لقد طالت حياة عائشة وحياة أبي هريرة، فكانت حاجة الناس إليهما بمقدار حياتهما فيهم، ولهذا روي عنهما من الحديث مَا لَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمَا، وقد كان أبو هريرة يُحَدِّثُ، فتستدرك عليه السيدة عائشة تارة، وتوافقه أخرى، كما كان يُحَدِّثُ مع غيره من الصحابة، فقد استدركت عائشة على أبي بكر وعمر وعثمان وَعَلِيٍّ، وعلى ابن عمر، وعلى أبي هريرة (١) وكل ذلك كان من باب التفاهم والسؤال عن الحديث، أو الدليل في المسألة التي يُفْتِي فيها، كما استدرك غيرها عليها، وكما كانت أحيانًا توجه من يسألها إلى من هو أعرف بالمسؤول عنه، كما وجهت من سألها عن مسح الخف إلى عَلِيٍّ - ﵄ - (٢)، وفي كل هذا لم يشعر الصحابة بغضاضة أو حَرَجٍ، لأن هدفهم جَمِيعًا وَاحِدٌ، هو تطبيق الشريعة، وما كان الصحابة يُكَذِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. إلاَّ أنَّ من جاء بعدهم من أهل الأهواء استغلوا ما دار بين الصحابة مِنْ نِقَاشٍ عِلْمِيِّ، أو تثبت في الحديث، وجعلوا منه مَادَّةً يَنْفُذُونَ من خلالها إلى مآربهم، وَيُحَقِّقُونَ غاياتهم. ولكنهم لم يفلحوا، لأَنَّ الأُمَّةَ لم تعدم العلماء المخلصين، الساهرين النابهين، الذي بَيَّنُوا الحق من الباطل، ووضعوا كل شيء في موضعه.
وما من حادثة وقعت لأبي هريرة مع السيدة عائشة إلا بَيَّنَ العلماء وجه الحق فيها، وَلَمْ يَرَوْا في عائشة موقف المكذب لأبي هريرة الطاعن
_________________
(١) جمع الإمام بدر الدين الزركشي كتابًا في هذا وسماه " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ".
(٢) انظر " مسند الإمام أحمد ": ص ١٧٥ حديث ٩٠٦ جـ ٢، ورواه الإمام مسلم.
[ ٤٦١ ]
في أحاديثه (١)، ولم يفهم أحد مما دار بينهما أن أبا هريرة كذاب يتهمه الصحابة في صدقه وعلمه، لم يفهم هذا إلا أهل الأهواء، وأعداء السنن.
ومما يؤسف له أنهم كانوا يُؤَوِّلُونَ الأخبار كما يريدون، ويفسرون الأحاديث كما يرغبون، وينظرون إلى جانب واحد من موقف الصحابة من أبي هريرة، وهو جانب المناقشات العلمية، فيحسبون أنهم وقعوا على غنيمة دسمة، وينقلون الأخبار الصحيحة التي تبين صدق أبي هريرة وأمانته، وثناء الصحابة عليه، ويستشهدون ببعض الروايات الضعيفة، ويختارون من الثابت منها ما يحقق مآربهم، وأضرب لهذا مثلًا:
قالوا: إن عائشة أنكرت عليه حديثه، فماذا أنكرت؟ وكيف أنكرت عليه؟
عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَلاَ يُعْجِبُكَ أَبُو هُرَيْرَةَ! جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ حُجْرَتِي، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يُسْمِعُنِي ذَلِكَ، وَكُنْتُ أُسَبِّحُ (٢) فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِيَ سُبْحَتِي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ» (٣) كأنها تنتقد أبا هريرة في سرعة إلقائه.
إن إنكار عائشة - ﵂ - على أبي هريرة لم يكن مُوَجَّهًا إلى ما يُحَدِّثُ
_________________
(١) انظر تفصيل هذه الروايات والرد عليها في كتابنا " أبو هريرة راوية الإسلام ": الفصل الثاني، فقرة (أبو هريرة وعائشة).
(٢) معنى أسبح: أصلي نافلة، وهي السبحة، قيل المراد هنا صلاة الضحى. انظر " فتح الباري: ص ٣٩٠ جـ ٧.
(٣) " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ": ص ١٣٥، وانظر " صحيح مسلم ": ص ١٩٤٠ حديث ٧٤٩٣ جـ ٤، و" فتح الباري ": ص ٣٩٠ جـ ٧.
[ ٤٦٢ ]
به إنما أنكرت عليه أنه يسرد الحديث، ويظهر هذا فيما رُوِيَ عنها: إِنَّمَا «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا، لَوْ عَدَّهُ العَادُّ لأَحْصَاهُ» (١).
ولو أنكرت عائشة عليه غير سرده للحديث لقالت وَبَيَّنَتْ، وهي الجريئة الصريحة، فأبو هريرة لَمْ يَكْذِبْ على رسول الله - ﷺ -، إنما كان يسرد الحديث ويكثر منه في مجلسه، فأي شيء يضيره إذا كان مُتَيَقِّظًا مُتَنَبِّهًا عَارِفًا لِمَا يَرْوِي؟.
قال ابن حجر: «وَاعْتُذِرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ كَانَ وَاسِعَ الرِّوَايَةِ كَثِيرَ المَحْفُوظِ فَكَانَ لاَ يَتَمَكَّنُ مِنَ المَهَلِ عِنْدَ إِرَادَةِ التَّحْدِيثِ كَمَا قَالَ بَعْضُ البُلَغَاءِ: أُرِيدُ أَنْ أَقْتَصِرَ فَتَتَزَاحَمُ الْقَوَافِي عَلَى فِيَّ» (٢).
وقد أثنت عائشة على أبي هريرة وصدقته، من هذا أنه بلغ عبد الله بن عمر حديث أبي هريرة وهو: «مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ مِنْ الأَجْرِ مِثْلُ أُحُدٍ» (٣). فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ خَبَّابًا إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ أبي هُرَيْرَةَ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِرَسُولِهِ: «صَدَقَ أبو هُرَيْرَةَ». فَضَرَبَ ابْنُ عُمَرَ بِالحَصَى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الأَرْضَ ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ» (٤). وفي رواية قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَنْتَ أَعْلَمُنَا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَحْفَظُنَا لِحَدِيثِهِ» (٥).
_________________
(١) " فتح الباري ": ص ٣٨٩، جـ ٧.
(٢) " فتح الباري ": ص ٣٩٠، جـ ٧.
(٣) " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ": ص ١١٧، وقد رواه الشيخان. انظر ص ٤٢٤ من هذا الكتاب.
(٤) " الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ": ص ١١٧، وقد رواه الشيخان. انظر ص ٤٢٤ من هذا الكتاب.
(٥) انظر " طبقات ابن سعد ": ص ١١٨ قسم ٢ جـ ٢، و" البداية والنهاية ": ص ١٠٧ جـ ٨، " فتح الباري ": ص ٢٢٥، جـ ١.
[ ٤٦٣ ]
إن أعداء السُّنَنِ يأبون أن يذكروا مثل هذه الرواية التي تُقَوِّضُ مَا يَبْنُونَ، وتأتي على أساس ما يَدَّعُونَ، فَلَمْ يُكَذِّبْ الصَّحَابَةُ أبا هريرة ولم يتهموه، وإن موقف ابن عباس منه وابن عمر والزبير ومروان بن الحكم وغيرهم لا يعدو موقف المُتَثَبِّتِ المُتَوَخِّي لِلْحَقِّ، ولا يقصر عن موقف العالم النزيه وقد ثبت - فيما سبق - ثناء الصحابة والعلماء عليه، فهل يعقل أن يطعنوا فيه تارة ويثنوا عليه أخرى!؟؟ (١).
ومع هذا فإن بعض الكُتَّابِ والمؤلفين أمثال عبد الحسين وأبي رية لم يأبهوا بكل هذا، واستنتجوا من تلك المناقشات العلمية كذب أبي هريرة، حتى إن عبد الحسين رأى فيما دار بين أبي هريرة والصحابة دليلًا قاطعًا على تجريحه، فقال: «وناهيك تكذيب كل من عمر وعثمان وعلي وعائشة له، وقد تَقَرَّرَ بالإجماع تقديم الجرح على التعديل في مقام التعارض، على أنه لا تعارض هنا قطعًا » (٢) أي تكذيب هذا؟ وأي تجريح بعد أن عرفنا حقيقة موقف الصحابة من أبي هريرة؟ فهل ندع هذه الأدلة الصحيحة، التي تثبت إجلال الصحابة له، واحترامهم إياه، وروايتهم عنه ونقبل ادعاءات واهية لا تقوم على دليل أو برهان؟
ثم إن تحامل أعداء أبي هريرة واضح جِدًّا، فقد اتهموه بالتتلمذ على كعب الأحبار لروايته بعض الأحاديث التي وافقه عليها كعب، وأنكروا عليه إنكارًا شديدًا، عِلْمًا بأنه لم يتفرد بروايتها، فَلِمَ يقفون منه هذا الموقف ولا يقفونه من غيره من الصحابة الذين رَوَوْا ما رواه أبو هريرة؟
_________________
(١) انظر كتابنا " أبو هريرة راوية الإسلام " حيث تفصيل ما دار بينه وبين الصحابة، الفصل الثاني تحت عنوان (هَلْ كَانَ الصَّحَابَةُ يُكَذِّبُونَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَيَرُدُّونَ أَحَادِيثَهُ؟) (*).
(٢) " أبو هريرة " لعبد الحسين: ص ٢٧٩. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) قد يظن القارئ أنه فصل من كتابه" أبو هريرة راوية الإسلام "، وإنما هو فصل في كتابه هذا، انظر ص ٤٥٥ من هذا الكتاب.
[ ٤٦٤ ]
مثال ذلك قول أَبِي رَيَّةَ: «وإليك مثلًا من ذلك نختم به ما ننقله من الأحاديث التي رواها أبو هريرة عن النبي وهي في الحقيقة من الإسرائيليات حتى لا يطول بنا القول: روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أنَّ رسول الله قال: " إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ، اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] ". ولم يكد أبو هريرة يروي هذا الحديث حتى أسرع كعب فقال: " صدق والذي أنزل التوراة على موسى، والفرقان على محمد " » (١).
ما وجه الإنكار لهذا الحديث. وقد رواه غير أبي هريرة من الصحابة؟ رواه سهل بن سعد وأبو سعيد الخدري (٢)، فهل خدع كعب هذين الصحابيين أَيْضًا؟ وما هي غاية كعب في قوله هذا؟ إني أتعجب من إنكار الكاتب عليه هذا الحديث، فهل أنكر على أبي هريرة هذا الحديث لضخامة الشجرة؟ وهل يُسْتَغْرَبُ وجود مثل هذه الشجرة في جنة قال فيها الله - ﷿ - ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٣)؟ أم أنكر عليه أن يسير الراكب مائة عام في ظلها؟ أم أنكر عليه كل هذا لأنه لم يعهد في حياته مثلها؟
هل يريد هؤلاء أن ينفوا كل ما لم تتصوره عقولهم وتفكيرهم؟ فإن أرادوا هذا وجب عليهم أن ينفوا كثيرًا من المخترعات التي نسمع بها ولا نراها، أو ينفوا كثيرًا مِمَّا جاء في القرآن الكريم. بل على مثل هذا الكاتب أنْ
_________________
(١) " أضواء على السُنَّة المحمدية ": ص ١٧٧، وانظر مما استشهد به ص ١٩٨ وما بعدها.
(٢) انظر " صحيح مسلم ": ص ٢١٧٥ و٢١٧٦ جـ ٤.
(٣) [سورة الحديد، الآية: ٢١]. وأول الآية: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ﴾.
[ ٤٦٥ ]
يترك جانبًا عظيمًا من اللغة العربية، ذلك لأنَّ بعض ما جاء في السُنَّةِ من ألفاظ وعبارات، إنما جاء على نَسَقِ وَسُنَنِ ما حكاه القرآن الكريم من عبارات سِيقَتْ من باب المجاز لا من باب الحقيقة، تخاطب الإحساسات النفسية والنفوس البشرية لِتَتَصَوَّرَ عظمة ما يمثله القرآن الكريم من الثواب والعقاب لذلك وجب علينا أنْ نصرف الألفاظ والعبارات التي لا تطابق الحقيقة إلى المجاز، فللعدد معنى خاص لا يتناول غيره، وقد أجمع المُفَسِّرُونَ على أَنَّ بعض ما ذُكِرَ من الأعداد في القرآن الكريم إنما جاء للتكثير لا للحصر، وكذلك ما جاء في السُنَّةِ - في مثل هذا المقام - من العبارات الكثيرة التي لا تتناول حقيقة العدد. وهنا إنما ورد للتكثير وبيان اتساع ذلك الظل الذي أَعَدَّهُ اللهُ تعالى للمؤمنين، فمن الخطأ أَنْ يجعل المؤلف الحقيقة والواقع مِيزَانًا لتلك الألفاظ التي وردت من باب المجاز، لأنه في ذلك سيجانب القواعد المُسَلَّمَةَ في اللغة، ويقع معها في أخطاء فادحة، لاَ يُقِرُّهُ عليها أحد، ويلزم من هذا عدم فائدة الاستعارات والكنايات، والمجازات العقلية، التي تُشَكِّلُ جَانِبًا عَظِيمًا في تراثنا الأدبي، ما دام المؤلف سيصرف كل لفظ إلى حقيقته!!.
وقد سبق أن ذكرت ثناء الصحابة والعلماء على أبي هريرة، وأكرر هنا قول الحافظ الذهبي فيه، ليكون رَدًّا قَاصِمًا لأهل الأهواء -: «وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَثِيقَ الحِفْظِ، مَا عَلِمْنَا أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي حَدِيثٍ» (١).
وهكذا نجا أبو هريرة من تلك الأعاصير التي عصفت حوله، ومن تلك الأمواج التي تلاطمت على قدميه. فبقي صَامِدًا لها، وانهار ما ادعاه أعداؤه أمام الصرح الشامخ الذي يحمي عدالته، وتحطمت سهامهم الواهية على الحصن
_________________
(١) " سير أعلام النبلاء ": ص ٤٤٥، جـ ٢.
[ ٤٦٦ ]
المنيع الذي بناه بصدقه وأمانته واستقامته. فبقي أحد أعلام السُنَّةِ وراوية الإسلام يحترمه الجمهور، ويعرفون مكانته ومنزلته - ﵁ وَأَرْضَاهُ -.
ولتكن شهادة ابن خزيمة (١) مسك الختام في أبي هريرة، ومن خلالها نظهر منزلته ومكانته، قال: «وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ لِدَفْعِ أَخْبَارِهِ، مَنْ قَدْ أَعْمَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ فَلاَ يَفْهَمُونَ مَعَانِيَ الأَخْبَارِ:
- إِمَّا مُعَطِّلٌ جَهْمِيٌّ يَسْمَعُ أَخْبَارَهُ التِي يَرَوْنَهَا خِلاَفَ مَذْهَبِهِمُ - الذِي هُوَ كُفْرٌ - فَيَشْتُمُونَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَيَرْمُونَهُ بِمَا اللَّهُ تَعَالَى قَدْ نَزَّهَهُ عَنْهُ تَمْوِيهًا عَلَى الرِّعَاءِ وَالسَّفِلِ، أَنَّ أَخْبَارَهُ لاَ تَثْبُتُ بِهَا الحُجَّةُ!
- وَإِمَّا خَارِجِيٌّ، يَرَى السَّيْفَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلاَ يَرَى طَاعَةَ خَلِيفَةٍ، وَلاَ إِمَامٍ إِذَا سَمِعَ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلاَفَ مَذْهَبِهِمُ الَّذِي هُوَ ضَلاَلٌ، لَمْ يَجِدْ حِيلَةً فِي دَفْعِ أَخْبَارِهِ بِحُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ كَانَ مَفْزَعُهُ الوَقِيعَةَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ!.
- أَوْ قَدَرِيٌّ اعْتَزَلَ الإِسْلاَمَ وَأَهْلَهُ وَكَفَّرَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ الذِينَ يَتَّبِعُونَ الأَقْدَارَ المَاضِيَةَ التِي قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَضَاهَا قَبْلَ كَسْبِ العِبَادِ لَهَا إِذَا نَظَرَ إِلَى أَخْبَارِ أَبِي هُرَيْرَةَ التِي قَدْ رَوَاهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي إِثْبَاتِ القَدَرِ لَمْ يَجِدْ بِحُجَّةٍ تُؤَيِّدُ (٢) صِحَّةَ مَقَالَتِهِ الَّتِي هِيَ كُفْرٌ
_________________
(١) هو أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي (٢٢٣ - ٣١١ هـ)، أحد مشايخ شيوخ الحاكم. كان إمام نيسابور في عصره، جمع بين الفقه والاجتهاد، عالم بالحديث، رحل إلى بلاد كثيرة منها: العراق والشام والجزيرة ومصر، لقبه السبكي بإمام الأئمة، له مصنَّفات كثيرة تربو على [١٤٠]: انظر " طبقات ابن السبكي ": ص ١٣٠ جـ ٢.
(٢) في الأصل: (يُرِيدُ) وما أثبتناه أصوب.
[ ٤٦٧ ]
وَشِرْكٌ، كَانَتْ حُجَّتُهُ (عِنْدَ نَفْسِهِ) (١) أَنَّ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ لاَ يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِهَا!.
- أَوْ جَاهِلٌ يَتَعَاطَى الفِقْهَ وَيَطْلُبُهُ مِنْ غَيْرِ مَظَانِّهِ إِذَا سَمِعَ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا يُخَالِفُ مَذْهَبَ مَنْ قَدِ اجْتَبَى مَذْهَبَهُ، واخْتَارَهُ (٢) تَقْلِيدًا بِلاَ حُجَّةٍ وَلاَ بُرْهَانٍ تَكَلَّمَ (٣) فِي أَبِي هُرَيْرَةَ، وَدَفَعَ أَخْبَارَهُ الَّتِي تُخَالِفُ مَذْهَبَهُ، وَيَحْتَجُّ بِأَخْبَارِهِ [عَلَى مُخَالَفَتِهِ] إِذَا كَانَتْ أَخْبَارُهُ مُوَافِقَةً لِمَذْهَبِهِ!!!
وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرَقِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْبَارًا لَمْ يَفْهَمُوا مَعْنَاهَا! أَنَا ذَاكِرٌ بَعْضُهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﷿ » (٤).
_________________
(١) هكذا في الأصل.
(٢) في الأصل (أخباره)، وما أثبتناه أكثر مناسبة للمعنى.
(٣) في الأصل (كلم). وما أثبتناه أصوب.
(٤) " مستدرك " الحاكم: ص ٥١٣، جـ ٣.
[ ٤٦٨ ]
(٢) - عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ (١٠ ق هـ - ٧٣ هـ): (*)
أسلم عبد الله بن عمر صغيرًا، وهاجر إلى المدينة مع أبيه وقيل قبله، وهو ابن إحدى عشرة سنة، عرض على رسول الله يوم بدر ويوم أُحُدٍ فاستصغره، وأجازه يوم الخندق وهو يومئذٍ ابن خمس عشرة سَنَةٍ، فشهد الخندق وما بعده مع رسول الله - ﷺ -، وشهد بعده اليرموك وفتح مصر وشمال أفريقيا.
اشتهر ابن عمر بحرصه على اتباع سُنَّةِ رسول الله - ﷺ - والتأسي به (١). وكان يحضر مجالس رسول الله - ﷺ -، ويسأل من حضر إذا غاب عنها، وفيه قال ابن الحنفية: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ حَبْرَ هَذِه الأُمَّةِ».
روى عن رسول الله - ﷺ -، وروى عن أبي بكر وعمر وعثمان وأبي ذر ومعاذ وعائشة وغيرهم.
وروى عنه خلق كثير، منهم جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس،
_________________
(١) (*) انظر ترجمته في " طبقات ابن سعد ": ص ١٠٥ - ١٣٨ قسم ١ جـ ٤، و" حلية الأولياء ": ص ٢٩٢ - ٣١٤ جـ ١، و" تذكرة الحفاظ ": ص ٣٥ جـ ١، و" الإصابة ": ص ١٠٧ جـ ٤، و" الجمع بين رجال الصحيحين ": ص ٢٣٨ جـ ١، و" البارع الفصيح ": ص ٩: ب و" الرياض المتسطابة ": ص ٥١، و" أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد من العدد ": ص ١.
(٢) انظر بعض ما روي عنه في ص ٨٥ - ٩٠ من هذا الكتاب، وكان مُحِبًّا لرسول الله - ﷺ - وكان إذا ذكره بكى وما مر على ربعه إلى غمض عينيه. انظر " تذكرة الحفاظ ": ص ٣٦ جـ ١.
[ ٤٦٩ ]
وبنوه سالم وعبد الله وحمزة وبلال، ومولاه نافع، وَأًسْلَمُ مولى عمر، وابن أخيه حفص بن عامر.
وروى عنه من كبار التابعين سعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص (١)، وأبو عبد الرحمن النهدي، ومسروق، وجبير بن نفير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وروى عنه ممن بعدهم عبد الله بن دينار، وزيد وخالد ابنا أسلم، وعروة بن الزبير، وبشر بن سعيد، وعطاء، ومجاهد، ومحمد بن سيرين، وغيرهم.
قال فيه ابن مسعود: «إنَّ مِنْ أَمْلَكِ شَبَابِ قُرَيْشٍ لِنَفْسِهِ عَنْ الدُّنْيَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ».
وعن سالم بن أبي الجعد عن جَابِرٍ قَالَ: «مَا مِنَّا أَحَدٌ إلاَّ مَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا، وَمَال بِهَا غَيْرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ».
وكان جريئًا في الحق لا يخاف فيه لومة لائم، وله مواقف كثيرة في ذلك.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: «كَانَ عُمَرُ فِي زَمَانٍ لَهُ فِيهِ نُظَرَاءُ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِي زَمَانٍ لَيْسَ لَهُ فِيهِ نَظِيرٌ».
كان مثالًا رائعًا في الورع والتقوى والعبادة، وكان إذا قرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢) بكى حتى يغلبه البكاء وكان لا يصوم في السفر ولا يكاد يفطر في الحضر.
وكان كثير التواضع والتسامح والرحمة والكرم، يكثر التصدق بما يشتهيه من الطعام ويتقرب إلى الله بما يعجبه من ماله، أتته في ليلة عشرة آلاف درهم،
_________________
(١) هو علقمة بن وقاص الليثي، وليس ابن أبي وقاص الزهري، انظر " تذكرة الحفاظ ": ص ٥٠ جـ ١.
(٢) [سورة الحديد، الآية: ١٦].
[ ٤٧٠ ]
فما بات حتى وزعها، وكان في مجلس فأتى ببضعة وعشرين ألفًا فما قام من مجلسه حتى فَرَّقَهَا وزاد عليها، وقد ينفد ما معه فيستدين ليعطي ذوي الحاجات. وكان لا يأكل طعامًا إلا على خوانه يتيم، وما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان أو يزيد.
رشحه بعض الصحابة للخلافة بعد أبيه، فأبى عمر وجعلها شورى بين الستة، فوقف عبد الله بن عمر بعيدًا عن جميع الفتن، وتفرغ للعلم والعبادة. لذلك كان من المكثرين من الرواية، وساعده على هذا تقدم إسلامه، وطول عمره، ومخالطته للرسول - ﷺ -، فقد كانت أخته حفصة زوجة النبي - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - فسهل عليه دخوله وخروجه على الرسول الكريم.
روي عنه [٢٦٣٠] حَدِيثًا، أخرج له الشيخان البخاري ومسلم [٢٨٠] حَدِيثًا، اتفقا على [١٦٨] حَدِيثًا منها، وانفرد البخاري بـ[٨١] حَدِيثًا، ومسلم بـ[٣١] حَدِيثًا، وأحاديثه في الكتب الستة، والمسانيد، وسائر السنن.
توفي في مكة سَنَةَ (٧٣ هـ) بعد مقتل عبد الله بن الزبير بثلاثة أشهر، وقيل سَنَةَ (٧٤ هـ)، وعمره أربعة وثمانون عَامًا.
* * *
[ ٤٧١ ]
(٣) - أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ (١٠ ق هـ - ٩٣ هـ): (*).
هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي البخاري، وأمه أم سليم بنت ملحان، جاءت به إلى رسول الله - ﷺ - مقدمه المدينة وقالت: «يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا غُلاَمٌ يَخْدُمُكَ» فقبله - ﷺ - فنشأ في بيت النبوة، وأحبه الرسول - ﷺ -، وفي هذا يقول أنس: «خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عشر سِنِينَ، فَمَا أَمَرَنِي بِأَمْرٍ تَوَانَيْتُ عَنْهُ، أَوْ صَنَعْتُهُ فَلامَنِي، وَإِنْ لامَنِي أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ قَالَ: دَعُوهُ فَلَوْ قُدِّرَ. - أَوْ قَالَ: قُضِيَ - أَنْ يَكُونَ لَكَانَ». فشاهد أنس ما لم يشاهده غيره.
روى عن رسول الله - ﷺ -، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن رواحة، وعن فاطمة الزهراء، وعبد الرحمن بن عوف، وعن غيرهم من صحابة رسول الله - ﷺ -.
وروى عنه الحسن، وسليمان التيمي، وأبو قلابة، وأبو مجلز، وعبد العزيز بن صهيب، وإسحاق بن أبي طلحة، وأبو بكر بن عبد الله المزني، وقتادة وثابت البناني، ومحمد بن سيرين، وأنس بن سيرين، وابن شهاب الزهري، وربيعة بن عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وسعيد بن جبير، وخلق كثير غيرهم.
_________________
(١) (*) أهم مراجع ترجمته: " طبقات ابن سعد ": ص ١٠ جـ ٧، و" تذكرة الحفاظ ": ص ٤٢ جـ ١، و" تهذيب التهذيب ": ص ٣٧٦ جـ ١، و" البارع الفصيح ": ص ٩: ب، و" أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد من العدد ": ص ١، و" الرياض المستطابة ": ص ٨.
[ ٤٧٢ ]
كان كثير العبادة قليل الكلام، قال فيه أبو هريرة: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهُ صَلاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ ابْنِ أُمِّ سُلَيْمٍ».
وقد بعثه أبو بكر للسعاية (١) على البحرين، ثم استقر بالبصرة بعد المدينة، وأصبح محط أنظار أهل العلم، فروي عنه [٢٢٨٦] حَدِيثًا وأخرج له الشيخان [٣١٨] حَدِيثًا واتفقا على [١٦٨] حَدِيثًا منها، وانفرد البخاري بـ[٨٠] حَدِيثًا ومسلم بـ[٧٠] حَدِيثًا.
وتوفي أنس في البصرة (سَنَةَ ٩٣ هـ) وهو آخر من توفي بالبصرة من الصحابة.
عن قتادة قال: «لَمَّا مَاتَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ مُوَرِّقٌ: " ذَهَبَ اليَوْمَ نِصْفُ العِلْمِ ". قِيلَ: " كَيْفَ ذَاكَ يَا أَبَا المُعتَمِرِ؟ " قَالَ: " كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، إِذَا خَالَفَنَا فِي الحَدِيثِ، قُلْنَا: تَعَالَ إِلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ "».
* * *
[ ٤٧٣ ]
(٤) - عائشة أم المؤمنين (٩ ق هـ - ٥٨ هـ): (*)
هي عائشة بنت أبي بكر الصِدِّيقْ، إحدى أمهات المؤمنين، بنى بها رسول الله - ﷺ - في شوال بعد وقعة بدر، فأقامت في صحبته ثمانية أعوام وخمسة أشهر، وكانت أحب نسائه إليه، وهي الطاهرة التي برأها القرآن الكريم مما رماها به أهل الإفك.
كانت ذكية فطنة طلابة للعلم، يسر لها زواجها من رسول الله - ﷺ - واختلاطها به معرفة كثير من أحكام الإسلام. ولها الفضل الكبير في نقل كثير مما يتعلق بأمور النساء، لذلك كانت أكثر نساء رسول الله - ﷺ - رواية عنه، وتعد من أفقه الصحابة، وقد شهد بعلمها وفقهها الصحابة والتابعون، كما كان لها علم بالطب، قال عروة: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمُ بِالطِبِّ مِنْهَا»، وقال علي بن مسهر: أخبرنا هشام عن أبيه (عروة) أنه قال: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ أَعْلَمَ بِالقُرْآنِ وَلاَ بِفَرْضِهِ وَلاَ بِحَلاَلٍ وَحَرَامٍ وَلاَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِحَدِيثِ العَرَبِ وَالنَّسَبِ مِنْ عَائِشَةَ».
فلا غرابة أن نرى الصحابة والتابعين يلتفون حولها يتفقهون بها، ويرجعون إليها في أمورهم. وفي هذا يقول قبيصة بن ذؤيب: «كَانَتْ عَائِشَةُ أَعْلَمَ النَّاسِ يَسْأَلُهَا أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ»
_________________
(١) (*) أهم مصادر ترجمتها: " طبقات ابن سعد ": ص ٣٩ جـ ٨، و" تذكرة الحفاظ ": ص ٢٦ جـ ١، و" الإصابة ": ص ١٣٩، ترجمة (٧٠١) جـ ٨، و" تهذيب التهذيب ": ص ٤٣٣ ترجمة ٢٨٤١ جـ ١٢، و" البارع الفصيح ":ص ٩: ب، و" الجمع بين رجال الصحيحين ": ص ٦٠٩ جـ ٢، و" الرياض المستطابة ": ص ٨٢.
[ ٤٧٤ ]
عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: «مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلاَّ وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا».
وكانت كريمة وقورًا، يحترمها كل من يلقاها، وقد كرمها الصحابة والتابعون، روت عائشة - ﵂ - عن الرسول الكريم الكثير الطيب، وروت عن أبيها، وعن عُمَرَ، وفاطمة، وسعد بن أبي وقاص، وأُسَيْدٍ بن حضير، وجذامة بنت وهب، وحمزة بن عمرو.
وروى عنها من الصحابة عمر، وابنه عبد الله، وأبو هريرة، وأبو موسى الأشعري، وزيد بن خالد، وابن عباس، وربيعة بن عمرو الجرشي،، والسائب بن يزيد، وغيرهم.
وروى عنها كبار التابعين: القاسم وعبد الله ابنا محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن، ومواليها: أبو بكر، وذكوان وأبو يونس، وسعيد بن المسيب، وعمرو بن ميمون، وعلقمة بن قيس، ومسروق، وعبد الله بن حكيم، والأسود بن يزيد، وغير هؤلاء خلق كثير.
رُوِيَ لها [٢٢١٠] ألفان ومائتان وعشرة أحاديث، لها في " الصحيحين " [٣١٦] حَدِيثًا، اتفق الشيخان على [١٩٤] حَدِيثًا منها، وانفرد البخاري بـ[٥٤] حَدِيثًا، ومسلم بـ[٦٨] حَدِيثًا، وأحاديثها في " الكتب الستة " وسائر كتب السنن.
توفيت سَنَةَ ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان عند أكثرهم، وقال بعضهم: سَنَةَ سبع وخمسين.
* * *
[ ٤٧٥ ]
(٥) - عبد الله بن عباس (٣ ق هـ - ٦٨ هـ): (*)
هو أبو العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله - ﷺ - وابن أخت زوجه ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين. ولد بالشعب حين حصرت قريش بني هاشم، وكانت سِنُّهُ عند وفاة رسول الله - ﷺ - ثلاث عشرة سَنَةً. وقد ضمه الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - إليه وقال: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الحِكْمَةَ».
كان طلابة للعلم، وكان لقرابته من رسول الله - ﷺ - واختلاطه به أثر بعيد في تحمله الكثير الطيب عن رسول الله - ﷺ -، حتى أصبح ترجمان القرآن، وكان يقال له الحبر والبحر لكثرة علمه. ولم يأل جُهْدًا - بعد وفاة الرسول - ﷺ - في طلب العلم، فكان يقصد الصحابة ويسألهم، حتى إنه لينتظر الصحابي في قيلولته، فيتوسد رداءه على بابه، والريح تسفي التراب على وجهه حتى يخرج إليه فيخبره بما أراد ويقول له الصحابي: «هَلاَّ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيكَ؟»، فيقول: «لاَ، أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ» (**). قال عمرو بن دينار: «مَا رَأَيْتُ مَجْلِسًا كَانَ أَجْمَعَ لِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ مَجْلِسِ ابْنِ عَبَّاسٍ، الحَلاَلُ وَالحَرَامُ، وَالعَرَبِيَّةُ، وَالأَنْسَابُ، وَالشِّعْرُ» ().
وكان عمر - ﵁ - إذا أعضلت عليه قضية دعا ابن عباس، وقال له:
_________________
(١) (*) أهم مصادر ترجمته: " سير أعلام النبلاء ": ص ٢٢٤ جـ ٣، و" تذكرة الحفاظ ": ص ٣٧ جـ ١، و" الإصابة ": ص ٩٠ جـ ٤، و" تهذيب التهذيب ": ص ٢٧٦ جـ ٥، و" الجمع بين رجال الصحيحين ": ص ٢٣٩ جـ ١، و" البارع الفصيح " ص ٩: ب، و" الرياض المستطابة ": ص ٥٢. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (**) انظر " دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين " للشيخ محمد محمد أبو شهبة: ص ٢٩٠، طبعة مكتبة السنة. () انظر " تاريخ دمشق " لابن عساكر، تحقيق عمرو بن غرامة العمروي، ٧٣/ ١٩٣، طبعة سنة: ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
[ ٤٧٦ ]
«أَنْتَ لَهَا وَلأَمْثَالِهَا» (*)، ويأخذ بقوله وكان قوي الذاكرة، سريع الحفظ.
روى عن النبي - ﷺ -، وعن أبيه، وأمه أم الفضل، وعن أخيه الفضل، وخالته ميمونة، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر الغفاري، وأُبي بن كعب، وعن تميم الداري، وخالد بن الوليد، وهو ابن خالته، وأسامة بن زيد، وأبي سعيد الخُدري، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعن كثير غير هؤلاء.
وروى عنه خلق كثير، من أشهرهم من الصحابة عبد الله بن عمرو بن ثعلبة بن الحكم الليثي، والمسور بن مخرمة، وأبو الطفيل، وغيرهم، ومن كبار التابعين سعيد بن المسيب، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وعكرمة، وعطاء، وطاووس، وكريب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعمرو بن دينار، وغيرهم.
وقد قال فيه ابن عمر: «ابْنُ عَبَّاسٍ أَعْلَمُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ».
وقد روى له [١٦٦٠] حَدِيثًا، أخرج له الشيخان منها [٢٣٤) حَدِيثًا، اتفقا على [٧٥] حَدِيثًا منها، وانفرد البخاري بـ[١١٠] حَدِيثًا ومسلم بـ[٤٩] حَدِيثًا، وأحاديثه في " الكتب الستة " وكتب السنن.
استعمله عَلِيٌّ - ﵁ - على البصرة أميرًا، ثم فارقها قبل استشهاد عَلِيٍّ - ﵁ - وعاد إلى مكة يعلم الناس، وَكُفَّ بصره في آخر أيامه، وتوفي بالطائف سَنَةَ (٦٨ هـ)، وصلى عليه محمد بن الحنفية وقال: «اليَوْمَ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ».
* * *
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) انظر " أسد الغابة " لابن الأثير، تحقيق علي محمد معوض - عادل أحمد عبد الموجود، ٣/ ٢٩١، الطبعة الأولى: هـ - ١٩٩٤ م، نشر دارالكتب العلمية. بيروت - لبنان.
[ ٤٧٧ ]
(٦) - جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ (١٦ ق هـ - ٨٧ هـ): (*)
هو أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي الفقيه مفتي المدينة في زمانه، كان مع من شهد العقبة في السبعين من الأنصار، توفي والده في غزوة أحد، وترك عيالًا وَدَيْنًا، فسرى عنه الرسول - ﷺ - وشمله بعطفه وكرمه، ورعاه بعنايته حتى قضى دَيْنَهُ، وكان يحب رسول الله - ﷺ - وشهد معه المشاهد كلها إلا غزوتي بدر وأُحُدْ فإن أباه خلفه على إخوته.
إن ضيق الحياة لم يمنع جابرًا عن طلب العلم بعد وفاته حيث سمع من كبار الصحابة، فروى عن الرسول الكريم، وعن أبي بكر، وعمر، وعلي، وعن أبي عبيدة، وطلحة، ومعاذ بن جبل، وعمار بن ياسر، وخالد بن الوليد، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وعبد الله بن أُنيس، وغيرهم.
وروى عنه أولاده: عبد الرحمن وعقيل ومحمد، وسعيد بن المسيب، ومحمود بن لبيد، وعمرو بن دينار، وأبو جعفر الباقر، وابن عمه محمد بن
_________________
(١) (*) أهم مصادر ترجمته " أسماء الصحابة الرواة ": ص ١، و" الإصابة ": ص ٢٢٢ جـ ١، و" تهذيب التهذيب ": ص ٣٩ جـ ٢، و" تذكرة الحفاظ ": ص ٤٠ جـ ١، و" البارع الفصيح ": ص ٩: ب، و" الجمع بين رجال الصحيحين ": ص ٧٢ جـ ١، و" الرياض المستطابة ": ص ١٠.
[ ٤٧٨ ]
عمرو بن الحسن، ومحمد بن المنكدر، وعامر الشعبي، وغيرهم. وكان له حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه فيها العلم.
روي له من الحديث [١٥٤٠] حَدِيثًا، وروى له الشيخان منها [٢١٢] حَدِيثًا، اتفقا على [٦٠] حَدِيثًا منها، وانفرد البخاري بـ[٢٦] حَدِيثًا، ومسلم بـ[١٢٦] حَدِيثًا، وله " منسك " صغير في الحج أخرجه الإمام مسلم في " صحيحيه ".
عاش جابر [٩٤] سَنَةً وَكُفَّ بصره في أواخر حياته، وتوفي سَنَةَ (٧٨ هـ) على أرجح الأقوال - ﵁ وَأَرْضَاهُ - وهو آخر من توفي من الصحابة.
* * *
[ ٤٧٩ ]
(٧) -أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ (١٢ ق هـ - ٧٤ هـ): (*)
هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة الخُدري الأنصاري الخزرجي المدني، استشهد والده في غزوة أُحُدْ، فقاسى أبو سعيد شظف العيش، وَيُرْوَى أنه كان من أهل الصفة، استصغر يوم أحد، ثم شهد معظم الغزوات مع النبي - ﷺ -، وشهد بيعة الرضوان، وكان يحضر حلقات الرسول - ﷺ -، فتحمل عنه الكثير الطيب حتى عُدَّ في المكثرين عنه.
روى عن الرسول - ﷺ - وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن زيد بن ثابت، وغيرهم من الصحابة، وروى عنه من الصحابة ابن عباس، وعبد الله بن عمر، وجابر، ومحمود بن لبيد، وأبو أمامة بن سهل، وأبو الطفيل، ومن كبار التابعين سعيد بن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وطارق بن شهاب، وغيرهم، وممن بعدهم عطاء، وعياض بن أبي سرح، ومجاهد، وغيرهم.
روي له من الحديث [١١٧٠] حَدِيثًا، أخرج له منها الشيخان [١١١] حَدِيثًا، اتفقا على [٤٣] حَدِيثًا منها، وانفرد البخاري بـ[١٦] حَدِيثًا، ومسلم بـ[٥٢] حَدِيثًا، أحاديثه في " الكتب الستة "، وروى عنه جميع أصحاب المسانيد والسنن.
عرف أبو سعيد باستقامته الشديدة، وحرصه على الحق، فكان يصدع به لا يخاف في الله لومة لائم، وتوفي - ﵁ - بالمدينة سَنَةَ (٧٤ هـ)، وَسِنُّهُ (٨٦) سَنَةً.
_________________
(١) (*) " حلية الأولياء ": ص ٢٦٩ جـ ١، و" تهذيب التهذيب ": ص ٣٧٩ جـ ٣، و" تذكرة الحفاظ ": ص ٤١ جـ ١، و" الإصابة في تمييز الصحابة ": ص ٨٥ جـ ٣، و" الجمع بين رجال الصحيحين ": ص ٦٢١ جـ ٢، و" الرياض المستطابة ": ص ٢٤، و" البارع الفصيح ": ص ٩: ب.
[ ٤٨٠ ]
الفصل الثاني: بعض أعلام الرواة من التابعين:
من يعد تابعيًا، وأشهر التابعين:
١ - سعيد بن المسيب.
٢ - عروة بن الزبير.
٣ - ابن شهاب الزهري.
٤ - نافع مولى ابن عمر.
٥ - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة.
٦ - سالم بن عبد الله بن عمر.
٧ - إبراهيم النخعي.
٨ - عامر الشعبي.
٩ - علقمة النخعي.
١٠ - محمد بن سيرين.
[ ٤٨١ ]
من يعد تابعيا؟:
قال الخطيب البغدادي: «التَّابِعِيُّ مَنْ صَحِبَ صَحَابِيًّا» (١)، ولا يكفي مجرد الالتقاء، بخلاف الصحابي فقد اكتفى فيه بذلك، لشرف لقاء النبي - ﷺ -، والاجتماع به، أو رؤيته، فإن لذلك أثرًا كبيرًا في إصلاح القلوب وتزكية النفوس، مما لا يتهيأ لمن يلقى الصحابي من غير متابعة له، وطول أخذ عنه.
وقال أكثر المحدثين: «إِنَّ التَّابِعِيَّ مَنْ لَقِيَ وَاحِدًا مِنَ الصَّحَابَةِ فَأَكْثَرَ» وإن لم يصحبه، ولهذا ذكر مسلم وابن حبان - سليمان بن مهران الأعمش في طبقة التابعين، وقال ابن حبان: أخرجناه في هذه الطبقة لأن له لُقْيَا وحفظًا، رأى أنس بن مالك وإن لم يصح له سماع المسند عنه. كما عد الحافظ عبد الغني بن سعيد - يحيى بن أبي كثير من التابعين، لأنه لقي أنسًا، وَعَدَّ فيهم موسى بن أبي عائشة، لكونه لقي عمرو بن حريث، وَعَدَّ فيهم جرير بن أبي حازم لكونه رأى أنسًا، وهذا إقرار منهم بأن التابعين من رأى الصحابي.
واشترط ابن حبان أن يكون من رآه في سن من يحفظ عنه، أي أن يكون مميزًا، فإن كان صغيرًا لم يحفظ عنه فلا عبرة برؤيته، كخلف بن خليفة، فإنه عَدَّهُ من أتباع التابعين وإن كان رأى عمرو بن حريث، لكونه كان صغيرًا لا يميز.
قَالَ العِرَاقِيُّ: «وَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ حِبَّانَ لَهُ وَجْهٌ، كَمَا اشْتَرَطَ فِي الصَّحَابِيِّ
_________________
(١) انظر " تدريب الراوي ": ص ٤١٦.
[ ٤٨٣ ]
رُؤْيَتَهُ وَهُوَ مُمَيَّزٌ». قَالَ: وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ بِقَوْلِهِ: «طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي، وَطُوبَى لِمَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي» الحَدِيثَ، فَاكْتَفَى فِيهِمَا بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ (١).
وعدد التابعين يفوق الحصر، لأن كل من رأى صحابيًا كان من التابعين، وقد توفي رسول الله - ﷺ - عن نيف ومائة ألف من الصحابة، رحلوا إلى مختلف البلدان، وانتشروا في جميع الآفاق، ورآهم ألوف الأتباع.
ولرجال الحديث اهتمام كبير بمعرفة الصحابة والتابعين لأن بهما يعرف المرسل والمتصل من الأخبار.
ثم إن التابعين طبقات جعلها الحاكم خمس عشرة طبقة، آخرهم من لقي أنس بن مالك من أهل البصرة، ومن لقي عبد الله بن أبي أوفى من أهل الكوفة، ومن لقي السائب بن يزيد من أهل المدينة، ومن لقي عبد الله بن الحارث بن جزء من أهل مصر، ومن لقي أبا أمامة الباهلي من أهل الشام (٢). وذكر الحاكم غير هؤلاء في بعض البلدان الأخرى (٣).
وللعلماء كلام طويل في أفضل التابعين (٤).
وسنذكر فيما يلي بعض أعلام الرواة من التابعين.
_________________
(١) انظر " فتح المغيث ": ص ٥٢، ٥٣ جـ ٤، و" تدريب الراوي ": ص ٤١٦.
(٢) انظر " معرفة علوم الحديث ": ص ٤٢، و" فتح المغيث ": ص ٥٣ جـ ٤، و" تدريب الراوي ": ص ٤١٧.
(٣) انظر " معرفة علوم الحديث ": ص ٤٣.
(٤) انظر المراجع السابقة في ذلك: " تدريب الراوي ": ص ٤٢١، و" الباعث الحثيث ": ص ٢١٩، و" فتح المغيث ": ص ٥٥ جـ ٤.
[ ٤٨٤ ]
(١) - سعيد بن المسيب (١٥ - ٩٤ هـ): (*)
هو أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن بن وهب القرشي المخزومي المدني، أحد أعلام الدنيا، وسيد التابعين. ولد سعيد سَنَة (١٥ هـ) لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، وسمع منه، ومن عثمان بن عفان، وَعَلِيٍّ، وزيد بن ثابت، وعائشة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وجل روايته عن أبي هريرة، فقد كان سعيد تزوج ابنته.
كان غزير العلم، قال فيه ابن عمر: «لَوْ رَأَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - هَذَا لَسَرَّهُ»، وقال مكحول وقتادة والزهري وغيرهم: «مَا رَأَيْنَا أَعْلَمَ مِنْ ابْنِ المُسَيَّبِ». وقال ابن المديني: «لاَ أَعْلَمُ فِي التَّابِعِينَ أَوْسَعَ عِلْمًا مِنْهُ، وَهُوَ عِنْدِي أَجَلُّ التَّابِعِينَ».
وكان من أحفظ التابعين لأقضية الرسول - ﷺ -، والخلفاء الراشدين، وكان يفتي وأصحاب رسول الله - ﷺ - أحياء، وكان يقدم على فقهاء عصره. وكان عمر بن عبد العزيز يُجِلُّهُ ويحترمه، وقد اشتهر بعبادته وورعه، وعرف بجرأته في الحق، وأبى أن يبايع بعض أولي الأمر، وجلد على ذلك، وبقي صامدًا ثابت العزيمة (١).
_________________
(١) (*) " طبقات ابن سعد ": ص ٨٨ - ١٠٦ جـ ٥، "الجمع بين رجال الصحيحين ": ص ١٦٨ جـ ١، "سير أعلام النبلاء ": مخطوط ص ١٩٢ - ١٩٩ قسم ٢ جـ ٤، و" تذكرة الحفاظ ": ص ٥١ - ٥٣ جـ ١، و" تهذيب التهذيب ": ص ٨٤ جـ ٤، و" شذرات الذهب ": جـ ١ ص ١٠٢.
(٢) انظر محنته هذه في " سير أعلام النبلاء ": ص ١٩٥ قسم ٢ جـ ٤.
[ ٤٨٥ ]
أشهر من روى عنه:
--------------------
روى عن سعيد بن المسيب جماعات من كبار التابعين، من أشهرهم محمد بن مسلم الزهري، وعمرو بن دينار، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد الباقر، وقتادة بن دعامة السدوسي، وبكير بن الأشج، ويحيى بن سعيد الأنصاي، وغيرهم.
أجمع العلماء على إمامته وعلو مكانته، فقد كان رأس المدينة في الفقه والفتوى حتى كانوا يسمونه " فقيه الفقهاء ".
أجمع أهل الحديث على ثقته وورعه وضبطه، وشدة حرصه على السُنَّةِ، ودأبه على العلم والعبادة، حتى إنه كان لا يفارق المسجد من العتمة إلى العتمة. وقد ترفع عن قبول أموال المسلمين، فكان لا يأخذ العطاء، له أربعمائة دينار يَتَّجِرُ بها في الزيت، ويتعيش مما تغله له. توفي سَنَةَ (٩٢ هـ)، وقيل (٩٤ هـ) - ﵁ وَأَرْضَاهُ -.
* * *
[ ٤٨٦ ]
(٢) - عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ (٢٢ - ٩٤ هـ): (*)
هو أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني التابعي الجليل، الفقيه الحافظ، ولد في آخر خلافة عمر سَنَةَ (٢٢ أو ٢٣ هـ) وقيل في خلافة عثمان بن عفان سَنَةَ (٢٩ هـ) (١).
حفظ عن والده وأمه وخالته عائشة. وروى عن علي ومحمد بن مسلمة وأبي هريرة وعن زيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن الأرقم، وأبي أيوب، والنعمان بن بشير، ومعاوية، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، والمسور بن مخرمة، وزينب بنت أبي سلمة، وبشير بن أبي مسعود الأنصاري.
وكان عروة طلابة للعلم، كثير التردد على خالته عائشة أم المؤمنين، دقيقًا في تحمله، ضابطًا ثقة، وقد شهد له بذلك أعلام عصره، حتى أصبح أحد الفقهاء السبعة في المدينة، وكان ممن اختارهم عمر بن عبد العزيز - أمير المدينة آنذاك - في مجلس شورى المدينة.
وفيه قال الإمام الزهري: «رَأَيْتُهُ بَحْرًا لاَ تُكَدِّرُهُ الدِّلاَءُ». وقال ابن عيينة: «[أَعْلَمَ] (**) النَّاسِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ثَلاَثَةٌ: القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ،، وَعُرْوَةُ، وَعَمْرَةُ».
_________________
(١) (*) " طبقات ابن سعد ": ص ١٣٥ جـ ٥، و" الجمع بين رجال الصحيحين ": ص ٣٩٤ جـ ٢، و" سير أعلام النبلاء "، مخطوط: ص ٢٤٥ - ٢٥٠ قسم ٢ جـ ٤، و" تذكرة الحفاظ ": ص ٥٨، ٥٩ جـ ١، و"تهذيب التهذيب ":ص ١٨٠ جـ ٧، و" شذرات الذهب ": ص ١٠٣ جـ ١.
(٢) في " سير أعلام النبلاء ": ولاتدته سَنَةَ ٢٣ هـ. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (**) انظر هامش صفحة ٣٣١ من هذا الكتاب.
[ ٤٨٧ ]
وَقَالَ ابْنُهُ هِشَامٌ: «وَاللَّهِ مَا تَعَلَّمْنَا مِنْهُ جُزْءًا مِنْ أَلْفَيْ جُزْءٍ مِنْ أَحَادِيثِهِ».
وقال محمد بن سعد: «كَانَ ثِقَةً كَثِيرَ الحَدِيثِ، فَقِيهًا مَأْمُونًا عَالِمًا ثَبْتًا».
وإلى جانب حفظه للحديث الشريف كان عالمًا بالسيرة، حافظًا للقرآن، عابدًا يصوم الدهر، وتوفي وهو صائم.
وعرف بحبه لنشر العلم، فكان يتألف الناس على حديثه، ويذاكر أبناءه الحديث.
وأشهر من روى عنه أولاده: عثمان وعبد الله وهشام ويحيى ومحمد، وحفيده عمر بن عبد الله، والزهري، وسليمان بن يسار، وأبو الزناد، وابن أبي مُليكة، وابن المُنكدر، وغيرهم كثير.
جمع عروة العلم والسيادة والعبادة، وتوفي عن نيف وستين سَنَةَ، سَنَةَ (٩٤ هـ) على أحد الأقوال.
* * *
[ ٤٨٨ ]
(٣) - مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: (٥٠ - ١٢٤ هـ) (*)
[١]- التَّعْرِيفُ بِهِ - وِلاَدَتُهُ - نَشْأَتُهُ:
-----------------------------------
هو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري المدني.
ولد الزهري سَنَةَ (٥٠ هـ) على الأرجح، في خلافة معاوية بن أبي سفيان، ويروى أنه وفد على مروان بن الحكم في خلافته، سَنَةَ (٦٤ هـ) وهو غلام محتلم، وكان أبوه على قيد الحياة، لأنه كان إلى جانب عبد الله بن الزبير في ثورته على عبد الملك بن مروان، ثم وفد على عبد الملك بعد وفاة والده، وكان ذلك سَنَةَ (٨٢ هـ) على أرجح الروايات.
[٢]- طَلَبُهُ العِلْمَ:
-----------------
حفظ القرآن في ثمانين يومًا، وطلب الحديث في أواخر عصر الصحابة، وله نيف وعشرون سَنَةً، وسمع من بعضهم، وروى عنهم، ومنهم أنس بن مالك،
_________________
(١) (*) أهم المراجع التي اعتمدت عليها في ترجمة ابن شهاب: " طبقات ابن سعد ": ص ١٣٥ قسم ٢ جـ ٢ وما بعدها، " جامع بيان العلم وفضله ": ص ٧٣ و٧٦ جـ ١، و" ترتيب الثقات " لابن حبان: الجزء الثالث مخطوط، و" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ": ص ١٥٤: آو ١٥٥: ب و١٧٧: آو ١٨١: آوغيرها، و" حلية الأولياء ": ص ٣٦٩ وما بعدها جـ ٣، و" الجرح والتعديل ": ص ٧١ - ٧٤ قسم ١ جـ ٤، و" تاريخ دمشق "، مخطوط، نسخة دار الكتب المصرية: ص ٤٨٧ - ٦١٩ جـ ٣١، و" تاريخ الإسلام ": ص ١٣٦ جـ ٥، و" تهذيب التهذيب ": ص ٤٤٨ جـ ٩، وسأذكر موضع بعض الأخبار والنصوص حين الضرورة.
[ ٤٨٩ ]
وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وسهل بن سعد، وأبو الطفيل، والمسور بن مخرمة، وغيرهم.
وروى عن كبار التابعين، ومنهم: أبو إدريس الخولاني، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، والحسن وعبد الله ابنا محمد بن الحنفية، وحرملة مولى أسامة بن زيد، وعبد الله وعبيد الله وسالم بنو ابن عمر، وعبد العزيز بن مروان، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير، والأعرج [- عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ -]، وعطاء بن أبي رباح، والقاسم بن محمد بن أبي بكر والمحرر بن أبي هريرة، ومحمد ونافع ابنا جُبير بن مطعم، وعمرة بنت عبد الرحمن، وروى عن غيرهم.
وقد سمع الزهري كثيرًا من إمام التابعين سعيد بن المسيب، وفي هذا يقول: «مَسَّتْ رُكْبَتِي رُكْبَةَ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيِّبِ ثَمَانِي سِنِينَ» وقال: «تَبِعْتُ سَعِيدَ بْنِ المُسَيِّبِ فِي طَلَبِ حَدِيثٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ»، وَلَزِمَ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عُتْبَةَ وَخَدَمَهُ، وَكَانَ يَسْتَقِي لَهُ المَاءَ لِيَسْمَعَ مِنْهُ، وَكَانَ لاَ يُفَارِقُهُ - قَالَ الزُّهْرِيُّ -: حَتَّى إِنَّ خَادِمَهُ لَيَخْرُجُ فَيَقُولُ: «مَنْ بِالبَابِ؟» فَتَقُولُ الجَارِيَةُ: «غُلاَمَكَ الأُعَيْمِشُ» - فَتَظُنُّ أَنِّي غُلاَمُهُ - وَإِنْ كُنْتُ لأَخْدِمَهُ حَتَّى لأَسْتَقِي لَهُ وُضُوءَهُ».
وكما لزم ابن المسيب وعبيد الله لزم عروة بن الزبير، وفيه يقول: «عُرْوَةُ بَحْرٌ لاَ يَنْزِفُ»، و«أَمَّا عُرْوَةُ فَبَحْرٌ لاَ تُكَدِّرُهُ الدِّلاَءُ».
وكان جريئًا في طلب العلم، يسأل عما يريد. وكان عبد الملك بن مروان قد أمره بطلب العلم - عندما وفد عليه أول مرة - فقال له: «فَاطْلُبِ
[ ٤٩٠ ]
العِلْمَ، وَلاَ تَشَاغَلْ عَنْهُ بِشَيْءٍ، فَإِنِّي أَرَى لَكَ عَيْنًا حَافِظَةً، وَقَلْبًا ذَكِيًّا، وَآتِ الأَنْصَارَ فِي مَنَازِلِهِمْ».
وَقَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ،: «اجْتَمَعَتُ أَنَا وَالزُّهْرِيُّ، وَنَحْنُ، نَطْلُبُ العِلْمَ فَقُلْنَا نَكْتُبُ السُّنَنَ، فَكَتَبْنَا مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " نَكْتُبُ مَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ "، فَقُلْتُ أَنَا: " لَيْسَ بِسُنَّةٍ فَلاَ نَكْتُبُهُ "، قَالَ: " فَكَتَبَ وَلَمْ أَكْتُبْ فَأَنْجَحَ وَضَيَّعْتُ "».
ويروى عن الزهري أنه كان يكتب الحديث، ويتذكره، فإذا حفظه محاه. وكان من أنشط طلاب العلم في طلب الحديث يتردد كثيرًا على حلقات العلماء ولا يترك أحدًا يعرف عنده شيئًا من العلم إلا قصده، وفي هذا قال إِبْرَاهِيمُ بْنِ سَعْدٍ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «قُلْتُ لأَبِي: " بِمَ [فَاقَكُمُ] الزُّهْرِيُّ؟ " قَالَ: " كَانَ يَأْتِي المَجَالِسَ مِنْ صُدُورِهَا، وَلاَ يَلْقَى فِي المَجْلِسِ كَهْلًا إِلاَّ سَاءَلَهُ وَلاَ شَابًّا إِلاَّ سَاءَلَهُ، ثُمَّ يَأْتِي الدَّارَ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ، فَلاَ يَلْقَى فِيهَا شَابًّا إِلاَّ سَاءَلَهُ، وَلاَ كَهْلًا وَلاَ عَجُوزًا وَلاَ كَهَلَةً إِلاَّ سَاءَلَهُ حَتَّى يُحَاوِلُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ "» (١).
قال أبو الزناد: «كُنَّا نَكْتُبُ الحَلاَلَ وَالحَرَامَ، وَكَانَ [ابْنُ شِهَابٍ] يَكْتُبُ كُلَّ مَا سَمِعَ، فَلَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ» (٢).
[٣]- حِفْظُهُ:
-------------
اشتهر الزهري بذاكرته القوية، وسرعة حفظه، وكان يقول: «مَا اسْتَوْدَعْتُ قَلْبَي شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ»، وقال: «مَا اسْتَعَدْتُ حَدِيثًا إِلاَّ مَرَّةً، فَسَأَلْتُ صَاحِبِي، فَإِذَا هُوَ كَمَا حَفِظْتُ».
_________________
(١) " تهذيب التهذيب ": ص ٤٤٩ جـ ٩.
(٢) " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ": ص ١٥٥: ب.
[ ٤٩١ ]
وَقَدْ سَأَلَهُ هِشَامُ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يُمْلِيَ عَلَى بَعْضِ وَلَدِهِ شَيْئًا مِنَ الحَدِيثِ، فَدَعَا بِكَاتِبٍ، وَأَمْلَى عَلَيْهِ أَرْبَعُمِائَةَ حَدِيثٍ، فَخَرَجَ الزُّهْرِيُّ مِنْ عِنْدِ هِشَامٍ، فَقَالَ: «أَيْنَ أَنْتُمْ يَا أَصْحَابَ الحَدِيثِ»، فَحَدَّثَهُمْ بِتِلْكَ الأَرْبَعِمِائَةٍ، ثُمَّ لَقِيَ هِشَامًا بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَقَالَ الزُّهْرِيِّ إِنَّ ذَلِكَ الكِتَابَ قَدْ ضَاعَ قَالَ: «لاَ عَلَيْكَ»، فَدَعَا بِكَاتِبٍ، فَأَمْلاَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَابَلَ هِشَامٌ بِالكِتَابِ الأَوَّلِ، فَمَا غَادَرَ حَرْفًا وَاحِدًا (١).
قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ بْنُ أَنَسٍ: «حَدَّثَ الزُّهْرِيُّ بِمِائَةِ حَدِيثٍ، ثُمَّ الْتَفَتَ [إِلَيَّ] فَقَالَ: " كَمْ حَفِظتَ يَا مَالِكُ؟ " قُلْتُ: " أَرْبَعِيْنَ حَدِيثًا "، قال: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِه، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّا للهِ كَيْفَ نَقصَ الحِفْظُ "!!».
وكان كثيرًا ما يذاكر نفسه الحديث، قال الليث بن سعد: «جَلَسَ الزُّهْرِيُّ ذَاتَ لَيْلَةٍ يُذَاكِرُ نَفْسَهُ الحَدِيثَ، فَمَا زَالَ ذَلِكَ مَجْلِسُهُ حَتَّى أَصْبَحَ».
وَكَانَ أَحْيَانًا يَبْتَغِي العِلْمَ مِنْ عُرْوَةَ وَغَيْرِهِ، فَيَأْتِي جَارِيَةً لَهُ نَائِمَةً فَيُوقِظُهَا فَيَقُولُ لَهَا «حَدَّثَنِي فُلاَنٌ بِكَذَا، وَفُلاَنٌ بِكَذَا»، فَتَقُولُ لَهُ: «مَا لِي وَلِهَذَا؟» فَيَقُولُ: «قَدْ عَلِمتُ أَنَّكِ لاَ تَنْتَفِعِينَ بِهِ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ الآنَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْتَذكِرَهُ» (*).
[٤]- عِلْمُهُ وَآثَارُهُ:
-------------------
اشتهر الزهري بغزارة علمه، وطار صيته في الآفاق، وأصبح محط أنظار أهل الشام والحجاز، قال الإمام مالك: «كَانَ الزُّهْرِيُّ إِذَا دَخَلَ المَدِينَةَ لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا، وَأَدْرَكْتُ مَشَايِخَ أَبْنَاءَ سَبْعِينَ وَثَمَانِينَ لاَ يُؤَخَذُ عَنْهُمْ، وَيُقَدَّمُ ابْنُ شِهَابٍ وَهُوَ دُونَهُمْ فِي السِنِّ فَيُزْدَحَمُ عَلَيْهِ». وكان يقول: «بَقِيَ ابْنُ شِهَابٍ، وَمَا لَهُ فِي الدُّنْيَا نَظِيرٌ» (٢).
_________________
(١) " المحدث الفاصل "، نسخة دمشق: ص ٩: آجـ ٤.
(٢) " تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل ": ص ٢٠. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) انظر ص ١٦١ من هذا الكتاب.
[ ٤٩٢ ]
وقال عمر بن عبد العزيز لجلسائه: «هَلْ تَأْتُونَ ابْنَ شِهَابٍ؟» قَالُوا: إِنَّا لَنَفْعَلُ، قَالَ: «فَأْتُوهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ أَعْلَم بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ مِنْهُ»، قَالَ الرَّاوِي [مَعْمَرُ]: «وَإِنَّ الحَسَنَ وَضُرَبَاءَهُ لأَحْيَاءٌ يَوْمَئِذٍ».
وقال مكحول: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ مِنَ الزُّهْرِيِّ!!».
وَقَالَ عَمْرُو بْنِ دِينَارٍ: «جَالَسْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا أَنْسَقَ لِلْحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ»، وفي رواية: «مَا رَأَيْتُ أَنَصَّ وَأَبْصَرَ بِالحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ».
وقال أيوب السختياني: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنَ الزُّهْرِيِّ».
وكان بارعًا في مختلف علوم الإسلام، وفي هذا يحدثنا اللَّيْثُ بْنِ سَعْدٍ فَيَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ عَالِمًا قَطُّ أَجْمَعَ مِنِ ابْنِ شِهَابٍ، يُحَدِّثُ فِي التَّرْغِيبِ فَتَقُولُ لاَ يُحْسِنُ إِلاَّ هَذَا، وَإِنْ حَدَّثَ عَنِ العَرَبِ وَالأَنْسَابِ قُلْتَ: لاَ يُحْسِنُ إِلاَّ هَذَا، وَإِنْ حَدَّثَ عَنِ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَانَ حَدِيثَهُ نَوْعًا جَامِعًا».
وإلى جانب علمه بِالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وعلوم الإسلام كان أحد الأعلام بالشعر والأنساب والسيرة، وقيل إنه أول من ألف في السِّيَرِ، وقال بعضهم أول سيرة ألفت في الإسلام سيرة الزهري (١).
ولسمو مكانته وَلاَّهُ يزيد بن عبد الملك القضاء، ثم اختاره الخليفة هشام بن عبد الملك مُؤَدِّبًا لأولاده، يُفَقِّهُهُمْ ويعلمهم ويحج معهم فلم يفارقهم حتى مات، ولذلك ذكره ابن حبيب مع أشراف المعلمين وفقهائهم (٢).
_________________
(١) انظر " الرسالة المستطرفة ": ص ٧٩، ٨٠.
(٢) انظر " المحبر ": ص ٤٧٦.
[ ٤٩٣ ]
وكان متمسكًا بِالسُنَّةِ (١)، روى عنه الإمام الأوزاعي قوله: «مِنَ اللَّهِ القَوْلُ، وَعَلَى الرَّسُولِ البَلاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ، أَمِرُّوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَمَا جَاءَ بِلا كَيْفٍ» (٢).
وَمِنْ آثَارِهِ فِي السُنَّةِ:
---------------------
١ - كان الزهري أول من استجاب لطلب الخليفة عمر بن عبد العزيز، فَدَوَّنَ لَهُ السُّنَنَ فِي دَفَاتِرَ، ثم وزع الخليفة على كل أرض له عليها سلطان دفترًا، وأجمع العلماء على أنه كان أول من دَوَّنَ السُنَّةَ، وقد بينت أنه أول من دونها رسميًا بأمر الخليفة. وفصلت القول في ذلك، في (خِدْمَةُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ لِلْسُنَّةِ).
٢ - تفرد ابن شهاب بسنن لولاه لضاعت، قال الليث بن سعد: قال لي سعيد بن عبد الرحمن: «يَا أَبَا الحَارِثِ، لَوْلاَ ابْنَ شِهَابٍ لَضَاعَتْ أَشْيَاءٌ مِنَ السُّنَنِ»، وقال الإمام مسلم: «وَلِلزُّهْرِيِّ نَحْوٌ مِنْ تِسْعِينَ حَدِيثًا يَرْوِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، لاَ يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ» (٣)، وقال الحافظ الذهبي: «وَقَدِ انْفَرَدَ [الزُّهْرِيُّ] بِسُنَنٍ كَثِيرَةٍ وَبِرِجَالٍ عِدَّةٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمْ غَيْرُهُ سَمَّاهُمْ مُسْلِمٌ، وَعِدَّتُهُمْ بِضْعٌ وَأَرْبَعُونَ نَفْسًا» (٤).
٣ - كان ممن يحرص على ذكر الإسناد، ويحث العلماء وطلاب العلم على
_________________
(١) انظر " تاريخ دمشق ": ص ٥٧٨ جـ ٣١.
(٢) " تاريخ الإسلام ": ص ١٤٤ جـ ٥، و" حلية الأولياء ": ص ٣٦٩ جـ ٣.
(٣) " صحيح الإمام مسلم ": ص ١٢٦٨ جـ ٣.
(٤) " تاريخ الإسلام ": ص ١٥١ جـ ٥
[ ٤٩٤ ]
التزامه، سَمِعَ الزُّهْرِيُّ إِسْحَاقَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بِالمَدِينَةِ يُحَدِّثُ فَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ: «مَالَكَ قَاتَلَكَ اللهُ يَا ابْنَ أَبِي فَرْوَةَ، مَا أَجْرَأَكَ عَلَى اللهِ،!!؟ أَسْنِدْ حَدِيثَكَ، تُحَدِّثُونَا بِأَحَادِيثَ لَيْسَ لَهَا خُطَمٌ وَلاَ أَزِمَّةٌ» (١)، وَقَالَ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: «خَرَجَ الزُّهْرِيُّ مِنَ الخَضْرَاءِ مِنْ عِنْدِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَجَلَسَ عِنْدَ ذَاكَ العَمُودِ فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا كُنَّا قَدْ مَنَعْنَاكُمْ شَيْئًا قَدْ بَذَلْنَاهُ لِهَؤُلاءِ فَتَعَالَوْا حَتَّى أُحَدِّثَكُمْ "، قَالَ: " وَسَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - "، فَقَالَ: " يَا أَهْلَ الشَّامِ مَالِي أَرَى أَحَادِيثُكُمْ لَيْسَ لَهَا أَزِمَّةٌ وَلا خَطْمٌ "، قَالَ الوَلِيدُ: "فَتَمَسَّكَ أَصْحَابُنَا بِالأَسَانِيدِ مِنْ يَوْمَئِذٍ "» (٢).
وقال الإمام مالك: «أَوَّلُ مَنْ أَسْنَدَ الحَدِيثَ ابْنُ شِهَابٍ» (٣). فيحمل قوله على أنه من أوائل من التزموا الإسناد. وقد بينت هذا عندما تكلمت عن جهود الصحابة والتابعين لمقاومة الوضع.
٤ - كان الزهري يشجع طلاب العلم على دراسة الحديث، وينفق على بعضهم، قال له أحدهم: لا مال عندي حتى أطلب العلم، فقال له: «اتْبَعْنِي وَأَكْفِيكَ نَفَقَتَكَ».
وكان يكرم أصحاب الحديث ويطعمهم الثريد ويسقيهم العسل، وكان إذا أبى أحد من أصحاب الحديث أن يأكل طعامه حلف عليه أن لا يحدثه عشرة أيام.
قال مالك بن أنس: «كَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَجْمَعُ الأَعْرَابَ فَيُذَاكِرَهُمْ حَدِيثَهُ، فَإِذَا
_________________
(١) " حلية الأولياء ": ص ٣٦٥ جـ ٣، والخطم وهو الحبل الذي يقاد به البعير. انظر " لسان العرب "، مادة (خَطَمَ): ص ٧٧ جـ ١٥. وَالأَزِمَّةُ: جمع زمام والزمام مثل الخطام. انظر " لسان العرب "، مادة (زَمَمَ): ص ١٦٤ جـ ١٥. أقول: كَنَّى الزهري بهذا عن الأسانيد.
(٢) " تاريخ الإسلام ": ص ١٤٨ جـ ٥.
(٣) " تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل ": ص ٢٠.
[ ٤٩٥ ]
كَانَ الشِّتَاءُ شَقَّ لَهُمْ المَكْتَلَ (١) وَجَاءَهُمْ بِالزَّبَدِ، وَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ شَقَّ لَهُمْ (٢) وَجَاءَهُمْ بِالسَّمْنِ (٣)».
وَكَانَ كَرِيمًا جَوَادًا، سَمْحَ النفس، وأخبار سخائه كثيرة، ونادر مثلها، حتى كان يجود بما عنده، قال الليث بن سعد: «وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ مِنْ أَسْخَى مَنْ رَأَيْتُ، كَانَ يُعْطِي كُلَّ مَنْ جَاءَ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ اقْتَرَضَ»، فكان لا يخشى الفقر، ولا يضمن بالقليل، ويأتيه السائل - وقد نفد ما عنده - فيقول له: «أَبْشِرْ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِالخَيْرِ».
[٥]- عِدَّةُ أَحَادِيثِهِ وَمَنْزِلَةُ رِوَايَتِهِ:
---------------------------------
قَالَ عَلِيُّ بْن المَدِينِي: «لَهُ نَحْوُ أَلْفَيْ حَدِيثٍ»، وقَالَ أَبُو دَاوُدُ: «حَدِيثُهُ أَلفَانِ وَمِائَتَا حَدِيثٍ النِّصْفُ مِنْهَا مُسْنَدٌ»، وتعتبر أسانيد الزهري من أحسن الأسانيد.
قال الإمام أحمد: «أَحْسَنُ الأَسَانِيدِ تُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﵌ - أربعة:
الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَالزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، ومَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،
_________________
(١) في الأصل (الكتل) وما أثبتناه أصوب، فالمكتل والمكناة الزبيل وقيل المكتل شبه الزبيل يسع خمسة عشر صاعًا. انظر " لسان العرب "، مادة (كتل): ص ١٠٢ جـ ١٤، والزبيل والزنبيل الجراب، وقيل الوعاء يحمل فيه. انظر " لسان العرب "، مادة (زبل): ص ٣٢٠ جـ ١٣.
(٢) أي شق لهم الجراب أو الوعاء. وربما كانت أوعية من جلد كتلك التي يضع فيها الأعراب سمنهم وجبنهم.
(٣) " تاريخ دمشق ": ص ٦٠٩ جـ ٣١.
[ ٤٩٦ ]
عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ» (١).
قال أبو حاتم الرازي: «أَثْبَتُ أَصْحَابِ أَنَسَ الزُّهْرِيُّ».
قال الحاكم: «وَأَصَحُّ أَسَانِيدِ المُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، لأَبِي هُرَيْرَةَ - الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْ أَصَحِّ الأَسَانِيدِ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابِ بْنِ زُهْرَةَ القُرَشِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ القُرَشِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ وَأَصَحُّ أَسَانِيدِ أَنَسٍ: مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ» (٢).
وقال الحاكم: «وَأَصَحُّ أَسَانِيدِ عُمَرَ: الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ» (٣).
وقال السيوطي: «وَقِيلَ: أَصَحُّهَا - أَيْ الأَسَانِيدُ - مُطْلَقًا مَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الصَّلاَّحِ» (٤).
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: «أَصَحُّ طَرِيقٍ يُرْوَى فِي الدُّنْيَا عَنْ عُمَرَ: الزُّهْرِيُّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْهُ» (٥).
[٦]- أَشْهَرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ:
--------------------------
روى عن الزهري خلق كثير من مختلف الأقاليم الإسلامية، وأكثر عنه
_________________
(١) " تهذيب التهذيب ": ص ٤٤٨ جـ ١.
(٢) " معرفة علوم الحديث ":ص ٥٥.
(٣) " تدريب الراوي ": ص ٣٦.
(٤) المرجع السابق: ص ٣١، ٣٢.
(٥) " تدريب الراوي ": ص ٣٦.
[ ٤٩٧ ]
الحجازيون والشاميون، ومن أشهر من روى عنه: عطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير المكي، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن دينار، وصالح بن كيسان، وأبان بن صالح، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن أبي حبيب، وأيوب السختياني، ومعمر بن راشد، وأبو عمرو الأوزاعي، وعبد الملك بن جريج، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن مسلم الزهري أخوه، وغيرهم.
[٧]- أَقْوَالُ العُلَمَاءِ فِي ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ:
-----------------------------------------
إلى جانب ما سقناه عن منزلة الزهري وعلمه نذكر آراء مشهوري العلماء والنقاد فيه.
قال أيوب السختياني: «" مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنَ الزُّهْرِيِّ "، فَقَالَ لَهُ صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَّةَ: " وَلاَ الحَسَنَ؟ " قَالَ: " مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنَ الزُّهْرِيِّ "» (١).
وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: «قَالُوا (٢): وَكَانَ الزُّهْرِيُّ ثِقَةً كَثِيرَ الحَدِيثِ وَالعِلْمِ وَالرِّوَايَةِ فَقِيهًا جَامِعًا» (٣).
وقال الإمام الأوزاعي: «وَلاَ أَدْرَكَتْ خِلاَفَةُ هِشَامٍ - (ابْنَ عَبْدَ المَلِكِ) - أَحَدًا مِنَ التَّابِعِينَ أَفْقَهَ مِنْهُ» (٤).
_________________
(١) " الجرح والتعديل ": ص ٧٣ قسم ١ جـ ٤.
(٢) هكذا في الأصل، والقائلون هم أهل العلم ممن يثق بهم ابن سعد.
(٣) " تاريخ الإسلام ": ص ١٤٤ جـ ٥، و" تهذيب التهذيب ": ص ٤٤٨ جـ ٩.
(٤) " تاريخ دمشق ": ص ٥٩٣ جـ ٣١.
[ ٤٩٨ ]
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: «وَكَانَ مِنْ أَحْفَظِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَأَحْسَنَهُمْ سِيَاقًا لِمُتُونِ الأَخْبَارِ وَكَانَ فَقِيهًا فَاضِلًا» (١).
قال الإمام ابن تيمية: «حَفِظَ الزُّهْرِيُّ الإِسْلاَمَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً» (٢)
وقال الحافظ الذهبي: «الزُّهْرِيُّ عَلَمُ الحُفَّاظِ»، وقال: «الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ القُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ [المَدَنِيُّ] أَحَدُ الأَعْلامِ وَحَافِظُ زَمَانَهُ» (٣).
وقال ابن حجر: «مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ القُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ الفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الحَافِظُ المَدَنِيُّ أَحَدُ الأَئِمَّةِ وَالأَعْلاَمِ، وَعَالِمُ الحِجَازِ وَالشَّامِ» (٤).
وقال ابن الجزري: «أَبُو بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ المَدَنِيُّ أَحَدُ الأَئِمَّةِ الكِبَارِ وَعَالِمُ الحِجَازِ وَالأَمْصَارِ تَابِعِيٌّ» (٥).
وقال ابن العماد: «الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ المَدَنِيُّ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَأَحَدُ الأَعْلاَمِ المَشْهُورِينَ» (٦).
وأحاديثه في " الكتب الستة "، وفي " سنن البيهقي "، و" موطأ الإمام مالك، و" مسند الإمام أحمد "، وفي سائر كتب السنن والمسانيد.
وقد جمع أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذُّهَلِيِّ النيسابوري أحد الأعلام الحفاظ (- ٢٥٢ هـ) أحاديث
_________________
(١) " ترتيب الثقات " لابن حبان، مخطوط نسخة دار الكتب المصرية.
(٢) " شذرات الذهب ": ص ١٦٣ جـ ١.
(٣) " تاريخ الإسلام ": ص ١٣٦ جـ ٥.
(٤) " تهذيب التهذيب ": ص ٤٤٥ جـ ٩.
(٥) " غاية النهاية في طبقات القراء ": ص ٢٦٢ جـ ٢.
(٦) " شذرات الذهب ": ص ١٦٢ جـ ١.
[ ٤٩٩ ]
الزهري في مجلدين سميت (الزهريات)، وكان قد اعتنى به، وهو أعلم الناس بحديثه (١).
كما جمع الإمام أبو علي الحسن بن محمد الماسرجسي أحاديث الزهري وزاد على الذهلي، وكان جمعه فريدًا لم يسبق إليه أحد.
وجمع حديث الزهري أَيْضًا أبو بكر بن مهران النيسابوري (٢).
[٨]- وَفَاتُهُ:
------------
توفي الإمام الزهري بعد حياة علمية رفيعة، عن نيف وسبعين سَنَةً، ليلة الثلاثاء، لتسع عشرة (أو لسبع عشرة) ليلة خلت من شهر رمضان، سَنَةَ أربع وعشرين ومائة على أرجح الأقوال في قرية (أدامي) (٣) وهي خلف (شَغْبٍ) و(بَدَا) (٤) أول عمل فلسطين وآخر عمل الحجاز، وبها ضيعة الزهري، وقد أوصى أن يدفن على قارعة الطريق، ليمر مار فيدعو له.
* * *
_________________
(١) انظر " تاريخ الإسلام ": ص ١٥١ جـ ٥، و" الرسالة المستطرفة ": ص ٨٢، ٨٣.
(٢) انظر " الرسالة المستطرفة ": ص ٨٢، ٨٣.
(٣) انظر " تاريخ دمشق "، مخطوط نسخة دار الكتب المصرية: ص ٦١١ جـ ٣١، وقد شاهد الحسن بن المتوكل العسقلاني قبر الزهري فيها. وانظر " تاريخ الإسلام ": ص ١٥٣ جـ ٥، وفي روايات أخرى أنه توفي بشغب، انظر " تاريخ دمشق ": ص ٥٠٩ و٦١٨ جـ ٣١، وقال ياقوت (شَغْبٌ) وهي ضيعة خلف وادي القرى كانت للزهري وبها قبره. انظر " معجم البلدان ": ص ٣٠٢ جـ ٣. ولا خلاف بين القولين فمن قال (بشغب) ذكر اسم المنطقة ومن قال (أدامي) عَيَّنَ القرية أو الضيعة في تلك المنطقة.
(٤) بَدَا بالفتح والقصر، واد قريب (أيلة) من ساحل البحر وقيل بوادي القرى وقيل بوادي عذرة قرب الشام. انظر " معجم البلدان ": ص ٨٧ جـ ٣. و(أيلة) مدينة صغيرة قيل هي آخر الحجاز وأول الشام. انظر " معجم البلدان ": ص ٣٩١ جـ ١.
[ ٥٠٠ ]
رَدُّ الشُّبُهَاتِ التِي أُثِيرَتْ حَوْلَ الزُّهْرِيِّ:
لقد عرفنا الزهري ونشأته، وعرفناه في طلبه العلم، واطلعنا على كثير من أخلاقه ومزاياه، وأدركنا منزلته العلمية، وقيمته بين علماء التابعين، ومكانته بين أعلام رواة الحديث الشريف، وخدماته الجليلة للسنة النبوية ولطلاب العلم، فكان بحق أحد أعلام الحفاظ الذين لمع اسمهم في صحفات التاريخ، ورفعتهم شهرتهم العظيمة إلى مرتبة الإمامة، فكان بحق حافظ زمانه، وإمام عصره.
إلا أنه لم يسلم من اتهامات وجهها إليه بعض أتباع الفرق، وأعداء الإسلام، فاتهمه بعض الشيعة بالسير في ركاب الأمويين وإرضائهم بوضع ما يروق لهم من الأحاديث التي تثبت دعائم ملكهم، وترد على خصومهم، ويرى هؤلاء في ادعائهم هذا أن الأمويين استعانوا ببعض العلماء من الصحابة والتابعين لإلباس حكمهم ثوب المشروعية الدينية، وساعدوهم في نشر سلطانهم، وتلقف بعض المستشرقين هذه الأفكار، وبنوا عليها عليها أبحاثهم التي انتهت بنتائج تخالف النتائج التي وصل إليها العلماء المسلمون، فشكوا في كثير من الأخبار، وادعوا وضع كثير من أحاديث الصحاح (١)، واتهموا بعض الرواة بما لا يتفق مع الواقع التاريخي، وقد تولى كِبْرَ ذلك المستشرق (جولدتسيهر)، ولم يكن بحثه إلا حلقة في سلسلة الأبحاث التي ترمي إلى هدم الجانب التشريعي من الإسلام، فكما افترى أعداء الإسلام على الصحابي أبي هريرة، افتروا على التابعي
_________________
(١) تعرضت لذلك ورددته في الفصل الثاني من الباب الثالث من هذا الكتاب، انظر ص ٢٤٩ وما بعدها.
[ ٥٠١ ]
المشهور الإمام الزهري، قاصدين من وراء ذلك تشكيك المسلمين في مروياتهم وهما اللذان رَوَيَا كَثِيرًا مِنَ الحَدِيثِ النَّبَوِيَّ، وَنَقَلاَ إلى التابعين وأتباعهم جانبًا عظيمًا من السُنَّةِ، فإذا ما شك المسلمون في أوثق الرواة وأحفظهم شَكُّوا في جميعهم واستهانوا بمروياتهم. وحينئذٍ يتحقق لأعداء الإسلام بعض هدفهم، وهو تخلي المسلمين وإعراضهم عن الحديث الشريف، الذي كَانَ تَطْبِيقًا عَمَلِيًّا للشريعة الإسلامية، وشرحًا وافيًا وبيانًا واضحًا للقرآن الكريم، فإذا أعرض المسلمون - لا سمح الله - عن السُنَّةِ اتسعت الهوة بينهم وبين الكتاب الكريم، وسهل على المبشرين زعزعة العقيدة في نفوس الناشئة، وبث الإلحاد الذي يجر وراءه العقائد الدخيلة، والنظريات التي تخدم أعداءنا، وفي هذا الطامة الكبرى والخسارة العظمى للمسلمين في دينهم ودنياه، ولولا خطورة هذه الشبهات وبعدها عن الحق ما تعرضنا لها، فكما رددنا ما أثير حول أبي هريرة من شبهات مصطنعة، وعرفنا وجه الصواب، نَرُدُّ ما أثير حول الزهري من شبهات أَيْضًا، ونحن في هذا لا نتعصب لأحد، وإنما نتوخى الحق وسواء السبيل، خدمة للسنة المطهرة.
[رَأْيُ اليَعْقُوبِي وَجُولْدتْسِيهِرْ فِي ابْنِ شِهَابٍ]: (*)
----------------------------------------------
قال اليعقوبي (- ٢٩٢ هـ) المؤرخ الشيعي: «ومنع عبد الملك أهل الشام من الحج، وذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم، إذا حجوا، بالبيعة، فلما رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة، فضج الناس، وقالوا: تمنعنا من حج بيت الله الحرام، وهو فرض من الله علينا، فقال لهم: هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن رسول الله قال: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ» وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة التي يروى أن رسول الله ﷺ وضع قدمه عليها، لما صعد إلى السماء، تقوم
_________________
(١) [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) هذا العنوان وضعه المؤلف في [فهرس الموضوعات]: ص ٥٦٨
[ ٥٠٢ ]
لكم مقام الكعبة، فبنى على الصخرة قبة، وعلق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة، وأقام بذلك أيام بني أمية» (١).
وتبنى هذا الرأي (جولدتسيهر) وقد نقله أستاذنا الدكتور مصطفى السباعي في كتابه " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " عن مسودة لأستاذه الدكتور (علي حسن عبد القادر) كما ألقاه على طلابه في الدرس، ولا تزال المسودة بخط الدكتور (عبد القادر) محفوظة عند أستاذنا الدكتور السباعي.
وقد رد عليه الدكتور السباعي رَدًّا عِلْمِيًّا، وَفَنَّدَ افتراءاته الكثيرة ودحضها بِحُجَجٍ علمية قوية، وأذكر هنا بعض ما جاء في مسودة الدكتور (عبد القادر) من رأي جولدتسيهر قال: (إن عبد الملك بن مروان منع الناس من الحج أيام فتنة ابن الزبير. وبنى قبة الصخرة في المسجد الأقصى ليحج الناس إليها ويطوفوا حولها بدلًا من الكعبة، ثم أراد أن يحمل الناس على الحج إليها بعقيدة دينية، فوجد الزُّهْرِيَّ وهو ذائع الصيت في الأُمَّة الاسلامية مستعدًا لأن يضع له أحاديث في ذلك، فوضع أحاديث، منها حديث: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى».
ومنها حديث: «الصَلاَةُ فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى تَعْدِلُ أَلْفَ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ» وأمثال هذين الحديثين. والدليل على أن الزُّهْرِي هو واضع هذه الأحاديث، أنه كان صديقًا لعبد الملك وكان يتردد عليه، وأنَّ الأحاديث التي وردت في فضائل بيت المقدس مروية من طريق الزُّهْرِي فقط ) (٢).
لم أعثر على ما ذهب إليه اليعقوبي في " تاريخه " في أي مصدر إسلامي موثوق
_________________
(١) " تاريخ اليعقوبي ": ص ٧، ٨ جـ ٣.
(٢) " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ٣٦٩.
[ ٥٠٣ ]
به، فلم ينص الطبري، ولا ابن سعد، ولا ابن الأثير، ولا ابن كثير، ولا الذهبي - على شيء صريح مما ادَّعَاهُ اليعقوبي كما أنه لَمْ يَعْزُ لنا هذا الخبر إلى مصدره، وَيُرَجَّحُ عِنْدِي أَنَّ (جولدتسيهر) اطلع على رأي اليعقوبي، فرأى فيه ما يؤيد نظريته في وضع الحديث، تلك النظرية التي تَعَرَّضْتُ لها في بحث (الوضع في الحديث) وبينت بطلانها، فتعلق به، وسنعرض هذا الخبر على الحقائق التاريخية ونناقشه، ليظهر لنا وجه الحق فيه، وتتجلى لنا من هذا الخبر النقاط الآتية:
١ - منع عبد الملك أهل الشام من الحج.
٢ - بنى عبد الملك قبة الصخرة في المسجد الأقصى ليحج الناس إليها بدلًا من الكعبة.
٣ - حاول حمل الناس على ذلك، بوضع أحاديث مِنْ قِبَلِ الزُّهْرِيِّ المُحَدِّثِ المعروف في الأوساط الإسلامية.
٤ - الدليل على أن الزهري هو واضع هذه الأحاديث أنه كان صديقًا لعبد الملك، وأنه كان يتردد عليه، وأن الأحاديث التي وردت في فضائل بيت المقدس مروية من طريق الزهري فقط.
[١]- لَيْسَ مِنَ المَعْقُولِ أَنْ يَمْنَعَ عَبْدُ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَهْلَ الشَّامِ مِنَ الحَجِّ: (*)
١ - أما أن يمنع عبد الملك أهل الشام من الحج فغير معقول، لأن الحج فريضة على كل مسلم قادر، فكيف يعطل عبد الملك شعائر الله، ويمنع إقامتها، وقد عرف بالعبادة والصلاح، حتى عُدَّ من فقهاء المدينة، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: «كَانَ فُقَهَاءُ المَدِينَةِ أَرْبَعَةً: سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَقُبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ، وَعَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ» (١). وَقَالَ نَافِعٌ: «لَقَدْ رَأَيْتُ عَبْدَ المَلِكِ
_________________
(١) " الكامل ": ص ١٠٣، ١٠٤ جـ ٤. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) اقتبست هذه العناوين التي عنون لها المؤلف وأوردها في فهرس الموضوعات: ص ٥٦٨.
[ ٥٠٤ ]
ابْنَ مَرْوَانَ وَمَا بِالمَدِينَةِ شَابٌّ أَشَدُّ تَشْمِيرًا وَلا أَطْلُبُ لِلْعِلْمِ مِنْهُ» (١)، ولا يعقل أن يمنع عبد الملك أهل الشام من الحج وفيهم أئمة التابعين، ويسكتون عنه فلا ينكرون عليه أو يشقون عصا الطاعة. وهناك ما يثبت أن عبد الملك لم يمنع أهل الشام من الحج، فقد ورد في الطبري: «وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ - (سَنَةَ ٦٨ هـ) - وَافَتْ عَرَفَاتَ أَرْبَعَةُ أَلْوِيَةٍ، قَالَ مُحَمَّدٌ بْنَ عُمَرَ: حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ أَبَي عَوْنٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: وَقَفَتْ فِي سَنَةِ (٦٨ هـ) بعَرَفَاتٍ أَرْبَعَةُ أَلْوِيَةٍ: ابْنُ الحَنَفِيَّةِ فِي أَصْحَابِهِ فِي لِوَاءٍ وَابْنُ الزُبَيْر فِي لِوَاءٍ وَنَجْدَةَ الحَرُورِيِّ خَلْفَهُمَا، ولِوَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ عَنْ يَسَارِهِمَا» (٢)،
[٢]- لَمْ تَذْكُرْ المَصَادِرُ الإِسْلاَمِيَّةُ أَنَّ عَبْدَ المَلِكِ هُوَ الذِي بَنَى قُبَّةَ الصَّخْرَةِ:
لم تذكر المصادر الإسلامية أن عبد الملك هو الذي بنى قبة الصخرة، بل ذكرت ابنه الوليد (٣)، ويقول الدكتور مصطفى السباعي: «ولم نجدهم ذكروا ولو رواية واحدة نسبة بنائها إلى عبد الملك، ولا شك أن بناءها - كما يزعم جولدتسيهر - لتكون بمثابة الكعبة يحج الناس إليها بدلًا من الكعبة، حادث من أكبر الحوادث وأهمها في تاريخ الإسلام وَالمُسْلِمِينَ فلا يعقل أن يمر عليه هؤلاء المُؤَرِّخُونَ مَرَّ الكرام، وقد جرت عاداتهم أَنْ يُدَوِّنُوا ما هو أقل من ذلك خَطَرًا أو أهمية، كتدوينهم وفاة العلماء وتولي القضاء وغير ذلك، فلو كان عبد الملك هو الذي بناها لذكروها، ولكنا نراهم ذكروا بناءها في تاريخ الوليد، وهؤلاء مُؤَرِّخُونَ أثبات في كتابة التاريخ، نعم جاء في كتاب " [حياة] الحيوان " للدميري نقلًا عن ابن خلكان: أن عبد الملك هو الذي بَنَى القُبَّة وعبارته هكذا: «بَنَاهَا عَبْدُ المَلِكِ وَكَانَ النَّاسُ
_________________
(١) " طبقات ابن سعد ": ص ١٧٤ جـ ٥.
(٢) " تاريخ الطبري ": ص ٥٩٥ جـ ٤.
(٣) انظر " الكامل " لابن الأثير: ص ١٣٧ جـ ٤، و" البداية والنهاية ": ص ١٦٥ جـ ٩.
[ ٥٠٥ ]
يَقِفُونَ عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ» ورغمًا عما في نسبة بنائها لعبد الملك من ضعف، ومن مخالفته لما ذكره أئمة التاريخ، فإن هذا النص لا غبار عليه، وليس فيه ما يدل على أنه بناها ليفعل الناس ذلك، بل ظاهره أنهم كانوا يفعلون من تلقاء أنفسهم، وليس فيه ذكر الحج عند القُبَّةِ بَدَلًا من الكعبة، بل فيه الوقوف عندها يوم عرفة، وهذه العادة كانت شائعة في كثير من أمصار الإسلام نص الفقهاء على كراهتها، وفرق كبير بين الحج إليها بَدَلًا من الكعبة، وبين الوقوف عندها تَشَبُّهًا بوقوف الحج في عرفة، ليشارك من لم يستطع الحج الحُجَّاجَ في شيء من الأجر والثواب، ولم يكن ذلك مقصورًا على قُبَّةِ الصَّخْرَةِ، بل كان كل مصر إسلامي يخرج أهله يوم عرفة إلى ظاهر البلد فيقفون كما يقف الحُجَّاجُ» (١).
ثم إن بناء عبد الملك قبة الصخرة ليحج الناس إليها بدلًا من الحج إلى البيت الحرام كُفْرٌ صَرِيحٌ لا يمكن أن يصدر عن مثله، وهو الذي عرفنا مكانته العلمية وورعه.
ومما يدل على بطلان ما ادعاه (جولدتسيهر) موقف خصوم الأمويين من عبد الملك، الذين لم يذكروا شيئًا من هذا في طعونهم له، ولو صح بعض ما ادعاه اليعقوبي و(جولدتسيهر) لكان إعلان تكفير عبد الملك والتشهير به أول الطعون التي توجه إليه لاجترائه - حسب ادعاء جولدتسيهر - على حرمات الله، والعبث بشعائر الإسلام.
ومما يدل على تحامل المستشرق (جولدتسيهر) على الأمويين، وعلى عبد الملك، وعلى الإمام الزهري - موقف غيره من المستشرقين الذين رَجَّحُوا
_________________
(١) " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص ٣٩٩، ٤٠٠.
[ ٥٠٦ ]
الرأي القائل بأن عبد الملك هو الذي بنى قبة الصخرة، ولكنهم لم يذهبوا إلى ما ذهب إليه (جولدتسيهر) في ادِّعَائِهِ (١) الذي افتراه على عبد الملك، وإن كان أكثرهم يعتقد سُوءًا في بني أمية، يقول المستشرق (يوليوس فلهوزن): «وَلِكَيْ يَزِيدَ خُلَفَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ فِي رُجْحَانِ كَفَّةِ الشَّامِ مِنَ النَّاحِيَةِ السِّيَاسِيَّةِ حَاوَلُوا فِيمَا حَاوَلُوا نَقْلَ مَرْكَزَ الشَّعَائِرِ الدِّينِيَّةِ إِلَى الشَّامِ، وَكَانَ مِمَّا اسْتَوْجَبَ ذَلِكَ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ ظَلَّ يَحْتَلُّ البَيْتَ الحَرَامَ فِي مَكَّةَ قُرَابَةً مِنَ عَشْرِ سِنِينَ، فَلَمْ يَكُنْ أَهْلُ الشَّامِ يَسْتَطِيعُونَ الحَجَّ، مَا دَامُوا عَلَى وَلاَئِهِمْ لِلأُسْرَةِ الأُمَوِيَّةِ إِلاَّ بِمَشَقَّةٍ، وَقَدْ اسْتَغَلَّ عَبْدُ المَلِكِ ذَلِكَ لِمَنْعِ رَعَايَاهُ مِنَ الحَجِّ إِلَى مَكَّةَ، وَحَضَّهُمْ عَلَى أَنْ يَحُجُّوا إِلَى بَيْتِ اللهِ المُقَدَّسِ بَدَلًا مِنَ أَنْ يَحُجُّوا إِلَى مَكَّةَ، وَهَذَا مَا يَحْكِيهِ (أُوتِيخْيُوسْ) (*) عَلَى الأَقَلِّ فِي كِتَابِهِ " التَّارِيخْ "، أَمَّا الذِي لاَ شَكَّ فِيهِ فَهُوَ أَنَّ عَبْدَ المَلِكِ جَهَدَ فِي أَنْ يَجْعَلَ لِبَيْتِ المَقْدِسِ - بِاعْتِبَارِهِ مَكَانًا مُقَدَّسًا فِي نَظَرِ الإِسْلاَمِ - مَظْهَرًا أَرْوَعَ مِمَّا كَانَ لَهُ. وَذَلِكَ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى صِدْقِ الرِّوَايَةِ القَائِلَةِ بِأَنَّهُ هُوَ الذِي بَنَى قُبَّةَ الصَّخْرَةِ مَوْجُودٌ فِي النَّقْشِ الذِي لاَ يَزَالُ بَاقِيًا فِي الجُزْءِ القَدِيمِ مِنْ هَذَا البِنَاءِ، أَمَّا النَّقْشُ الحَالِيُّ فَيُذْكَرُ فِيهِ اسْمَ المَأْمُونِ الخَلِيفَةَ العَبَّاسِيَّ، عَلَى أَنَّهُ هُوَ البَانِي، وَلَكِنَّ (دِي فُوجِي) اكْتَشَفَ أَنَّ اسْمَ المَأْمُونِ إِنَّمَا أُدْخِلَ فِي النَّقْشِ الأَصْلِيِّ مِنْ طَرِيقِ تَصْحِيحٍ لِكِتَابَةٍ سَابِقَةٍ. وَقَدْ فَاتَ عَلَى المُصَحِّحِينَ أَنْ يُصَحِّحُوا التَّارِيخَ القَدِيمَ الذِي يُبَيِّنُ السَّنَةَ التِي كَانَ فِيهِ البِنَاءُ. وَيُمْكِنُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ النَصَّ الأَصْلِيَّ عَلَى القَطْعِ هَكَذَا: " بَنَى هَذِهِ القُبَّةَ فِي سَنَةِ ٧٢ هـ عَبْدُ اللهِ عَبْدُ المَلِكِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ» (٢).
_________________
(١) انظر " المغازي الأولى ومؤلفوها " حيث بَيَّنَ المستشرق (يوسف هوروفتش) رأيه في هذا ص ٥٢.
(٢) " تاريخ الدولة العربية من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأموية ":: ص ٢٠٦، ٢٠٧. ---------------------- [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (*) أوتخيوس أو أفتيخيوس المصري: البطريرك الملكاني (سعيد بن البطريق) صاحب كتاب "التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق" قال عنه فنديك: «ويسمى أَيْضًا سعد ابن البطريق توفي سنة ٩٣٩م وكان بَطْرِيَرْكْ الملكيين بالإسكندرية. اعتنى بطبع تاريخه العلامة بوكوك في ٢ج في مدينة أوكسفورد من ١٦٥٨ الى ١٦٥٩م واسمه " نظم الجواهر ". وطبعت مقتبسات منه في بطرسبرج سنة ١٨٨٣م وأكثرها في تأريخ البلغاريين والروسيين في أقدم مدته». [نقلًا عن كتاب " اكتفاء القنوع بما هو مطبوع " ادوارد كرنيليوس فانديك (المتوفى: ١٣١٣هـ)، صححه وزاد عليه: السيد محمد علي الببلاوي، ص ٧٧، طبعة سنة: ١٣١٣ هـ - ١٨٩٦ م، نشر مطبعة التأليف (الهلال)، مصر].
[ ٥٠٧ ]
وفرق كبير بين أن يعتني عبد الملك ببيت المقدس، ويطهره ويجعل له مظهرًا أروع مما كان له - وبين أن يجعله كعبة المسلمين، وهذا ما اعترف به (فلهوزن) وعقب به على رأي (أوتيخيوس) الذي يتفق مع رأي جولدتسيهر.
فلو صح نسبة بناء القبة إلى عبد الملك - وهو رأي يخالف المصادر الإسلامية الموثوق بها ومبني على مجرد التخمين والاستنتاج - لكان قد بناها واعتنى بالمسجد الأقصى لمكانته عند المسلمين، وهو أقدس الأماكن التي كانت تقع تحت سلطان عبد الملك آنذاك.
ومما يؤكد لنا أنه لم يحمل أحدًا على الحج إليه، بل كان عمله مجرد احترام لذلك المسجد - ما قام به بعد انتصاره على ابن الزبير سَنَةَ (٧٣ هـ) حين أمر بإعادة بناء الكعبة كما كانت عليه في عهد الرسول - ﷺ -، وإزالة ما أدخله ابن الزبير في بنائها سَنَةَ (٦٤ هـ)، فمن الواجب أن يفرق بين اعتنائه بالمسجد الأقصى وجعله مَحَجًّا للمسلمين.
[٣]- لَمْ يَحْمِلْ عَبْدُ المَلِكِ النَّاسَ عَلَى الحَجِّ إِلَى المَسْجِدِ الأَْقْصَى وَالزُّهْرِيُّ أَرْفَعُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى الرَّسُولِ - ﷺ -:
أما أنه حاول أن يحمل الناس على الحج إلى المسجد الأقصى بمساعدة الزهري الذي وضع له الأحاديث في ذلك فغير صحيح قطعًا، وَسَنُثْبِتُ هذا من طريقين: الأول في بيان صلة الزهري بالأمويين، والثاني في استحالة هذا تاريخيًا.