِّيعَةُ: إِنْ وَافَقَ الكُلَّ يَجِبُ الوُقُوفَ (أَيْ التَوَقُّفَ). وَكَانَ الصَّادِقُ يَأْمُرُ بِمَا فِيهِ خِلاَفَ العَامَّةِ (أَهْلُ السُنَّةِ وَالجَمَاعَةِ) وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ يَدِينُ بِدِينٍ إلاَّ كَانَتْ الأُمَّةُ تُخَالِفُهُ إِلَى غَيْرِهِ إِبْطَالًا لأَمْرِ عَلِيٍّ» (١).
_________________
(١) " الوشيعة في نقد عقائد الشيعة " لموسى جار الله: ص ٢٦.
[ ٢٨ ]
هذه دعوة الشيعة، وهذا أصل من أصولهم مِمَّا يقتضي منه العجب، وذكر السيوطي: «أنَّ من غُلاة الرافضة من ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسُنَّة والاقتصار على القرآن، فهم يعتقدون أنَّ النبوة لِعَلِيٍّ، وأنَّ جبريل أخطأ في نزوله إلى سيد المرسلين - ﷺ -، ومنهم من أَقَرَّ للنبي - ﷺ - بالنبوة ولكن قال أنَّ الخلافة كانت حقًا لِعَلِيٍّ، فلما عدل بها الصحابة عنه إلى أبي بكر قال هؤلاء - المخذولون لعنهم الله - كفروا وعدلوا بالحق مستحقه، وَكَفَّرُوا عَلِيًّا - ﵁ - أيضًا لعدم طلبه حَقه فَبَنَوْا على ذَلِك رَدَّ الأَحَادِيث كلهَا لِأَنَّهَا عِنْدهم بزعمهم من رِوَايَة قوم كُفَّارٍ فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون» (١).
إنَّ عدالة الصحابة أمر مُقَرَّرٌ بإجماع المسلمين وهو معلوم من الدين بالضرورة لأنه ورد فيهم ما يوجب لهم الجلالة ويجعلهم في قمة الثقة والأمانة. فهم جلساء رسول الله - ﷺ -، اختارهم الله لِصُحْبَةِ رسوله وجعلهم أمناء على حديثه، كيف لا، وقد زَكَّاهُمْ الله ورسوله واجتمعت الأُمَّةُ على ذلك فلا سبيل إلى الطعن فيهم، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ﴾ (٢).
وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣).
_________________
(١) " مفتاح الجنة ": ص ٣، ٤.
(٢) [الفتح: ٢٩].
(٣) [التوبة: ١٠٠].
[ ٢٩ ]
وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١).
وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٢).
وقال - ﷺ -: «لاَ تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلاَ نَصِيفَهُ» (٣).
وقال: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (٤).
وقال عبد الله بن مسعود: «مَنْ كَانَ مِنْكُم مُسْتَنًّا فَليَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ فَإِنَّ الحَيَّ لاَ تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانُوا وَاللهِ أَفْضَلَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَأَبَرَّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقُهَا عِلْمًا، وَأَقَلُّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَخْلاَقِهِمْ وَدِينِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ» (٥).
_________________
(١) [الحشر: ٨].
(٢) [الفتح: ١٨].
(٣) " صحيح مسلم ": ٤/ ١٩٦٧ - ١٩٦٨.
(٤) " صحيح مسلم ": ٤/ ١٩٦١. و" تيسير الوصول إلى جامع الأصول ": ٣/ ٢٢٦.
(٥) " شرح العقيدة الطحاوية ": ص ٤٢٢.
[ ٣٠ ]
ولله درُّ أبي زُرعة الرازي ما أحسن قوله: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ حَقٌّ، وَالْقُرْآنَ حَقٌّ، وَمَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَيْنَا الصَحَابَةُ، وَهَؤُلاَءِ الزَنَادِقَةُ يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى» (١).
هذا هو الحق الصَرَاحُ والصدق القراح أنهم تَذَرَّعُوا بإنكار السُنَّة وحُجِيَّتَهَا إلى إبطالها رأسًا وبذلك مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأعجب بكفر هؤلاء، ويأبى الله إلاَّ أنْ يتم نوره ولو كره الكافرون.
[ ٣١ ]
الفصل الثالث: السُنَّةُ والمعتزلة:
اختلفت نُقُولُ العلماء من موقف المعتزلة من السُنَّة، والذي استنتجه الخضري من كتابات الشافعي ومال إلى ذلك الأستاذ السباعي بأنَّ الفرقة التي رَدَّتْ الأخبار كلها هي المعتزلة (١) لأنهم كانوا يَزِنُونَ جميع الأشياء بعقولهم الفاسدة وأذهانهم القاصرة، ولا شك أنَّ العقل الإنساني مهما بلغ من الذُّرْوَةِ والكمال فلا بُدَّ أنْ يبقى قاصرًا عن إدراك بعض الحقائق ولا سيما الأمور التعبُّدية غير المُعَلَّلَةِ كما قال الشافعي: «كما أنَّ الحواس لها حد تنتهي إليه كذلك العقل له حد ينتهي إليه ويقصر دونه».
والواقع أنَّ نُقُولَ العلماء عن موقف المعتزلة من السُنَّةِ قد اضطربت - كما قال السباعي - هل هم مع الجمهور في القول بِحُجِيَّتِهَا بِقِسْمَيْهَا المتواتر والآحاد أم ينكرون حُجِيَّتِهَا بِقِسْمَيْهَا أم يقولون بحجية المتواتر وينكرون حجية خبر الآحاد؟
وذكر السباعي نُقُولًا عن الآمدي وابن حزم وابن القيم ثم قال: «وهذه النقول - كما ترى - متضاربة لا تعطينا حكما صحيحًا في المسألة» ثم تحدث عن مذهب النَظَّامِ وأنه ينكر معجزات النبي - ﷺ - من انشقاق القمر وتسبيح الحصى في يده ونبع الماء من بين أصابعه ليتوصل من ذلك إلى إنكار نُبُوَّتِهِ. ثم إنه استثقل أحكام شريعة الإسلام في فروعها ولم يجرؤ على إظهار
_________________
(١) " السُنَّة ومكانتها ": ص ١٣٤، ١٣٥.
[ ٣٢ ]
رفعها فأبطل الطرق الدالة عليها فأنكر لأجل ذلك حجية الإجماع وحجية القياس في الفروع الشرعية وأنكر الحُجَّةَ من الأخبار التي لا توجب العلم الضروري كما عاب أصحاب الحديث وروايتهم أحاديث أبي هريرة، وزعم أن أبا هريرة كان أكذب الناس وطعن في الفاروق عمر - ﵁ - وزعم أنه شك يوم الحديبية في دينه وشك يوم وفاة النبي - ﷺ - وأنه ضرب فاطمة وابتدع صلاة التراوايح، وطعن في عثمان لاستعماله الوليد بن عقبة على الكوفة حتى صلى بالناس وهو سكران، وطعن في عَلِيٍّ وابن مسعود ونسب الصحابة إلى الجهل والنفاق إلى آخر هذيانه (١).
ومنه نرى أنَّ المعتزلة ما بين شاك في عدالة الصحابة منذ عهد الفتنة كـ (واصل) وما بين مُوقِنٍ بفسقهم كـ (عمرو بن عبيد) وما بين طاعن في أعلامهم مُتَّهِمٌ لهم بالكذب والجهل والنفاق وذلك يوجب رَدَّهُمْ - على زعمهم - للأحاديث التي جاءت من طريق هؤلاء الصحابة (٢).
ما أسخف هذا الدليل وما أوهى هذا الاستدلال فيا لله لدواوين السُنَّة وكتب الحديث، نعوذ بالله من الخذلان واستحواذ الشيطان من لم يهده فلا هادي له.
«وقد كان موقف المعتزلة من السُنَّة هذا الموقف المتطرف المباين لعقيدة جمهور المسلمين أثر كبير في الجفاء بين علماء السُنَّة ورؤوس المعتزلة، تراشق على أثره الفريقان التُّهَمَ، فالمعتزلة يرمون المُحَدِّثِين بروايتهم الأكاذيب والأباطيل - على زعمهم -، وبأنهم زوامل للأخبار لا يفهمون ما يروون بينما يَتَّهِمُ المُحَدِّثُونَ أئمة الاعتزال بالفسق والفجور والابتداع في الدين والقول بآراء ما نزَّلَ الله من سلطان».
_________________
(١) " السُنَّة ومكانتها: ص ١٣٥.
(٢) " السُنَّة ومكانتها: ص ١٤٠.
[ ٣٣ ]
هذا وقد أدى مع الأسف هذا الصراع إلى نتيجتين خطيرتين فيما يتعلق بالسُنَّة:
أولاهما: ما فتحه رؤساء المعتزلة من ثغرات في مكانة الصحابة استطاع أنْ يَلِجَ المتعصبون من المستشرقين ويَجْرُؤُا على رميهم بالكذب والتلاعب في دين الله مستدلين إلى ما افتراه النَظَّام وأمثاله عليهم، وقد تبع المستشرقين في هذا بعض كُتَّابِ المسلمين كأحمد أمين وأَبِي رِيَّةَ وغيرهما.
ثانيهما: أنَّ جمهور المعتزلة كانوا في الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه حتى أنَّ بِشْر المريسي كان من أبرز رؤوس المعتزلة في عصره: قالوا إنه كان في الفقه على رأي أبي يوسف (١).
فلما أشرعت الخصومة بين أهل الحديث وأهل الاعتزال جَرَّحَ المُحَدِّثُونَ كُلَّ من قال بخلق القرآن، وجرَّ ذلك بعض المُغالين منهم إلى أَنْ يُجَرِّحَ كثيرًا من أصحاب أبي حنيفة بِحُجَّةِ أنهم يقولون بالرأي. ولا ذنب لهم إلاَّ أنَّ مذهب أبي حنيفة كان مذهب خصومهم المعتزلة، حتى إنَّ الإمام أبا حنيفة نفسه لم يسلم من أذى الذين جاؤوا بعده من أولئك المُحَدِّثِينَ، فلقد نسبوا إليه القول بخلق القرآن مع أن الثابت عنه بنقل الثقات غير ذلك ومع أن محمد بن الحسن كان يقول: «مَنْ صَلَّى خَلْفَ المُعْتَزِلِيَّ يُعِيدُ صَلاَتَهُ».
هذا وقد وجد قديمًا بعض الأشخاص أو بعض الفرق التي طعنت في السُنَّة ولكنها انهزمت وَضَمَّهُمْ الدهر إليه بنهاية القرن الثاني أو على الأكثر بنهاية القرن الثالث ولم تقم لها قائمة بعد ذلك. وقد أحييت الفتنة مَرَّةً أخرى في القرن الماضي بتأثير الاستعمار الغربي كما سنراه قريبًا.
_________________
(١) " الفَرْقُ بين الفِرَقِ ": ص ١٢٤. و" السُنَّة ومكانتها ": ص ١٤٢.
[ ٣٤ ]