الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأنزل عليه كتابه تبيانًا لكل شيء وهدى إلى صراط مستقيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المنزل عليه الكتاب، فبيَّن أحكامه، ورفع إبهامه، وخصص إطلاقه وشرح أهدافه، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وذريته وعلينا معهم أجمعين، آمين.
وبعد:
فلا يخفى على من له أدنى إلمام بشرائع الإسلام أنَّ السُنَّة هي المصدر الثاني للشريعة الإسلامية، بل هي قُطْبُ رحاها، ومصدر إشعاعها، وشمس الحقيقة ومنبع الهداية، وهي السراج الوهاج في ليل داج، فقد كانت البشرية في الجاهلية تتخبط خبط عشواء، وكانت منغمسة في شهواتها، ومنتهية في جهالاتها، ومرتطمة في نزواتها، في خبط وحيرة، وظلمات مدلهمَّة لا تهتدي سبيلًا، ولا تجد طريقًا. حتى منّ الله عليها ببعث نبيه الكريم - ﷺ - وأنزل كتابه العظيم.
ولما كان القرآن الكريم محتويًا للأصول، غير مستقص لجميع التفاصيل، فيه من الإجمال شيء غير قليل، فوض الله بيانه إلى الرسول الكريم - ﷺ - بقوله:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).
_________________
(١) [النحل: ٤٤].
[ ٣ ]
فكان رسول الله - ﷺ - هو المُبَيِّنُ عن الله والكتاب الناطق، والرحمة المهداة والنعمة المسداة.
ومن هنا يظهر جليًا، أنه لا يمكن فهم كتاب الله تعالى على وجهه، والعمل به على مراد الله تعالى، إلاَّ ببيان رسوله النيّر وأسوته الحسنة، وبيانه النيّر وأسوته الحسنة هما السُنَّة. فمن رام الهداية من غيرهما، أو من كتاب الله وحده، فقد رام المُحال.
ولما كانت للسُنَّة هذه المنزلة، وكان كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلا مطمع في تغييره بالتصحيف والتحريف، أو الزيادة والنقص، قام أعداء الإسلام بالتشكيك في السُنَّة وحُجِيَّتها وزعزعة الثقة بها، وأثاروا الشُبُهَات المختلفة حولها، حتى - لا قَدَّرَ اللهُ - إذا تم لهم ذلك، إنهار صرح الإسلام من أساسه، وبعد تقويض بنيانه، ما أسهل نقل المسلمين إلى أي نحلة من النحل الباطلة.
وإذا كان مُنكرو السُنَّة قديمًا قد انقرضوا وصاروا في ذمة التاريخ، فإنَّ المستشرقين وتلامذتهم من المستسلمين قد حَلُّوا محلهم وقاموا بالهجوم على الإسلام، أنهم كشفوا عن سرائرهم، فليس يرضيهم شيء إلاَّ أن يفضوا أهله من حوله، وأنْ يملأوا الدنيا أراجيف بأن الإسلام دعوة باطلة، ورسالة زائفة، وأنه لا يجوز لها البقاء أكثر مِمَّا بقيت .. ألا ساء ما يصفون.
وقد تتابعت جهود المستشرقين وتلامذتهم لإشاعة هذا الإفك، وكثرت مؤلفاتهم التي تغمز الإسلام، وتنال من نبيه ورسالته، وتشريعاته، وبعض هذه المؤلفات قد تبدو عليها - في الظاهر - مسحة البحث العلمي المزعوم، وقد يكون صاحبه قد طالع -بالفعل - عددًا ضخمًا من المؤلفات الإسلامية القديمة والحديثة، ومن ثم يعرض أفكاره السامة في ألبسة من الاستنتاج الهادئ، وبين يدي نقول محرفة عن مواضعها.
[ ٤ ]
ومن المؤسف حقًا أنَّ المستشرقين ليسوا وحدهم الخائضين في تاريخ الإسلام وتشريعه ورسالته، كذبًا وزورًا، عن سوء قصد أو سوء فهم، بل يشترك معهم فريق كبير من المستغربين - من العرب والمسلمين - في هذا الحوض الظالم الأليم.
والأغلب من هؤلاء الذين ينخدعون من المسلمين بالمستشرقين يكونون قد تأثروا بأفكار المستشرقين، إما بدراستهم في جامعات الغرب، أو جهلهم بحقائق التراث الإسلامي، وانخداعهم بالأسلوب العلمي المزعوم الذي يدَّعيه أولئك الخصوم.
ونظرًا لما أثير حول السُنَّة من اعتراضات وشُبُهات في ثبوتها وحجيتها ورُواتها، ولما فشا الجهل وضعف الوازع الديني في النفوس غالبًا، كان لا بد من دحض مفترياتهم وكشف شُبُهاتهم حتى لا يتأثر بها ضعفاء المؤمنين من العامة الذين ليس لهم كبير إلمام بالعلم ولاسيما بالسُنَّة وعلومها.
وهذا ما حفزني على الإدلاء بدلوي بين الدلاء والكتابة فيه، إسهامًا متواضعًا في الذود عن رياض السُنَّة وعلومها، وقد جعلت الموضوع في ستة أبواب كالآتي:
الباب الأول: (السُنَّة وما إليها).
وفيه أربعة فصول:
١ـ تعريف السُنَّة.
٢ـ مكانة السُنَّة التشريعية.
٣ـ حُجِيَّة السُنَّة.
٤ـ جهود العلماء لحفظ السُنَّة.
الباب الثاني: (نظرة سريعة عن مُنْكِرِي السُنَّة قديمًا).
وفيه ثلاثة فصول:
[ ٥ ]
١ - السُنَّة والخوارج.
٢ - السُنَّة والشيعة.
٣ - السُنَّة والمعتزلة.
الباب الثالث: (السُنَّة ومُنْكروها حديثًا) عرض - وتحليل.
وفيه ستة فصول:
١ - السُنَّة والمستشرقون.
٢ - السُنَّة والدكتور توفيق صدقي.
٣ - السُنَّة والأستاذ أحمد أمين.
٤ - السُنَّة ومحمود أبي رية.
٥ - السُنَّة والدكتور أحمد زكي أبو شادي.
٦ - السُنَّة ومنكروها في القارة الهندية.
الباب الرابع: (شُبُهات مُنكري السُنَّة).
وفيه فصلان:
١ - شُبُهَات مُنْكِرِي السُنَّة عمومًا.
٢ - شُبُهَات أهل القرآن في القارة الهندية.
الباب الخامس: اعتراضات من مُنْكِرِي السُنَّة.
الباب السادس: أمثلة من الأحاديث الصحيحة تعرضت لنقد مُنْكِرِي السُنَّة.
هذا وقد راعيت الجانب العلمي في البحث، فخرَّجت الأحاديث، وشرحت معاني الجمل - إذ رأيت المقام يقتضي ذلك - وناقشت الشُبُهَات بأسلوب علمي هادئ رصين، ومقارعة الحُجَّة بالحُجَّةِ، من غير إسفاف بحث فيه مقتنع لكل ذي لب وإنصاف.
والله المسؤول أنْ يوفِّقني لخدمة السُنَّة المطهرة والعمل بها، وهو المرجو أنْ يتقبل عملي ويجزل أجري ويعفو عن سيئاتي، ويستر عوراتي وعيوبي، فإنه هو الغفور الرحيم.
[ ٦ ]
وأختم كلمتي بدعوة الإمام ابن الجوزي - ﵀ - إذ يقول: اللهم لا تعذب لسانًا يخبر عنك، ولا عينًا تنظر إلى علوم تدل عليك، ولا قدمًا تمشي إلى خدمتك، ولا يدًا تكتب حديث رسولك، فبعزتك لا تدخلني النار، فقد علم أهلها أني كنت أذب عن دينك، اللهم آمين.
وصل الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا ..
طيبة الطيبة في ٢٩/ ٩ / ١٤٠١ هـ
خادم الكتاب والسُنَّة
محمد طاهر حكيم
وفَّقه الله
[ ٧ ]