لم يثبت قط أنَّ عمر - ﵁ - ضرب أبا هريرة بِدِرَّتِهِ لأنه أكثر الحديث عن رسول الله - ﷺ -، وما ذكره أَبُو رَيَّةَ في [ص ١٦٣] وما ذكره عبد الحسين في [ص ٢٦٨] من ضرب عمر لأبي هريرة فهي رواية ضعيفة لأنها من طريق أبي جعفر الإسكافي وهذا غير ثقة.
وأما تهديد عمر - ﵁ - لأبي هريرة بالنفي وهو ما رواه السائب بن يزيد إذ قال: «سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ لأَبِي هُرَيْرَةَ: " لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ دَوْسٍ "، وَقَالَ لِكَعْبِ الأَحْبَارِ: " لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ عَنِ الأُوَلِ أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ القِرَدَةِ "» (١). ولكن عبد الحسين وأبا رية قالا: إنه قال لأبي هريرة: «لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ دَوْسٍ أَوْ بِأَرْضِ القِرَدَةِ» نقلًا عن ابن عساكر، وأشار أبو رية إلى " البداية والنهاية " وليس فيها هذا.
_________________
(١) " البداية والنهاية ": ص ١٠٦ جـ ٨.
[ ٤٥٧ ]
وليس في أية رواية تكذيب عمر لأبي هريرة أو ضربه، وكل ما في الأمر أنه نهاه عن كثرة الرواية، وقد قال ابن كثير عقب خبره: «وَهَذَا مَحْمُولٌ مِنْ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ خَشِيَ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي يَضَعُهَا النَّاسُ عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا، وَأَنَّهُمْ يَتَّكِلُونَ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ أَحَادِيثِ الرُّخَصِ، أَوْ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَكْثَرَ مِنَ الحَدِيثِ رُبَّمَا وَقَعَ فِي أَحَادِيثِهِ بَعْضُ الغَلَطِ أَوِ الخَطَأِ فَيَحْمِلُهَا النَّاسُ عَنْهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ». اهـ (١).
وَرَوَى أَنَّ عُمَرَ أَذِنَ لأَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي التَحْدِيثِ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ وَرَعَهُ وَخَشْيَتَهُ الخَطَأَ، قاَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «بَلَغَ عُمَرَ حَدِيثِي، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: كُنْتَ مَعَنَا يَوْمَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي بَيْتِ فُلاَنٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ لِمَ سَأَلَتْنِي عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: وَلِمَ سَأَلْتُكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ يَوْمَئِذٍ: " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ". قَالَ: أَمَّا إِذَنْ فَاذْهَبْ فَحَدِّثْ» (٢).
فعمر لم يطعن في أبي هريرة، وكل ما صدر منه إنما كان تطبيقًا لمنهجه من التثبت في السُنَّةِ والإقلال من الرواية. وأبو هريرة نفسه كان يذكر لأصحابه شدة عمر في تطبيق منهجه (٣).
ويدل على أن عمر لم يكذبه، ولم يطعن فيه، ولم يهدده بالنفي إلى جبال دوس - هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: «أَخَذَتِ
_________________
(١) " البداية والنهاية ": ص ١٠٧ جـ ٨.
(٢) " البداية والنهاية ": ص ١٠٧ جـ ٨، و" سير أعلام النبلاء ": ص ٤٣٤ جـ ٢.
(٣) انظر " البداية والنهاية ": ص ١٠٧ جـ ٨، وانظر ما ساقه أبو القاسم البلخي في كتابه " قبول الأخبار ": ص ٥٧، ٥٨ محاولًا الطعن في أبي هريرة ولكنه لَمْ يُوَفَّقْ. وقد أساء أبو رية بعدم نقله النصوص كاملة عن ابن كثير.
[ ٤٥٨ ]
النَّاسَ رِيحٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ حَاجٌّ، فَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ لِمَنْ حَوْلَهُ: " مَنْ يُحَدِّثُنَا عَنِ الرِّيحِ؟ " فَلَمْ يُرْجِعُوا إِلَيْهِ شَيْئًا، فَبَلَغَنِي الذِي سَأَلَ عَنْهُ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَاسْتَحْثَثْتُ رَاحِلَتِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أُخْبِرْتُ أَنَّكَ سَأَلْتَ عَنِ الرِّيحِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا، فَلاَ تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا» (١)، إنه لم يجب عمر سوى أبي هريرة، فهل يعقل بعد هذا أن يكذبه عمر، أو يهدده بالنفي وقد عرف حفظه وإتقانه!!؟
وأما ادعاء بشر المريسي تكذيب الفاروق لأبي هريرة - فهو باطل، لا أصل له، وما رواه عن عمر، أنه قال: «أَكْذَبُ المُحَدِّثِينَ أَبُو هُرَيْرَةَ» لم يذكر سنده. وقد تصدى له عثمان بن سعيد الدارمي (٢٠٠ - ٢٨٠ هـ) فَرَدَّ عَلَيْهِ رَدًّا قَوِيًّا (٢).