- التعريف بالسُنَّة لغة وشرعًا
- موضوع السُنَّة ومكانتها من القرآن الكريم.
ختم الله - ﷿ - رسالات السماوات العلا إلى الأرض، برسالة الإسلام، فبعث محمدًا - ﷺ - رسولًا هاديًا، مُبشرًا ونذيرًا، ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (١).
ونبأه بذلك عام ٦١٠ من ميلاد عيسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - بعد أربعين سَنَة من مولده - ﷺ -، فشرَّفه الله - ﷿ - بحمل الرسالة السامية الخالدة، إلى الناس كافة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢).
وأمره أنْ يبلِّغ أحكام الإسلام وتعاليمه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (٣).
وأمره أن يدعو أهله وعشيرته إلى الإسلام فقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). ليهدي قومه إلى سبيل الرشاد، فيحملوا عبء تبليغ الرسالة إلى الأمم الأخرى،
_________________
(١) [سورة الأحزاب، الآية: ٤٦].
(٢) [سورة الأعراف، الآية: ١٥٨].
(٣) [سورة المائدة، الآية: ٦٧].
(٤) [سورة الشعراء، الآية: ٢١٤ - ٢١٥].
[ ٩ ]
فيكون لهم شرف المُبَلِّغ الهادي، ويخلد اسمهم أبد الدهر كما أراد الله للرسول الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وللأمَّة العربية التي انطلقت تحرِّرُ العالم من الظلم والطغيان، وتوجه مركب الإنسانية إلى شاطئ السلام، وتخرجه من الظلمات إلى النور سالكة سبيل الهداية والحق بعد أن تنكب الناس الصراط المستقيم، وتخبطوا في غياهب الجهالة والضلال. تتقاذفهم أمواج الأهواء كما تشاء، وتحملهم أعاصير الجبابرة كالهباء.
إلاَّ أنَّ هداية العرب لم تكن سهلة، بل تحمَّلَ السلو الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - في سبيلها المشاق الكثيرة، وأُوذِيَ في جسمه وماله وأهله وأصحابه ووطنه، وكان يدعو ليلا ًونهارًا وسرًّا وإعلانًا، ويسأل الله السداد والرشاد، متطلِّعًا إلى هداية قومه ليتحمَّلوا الرسالة ويؤدوا الأمانة.
لقد أحِيَ إلى الرسول - ﷺ -، وقومه على دين آبائهم، وثنية وأصنام، يسودهم النظام القبلي، وتربط بينهم صلة القرابة والدم، لا يحكمهم نظام عام، بل يخضعون للعادات والأعراف، يدفعهم الشرف والمفاخرة بالأنساب إلى المنافسة في المكارم والمروءات، يعيشون في حلقة القبيلة والأسرة، في إطار الجزيرة العربية.
وكان لهذا أثر بعيد في صفاء نفوسهم ومحافظتهم على أمجادهم وعاداتهم، وتفانيهم في سبيل مثلهم الأعلى، حتى كانوا يسرفون في ذلك، فهم كرام يبذلون ما يستطيعون للضيف، فيبلغون في ذلك حدَّ الإسراف.
ويأبون العار ولو أدى بأعز ما لديهم إلى الردى، ولهذا وَأَدُوا بناتهم خشية الفقر والزلل. ويحبُّون تحقيق الأمجاد والبطولات، ولكنهم ضلوا الطريق وحرموا العقيدة الموصلة إلى ذلك، ترى العفة والكرامة من أخلاقهم،
[ ١٠ ]
والكرم والشجاعة من سجاياهم، والحمية والثأر تسير في عروقهم، فلا ينامون على ضيم، وويل لمن غضب عليه العرب، إذْ كانوا يثورون لأتفه الأسباب، يكفي أنْ يستفز القبيلة فردٌ أهينت كرامته، فتنطلق جميعها كبارًا وصغارًا تدفع عنه ما أصابه، لأنَّ كرامة الفرد من كرامة القبيلة، وإلى هذا يمكننا أنْ نَرُدَّ أكثر الغزوات والغارات التي كانت بين القبائل قبل الإسلام.
وقد حفظت ذاكرتهم القوية أشعارهم وأنسابهم التي كانت بمثابة سجل تاريخي لهم، وكان كل ذلك من المؤهلات التي أعدَّتْهُم لحمل الرسالة الإسلامية فيما بعد.
وإذا كانوا قد عبدوا الأوثان فإنهم لم يروها خالقة مدبِّرة لأمور الكون وشؤونه، بل عبدوها زُلْفَى إلى الله ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١).
ولم تكن عقائدهم معقدة مركبة كما كانت عليه عقائد سكان البلاد المجاورة من الفرس والهند، بل كانوا أصفياء النفوس، ويمكننا أنْ نقول: إنَّ عندهم فراغا عقديًا تستره تلك العبادات والمعتقدات الأولية، التي لم تقف على قدميها أمام عقيدة الإسلام المتماسكة الكاملة. ولهذا كان العرب يمتازون عن غيرهم من الأمم بتلك الصفات التي أهَّلَتْهُم فيما بعد لأنْ يكونوا جنود الإسلام وحملة لوائه إلى العالم.
ومع هذا لم يكن من السهل أنْ يستجيب العرب جَمِيعًا إلى دعوة الرسول الكريم بادئ ذي بدء، إذْ كان من الصعب أنْ يتركوا دين آبائهم وأجِدًّادهم، فإذا ما دعاهم إلى الله قال له أقرب الناس إليه: تبًّا لك!! ألهذا دعوتنا؟ وأوذي - ﷺ - في سبيل دعوته كثيرًا، ولم يؤمن به إلاَّ نفر قليل: زوجه،
_________________
(١) [سورة الزمر، الآية: ٣].
[ ١١ ]
وبعض ذويه، وقليل من أهله. وكان لا يفتر عن دعوتهم، ويسخرون منه فيزداد نشاطًا وحيوية وراء أمله، ويصوِّرُهم الله تعالى في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ (١) ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ (٢). إلاَّ أنَّ الباطل لا يقوى أمام الحق، فسرعان ما يتقوَّض، ويظهر ضعفه، كما يتلاشى الظلام حين يكون وراءه النور الساطع.
وهكذا بدأ الإسلام يستولي على القلوب في مكة رُويدًا رُويدًا، ثم انتشر بين بعض سكان يثرب (المدينة المنورة)، وازداد إيذاء المشركين للمسلمين واضطروهم إلى هجر وطنهم فرارًا بدينهم.
وفي المدينة بدأت الدولة الإسلامية منظمة برياسة رسول الله - ﷺ -، وانتشر خبر الإسلام في أطراف الجزيرة، ولم تمنع أضاليل المشركين العرب من الدخول في دين الله، دين المساواة والعدالة، عقيدة سهلة سامية، إيمان بالله وطاعة لرسول الله، وعبادات تدخل السعادة والطمأنينة إلى النفوس، نظام يضبط الجماعة ويُؤَمِّنُ حقوق الأفراد كل هذا جعل القبائل العربية تتهافت إلى المدينة من كل حَدَبٍ وصوبٍ، يعلنون إسلامهم، وعمَّ الإسلام الجزيرة العربية بعد الفتح الأكبر، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وانقلبت مكة والمدينة بل الجزيرة العربية إلى موطن إسلامي متماسك تنبع منه إشعاعات الهداية لتنير العالم.
وقد تم ذلك للرسول الكريم خلال اثنتين وعشرين سَنَةً وبضعة أشهر.
_________________
(١) [سورة البقرة، الآية: ١٧٠].
(٢) [سورة المائدة، الآية: ١٠٤].
[ ١٢ ]
وخرج العرب باعتناقهم هذا الدين الحنيف من نطاق القبيلة المغلق إلى صعيد الإنسانية الواسع، ومن إطار الصحراء إلى العالم الشاسع، وانقلبت رابطة الدم والقرابة إلى الأُخُوَّة في الدين، وانتهى نظام القبيلة وحلَّ مكانه نظام الدولة الإسلامية في مختلف مرافق الحياة وانتقلت حميَّتُهُم للقبيلة إلى نُصرة الحق، وأصبح اعتزازهم بالإسلام وبما يقدمونه من تضحيات وخدمات بدلًا من اعتزازهم بالأنساب، واتجه حُبُّهُم للأمجاد والبطولات صعدًا إلى تحقيق ما يُرضِي الله ورسوله، وتحوَّلَتْ شجاعتهم وجُرأتهم المحصورة في النطاق القبلي إلى شجاعة وجرأة في سبيل نشر الدين الجديد، وتحوَّل كرمهم الذي بلغ حَدَّ السرف إلى إعانة الفقراء وإغاثة الملهوفين، وتزويد الجيوش للدفاع عن معتقداتهم وعن إخوانهم في الدين، وتحرير الأمم من نير العبودية إلى الحرية وعبادة إله واحد فكان الإسلام شرفًا عظيمًا لهم كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (١) وكان العرب بحقٍّ كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٢).
يتبيَّنُ لنا مما ذكرت أنَّ هؤلاء العرب الذين انطوت نفوسهم على صفات كريمة، وخصال طيبة، وراءها دوافع قوية وحيويَّة فائقة، كان ينقصهم العقيدة الصالحة، والنظام الحسن، فما إنْ وجدوهما في الإسلام دين الحنيفية السمحة، حتى كانوا خير حافظ لها، وأول داع إليها، ومن ثمَّ فتحوا قلوبهم للرسول الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، وأصغوا إليه، والتفوا حوله
_________________
(١) [سورة الزخرف، الآية: ٤٤] وإنه لذكر: أي لشرف عظيم. انظر " تفسير أبي السعود ": ص ٤٥ جـ ٥.
(٢) [سورة آل عمران، الآية: ١١٠].
[ ١٣ ]
ينهلون من المعين الذي لا ينضب، ويتلقون تعاليم الإسلام من رائده ليقوموا بدورهم في هداية الناس جَمِيعًا، وهكذا تضافر العامل الفطري الذي تميَّز به العرب مع العامل المكتسب الجديد (الروحي)، فظهر الرعيل الأول الذي حمل مشعل النور والحق إلى العالم، ونقل القرآن الكريم والسُنَّة المطهَّرة بكل أمانة وإخلاص. ولما كان موضوعنا متعلِّقًا بالسُنَّة، فلننتقل إلى التعريف بها.
أَوَّلًا - التَّعْرِيفُ بِالسُنَّةِ:
١ - السُنَّة فِي اللُّغَةِ:
السُنَّة: السيرة حسنة كانت أو قبيحة. قال خالد بن عتبة الهذلي:
فَلاَ تَجْزَعَنْ مِنْ سِيرةٍ أَنتَ سِرْتَهَا * * * فأَوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا
وسننتها سنًا واستننتها سرتها، وسننت لكم سنة فاتبعوها.
وفي الحديث: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً» (١)، يريد من عملها ليقتدى به فيها.
وكل من ابتدأ أمرًا عمل به قوم بعده، قيل هو الذي سنَّهُ.
قال نُصَيْبٌ:
كأَنِّي سَنَنتُ الحُبَّ، أَوَّلَ عاشِقٍ * * * مِنَ النَّاسِ، إِذْ أَحْبَبْتُ مِنْ بَيْنِهم وَحْدِي
_________________
(١) روى الإمام مسلم بسنده عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ - «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ». " صحيح مسلم ": ص ٧٠٥ جـ ٢ وص ٢٠٥٩ جـ ٤.
[ ١٤ ]
وقد تكرَّرَ في الحديث ذكر السُنَّة وما تصرف منها. والأصل فيه الطريقة والسيرة.
وإذا أطلقت في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي - ﷺ -، ونهى عنه، وندب إليه قولًا وفعلًا، ولهذا يقال في أدلة الشرع الكتاب والسُنَّة، أي القرآن والحديث.
ويجوز أن يكون لفظ (سُنَّة) من سننت الإبل إذا أحسنت رعيتها والقيام عليها (١).
٢ - السُنَّةُ فِي الشَّرْعِ:
يختلف معنى السُنَّةِ في اصطلاح المتشرعين حسب اختلاف فنونهم وأغراضهم، فهي عند الأصوليين غيرها عند المُحَدِّثين والفقهاء، ولذلك نرى مدلول معناها من خلال أبحاثهم.
(أ) فعلماء الحديث إنما بحثوا عن رسول الله - ﷺ - الإمام الهادي، الذي أخبر الله عنه أنه أسوة لنا وقدوة، فنقلوا كل ما يتَّصل به من سيرة، وخُلُقٍ، وشمائل، وأخبار، وأقوال، وأفعال، سواء أثْبَتَ ذلك حُكمًا شرعيًا أم لا.
(ب) وعلماء الأصول إنما بحثوا عن رسول الله - ﷺ - المُشرِّع الذي يضع القواعد للمجتهدين من بعده، ويُبيِّنُ للناس دستور الحياة، ولذلك عنوا بأقواله، وأفعاله، وتقريراته التي تثبت الأحكام وتقررها.
(جـ) وعلماء الفقه إنما بحثوا عن رسول الله - ﷺ -، الذي تدُلُّ
_________________
(١) " لسان العرب ": في مادة (سنن).
[ ١٥ ]
أفعاله على حكم شرعي، وهم يبحثون عن حكم الشرع في أفعال العباد وجوبًا أو حرمة، أو إباحة، أو غير ذلك (١).
مما تقدم يتلخَّص لدينا ما يلي:
السُنَّة في اصطلاح المُحَدِّثِينَ هي: كل ما أُثِرَ عن النبي - ﷺ - من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صِفة خَلقية أو خُلُقيَّة، أو سيرة سواء أكان ذلك قبل البعثة كتحَنُّثِهِ في غار حراء، أو بعدها.
والسُنَّة بهذا المعنى مرادفة للحديث النبوي.
السُنَّة في اصطلاح علماء أصول الفقه: هي كل ما صدر عن النبي - ﷺ - غير القرآن الكريم، من قول، أو فعل، أو تقرير، مما يصلح أنْْ يكون دليلًا لحكم شرعي.
أما القول فهو أحاديثه - ﷺ - التي قالها في مختلف الأغراض والمناسبات، فترتَّب على ذلك حكم شرعي، كقوله - ﷺ - «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وقوله: «لاَ ضَرَر وَلاَ ضِرَارَ» (٢) وقوله في زكاة الزروع: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرَ، وَمَا سُقِىَ بِالنَّضْحِ نِصْفَ الْعُشْرِ» (٣) وقوله في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (٤).
_________________
(١) انظر " فتح الغفار بشرح المنار ": ص ٧٥ جـ ٢ و" المدخل إلى السُنَّة وعلومها ": ص ٧ و" السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ٦١.
(٢) انظر " سُبُل السلام ": ص ٨٤ جـ ٣ ورواه الإمام أحمد وابن ماجه.
(٣) " فتح الباري": ص ٩٠ جـ ٤، والعثري: ما امتدَّت عروقه فضرب من نهر أو مستنقع من غير سقي.
(٤) انظر " سُبُل السلام ": ص ١٤ جـ ١ وأخرجه الأربعة وأبو بكر بن أبي شيبة.
[ ١٦ ]
وأما الفعل فهو أفعاله التي نقلها إلينا الصحابة، مثل أدائه الصلوات الخمس بهيئاتها وأركانها، وأدائه - ﷺ - مناسك الحج، وقضائه بالشاهد واليمين (١)، وما إلى ذلك.
وأما التقرير فكل ما أقرَّهُ الرسول - ﷺ - مما صدر عن بعض أصحابه من أقوال وأفعال، بسكوت منه وعدم إنكار، أو بموافقته وإظهر استحسانه وتأييده، فيُعْتبَرُ ما صدر عنهم بهذا الإقرار والموافقه عليه صادرًا عن الرسول - ﷺ -، ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخُدري - ﵁ - أنه خرج رجلان في سفر وليس معهما ماء فحضرت الصلاة فتيمَّما صعيدًا طيِّبًا، فصلَّيا ثم وجِدًّا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا النبي - ﷺ -، فذكرا ذلك له، فقال الذي لم يعد: «أَصَبْتَ السُنَّةَ» وقال للآخر: «لَكَ الأَجْرَ مَرَّتَيْنِ» (٢).
ومنه أَيْضًا إقراره الاجتهاد للصحابة في أمر صلاة العصر في غزوة بين قريظة، حين قال لهم: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدكُمْ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، ففهم بعضهم هذا النهي على حقيقته، فأخَّرها إلى ما بعد المغرب، وفهمه بعضهم على أنَّ المقصود حث الصحابة على الإسراع فصلاَّها في وقتها، وبلغ النبي - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - ما فعل الفريقان، فأقرَّهُما ولم ينكر على أحدهما (٣). ومنه إقرارُهُ لطريقة معاذ بن جبل في القضاء حينما بعثه إلى اليمن. إذْ قال له: «كَيْفَ تَصْنَعُ إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ
_________________
(١) ثبت قضاء الرسول - ﷺ - بشاهد ويمين، راجع " مسند الإمام أحمد ": الأحاديث رقم ٢٢٢٤ و٢٨٨٨ و٢٩٦٩ و٢٩٧٠ جـ ٤ و" سبل السلام ": ص ١٣١ جـ ٤.
(٢) " سبل السلام ": ص ٩٧ جـ ١ رواه أبو داود والنسائي.
(٣) " المدخل إلى السنة وعلومها ": ص ١٠، و" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ٦٠.
[ ١٧ ]
اللَّهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي لاَ آلُو، قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرِي ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ» (١).
وأما السُنَّة في اصطلاح الفقهاء: فهي كل ما ثبت عن النبي - ﷺ - ولم يكن من باب الفرض ولا الواجب، فهي الطريقة المتبعة في الدين من غير افتراض ولا وجوب.
وقد تطلق السُنَّة عند الفقهاء في مقابلة البدعة (٢). والبدعة لغة: الأمر المستحدث، ثم أطلقت في الشرع على كل ما أحدثه الناس من قول وعمل في الدين وشعائره مما لم يؤثر عنه - ﷺ - وعن أصحابه. وقد قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ أَحْدَثَ فِى أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (٣).
ومن ذلك قولهم «فُلاَنٌ عَلَى سُنَّةٍ» إذا عمل على وفق ما عمل النبي - ﷺ - وأصحابه، سواء أكان ذلك مما نص عليه في الكتاب أم لم يكن، وقولهم: «فُلاَنٌ عَلَى بِدْعَةٍ» إذا عمل على خلاف ما عملوه أو أحدث في الدين ما لم يكن عليه السلف.
وتُطلَقُ السُنَّةُ أحيانًا عند المُحَدِّثِينَ وعلماء أصول الفقه على ما عمل به أصحابُ رسول الله - ﷺ -، سواء أكان ذلك في الكتاب الكريم أم في المأثور عن النبي
_________________
(١) " إعلام الموقعين ": ص ٢٠٢ جـ ١.
(٢) انظر " المدخل إلى السنة وعلومها ": ص ١٠ و" السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ٦١ عن " إرشاد الفحول ": ص ٣١، و" تحقيق معنى السنة وبيان الحاجة إليها ": ص ٢٢ و" تاريخ التشريع الإسلامي ": ص ٦٤.
(٣) " صحيح مسلم ": ص ١٣٤٣ جـ ٣.
[ ١٨ ]
- ﷺ - أم لا (١). ويحتج لذلك بقوله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (٢)، وقوله أَيْضًا: «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَةً، قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» (٣).
ومن أبرز ما ثبت من السُنَّة بهذا المعنى «سُنَّةُ الصَّحَابَةِ» حَدَّ الخمر، وتضمين الصناع، وجمع المصاحف في عهد أبي بكر برأي الفاروق، وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة، وتدوين الدواوين وما أشبه ذلك مما اقتضاه النظر المصلحي الذي أقرَّهُ الصحابة - ﵃ - (٤).
وأعني بالسُنَّة في بحثي هذا ما أراده المُحَدِّثُونَ، وهي ما يرادف الحديث عند جمهورهم. وإنْ كان بعضهم يُفرِّقُ بينهما. فيرى الحديث ما ينقل عن النبي - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، والسُنَّة ما كان عليه العمل المأثور في الصدر الأول، ولذلك قد تَرِدُ أحاديث تخالف السُنَّةَ المعمول بها، فيلجأ العلماء حينئذٍ إلى التوفيق والترجيح، وعلى ذلك يحمل قول عبد الرحمن بن مهدي: «لَمْ أرَ أَحَدًا قَطُّ أَعْلَمَ بِالسُنَّةِ وَلاَ بِالحَدِيثِ الذِي يَدْخُلُ فِي السُنَّةِ مِنْ حَمَّادٍ بْنَ زَيْدٍ» (٥).
وكذلك قوله عندما سئل عن سفيان الثوري والأوزاعي ومالك: «سُفْيَانُ
_________________
(١) انظر " المدخل إلى السنة وعلومها ": ص ١١ و" الحديث والمحدثون ": ص ٩ و" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ٦٠.
(٢) من حديث طويل رواه العرباض بن سارية: " سنن أبي داود ": ص ٥٠٦ جـ ٢، الطبعة الأولى لمصطفى البابي الحلبي: سَنَةَ ١٣٧١ هـ.
(٣) انظر " المقاصد الحسنة ": ص ١٥٨، و" سنن ابن ماجه ": ص ١٣٢٢ جـ ٢ و" الموافقات ": ص ٥ - ٦ جـ ٤.
(٤) انظر " المقاصد الحسنة ": ص ١٥٨، و" سنن ابن ماجه ": ص ١٣٢٢ جـ ٢ و" الموافقات ": ص ٥ - ٦ جـ ٤. [تنبيه]: في الطبعة الثانية: رمضان ١٤٠٨ هـ - أبريل ١٩٨٨ م، نشر مكتبة وهبة - مصر ورد في الهامش الآتي: (٣ و٤) انظر " المدخل إلى السنة وعلومها ": ص ١١ - ١٣ و" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ٦٠.
(٥) تقدمة " الجرح والتعديل ": ص ١٧٧.
[ ١٩ ]
الثَّوْرِيُّ إِمَامٌ فِي الْحَدِيثِ وَلَيْسَ بِإِمَامٍ فِي السُّنَّةِ، وَالأَوْزَاعِيُّ إِمَامٌ فِي السُّنَّةِ وَلَيْسَ بِإِمَامٍ فِي الْحَدِيثِ، وَمَالِكٌ إِمَامٌ فِيهِمَا جَمِيعًا» (١).
ومما يدل على أنَّ السُنَّة هي العمل المُتَّبَع في الصدر الأول قول علي بن أبي طالب لعبد الله بن جعفر عندما جلد شارب الخمر أربعين جلدة: «كُفَّ. جَلَدَ رَسُولُ اللِه - ﷺ - أَرْبَعَينَ وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعَينَ، وَكَمَلَهَا عُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ» (٢).
وبعد أن بيَّنْتُ معنى السُنَّة لغة وشرعا أرى من واجبي أن أبيِّنَ معاني بعض الألفاظ التي تداولها أهل هذا الفن في علمهم.
٣ - معنى الحديث والخبر والأثر:
الحديث لغة: الجديد من الأشياء، والحديث الخبر يأتي على القليل والكثير، والجمع أحاديث كقطيع وأقاطيع وهو شاذ على غير قياس.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (٣)، عني بالحديث القرآن الكريم، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٤) أي بَلِّغْ ما أرسلت به (٥).
فالحديث والخبر في اللغة مترادفان من وجه.
وقد تطور استعمال هذا اللفظ، وأصبح يطلق على نوع خاص من الأخبار في الأوساط الدينية بدون أن يخرجه ذلك عن معناة العام، يقول ابن مسعود:
_________________
(١) انظر " الزرقاني على الموطأ ": ص ٣ جـ ١.
(٢) " مسند الإمام أحمد ": ص ٤٨ - ٤٩ حديث ٦٢٤ جـ ٢.
(٣) [سورة الكهف، الآية: ٦].
(٤) [سورة الضحى، الآية: ١١].
(٥) " لسان العرب " في مادة (حديث): ص ٤٣٨ جـ ٢.
[ ٢٠ ]
«إِنَّ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -» وهكذا أصبح القرآن أحسن الحديث، ثم حدَّدَ معنى الحديث أخيرًا بأخبار الرسول، سأل أبو هريرة رسول الله - ﷺ -، فقال: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فقال له الرسول: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلاَّ يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ» (١).
وقد سبق أن ذكرتُ معنى الحديث مرادفًا للسُنّة عند المُحَدِّثِينَ، وقيل الحديث ما جاء عن النبي - ﷺ - والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثم قيل لمن يشتغل بالسُنَّة مُحَدِّثٌ، وبالتواريخ ونحوها إخباري» (٢).
وقال ابن حجر في " شرح نخبة الفكر ": «الخَبَرُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْفَنِّ مُرَادِفٌ لِلْحَدِيثِ، فَيُطْلَقَانِ عَلَى الْمَرْفُوعِ وَعَلَى الْمَوْقُوفِ وَالْمَقْطُوعِ»، فيشمل ما جاء عن الرسول - ﷺ - وعن الصحابة والتابعين، وقيل بينهما عموم وخصوص مطلق فكل حديث خبر ولا عكس.
وقد سمَّى المُحَدِّثُونَ المرفوع والموقوف من الأخبار (أثرًا). إلاَّ أنَّ فقهاء خراسان يُسمُّون الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر (٣).
فخلاصة القول:
إذا أطلق لفظ (الحديث) أريد به ما أضيف إلى النبي - ﷺ -
_________________
(١) " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ": ص ١١٦ والحديث أخرجه البخاري " فتح الباري": ص ٢٠٤ جـ ١.
(٢) انظر " تدريب الراوي ": ص ٦ و" منهج ذوي النظر ": ص ٨.
(٣) انظر المرجع السابق: ص ٦ و" منهج ذوي النظر ": ص ٨ و" المنهج الحديث في علوم الحديث ": ص ٣١.
[ ٢١ ]
من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خَلْقية أو خُلُقية. وقد يراد به ما أضيف إلى صحابي أو تابعي، ولكن الغالب أن يقيد إذا ما أريد به غير النبي - ﷺ -.
ويطلق الخبر والأثر ويراد بهما ما أضيف إلى النبي - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - وما أضيف إلى الصحابة والتابعين وهذا رأي الجمهور. إلاَّ أنَّ فقهاء خراسان يسمُّون الموقوف أثرًا والمرفوع خبرًا.
الحديث القدسي:
وكل حديث يضيف فيه رسول الله - ﷺ - قولًا إلى الله - ﷿ - يُسمَّى بالحديث القدسي أو الإلهي، والأحاديث القدسية أكثر من مائة حديث، وقد جمعها بعضهم في جزء كبير (١)، ونسبة الحديث إلى القدس (وهو الطهارة والتنزيه) وإلى الإله أو إلى الرب، لأنه صادر عن الله - ﵎ - «من حيث إنه المتكلِّم به أولًا والمنشئ له. وأما كونه حديثًا، فلأنَّ الرسول هو الحاكي له عن ربه - ﷿ -، والفرق بينه وبين سائر الأحاديث، أنَّ هذه نسبتها إليه، وحكايتها عنه فهو القائل وهو الحاكي عن نسفه، وأما تلك فلا» (٢).
_________________
(١) انظر " قواعد التحديث ": ص ٣٩، وانظر " الفرق بين الحديث القدسي والقرآن الكريم والحديث النبوي ": لنوح بن مصطفى الحنفي القونوي، مخطوطة دار الكتب المصرية (مجاميع تيمور ٣٣): ص ٧١ - ٧٢.
(٢) " المنهج الحديث في علوم الحديث ": ص ٣١، وقال: «وأما الفرق بينه وبين القرآن فقد ذكروا للقرآن مزايا لم تكن لتلك الأحاديث فقالوا [١] القرآن معجزة باقية على مر الدهور محفوظة من التغيير والتبديل، متواترة اللفظ في جميع الكلمات والحروف والأسلوب. [٢] حرمة روايته بالمعنى. [٣] حرمة مسِّهِ للمُحْدِثِ وتلاوته لنحو الجُنُب. [٤] تَعَيُّنُهُ في الصلاة. [٥] تسميته قرآنًا. [٦] التَعَبُّدُ بقراءته بكل حرف منه عشر حسنات. [٧] امتناع بيعه في رواية أحمد وكراهيته عند الشافعي. [٨] تسمية الجملة منه آية، ومقدار من الآيات مخصوص سورة =
[ ٢٢ ]
وقبل أن ندخل الباب الأول من الكتاب أرى من الواجب أنْ أبيِّنَ موضوع السُنَّة ومكانتها من القرآن.
ثَانِيًا - مَوْضُوعُ السُنَّةِ وَمَكَانَتُهَا مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ: (١)
لم يكن للأحكام في عهد رسول الله - ﷺ - مصدر سوى الكتاب والسُنَّة. ففي كتاب الله تعالى الأصول العامة للأحكام، دون التعرض إلى تفصيلها جميعها والتفريع عليها، إلاَّ ما كان منها متفقًا مع الأصول ثابتًا بثبوتها، لا يتغيَّر بمرور الزمن، ولا يتطور باختلاف الناس في بيئاتهم وأعرافهم، كل هذا حتى يساير القرآن الكريم كل زمن، ويبقى صالحًا لكل أمَّة، مهما كانت بيئتها وأعرافها، فتجد فيه ما يكفل حاجتها التشريعية في سبيل النهوض والتقدم. وإلى جانب هذه الأصول في القرآن الكريم نجد العقائد والعبادات وقصص الأمم الغابرة، والآداب العامة والأخلاق ..
وقد جاءت السُنَّة في الجملة موافقة للقرآن الكريم، تفسِّرُ مُبْهَمَهُ، وتُفَصِّلُ
_________________
(١) = [٩] القرآن ما كان لفظه ومعناه من عند الله بوحي جلي، وأما الحديث القدسي فهو ما كان لفظه من عند رسول الله - ﷺ - ومعناه من عند الله ﵎، بالإلهام أو المنام. وقد يكون بوحي جليّ وليس الوحي الجلي شرطًا له بخلاف القرآن الكريم فإنه لا يكون إلاَّ بوحي جليّ، أي ينزل به الملك من عند الله بلفظه، وعلى هذا قد يكون الحديث النبوي بوحي، وقد يكون باجتهاد إلاَّ أنَّ الرسول لا يقرُّ على اجتهاد خطأ. والحديث القدسي لا يكون إلاَّ بوحي أعم من أنْ يكون جليًا، فيجوز روايته بالمعنى لأنَّ لفظه للرسول - ﷺ -. انظر " المنهج الحديث في علوم الحديث ": ص ١٣ - ٣٢ وهوامشها نقلنا عنه بإيجاز وبتصرف.
(٢) لمعرفة منزلة السُنَّة من القرآن وعلاقتها به، راجع: " الرسالة " للإمام الشافعي - ﵀ -: ص ٩١ رقم ٢٩٩، و" أصول التشريع الإسلامي ": ص ٤٠ وما بعدها، و" المدخل إلى علم أصول الفقه ": ص ٥٥، و" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ٤٢٦ وما بعدها، و" أسباب اختلاف الفقهاء ": ص ١١، و" المدخل إلى السنة وعلومها ": ص ١٧ وما بعدها، و" علم أصول الفقه ": ص ٤١ - ٤٣، و" تاريخ التشريع الإسلامي " للسبكي وإخوانه ": ص ٦٦ وما بعدها، و" تاريخ التشريع الإسلامي " للشيخ محمد الخضري: ص ٣٥.
[ ٢٣ ]
مجمله، وتُقيِّدُ مُطلقه، وتُخَصِّصُ عامه، وتشرح أحكامه وأهدافه كما جاءت بأحكام لم ينص عليها القرآن الكريم (١)، فكانت في الواقع تطبيقًا عمليًا لما جاء به القرآن العظيم، تطبيقًا يتخذ مظاهر مختلفة، فحينًا يكون عملًا صادرًا عن الرسول - ﷺ -، وحينًا آخر يكون قولًا يقوله في مناسبة، وحينًا ثالثًا يكون تصرُّفًا أو قولًا من أصحابه - ﷺ -، فيرى العمل أو يسمع القول ثم يقر هذا وذاك، فلا يعترض عليه ولا ينكره، بل يسكت عنه أو يستحسنه فيكون هذا منه تقريرًا.
وهكذا كان رسول الله - ﷺ - يبيّن ما جاء في القرآن الكريم، والصحابة يقبلون ذلك منه، لأنهم مأمورون باتباعه وطاعته، ولم يخطر ببال امرئ منهم أن يترك قول رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - أو فعله، وقد عرفوا ذلك من كتاب الله تعالى، ففيه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢)، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا (٣)﴾ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٤)، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥)، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٦).
فتقبَّل المسلمون السُنَّة من الرسول - ﷺ - كما تقبَّلوا القرآن (٧)
_________________
(١) انظر ص ٢٧ من هذا الكتاب.
(٢) [سورة الفتح، الآية: ١٠].
(٣) [سورة المائدة، الآية: ٩٢].
(٤) [سورة النساء، الآية: ٨٠].
(٥) [سورة الحشر، الآية: ٧].
(٦) [سورة النساء، الآية: ٦٥].
(٧) انظر كيف تلقى الصحابة السُنَّةَ وتمسكوا بها بعد قليل.
[ ٢٤ ]
الكريم استجابة لله ورسوله، لأنها المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم بشهادة الله - ﷿ - ورسوله.
وقد بيَّنت السُنَّة القرآن من وجوه (١)، فبيَّنت ما أجمل من عبادات وأحكام، فقد فرض الله تعالى الصلاة على المؤمنين، من غير أن يبيِّن أوقاتها وأركانها وعدد ركعاتها، فبيَّن الرسول الكريم هذا بصلاته وتعليمه المسلمين كيفية الصلاة، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى» (٢). وفرض الحج من غير أن يبيِّن مناسكه، وقد بيَّن الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - كيفيته، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (٣). وفرض الله تعالى الزكاة من غير أن يبيِّن ما تجب فيه من أموال وعروض وزروع، كما لم يبيِّن النصاب الذي تجب فيه الزكاة من كل، فبيَّنت السُنَّة ذلك كله.
ومن بيان الرسول - ﷺ - للقرآن تخصيص عامه، من هذا ما ورد في بيان قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٤) فهذا حكم عام في وراثة الأولاد آباءهم وأمهاتهم يثبت في كل أصل موروث، وكل ولد وارث فخصَّت السُنَّةُ المُوَرِّثَ بغير الأنبياء، بقوله - ﷺ -: «نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ (٥)»، وخصَّت الوارث
_________________
(١) راجع المصادر المذكورة في الهامش (١): ص ٢٣ وخاصة " أصول التشريع الإسلامي " لأستاذنا فضيلة الشيخ علي حسب الله: الصفحة ٤٠ وما بعدها.
(٢) أخرجه البخاري في حديث طويل، انظر " صحيح البخاري بحاشية السندي ": جـ ١ ص ١٢٥ - ١٢٦ وجـ ٤ ص ٥٢ وأخرجه الدارمي: " سنن الدارمي ": ١٤٨ ط كانفور سَنَةَ ١٢٩٣ هـ وأخرجه الإمام أحمد.
(٣) " صحيح مسلم " ص ٩٤٣ حديث ٣١٠ جـ ٢ وراجع " جامع بيان العلم ": ص ١٩٠ جـ ٢.
(٤) [سورة النساء، الآية: ١١].
(٥) " فتح الباري ": ص ٢٨٩، ٣٣٥، ٢٣٩ جـ ٦ وانظر " صحيح مسلم ": ص ١٣٧٨ - ١٣٨٣ جـ ٣ و" مسند الإمام أحمد ": ص ١٥٨ و١٦٠ جـ ١.
[ ٢٥ ]
بغير القاتل بقوله - ﷺ -: «لاَ يَرِثُ الْقَاتِلُ» (١).
ومن بيانه - ﷺ - تقييد مطلق القرآن كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢) فإنَّ قطع اليد لم يقيَّد في الآية بموضع خاص، فتطلق اليد على الكف وعلى الساعد وعلى الذراع. ولكن السُنَّة قيَّدَتْ القطع بأنْ يكون من الرسغ، وقد فعل ذلك رسول الله - ﷺ - عندما «أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقْطَعَ يَدُهُ مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ» (٣).
وتأتي سُنَّة الرسول - ﷺ - مثبتة ومؤكدة لما جاء في القرآن الكريم أو مُفرّعة على أصل تقرر فيه، ومن ذلك جميع الأحاديث التي تدل على وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج.
ومثال السُنَّة التي وردت تفريعًا على أصل في الكتاب (٤) منع بيع الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها، ففي القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٥).
وعندما هاجر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، وجد المزارعين يتبايعون ثمار الأشجار قبل أنْ يبدو صلاحها، من غير أنْ يتمكَّن المشتري من معرف كميتها وصلاحها، فإذا حان جني الثمار كانت المفاجئات غير الطيبة كثيرًا ما تثير النزاع بين المتعاقدين، وذلك عندما طرأ طارئ من برد شديد، أو مُرَاض شجري يقضي على الزهر، وينعدم معه الثمر. لذلك حرَّم رسول
_________________
(١) " سنن الترمذي ": كتاب الفرائض، الباب ١٧ و" سنن ابن ماجه ": في كتاب الديات باب (١٤) وكتاب الفرائض باب (١٨) كما أخرجه الإمام مالك وأحمد وغيرهما.
(٢) [سورة المائدة، الآية: ٣٨].
(٣) " سبل السلام ": ص ٢٧ و٢٨ جـ ٤ وقد روي هذا من حديث عمرو بن شعيب، وأخرجه الدارقطني.
(٤) انظر " المدخل إلى علم أصول الفقه " ص ٥٦.
(٥) [سورة النساء، الآية: ٢٩].
[ ٢٦ ]
الله - ﷺ - هذا النوع من البيع ما لم يبدُ صلاح الثمر (١)، ويتمكَّن المشتري من التثبت من تمام تكوُّنها، وقال: «أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» (٢).
وفي السُنَّةِ أحكام لم ينصَّ عليها الكتاب وليست بيانًا له، ولا تطبيقًا مؤكدًا لما نص عليه كتحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وتحريم نكاح المرأة على عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا (٣).
بعد هذا التمهيد نتقدم لدراسة السُنَّةِ، منذ عهده - ﷺ - إلى عصر التصنيف المشهور وبالله التوفيق.
_________________
(١) راجع " فتح الباري ": ص ٢٩٨ جـ ٥، كِتَابُ البُيُوعِ - بَابُ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهَا.
(٢) المرجع السابق: ص ٣٠٢ جـ ٥، كِتَابُ البُيُوعِ - بَابُ إِذَا بَاعَ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ فَهُوَ مِنَ البَائِعِ. وقد روى هذا الحديث أنس بن مالك.
(٣) إن النوعين السابقين من البيان:
(٤) بيان السنة للكتاب بتأكيد ما جاء فيه أو التفريع على أصوله كتطبيق له.
(٥) «بيان السنة المجملة وتخصيص عامه وتقييد مطلقه». متفق عليهما إجماعًا كما ورد في " الرسالة ": ص ٩١. وأما هذا النوع ففيه خلاف، والعلماء مذاهب في تخريج ذلك وتعليله، راجع " الرسالة ": ص ٩٢ وما بعدها و" إعلام الموقعين ": ص ٢٨٨ - ٢٩٠ جـ ٢ و" أصول التشريع الإسلامي ": ص ٤٢ والمراجع المذكورة في الصفحة ٢٣ من هذا الكتاب. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: في الكتاب المطبوع الذي بين يدي: في صفحة ٢٧ من طبعة دار الفكر: ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م، حذف هذا الهامش.
[ ٢٧ ]