[ ١٣ ]
تمهيد
أولًا: مفهوم مصطلح " المتقدمين " و" المتأخرين ":
يُذكر مصطلح: " المتقدمون " في غالبية كتب المصطلح وكتب الحديث عامة، ويختلف فهم المقصود من إطلاقهم هذا، فما المراد من هذا المصطلح؟
ذهب الإمام الذهبي في مقدمة "الميزان " إلى أنّ الحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلاثمائة (١)، وذكر في "التذكرة " أن بداية نقص علوم السنة، وبداية ظهور العلوم العقلية، وتناقص الاجتهاد، وظهور التقليد في آخر الطبقة التاسعة، فقال واصفًا تلك الطبقة:" فان المجلس الواحد في هذا الوقت كان يجتمع فيه أزيد من عشرة آلاف محبرة يكتبون الآثار النبوية ويعتنون بهذا الشأن وبينهم نحو من مئتي إمام قد برزوا وتأهلوا للفتيا، فلقد تفانى أصحاب الحديث وتلاشوا وتبدل الناس بطلبه يهزأ بهم أعداء الحديث والسنة ويسخرون منهم وصار علماء العصر في الغالب عاكفين على التقليد في الفروع من غير تحرير لها، ومكبين على عقليات من حكمة الأوائل وآراء المتكلمين من غير أن يتعقلوا أكثرها، فعم البلاء، واستحكمت الأهواء، ولاحت مبادئ رفع العلم وقبضه من الناس " (٢). وكذلك فعل أبو عمرو بن المرابط ت (٧٥٢) هـ في إطلاقه إلى أول القرن الرابع فقال: "قد دونت الأخبار، وما بقي للتجريح فائدة، بل انقطعت من رأس الأربع مئة " (٣).
وأما ما ذهب إليه الدكتور حمزة المليباري إلى أنهم أهل الرواية، وهم أصحاب الفترة الممتدة من عصر الصحابة الكرام، وإلى نهاية القرن الخامس الهجري، وجعل الميزة أنهم يروون المرويات بالأسانيد؟ (٤)،فهذه الميزة غير منضبطة بضابط مستقيم، فالرواية بالإسناد ممتدة إلى يوم الناس هذا، ثم البون شاسع في المنهجية، والأسلوب بين الإمام
البخاري ت (٢٥٦) وبين أهل القرن الرابع كأبي عبد الله الحاكم ت (٤٠٥) - مثلا -.
والذي أراه أن كلام الإمام الذهبي ومن تابعه أدق بكثير، فلا بد من اعتبار المدة
_________________
(١) انظر ميزان الاعتدال ١/ ٤.
(٢) تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٢٩ - ٥٣٠، وانظر المنهج المقترح، العوني ص ٦٢.
(٣) فتح المغيث، السخاوي ٣/ ٢٧١،وانظر الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التأريخ، له ص ٩٢ و١٠٦.
(٤) نظرات جديدة في علوم الحديث ص١١.
[ ١٥ ]
الزمنية التي عاشها الطرفان - المتقدمون والمتأخرون - ففي ذاك الزمان، في القرن الأول والثاني والثالث، استقرت الروايات وغُربلت الأحاديث فتبين صحيحها من سقيمها، ودونت المصنفات وعرفت الطرق والمخارج، وكل من جاء بعدهم فهو عيال عليهم.
ومما يدلل على ضعف الرواية بعد القرن الثالث ما قاله عالم جهبذ عاش في تلك الحقبة هو الإمام ابن حبان ت (٣٥٤) هـ إذ قال في مقدمة كتابه " التقاسيم والأنواع " ما نصه:
" وإني لما رأيت الأخبار طرقها كثرت ومعرفة الناس بالصحيح منها قلّت لاشتغالهم بكتبة الموضوعات وحفظ الخطأ والمقلوبات حتى صار الخبر الصحيح مهجورًا لا يكتب والمنكر المقلوب عزيزًا يستغرب وأن من جمع السنن من الأئمة المرضيين وتكلم عليها من أهل الفقه والدين أمعنوا في ذكر الطرق للأخبار وأكثروا من تكرار المعاد للآثار قصدًا منهم لتحصيل الألفاظ على من رام حفظها من الحفاظ، فكان ذلك سبب اعتماد المتعلم على ما في الكتاب، وترك المقتبس التحصيل للخطاب ." (١).
وقال أبو عبد الله الحاكم ت (٤٠٥) هـ:" نبغ في عصرنا هذا جماعة يشترون الكتب فيحدثون بها وجماعة يكتبون سماعاتهم بخطوطهم في كتب عتيقة في الوقت فيحدثون بها فمن يسمع منهم من غير أهل الصنعة فمعذور بجهله فأما أهل الصنعة إذا سمعوا من أمثال هؤلاء بعد الخبرة ففيه جرحهم وإسقاطهم إلى أن تظهر توبتهم، على أن الجاهل بالصنعة لا يعذر فإنه يلزمه السؤال عما لا يعرفه وعلى ذلك كان السلف ﵃ أجمعين " (٢).
هذا أحد علماء القرن الرابع، هو الحاكم النيسابوري نص على تخفف شروط العدالة والضبط لأهل زمانه، فلم يذكر في الضبط إلا ما يتعلق بضبط الكتاب، وقد أشار
الى هذه المسألة قبله الإمام الرامهرمزي، في كتابه المحدث الفاصل (٣)،وهذا يدلل على الفرق الكبير بين منهج القرن الثالث، ومنهج القرن الرابع.
وقد نبّه الحافظ ابن الصلاح على هذه المسألة فقال:" وقد سبق إلى نحو ما ذكرناه
_________________
(١) الإحسان ١/ ١٠٢.
(٢) معرفة علوم الحديث ص ١٥ - ١٦.
(٣) انظر المحدث الفاصل ١٥٩ - ١٦٢، والمنهج المقترح، العوني ص ٥٣.
[ ١٦ ]
الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي ﵀، فإنه ذكر فيما روينا عنه توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زمانه الذين لا يحفظون حديثهم ولا يحسنون قراءته من كتبهم، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، ووجه ذلك بأن الأحاديث التي قد صحت أو وقفت بين الصحة والسقم قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم، وإن جاز أن يذهب على بعضهم لضمان صاحب الشريعة حفظها، قال - يريد البيهقي -: فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه، ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته والحجة قائمة بحديثه برواية غيره والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلاُ بحدثنا وأخبرنا وتبقى هذه الكرامة التي خصت بها هذه الأمة شرفًا لنبينا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والله أعلم" (١).
وقد تكلمنا على هذه المسألة في صفحات من هذا البحث، وبينا الفرق الشاسع بين منهج علماء القرن الثالث وعلماء القرن الرابع من خلال الأمثلة التي سقناها في الفصل التطبيقي (٢).
وعلى كل حال فالذي نقصده بالمتقدمين في هذه الأطروحة هم علماء الحديث في القرون الثلاثة الأولى، أي إلى رأس سنة (٣٠٠) هجرية، وتشمل علماء الحديث الأئمة الأوائل: كالليث، والأوزاعي، والسفيانين، ومالك، وابن معين، وابن المديني، وأبي حاتم، وأبي زرعة الرازيين، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي وابن خزيمة، وغيرهم. فهؤلاء جميعهم هم من طبقة القرن الثالث وعلمائها.
وقد أدخلنا معهم الإمام النسائي وابن خزيمة، وإن كانا قد توفيا مطلع القرن الرابع وذلك لأسباب:
١ - إنهما عاشا حياتهما العلمية في القرن الثالث وإن توفي النسائي سنة ٣٠٣هـ، وابن خزيمة سنة ٣١١ هـ.
٢ - من المرجح الذي يكاد أن يكون مؤكدًا أنهما ألفا كتابيهما في أواخر المئة الثالثة.
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ١٠٤.
(٢) انظر مثلًا ص ٣٢١و٣٧٠ من هذا الكتاب.
[ ١٧ ]
٣ - إنهما شاركا أصحاب الكتب الستة في عدد كبير من شيوخهم، فقد شارك النسائي البخاري ومسلمًا في بعض شيوخهما، مثل محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، وقتيبة بن سعيد، وغيرهم (١).
٤ - تلقي الأمة لكتاب النسائي بالقبول وعده من كتب السنة المعتمدة، فأعطي المرتبة الخامسة بعد جامع الترمذي، وقبل سنن ابن ماجه، الذي توفي قبله سنة (٢٧٣) هـ (٢)،وقد بالغ بعض الأئمة في امتداحه حتى أطلقوا عليه اسم الصحيح (٣)، وهذا من باب المبالغة في المدح والثناء على الكتاب.
٥ - أمّا الإمام ابن خزيمة ت (٣١١) هـ فقد شارك الشيخين في بعض شيوخهم، مثل إسحاق ابن راهويه، ومحمود بن غيلان، وأحمد بن منيع، ويونس بن عبد الأعلى، وغيرهم (٤)، وكان الإمامان البخاري ومسلم يعرفان قدره وعلمه فرويا عنه خارج صحيحهما (٥)، وهذا من قبيل رواية الأكابر عن الأصاغر.
فالإمامان النسائي وابن خزيمة خاتمة ذلك الجيل العظيم جيل الرواية المتقنة، والدراية المحصنة.
أمّا ما نعنيه - هنا - بالمتأخرين فهم كل من جاء بعد ابن خزيمة وإلى يومنا هذا من المعاصرين، وهم وإن كانوا يتفاوتون في المنهجية والفهم والضبط؛ إذ مما لا شك فيه أن ابن حبان ت (٣٥٤) يختلف عن السيوطي ت (٩١١)، ومنهجية الدارقطني ت
(٣٨٥)، والتي هي أقرب إلى منهجية المتقدمين تختلف عن منهجية الحاكم النيسابوري (٤٠٥) هـ، وقد تجد ابن رجب الحنبلي (٧٩٥) هـ أقرب لمنهجية المتقدمين من كثير ممن سبقه، إلاّ أنهم يشتركون في كونهم يمثلون مرحلة ما بعد الاستقرار، أعني استقرار الرواية ومعرفة الطرق والمظان (٦)، فهم يمثلون مرحلة الاستقراء
_________________
(١) انظر مقدمة عمل اليوم والليلة، فاروق حمادة ص ١٨.
(٢) انظر الإرشاد، الخليلي ١/ ٤٣٦.
(٣) انظر الإرشاد ٢/ ٧٦٧ - ٧٦٨، والتقييد، ابن نقطة ١/ ١٥١، وانظر علل الحديث وتطبيقاتها، محمد محمود سليمان ص٤٤.
(٤) انظر سير أعلام النبلاء، الذهبي ٢/ ٧٢١.
(٥) مصدر سابق.
(٦) انظر ص ٢٢٢ من هذا البحث.
[ ١٨ ]
بعد الاستقرار، ومرحلة المستدركات بعد الأصول، ومرحلة المستخرجات على الطرق والشيوخ فهم تبع لأولئك الأوائل، ويندر أن يخلص لهم حديث فات الأوائل - المتقدمين -، كما قال الحافظ ابن الصلاح، وسيتضح هذا الأمر طيًا في مباحث هذه الرسالة إن شاء الله تعالى.
ثانيًا: منهج النقد الحديثي بين المتقدمين والمتأخرين:
أولًا: عند المتقدمين
يقوم منهج النقد عند الأئمة المتقدمين على مرحلتين:
المرحلة الأولى: وتقوم على نقد المتون، ومن خلالها يتم الكلام في الرواة جرحًا أو تعديلًا، وتمتد هذه المرحلة من عصر الصحابة حتى نهاية النصف الأول من القرن الثاني الهجري، ويتمثل هذا المنهج برد الصحابة بعضهم على بعض حينما يستمعون إلى متون الأحاديث المروية والأحكام المتصلة بها، تلك المتون التي يرونها تعارض بعض المتون الأخرى، كاعتراضات أم المؤمنين عائشة ﵂ على بعض الصحابة، أو اعتراضات ابن مسعود، أو ابن عباس ﵃ أجمعين.
والمرحلة الثانية: وهي تمثل مرحلة التبويب والتنظيم من خلال جمع ودراسة أحاديث كل محدث والحكم عليه من خلال تلك المرويات، ويظهر ذلك في الأحكام التي أصدرها الأئمة على الرواة كعلي ابن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، وأضرابهم.
ولا يساورنا شك أن بعض العلماء المتقدمين قد تكلموا في الرواة ممن عاصروهم أو لاقوهم جرحًا أو تعديلًا، كالإمام مالك بن أنس، والسفيانيين، وشعبة بن الحجاج،
وحماد بن زيد، والأوزاعي، ووكيع بن الجراح، ثم أن العلماء من الطبقة التي تلت هؤلاء قد تكلموا في الرواة الذين أخذوا عنهم واتصلوا بهم.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هو كيف نفسر كلام كبار علماء النقد ممن عاشوا في المئة الثالثة في رجال لم يلحقوا بهم من التابعين ومن بعدهم، ولم يؤثر للمتقدمين فيهم جرح أو تعديل حتى نقول: إنهم اعتمدوا أقوال من سبقهم فيهم؟
الجواب: إنهم أصدرا أحكامهم عن طريق تفتيش حديثهم المجموع، واستنادًا إلى ذلك.
[ ١٩ ]
وسأضرب لذلك أمثلة:" قال ابن أبي حاتم في ترجمة أحمد بن إبراهيم الحلبي: " سألت أبي عنه، وعرضت عليه حديثه فقال: لا أعرفه، وأحاديثه باطلة موضوعة كلها ليس لها أصول، يدل حديثه على أنه كذاب" (١)، وقال في ترجمة أحمد بن المنذر بن الجارود القزاز: " سألت أبي عنه فقال: لا أعرفه، وعرضت عليه حديثه فقال: حديث صحيح " (٢).
وقال أبو عبيد الآجري في مسلمة بن محمد الثقفي البصري: " سألت أبا داود عنه قلت: قال يحيى (يعني ابن معين): ليس بشيء؟ قال: حدثنا عنه مسدد أحاديث مستقيمة، قلت: حدث عن هشام، عن عروة، عن أبيه، عن عائشة: إياكم والزنج فإنهم خلق مشوّه. فقال: مَنْ حدث بهذا فاتهمه " (٣).
فهذه الأمثلة الثلاثة واضحة الدلالة على أن أبا حاتم الرازي وأبا داود لم يعرفا هؤلاء الرواة إلا عن طريق تفتيش حديثهم المجموع، وأنهما أصدرا أحكامهما استنادًا إلى ذلك.
وقل مثل ذلك في قول الإمام البخاري (ت ٢٥٦) في إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي المدني (٨٣ - ١٦٥): منكر الحديث، وقول أبي حاتم الرازي (ت
٢٧٧هـ) فيه: شيخ ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، منكر الحديث، وقول النسائي (ت ٣٠٣هـ) فيه: ضعيف.
"فهؤلاء العلماء الثلاثة لم يدركوه ولا عرفوه عن قرب ولا نقلوا عن شيوخهم أو آخرين ما يفيد ذلك، فكيف تم لهم الحصول على هذه النتائج والأقوال؟ واضح أنهم جمعوا حديثه ودرسوه، واصدروا أحكامهم اعتمادًا على هذه الدراسة " (٤).
ويرى الواقف على أقوال الأئمة المتقدمين، وصنيعهم في المصنفات والجوامع
_________________
(١) الجرح والتعديل ٢/ ٤٠ ترجمة (٥).
(٢) الجرح والتعديل ٢/ ترجمة (١٧٠) قلت: ومن أمثلته أيضا: قال في ترجمة أحمد بن بحر العسكري: " سألت أبي عنه وعرضت عليه حديثه فقال: حديث صحيح. وهو لا يعرفه " الجرح والتعديل ٢/ ٤٢ (١٥).
(٣) تهذيب الكمال ٧/ ١١٢ (٦٥٥٤).
(٤) مقدمة تحرير التقريب، د. بشار عواد، والشيخ شعيب الأرنؤوط ١/ ١٨ - ٢٠، وانظر مقدمة تأريخ الخطيب، د. بشار عواد معروف ١/ ١٣٧ - ١٣٨.
[ ٢٠ ]
والسنن ونحوها، وكذا كتب العلل والتواريخ أنهم يتعاملون مع الحديث بشكل شمولي، غير مجزأ ولا مخل، مستعملين أوجز العبارات التي يفهمها أهل الصنعة، كقولهم: (غير محفوظ)، (منكر)، (وهم)، (خطأ).وإنما استعملها النقاد هكذا دون تفصيل - في الأغلب - لأنهم خشوا أن تلتبس الأحاديث على غير المحدثين إذا ما طولوا ببيان علل كل حديث، أو لأنهم اكتفوا بتقديم النتائج من غير بيان الأدلة التي حدت بهم إلى ذلك في الأغلب الأعم دفعًا للتطويل وطلبًا للاختصار (١)،والتي أصبحت فيما بعد غامضة، خاصة عندما ضعف علم الحديث، وتوسع بعض الفقهاء في قبول الأحاديث الضعيفة، فأصبحت تلك العبارات كأنها طلاسم، يفسرها كل محدث، أو فقيه (من المتأخرين) بنحو فهمه ومذهبه!!.
كما أثرت مناهج الفقهاء والأصوليين وحاجتهم المتزايدة إلى قبول الأحاديث من أجل الاستدلال بها في هذا المنحى، فمثلا:
قال ابن الصلاح: " الحديث الذي رواه بعض الثقات مرسلا وبعضهم متصلا: اختلف أهل الحديث في أنه ملحق بقبيل الموصول أو بقبيل المرسل؟
مثاله حديث:" لا نكاح إلا بولي "، رواه إسرائيل بن يونس في آخرين عن جده أبي إسحاق السبيعي عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري عن رسول الله - ﷺ - مسندا هكذا متصلا، ورواه سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي - ﷺ - مرسلا هكذا، فحكى الخطيب الحافظ أن: " أكثر أصحاب الحديث يرون الحكم في
هذا وأشباهه للمرسل "، وعن بعضهم أن الحكم للأكثر وعن بعضهم أن الحكم للأحفظ، فإذا كان من أرسله أحفظ ممن وصله فالحكم لمن أرسله، ثم لا يقدح ذلك في عدالة من وصله وأهليته، ومنهم من قال: من أسند حديثا قد أرسله الحفاظ فإرسالهم له يقدح في مسنده وفي عدالته وأهليته، ومنهم من قال: الحكم لمن أسنده إذا كان عدلا ضابطا فيقبل خبره وإن خالفه غيره سواء كان المخالف له واحدا أو جماعة، قال الخطيب: هذا القول هو الصحيح قلت وما صححه هو الصحيح في الفقه وأصوله" (٢).
قلت: تأمل قوله: "أكثر أصحاب الحديث يرون الحكم في هذا وأشباهه للمرسل، وعن بعضهم أن الحكم للأكثر وعن بعضهم أن الحكم للأحفظ" ثم يرجح ماذا؟: " قال
_________________
(١) انظر مقدمة جامع الترمذي، د. بشار عواد معروف ١/ ٣٣، ونظرات جديدة، المليباري ص ٩٥.
(٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٥٩.
[ ٢١ ]
الخطيب: هذا القول هو الصحيح، قلت: وما صححه هو الصحيح في الفقه وأصوله " (١). فرجح ابن الصلاح رأي محدث متأخر مثل الخطيب وأتبعه بأن هذا هو مذهب الفقهاء والأصوليين.
ثم جاء بعده الإمام النووي، وهو من كبار الفقهاء ليطلق قبول الزيادة إذا كانت من ثقة، وليصبح قاعدة عريضة للمحدثين من بعده؟
ومن ذلك أيضًا تقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد وإدخال ذلك في كتب الحديث، رغم أنَّ ذلك هو من صنيع الفقهاء والأصوليين.
وهذا وإن كان محمودًا بيد أنه غريب عن منهج المحدثين، إذ جلَّ اهتمامهم هو صحة نسبة الحديث إلى النبي - ﷺ -، سواء أكان آحادًا، أم متواترًا، ويعد الخطيب البغدادي أول من صرح بتقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد بالمفهوم الذي استقر عليه علماء المصطلح من بعده، يقول ابن الصلاح: " ومن المشهور المتواتر، الذي يذكره أهل الفقه وأصوله، وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص وإن كان الخطيب البغدادي قد ذكره، ففي كلامه ما يشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث، ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم ولا يكاد يوجد في رواياتهم" (٢).
وقال الفقيه ابن أبي الدم الشافعي ت ٦٤٢هـ: " اعلم أن الخبر المتواتر: إنما ذكره الأصوليون دون المحدثين خلا الخطيب أبا بكر البغدادي، فإنه ذكره تبعًا للمذكورين، وإنما لم يذكره المحدثون لأنه لا يكاد يوجد في روايتهم، ولا يدخل في صناعتهم " (٣).
ولا أريد أن أخوض في جزيئات الاصطلاح، لأن ذلك يطول ويحتاج إلى تسويد صفحات أمثال هذا الكتاب.
والذي يهمنا هنا أن منهج النقد عند المتأخرين نحا منحىً آخر عنه عند المتقدمين، وأصل هذا: أن المتقدمين حين جمعوا الحديث وغربلوه عرفوا صحيحه من سقيمه استنادا إلى قواعد نعرف بعضها، ونجهل الكثير منها، لكن من أبرزها موافقته لما عرفوه من
_________________
(١) انظر شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٨، والنكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٠٧ - ٦٠٨، والمنهج المقترح، العوني ص٢١٧.
(٢) مقدمة ابن الصلاح ص٢٦٥.
(٣) لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة، الزبيدي ص١٧، وانظر المنهج المقترح، العوني ص٩٢.
[ ٢٢ ]
القواعد الكلية للشريعة الإسلامية، في حين اعتمد المتأخرون على كتب المصطلح القائمة أصلا على معرفة الرواة فكان جل حكمهم ينصب على الأسانيد لا على المتون فتكون الأسانيد حاكمة على المتون، وقد مر قول ابن أبي حاتم في ترجمة أحمد بن إبراهيم الحلبي: " سألت أبي عنه، وعرضت عليه حديثه فقال: لا أعرفه، وأحاديثه باطلة موضوعة كلها ليس لها أصول، يدل حديثه على أنه كذاب" (١).
وقد كان الحديث عند المتقدمين يعتمد على قواعد ثلاث: رواية -أعني من حيث السند أو المتن -، والدراية، والفقه.
يقول علي بن المديني:" التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم" (٢).
فليس العالم الذي يتعلم نصفًا، ويدع النصف الثاني، فتنزلق قدمه، وقد تُدقُ عنُقهُ! قال عبد الله بن وهب: "لولا الله أنقذني بمالك والليث لضللت. فقيل له: كيف ذلك؟ قال: أكثرت من الحديث فحيّرني، فكنت أعرض ذلك على مالك والليث فيقولان لي: خذ هذا ودع هذا " (٣).
وقال قتادة بن دعامة السدوسي: " من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه " (٤).
وقال سفيان الثوري:" لو كان أحدنا قاضيًا لضربنا بالجريد فقيهًا لا يتعلم الحديث، ومحدثًا لا يتعلم الفقه " (٥).
وقال أيضًا: " تفسير الحديث خير من الحديث " (٦)، أي خير من سماعه، وحفظه كما ورد عن أبي أسامة: " تفسير الحديث خير من سماعه " (٧). وهذا يعني فهم فقه الحديث ومعناه.
_________________
(١) الجرح والتعديل ٢/ ٤٠ ترجمة (٥).
(٢) سير أعلام النبلاء، الذهبي ١١/ ٤٨.
(٣) ترتيب المدارك، القاضي عياض ٢/ ٤٢٧، وأصل النص عند ابن حبان في المجروحين ١/ ٤٢ بلفظ قريب.
(٤) جامع بيان العلم، ابن عبد البر ٢/ ٤٦، وانظر نظرات جديدة في علوم الحديث، المليباري ص٥٥.
(٥) نقله الكتاني في مقدمة نظم المتناثر من الحديث المتواتر ص٣.
(٦) أدب الإملاء، السمعاني ص١٣٥، وانظر نظرات جديدة، المليباري ٥٦.
(٧) مصدر سابق.
[ ٢٣ ]
ويقول الإمام أحمد: " إن العالم إذا لم يعرف الصحيح والسقيم والناسخ والمنسوخ من الحديث لا يسمى عالمًا " (١).
وروى الخطيب البغدادي بسنده إلى مغيرة الضبي، قال: " أبطأت على إبراهيم فقال يا مغيرة ما أبطأ بك؟ قال قلت: قدم علينا شيخ فكتبنا عنه أحاديث، فقال إبراهيم: لقد رأيتنا وما نأخذ الأحاديث إلا ممن يعلم حلالها من حرامها وحرامها من حلالها، وإنك لتجد الشيخ يحدث بالحديث فيحرف حلاله عن حرامه وحرامه عن حلاله وهو لا يشعر" (٢).
فالجهابذة من المتقدمين من لم يفصلوا متن الحديث عن سنده، ولا هذين عن فقهه ومعناه، فإذا جاءهم الحديث فأول ما ينظرون إلى معناه هل هو موافق للشرع أم لا؟ ثم هل هو موافق للمحفوظ أم لا؟ فلعل راويه قد أخطأ فيه، أو وهم في متنه، أو لعله خالف ما عند الناس.
فالناقد حينما ينظر إلى الحديث لتقييمه يعتبر بالسند والمتن لمعرفة هل حدّث هذا الراوي بهذا الحديث؟ وتتم المعرفة بجمع الطرق وضم بعضها إلى بعض مع الدقة في الفهم والمعرفة.
ويذكر الدكتور حمزة المليباري: " أن الجوانب الفقهية ومعرفة الصحيح والسقيم لم تكن محل عناية كافة المحدثين في المرحلة الأولى، بل إن الكثيرين منهم لا تهمّهم إلاّ عملية الرواية، وضبطها وحفظها، غير أن هؤلاء كفوا عن الخوض في نقد الأحاديث، وأمّا النقاد فيختلفون عنهم في التكوين العلمي بصورة واضحة وحفاظ الحديث الذين تمكنوا من علوم الحديث بشقيها - فقه الحديث، ومعرفة الصحيح والسقيم - هم وحدهم الذين سبروا أغوار النقد، وهم بعينهم اعتبارنا في البحث، وإنَّ تصحيح الأحاديث وتعليلها لا يتأتى لأحد دون التكوين العلمي المزدوج " (٣).
قلت: رغم صحة هذا الكلام لكن قوله: " إن الكثيرين منهم لا تهمّهم إلاّ عملية الرواية، وضبطها وحفظها "،ربما يفهم منه أنه يريد بذلك " كثيرًا " من كبار علماء
_________________
(١) معرفة علوم الحديث، الحاكم ص٦٠.
(٢) الكفابة ص ١٦٩.
(٣) نظرات جديدة ص٦١.
[ ٢٤ ]
الحديث، وما
أخاله قصد ذلك، فإن جل كبار المحدثين الجهابذة المعروفين كانوا على دراية تامة بذلك، ومما لا شك فيه أن المقياس في هذا هو كتابة العلل، فالإمام مالك لم يدون لنا كتابًا مستقلًا في العلل ولكنه إمام العلل في زمانه، ولم يصل إلينا أن سفيان بن عيينة أو الثوري أو شعبة أو ابن مهدي مثلًا لهم مصنفات مستقلة في العلل، فهل هذا يعني أنهم لم يحسنوها؟!
بل بلا منازع هؤلاء - وغيرهم - هم رجالات العلل والنقد!!
هذا فضلًا عن أن كتب الأئمة المتقدمين في السنن أو العلل حينما تقتضي منهجيتهم ذلك، كما فعل الإمام الترمذي مثلًا في " الجامع الكبير " لأنه إنما ألف هذا الكتاب من أجل النقد وبيان عمل الفقهاء (١)، أو يكون الكتاب مخصصا ً للعلل كما في كتب العلل.
وهكذا فإنّ نقد المحدّثين في المرحلة الأولى نقد علمي متكامل بجميع عناصره، لا يفصل الإسناد عن المتن، ويقوم أسهُ على المعرفة الحديثية والفقهية (٢).
وسأوضح منهجية المتقدمين من خلال المراحل الآتية:-
فلو جئتهم بحديث مسند مرفوعٍ بمتن معين فإنهم:
١ - ينظرون إلى متن الحديث هل يخالف نصًا شرعيًا أو يخالف الواقع؟. وهذه القنطرة الأولى.
ومن أمثلته: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل:" سمعت أبي يقول حدثنا عباد بن العوام عن محمد بن إسحاق بن يسار عن عمران بن أبي أنس أن رجلًا كان له كلب صائد قد أعطيه به عشرين بعيرا فخطب امرأة وخطبها معه رجل من قومها فقالت: لا أنكحك إلا على كلبك فنكحها وساق الكلب إليها فعدا عليه الآخر فقتله فترافعوا إلى عثمان بن عفان فغرمه عشرين بعيرًا، سمعت أبي يقول: هذا باطل نهى النبي - ﷺ - عن ثمن الكلب " (٣).
٢ - هل هذا المتن محفوظ عند أئمة الحديث أو لا؟
_________________
(١) انظر مقدمة جامع الترمذي، تحقيق د. بشار عواد معروف ١/ ٩.
(٢) انظر: نظرات جديدة، المليباري ص٩٧ - ٩٨.
(٣) العلل ومعرفة الرجال ١/ ٤٠٨ (٢٦٦١) وللمزيد انظر الأحاديث (٤٥٩و٦١٨ و٦٩٤و ٦٩٥ و٦٩٨ و٧٠٠ و٧٤٩ و٦٦٢).
[ ٢٥ ]
قال ابن أبي حاتم:" سألت أبي عن حديث أوس بن ضمعج عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ -؟ فقال: قد اختلفوا في متنه، رواه فطن والأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أوس بن ضمعج عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، ورواه شعبة والمسعودي عن إسماعيل بن رجاء لم يقولوا: أعلمهم بالسنة، قال أبي: كان شعبة يقول: إسماعيل بن رجاء كأنه شيطان من حسن حديثه، وكان يهاب هذا الحديث يقول: حكم من الأحكام عن رسول الله - ﷺ - لم يشاركه أحد، قال أبي شعبة أحفظ من كلهم، قال أبو محمد: ليس قد رواه السدي عن أوس بن ضمعج؟ قال: إنما رواه الحسن بن يزيد الأصم عن السدي وهو شيخ أين كان الثوري وشعبة عن هذا الحديث؟! وأخاف أن لا يكون محفوظًا " (١).
وقال: " سألت أبي عن حديث رواه ابن عيينة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن حسان بن بلال عن عمار عن النبي - ﷺ - في تخليل اللحية؟ قال أبي: لم يحدث بهذا أحد سوى ابن عيينة عن ابن أبي عروبة، قلت: صحيح؟ قال: لو كان صحيحًا لكان
في مصنفات ابن أبي عروبة، ولم يذكر ابن عيينة في هذا الحديث وهذا أيضًا مما يوهنه " (٢).
٣ - هل هذا الحديث تفرد به راويه عن بقية الرواة فزاد فيه ما لم يحفظ عند بقية الرواة فإذا كان قد زاد ولم يحفظ استنكر عليه.
فمثلًا: قال الإمام أحمد:" كنت أتهيب حديث مالك " من المسلمين " يعني حتى وجدته من حديث العمريين، قيل له: أمحفوظ هو عندك: " من المسلمين "؟، قال: نعم " (٣).
ومنه: قال ابن المديني باب: " علل حديث منزلنا غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة ". قال علي: حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: " منزلنا غدًا إن شاء الله بالخيف عند الضحى ". رواه الزهري فاختلف على الزهري في إسناده. فرواه الأوزاعي وإبراهيم بن سعد والنعمان بن راشد وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمع كلهم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. إلاّ أنَّ معمرًا أدرجه في حديث علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد:" وهل ترك لي عقيل منزلًا "، فأدرج عنه: " منزلنا غدًا ".وقد رواه
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم ١/ ٩٢ (٢٤٨).
(٢) علل ابن أبي حاتم ١/ ٢٣ (٦٠).
(٣) شرح علل الترمذي، ابن رجب ٢/ ٦٣٢.
[ ٢٦ ]
محمد بن أبي حفصة عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة، ولم يذكر فيه: " منزلنا بالخيف" (١).
٤ - ينظر هل الراوي تفرد بهذا الحديث - أصلًا -أم توبع عليه؟ فإن توبع فقد زالت الغرابة، وإلاّ يبقى في دائرة الاختبار؟
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي قلت: كان يحيى بن سعيد يحدث عن همام؟ فقال زعم عفان قال: كان يحيى يسألني عن حديث همام حيث قدم معاذ بن هشام فكان يسألني: كيف قال همام، قال أبي وذاك أنه وافق هشامًا في أحاديث، قال أبي: كان يحيى يرى أنه ليس مثل سعيد، وسمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول همام عندي في
الصدق مثل سعيد بن أبي عروبة سمعت أبي مرة ذكر هماما فقال: كان يحيى ينكر على همام أنه يزيد في الإسناد، يعني: فلما قدم معاذ وافقه على بعض تلك الأحاديث لهشام" (٢).
فالمتقدمون يعلّون الأحاديث التي ينفرد بها الراوي، إذا كانت غير معروفة عندهم، ولو كان راويها ثقة، يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: "وأما أكثر الحفاظ المتقدمون فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه أنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا، ٠ولهم في كل حديث نقد خاص وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه " (٣).
٥ - فإن كثر من الراوي تفرده، وعمت غرائبه، أصبح (منكر الحديث).
قال الحسين بن إدريس الأنصاري عن أبي داود:" قلت لأحمد: عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: ثقة، قلت يخطئ؟ قال: نعم، وكان من أحفظ أهل الكوفة إلا أنه رفع أحاديث عن عطاء.
وقال علي بن الحسين بن حبان: وجدت في كتاب أبي بخط يده سئل أبو زكريا يحيى بن معين عن حديث عطاء عن جبر عن النبي - ﷺ - في الشفعة؟ قال: هو حديث لم يحدث به أحد إلا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء وقد أنكره عليه الناس ولكن عبد الملك
_________________
(١) علل ابن المديني ص٨١ - ٨٣ (١١٧)، وانظر الأحاديث (٥٣، ١٠٥، ١٧٥).
(٢) العلل (١٢٣١).
(٣) شرح علل الترمذي، ابن رجب ٢/ ٥٨٢.
[ ٢٧ ]
ثقة صدوق لا يرد على مثله، قلت له: تكلم شعبة فيه؟ قال نعم، قال شعبة: لو جاء عبد الملك بآخر مثل هذا لرميت بحديثه، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: هذا حديث منكر " (١).
٦ - يلاحظ الراوي فلعله ركب سند حديث على متن آخر، أو العكس، ومنه:
قال ابن المديني في حديث: " لا يحرم من الرضاعة المصة والمصتان ": " رواه يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن الحجاج بن أبي الحجاج عن أبي هريرة، وهذا غلط، ورواه يحيى بن سعيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن النبي - ﷺ - ورواه هشام بن عروة
عن أبيه عن الحجاج بن أبي الحجاج أنه سأل النبي - ﷺ - ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ قال: "غرة عبد أو أمة "، وحديث ابن إسحاق عندهم خطأ، وأدخل حديثًا في حديث، والحديث عندي حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن النبي - ﷺ -:" لا تحرم المصة والمصتان " وحديث هشام بن عروة عن الحجاج بن أبي الحجاج أنه سأل النبي ﷺ ما يذهب مذمة الرضاع " (٢).
ومن ذلك أيضا: ما أخرجه النسائي ٨/ ٢٧٣ فقال: أخبرنا محمد بن أبان قال: حدثنا شبابة بن سوار قال: حدثنا شعبة، عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر عن النبي - ﷺ -: " نهى عن الدباء والمزفت " (٣).
فهذا الحديث صح من طريق عدة صحابة - ﵃ - عن النبي - ﷺ - أخرجه الشيخان وغيرهما (٤).
ولم يعرف بهذا الإسناد، وإنما المعروف به حديث " الحج عرفة " (٥)،ولا يعرف بهذا الإسناد غير هذا الحديث.
_________________
(١) تهذيب الكمال ٤/ ٥٥٦ (٤١٢٠).
(٢) علل ابن المديني ١/ ٨٢، وانظر علل ابن أبي حاتم ١/ ٧٦.
(٣) انظر تفصيله في المسند الجامع ١٢/ ٣٦٦ (٩٥٩٠).
(٤) من طريق علي وعائشة وأنس وأبي هريرة وابن عمر - ﵃ - انظر تفصليه في المسند الجامع ٢/ (٨٨٢) و٦/ (٤٤٦٠ و٤٤٦١) و٨/ (٥٩٠٧) و٩/ (٦٦٤٧ و٦٦٤٩و ٦٦٥٠) و١٠/ (٧٨٨٩)، و١٧/ (١٣٨٥٤)، و٩ / (١٥٩٤٦) و٢٠ / (١٦٨٤٥ و١٦٤٦) و٢٠ / (١٧٤٦٢).
(٥) أخرجه أحمد والأربعة، انظر المسند الجامع ١٢/ ٣٦٥ (٩٥٨٩).
[ ٢٨ ]
قال الحافظ ابن رجب: " أنكره على شبابة طائفة من الأئمة منهم الإمام أحمد، والبخاري، وأبو حاتم، وابن عدي؛ قال أحمد: إنما روى شعبة بهذا الإسناد حديث الحج؛ يشير إلى أنه لا يعرف بهذا الإسناد غير حديث الحج " (١).وقال أبو حاتم: " هذا حديث منكر، لم يروه غير شبابة، ولا يعرف له أصل " (٢).
٧ - فإذا كان الراوي ضعيفًا ولم يتابع فإن مجرد تفرده بالمتن نوع ضعف، وإن خالف فهو حديث منكر وإن توبع بمن هو مثله فلا يسلم، أما إن كان بأحسن منه فربما اعتضد، ويعتمد ذلك على حسب القرائن.
٨ - قد ينتقي الناقد البارع من حديث الضعيف أصح رواياته، وهذا لا يُقبل إلاّ عند أئمة الشأن كـ (البخاري ومسلم) (٣) ومن هو قرين لهما في النقد والفهم، لأنه أعلم بحديثه وبمظانه في السنن.
٩ - إن لكل حديث من الأحاديث قرينة خاصة به كما نص على ذلك الأئمة المحققون، فعند ترجيح حديث على حديث أو قبول رواية راوٍ في موضع وردها من الراوي نفسه في موضع آخر هناك قرائن ومعطيات على أساسها يتم ترجيح الرواية وقبولها في هذا دون ذلك.
١٠ - إن الأئمة المتقدمين يوردون أحيانًا الحديث المعلول ليبينوا علته، فينبهوا عليه، وقد صرح بعضهم بذلك كأن يورد الصحيح أولًا ثم يورد المعلول رديفه كما في صنيع الإمام مسلم -كما سيأتي -؛ وبعضهم يضع الحديث المعلول أولا ثم يورد الصحيح بعده.
يقول الحافظ ابن رجب في هذا:"وقد اعترض على الترمذي - ﵀ - بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبًا، وليس ذلك بعيب فإنه - ﵀ - يبين ما فيها من العلل، ثم يبين الصحيح في الإسناد.
وكان مقصده - ﵀ - ذكر العلل، ولهذا تجد النسائي إذا استوعب طرق
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٤٨.
(٢) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٢٧ (١٥٥٧).
(٣) وقد انتقى الإمام البخاري مثل ذلك في (٢٨٠٦) و(٥٦٤٢) و(٦٢٢٩)، والإمام مسلم (١٨٨) و(٢١١) (٥١٠) و(١٠٨٠) و(١٢٨٣) و(١٤٢٩)، وانظر ص ٢٢٢ من هذا الكتاب.
[ ٢٩ ]
الحديث بدأ بما هو غلط بعد ذلك الصواب المخالف له، وأما أبو داود - ﵀ - فكانت عنايته بالمتون أكثر، ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها، والزيادات المذكورة في بعضها دون بعض، فكانت عنايته بفقه الحديث أكثر من عنايته بالأسانيد، فلهذا يبدأ بالصحيح من الأسانيد، وربما لم يذكر الإسناد المعلل بالكلية " (١).
والذي أريد قوله: إنّ إطلاق العبارات النقدية أمر نسبي، يطلقها المجرّح نتيجة لقرائن بدت له، ومن مجموعها أصدر هذا الحكم، وهذه الألفاظ وصفية، أي ليست مرتبة حديثية مستقلة، أطلقها النقاد على تفردات الرواة بما لم يحفظ عندهم، ولما كان الوهم والخطأ من فطرة البشر، فهو أيضًا يشمل رواة الأحاديث، بل من النادر أنك تجد
راويًا سلم من الوهم، حتى جهابذة العلل، يقول عبد الرحمن بن أبي حاتم: " سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه شعبة عن منصور عن الفيض بن أبي حثمة عن أبي ذر أنه كان إذا خرج من الخلاء قال: " الحمد لله الذي عافاني واذهب عني الأذى "؟ فقال أبو زرعة: وهم شعبة في هذا الحديث ورواه الثوري فقال: عن منصور عن أبي علي عبيد بن علي عن أبي ذر وهذا الصحيح وكان أكثر وهم شعبة في أسماء الرجال، وقال أبي: كذا قال سفيان، وكذا قال شعبة، والله أعلم أيهما الصحيح، والثوري أحفظ وشعبة ربما أخطأ في أسماء الرجال ولا يدري هذا منه أم لا؟ " (٢).
فهذا أمير المؤمنين في الحديث قد يهم! فما بالك بغيره؟ وهذا الوهم نسبي لا يقاس أمام حفظ وإتقان وضبط شعبة بن الحجاج (أمير المؤمنين في الحديث)، وحسبه شرفا أن تحسب الأحاديث التي أخطأ بها، وهي قد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة!
فالراوي كلما وافقت روايته رواية الثقات، ولم تكد تخالف كان إلى الضبط أقرب، وكلما جاءك بالغرائب، والمنفردات كان إلى الوهم أقرب، وأطلق عليه: " يروي الغرائب، له غرائب، "، وهذه الغرائب مذمومة عند السلف، قال إبراهيم النخعي:" كانوا يكرهون الغريب من الحديث" (٣)،وقال الإمام مالك بن أنس:"شر العلم الغريب، وخير
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٢٦.
(٢) علل ابن أبي حاتم ١/ ٢٧ (٤٥).
(٣) الكفاية، الخطيب البغدادي ص ١٧١.
[ ٣٠ ]
العلم الظاهر الذي قد رواه الناس " (١)، وقال عبد الرزاق:" كنا نرى أن غريب الحديث خير فإذا هو شر " (٢).
ثانيًا: عند المتأخرين:
وأمّا منهج أئمة الحديث من المتأخرين في النقد فإنه نحا منحىً آخر بدأ بابي عبد الله الحاكم إذ فرّق بين السند والمتن، فكان نقطة تحول في علم الحديث ويتضح منهجه في ذلك في حكمه على أحاديث كثيرة أنها صحيحة الإسناد، وكان لا بد أن يخرجها صاحبا الصحيحين، البخاري ومسلم، فقال مرات لا تحصى: " صحيح على شرطيهما ولم
يخرجاه "، " صحيح الإسناد على شرطيهما ولم يخرجاه "، " إسناده صحيح على شرط البخاري ولم يخرجه "، " صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجه "، وهكذا.
فجعل صحة الإسناد شرطًا لقبول الحديث، متغاضيًا عن صحة المتن فأدخل متون منكرة، ومعلولة، ظاهر إسانيدها صحيحة (٣). وهكذا بدأ علم الحديث يأخذ منحىً جديدًا يختلف عمّا كان عليه قبل الحاكم النيسابوري.
يقول الإمام الذهبي ً في معرض الكلام عن عنعنة المدلس:"وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث، فإن أولئك الأئمة كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود، عاينوا الأصول، وعرفوا عللها، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد، وفقدت العبارات المتيقنة، وبمثل هذاونحوه دخل الدّخل على الحاكم في تصرفه في المستدرك " (٤).
ولما شرع المتأخرون بكتابة مصطلح الحديث -وهذا أمر طبيعي، إذ هو تلبية لحاجة طلبة العلم لمصطلح نظري ييسر لهم ولوج علم الحديث، خاصة بعد ضعفه في تلك الأزمان كما بينه العلماء في ذلك الوقت فوضعت كتب المصطلح- أصبح النقد عندهم قائمًا على الإسناد، في الأعم الأغلب واصبح من وثقه المتقدمون صُحَحَ حديثه، ومن ضعفه المتقدمون ضُِعفَ حديثه، ومن تركه المتقدمون حكموا على حديثه بالضعف الشديد، مع عدم إدراكهم دائمًا لمسألة الانتقاء.
_________________
(١) شرح علل الترمذي، ابن رجب ٢/ ٦٢٢.
(٢) فتح المغيث، السخاوي ٢/ ٣١٠.
(٣) انظر بحث " منهج الذهبي في تلخيص مستدرك الحاكم "، لزميلنا الشيخ عزيز رشيد.
(٤) الموقظة ص٤٦.
[ ٣١ ]
إن هذا العمل جعلهم في بعض الأحيان يتبعون قواعد صماء لا ينظرون فيها إلى معاني الحديث أو فقهه، أو مخالفته، أو موافقته للقواعد العملية للشريعة التي سار عليها المتقدمون، وأدخل هذا العلم في متاهات صعبة.
إن الاعتماد على الإسناد حسب، واستنادًا إلى توثيق الرجال وتضعيفهم جعلهم يلزمون المتقدمين بأشياء لم تكن تلزمهم، كما فعل الإمام الدارقطني في الإلزامات والتتبع، وكما فعل أبي عبد الله الحاكم في المستدرك مع كثرة أخطائه (١)، ولكنه بلا شك جاء بكثير من الأسانيد التي استخدمها الشيخان في كتابيهما ولكنهما لم يرويا هذه الأحاديث التي ساقها أو غيرها لأسباب لا نعرفها عمومًا، ومن َثمّ أخذت فكرة الأسانيد التي على شرط
البخاري، أو شرط مسلم تظهر منذ ذلك الوقت المبكر عند المتأخرين مما خلق إرباكًا كبيرًا ومساءلات لا حد لها في الأحاديث التي أوردها المتأخرون بموجب هذه القواعد النقدية التي لم يعرفها المتقدمون، ولا عملوا بها.
يقول أستاذنا الدكتور بشار: " شاع عند المتأخرين، ومنهم الحاكم، من قول: إن هذا الحديث على شرط الشيخين، أو على شرط البخاري، أو على شرط مسلم، وكأن شروطهما كانت معروفة لكل أحد من الناس، نعم، حاول بعض المتأخرين معرفة شروط الشيخين بالاستقراء ونقل بعض النصوص، كما فعل محمد بن طاهر المقدسي ت٥٠٧ هـ، والحازمي ت٥٨٤ هـ، ولكن هذا في حقيقة أمره مجرد تخمين واستنتاجات قائمة على استقراء غير تام لصنيع الشيخين في كتابيهما، فإن أحدًا لا يمكنه الجزم بالطريقة التي تم بموجبها اختيار المؤلفين أحاديث كتابيهما، قال ابن طاهر المقدسي في مقدمة كتابه: " اعلم أن البخاري ومسلمًا ومن ذكرنا بعدهما لم ينقل عن واحد منهم أنه قال: شرطت أن أخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني، وإنما يعرف ذلك من سبر كتبهم فيعلم بذلك شرط كل رجل منهم " (٢)،وقد انتقى الشيخان من الأحاديث انتقاءً لا ندرك تمامًا الأسس التي تم بموجبها هذا الانتقاء، فلا ندري مثلًا لماذا انتقيا من موطأ مالك هذه الأحاديث، ولماذا انتقيا هذه المرويات من حديث نافع مولى ابن عمر - ﵁ -؟ ولماذا انتقيا
_________________
(١) من المعروف أن كثيرا من الرجال الذين زعم الحاكم أنهم من رجال البخاري أو مسلم هم ليسوا من رجالهما.
(٢) شروط الأئمة الستة ص ١٧.
[ ٣٢ ]
هذه المرويات من أحاديث الثقات أمثال: أيوب السختياني، وجرير بن حازم، وجعفر بن إياس اليشكري، والليث بن سعد، وعبيد الله بن عمر العمري، وغيرهم ..، فلماذا أخذا من مروياتهم ما أخذا وتركا ما تركا؟؟ فليس هناك من جواب إلا القول بالانتقاء.
وقل مثل ذلك في الرواة المتكلم فيهم الذين أخرجا لهما في صحيحيهما، إذ انتقيا من أحاديثهم أصحها، أو قل أسلمها من العيوب مما يصلح في بابه، إذ أخرجاها في غير أبواب الحلال والحرام. واستعاض بعضهم بقولهم: " رجاله رجال الصحيح "، أو" رجاله رجال البخاري"، أو " رجاله رجال مسلم ". وهذا فيه نظر من وجهين:
الأول: إن كون رواة الإسناد من رجال الشيخين أو أحدهما لا يعني أن الشيخين قد أخرجا بهذا الإسناد، أعني برواية الواحد عن الآخر
الثاني: أن الشيخين قد رويا لرجال من رجالهما ممن عرفوا بالضعف، فانتقيا قليلًا، أو كثيرًا من حديثهم الصحيح، فكيف عندئذٍ نوهم بأن حديث مثل هذا الشيخ أو الراوي صحيح في جملته ." (١).
وحاول بعض المتأخرين أن يجدوا أشياء جديدة فاتت المتقدمين - بزعمهم- كأن يوصلوا المرسل، ويرفعوا الموقوف، أو يزيدوا في لفظة ما لم تكن معروفة عند المتقدمين وهي بجميعها إما أن تكون مما تركه المتقدمون لعلة فيه، أو سرقه السراقون.
فمن أمثلة ذلك: قال رسول الله - ﷺ -:" أنا مدينة العلم وعلي بابها " (٢).
قلت: جاء هذا الحديث من طرق متعددة هي أكثر من سبعة عشر طريقًا عن ثلاثة من الصحابة: " علي، وجابر، وابن عباس " - ﵃ -.
فهذا الحديث أعلّه المتقدمون -أصلًا-، قال يحيى بن معين: " رأيت عمر بن إسماعيل بن مجالد ليس بشيء كذاب رجل سوء خبيث حدث عن أبى معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -: أنا مدينة العلم وعلي بابها "؟ وهو حديث ليس له أصل. قال عبد الله: وسألت أبى عنه فقال: ما أراه إلا صدق. أنبأنا عبد الرحمن قال: سألت أبى عن عمر بن إسماعيل بن مجالد فقال: ضعيف الحديث، أخبرنا عبد الرحمن قال:
_________________
(١) مقدمة تأريخ بغداد ١/ ١٧٣ - ١٧٦ بتصرف، وانظر تمامه هناك فإن فيه زيادة فائدة.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٧٣٢)، وفي العلل الكبير (٦٩٩)، والحاكم ٣/ ١٣٧ و١٣٨، والطبراني في الكبير ١١/ ٦٥ (١١٠٦١).
[ ٣٣ ]
سئل أبو زرعة عن عمر بن إسماعيل بن مجالد فقال: أملى علينا عن أبى معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -:أنا مدينة العلم وعلى بابها "، فأتيت يحيى بن معين فذكرت ذلك له فقال: قل يا عدو الله متى كتبت أنت هذا عن أبي معاوية؟ إنما كتبت أنت عن أبي معاوية ببغداد ولم يحدث أبو معاوية هذا الحديث ببغداد؟! " (١).
وأعله أيضا الإمام أحمد، وقال: " ما سمعناه! "، وعده كذبًا! (٢).
وأنكره الإمام البخاري (٣)، والترمذي (٤)،وكذا جهبذ العلل من المتأخرين الإمام الدارقطني (٥)، وقال جمهور المحققين من المتأخريين: "موضوع "،كابن عدي (٦)، والعقيلي (٧)، وابن الجوزي (٨)، والذهبي (٩) وغيرهم، وإنما أعلّوه باعتبار أصل المتن، وأنّه لم يصح به.
قال ابن حبان: " كل من حدّث بهذا المتن إنما سرقه من أبي الصلت وإن قلب إسناده " (١٠). وعدَّ الدارقطني جماعة ممّن سرقه، حتى بلغوا عشرة (١١).
فالحديث بهذا المتن لا يصح، ولو جاء من طريق صحيح لأنه لم يحفظ، وكل الطرق موضوعة له.
ثم جاء الحاكم ليصححه؟! ويقول:" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" (١٢)؟
_________________
(١) الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم ٦/ ٩٩ (٥١٤).
(٢) العلل ومعرفة الرجال ٢/ ١٠٧ (٦٤٥).
(٣) علل الترمذي الكبير ص ٣٧٥ (٦٩٩)
(٤) الجامع (٣٧٣٢)، والعلل ص ٣٧٥ (٦٩٩).
(٥) العلل ٣/ ٢٤٧ (٣٨٦)، وانظر لسان الميزان، ابن حجر ١/ ١٧٩ (٥٧٤).
(٦) الكامل ٢/ ٤١٢ (٨٤٠)، و٥/ ٦٧ (١٢٤٤).
(٧) الضعفاء ٣/ ١٤٩ (١١٣٤).
(٨) الموضوعات ١/ ٣٤٨ فما بعد.
(٩) تذكرة الحفاظ ١/ ١٢٣١ (١٠٤٧)، وميزان الاعتدال ١/ ٢٤٩ (٤٢٨)، وفي ٢/ ١٤٥ (١٥٢٧) وغيرها.
(١٠) المجروحين ٢/ ١٥٢.
(١١) ذكره الدكتور الدميني، في كتابه مقاييس نقد متون السنة ص ١٦٧، ولم أقف عليه.
(١٢) المستدرك ٣/ ١٣٨.
[ ٣٤ ]
وتبعه الحافظ ابن حجر العسقلاني فقال: " حسن بمجموع طرقه " (١)، وقال في لسان الميزان: "وهذا الحديث له طرق كثيرة في مستدرك الحاكم أقل أحوالها أن يكون للحديث أصل فلا ينبغي أن يطلق القول عليه بالوضع " (٢).
وإنما قال ذلك لأنه: " اعتبر كثرة الطرق دليلًا على حسنه، وإن لم تسلم واحدة منها من الطعن " (٣).
فالفرق بين منهجية النقد عند المتأخرين تختلف كثيرًا عنها عند المتقدمين وأكثر ما يوضح هذا الفارق هو مبحث (زيادة الثقة)، إذ كم من أحاديث مرفوعة ردّها
المتقدمون لكون المحفوظ (موقوفًا) أو (مرسلًا)، أو غيرها من العلل رغم أنَّ الزائد ثقة، ثم يأتي بعدهم المتأخرون ليصححوا مثل ذلك اعتمادًا على صحة السند وأن الزائد قد حفظ والحافظ حجة على من لم يحفظ؟
فعكسوا ميزان النقد، وتحول فيما بعد معيار صحة الحديث وعدمه هو اتصال السند، بنقل العدول الضابطين، أمّا (من غير شذوذ) فكان نصيبه خمطًا، إذ الشاذ قد يكون اسمًا بلا مسمى!؟، فالبعض زعم أنّ الأئمة قد سووا بين الشاذ والفرد المطلق؟، فيلزم أن يكون في الشاذ الصحيح وغير الصحيح، وبعضهم خصصه فأطلقه على تفرد الثقة وهذا يلزم أن يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ (٤)؟! وهذا يعني أنّ قول الناقد: "شاذ " قد يريد به الحديث الصحيح الفرد الذي لا يتابع!،وهو قول مردود كما بينه الحافظ ابن حجر، كما سيأتي.
ثم جاءت بعض النصوص التي فصلت الإسناد عن المتن، فقد يصح الحديث سندًا ولا يصح متنًا ثم تطلق عبارة التصحيح هكذا (إسناده صحيح، ورجاله ثقات)، فتعكّز عليها بعض المتأخرين، وخاصة من المعاصرين ليصححوا مئات، بل آلاف الأحاديث المعلولة تحت هذا الغطاء:" إسناده صحيح ".
بل كم تعكزّ بعض المعاصرين على عبارات الأئمة من المتأخرين الذين فصلوا
_________________
(١) نقلًا عن الأسرار المرفوعة- الموضوعات الكبرى -، القاري ص١١٨، وكشف الخفاء، العجلوني ١/ ٢٣٥.
(٢) لسان الميزان ٢/ ١٢٢ (٥١٣).
(٣) الدميني، نقد متون السنة ص١٦٧.
(٤) انظر النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٥٢، وانظر ص ٨٦ من هذا الكتاب.
[ ٣٥ ]
تصحيح السند عن المتن: كقول ابن الصلاح: " قد يقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولا يصح لكونه شاذًا أو معللًا " (١).
وكقول الإمام النووي: " قد يصح أو يحسن الإسناد دون المتن لشذوذ أو علة " (٢). فهذه وأمثالها من أقوال الأئمة من المتأخرين استغلت في إطلاق صحة الإسناد على صحة المتن عند بعض المعاصرين.
فأقوال هؤلاء الأئمة لا تعني أن الحديث صحيح، وإنما مقصدهم منها بيان أحوال الرواة بأنهم ثقات أو فيهم صدوق، ويبقى الحديث في خانة الإختبار حتى يجزم بعدم شذوذه وخطئه، ومع هذا فإنّ ظاهر هذه النصوص ساعد على انتشار منهجية فصل الإسناد عن
المتن في الحكم على الحديث الواحد لدى المتأخرين ولا سيما لدى المعاصرين، حيث كان تصحيحهم وتحسينهم وتضعيفهم مبنيًا على ظواهر الإسناد وأحوال رواته بغض النظر عن متنه، وترسّخ ذلك في عملهم بل تجاوز الأمر حتى إنهم حاكموا المتقدمين على قواعد المتأخرين، فإذا ما أعل النقاد المتقدمون حديثًا تفرد به ثقة أو صدوق بحجة تفرده به، أو إذا أعلوا ما زاده على الآخرين بحجة عدم وجود المتابعة له، يرفضونه بمنتهى البساطة لخروجه من حدود منهجهم الذي يؤسس على ظواهر الإسناد وأحوال الرواة، وأحيانًا يعللون ذلك بقولهم:" كما هو مقرر في كتب المصطلح"!
وهذا ما دفع بعض الطاعنين إلى انتقاد كتب الحديث كونها لا تهتم بالمتون، وإنما جلّ اهتمامهم وعنايتهم تنصب في معالجة الأسانيد (٣).
وفي هذا يقول الدكتور المليباري:" إن كثيرا من المشتغلين بالأحاديث يتسابقون إلى تخريجها أو تحقيق مصادرها ويقومون بتصحيحها أو تعليلها بصورة توهم أن علم الحديث أمور رياضية تقوم على حسابات خاصة، واعتبارات محددة تقاس عليها جميع الأحاديث فيقولون: هذا صحيح لأن رجاله ثقات، وهذا حسن لذاته لكون راويه صدوقًا، وهذا ضعيف لضعف راويه، وفي حالة وجود متابعة أو شاهد يقولون تقوى هذا
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص٢٣.
(٢) تقريب النووي مع التدريب ١/ ١٢٩، وانظر فتح المغيث، السخاوي ١/ ٦٢ ونظرات جديدة، المليباري ص٦٣.
(٣) انظر نظرات جديدة في مصطلح الحديث، الميليباري ص٦٤.
[ ٣٦ ]
الحديث فأصبح صحيحا لغيره أو حسنا لغيره، وهكذا تحول التصحيح والتحسين والتضعيف أمرا سهلا، يتأهل الجميع لتناوله بمجرد التعرف على هذه الطريقة، وحفظ القواعد من كتب مصطلح الحديث! بل إنهم لا يبالون بما قد يصادفهم أثناء بحوثهم من تعليل النقاد أو تصحيحهم فيرفضونه بمنتهى البساطة لخروجه من التقديرات التي تقيدوا بها، فعلى سبيل المثال يعل النقاد حديثا من مرويات ثقة بحجة تفرده به، أو زيادته أو مخالفته لغيره فيأتي بعض المعاصرين ويقول: كلا إنه صحيح؟!! ورواته ثقات، ولا يضر التفرد هنا أو لا تضر الزيادة لان صاحبها ثقة، وإذا صحح النقاد حديثا من مرويات راوٍ ضعيف أو حديثًا من
مرويات المدلس الذي عنعن فيه، فيقول المعاصر: كلا إنّ الحديث ضعيف، لأن فبي سنده راويًا ضعيفًا، أو عنعنة المدلس كما هو مقرر في كتب المصطلح " (١).
هذا المنهج في الحكم على المرويات هو الذي شاع عند المتأخرين، وهو الذي استقرّ عليه المعاصرون؟! فكم من حديث أعله المتقدمون ثم يأتي الشيخ العلامة أحمد شاكر ليصححه ويخطأ الأئمة المتقدمين (٢)، أو يأتيك الشيخ الألباني ليوّهمهم، ويستدرك عليهم طريقًا شاهدًا - هو في الغالب مما سجره المتقدمون - يصحح به عرج الرواة؟ ثم يقول لك بعدها: " كما هو مقرر عند أهل العلم "، أو " كما هو مقرر في كتب المصطلح "!، ومن أمثلة ذلك:
صحح الشيخ الألباني: في سلسلته الصحيحة ١/ ١٠٣ (٥٦٥): حديث أبي معاوية عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:" أحصوا هلال شعبان لرمضان ولا تخلطوا برمضان إلا أن يوافق ذلك صياما كان يصومه أحدكم وصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فإنها ليست تغمي عليكم العدة".
قلت: أخرجه الترمذي (٦٨٧)، وقال: "حديث أبي هريرة لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث أبي معاوية، والصحيح ما روي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال:" لا تقدموا شهر رمضان بيوم ولا يومين "، وهكذا روي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - نحو حديث محمد بن عمرو الليثي.
_________________
(١) نظرات جديدة في علوم الحديث ص ٤٧.
(٢) انظر مثلًا ص٣٢١و٣٢٦و٣٧٠ من هذا الكتاب.
[ ٣٧ ]
وأخرجه الدارقطني ١/ ١٦٢واللفظ له، والحاكم ١/ ٥٧٨ وقال:"صحيح على شرط مسلم "، والبيهقي ٤/ ٢٠٦.
قلت: ثم أورد الألباني متابعا لأبي معاوية من طريق يحيى بن راشد المازني، قال الألباني: " ضعيف يصلح للاعتبار والاستشهاد فثبت أن الحديث حسن ".
قلت - الباحث-: أورد هذه المتابعة أبو حاتم في العلل ١/ ٢٤٥ (٧١٨) وقال: "ليس هذا بمحفوظ ".ورد الألباني تعليل أبي حاتم بقوله:"فكأنه لم يقع له من طريق أبي معاوية، كما لم تقع للترمذي هذه الطريق، وبالجمع بينهما ينجو الحديث من الشذوذ والمخالفة "!!.
قلت: إنما أعله الإمامان أبو حاتم والترمذي كونه غير محفوظ عندهما بهذا الإسناد، لا لكون رجال الإسناد ضعفاء، فالحديث هذا غير محفوظ ولو جاء باسناد كله ثقات.
أما عند المتأخرين: فقد صححه أبو عبد الله الحاكم، وقال الألباني: "إنما هو حسن فقط .. " (١).
ونظرا لشيوع هذا المنهج عند الكثير من المحققين المعاصرين فقد اتهموا النقاد المتقدمين بالتعصب للمذهب، ومن ذلك ما قاله محقق علل الترمذي الكبير اعتراضًا على تصحيح الإمام البخاري، والترمذي وغيرهما لحديث" لا نكاح إلا بولي " (٢): "أخطأ الترمذي في تصحيح الحديث وقد حاول كثيرون تصحيح هذا الحديث ووصله وسلكوا في ذلك كله مسلك لحاجة في أنفسهم أساسها التعصب المذهبي، والعياذ بالله " (٣)، وقال أيضًا:"ما صحح هذا الحديث أحد إلا لهوى في نفسه والعياذ بالله " (٤). فتأمل!!
وإن تعجب، فعجب قول أحدهم:" لو درس أبو حاتم أو غيره من الأئمة حتى البخاري دراسة وافية لما تجاوزوا - في نظري - النتائج التي توصلت إليها لأني
_________________
(١) انظر مثلًا سلسلته الصحيحة برقم: (٥٣٥و ٥٣٧ و٥٤٥ و٥٤٨ و٥٦٥و٥٨٩و٥٩٩و٦١٠و٧٢٤و٧٢٧و٧٣٣ و٧٥٠و٨٣٣و٨٩٩).
(٢) أنظر تفصيل الحديث ص ١٨١.
(٣) علل الترمذي، تحقيق الشيخ صبحي السامرائي وجماعة معه ص ١٥٦.
(٤) علل الترمذي ص ١٥٧.
[ ٣٨ ]
بحمد الله طبقت قواعد المحدثين بكل دقة، ولم آل في ذلك جهدا " (١)!؟
ونتج عن هذا مناهج عجيبة غريبة في تصحيح الأحاديث، أو تضعيفها عند بعض المتأخرين وكثير من المعاصرين، فمن يتتبع - مثلًا- الشيخ الألباني في كيفية تصحيحه للأحاديث وتضعيفها يقف مذهولًا! فمنهجه منهج غريب فريد، لم يسبق إليه، وسأمثل بحديث واحد صححه في سلسلته الصحيحة ليتبين خطورة غياب منهج الأئمة المتقدمين في تصحيح الأحاديث وإعلالها:
فقال في حديث (٥٥١): " أفضل الساعات جوف الليل الآخر ":
أخرجه أحمد ٤/ ٣٨٥ (٢) عن محمد بن ذكوان عن شهر بن حوشب عن عمرو بن عبسة قال: "أتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله من تبعك على هذا الأمر؟ قال: حر وعبد، قلت: ما الإسلام؟ قال: طيب الكلام وإطعام الطعام، قلت: ما الإيمان؟ قال: الصبر والسماحة، قال: قلت: أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده،
قال: قلت: أي الإيمان أفضل؟ قال: خلق حسن، قال: قلت: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت، قال: قلت: أي الهجرة أفضل؟ قال: أن تهجر ما كره ربك ﷿، قال: قلت: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده واهريق دمه، قال: قلت: أي الساعات أفضل؟ قال: جوف الليل الآخر " (٣).
قلت - والقائل الألباني -: وهذا إسناد ضعيف: محمد بن ذكوان وهو الطاحي، وشهر ضعيفان، لكن الحديث ثبت غالبه من طرقٍ أخرى:
أولًا: الفقرة الأخيرة منه: أخرجها أحمد ٤/ ١٨٧ (٤) من طريق أبي بكر بن عبد الله عن حبيب بن عبيد عن عمرو بن عبسة عن النبي - ﷺ - نحوه، ورجاله ثقات غير أبي بكر وهو ابن أبي مريم فإنه سيئ الحفظ.
وأخرج هو (٥) ٥/ ١١١ - ١١٣ - ١١٤،وابن ماجه (١٣٦٤) من طريق يزيد بن طلق
_________________
(١) ذكره د. حمزة المليباري نظرات جديدة في علوم الحديث ص ٤٨.
(٢) جاء في المطبوع من السلسلة ٥/ ٣٨٥ وهو خطأ.
(٣) انظر تفصيل الحديث في المسند الجامع ١٤/ ١٧٠ (١٠٧٨٣).
(٤) جاء في المطبوع من السلسلة ٥/ ١٨٧ وهو خطأ، وانظر تفصيل الحديث في المسند الجامع ١٤/ ١٧٢ (١٠٧٨٥).
(٥) أي الإمام أحمد.
[ ٣٩ ]
عن عبد الرحمن البيلماني عن عمرو بن عبسة قال: " أتيت رسول الله - ﷺ - قلت: يا رسول الله
من أسلم؟ قال: حر وعبد قال: فقلت: وهل من ساعة أقرب إلى الله تعالى من أخرى؟ قال: جوف الليل الآخر" (١)،وقال ابن ماجه:" الليل الأوسط " وهو شاذ.
قلت: وابن البيلماني: ضعيف، وابن طلق: مجهول، لكن لهذه الفقرة طريق أخرى صحيحة عن عمرو بن عبسة تجد الكلام عليها في صحيح أبي داود (١١٩٨).
ثانيًا: فقرة " أي الجهاد أفضل " فقد أخرج أحمد ٤/ ١١٤ من طريق أبي قلابة عن عمرو بن عبسة قال: قال رجل: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: أن يسلم قلبك لله ﷿ وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك. قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان قال: وما الإيمان؟ قال: تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: الهجرة، قال: فما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء، قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد، قال: وما الجهاد؟ قال: أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم، قال: فأي الجهاد
أفضل؟ قال: من عقر جواده واهريق دمه، قال رسول الله - ﷺ -:ثم عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما حجة مبرورة أو عمرة " (٢).
قلت: ورجال إسناده ثقات رجال الشيخين فهو صحيح إن كان أبو قلابة واسمه عبد الله بن زيد - سمعه من عمرو فإنه مدلس، وعلى كل حال فهذه الفقرة ثابتة بمجموع الطريقين، والله أعلم.
ثالثًا: فقرة " أي الهجرة أفضل ":قد جاءت في الطريق آنف الذكر فهي حسنة أيضًا.
رابعًا: فقرة أي الصلاة أفضل: هذه صحيحة لأن لها شواهد منها عند مسلم وغيره من حديث جابر:" أفضل الصلاة طول القنوت ".
خامسًا: فقرة " الصبر والسماحة ": لها شاهد من حديث جابر وله عنه طريقان:
الأولى: عن الحسن عنه أنه قال: " قيل يا رسول الله أي الإيمان أفضل؟ قال: الصبر والسماحة " أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (ق ١٨٤/ ٢)، ورجاله ثقات رجال الشيخين إلا أن الحسن وهو البصري مدلس، ولم يصرح بالسماع.
_________________
(١) انظر تفصيل الحديث في المسند الجامع ١٤/ ١٦٧ (١٠٧٨١).
(٢) انظر تفصيل الحديث في المسند الجامع ١٤/ ١٦٢ (١٠٧٧٨).
[ ٤٠ ]
الثانية: عن يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر، أخرجه ابن أبي الدنيا في الصبر (٤٣/ ٢)،وابن عدي في الكامل من طريق أبي يعلى.
قلت: ويوسف هذا ضعيف لكن الحديث قوي بمجموع طرقه الثلاث.
سادسًا: فقرة (حر وعبد): أخرجها مسلم في صحيحه ٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩ من طريق أخرى عن عمرو بن عبسة (١).أهـ كلام الألباني.
قلت - الباحث -: هذا المنهج لم يسبق إليه الشيخ البتة، وهو منهج غريب جدًا، إذ قسم حديثًا واحدًا إلى فقرات، ثم أتى بشواهد من عدة أحاديث مختلفة أغلبها ضعيفة - كما قال هو - لكل فقرة من الفقرات، فصحح الجميع!!. ولو أخذ المتقدمون بهذه الطريقة لما أعلوا حديثًا، بل تصبح كتب العلل عديمة النفع، وأنا أسأل مَن من المتقدمين صحح على هذه الطريقة؟!. ومن هنا أصبحت عملية تصحيح الحديث وتضعيفه عملية سهلة، فما عليك إلا أن تضع بين يديك تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلاني ثم تفتش عن حال رجال السند فإن كان رجاله كلهم ثقات فهو صحيح، وإن كان فيه صدوق أو أكثر فهو حسن، وإن كان فيه ضعيف فهو ضعيف، وهلم جرًا ..، فأصبح تصحيح الحديث وتضعيفه أمرا ميسورًا يقدر عليه كل واحد، فظهرت مئات الأسماء كمحققين ومخرّجين، ومصححين ومضعفين لحديث رسول الله - ﷺ - وهم ممن لا يميزون بين كوعهم وبوعهم -كما يقال -! ولا يعرفون أبجديات هذا العلم الشريف، ثمّ يخطئون أئمة النقد وجهابذة العلل.
ومن ثم يقول الشيخ عبد الرحمن المعلمي - وهو من أبرز المعاصرين الذين فهموا منهجية المتقدمين في النقد -:" إذا استنكر الأئمة المحققون المتن وكان ظاهر السند الصحة
فإنهم يتطلبون له علة، فإذالم يجدوا له علة قادحة مطلقًا حيث وقعت أعلّوه بعلة ليست بقادحة مطلقًا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذلك المنكر، فمن ذلك إعلاله بأن راويه لم يصرح بالسماع هذا، مع أن الراوي غير مدلس ". - ثم أردف -: " ومن ذلك الإعلال بالحمل على الخطأ وإن لم يتبين وجهه .ومن ذلك إعلالهم بظن أن الحديث أُدخل على الشيخ، كما ترى في لسان الميزان في ترجمة الفضل بن الحباب، وغيرها، وحجتهم في هذا أن عدم القدح بتلك العلة مطلقا إنما بني على أنّ دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا
_________________
(١) انظر تفصيل الحديث في المسند الجامع ١٤/ ١٦٤ (١٠٧٨٠).
[ ٤١ ]
اتفق أن يكون المتن منكرًا يغلب على ظن الناقد بطلانه فقد يحقق وجود الخلل، وإذا لم يوجد سبب له إلا تلك العلة فالظاهر أنها هي السبب، وإن هذا من ذلك النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها، وبهذا يتبين أن ما وقع ممن دونهم من التعقب بأن تلك العلة غير قادحة، وأنهم قد صححوا ما لا يحصى من الأحاديث مع وجودها فيها إنما هو غفلة عما تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يثبت المتعقب أن الخبر غير منكر ".
ثم ختم ذلك بنتيجة هي أنّ: "القواعد المقررة في مصطلح الحديث منها ما يذكر فيه خلاف، ولا يحقق الحق فيه تحقيقا واضحًا، وكثيرًا ما يختلف الترجيح باختلاف العوارض التي تختلف في الجزئيات كثيرا، وإدراك الحق في ذلك يحتاج إلى ممارسة طويلة لكتب الحديث والرجال والعلل مع حسن الفهم وصلاح النية " (١).
ثالثًا: التفرد:
يعد التفرد من أهم الموضوعات التي أولاها النقاد اهتمامهم، إذ هو من أهم الوسائل لكشف الأوهام والأخطاء التي قد يقع فيها الرواة.
والتفرد: هو ما يقول فيه المحدثون النقاد:" حديث غريب "، أو " تفرد به فلان "، أو " هذا حديث لا يعرف إلاّ من هذا الوجه" أو"لا نعلمه يروى عن فلان إلاّ من حديث فلان" (٢).
قال الحافظ ابن منده: " الغريب من الحديث كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يجمع حديثهم إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمى غريبًا فإذا روى عنهم رجلان أو ثلاثة واشتركوا في حديث سمي عزيزًا فإذا روى الجماعة عنهم حديثًا سمى مشهورًا " (٣).
وإطلاق الغريب على ما تفرد به الراوي ولم يشاركه فيه غيره مذهب جمهور المحدثين ومنهم من غاير بينهما ورجح الحافظ ابن حجر ترادفهما لغة واصطلاحًا (٤).
والفرد قسمان: فرد مطلق: وهو ما كانت الغرابة في أصل السند أي: في الموضع
_________________
(١) مقدمة تحقيق الفوائد المجموعة للإمام الشوكاني ص٨ - ٩.
(٢) الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين ص١٤.
(٣) مقدمة ابن الصلاح ٢٧٠.
(٤) انظر نزهة النظر ص٢٨.
[ ٤٢ ]
الذي يدور الإسناد عليه ويرجع ولو تعددت الطرق إليه وهو طرفه الذي فيه الصحابي" (١).
والفرد النسبي: سمي نسبيًا لكون التفرد منه حصل بالنسبة إلى شخص معين وإن كان الحديث في نفسه مشهورًا (٢).
والتفرد النسبي: كما قسمه علماء المصطلح: إما أنْ يكون تفرد شخص عن شخص، أو تفرد شخص عن أهل بلد، أو تفرد أهل بلد عن شخص، أو تفرد أهل بلد عن أهل بلد، وقد مثل العلماء لكل واحدة فيها (٣).
وتعرف الأفراد بجمع الطرق وضم النظير إلى نظيره والشبه إلى شبهه، وحينئذٍ تعرف الأفراد.
وهذا ما يسميه علماء المصطلح بالاعتبار وهو: " أنْ يأتي إلى حديث بعض الرواة فيعتبره بروايات غيره من الرواة ويسبر طرق الحديث ليعرف هل شاركه في ذلك الحديث
راوٍ غيره فرواه عن شيخه أو لا؟ فإن لم يكن فينظر هل تابع أحد شيخ شيخه فرواه عمن روى عنه؟ وهكذا إلى آخر الإسناد وذلك المتابعة. فإن لم يكن فينظر هل أتى بمعناه حديث آخر وهو الشاهد فإن لم يكن فالحديث فرد فليس الاعتبار قسيمًا للمتابع والشاهد بل هو: هيئة التوصل إليهما " (٤).
وعقب الحافظ ابن حجر على قول الحافظ ابن الصلاح: " معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد " (٥) بقوله:" قد يوهم أنَّ الاعتبار قسيم لهما وليس كذلك، بل هو هيئة التوصل إليهما " (٦).
والذي استقر عليه المتأخرون في مفهوم التفرد وشاع عندهم أنَّ التفرد يقبل إذا كان من ثقة، ويرد إذا كان من ضعيف، وما كان بينهما يتحسن وقد وضحه ابن الصلاح بقوله:" إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه فإن كان ما انفرد به مخالفًا لما رواه من هو أولى
_________________
(١) نزهة النظر ص٢٨ بتصرف يسير.
(٢) نزهة النظر ص ٢٨.
(٣) انظر النكت على ابن الصلاح ٢/ ٧٠٣ و٧٠٧ وعلل الحديث، محمد محمود سليمان ص٣٤٦.
(٤) تدريب الراوي ١/ ٢٠٢ وانظر نزهة النظر، ابن حجر ص ٥٣ - ٥٤.
(٥) مقدمة ابن الصلاح ص٧٤.
(٦) نزهة النظر ص٥٤.
[ ٤٣ ]
منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذًا مردودًا، وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره فينظر في هذا الراوي المنفرد فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه كما فيما سبق من الأمثلة، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارمًا له مزحزحًا له عن حيز الصحيح، ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر " (١).
ومن يتتبع صنيع الأئمة المتقدمين في تعليلهم لأحاديث الثقات يرى أنهم يصرحون بذلك فيقولون لك مثلًا: انفرد به مالك ولم يتابع؟ أو أخطأ فيه شعبة إذ رواه موصولًا والجماعة رووه ولم يتابع على وصله، من يتتبع كل ذلك يجد أنَّ الإمام ابن الصلاح ومن نحا نحوه في مفهوم التفرد قد ضيقوا واسعًا، وتحدث عن جزئية من جزئيات التفرد،
فمقاييس القبول أو الرد في الأفراد ليست أحوال الرواة كونهم ثقات أو ضعفاء، بل هناك قرائن تدلل علىكون أفراد الثقات تقبل هنا، وترد هناك، وإلا لأصبح قيد انتفاء الشذوذ والنكارة في حد الحديث الصحيح من قبيل اللغو!، والذي حدا بالحافظ ابن الصلاح أن يقول ذلك هو: أنَّ المتأخرين يتعاملون مع الأسانيد مجردة عن المتون - غالبًا - إذ فصلوا الأسانيد عن المتون، وأصبح تصحيحهم الحديث يعتمد على صحة السند، وهذا خلاف منهج الأئمة المتقدمين (٢).
يقول الحافظ ابن رجب في توضيح هذه المسألة:" وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد وإنْ لم يرو الثقات خلافه: (إنه لا يتابع عليه) ويجعلون ذلك علة فيه اللهم إلاّ أنْ يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه " (٣).
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص٧٦.
(٢) انظر الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين، المليباري ص ١٩.
(٣) شرح العلل ٢/ ٥٨٢.
[ ٤٤ ]
فالمتقدمون يعلون الأحاديث التي ينفرد بها الراوي ولو كان ثقة، إذا كان هذا الحديث ليس معروفًا عندهم.
يقول الإمام أبو داود السجستاني: " والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئًا من الحديث إلاّ أنَّ تمييزها لا يقدر عليه كل الناس والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم، ولو احتج رجل بحديث غريب وجدت من يطعن فيه ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريبًا شاذًا " (١).
وهكذا ندرك أنَّ الأئمة المتقدمين يكرهون الأفراد ولو كان من ثقة خاصة إذا كانت تلك الأفراد لا يعرفها المعرفون: قال عبد الله بن المبارك:"العلم هو الذي يجيئك من ههنا ومن ههنا - يعني المشهور -" (٢).
وروى الإمام الزهري عن علي بن الحسين القول: " ليس من العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن " (٣).
وقال الإمام مالك: "شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس " (٤).
،وقال الإمام أحمد:"لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء " (٥).
والتفرد إما أنْ يكون في الطبقات المتقدمة كطبقة الصحابة الكرام أو كبار التابعين وهذا لا يضر لقرب الراوي من مصدر الحديث، وعدم تشعب الطرق إليه من ناحية، ولعدالة وضبط الصحابة الكرام وكبار التابعين لقربهم من أنفاس النبوة من ناحية أخرى، اللهم إلاّ إذا ثبتت مخالفة فيفزع حينئذٍ إلى القرائن.
وأما إذا كان التفرد في الطبقات المتأخرة - من بعد التابعي - فإن التفرد هنا يضر وخاصة إذا لم يعرفه المعرفون، ولم يحفظه في مدونات الرواية.
_________________
(١) رسالة أبي داود إلى أهل مكة ص٢٩.
(٢) شرح العلل ٢/ ٦٢٣.
(٣) شرح العلل ٢/ ٦٢٣.
(٤) سبق.
(٥) شرح العلل ٢/ ٦٢٣.
[ ٤٥ ]
كما مر من قول أبي داود، وكما قال أبو حاتم الرازي: "فأين هو في روايات سفيان " (١)؟
وهذا التفرد الأخير قسمه علماء المصطلح إلى: تفرد مطلق: وهو كما قال الحاكم النيسابوري: " أحاديث يتفرد بروايتها رجل واحد عن إمام من الأئمة، ومثال ذلك: ما حدثناه أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد بن شيبان الرملي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن نافع عن ابن عمر: "أن النبي - ﷺ - بعث سرية إلى نجد فبلغت سهمانهم اثنى عشر بعيرًا فنفلنا النبي - ﷺ - بعيرًا بعيرًا "، قال الحاكم تفرد به سفيان بن عيينة عن الزهري وعنه أحمد بن شيبان الرملي " (٢).
وإلى تفرد نسبي: كأن يتفرد به أهل مدينة واحدة عن الصحابي، قال الحاكم: ومثال ذلك ما حدثناه أبو نصر أحمد بن سهل الفقيه ببخارى قال: حدثنا صالح بن محمد بن حبيب الحافظ قال: حدثنا علي بن حكيم قال: حدثنا شريك عن أبي الحسناء عن الحكم بن عتيبة عن حنش قال:" كان علي - ﵁ - يضحي بكبشين، بكبش عن النبي - ﷺ -، وبكبش عن نفسه، وقال: كان أمرني رسول الله - ﷺ - أن أضحي عنه فأنا أضحي عنه أبدًا ". قال الحاكم: تفرد به أهل الكوفة من أول الإسناد إلى آخره لم يشركهم فيه أحد " (٣). أو أنْ يتفرد بها أهل بلد عن أهل بلد آخر.
قال الحاكم:"وهذا نوع يعز وجوده وفهمه، ومثال ذلك: ما حدثناه أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي قال: حدثنا موسى بن سهل بن كثير قال: حدثنا إسماعيل بن علية عن خالد الحذاء عن ابن أشوع عن الشعبي عن وراد قال:"كتب معاوية بن أبي سفيان إلى المغيرة اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله - ﷺ - فكتب إليه:" أنه كان ينهى عن قيل وقال وكثره السؤال وإضاعة المال ". قال الحاكم: سعيد بن عمرو بن أشوع شيخ من ثقات الكوفيين يجمع حديثه ويعز وجوده وليس هذا الحديث عند الكوفيين عنه إنما ينفرد به أبو المنازل خالد بن مهران الحذاء البصري عنه" (٤).
_________________
(١) انظر علل ابن أبي حاتم ١/ ٩٢
(٢) معرفة علوم الحديث ص٩٩.
(٣) معرفة علوم الحديث ص٩٦ - ٩٧.
(٤) معرفة علوم الحديث ص١٠٠.
[ ٤٦ ]
الفصل الأول
الحديث المنكر عند أهل المصطلح
المبحث الأول: تعريف الحديث المنكر:
المنكر: لغة: اسم مفعول، وفعله: أنكره بمعنى جحده أو لم يعرفه وأنه يقابل المعروف (١).، قال ابن فارس: "ونكر الشيء وأنكره لم يقبله قلبه، ولم يعترف به لسانه " (٢).وقال الراغب: " المنكر كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف في استقباحه أو استحسانه العقول، فتحكم بقبحه الشريعة " (٣).
ويطلق المنكر في اللغة على عدة معانٍ منها: الدهاء والفطنة، والصعوبة، والأمر الشديد، وخلاف الاعتراف، والتغيير، والجهل .. " (٤).
وفي الاصطلاح:
لم أجد تعريفًا صريحًا، أو بابًا مستقلًا في كتب المصطلح الأولى ككتاب "المحدث الفاصل " للإمام الرامهرمزي (٣٦٠)، ولا في كتاب "معرفة علوم الحديث "لأبي عبد الله الحاكم (ت٤٠٥) وأما عن الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣) فقد بوّب بابًا سماه: "باب ترك الاحتجاج بمن غلب على حديثه الشواذ ورواية المناكير والغرائب من الأحاديث" (٥) ولم يصرح بتعريف مستقل، وإنما اكتفى بإيراد الأحاديث الشاذة المستنكرة، وحتى أنّ أبا حفص الميانشي (ت ٥٨١) لم يفرده بتعريف.
وأول من عرفه من علماء المصطلح، وأفرده قسمًا من علوم الحديث - بحدود اطلاعي - الحافظ ابن الصلاح ت (٦٤٣) فقال:" المنكر ينقسم قسمين على ما
_________________
(١) انظر القاموس المحيط فصل النون ؟اب الراء ٢/ ١٤٨ ومختار الصحاح مادة نكر ص ٦٧٩.
(٢) معجم مقاييس اللغة ٥/ ٤٧٦.
(٣) المفردات ص٥٠٥.
(٤) انظر لسان العرب، ابن منظور ١٤/ ٢٨١، وتاج العروس، الزبيدي ١٤/ ٢٨٧، والحديث المنكر دراسة نظرية وتطبيقية في كتاب علل الحديث لابن أبي حاتم، لزميلنا الشيخ عبد السلام أبو سمحة ص ١١ - ١٢.
(٥) الكفاية في علم الرواية ص١٤٠.
[ ٤٧ ]
ذكرناه في الشاذ فإنه بمعناه مثال الأول، وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات: رواية مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد عن رسول
الله - ﷺ - قال:"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" (١) فخالف مالك غيره من الثقات في قوله عمر بن عثمان، بضم العين، وذكر مسلم صاحب الصحيح في كتاب " التمييز " (٢): أن كل من رواه من أصحاب الزهري قال فيه: عمرو بن عثمان يعني بفتح العين، وذكر أن مالكًا كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثمان كأنه علم أنهم يخالفونه، وعمرو وعمر جميعًا ولدا عثمان غير أن هذا الحديث إنما هو عن عمرو بفتح العين وحكم مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه والله أعلم.
ومثال الثاني، وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يتحمل معه تفرده: ما رويناه من حديث أبي زكريا يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال:"كلوا البلح بالتمر فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه ويقول عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق" (٣).
تفرد به أبو زكريا وهو شيخ صالح، أخرج عنه مسلم في كتابه غير أنه لم يبلغ مبلغ من يتحمل تفرده والله أعلم " (٤).
وقال النووي ت (٦٧٦): " قال الحافظ البرديجي: هو الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راويه، وكذا أطلقه كثيرون، والصواب فيه التفصيل الذي تقدم في الشاذ " (٥).
وقال ابن دقيق العيد ت (٧٠٢): " وهو كالشاذ، وقيل هو ما انفرد به الراوي وهو قول منقوض بالأفراد الصحيحة " (٦).
وقال الذهبي ت (٧٤٨):"المنكر ما تفرد الراوي الضعيف به، وقد يعد مفرد
_________________
(١) أخرجه الشيخان، انظر تخريجه في المسند الجامع ١/ (١٣٩).
(٢) قلت: لم أقف عليه في النسخة الظاهرية التي حققها الأعظمي، فلعلها في غير نسخة، أو هي سبق قلم من الابن الصلاح والله أعلم.
(٣) أخرجه الحاكم ٤/ ١٣٥.
(٤) مقدمة ابن الصلاح ص٨٠.
(٥) تقريب النواوي بشرحه تدريب الراوي ١/ ١٩٩.
(٦) الاقتراح ص١٩٨.
[ ٤٨ ]
الصدوق منكرًا " (١).
وقال ابن جماعة ت (٧٧٣):" هو ما تفرد به من ليس بثقة ولا ضابط فهو المنكر " (٢).
وقال ابن كثير الدمشقي ت (٧٧٤):" المنكر: وهو كالشاذ إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلًا ضابطًا وإن لم يخالف فمنكر مردود " (٣).
وقال الحافظ العراقي ت (٨٠٦):
والمنكر الفرد كذا البرديجي أطلق والصواب في التخريج
إجراء تفصيل لدى الشذوذ مر فهو بمعناه كذا الشيخ ذكر (٤)
وقال الحافظ ابن حجر (٨٥٢): " وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشيء لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث " (٥).
وقال: "إن وقعت المخالفة مع الضعف فالراجح يقال له المعروف ومقابله يقال له المنكر، وعرف بهذا أنّ بين الشاذ والمنكر عمومًا وخصوصًا من وجه لأن بينهما اجتماعًا في اشتراط المخالفة وافترافًا في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق والمنكر راويه ضعيف وقد غفل من سوى بينهما" (٦).
وقال: " وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشئ لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث، وإن خولف بهذا فصل المنكر من الشاذ وأن كلًا منهما يجمعهما مطلق التفرد أو مع قيد المخالفة " (٧).
_________________
(١) انظر الموقظة ص٤٢.
(٢) المنهل الروي ص٥١.
(٣) اختصار علوم الحديث بشرحه الباعث الحثيث ص ٥٥.
(٤) ألفية الحديث بشرحها فتح المغيث ١/ ٢٢٢.
(٥) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٧٥.
(٦) نزهة النظر ص٥٢.
(٧) النكت ٢/ ٦٧٥.
[ ٤٩ ]
وقال السخاوي ت (٩٠٢) هو: " ما رواه الضعيف مخالفًا " (١).
وقال السيوطي ت (٩١١) في ألفيته (٢):
المنكر الذي روى غير الثقة مخالفًا في نخبة قد حققه
قابله المعروف والذي رأى ترادف المنكر والشاذ نأى.
المبحث الثاني: مفهوم الحديث المنكر عند المتأخرين:
من خلال التعريفات التي مرت يتضح اختلاف علماء المصطلح، وكذا علماء الحديث الآخرين من غير أهل المصطلح في مفهوم الحديث المنكر على مذاهب عدة يمكن إجمالها بالآتي:
المطلب الأول: المنكر: هو الحديث الذي يتفرد به الراوي مطلقًا:
أي:"مطلق التفرد": نسب جمهور المتأخرين إلى الحافظ البرديجي ت (٣٠١ هـ) هذا القول مستدلين على ذلك من قوله في معنى المنكر:" أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يعرف متنه من غير روايته لا من الوجه الذي رواه عنه ولا من وجه آخر" (٣).
هكذا فهم ابن الصلاح كلام البرديجي هذا، فقال بعد أن نقل النص:"وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث " (٤).
وقال الحافظ العراقي:
والمنكر الفرد كذا البرديجي أطلق والصواب في التخريج (٥)
وقال أيضا:"كثيرًا ما يطلقون المنكر على الراوي لكونه روى حديثًا واحدًا " (٦).
وقال السخاوي: في تعريف المنكر عند البرديجي:"وهو الذي لا يعرف متنه من
_________________
(١) فتح المغيث ١/ ٢٢٣، وانظر توضيح الأفكار، الصنعاني ٢/ ٣ - ٤.
(٢) الألفية ص٩٣، البيتان ١٨٠ - ١٨١، وانظر تدريب الراوي ١/ ٢٠٠.
(٣) مقدمة ابن الصلاح ص٨٠، وانظر شرح علل الترمذي٢/ ٦٥٣وفتح المغيث، السخاوي١/ ٢٢٢ وغيرها.
(٤) مصدر سابق.
(٥) فتح الغيث شرح ألفية الحديث، السخاوي ١/ ٢٢٢.
(٦) الرفع والتكميل، اللكنوي ص ٢٠١.
[ ٥٠ ]
غير وجه راويه فلا متابع له فيه ولا شاهد" (١).
وقال السيوطي: "وَصفَ الذهبي في"الميزان"عدة أحاديث في مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرهما من الكتب المعتمدة بأنها منكرة، بل وفي الصحيحين أيضًا، وما ذاك إلا لمعنى يعرفه الحفاظ وهو أن النكارة ترجع إلى الفردية ولا يلزم من الفردية ضعف متن الحديث فضلًا عن بطلانه" (٢).
أقول هذا كلام غير دقيق فليس مراد البرديجي﵀ - أن مطلق التفرد مردود، بل هو ينهج نهج الأوائل حيث إنّ الحكم على الرجل عندهم يكون على أساس المتون التي يأتي بها فمراده هنا ألا يكون متن الحديث غير معروف من طرق أخرى.
وقد نص هو على هذا فقال:"إذا روى الثقة من طريق صحيح عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - حديثًا لا يصاب إلا الرجل الواحد لم يضره أن لا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفًا ولا يكون منكرًا ولا معلولًا " (٣).
فتفرد الثقة بحديث -متن- لا يضره إلا إذا كان فيه أمر لا يعرفه من لا يفوتهم معرفته أو جاء بأمر يستنكر وهاك الدليل:
قال البرديجي في حديث:"رواه عمرو بن عاصم عن همام عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -:"إني أصبت حدًا فأقمه عليَّ " (٤) الحديث: هذا عندي حديث منكر وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم " (٥).
وتمام الحديث كما جاء في لفظ البخاري:" إني أصبتُ حدًا فأقمه في كتاب الله، قال: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإنَّ الله قد غفر لك ذنبك أو قال حدّك".
ولما كان هذا الحديث عنده معلولًا كان لا بد أن يكون له علة: وقد أعله بأخف رواة السند ضبطًا:"عمرو بن عاصم الكلابي"، فقال: وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم،
_________________
(١) فتح المغيث ١/ ٢٢٢.
(٢) الحاوي للفتاوى ٢/ ٢١٠.
(٣) شرح علل الترمذي، ابن رجب ٢/ ٦٥٤، وانظر الرفع والتكميل، اللكنوي ص ٢٠١.
(٤) الحديث متفق عليه أخرجه البخاري (٦٨٢٣)، ومسلم (٢٧٦٥)، وغيرهما من طريق عمرو بن عاصم، وأخرجه مسلم (٢٧٦٥) من طريق أبي امامة.
(٥) شرح العلل ٢/ ٦٥٤ - ٦٥٥
[ ٥١ ]
وقال أبو حاتم في العلل: " الحديث باطل بهذا الإسناد " (١).
إذن فالمنكر عند البرديجي لا يعني مجرد التفرد بل الخطأ الذي يقع في الحديث.
ومع أننا نتحفظ على قوله هذا، بل وعلى قول أبي حاتم الرازي ببطلان إسناده، لكون الحديث مخرج بهذا الإسناد في الصحيحين، لكن هذا لا يمنع أن يكون عالم مثل أبي حاتم الرازي يعتقد ببطلان إسناده، ومتابعة البرديجي له والحكم عليه بالنكارة.
أما قول الحافظ ابن حجر:" هذا مما ينبغي التيقظ له فقد أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد من النقاد لفظ المنكر على مجرد التفرد لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده" (٢)، فإني أفهم من كلام الحافظ: أن الأوائل كانوا يطلقون النكارة على ما تفرد به الضعيف المعتبر، ولا يطلقونها على تفرد الثقة أو الصدوق؟! وهذا كلام متعقب بما يلي:
إن نسبة هذا إلى أحمد والنسائي وغيرهما نسبة خاطئة فالإمام أحمد والنسائي وابن القطان وغيرهم كانوا يعلون تفرد الثقة وغيره إذا كان متن الحديث فيه مخالفة للأصول أو تقرير حكمٍ تعم به البلوى ولم ينقل إلا من طريق واحد، وقد بيناه فيما سبق، ونذكر بعضا هنا:
أعل الإمام أحمد حديث مالك بن أنس لأنه تفرد فيه وخالف متنه المحفوظ عنده، فمثلًا الحديث الذي أخرجه البخاري من طريق مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة - ﵁ -:" أن الذين جمعوا الحج والعمرة طافوا حين قدموا لعمرتهم وطافوا لحجهم حين رجعوا من منى .. " (٣).
قال:"لم يقل هذا أحد إلا مالك. وقال: لا أظن مالكًا إلا غلط فيه ولم يجئ به أحد غيره. وقال مرة: لم يروه إلا مالك ومالك ثقة " (٤).
قال ابن رجب:"ولعل أحمد إنما استنكره لمخالفته للأحاديث في أن القارن يطوف طوافًا واحدًا " (٥).
_________________
(١) العلل ١/ ٤٥٤ (١٣٦٤).
(٢) النكت٢/ ٦٧٤.
(٣) أخرجه البخاري (١٦٣٨) ومسلم ٢/ ٨٧٠ (١٢١١) وغيرهما.
(٤) شرح العلل٢/ ٦٥٤.
(٥) مصدر سابق.
[ ٥٢ ]
قلت: وهو الذي أراده الإمام أحمد والله أعلم.
وفي هذا أبلغ الرد على الحافظ ابن حجر في قوله الذي مر، وكذا ما رواه إسحاق بن هانئ قال: " قال لي أبو عبد الله-يعني أحمد- قال لي يحيى بن سعيد: لا أعلم عبيد الله يعني ابن عمر، أخطأ إلا في حديث واحد لنافع عن أبن عمر أن النبي - ﷺ - قال: لا تسافر امرأةٌ فوق ثلاثة أيام (١) الحديث قال أبو عبد الله: فأنكر يحيى بن سعيد عليه.
قال أبو عبد الله: قال لي يحيى بن سعيد: فوجدته قد حدث به العمري الصغير عن ابن عمر مثله قال أبو عبد الله: لم يسمعه إلا من عبيد الله فلما بلغه عن العمري صححه " (٢).
قال ابن رجب:"وهذا الكلام يدل على أن النكارة عند يحيى القطان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر وكلام الإمام أحمد قريب من ذلك" (٣).
قلت: فكيف إذن صرح الحافظ ابن حجر في أكثر من موضع: أن المتقدمين يقبلون تفرد الثقة؟ وهو القائل:" المنكر أطلقه أحمد بن حنبل وجماعة على الحديث الفرد الذي لا متابع له "، بل وحتى على رأيه هو في كون الصدوق يقبل تفرده-كما مر-فقد ناقض نفسه إذ قال:"فالصدوق إذا تفرد بشيءٍ لا متابع له ولا شاهد ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن فهذا أحد قسمي الشاذ ". (٤)
وهكذا تحصل أن قول من يقول إنّ المتقدمين يطلقون النكارة على مجرد التفرد، هو قول ضعيف والصواب هو ما قدمناه من كونهم يلحظون سلامة الحديث أولًا، وهل هو محفوظ أو لا؟.
ويؤيد هذا أنّ الخطيب البغدادي بوّب بابًا سماه: "باب ترك الاحتجاج بمن غلب على حديثه الشواذ ورواية المناكير والغرائب من الأحاديث" (٥)
فالقول إن المنكر هو:"ما انفرد به الراوي هو قول منقوض بالأفراد الصحيحة" (٦)،
_________________
(١) أخرجه مسلم ٢/ ٩٧٥ (١٣٣٨)،وأبو داود (١٧٢٧).
(٢) شرح العلل٢/ ٦٥٥ - ٦٥٦.
(٣) شرح العلل٢/ ٦٥٦
(٤) النكت٢/ ٦٧٤.
(٥) الكفاية في علم الرواية ص١٤٠.
(٦) الاقتراح، إبن دقيق العيد ص١٩٨.
[ ٥٣ ]
كما صرح بذلك الحافظ ابن الصلاح وغيره من علماء المصطلح (١).
وقد حكم الأئمة على أحاديث انفرد بها رواة صدوقون بإنها صحيحة وعلى أحاديث أنفرد بها ثقات بإنها منكرة أو شاذة تبعًا لمتن الحديث أو إسناده، وتبعًا لما يقع فيها من المخالفة.
المطلب الثاني: المنكر: التفرد مع المخالفة (مطلقًا) - مرادف للشاذ -:
قال ابن الصلاح:"المنكر ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ فإنه بمعناه مثال الأول، وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات: رواية مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عمر ابن عثمان عن أسامة بن زيد عن رسول الله - ﷺ - قال:"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" (٢) فخالف مالك غيره من الثقات في قوله: عمر بن عثمان بضم العين وذكر مسلم صاحب الصحيح في كتاب التمييز (٣): أن كل من رَواه من أصحاب الزهري قال فيه عمر بن عثمان يعني بفتح العين وذكر أن مالكًا كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثمان كأنه علم أنهم يخالفونه وعمرو وعمر جميعًا ولدا عثمان غير أن هذا الحديث إنما هو عن عمرو بفتح العين وحكم مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه والله أعلم.
ومثال الثاني، وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يتحمل معه تفرده: ما رويناه من حديث أبي زكريا يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال:"كلوا البلح بالتمر فإن الشيطان إذا رأى ذلك
غاظه ويقول عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق " (٤)،تفرد به أبو زكريا وهو شيخ صالح، أخرج عنه مسلم في كتابه غير أنه لم يبلغ مبلغ من يتحمل تفرده والله أعلم" (٥).
قلت: فلم يميز ابن الصلاح بين المنكر والشاذ كما هو واضح، وتعقبه الحافظ ابن
_________________
(١) انظر مقدمة ابن الصلاح ص٨٠.
(٢) أخرجه البخاري (١٥٨٨ و٤٢٨٣ و٦٧٦٤) وغيره.
(٣) لم أقف عليه في المطبوع الذي بين يديّ.
(٤) أخرجه النسائي في الكبرى رقم (٦٦٧٧)، وابن ماجه (٣٣٣٢)،والحاكم ٤/ ١٣٥.
(٥) مقدمة ابن الصلاح ص٨٠.
[ ٥٤ ]
حجر في النكت فقال:" ليس بعبارته ما يفصل أحد النوعين عن الآخر، نعم هما مشتركان في كون كل منهما على قسمين وإنما اختلافهما في مراتب الرواة" (١).
وقال ابن دقيق العيد:"هو كالشاذ، وقيل هو ما انفرد به الراوي وهو قول منقوض بالأفراد الصحيحة " (٢)،فهو أيضًا يسوي بين المنكر والشاذ.
وقال الحافظ العراقي في ألفيته (٣):
والمنكر الفرد كذا البرديجي أطلق والصواب في التخريج
إجراء تفصيل لدى الشذوذ مر فهو بمعناه كذا الشيخ ذكر
فهو على مذهب ابن الصلاح في اعتبار الشاذ والمنكر واحدًا.
ويبدو أن الذهبي يسوي بينهما (٤)، لكن السخاوي علل ذلك بقوله: "وأما جمع الذهبي بينهما في حكمه على بعض الأحاديث فيحتمل أن يكون تقدم الفرق بينهما ويحتمل غيره " (٥).
وقد مَثَّلَ الحافظ العراقي على ذلك فقال:"ولنذكر مثالًا للمنكر" ثم أورد حديث همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس ﵁:" أن النبي - ﷺ - كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه" (٦)،أخرجه أبو داود وقال عَقبهُ: "هذا حديث منكر وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس:"أن النبي - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ورق ثم
ألقاه" (٧)،والوهم فيه من همام ولم يروه إلا همام" (٨)،قال الحافظ العراقي: وهمام ثقة احتج به أهل الصحيح ولكنه خالف الناس (٩)، أي: خالفهم في الإسناد والمتن.
_________________
(١) النكت ٢/ ٦٧٤.
(٢) الاقتراح ص١٩٨.
(٣) فتح المغيث، السخاوي ١/ ٢٢٢.
(٤) انظر الموقظة ص٤٢.
(٥) فتح المغيث ١/ ٢٢٣.
(٦) أخرجه أبو داود (١٩)، والترمذي (١٧٤٦)، وابن ماجه (٢٠٣).
(٧) أخرجه البخاري (٥٨٦٨)، ومسلم ٣/ ١٦٥٧ (٢٠٩٣) وغيرهما.
(٨) سنن أبي داود (١٩).
(٩) انظر فتح المغيث ١/ ٢٢٦.
[ ٥٥ ]
قال الحافظ ابنُ حجر:"وقد نوزع أبو داود في حكمه عليه بالنكارة مع أن رجاله من رجال الصحيح" (١)،ثم قال:"لا يصلح مثالًا للمنكر فلنذكر مثالًا للمنكر غيره" (٢)،وقال السخاوي:"ولم يوفق أبو داود على الحكم عليه بالنكارة " (٣)،ولسنا هنا بصدد ذكر تصحيح الحديث أو عدمه، بل الذي يعنينا أن الحديث المنكر عند الكثير من المتقدمين يعني المخالفة مطلقًا سواء كان المخالف ثقة أم غير ثقة، وقد استنكره أبو داود لأن همامًاخالف"في متن الحديث"المحفوظ عن الزهري، إذ المحفوظ ما أخرجه الشيخان من حديث الزهري الذي رواه عنه الجم الغفير من أصحابه عن أنس:" أن النبي - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه" (٤).
وقد خَطّأ بعضُ المتأخرين التسويةَ بينهما، أي: المنكر والشاذ، كالحافظ ابن حجر وغيره فقال:"قد غفل من سوى بينهما" (٥)
وقال السيوطي في ألفيته:
. . . . . . والذي رأى ترادف المنكر والشاذ نأى. (٦)
المطلب الثالث: المنكر: تفرد الضعيف:
قال ابن الصلاح: و"مثال الثاني: وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده .. " (٧)، وقال ابن جماعة:"هو ما تفرد به من ليس بثقة ولا ضابط فهو المنكر" (٨).
وقال ابن كثير:"المنكر: وهو كالشاذ إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلًا ضابطًا وإن لم يخالف فمنكر مردود، وأما إن كان الذي تفرد به عدلًا
_________________
(١) النكت ٢/ ٦٧٧.
(٢) النكت ٢/ ٢٢٦.
(٣) فتح المغيث ١/ ٢٢٦.
(٤) سيأتي الكلام عليه ص٦٥.
(٥) نزهة النظر ص٥٢.
(٦) الألفية (ص٩٣). البيت ١٨١.
(٧) مقدمة ابن الصلاح ص٨٠.
(٨) المنهل الروي ص٥١.
[ ٥٦ ]
ضابطًا حافظًا (١) قبل شرعا، ولا يقال له منكر " (٢).
قال العلامة أحمد شاكر تعليقًا عليه: أي "إنّ ما انفرد به الراوي الذي ليس معدلًا ولا ضابطًا فهو منكر مردود مع أنه لم يخالف غيره في روايته لأنه انفرد بها، ومثله لا يقبل تفرده " (٣).
قال الحافظ ابن حجر:"وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشيءٍ لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث " (٤).
قلت: كما أسلفنا القول: إن مفهوم الحديث المنكر عند المتقدمين أوسع مما ينسب إليهم من كونه:"مخالفة الضعيف للثقات "،فهو قد يشمل تفرد الثقة وقد يشمل كما قال بعض علماء المصطلح تفرد المتروك، الذي لا تحل الرواية عنه، وكما بيناه قبل قليل.
وقال الإمام مسلم:"علامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى خالفت روايته روايتهم ولم تكد توافقها فإن كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله " (٥).
قال النووي عقب كلام الإمام مسلم:"يعني به المنكر المردود فإنهم قد يطلقون المنكر على انفراد الثقة بحديث، وهذا ليس بمنكر مردود إذا كان الثقة ضابطًا متقنًا " (٦).
وهذا كلام يحتاج إلى دليل فما عرفنا عالمًا من المتقدمين يصحح حديثا ثم يطلق عليه لفظ النكارة؟ وإنما أراد الإمام النووي في هذا - والله أعلم - الدفاع عن نظريته في قبول زيادة ثقة مطلقًا، كما سيأتي بيانه.
وأما الحافظ ابن حجر فقال عقبه:"فالرواة الموصوفون بهذا هم المتروكون فعلى
_________________
(١) في المطبوع (عدل ضابط حافظ) فلعله خطأ مطبعي.
(٢) اختصار علوم الحديث بشرحه الباعث الحثيث ص ٥٥.
(٣) مصدر سابق.
(٤) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٧٥.
(٥) المقدمة ١/ ٧،وانظر شرح مسلم للنووي ١/ ٥٦ - ٥٧
(٦) شرح مسلم ١/ ٥٦ - ٥٧ ..
[ ٥٧ ]
هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة وهذا هو المختار" (١).
أقول:-إن عبارة الإمام مسلم واضحة وهو مذهب المتقدمين، وهو أن المحدث إذا خولف بمن هو أحفظ أو أكثر أو نحو ذلك من مقاييسهم حكم على روايته بالنكارة أو الخطأ أو أي عبارة تدل على ذلك دون النظر إلى مرتبته، فإذا كثرت المناكير في حديثه خرج عن كونه ثقة، وتتناسب زيادة النكارة في الحديث تناسبًا طرديًا مع درجة ضعفه.
فليس كل من جاء بمنكر هو ضعيف، قال ابن القطان: لا يضر الراوي ألا يتابع إلا إذا كثرت منه رواية المناكير ومخالفة الثقات (٢). وقال ابن دقيق العيد:" قولهم: روى المناكير لا يقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثر المناكير في روايته، وينتهي إلى أن يقال فيه: منكر الحديث، لأن منكر الحديث وصف في الرجل يستحق به الترك لحديثه والعبارة الأخرى لا تقتضي الديمومة .. " (٣)
وقال الذهبي: " ما كل من روى المناكير يضعف " (٤)، وقال اللكنوي:" لا تظن من قولهم هذا حديث منكر أن راويه غير ثقة، فكثيرًا ما يطلقون النكارة على مجرد التفرد، .. وكذا لا تظن من قولهم: فلان يروي المناكير، أو حديثه هذا منكر، ونحو ذلك أنه ضعيف " (٥)
ومثال هذا القسم:
ما أخرجه الترمذي بسنده قال: حدثنا عمرو بن علي، قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال حدثنا المغيرة بن قرة السدوسي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رجل: يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال:" اعقلها وتوكل" قال عمرو بن علي قال يحيى: وهذا عندي حديث منكر (٦).
قال أبو عيسى: وهذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه من حديث أنس بن مالك
_________________
(١) النكت ٢/ ٦٧٥.
(٢) انظر مقدمة فتح الباري ص ٥٥٥ - ٥٥٦.
(٣) نصب الراية ١/ ١٧٩بتصرف يسير، وانظر الرفع والتكميل، الكنوي ص ٢٠٣.
(٤) ميزان الاعتدال ١/ ١١٨.
(٥) الرفع والتكميل ص ١٩٩ - ٢٠٠.
(٦) أخرجه الترمذي (٢٥١٧)، والعلل في آخر الجامع ٥/ ٧١٥.
[ ٥٨ ]
إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عمرو بن أمية عن النبي - ﷺ - نحو هذا (١). قال يحيى القطان:"هو عندي منكر" (٢).
وقال ابن رجب الحنبلي:"وحديث أنس قد رواه غير واحد عن المغيرة بن أبي قرة عن أنس وقد تفرد به المغيرة عنه، ولهذا غرّبه الترمذي من حديث أنس فهذا الحديث من الغرائب المنكرة " (٣).
وكذا ما أخرجه النسائي في الكبرىقال: أخبرنا محمد بن عمرو بن علي بن عطاء بن مقدم قال: حدثني يحيى بن محمد بن قيس قال سمعت هشام بن عروة يذكر عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -:"كلوا البلح بالتمر فإنَّ ابن آدم إذا أكله غضب الشيطان وقال عاش أبن آدم حتى أكل الخلق بالحديد" (٣).
قال النسائي: منكر (٤).
قلت: علة الحديث هو يحيى بن محمد بن قيس البصري ومدار الحديث عليه: وهو ضعيف وقد تفرد هنا، قال العقيلي: لا يتابع عليه وقال الساجي: إنه صدوق يَهمُ، وفي حديثه لين، وقال ابن حبان: إنه يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل من غير تعمد فلا يحتج به (٥).
وقال الذهبي: إنه حديث منكر (٦).
وقد مثل به للمنكر: ابن الصلاح، وغيره من علماء المصطلح (٧).
المطلب الرابع: المنكر: مخالفة الضعيف للثقة أو الثقات:
وهذا هو التعريف المعروف بين عامة طلبة الحديث اليوم، وهو المراد إذا أطلقت اللفظة في عرف المتأخرين.
_________________
(١) مصدر سابق.
(٢) شرح العلل ٢/ ٦٥٣.
(٣) أخرجه النسائي في الكبرى رقم (٦٦٧٧)، وابن ماجه (٣٣٣٢).
(٤) مصدر سابق.
(٥) انظر ترجمته في ضعفاء العقيلي ٤/ ٤٢٧، والمجروحين لأبن حبان ٣/ ١١٩،وميزان الاعتدال ٤/ ٤٠٥،والتقريب (٧٦٣٩).
(٦) ميزان الاعتدال ٤/ ٤٠٥.
(٧) مقدمة ابن الصلاح ص٨٠، وانظر فتح المغيث، السخاوي ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥.
[ ٥٩ ]
قال الحافظ ابن كثير:"إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود وكذا إن لم يكن عدلًا ضابطًا وإن لم يخالف فمنكر مردود" (١).
وقد يفهم كلام ابن كثير أن مخالفة الثقة والضعيف سيان عنده.
وقال ابن حجر:"وعرف بهذا أنّ بين الشاذ والمنكر عمومًا وخصوصًا من وجه لأن بينهما اجتماعًا في اشتراط المخالفة وافتراقًا في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق والمنكر راويه ضعيف وقد غفل من سوى بينهما" (٢)،ثم قال:"وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشيء لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث، وإن خولف بهذا فصل المنكر من الشاذ وإن كلًا منهما يجمعهما مطلق التفرد أو مع قيد المخالفة" (٣).
وقال السخاوي في تعريفه: "ما رواه الضعيف مخالفا " (٤).
وقال السيوطي في ألفيته (٥):
المنكر الذي روى غير الثقة مخالفًا في نخبة قد حققهْ
قابله المعروف والذي رأى ترادف المنكر والشاذ نأى
قلتُ: فعلى هذا فالحديث المنكر هو:"الذي يرويه الضعيف مخالفًا رواية الثقة "،وقد عدّ بعض المتأخرين هذا التعريف أدق التعاريف (٦)،وعلى هذا فالمنكر عندهم منكرُ سندٍ، ومنكرُ متنٍ، ويمثل علماء المصطلح لهذا النوع من المخالفة بأمثلة كثيرة فمنكر السند مثله الحافظ ابن حجر:
بما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حبيب بن حبيب-وهو أخو حمزة الزيات
_________________
(١) اختصار علوم الحديث بشرحه الباعث الحثيث ص٥٥.
(٢) نزهة النظر ص ٥٢، وسيأتي بيانه في فصل الشاذ.
(٣) النكت ٢/ ٦٧٥.
(٤) فتح المغيث ١/ ٢٢٣، وانظر توضيح الأفكار، الصنعاني ٢/ ٣ - ٤.
(٥) الألفية ص٩٣، البيتان ١٨٠ - ١٨١، وانظر تدريب الراوي ١/ ٢٠٠.
(٦) انظر مثلًا: دراسات في علوم الحديث، محمد عوض ص١١٦، وعلوم الحديث، صبحي الصالح ص٢١٣، وأصول الحديث، ومحمد عجاج الخطيب ص٣٤٨ ودراسات في مصطلح الحديث إبراهيم النعمة ص١٥٩.
[ ٦٠ ]
المقرئ- عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال:"من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج البيت وصام رمضان وقرى الضيف دخل الجنة " (١).
قال أبو حاتم:" هو منكر، لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفًا، وهو المعروف .. وقال أبو زرعة: هذا حديث منكر، إنما هو عن ابن عباس موقوف" (٢).
ومن أمثلة منكر المتن:
أخرج أبو داود بسنده قال: حدثنا جعفر بن مسافر، قال: حدثنا ابن أبي فديك، قال: حدثنا هشام ابن سعد عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى النبي - ﷺ - أفطر في رمضان، بهذا الحديث (٣) قال: فأتى بعرقٍ فيه تمر قدر خمسة عشر صاعًا، وقال فيه:" كله أنت وأهل بيتك وصم يومًا واستغفر الله " (٤).
قلت: هذا الحديث منكر، تفرد به هشام بن سعد عن الزهري وخالف فيه عامة أصحاب الزهري الكبار الحفاظ فإنه عندهم عنه عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة (٥)، لا عن أبي سلمة، وليست عندهم هذه الزيادة "صم يومًا واستغفر الله ".
قال الحافظ ابن حجر:"ذكر أبو عوانة في صحيحه حديث هشام بن سعد هذا وقال: غلط هشام بن سعد (٦)، وأورده ابن أبي عدي في ترجمة هشام بن سعد، وعدّه
من مناكيره (٧)، وقال أبو يعلى الخليلي:" وهذا أنكره الحفاظ قاطبة من حديث الزهري عن أبي سلمة لان أصحاب الزهري كلهم اتفقوا عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخي أبي سلمة وليس هو من حديث أبي سلمة " (٨)
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير ١٢/ ١٣٦ (١٢٦٩٢)، وابن عدي في الكامل ٢/ ٨٢١، وغيرهما من طرق عن حبيب به، وحبيب ضعيف انظر ترجمته في كامل ابن عدي ٢/ ٤١٥ وضعفاء العقيلي ١/ ٢٦٢.
(٢) علل ابن أبي حاتم: ٢/ ١٨٢رقم (١٦٤٣). وانظر نزهة النظر، ابن حجر العسقلاني ص٥٢.
(٣) أي حديث المواقع أهله في رمضان.
(٤) أخرجه أبو داود برقم (٢٣٩٣).
(٥) أخرجه البخاري (١٩٣٦، ١٩٧٣) ومسلم (٨١، ٨٤،٨٣،٨٢).
(٦) لم أقف على موضعه.
(٧) انظر الكامل ٧/ ١٠٩ (٢٠٢٥).
(٨) الإرشاد ١/ ٣٤٥ (٧٥).
[ ٦١ ]
المبحث الثالث: مفهوم الحديث المنكر عند المتقدمين
المطلب الأول: مذهب الإمام يحيى بن معين (٢٣٣):
قال الدوري: " سمعت يحيى وسألته عن حديث حكيم بن جبير حديث بن مسعود: " لا تحل الصدقة لمن كان عنده خمسون درهمًا "، يرويه أحد غير حكيم؟ فقال يحيى بن معين: نعم يرويه يحيى بن آدم عن سفيان عن زبيد، ولا نعلم أحدًا يرويه إلا يحيى بن آدم وهذا وهم لو كان هذا هكذا لحدث به الناس جميعا عن سفيان ولكنه حديث منكر " (١).
وقد وثق يحيى بن آدم الكوفي: الأئمة ومنهم ابن معين نفسه (٢).وقال الحافظ ابن حجر: " ثقة حافظ فاضل " (٣).
ومنه: ما نقله ابن عدي عن ابن أبي مريم أنه قال:" سمعت يحيى بن معين يقول: عبد الرزاق ثقة لا بأس به، قال يحيى: في حديث عبد الرزاق: " أن النبي - ﷺ - رأى على عمر قميصًا " قال: هو حديث منكر، ليس يرويه أحد غير عبد الرزاق، قيل له: إن عبد الرزاق كان يحدث بأحاديث عبيد الله عن عبد الله بن عمر ثم حدث بها عن عبيد الله بن عمر فقال يحيى لم يزل عبد الرزاق يحدث بها عن عبيد الله ولكنها كانت منكرة " (٤).
وأطلقه على مخالفة الضعيف، ومنه: قال أبو داود: "حدثنا النفيلي، قال: حدثنا علي بن ثابت، قال: حدثني عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة، عن أبيه، عن جده عن النبي - ﷺ -: " أنه أمر بالأثمد المروح عند النوم وقال ليتقه الصائم ". قال أبو داود: قال لي يحيى بن معين: هو حديث منكر، يعنى حديث الكحل " (٥).
قلت: عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة: ضعّفه ابن معين نفسه (٦).
_________________
(١) تاريخ ابن معين، برواية الدوري ٣/ ٣٤٦ (١٦٧١).
(٢) تهذيب الكمال ٨/ ٧ (٧٣٧٣).
(٣) التقريب (٧٤٩٦).
(٤) الكامل في ضعفاء الرجال ٥/ ٣١١.
(٥) السنن (٢٣٧٧).
(٦) ميزان الاعتدال ٢/ ٥٩٤ (٤٩٩١)، وانظر سؤالات البرقاني للدارقطني (٢٨٤)
[ ٦٢ ]
المطلب الثاني: مذهب الإمام علي بن المديني (٢٣٤):
قال في حديث " ثابت عن النبي - ﷺ -:" يسأل أحدكم ربه تعالى حتى يسأله شسع نعله والملح ": وفي أحاديث معمر عن ثابت أحاديث غرائب، ومنكرة، جعل ثابت عن أنس أن النبي - ﷺ - كان كذا شيء ذكره، وإنما هذا حديث أبان بن أبي عياش عن أنس وعن ثابت في قصة حبيب قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر لم يروه عن ثابت غيره " (١).
فأطلق ابن المديني لفظة "منكر" على مخالفة الثقة.
وأطلقه على حديث فيه ضعيف:
فقال في علله: " عن عمران قال سمعت النبي - ﷺ - يقول من قرأ القرآن فسأل به ":حديث أوله كوفي وآخره بصري رواه الأعمش عن خيثمة بن أبي خيثمة ورواه منصور عن خيثمة، هذا أصله بصري، وإنما يروي عنه أهل الكوفة وإسناده ضعيف وهو حديث منكر وإنما أوتي من طريق خيثمة عن الحسن " (٢).
وقال في عبد الرحمن بن زياد:" كان أصحابنا يضعفونه، أنكر أصحابنا أحاديث كان يحدث بها لا تعرف " (٣).
وأطلقه على مخالفة الضعيف، ومن ذلك:
" حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -:" إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه " فقال رواه نعمان بن راشد عن ابن شهاب عن سعيد عن أبي هريرة ورواه معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه، ورواه ابن عيينة وصالح بن كيسان عن الزهري عن أبي بكر بن عبيد الله عن ابن عمر، ورواه عبد الرحمن بن إسحاق كما رواه ابن عيينة، ورواه جويرية عن مالك عن الزهري عن أبي بكر بن عبيد الله عن ابن عمر فما رواه معمر عن الزهري عن أبي بكر بن عبيد الله مرسل. وحديث النعمان "منكر" لم يتابعه عليه أحد، وحديث مالك كحديث جويرية قديم وكان يسنده " (٤).
_________________
(١) علل ابن المديني ص ٧٧ (١١٠).
(٢) علل ابن المديني ص ٦٣ (٧٣).
(٣) سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني ص ١٥٦.
(٤) علل ابن المديني ص ٨٠ - ٨١ (١١٥).
[ ٦٣ ]
فـ (نعمان بن راشد الجزري): ضعيف (١)، وخالف الثقات فرواه من حديث الزهري عن أبي هريرة - ﵁ -.
وأطلقها على حديث تفرد به مجهول، فقال: " في حديث ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قطع رجلًا من الأنصار فهذا حديث رواه يحيى بن عبد الله الجابري وهو معروف عن رجل يكنى ابا ماجد الحنفي، ولا نعلم أحدا روى عن أبي ماجد هذا إلا يحيى الجابري فسمعت سفيان بن عيينة قال قلت ليحيى الجابري وامتحنته: من أبو ماجد هذا؟ فقال شيخ طرأ علينا من البصرة. وقد روى أبو ماجد غير حديث منكر " (٢).
المطلب الثالث: مذهب الإمام أحمد بن حنبل:
أطلق الإمام أحمد لفظة منكر على حديث الثقة، ومن أمثلة ذلك: قال العقيلي عند ترجمة الحسن بن سوار البغوي:" حدثنا أحمد بن داود السجزي قال: حدثنا الحسن بن سوار البغوي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن ضمضم بن جوس، عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب قال:" رأيت رسول الله - ﷺ - يطوف بالبيت على ناقة لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك ". ولا يتابع الحسن بن سوار على هذا الحديث، وقد
حدث أحمد بن منيع وغيره عن الحسن بن سوار هذا عن الليث بن سعد وغيره أحاديث مستقيمة، وأما هذا الحديث فهو منكر، وحدثني محمد بن موسى النهرتيري قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال: حدثنا الحسن بن سوار بهذا الحديث فذكر مثل ما حدثنا أحمد بن داود، قال أبو إسماعيل: ألقيت على أبي عبد الله أحمد ابن حنبل: فقال أما الشيخ فثقة، وأما الحديث فمنكر " (٣).
قلت: أطلق الإمام أحمد على حديث راوٍ ثقة: منكر.
ومنه: قال عبد الله: " سمعت أبي يقول: حدثنا بحديث الشفعة، حديث عبد الملك عن عطاء عن جابر عن النبي - ﷺ - وقال: هذا حديث منكر " (٤).
_________________
(١) قال ابن حجر في التقريب (٧١٥٤): "صدوق سيئ الحفظ "، وقد ضعفه ابن القطان، وأحمد، وأبو داود والنسائي، وغيرهم، أنظر تحرير التقريب ٤/ ١٩.
(٢) علل ابن المديني ١/ ٩٩.
(٣) الضعفاء، العقيلي ١/ ٢٢٨ (٢٧٧).
(٤) العلل ومعرفة الرجال ٢/ ٢٨١ (٢٢٥٦).
[ ٦٤ ]
وقال في موضع آخر عن الحديث ذاته: " ذكر أبي حديث وكيع عن شعبة عن عبد الملك ابن أبي سليمان عن عطاء عن جابر عن النبي - ﷺ - في الشفعة قال ليس هو في كتاب غندر! " (١).
قلت: أعل الإمام أحمد هذا الحديث باحتمال وهم وكيع في هذا الحديث - وهو ثقة جبل - لأنه لم يجده عند من هو أوثق منه في شعبة، وهو محمد بن جعفر " غندر " (٢).
وسئل عن: " حديث معمر عن ثابت عن أنس أن النبي - ﷺ - نهى عن الشغار؟ فقال: هذا حديث منكر من حديث ثابت " (٣).
قلت: أطلقه على تفرد معمر وهو ثقة عنده (٤)،ولا يعني مجرد التفرد، وإنما التفرد مع الوهم، إذ ليس محفوظًا من حديث ثابت، وأصرح منه ما جاء:
قال عبد الله:"حدثت أبي بحديث حدثناه عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن ثور بن يزيد عن أبي الزبير عن جابر عن النبي - ﷺ - تسليم الرجل بإصبع واحدة يشير بها فعل اليهود فقال أبي هذا حديث منكر أنكره جدا.
وحدثت أبي بحديث حدثناه عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن محمد بن سالم عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي عن النبي - ﷺ - فيما سقت السماء العشر وما سقي بالغرب والدالية فنصف العشر "، قال أبي: هذا حديث أراه موضوعا أنكره من حديث محمد بن سالم.
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال ١/ ٣٣٣ (٥٩٩).
(٢) غندر إليه المنتهى في حديث شعبة، جاء في تهذيب الكمال ٦/ ٢٦٥ (٥٧٠٩): قال " عن أحمد بن حنبل: سمعت غندرا يقول: لزمت شعبة عشرين سنة لم أكتب من أحد غيره شيئا وكنت إذا كتبت عنه عرضته عليه وقال علي بن المديني: هو أحب إلي من عبد الرحمن في شعبة، وقال أيضا قال عبد الرحمن بن مهدي كنا نستفيد من كتب غندر في حياة شعبة، وقال أيضا: قال وكيع: ما فعل الصحيح الكتاب قلت: صاحب الطيالسة قال نعم يعني غندرا، وقال أبو حاتم الرازي: عن محمد بن أبان البلخي قال عبد الرحمن بن مهدي: غندر في شعبة أثبت مني، وقال أحمد بن منصور المروزي عن سلمة بن سليمان: قال عبد الله بن المبارك: إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر حكم بينهم ".
(٣) علل أحمد، المروذي ص ١١٠.
(٤) قال الفضل بن زياد: وسئل يعني أحمد عما روى معمر عن ثابت فقال: ما أحسن حديثه. المعرفة والتأريخ ٢/ ١٦٦، فضلا عن توثيقه لمعمر مطلقا، أنظر الجرح والتعديل ٨/ ٢٥٥ (١١٦٥)
[ ٦٥ ]
وعرضت على أبي حديثًا حدثناه عثمان عن جرير، عن شيبة بن نعامة عن فاطمة بنت حسين، عن فاطمة الكبرى عن النبي - ﷺ - في العصبة وحديث جرير عن الثوري عن ابن عقيل عن جابر أنّ النبي - ﷺ - شهد عيدًا للمشركين، فأنكرهما جدا وعدة أحاديث من هذا النحو فأنكرها جدا وقال: هذه أحاديث موضوعة أو كأنها موضوعة وقال: ما كان أخوه يعني عبد الله بن أبي شيبة تطنّف نفسه لشيء من هذه الأحاديث ثم قال: نسأل الله السلامة في الدين والدنيا وقال: نراه يتوهم هذه الأحاديث نسأل الله السلامة اللهم سلّم سلّم " (١).
قلت: أستنكر أحاديث عثمان بن أبي شيبة وعدها موضوعة وهو ثقة عنده، فقال فيه: ما علمت إلا خيرًا، وأثنى عليه (٢)، وقد أخرج الشيخان حديثه.
ومنه: قال عبد الله:" قلت له: فتعرف عن الوليد عن الأوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: " متى كنت نبيا ".؟ قال: هذا منكر، هذا من خطأ الأوزاعي، هو كثيرًا ما يخطئ عن يحيى بن أبي كثير، كان يقول: عن أبي المهاجر وإنما هو أبو المهلب " (٣).
وأطلقه على تفرد الصدوق: قال في رحيل بن معاوية أخي زهير:" قال هو رجل قديم روى عنه زهير وليس لي بحديث حديج علم. فقيل له: إنه حدث عن أبي إسحاق عن البراء: أن النبي - ﷺ - كان يسلم عن يمينه وعن يساره؟ فقال: هذا منكر " (٤). ورحيل: صدوق (٥).
وأطلقه على ما تفرد به الضعيف، ومنه:
قال عبد الله: " وسئل عن خارجة بن مصعب فضعفه وقال: ما روى عنه ابن المبارك شيئًا في كتبه، فقال له ابن أبي رزمة: بلى حديث واحد؟ وقال: قد قالوا لابن
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال ١/ ٥٥٧ - ٥٥٩ (١٣٣١و١٣٣٢ و١٣٣٣)
(٢) تهذيب الكمال ٥/ ١٣٥ (٤٤٤٦)، وانظر تاريخ بغداد، الخطيب ١٣/ ١٦٣، وميزان الاعتدال ٣/ ٣٦ (٥٥١٨).
(٣) علل أحمد، المروذي ص ١١١.
(٤) علل أحمد، المروذي ٩٨.
(٥) التقريب (٩٣٠).
[ ٦٦ ]
المبارك فيه، فقال: كيف أحدث عن رجل حدث بكذا! لحديث منكر " (١).
وقد أطلقه على ما تفرد به المجهول عنده، ومنه:
قال عبد الله: " وألقيت على أبي عبد الله حديثًا رواه الفضل بن موسى عن أبراهيم بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، قال: عارض رسول الله - ﷺ - جنازة أبي طالب، فقال: هذا منكر، هذا رجل مجهول " (٢).
ومن هنا يتبين أن الإمام أحمد أطلق النكارة على ما أخطأ فيه الراوي سواء أكان ثقة، أم صدوقًا أم ضعيفًا أم مجهولًا.
المطلب الرابع: مذهب الإمامين أبي حاتم وأبي زرعة الرازيين:
أطلقاه على تفرد الثقة بما لم يتابع، ومنه: قال عبد الرحمن:" سألت أبي عن حديث رواه عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس:" أن النبي - ﷺ - أخذ على النساء حين بايعهن أن لا َينُحنَ فقلن: إن نساءً أسعدننا في الجاهلية أفنسعدهن في الإسلام؟ فقال النبي - ﷺ -:لا إسعاد في الإسلام ولا شعار في الإسلام ولا عقر في الإسلام ولا جلب ولا جنب ومن انتهب فليس منا ". قال أبي: هذا حديث منكر جدًا " (٣).
قلت: تفرد به معمر بن راشد عن عبد الرزاق، ولم يقبله منه، وعده من مناكيره.
ومنه أيضا: قال عبد الرحمن:" سألت أبي عن حديث رواه محمد بن حرب الأبرش عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -:" ليس من البر الصيام في السفر ". قال أبي هذا حديث منكر " (٤).
قلت: ومحمد بن حرب ثقة (٥).
ومنه أيضا: قال عبد الرحمن: " سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه يوسف بن عدي عن غنام عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة:" أن النبي - ﷺ - كان إذا تعار من الليل قال لا اله إلا الله الواحد القهار رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار".
_________________
(١) علل أحمد، المروذي ص ٦٥.
(٢) علل أحمد، المروذي ص ١١٣ - ١١٤.
(٣) علل ابن أبي حاتم ١/ ٣٦٩ (١٠٩٦).
(٤) علل ابن أبي حاتم ١/ ٢٤٧ (٧٢٦).
(٥) التقريب (٥٨٠٥).
[ ٦٧ ]
قالا: هذا خطأ، إنما هو هشام بن عروة عن أبيه: أنه كان يقول هذا. رواه جرير هكذا وقال أبو زرعة: حدثنا يوسف بن عدي هذا الحديث وهو منكر " (١).
قلت: يوسف بن عدي هو ابن زريق الكوفي: ثقة (٢).، وهنا رد أبو حاتم وأبو زرعة زيادة رفع زادها ثقة وهو ما يسميه المتأخرون: زيادة ثقة.
وأطلقاه على مخالفة الثقة، ومنه: قال: " سألت أبي عن حديث رواه أبو أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - في قصة ذي اليدين؟ قال أبي: هذا حديث منكر، أخاف أن يكون أخطأ فيه أبو أسامة ".
قلت: أبو أسامة: هو حماد بن أسامة: ثقة (٣).فأطلق أبو حاتم مصطلح منكر على مخالفة الثقة، أو ما أخطأ فيه.
ومنه أيضا: قال: " حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى النيسابوري عن مسدد عن معتمر بن سليمان عن أبيه عن أنس أن النبي - ﷺ - صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد وذلك عند أبي زرعة بعد رجوعه من الحج "؟. فقال أبو زرعة - الرازي -: هذا خطأ، ليس هذا هكذا حديثًا! حدثنا مسدد عن المعتمر عن حميد عن أنس عن النبي - ﷺ - ليس فيه سليمان التيمي، فقال: يحيى؟ اضربوا عليه، قال أبو محمد: ثم ذكرته لأبي
فقال: حدثنا ابن أبي شيبة وغيره عن معتمر عن حميد عن أنس عن النبي - ﷺ -. ولو كان على التيمي لكان منكرًا " (٤).
قلت: ردا ما رواه يحيى بن محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري، وهو: ثقة حافظ (٥)،لما خالف غيره، إذ رووه عن معتمر عن حميد عن أنس، وخالفهم هو فرواه عن مسدد عن معتمر بن سليمان عن أبيه عن انس. وعداه منكرا.
وأطلقاه على تفرد الضعيف، ومنه: قال أبو محمد: " قرأ علينا أبو زرعة كتاب الأطعمة .، وانتهى أبو زرعة إلى حديث آخر عن إسماعيل بن أبان عن كثير بن سليم
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم ١/ ٧٤ (١٩٧).
(٢) التقريب (٧٨٧٢).
(٣) التقريب (١٤٨٧)، وأنظر تعليق أستاذنا المشرف على ترجمته في تهذيب الكمال ٢/ ٢٧٠ (١٤٥٥).
(٤) علل أبن أبي حاتم ١/ ١٩٠ (٥٤٥).
(٥) التقريب (٧٦٤١).
[ ٦٨ ]
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من أحب أن يكثر بركة بيته فليتوضأ إذا حضر غداه وإذا رفع ". قال أبو زرعة: هذا حديث منكر وامتنع من قراءته فلم يسمع منه " (١).
قلت: قال ابن عدي بعد أن ساق الرواية: " وعامة ما يروى عن كثير بن سليم عن أنس هو هذا الذي ذكرت ولم يبق له إلا الشيء اليسير وهذه الروايات عن أنس عامتها غير محفوظة " (٢).فبين أن العلة في تفرد كثير بن سليم الضبي، وهو ضعيف (٣).
وأطلقاه على مخالفة الضعيف، ومنه: قال: " سألت أبي عن حديث رواه الحارث بن وجيه عن مالك بن دينار عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: " تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر". قال أبي: هذا حديث منكر والحارث ضعيف الحديث " (٤).
قلت: أنكر أبو حاتم هذا الحديث لمخالفة الحارث بن وجيه وهو ضعيف (٥)، كما نص عليه، فوصل ما أرسله غيره، ولا يصح مسندًا (٦).
وأطلقاه على تفرد المجاهيل ومنه: قال:"سألت أبي عن حديث: حدثنا أبو سعيد الأشج عن المغيرة بن جميل بن أثير الكندي عن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ -:" الولاء ليس بمتحول ولا منتقل ". قال أبي: هذا حديث منكر، ومغيرة مجهول" (٧).
ومنه: قال: " سألت أبي عن حديث رواه خالد بن خداش عن أبي عون بن أبي ركبة وقال خالد مرة: عون بن أبي ركبة عن غيلان بن جرير عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -:" السلطان ظل الله في الأرض ". قال أبي: هذا حديث منكر وابن أبي ركبة
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم ٢/ ١١ (١٥٠٥).
(٢) الكامل ٦/ ٤٦ (١٦٠٠).
(٣) التقريب (٥٦١٣).
(٤) علل ابن أبي حاتم ١/ ٢٩ (٥٣).
(٥) التقريب (١٠٥٦).
(٦) وممن نص على ذلك أيضا: الدارقطني في العلل ٨/ ١٠٣ - ١٠٤، وابن عدي في الكامل ٢/ ١٩٢ - ١٩٣، والعقيلي ١/ ٢١٦.
(٧) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٥١ (١٦٣٨).
[ ٦٩ ]
مجهول " (١).
وأطلقاه على تفرد المتروكين، ومنه: قال: " سألت أبي عن حديث رواه عبد الرحيم بن زيد العمى عن أبيه وسعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -:"قال من أدركه شهر رمضان بمكة فصامه وقام منه ما تيسر كتب الله له صيام مائة ألف شهر رمضان في غير مكة، وكان له كل يوم حملا فرس في سبيل الله، وكل ليلة حملا فرس في سبيل الله، وكل يوم له حسنة وكل ليلة له حسنة وكل يوم له عتق رقبة، وكل ليلة له عتق رقبة "، قال أبي: هذا حديث منكر، وعبد الرحيم بن زيد متروك الحديث " (٢).
المطلب الخامس: مذهب الإمام البخاري:
أطلق البخاري مصطلح منكر على أحاديث تفرد بها ثقة. ومثاله: قال الترمذي في حديث: "حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا الأحوص بن جواب، عن سعير بن الخمس، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله - ﷺ -: من صنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيرًا فقد أبلغ في الثناء.
سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: هذا منكر وسعير بن الخمس كان قليل الحديث ويروون عنه مناكير " (٣).
قلت: سعير بن الخمس التميمي:" ثقة "، وإن قال الحافظ ابن حجر:"صدوق " (٤)،فقد وثقه ابن معين، والترمذي، ويعقوب بن سفيان، والدارقطني (٥)،ولعل ابن حجر أنزله عن مرتبة الصحة لهذه المناكير.
وأطلقه على تفرد الصدوق: قال الترمذي: " حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا ابن مهدي حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن الحارث عن سليمان بن موسى عن مكحول عن أبي سلام عن أبي أمامة عن عبادة بن الصامت: أن النبي - ﷺ - كان ينفل في البدأة الربع وفي القفول الثلث. سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: لا يصح هذا الحديث، إنما روى
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٤٠٩ (٢٧٣٥).
(٢) علل ابن أبي حاتم ١/ ٢٥٠ (٧٣٥).
(٣) علل الترمذي ص ٣١٦ (٥٨٩).
(٤) التقريب (٢٤٣٢).
(٥) تحرير التقريب ٢/ ٤٨، وانظر تهذيب الكمال ٣/ ٢١٢ (٢٣٧٨)، وميزان الاعتدال ٢/ ١٦٤ (٣٣٠٨).
[ ٧٠ ]
هذا الحديث داود بن عمرو عن أبي سلام عن النبي - ﷺ - مرسلًا، قال محمد: وسليمان بن موسى: منكر الحديث، أنا لا أروي عنه شيئا روى سليمان بن موسى أحاديث عامتها مناكير" (١).
قلت: سليمان بن موسى، هو: الأشدق، قال الحافظ ابن حجر: " صدوق، فقيه، في حديثه بعض اللين، وخولط قبل موته بقليل " (٢)،فأعل الإمام البخاري هذا الحديث بالمخالفة، فالمحفوظ عنده ما رواه داود بن عمرو الأودي - وهو صدوق (٣) - مرسلًا، فالمرسل عنده أصح.
وأطلقها على تفرد الضعيف، ومن ذلك: قال: " أبو حمزة المدني عن عروة روى عنه العقدي وطلحة بن يحيى الزرقي منكر الحديث، يروى عن عروة عن عائشة
مرفوعًا: الغسل يوم الجمعة واجب. والمعروف عن عروة عن عمرة عن عائشة: كان الناس عمال أنفسهم فقيل لهم لو اغتسلتم " (٤). قلت: أبو حمزة المدني هو: عبد الواحد بن ميمون العقدي: ضعفه الدارقطني وغيره (٥)، فأعل البخاري بالمخالفة سندًا ومتنًا كما هو ظاهر من النص.
ومنه أيضا: قال الترمذي: " قال محمد: أهل الكوفة يروون عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أحاديث مناكير وإنما أرادوا عندي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وهو منكر الحديث، وهو بأحاديثه أشبه منه بأحاديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر " (٦). وعبد الرحمن بن يزيد بن تميم: ضعيف (٧).
_________________
(١) علل الترمذي ص ٢٥٦ (٤٦٣).
(٢) التقريب (٢٦١٦)، وتعقبه محررا التقريب ٢/ ٧٩: " بل صدوق حسن الحديث، وعبارة ابن حجر غير دقيقة وثقه يحيى بن معين، ودحيم، وأبو داود، وابن سعد، وذكره ابن حبان في الثقات .".
(٣) جاء في التقريب (١٨٠٤): " صدوق يخطئ "، وتعقبه صاحبا التحرير فقالا: "صدوق حسن الحديث، وثقه يحيى بن معين، وقال أحمد بن حنبل: حديثه مقارب، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال أبو داود: صالح .. ".
(٤) التأريخ الصغير ٢/ ٦١ (١٨٠٠)، وأنظر تأريخه الكبير ٦/ ٥٨ (١٧٠٣).
(٥) ميزان الاعتدال ٢/ ٦٧٦ (٥٣٠١).
(٦) علل الترمذي ص ٣٩٢ (٢٠١).
(٧) التقريب (٤٠٤٠).
[ ٧١ ]
وقد أطلقه أيضا على أحاديث المتروكين والكذابين ومنه: قال الترمذي: " سالت محمدًا فقال كوثر بن حكيم له مناكير كان أحمد يرميه بالكذب " (١).
ومنه أيضا، قال الترمذي:" حدثنا يحيى بن موسى، قال: حدثنا سعيد بن محمد الوراق وأبو يحيى الحماني قالا: أخبرنا صالح بن حسان عن عروة عن عائشة قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: " إن أردت اللحوق بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب وإياك ومجالسة الأغنياء ولا تستخلقي ثوبًا حتى ترقعيه ". سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: صالح بن حسان منكر الحديث، وصالح بن أبي حسان الذي يروي عنه ابن أبي ذئب ثقة " (٢). قلت: وصالح هذا متروك (٣).
إذن فالإمام البخاري يطلق المنكر على تفرد من لا يحتمل تفرده، أو فيما لا يحتمل تفرده من الأحاديث. أما زعم أنه يطلقه على ما تفرد به الضعيف، أو المتروك فقط، فلا يصح كما رأيت، فهو على منهجية أقرانه من المتقدمين.
المطلب السادس: مذهب الإمام مسلم:
قال في التمييز:" ذكر خبر واه يدفعه الأخبار الصحاح، قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة: أنبأنا سلمة بن وردان عن أنس: أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا من أصحابه فقال: يا فلان هل تزوجت؟ قال: لا. وساقه، قال مسلم: هذا الخبر الذي ذكرناه عن سلمة عن أنس أنه خبر يخالف الخبر الثابت المشهور، فنقل عوام أهل العدالة ذلك عن رسول الله - ﷺ - وهو الشائع من قوله: "قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن". فقال ابن وردان في روايته:" إنها ربع القرآن ". ثم ذكر في خبره من القرآن خمس سور، يقول في كل واحد منها ربع القرآن، وهو مستنكر غير مفهوم صحة معناه. ولو أن هذا الكتاب قصدنا فيه الإخبار عن سنن الأخيار بما يصح وبما يستقيم لما استجزنا ذكر هذا الخبر عن سلمة بلفظه باللسان عن رسول الله - ﷺ - فضلًا عن روايته، وكذلك ما أخرجه من الأخبار المنكرة، ولكننا سوغنا روايته لعزمنا على اخبارنا فيه من العلة التي وصفنا" (٤).
_________________
(١) علل الترمذي ص٣٩٥ (١٤٣).
(٢) علل الترمذي ص٢٩٤ (٥٤٤).
(٣) التقريب (٨٢٤٩).
(٤) التمييز ص ١٩٤ - ١٩٥ (٦٧).
[ ٧٢ ]
قلت: استنكر الإمام مسلم تفرد سلمة بن وردان، وهو ضعيف الحديث (١)، قال أبو حاتم: ليس بالقوي، عامة ما عنده عن أنس منكر، وقال الإمام أحمد: منكر الحديث (٢).
واستنكر تفرد " صدوق "، فقال: " ذكر خبر ليس بمحفوظ المتن: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة: " أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على الجوربين والنعلين. " - ثم ساق الإمام مسلم الروايات الصحيحة عن المغيرة، بما يبين خطأ أبي قيس -، ثم قال: " قد بينا من ذكر أسانيد المغيرة في المسح بخلاف ما روى أبو قيس عن هزيل عن المغيرة ما قد اقتصصناه وهم من التابعين وأجلتهم مثل مسروق وذكر من قد تقدم ذكرهم، فكل هؤلاء قد اتفقوا على خلاف رواية أبي قيس عن هزيل ومن خالف خلاف بعض هؤلاء بين لأهل الفهم من الحفظ في نقل هذا الخبر، وتحمل ذلك والحمل فيه على أبي قيس
أشبه وبه أولى منه بهزيل لان أبا قيس قد استنكر أهل العلم من روايته أخبارًا غير هذا الخبر " (٣).
قلت: وأبو قيس: هو عبد الرحمن بن ثروان الأودي، قال الحافظ ابن حجر:"صدوق ربما خالف " (٤)، وتعقب بأنه أطلق توثيقه يحيى بن معين، والعجلي، وابن نمير، وقال النسائي: لا بأس به، فهو صدوق حسن الحديث (٥).
المطلب السابع: مذهب الإمام أبي داود:
أطلق الإمام أبو داود مصطلح "منكر " على تفرد الراوي بما لا يتابع عليه، وكان هذا الفرد مما لا يحفظه أئمة الحديث.
فقد أطلقه على تفرد الثقة، ومنه ما رواه في السنن فقال:" حدثنا نصر بن علي عن أبي علي الحنفي عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال:" كان النبي - ﷺ - إذا دخل الخلاء وضع خاتمه". قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج
_________________
(١) التقريب (٢٥١٤).
(٢) انظر ميزان الاعتدال ٢/ ١٩٣ (٣٤١٤).
(٣) التمييز ص٢٠٢ (٧٩).
(٤) التقريب (٣٨٢٣).
(٥) أنظر التحرير ٢/ ٣١١.
[ ٧٣ ]
عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس: " أن النبي - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه ". والوهم فيه من همام ولم يروه إلا همام " (١).
قلت: وهمام ثقة معروف، لكنه انفرد بمتن غير محفوظ عند الأئمة فاستنكروه (٢).
وأطلقه على تفرد صدوق، ومنه: قال: " حدثنا يحيى بن معين وهناد بن السري وعثمان بن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب وهذا لفظ حديث يحيى عن أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس:" أن رسول الله - ﷺ - كان يسجد وينام وينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ، قال: فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت؟ فقال: إنما الوضوء على من نام مضطجعا ". زاد عثمان وهناد: " فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله ". قال أبو داود: قوله: الوضوء على من نام مضطجعًا، هو حديث
منكر لم يروه إلا يزيد، أبو خالد الدالاني عن قتادة، وروى أوله جماعة عن ابن عباس، ولم يذكروا شيئًا من هذا، وقال: كان النبي - ﷺ - محفوظا، وقالت عائشة ﵂: قال النبي - ﷺ -:" تنام عيناي ولا ينام قلبي ". وقال شعبة: إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث حديث يونس بن متى، وحديث ابن عمر في الصلاة، وحديث القضاة ثلاثة، وحديث ابن عباس: حدثني رجال مرضيون منهم عمر، وأرضاهم عندي عمر. قال أبو داود: وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل فانتهرني استعظامًا له، وقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة؟ ولم يعبأ بالحديث " (٣).
قلت: وأبو خالد الدالاني: قال الحافظ: " صدوق، يخطئ كثيرًا، وكان يدلس " (٤).
وأطلقه على تفرد الضعيف، ومنه: قال: " حدثنا نصر بن علي، قال: حدثني الحارث بن وجيه، قال: حدثنا مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -:" إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر ". قال أبو داود:
_________________
(١) السنن (١٩).
(٢) وانظر النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٧٧.
(٣) السنن (٢٠٢).
(٤) التقريب (٨٠٧٢)، وقال صاحبا التحرير ٤/ ١٨٥: " بل صدوق، كما قال البخاري، وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس، ووثقه أبو حاتم الرازي .. وأما التدليس: فلم نجد من وصفه به ".
[ ٧٤ ]
الحارث بن وجيه حديثه منكر وهو ضعيف " (١).
قلت: الحارث بن وجيه، هو الراسبي: ضعيف (٢).
وقد استنكر أبو داود أحاديث كثرًا لا لعلة يراها في السند، إلا لكون متنه غير محفوظ، أو يخالف المحفوظ، أو تفرد به ثقة فوصل المرسل، أو رفع الموقوف، ومن ذلك: قال: "
حدثنا عثمان بن أبي شيبة أن محمد بن جعفر حدثهم عن شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال:" هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن عنده هدي فليحل الحل كله وقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ". قال أبو داود: هذا منكر إنما هو قول ابن عباس " (٣).
قلت: عثمان بن أبي شيبة: ثقة حافظ (٤)، وهو كأي حافظ يخطئ في بعض الأحاديث وكذا استنكر عليه الإمام أحمد بعض أحاديثه (٥)، مع أنه وثقه هو نفسه (٦).
ومنه: قال " حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة وعثمان بن أبي شيبة المعنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن الحكم عن عمارة بن عمير عن أمه عن عائشة عن النبي - ﷺ - أنه قال:" ولد الرجل من كسبه من أطيب كسبه فكلوا من أموالهم ". قال أبو داود: حماد بن أبي سليمان زاد فيه: إذا احتجتم وهو منكر " (٧).
قلت: قال ابن حجر في حماد بن أبي سليمان:"فقيه صدوق له أوهام " (٨)، وقال الإمام الذهبي: " ثقة إمام مجتهد " (٩)، وجاء في تحرير التقريب: " فقيه صدوق حسن الحديث، وإنما أنزل إلى هذه المرتبة بسبب أوهام كانت تقع له، وثقه يحيى بن معين
_________________
(١) السنن (٢٤٨).
(٢) التقريب (١٠٥٦).
(٣) السنن (١٧٩٠).
(٤) التقريب (٤٥١٣).
(٥) انظر العلل ومعرفة الرجال ١/ ٢٦٦ (١٢٥١)، وتاريخ الخطيب ١٣/ ١٦٣.
(٦) انظر تهذيب الكمال ٥/ ١٣٤ (٤٤٤٦)،وتأريخ الخطيب ١٣/ ١٦٦ - ١٦٧.
(٧) السنن (٣٥٢٩).
(٨) التقريب (١٥٠٠).
(٩) الكاشف ١/ ٣٤٩ (١٢٢١).
[ ٧٥ ]
والنسائي والعجلي، وفضله يحيى بن سعيد على مغيرة بن مقسم - وهو ثقة - ..،قال أبو حاتم: صدوق لا يحتج به، وهو مستقيم في الفقه " (١).
وأطلقه على تفرد المتروك، ومنه: قال:"حدثنا سلمة بن شبيب، قال حدثنا عبد الله بن إبراهيم، قال: حدثني إسحاق بن محمد الأنصاري، عن ربيح بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - كان إذا جلس أحتبي بيده ". قال أبو داود: عبد الله بن إبراهيم شيخ منكر الحديث " (٢).
قلت: عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمرو الغفاري: متروك الحديث (٣).
وأطلقه على حديث منقطع الإسناد ومنه: قال: " حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال:"
نهى رسول الله - ﷺ - عن مطعمين عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر وأن يأكل الرجل وهو منبطح على بطنه ". قال أبو داود: هذا الحديث لم يسمعه جعفر من الزهري وهو منكر " (٤).
وهكذا نجد الإمام أبا داود قد توسع في مصطلح " منكر " ليشمل أنواع المخالفات من الثقات وغيرهم، وأحاديث الضعفاء، والمتروكين، وغيرهم.
المطلب الثامن: مذهب الإمام الترمذي:
إنّ الأحاديث التي ذكرناها في مذهب الإمام البخاري قد تنطبق هنا تمامًا، مضافًا إليها هذه الأمثلة مما ذكره في الجامع:
فمنها: قال " حدثنا بشر بن معاذ العقدي البصري، قال: حدثنا أيوب بن واقد الكوفي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -:" من نزل على قوم فلا يصومن تطوعًا إلا بإذنهم ". قال أبو عيسى: هذا حديث منكر، لا نعرف أحدًا من الثقات روى هذا الحديث عن هشام بن عروة وقد روى موسى بن داود عن أبي بكر
_________________
(١) التحرير ١/ ٣١٩، وأنظر تهذيب الكمال ٢/ ٢٨٢ (١٤٦٧)، والجرح والتعديل، ابن أبي حاتم ٢/ ١٤٧ (٦٤٢).
(٢) السنن (٤٨٤٦).
(٣) التقريب (٣١٩٩).
(٤) السنن (٣٧٧٤).
[ ٧٦ ]
المدني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي - ﷺ - نحوًا من هذا. قال أبو عيسى: وهذا حديث ضعيف أيضًا وأبو بكر ضعيف عند أهل الحديث، وأبو بكر المدني الذي روى عن جابر بن عبد الله اسمه الفضل بن مبشر وهو أوثق من هذا وأقدم " (١).قلت: أطلقه على تفرد المتروك، فأيوب بن واقد الكوفي: متروك الحديث (٢).
ومنه أيضا، قال:"حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا زيد بن حباب، قال حدثنا إبراهيم بن عثمان عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن النبي - ﷺ -: " قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب ". قال: وفي الباب عن أم شريك، قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث ليس إسناده بذلك القوي إبراهيم بن عثمان هو أبو شيبة الواسطي منكر الحديث والصحيح عن ابن عباس قوله:" من السنة القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب " (٣).
قلت: إبراهيم بن عثمان " متروك " (٤).
وأطلقه على تفرد الضعيف، ومنه: قال:" حدثنا حميد بن مسعدة قال: حدثنا محمد بن حمران عن أبي سعيد وهو عبد الله بن بسر قال: سمعت أبا كبشة الأنماري يقول:" كانت كمام أصحاب رسول الله - ﷺ - بطحًا ". قال أبو عيسى: هذا حديث منكر وعبد الله بن بسر بصري هو ضعيف عند أهل الحديث ضعفه يحيى بن سعيد وغيره، وبطح يعني واسعة " (٥).
وأطلقه على مخالفة الضعيف، ومنه: قال:" حدثنا محمد بن عمرو السواق، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن صالح بن محمد بن زائدة عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر عن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: " من وجدتموه غل في سبيل الله فاحرقوا متاعه ".قال صالح: فدخلت على مسلمة ومعه سالم بن عبد الله فوجد رجلًا قد غل فحدث سالم بهذا الحديث، فأمر به فأحرق متاعه، فوجد في متاعه مصحف فقال سالم: بع هذا وتصدق بثمنه. قال أبو عيسى: هذا الحديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، قال: وسألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة وهو أبو
_________________
(١) الجامع (٧٨٩).
(٢) التقريب (٦٣٠).
(٣) الجامع (١٠٢٦).
(٤) التقريب (٢١٥).
(٥) الجامع (١٧٨٢).
[ ٧٧ ]
واقد الليثي وهو منكر الحديث، قال محمد: وقد روي في غير حديث عن النبي - ﷺ - في الغال فلم يأمر فيه بحرق متاعه، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب " (١).
قلت: صالح بن محمد بن زائدة: ضعيف (٢).
المطلب التاسع: مذهب الإمام أبي بكر البرديجي:
قال: " إنه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يعرف متنه من غير روايته لا من الوجه الذي رواه عنه ولا من وجه آخر " (٣).وسنناقشه لاحقًا.
المطلب العاشر: مذهب الإمام النسائي:
أطلق الإمام النسائي مصطلح "منكر " على مخالفة الثقة، ومثاله: قال: " أخبرنا هناد ابن السري عن أبي الأحوص عن سماك عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بردة بن نيار قال: قال رسول الله - ﷺ -:"اشربوا في الظروف ولا تسكروا". قال أبو عبد الرحمن: وهذا حديث منكر غلط فيه أبو الأحوص سلام بن سليم، لا نعلم أن أحدا تابعه عليه من أصحاب سماك بن حرب وسماك ليس بالقوي وكان يقبل التلقين، قال أحمد بن حنبل: كان أبو الأحوص يخطئ في هذا الحديث، خالفه شريك في إسناده وفي لفظه" (٤).
قلت: وأبو الأحوص: ثقة (٥)، قد خالف شريكًا فأخطأ (٦).
وأطلقه على تفرد الصدوق، ومنه: قال: " أخبرنا زكريا بن يحيى قال: حدثنا أبو بكر بن خلاد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:" تسحروا فإن في السحور بركة ". قال أبو عبد الرحمن:
_________________
(١) الجامع (١٤٦١)
(٢) التقريب (٢٨٨٥).
(٣) مقدمة ابن الصلاح ص٨٠، وانظر شرح علل الترمذي ٢/ ٦٥٣ وفتح المغيث، السخاوي ١/ ٢٢٢ وغيرها.
(٤) سنن النسائي ٨/ ٣١٩.
(٥) التقريب (٢٧٠٣).
(٦) وأعله أيضا: أبو زرعة، العلل ٢/ ٢٤ (١٥٤٩)، والدارقطني في السنن ٤/ ٢٥٩. قلت: فأما خطأ الإسناد: فقد رواه شريك: عن سماك عن القاسم عن أبي بردة عن أبيه. وأما خطأ المتن: فالمحفوظ: " كنت نهيتكم عن الظروف فاشربوا ولا تشربوا مسكرا " وهو الذي صوبه الحافظ ابن حجر العسقلاني في النكت الظراف ٨/ ٣٠٦.
[ ٧٨ ]
حديث يحيى بن سعيد هذا إسناده حسن وهو منكر، وأخاف أن يكون الغلط من محمد بن فضيل " (١). قلت: ومحمد بن فضيل: صدوق (٢) وقد تفرد ولم يتابع.
وأطلقه أيضا على مخالفة الصدوق، ومنه: قال: " أخبرنا أحمد بن نصر، قال: حدثنا عمرو بن محمد، قال: حدثنا عثام بن علي، قال: حدثنا الأعمش، عن حبيب بن
أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:"كان النبي - ﷺ - يصلي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان ويخففهما". قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث منكر " (٣).
قلت: وعثام بن علي بن هجير العامري: قال الحافظ ابن حجر: "صدوق " (٤)؛ وقد خالفه محمد بن فضيل عن الأعمش: فرواه عن الأعمش عن حبيب، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس (٥).
وأطلقه على مخالفة الضعيف، ومنه: قال النسائي:" أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر، عن أبيه، قال: سمعت طلقًا يذكر عشرة من الفطرة: السواك وقص الشارب وتقليم الأظفار وغسل البراجم وحلق العانة والاستنشاق وأنا شككت في المضمضة. أخبرنا قتيبة قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن طلق بن حبيب، قال: عشرة من السنة السواك وقص الشارب والمضمضة والاستنشاق وتوفير اللحية وقص الأظفار ونتف الإبط والختان وحلق العانة وغسل الدبر. قال أبو عبد الرحمن: وحديث سليمان التيمي وجعفر بن إياس أشبه بالصواب من حديث مصعب بن شيبة ومصعب منكر الحديث " (٦).
_________________
(١) سنن النسائي ٤/ ١٤٢.
(٢) هكذا قال الحافظ في التقريب (٦٢٢٧). قلت: هو ثقة، وإنما حمل عليه لتشيعه، وهي علة غير قادحة، إلا فيما يؤيدها من الأحاديث، وإلا فقد وثقه ابن معين، وابن المديني، وابن سعد، والعجلي، وغيرهم، وقال الذهبي في الكاشف، وقد احتج به الشيخان في صحيحيهما. أنظر ميزان الإعتدال ٤/ ٩ وتهذيب التهذيب ٩/ ٣٥٩ (٦٦٠) والتحرير ٣/ ٣٠٧.
(٣) سنن النسائي ٣/ ٢٥٦.
(٤) التقريب (٤٤٤٨)، قال صاحبا التحرير ٢/ ٤٣٣:" ثقة، وثقه أبو زرعة الرازي، وابن سعد، وابن معين، والبزار، وقال أحمد: لابأس به، وقال ابو حاتم: صدوق، وأثنى عليه أبو داود ولا يعلم فيه جرح ".
(٥) أخرجه النسائي في الكبرى ١/ ١٦٣ (٤٠٥).
(٦) سنن النسائي ٨/ ١٢٨.
[ ٧٩ ]
قلت: ومصعب بن شيبة: ضعيف (١).
وأطلقه على تفرد الضعيف، ومنه: قال النسائي: " أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا مصعب بن ثابت، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: جيء بسارق إلى رسول الله - ﷺ - فقال: اقتلوه، فقالوا يا رسول الله: إنما سرق؟ قال: اقطعوه، فقطع، ثم جيء به الثانية، فقال: اقتلوه، فقالوا يا رسول الله: إنما سرق؟ قال: اقطعوه فقطع، فأتي به الثالثة فقال: اقتلوه؟ قالوا يا رسول الله: إنما سرق؟ فقال: اقطعوه، ثم أتي به الرابعة فقال: اقتلوه، قالوا يا رسول
الله: إنما سرق؟ قال: اقطعوه، فأتي به الخامسة، قال: اقتلوه، قال جابر: فانطلقنا به إلى مربد النعم وحملناه فاستلقى على ظهره ثم كشر بيديه ورجليه فانصدعت الإبل ثم حملوا عليه الثانية، ففعل مثل ذلك، ثم حملوا عليه الثالثة فرميناه بالحجارة فقتلناه، ثم ألقيناه في بئر ثم رمينا عليه بالحجارة. قال أبو عبد الرحمن: وهذا حديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث والله تعالى أعلم " (٢).
وأطلقه أيضا على سند فيه مجهول، ومنه: قال: "أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: حدثنا عبيد الله، قال: حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن سالم، عن رجل حدثه، عن البراء بن عازب: " أن رجلًا كان جالسًا عند النبي - ﷺ - وعليه خاتم من ذهب وفي يد رسول الله - ﷺ - مخصرة أو جريدة فضرب بها النبي - ﷺ - إصبعه، فقال الرجل: مالي يا رسول الله؟ قال ألا تطرح هذا الذي في إصبعك فأخذه الرجل فرمى به فرآه النبي - ﷺ - بعد ذلك فقال: ما فعل الخاتم؟ قال: رميت به قال: ما بهذا أمرتك إنما أمرتك أن تبيعه فتستعين بثمنه "، وهذا حديث منكر " (٣).
وخلاصة القول:
من خلال الاستقراء لمنهج الأئمة المتقدمين يظهر بجلاء أن الأحاديث المنكرة هي الأحاديث التي يخطئ فيها الراوي؛ في إسنادها أو متنها، سواء أكان هذا الراوي ثقة أم صدوقًا، أم ضعيفًا، أم متروكًا؛ وأنّ النكارة تطلق على تفرد الضعيف، أوعلى ما يرويه
_________________
(١) قال ابن حجر " لين الحديث " التقريب (٦٦٩١).
(٢) سنن النسائي ٨/ ٩٠.
(٣) سنن النسائي ٨/ ١٧٠.
[ ٨٠ ]
المتروك مطلقًا.
فالرواة ثقاتٍ كانوا أم غير ثقاتٍ لا يحكم على أحدهم أنه منكر الحديث أو على روايته أنها منكرة إلا إذا عرضت روايته على روايات الثقات فإن وافقتها فهي مقبولة وراويها ثقة لا يخالف، وإن لم تكد توافق فهي غرائب منكرة بيد أن راويها يكون من رواة الاختبار- ممن يختبر حديثه- فإن كثر عليه ذلك حتى يغلب على روايته الغرائب عندئذ يكون منكر الحديث، فإن كان صاحب المناكير ثقة فرواياته الموافقة لروايات
الثقات تقبل، أما ما يخالف فتترك، وأما إن كان راوي المناكير ضعيفًا فإنه تترك روايته وافقه أحد أم لا، لأنه منكر الحديث (متروك).
قال الحافظ عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة: " قيل له: من الذي يترك حديثه؟ قال: الذي إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون فأكثر طرح حديثه " (١).
ويفهم أيضا من كلام الإمام مسلم: "وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها، فإن كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله" (٢).
ومن خلال ما مر من أقوال الأئمة، وصنيعهم تبين لنا بطلان القول الشائع عند بعض المتأخرين، أن المتقدمين يطلقون المنكر على تفرد الثقات فقط، وينسبون ذلك إلى الإمام أحمد، أو غيره من الأئمة، وبان أن من منهج المتقدمين إطلاق مصطلح منكر، أو مناكير، أو أغلاط، أو أخطاء، أو ما شاكلها على تفرد الرواة مطلقًا بشيء غير محفوظ عندهم، وأنهم لا يفرقون بين هذه الألفاظ الدالة على الخطأ، وهذا ما يسميه الحافظ ابن حجر شاذا إذا كان من ثقة، ومنكرًا إذا كان من ضعيف، أي: لا يفرقون بينهما.
_________________
(١) الكفاية، الخطيب ص١٤٢.
(٢) مقدمة الإمام مسلم ١/ ٧ وانظر النكت على ابن صلاح، ابن حجر ٢/ ٦٧٥.
[ ٨١ ]
الفصل الثاني
الحديث الشاذ
المبحث الأول: تعريف الحديث الشاذ:
الشاذ في اللغة:
مأخوذ من "شذّ، يشذّ شذًا أو شذوذًا: ندر عن الجمهور وشذّه هو كمدّه لا غير. وشذّ وأشذه والشذاذ: القلال والذين لم يكونوا في حيهم ومنازلهم" (١).
قال ابن حزم: " إنّ كل من خالف أحدًا فقد شذ عنه وكل قول خالف الحق فهو شاذ عن الحق فوجب أن كل خطأ فهو شذوذ عن الحق وكل شذوذ عن الحق فهو خطأ" (٢).
وفي الاصطلاح:
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: الشاذ: " ما رواه "المقبول" مخالفًا لمن هو أولى منه" (٣).
فالشاذ إذن من أقسام الحديث الضعيف كما هو مقرر. (٤)
هنا أسأل: ما مراد الحافظ ابن حجر بـ "المقبول": هل هو الضعيف المعتبر كما قرره في التقريب (٥)؟ أم الضعيف غير المعتبر؟ أم الثقة؟.
فإن قيل: أراد به الضعيف أو الضعيف المعتبر، قلنا: لازمه أن الشاذ والمنكر واحد، وقد فرق بينهما الحافظ ابن حجر بل عد ذلك غفلة بقوله:" وقد غفل من سوى بينهما" (٦)، وإن قيل أراد به الثقة، قيل له: فلماذا لم يصرح بذلك؟
_________________
(١) القاموس المحيط باب الذال مادة "شذ" ١/ ٣٥٤، وانظر مختار الصحاح مادة "شذ" ص (٣٣٢ - ٣٣٣).
(٢) الإحكام ٤/ ٥٧٦.
(٣) نزهة النظر ص٥٠، وانظر تدريب الراوي، السيوطي ١/ ١٩٦.
(٤) انظر مصدر سابق.
(٥) انظر مقدمة التقريب ١/ ٥٢، وقد عدها في المرتبة السادسة.
(٦) نزهة النظر ص٥٢، وانظر صفحة ٤٢ من مبحث المنكر.
[ ٨٢ ]
أقول: إنما قال ذلك لأنه رأى التصريح بالثقة يخالف صنيع الأئمة والضعيف كذلك، فأراد التوفيق بينهما فقال: المقبول وأراد به الذي يحتج به مطلقًا منفردًا أو متابعًا، يعني -صحيح
الحديث وحسنه- فقط (١)،والله أعلم.
ومع كل ذلك فعلى تعريفه: - ما خالف المقبول- يكون قد عارض نفسه فقد نقل عنه السيوطي في التدريب عند تعريف الحديث الصحيح قوله: "مجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق أو أكثر عددًا لا يستلزم الضعف، بل يكون من باب صحيح وأصح " (٢)؟ فتأمل!
وتأمل قوله في حد الصحيح: " إن شرط الصحيح أن لا يكون الحديث شاذًا" (٣)، فهل الشاذ صحيح؟ أو حسن؟ أو ضعيف؟ والأمثلة كثيرة لمن يتتبع.
وفي الحقيقة لم أقف على قولٍ "لمتأخر"، يعطي الشاذ حقيقة مفهومه لأنه لم يُستقرأ بشكل صحيح، بل استُنتج فقط، والأعم الأغلب منهم يكرر عبارة سابقه، مع إجلالنا لهم، والاعتراف بفضلهم.
من أجل ذلك يقول السيوطي:" الحديث الشاذ عسير ولعسره لم يفرده أحدٌ بالتصنيف". (٤)
وإن هذا المصطلح نادر الاستعمال لدى المتقدمين، فإذا تتبعت أقوالهم في كتب العلل فإنك لا تكاد تجد فيها كلمة " الشاذ "،، ولا يعني هذا أنهم لا يعتبرون الشذوذ علة، وإنما أوردوا ما يقال فيه الشاذ بعبارات أخرى واضحة مثل قولهم: هذا خطأ، هذا غير محفوظ، هذا وهم، ونحوها، وسأعرض الأقوال التي استطعت أن أقف عليها في كتب المصطلح، حتى نحدد مفهوم الحديث الشاذ عندهم.
أقوال علماء المصطلح في تعريف الحديث الشاذ:
قال الحاكم النيسابوري ت (٤٠٥): " الشاذ هو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته أنه دخل حديث في حديث أو وهم فيه راو أو أرسله واحد فوصله واهم
_________________
(١) انظر النكت على ابن صلاح ٢/ ٦٧٤، وصفحة ٤٢ من بحث المنكر.
(٢) تدريب الراوي ١/ ٤٥.
(٣) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٥٤.
(٤) تدريب الراوي ١/ ١٩٤.
[ ٨٣ ]
فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة." (١).
وهو أول تعريف للشاذ في كتب المصطلح كنوع من أنواع علوم الحديث، إذ لم أقف على تعريفه في أول كتاب في مصطلح الحديث وهو كتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي " للحافظ الرامهرمزي ت (٣٦٠هـ).
وقال أبو يعلى الخليلي ت (٤٤٦): " الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة فما كان من غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به" (٢).
أما الخطيب البغدادي ت (٤٦٣): فإنه لم يصرح لنا بتعريف للشاذ في الكفاية أو غيرها من كتبه -والله أعلم- وإنما بوب بابًا سماه " ترك الاحتجاج بمن غلب على حديثه الشواذ ورواية المناكير والغرائب من الأحاديث" (٣)،ونقل كلام أئمة الشأن في ترك الاحتجاج بالحديث الشاذ.
وقال الميانشي ت (٥٧١): " فهو أن يرويه راو معروف لكنه لا يوافقه على روايته المعروفون " (٤)
وقال الحافظ ابن الصلاح ت (٦٤٣):" الأمر في ذلك على تفصيل نبينه فنقول: إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه فإن كان ما انفرد به مخالفًا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط، كان ما انفرد به شاذًا مردودًا وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره فينظر في هذا الراوي المنفرد فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه كما فيما سبق من الأمثلة وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارمًا له مزحزحا له عن حيز الصحيح ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ولم
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص١١٩.
(٢) الإرشاد ١/ ١٧٦.
(٣) الكفاية ص ١٤٢.
(٤) ما لا يسع المحدث جهله ص ١١.
[ ٨٤ ]
نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدًا من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر، فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان: أحدهما الحديث الفرد المخالف، والثاني الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف، والله أعلم (١).
وتعقبه الحافظ ابن جماعة ت (٧٧٣) فقال: " وهذا التفصيل حسن ولكنه مخل لمخالفة الثقة من هو مثله في الضبط وبيان حكمه" (٢).
وقال الإمام النووي ت (٦٧٦):" فالصحيح التفصيل: فإن كان بتفرده مخالفًا أحفظ منه وأضبط كان شاذًا مردودًا، وإن لم يخالف الراوي فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بضبطه كان تفرده صحيحًا، وإن لم يوثق بضبطه ولم يبعد عن درجة الضابط كان حسنًا، وإن بعد كان شاذًا منكرًا مردودًا والحاصل أن الشاذ المردود: هو الفرد المخالف والفرد الذي ليس في رواته من الثقة والضبط ما يجبر به تفرده" (٣).
وقال ابن دقيق العيد ت (٧٠٢): " هو ما خالف راويه الثقات أو ما انفرد به من لا يحتمل حاله أن يقبل ما تفرد به" (٤).
ورجح الحافظ ابن كثير ت (٧٧٤): مذهب الشافعي وهو أنه إذا كان المنفرد عدلًا ضابطًا حافظًا فحديثه صحيح، وأما إن كان المنفرد غير حافظ وهو عدل ضابط فحديثه حسن وإن فقد الشروط فإنه مردود.
ثم قال: فإن هذا لو رد لردت أحاديث كثيرة من هذا النمط وتعطلت كثير من المسائل عن الدلائل. (٥) ورجح الشيخ أحمد شاكر مذهب ابن كثير في تعليقه - الباعث الحثيث-. (٦)
وقال الحافظ العراقي ت (٨٠٦):
وذو الشذوذ ما يخالف الثقة فيه الملا فالشافعي حققه
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ٧٦.
(٢) المنهل الروي ص٥٠.
(٣) تقريب النواوي بشرحه تدريب الراوي، السيوطي ١/ ١٩٥ - ١٩٦.
(٤) الاقتراح ص١٩٧.
(٥) انظر اختصار علوم الحديث بشرحه الباعث الحثيث ص٥٥.
(٦) انظر مصدر سابق.
[ ٨٥ ]
والحكم الخلاف فيه ما اشترط وللخليلي مفرد الراوي فقط
ورد ما قالا بمفرد الثقة كالنهي عن بيع الولا والهبة
وبقول مسلم روى الزهري تسعين فردًا كلها قوي (١)
وقال لحافظ ابن حجر العسقلاني ت (٨٥٢):"وفي الجملة فالأليق في حد الشاذ ما عرف به الشافعي " (٢).
وقال في النزهة: " الشاذ ما رواه المقبول مخالفًا لمن هو أولى منه. وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح " (٣).
وهو الذي رجحه السخاوي ت (٩٠٢) فقال: "فالأليق في حد الشاذ ما عرفه الشافعي، ولذا اقتصر عليه شيخنا في شرح النخبة عليه ". (٤) وكذا السيوطي ت (٩١١) في التدريب (٥) والصنعاني (٦) ت (١١٨٢).
المبحث الثاني: مفهوم الحديث الشاذ عند المتأخرين:
بعد أن ذكرنا أقوال أهل المصطلح في الحديث الشاذ، سنشرع في ذكر مذاهب الأئمة المتأخرين - بصورة عامة - في مفهوم الحديث:" الشاذ " ثم نناقش آراءهم.
ويمكن أن نقسم مفهوم الحديث الشاذ حسب أقوالهم إلى مذاهب:
المذهب الأول: الشاذ هو تفرد الثقة مطلقًا.
وهو ظاهر قول الحاكم النيسابوري، قال: " الشاذ هو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته أنه دخل حديث في حديث أو وهم فيه راو أو أرسله واحد فوصله واهم فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة." (٧).
قال الحافظ ابن حجر: " والحاصل من كلامهم أن الخليلي يسوي بين الشاذ والفرد
_________________
(١) ألفية الحديث بشرحها فتح المغيث، السخاوي ١/ ٢١٧.
(٢) النكت ٢/ ٦٧١.
(٣) نزهة النظر ص٥١.
(٤) فتح المغيث ١/ ٢٢٢.
(٥) تدريب الراوي ١/ ١٩٦.
(٦) توضيح الأفكار ١/ ٣٧٩.
(٧) معرفة علوم الحديث ص١١٩.
[ ٨٦ ]
المطلق فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح فكلامه أعم، وأخص منه كلام الحاكم لأنه يقول: إنه تفرد الثقة فيخرج تفرد غير الثقة فيلزم على قوله أن يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ، وأخص منه كلام الشافعي لأنه يقول: إنه تفرد الثقة بمخالفة من هو أرجح منه" (١).
وقال السخاوي: الشاذ عند الحاكم هو: " ما انفرد به ثقة من الثقات وليس له أصل متابع لذلك الثقة فاقتصر على قيد الثقة وحده وبين ما يؤخذ منه أنه يغاير المعلل، من حيث إن ذلك وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، من إدخال حديث في حديث أو وصل مرسل أو نحو ذلك" (٢).
وقال ابن الوزير: " ففي رواية الخليلي هذه عن حفاظ الحديث: أنهم لم يشترطوا في الشاذ مخالفة الناس" (٣)، قال الصنعاني: " كما لم يشترطها الحاكم" (٤).
قال ابن الصلاح: " أما ما حكم الشافعي عليه بالشذوذ فلا إشكال في أنه شاذ غير مقبول، وأما ما حكيناه عن غيره -يريد الحاكم وأبا يعلى- فيشكل بما ينفرد به العدل الحافظ الضابط كحديث: " إنما الأعمال بالنيات" فإنه حديث فرد" (٥).
وتعقبه الحافظ ابن حجر بأمرين: " أحدهما: أن الخليلي والحاكم ذكرا تفرد الثقة فلا يرد عليهما تفرد الحافظ، لما بينهما من الفرق، والثاني أن حديث النية لم يتفرد به عمر بل قد رواه أبو سعيد وغيره عن النبي - ﷺ - " (٦).وكذا السيوطي إذ قال: " وأجيب بأنهما أطلقا الثقة فتشمل الحافظ وغيره، والثاني أنّ حديث النية لم ينفرد به عمر، بل رواه عن النبي - ﷺ - أبو سعيد الخدري .. " (٧).
قلت: إما عن قولهم: إن أبا سعيد الخدري وغيره من الصحابة - ﵃ - تابعوا عمر بن الخطاب -
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٥٢ - ٦٥٣.
(٢) فتح المغيث ١/ ٢١٩.
(٣) توضيح الأفكار ١/ ٣٧٩.
(٤) انظر مصدر سابق.
(٥) مقدمة ابن الصلاح ص ٧٦.
(٦) توضيح الأفكار، الصنعاني ١/ ٣٨٠ ولم أقف عليه في مؤلفات ابن حجر.
(٧) تدريب الراوي، السيوطي ١/ ١٩٧، وانظر الارشاذ، الخليلي١/ ١٦٧، وتوضيح الأفكار، الصنعاني ٢/ ٣٨٠.
[ ٨٧ ]
ﷺ - فهذا الاستدلال مردود لأن حديث أبي سعيد لا يصح البتة، وقد أجمع أهل العلم على أن الحديث لم يصح إلا من طريق عمر وبالإسناد المعروف: يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -.
وقال الحافظ العراقي:
وذو الشذوذ ما يخالف الثقة فيه الملا فالشافعي حققه
والحاكم الخلاف فيه ما اشترط وللخليلي مفرد الراوي فقط
ورد ما قالا بمفرد الثقة كالنهي عن بيع الولا والهبة
وبقول مسلم روى الزهري تسعين فردًا كلها قوي (١)
فالحافظ العراقي قد اعترض على الحاكم والخليلي بما تفرد به الثقة؟ فإنه مقبول، ومثل له بحديث "النهي عن بيع الولاء وهبته" (٢)، فإنه لم يصح إلا من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر حتى قال مسلم عقبه: " الناس كلهم في هذا الحديث عيال عليه" (٣)، وكذا بما قاله الإمام مسلم: " وللزهري نحو من تسعين حديثًا يرويه عن النبي - ﷺ - لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد" (٤)
أقول: إن أبا عبد الله الحاكم أول من تكلم من كتّاب المصطلح في الشاذ وكلامه في كتابه " معرفة علوم الحديث " واضح بين، وهو أن الشاذ ما انفرد به الثقة وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة في المتن أو الإسناد، وقد مثل بثلاثة أمثلة، منها ما ذكره بقوله: "حدثنا أبو بكر محمد بن احمد بن بالويه قال: حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل:" أن النبي - ﷺ - كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب ".
_________________
(١) فتح المغيث، السخاوي ١/ ٢١٧.
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٥٦)، ومسلم ٢/ ١١٤٥ (١٥٠٦).
(٣) مسلم ٢/ ١١٤٥ (١٥٠٦).
(٤) مسلم ٣/ ١٢٦٨ (١٦٤٧).
[ ٨٨ ]
قال أبو عبد الله: هذا حديث رواته أئمة ثقات وهو شاذ الإسناد والمتن، لا نعرف له علة نعلله بها، ولو كان الحديث عند الليث عن أبي الزبير عن أبي الطفيل لعللنا به الحديث، ولو كان عند يزيد ابن أبي حبيب عن أبي الزبير لعللنا به، فلما لم نجد له العلتين خرج عن أن يكون معلولًا ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل ولا عند أحد ممن رواه عن معاذ بن جبل عن أبي الطفيل فقلنا الحديث شاذ.
وقد حدثونا عن أبي العباس الثقفي قال: كان قتيبة بن سعيد يقول لنا: على هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي خيثمة حتى عد قتيبة أسامي سبعة من أئمة الحديث كتبوا عنه هذا الحديث وقد أخبرناه
أحمد بن جعفر القطيعي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال حدثنا قتيبة فذكره.
قال أبو عبد الله: فأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبًا من إسناده ومتنه ثم لم يبلغنا عن أحد منهم انه ذكر للحديث علة، وقد قرأ علينا أبو علي الحافظ هذا الباب وحدثنا به عن أبي عبد الرحمن النسائي وهو إمام عصره عن قتيبة بن سعيد ولم يذكر أبو عبد الرحمن ولا أبو علي للحديث علة، فنظرنا فإذا الحديث موضوع وقتيبة بن سعيد ثقة مأمون.
حدثني أبو الحسن محمد بن موسى بن عمران الفقيه قال: حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، قال: سمعت صالح بن حفصويه النيسابوري - قال أبو بكر: وهو صاحب حديث- يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدائني، قال البخاري: وكان خالد المدائني يدخل الأحاديث على الشيوخ " (١).
أقول: لي مع أبي عبد الله الحاكم في هذا الحديث وقفات:
١ - لا يعني من عدم تكلمهم في علة الحديث عند إيراده أنهم لم يتكلموا فيه أصلًا.
٢ - الإمام النسائي لم يخرج هذا الحديث من طريق قتيبة أصلًا، وإنما أخرجه من
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص١١٩ - ١٢٢.
[ ٨٩ ]
طريق مالك بن أنس عن أبي الزبير عن أبي الطفيل به، على الوجه الصحيح (١).
٣ - قد تكلم فيه الأئمة وأعلوه، فممن أعله: أبو حاتم الرازي في العلل (٢)،وقال أبو داود: "لم يروه إلا قتيبة وحده " (٣)،وهو إعلال واضح، وقال الترمذي بعد أن ساق الحديث:" حديث معاذ حديث حسن غريب تفرد به قتيبة، لا نعرف أحدًا رواه عن الليث غيره وحديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ حديث غريب، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ أن
النبي - ﷺ - جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء. رواه قرة بن خالد وسفيان الثوري ومالك وغير واحد عن أبي الزبير المكي وبهذا الحديث يقول الشافعي وأحمد وإسحاق يقولان: لا بأس أن يجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما " (٤). ونقل هو إعلال الإمام البخاري الحديث بخالد المدائني.
ثم قال -أعني الحاكم-:" ومن هذا الجنس: حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي بمرو الثقة المأمون من أصل كتابه قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن سيار قال: حدثنا محمد بن كثير العبدي، قال: حدثنا سفيان الثوري قال: حدثني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال:" رأيت رسول الله - ﷺ - في صلاة الظهر يرفع يديه إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع ". قال أبو عبد الله: وهذا الحديث شاذ الإسناد والمتن إذ لم نقف له على علة وليس عند الثوري عن أبي الزبير هذا الحديث ولا ذكر أحد في حديث رفع اليدين أنه في صلاة الظهر أو غيرها ولا نعلم أحدًا رواه عن أبي الزبير غير إبراهيم بن طهمان وحده تفرد به إلا حديث يحدث به سليمان بن أحمد الملطي من حديث زياد بن سوقة وسليمان متروك يضع الحديث، وقد رأيت جماعة من أصحابنا يذكرون أن علته أن يكون عن محمد بن كثير عن إبراهيم ين طهمان وهذا خطأ فاحش وليس عند محمد بن كثير عن إبراهيم بن طهمان حرف فيتوهمون قياسًا أن محمد بن كثير يروي عن إبراهيم بن طهمان كما روى أبو حذيفة لأنهما جميعًا رويا عن الثوري وليس
_________________
(١) المجتبى ١/ ٢٥٨ والكبرى برقم (١٤٨٠)، وانظر المسند الجامع ١٥/ ٢٢٤ (١١٥١١).
(٢) علل الحديث ١/ ٩١.
(٣) سنن أبي داود (١٢٢٠).
(٤) جامع الترمذي (٥٥٣) و(٥٥٤).
[ ٩٠ ]
كذلك فإن أبا حذيفة قد روى عن جماعة لم يسمع منهم محمد بن كثير منهم إبراهيم بن طهمان وشبل بن عباد وعكرمة بن عمار وغيرهم من أكابر الشيوخ. حدثنا أبو الحسين عبد الرحمن بن نصر المصري الأصم ببغداد قال: حدثنا أبو عمرو بن خزيمة البصري بمصر قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثنا أبي عن ثمامة عن أنس قال: كان قيس بن سعد من النبي - ﷺ - بمنزلة صاحب الشرط من الأمير، يعني ينظر في أموره، وحدثنا جماعة من مشايخنا عن أبي بكر محمد بن إسحاق قال: حدثني أبو عمرو محمد بن خزيمة البصري بمصر وكان ثقة فذكر الحديث بنحوه.
قال أبو عبد الله: وهذا الحديث شاذ بمرة فإن رواته ثقات وليس له أصل عن أنس ولا عن غيره من الصحابة بإسناد آخر" (١).
قلت: ويظهر بجلاء منهج الحاكم في عد تفرد الثقة شذوذًا، إذ عد حديث أنس: " كان منزلة قيس بن سعد "، شاذًا وهو مخرج في صحيح البخاري (٢)، قال الحافظ ابن حجر: "والحاكم موافق على صحته إلا أنه يسميه شاذًا، ولا مشاحة في الاصطلاح " (٣)
أقول: ويؤيد ما استنتجه منه علماء المصطلح من أنه أراد به تفرد الثقة مطلقًا؛ صنيعه في أمكنة أخرى، منها ما ذكره في كتابه المدخل إلى الإكليل، والأمثلة التي مثل بها، وكذلك بعض الأحاديث التي أعلها في المستدرك.
ففي كتابه المدخل إلى الإكليل ذكر أقسام الحديث الصحيح المتفق عليه، وفي (القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه) قال: " هذه الأحاديث الأفراد والغرائب التي يرويها الثقات العدول تفرد بها ثقة من الثقات، وليس لها طرق مخرجة في الكتب " (٤).
ثم ضرب لهذا القسم أمثلة منها: حديث اتفق على إخراجه الشيخان وهو حديث عائشة ﵂ في سحر النبي - ﷺ - (٥)، ثم قال الحاكم عقبه: " هذا الحديث مخرج في
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص١١٩ - ١٢٢.
(٢) برقم (٧١٥٥)، وانظر تخريجه كاملا في المسند الجامع ٢/ ٤٤٠ (١٤٨٤).
(٣) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٧٠ - ٦٧١.، وانظر فتح المغيث، السخاوي ١/ ٢٢٠.
(٤) المدخل إلى الإكليل ص ٣٩.
(٥) وتمام الحديث:" عن السيدة عائشة ﵂ قالت:" سحر رسول الله - ﷺ - رجل من بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم حتى كان رسول الله - ﷺ - يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي لكنه دعا ودعا ثم قال يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب قال من طبه؟ قال لبيد بن الأعصم: قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلع نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان فأتاها رسول الله - ﷺ - في ناس من أصحابه فجاء فقال: يا عائشة كأن ماءها نقاعة الحناء أو كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين! قلت: يارسول الله أفلا استخرجته؟ قال: قد عافاني الله فكرهت أن أثور على الناس فيه شرا. فأمر بها فدفنت ".
[ ٩١ ]
الصحيح وهو شاذ بمرّة ".فالحاكم هنا موافق على أنه صحيح حجة لكنه يصفه بالشذوذ باعتبار التفرد فقط.
ومن أمثلة ذلك:-
ما أخرجه الحاكم في المستدرك فقال:" حدثني علي بن حمشاذ العدل قال: حدثنا عبيد بن عبد الواحد وأخبرني أحمد بن محمد العنزي حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي قالا: حدنا محمد بن أبي السري العسقلاني، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال:" إن للإسلام ضوءًا ومنارًا كمنار الطريق ".هذا حديث صحيح على شرط البخاري فقد روي عن محمد بن خلف العسقلاني واحتج بثور بن يزيد الشامي فأما سماع خالد بن معدان عن أبي هريرة فغير مستبعد فقد حكى الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عنه أنه قال لقيت سبعة عشر رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -. ولعل متوهمًايتوهم أن هذا متن شاذ فلينظر في الكتابين ليجد من المتون الشاذة التي ليس لها إلا إسناد واحد ما يتعجب منه ثم ليقس هذا عليها " (١).
ومثل أيضًا بحديث ابن عمر في المسح، قال الحاكم:" حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا بحر بن نصر بن سابق الخولاني، قال: حدثنا بشر بن بكر حدثنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر الجهني قال: خرجت من الشام إلى المدينة يوم الجمعة فدخلت المدينة يوم الجمعة فدخلت على عمر بن الخطاب فقال لي: "متى أولجت خفيك في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة، قال: فهل نزعتهما؟ قلت: لا، فقال أصبت السنة ". هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وله شاهد آخر عن عقبة بن عامر؛ حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن إسحاق الاسفرائيني قال: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثنا
_________________
(١) المستدرك ١/ ٧٠.
[ ٩٢ ]
المفضل بن فضالة قال: سألت يزيد بن أبي حبيب عن المسح على الخفين فقال: أخبرني عبد الله بن الحكم البلوي عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر أنه أخبره أنه وفد إلى عمر بن الخطاب - ﵁ - عاما قال عقبة: وعليّ خفاف من تلك الخفاف الغلظ فقال لي عمر:" متى عهدك بلباسهما؟ فقلت: لبستهما يوم الجمعة وهذا يوم الجمعة فقال لي: أصبت السنة ". وقد صحت الرواية عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يوقت في
المسح على الخفين وقتا وقد روي هذا الحديث عن أنس بن مالك عن رسول الله - ﷺ - بإسناد صحيح رواته عن آخرهم ثقات إلا أنه شاذ بمرة " (١).
وهكذا لا يبقى شك في أن الشذوذ عند الحاكم ليس وصفًا مناقضًا للصحة، بل هو عبارة عن وصف الحديث بالتفرد بأصل لا متابع له فيه بغض النظر عن قبوله أو رده (٢).
والدليل على اضطراب الحاكم في إطلاق الشاذ أنه لم يقصر إطلاقه على ما تفرد به الثقة كما عرفه (٣)، بل أطلقه على حديث الضعيف.
ومنه: قال في المستدرك: " حدثنا أحمد بن كامل القاضي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرقي، قال: حدثنا إسحاق بن بشر الكاهلي، قال: حدثنا محمد بن فضيل عن سالم بن أبي حفصة عن جميع بن عمير الليثي قال: أتيت عبد الله بن عمر - ﵁ - فسألته عن علي - ﵁ - فانتهرني ثم قال: ألا أحدثك عن علي؟ هذا بيت رسول الله - ﷺ - في المسجد وهذا بيت علي - ﵁ -، إن رسول الله - ﷺ - بعث أبا بكر وعمر ﵄ ببراءة إلى أهل مكة، فانطلقا فإذا هما براكب فقالا: من هذا؟ قال: أنا علي يا أبا بكر هات الكتاب الذي معك، قال: وما لي! قال: والله ما علمت إلا خيرًا، فأخذ علي الكتاب فذهب به ورجع أبو بكر وعمر ﵄ إلى المدينة، فقالا: ما لنا يا رسول الله؟ قال: مالكما إلا خير، ولكن قيل لي: إنه لا يبلغ عنك إلا أنت أو رجل منك ". هذا حديث شاذ والحمل فيه على جميع بن عمير وبعده على إسحاق بن بشر " (٤).
قلت: أما جميع بن عمير فهو التيمي الكوفي:"صدوق يخطئ ويتشيع " (٥)، وأما
_________________
(١) المستدرك ١/ ٢٨٩.
(٢) انظر المنهج المقترح، العوني ص٢٦٧.
(٣) معرفة علوم الحديث ص١١٩.
(٤) المستدرك ٣/ ٥٣.
(٥) التقريب (٩٦٨)، وقال صاحبا التحرير ١/ ٢٢٢ " بل ضعيف ".
[ ٩٣ ]
إسحاق بن بشر فهو الكاهلي الكوفي: " كذاب " (١)، وقال الذهبي في تلخيص المستدرك: " فَلِمَ يورد الموضوع هنا؟! ".
المذهب الثاني: الشاذ هو تفرد الراوي مطلقًا:
وهو ظاهر قول أبي يعلى الخليلي، إذ قال: " الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة فما كان من غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به" (٢).
قال الحافظ ابن حجر: " والحاصل من كلامهم أن الخليلي يسوي بين الشاذ والفرد المطلق فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح فكلامه أعم، وأخص منه كلام الحاكم لأنه يقول: إنه تفرد الثقة فيخرج تفرد غير الثقة فيلزم على قوله أن يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ، وأخص منه كلام الشافعي لأنه يقول: إنه تفرد الثقة بمخالفة من هو أرجح منه" (٣).
وقال الحافظ العراقي:"الخليلي يجعل تفرد الثقة شاذًا صحيحًا " (٤)، وردّ عليه الحافظ ابن حجر بقوله: "فيه نظر فإن الخليلي لم يحكم له بالصحة، بل صرح بأنه يتوقف فيه ولا يحتج به " (٥).
وقال السخاوي عقب كلام الخليلي: " لأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد وهو مشعر بأن مخالفته للواحد الأحفظ كافية في الشذوذ" (٦).
وقال ابن الوزير: " ففي رواية الخليلي هذه عن حفاظ الحديث: أنهم لم يشترطوا في الشاذ مخالفة الناس" (٧)، قال الصنعاني: " كما لم يشترطها الحاكم" (٨).
وعلى كل حال فهو سواء حكم بصحته أم لا فإنه أطلقه على تفرد الثقة كما مر
_________________
(١) انظر لسان الميزان، ابن حجر ١/ ٣٥٥ - ٣٥٨.
(٢) الإرشاد ١/ ١٧٦.
(٣) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٥٢ - ٦٥٣.
(٤) التقييد والإيضاح ص ١٠١.
(٥) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٥٤.
(٦) فتح المغيث ١/ ٢١٨.
(٧) توضيح الأفكار ١/ ٣٧٩.
(٨) انظر مصدر سابق.
[ ٩٤ ]
من قول الحافظ ابن حجر وغيره، وهو صريح قوله (١).
وأجاب ابن رجب الحنبلي عن قول الخليلي:" وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به "، قال: " لكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم: عبارة عمن دون الأئمة الحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره وفرّق الخليلي بين ما تفرد به إمام حافظ: قبل واحتج به بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ، وحكى ذلك عن حفاظ الحديث " (٢).
أقول: صحيح أن الشيخ هو الراوي مطلقًا، ثقة كان أو ضعيفًا لكنّ الخليلي هنا خصصه: شيخ ثقة.
والذي تجدر الإشارة إليه أن أبا يعلى الخليلي قد تبع شيخه الحاكم في مفهوم الشاذ، حتى عد تعريف الإمام الشافعي للشاذ مذهبًا خاصًا به وبأهل الحجاز، وأن مفهوم الحاكم للشاذ هو مفهوم حفاظ الحديث؟ فقال:" قال الشافعي وجماعة من أهل الحجاز: الشاذ عندنا ما يرويه الثقات على لفظ واحد ويرويه ثقة خلافه زائدًا أو ناقصًا، والذي عليه حفاظ الحديث الشاذ ما ليس له الا اسناد واحد يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به" (٣).
قال العوني: " إن ظاهر كلام الخليلي في هذا الموطن: أن الفرد سواء كان من رواية ثقة أو غير ثقة فهو حديث لا يحتج به، لكن هذا الظاهر لا يتبادر إلى ذهن أحد ممّن له أدنى علم بعلم الحديث، لأن رد الغرائب والافراد كلها لا يقول به أحد من أهل الحديث، وإذا كان هذا الظاهر على هذه الدرجة من الظهور ردّه ووضوح بطلانه فلا يمكن أن نظن بأحد حفاظ الحديث ونقاده أنه يقول به. وعلى هذا فلا بد من تفسير كلام الخليلي بما لا يخالف البديهيات، وتأويله بما لا يناقض الإجماع!! وهذا الذي (لا بد منه) لمخالفته البديهيات ومناقضته الإجماع، هو الذي أباح للخليلي التعبير بمثل هذا التعبير كافٍ بإفهامه والإجماع كفيل بتقييده " (٤).
_________________
(١) النكت ٢/ ٦٥٢.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٥٨ - ٦٥٩.
(٣) الإرشاد ١/ ١٧٦.
(٤) المنهج المقترح ص٢٦٧ - ٢٦٨.
[ ٩٥ ]
قلت: وهذا كلام جيد، لكنهّ بعيد عن الواقع فالخليلي بين أنه يخالف مذهب الشافعي والذي هو في حقيقته مذهب الجمهور، ورجح مذهب شيخه الحاكم النيسابوري ومن هنا انتقده علماء المصطلح.
وأما عن كلامه في قبول الأفراد فإنه سلك مسلك الأئمة المتقدمين لأنه لم يقيد نفسه بمذهب شيخه ففي مبحث الأفراد: قسّم الأفراد إلى أقسام:
القسم الأول: أن ينفرد به ثقة لم يخالف، وقد حكم بصحته، قال الخليلي: " وأما الأفراد فما يتفرد به حافظ مشهور ثقة او إمام عن الحفاظ والأئمة فهو صحيح متفق عليه كحديث حدثناه عمر بن إبراهيم بن كثير المقرئ ببغداد وأنا سألته حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدثنا منصور بن أبي مزاحم وخلف بن هشام البزار ومحمد بن سليمان قالوا حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن أنس - ﵁ -: " أن النبي - ﷺ - دخل مكة يوم الفتح وعليه المغفر، فقيل هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة؟ فقال: اقتلوه ". قال مالك: قال ابن شهاب: لم يكن رسول الله - ﷺ - يومئذ محرمًا.
وهذا ينفرد به مالك عن ابن شهاب عن انس رواه عنه من مات قبله كابن جريج والاوزاعي وابي حنيفة وغيرهم ممن بعدهم كالشافعي وغيره ورواه البخاري في الصحيح عن أربعة عن مالك وكذلك مسلم عن نفر فهذا وأشابهه من الأسانيد متفق عليها" (١).
القسم الثاني: أن يتفرد ثقة يخالف فيه الحفاظ فيحكم عليه بالرد.
قال: "وعبد المجيد صالح محدث ابن محدث لا يعمد على مثله لكنه يخطئ ولم يخرج في الصحيح وقد اخطأ في الحديث الذي يرويه مالك والخلق عن يحيى بن سعيد الأنصاري قاضي المدينة عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب عن النبي - ﷺ - " الأعمال بالنية "،وهذا أصل من أصول الدين ومداره على يحيى بن سعيد فقال عبد المجيد وأخطأ فيه، اخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد
الخدري عن النبي - ﷺ - "الأعمال بالنية "،رواه عنه نوح بن أبي حبيب وإبراهيم بن عتيق وهو غير محفوظ من حديث زيد بن أسلم بوجه فهذا مما أخطأ فيه الثقة عن الثقة بينت هذا ليستدل به على أشكاله " (٢). و" حديث مالك عن زيد بن أسلم" (٣).
_________________
(١) الإرشاد ١/ ٣٣٨.
(٢) الإرشاد ١/ ١٦٧.
(٣) انظر مصدر سابق.
[ ٩٦ ]
القسم الثالث: أن يتفرد به ضعيف متهم "وضاع": قال فيه " فأما من الأفراد الذي يتفرد به ضعيف وضعه على الأئمة والحفاظ، فهو كما حدثنا به علي بن أحمد بن صالح ومحمد بن إسحاق قالا: حدثنا الحسن بن علي الطوسي قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن غزوان ببغداد قال: حدثنا مالك بن انس وإبراهيم بن سعد كلاهما عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: قال النبي - ﷺ -:" أهل القرآن أهل الله وخاصته "، وهذا منكر بهذا الإسناد ما له أصل من حديث ابن شهاب ولا من حديث مالك والحمل فيه على ابن غزوان وإنما رواه أبو داود الطيالسي عن شيخ من أهل البصرة عن أبيه عن انس " (١).
القسم الرابع: أن يتفرد به ضعيف غير حافظ قال: " وما تفرد به غير حافظ يضعف من أجله وإن لم يتهم بالكذب فمثاله: ما حدثنا به جدي وابن علقمة قالا: حدثنا ابن أبي حاتم حدثنا سليمان بن داود القزاز قال: حدثنا محمد بن الحسن بن زبالة المخزومي المدني قال: حدثنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -:" افتتحت البلاد بالسيف وافتتحت المدينة بالقرآن "،لم يروه عن مالك إلا محمد بن الحسن بن زبالة وليس بالقوي لكن أئمة الحديث قد رووا عنه هذا وقالوا هذا من كلام مالك بن أنس نفسه فعساه قرئ على مالك حديث آخر عن هشام بن عروة فظن هذا أن ذلك من كلام النبي - ﷺ - فحمله على ذلك ومثل هذا قد يقع لمن لا معرفة له بهذا الشأن ولا إتقان " (٢).
القسم الخامس: ما يتفرد به شيخ لا يعرف ضعفه ولا توثيقه فإنه لا يحكم عليه بشيء فلا يصححه ولا يضعفه فقال: " فيه نوع آخر من الأفراد لا يحكم بصحته ولا بضعفه ويتفرد به شيخ لا يعرف ضعفه ولا توثيقه فمثاله:
حديث حدثناه الحسين بن حلبس قال: حدثنا عثمان بن جعفر اللبان قال: حدثنا حفص بن عمر الزبالي قال: حدثنا أبو زكير يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -:"كلوا البلح بالتمر فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه، ويقول: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق ". وهذا فرد شاذ لم يروه عن هشام غير أبي زكير وهو شيخ صالح ولا يحكم بصحته ولا بضعفه ويستدل بهذا على
_________________
(١) الإرشاد ١/ ١٦٨.
(٢) الإرشاد ١/ ١٦٨.
[ ٩٧ ]
نظائره من هذا النوع " (١).
وقال عند ترجمة نافع مولى ابن عمر: " فما رواه الثقات من حديثه كمالك والثوري وشعبة وابن جريج وسليمان بن بلال ومن بعدهم كيحيى بن سعيد القطان وابن المبارك وعبد الوهاب الثقفي وأبي أسامة وسلام بن سليم ويزيد بن هارون، وحماد بن زيد وعبد السلام بن حرب فهو صحيح متفق عليه بلا مدافع " (٢).
فالخلاصة: أن الشاذ عند الحاكم والخليلي معناه واحد:- هو ما تفرد به الثقة مطلقًا، وهو منقوض بالأفراد الصحيحة كما نص على ذلك علماء المصطلح - والله أعلم -.
المذهب الثالث: الشاذ: مخالفة الثقة لمن هو أوثق أو أكثر.
وهو في حقيقته مذهب الحافظ ابن حجر العسقلاني، فهو أول من قال به، وتبعه عليه من جاء بعده كالسخاوي (٣)،والسيوطي (٤)،والصنعاني (٥)، وغيرهم.
قال " وفي الجملة فالأليق في حد الشاذ ما عرف به الشافعي " (٦).
وفسر ذلك في النزهة إذ قال: " الشاذ ما رواه المقبول مخالفًا لمن هو أولى منه. وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح " (٧).
وقال:" فإن خولف - أي الراوي - بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات فالراجح يقال له المحفوظ ومقابله هو المرجوح يقال له الشاذ " (٨).
قال اللكنوي: " والذي حققه الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها وارتضاه كثير ممن جاء بعده هو أنّ المنكر والشاذ يعتبر فيهما المخالفة، ويفترقان في كون الراوي مجروحًا وغير مجروح" (٩).
_________________
(١) الإرشاد ١/ ١٦٩.
(٢) الإرشاد ١/ ٢٠٧.
(٣) الإرشاد ١/ ٢٠٧.
(٤) تدريب الراوي ١/ ١٩٦.
(٥) توضيح الأفكار ١/ ٣٧٩.
(٦) النكت ٢/ ٦٧١.
(٧) نزهة النظر ص٥١.
(٨) نزهة النظر ص ٥٠، وانظر فتح المغيث، السخاوي ١/ ٢١٨.
(٩) ظفر الأماني شرح مختصر السيد الجرجاني ص ٣٦٢، وانظر رسالة الحديث المنكر وتطبيقاته في علل ابن أبي حاتم، سلام أبي سمحة ص ٣٣.
[ ٩٨ ]
فالحافظ ابن حجر أول من فرق اصطلاحيًا بين مخالفة الثقة فأطلق عليها "الشاذ "، ومخالفة الضعيف وأطلق عليها " المنكر " وعد من سوى بينهما أنه غفل؟!، ولم أقف على من سبقه؟! ثم أصبح هذا التفريق قاعدة لمن جاء بعده، وإلى يومنا هذا؟ وهو بذلك غفّل المتقدمين والمتأخرين ممن سبقه؟ ثم إنه لم يقل أحد من المتقدمين أو المتأخرين قبل الحافظ ابن حجر أنّ الإمام الشافعي قصد هذا، وسيأتي بيانه.
وإذا أردنا تتبع الأمثلة التي ذكرها أهل هذا المذهب في الشاذ،، فإنها في الأغلب لا تسلم من نقد، ذلك لأنهم تكلفوا في تعريف الشاذ، ثم تفريقه عن المنكر، والحق إن
الشاذ والمنكر بمعنى واحد، وهو في حقيقته: الحديث الخطأ، كما قرره المتقدمون وتبعهم عليه علماء المصطلح الأوائل، كما مر في فصل المنكر، فمثلًا:
مثل الحافظ ابن حجر في النزهة لشذوذ الإسناد بمثال فقال: " مثال ذلك ما رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، عن ابن عباس: أن رجلًا توفي على عهد رسول الله - ﷺ - ولم يدع وارثًا إلا مولى هو أعتقه .. " (١) الحديث.
وتابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره (٢)، وخالف حماد بن زيد فرواه عن عمرو بن دينار عن عوسجة، ولم يذكر ابن عباس. قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عيينة (٣). انتهى كلامه فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك رجح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددًا منه. وعرف من هذا التقرير أن الشاذ: ما رواه المقبول مخالفًا لمن هو أولى منه " (٤).
وتابعه في التمثيل به السيوطي والسخاوي (٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/ ٢٢١، والترمذي (٢١٠٦)، وابن ماجة (٢٧٤١)، والنسائي في الكبرى ٤/ ٨٨ (٦٤٠٩)، وانظر تفصيله في المسند الجامع ٩/ ٢٣٨ (٦٥٥١).
(٢) أخرجه أحمد ١/ ٣٥٨، والنسائي في الكبرى ٤/ ٨٨ (٦٤١٠)، من طريق ابن جريج به، وأخرجه أبو داود (٢٩٠٥) من طريق حماد بن سلمة به، وانظر المسند الجامع ٩/ ٢٣٨ (٦٥٥١).
(٣) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٥٢.
(٤) نزهة النظر ص٥٠ - ٥١.
(٥) تدريب الراوي ١/ ١٩٥، وفتح المغيث ١/ ٢١٨.
[ ٩٩ ]
أقول: فات الحافظ ابن حجر، ومن تبعه من علماء المصطلح أن حماد بن زيد لم ينفرد بإرسال هذا الحديث، إذ تابعه روح بن عبادة عند البيهقي (١)،وأصل الحديث عند أبي حاتم، قال عبد الرحمن: " سألت أبي عن حديث رواه حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عوسجة مولى ابن عباس أن رجلًا توفي على عهد رسول الله ﷺ ولم يدع وارثًا إلا مولى هو أعتقه الحديث فقلت له: فإن ابن عيينة ومحمد بن مسلم الطائفي يقولان: عن عوسجة عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - فقلت له: اللذان يقولان ابن عباس محفوظ؟ فقال: نعم قصر حماد بن زيد، قلت لأبي: يصح هذا الحديث؟ قال:
عوسجة ليس بالمشهور" (٢). فلعل الحافظ فهم من قول أبي حاتم الرازي عن الحديث الموصول أنه محفوظ، وأن حماد بن زيد قصر به أنه انفرد به فهو شاذ، إذ الحافظ يجعل الشاذ مقابل غير المحفوظ (٣)، ثم أخذه عنه السيوطي، والسخاوي.
وعلى هذا فلا يصلح هذا الحديث أن يكون مثلًا للشاذ، إذ الشاذ هوماخالف المقبول، كما قرروه هم، وهنا لم يتفرد الثقة، بل توبع كما في سنن البيهقي، فهو من قبيل المختلف.
ومثل السخاوي للشاذ في المتن فقال: " ومثاله في المتن زيادة يوم عرفة في حديث: أيام التشريق أيام أكل وشرب، فإن الحديث من جميع طرقه بدونها وإنما جاء بها موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، كما أشار إليه ابن عبد البر " (٤).
أقول: أصل الحديث في جامع الترمذي (٧٧٣) قال: حدثنا هناد، قال: حدثنا وكيع، عن موسى بن علي عن، أبيه، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - ﷺ -: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب ". قال وفي الباب عن علي وسعد وأبي هريرة وجابر ونبيشة وبشر بن سحيم وعبد الله بن حذافة وأنس وحمزة بن عمرو الأسلمي وكعب بن مالك وعائشة وعمرو بن العاصي وعبد الله بن عمرو قال أبو عيسى: وحديث عقبة بن عامر حديث حسن صحيح ".
_________________
(١) السنن الكبرى ٦/ ٢٤٢.
(٢) العلل ٢/ ٥٢ (١٦٤٣).
(٣) نزهة النظر ص ٥٠.
(٤) فتح المغيث ١/ ٢١٨ - ٢١٩.
[ ١٠٠ ]
وقد تتبعت كل تلك الأحاديث عن الصحابة الكرام فلم أجد هذه الزيادة "يوم عرفة " إلا من رواية عقبه بن عامر - ﵁ -، تفرد به عنه موسى بن علي بن رباح عن أبيه به (١).
وهذا لا يعتبر شذوذًا على رأي أهل المصطلح أنفسهم، إذ حديث كل صحابي مستقل عن حديث الصحابي الآخر، ولو كان في المتن نفسه، كما هو مقرر (٢). ثم إن موسى لم يخالف فيه أحدًا، بل أنفرد به أصلًا، ولو جعل الاختلاف بين متون الأحاديث التي ينفرد بزيادتها الصحابي، عن الآخر في المتن الواحد شذوذا، لجرنا ذلك إلى إشكال عريض، ويكفي في صحة الحديث تصحيح الإمام الترمذي.
والراجح، بل الصواب أن حديث كل صحابي هو حديث مستقل عن الصحابي الآخر زاد أو قصر، كما قرره الحافظ ابن حجر وغيره.
وإذا أردنا التمثيل للحديث الشاذ فإن كل حديث مر تمثيله في المنكر يصح التمثيل به هنا
ذلك لأننا نرجح مذهب الذي يسوي بينهما، وهو منهج أئمة الحديث من المتقدمين، والمتأخرين إلى أن فرق بينهما الحافظ ابن حجر - ﵀ -، كما مر.
المذهب الرابع: الشاذ هو المخالفة، مرادفًا للمنكر " وهو الحديث الخطأ ":
قال به جمهور أهل المصطلح: الخطيب البغدادي، والميانشي، وابن الصلاح وابن دقيق العيد، والحافظ ابن كثير، والإمام النووي ومن جاء بعدهم ممن كتب في المصطلح إلى الحافظ ابن حجر الذي فرق بينهما.
ولنأخذ أول من تكلم منهم في الشاذ كمصطلح مستقل لنوع من أنواع علوم الحديث، قال الحافظ ابن الصلاح:" الأمر في ذلك على تفصيل نبينه فنقول: إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه فإن كان ما انفرد به مخالفًا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك
_________________
(١) انظر تخريجه في المسند الجامع بالأرقام: ١٣/ (٩٨٣٨) عن عقبة، و٣/ (١٩٣١) عن بشر بن سحيم، و٥/ (٣٤٧٤) عن حمزة بن عمرو الأسلمي، و٨/ (٥٧٧٩) عن عبد الله بن حذافة، و١١/ (٨٤٤١) عن عبد الله بن عمرو، و١٣ / (١٠١٢٦) عن علي و١٤ / (١٠٧٥١) عن عمرو بن العاص، و١٤/ (١١٢٥٣) عن كعب بن مالك، و١٥/ (١١٨٣٤) عن نبيشة، و١٧ / (١٣٤٩٨) عن أبي هريرة، و١٩ / (١٦٦٣٩) عن عائشة - ﵁ -.
(٢) انظر النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩١.
[ ١٠١ ]
وأضبط، كان ما انفرد به شاذًا مردودًا وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره فينظر في هذا الراوي المنفرد فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه كما فيما سبق من الأمثلة وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارمًا له مزحزحًا له عن حيز الصحيح ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر، فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان: أحدهما الحديث الفرد المخالف، والثاني الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف، والله أعلم (١).
وتعقبه ابن جماعة: " وهذا التفصيل حسن ولكنه مخل لمخالفة الثقة من هو مثله في الضبط وبيان حكمه" (٢).
أقول: فحاصل كلام ابن الصلاح هو:
١ - إن انفراد الراوي -ثقة أم غير ثقة- يضره.
٢ - إن كان المنفرد ثقة ضابطًا كان ذلك خارمًا له مزحزحًا له عن درجة الخبر الصحيح وهو دائر بين مرتبة الحسن والضعيف.
٣ - إن كان المنفرد ضعيفًا فإن حديثه من قبيل الشاذ المنكر، وإن كان مخالفًا فمن باب أولى.
٤ - إن كان المنفرد ثقة مخالفًا لمن هو أحفظ وأضبط فحديثه شاذ مردود.
أقول: نحا ابن الصلاح في هذا منحى الأئمة المتقدمين من اعتبار الشاذ والمنكر بمعنى واحد وأن التفرد علة حتى ولو من ثقة.
والذي أراه هو أنّ ابن الصلاح استعمل الشاذ لغة وهو " التفرد " فقسمه إلى قسمين: شاذ مردود (تفرد مردود) ثم تحدث عنه وهو على أقسام تفرد الضعيف، وتفرد الثقة الذي لا يحتمل تفرده.
وقد نتسائل: أين صرح ابن الصلاح بمراده من (الشاذ المقبول)؟ والجواب أنه
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ٧٦.
(٢) المنهل الروي ص٥٠.
[ ١٠٢ ]
تحدث عنه بقوله: " فينظر في حال المروي فإن كان عدلًا .. قبل ما انفرد به".
وهذا يوضح أنَّ مراده من الشاذ - هنا - الشاذ اللغوي.
لذا فإنه اعترض على تعريف الحاكم والخليلي بالأفراد الصحاح (١)، ولو قال إنَّ من الشاذ ما هو مقبول وأنّه يعبر عن تفرد الثقة بالشاذ لما اعترض على الحاكم والخليلي لما فهم من كلامهما هذا؟
ومن هنا ندرك خطأ العوني لما هجم على ابن الصلاح واتهمه أنه يميل إلى مذهبه وإلى نصرة أقوال إمام مذهبه، أعني الإمام الشافعي، حينما اعترض ابن الصلاح على تعريف الحاكم والخليلي للشاذ، ذلك لأن العوني حاكم ابن الصلاح على فهمه هو لمعنى الشاذ (٢)!!
والذي يدلل على صحة كلامنا أنَّ الأئمة من بعد ابن الصلاح لم يفهموا أن مراده من الشاذ المردود وجود شاذ مقبول، وإلاّ لاعترضوا عليه كما اعترضوا على غيره لما فهموا ذلك من كلامهم؟!
بل الإمام النووي نقل كلام ابن الصلاح دون أن ينسبه إليه وهذا اعتراف بصحة كلامه وباعتناقه للمذهب ذاته (٣).
وهكذا نخلص إلى أنّ ابن الصلاح يسوي بين الشاذ والمنكر في اصطلاح المحدثين.
وخلاصة ما ذكره ابن الصلاح في مبحث الشاذ يرتبط بما ذكره في مبحث العلة إذ قال: " إنّ العلّة هي ما دلَّ على الخطأ والوهم وإنها تتطرق كثيرًا إلى روايات الثقات، وإنها لم تدرك بتفردهم - وهم ثقات - أو بمخالفتهم للغير إذا انضمت إليه القرائن التي تنبه الناقد على أن هذا التفرد والمخالفة ناتجان عن الخطأ والوهم، وهذا في الواقع مانع لإطلاق القبول فيما يتفرد به الثقة أو فيما زاده، كما هو مانع لإطلاق الرد فيما خالف الثقة لغيره، وإنما مدار القبول والرد على القرائن العلمية التي لا يحصيها العدد، والتي لا يقف عليها إلا الناقد المتمرس الفطن، إذ لكل حديث قرينة خاصة كما صرح بذلك المحققون، مثلًا: كون الراوي أوثق أو أحفظ قرينة اعتمد عليها النقاد لكنهم لم يعتبروها في
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص٧٧ - ٧٩.
(٢) المنهج المقترح ص٢٧٦.
(٣) تدريب الراوي ١/ ١٩٦.
[ ١٠٣ ]
كافة الروايات، وجميع الأحاديث وهكذا وإدراك القرينة المرجحة لا يتم إلا للناقد صاحب الذوق الحديثي، ولهذا قال الحاكم وغيره: " الحجة فيه - أي في معرفة خطأ الراوي - عندنا الحفظ والمعرفة لا غير " (١).
وهذا هو الذي سار عليه الحافظ ابن رجب الحنبلي، إذ قال: " ومن جملة الغرائب المنكرة الأحاديث الشاذة المطرحة وهي نوعان - ما هو شاذ الإسناد وما هو شاذ المتن كالأحاديث التي صحت الأحاديث بخلافها أو أجمعت أئمة العلماء على القول بغيرها وهذا كما قاله أحمد في حديث أسماء بنت عميس " تسلبي ثلاثًا ثم أصغي ما بدا لك "، أنه من الشاذ المطرح " (٢).
وذهب ابن حزم الظاهري إلى استعمال الشاذ بالمعنى اللغوي فقال:
" هذه اللفظة في الشريعة موضوعة باتفاق على معنى ما واختلف الناس في ذلك المعنى فقالت طائفة الشذوذ هو مفارقة الواحد من العلماء سائرهم، وهذا قول قد بينا بطلانه في باب الكلام في الإجماع من كتابنا هذا والحمد لله رب العالمين، وذلك أن الواحد إذا خالف الجمهور إلى حق فهو محمود ممدوح والشذوذ مذموم بإجماع فمحال أن يكون المرء محمودًا مذمومًا من وجه واحد في وقت واحد وممتنع أن يوجب في شيء واحد الحمد والذم معًا في وقت واحد من وجه واحد، وهذا برهان ضروري وقد خالف جميع
الصحابة - ﵃ - أبا بكر في حرب أهل الردة فكانوا في حين خلافهم مخطئين كلهم فكان هو وحده المصيب فبطل القول المذكور، وقال طائفة: الشذوذ هو أن يجمع العلماء على أمر ما ثم يخرج رجل منهم عن ذلك القول الذي جامعهم عليه وهذا قول أبي سليمان وجمهور أصحابنا وهذا المعنى لو وجد نوع من أنواع الشذوذ وليس حدًا للشذوذ ولا رسمًا له وهذا الذي ذكروا لو وجد شذوذ وكفر معًا لما قد بينا في باب الكلام في الإجماع أن من فارق الإجماع وهو يوقن أنه إجماع فقد كفر مع دخول ما ذكر في الامتناع والمحال وليت شعري متى تيقنا إجماع جميع العلماء كلهم في مجلس واحد فيتفقون ثم يخالفهم واحد منهم والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق أن حد الشذوذ: هو مخالفة الحق فكل من خالف الصواب في مسألة ما فهو فيها شاذ وسواء كانوا أهل الأرض كلهم بأسرهم أو
_________________
(١) الدكتور حمزة المليباري، نظرات جديدة ص ٤٣.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٢٤.
[ ١٠٤ ]
بعضهم والجماعة والجملة هم أهل الحق ولو لم يكن في الأرض منهم إلا واحد فهو الجماعة وهو الجملة " (١).
ومما تقدم يظهر لنا أن استعمال علماء المصطلح لهذا الاصطلاح لم يبن على أقوال أو اصطلاحات قالها المتقدمون، الذين يفترض أن يكون أهل المصطلح قد استقرؤوا كتبهم وأقوالهم.
وسيتبين لنا من الأمثلة التي سنسوقها بعد، أنّ المتقدمين لم يستعملوا هذه اللفظة اصطلاحيًا، بل استعملوها لغويًا مع غيرها من الألفاظ لتدل على الخطأ، أو الشذوذ، أو النكارة في الحديث إسنادًا أو متنًا، بدلالة اختلاف ألفاظهم في تقييم الحديث الواحد.
هذه هي أهم أقوال أهل العلم في تعريف الحديث الشاذ، ويظهر بوضوح الفرق بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين، فالأوائل لا يفرّقون بين الشاذ والمنكر، فلا عبرة عندهم من خالف؟ وممن كانت؟ المهم انه إذا أتى المحدث بما لا يعرفه أهل الحفظ والإتقان فهو مردود.
وقد أطلق بعضهم مصطلح: (منكر) على مخالفة الثقة، والبعض الآخر على مخالفة الضعيف، ومنهم من أطلقها على مخالفة الثقة والضعيف، وكذا الحال بالنسبة لمصطلح (شاذ)، فهم لا يفرقون بينهما -كما مر- والله اعلم.
المبحث الثالث: مفهوم الحديث الشاذ عند المتقدمين:
المطلب الأول: عند الإمام الشافعي:
أقدم من عرَّف الشاذ - بحدود علمي- هو الإمام الشافعي ﵀ فقال: " ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، هذا ليس بشاذ، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الناس هذا الشاذ من الحديث." (٢).
وقال:" الشاذ من الحديث لا يؤخذ به" (٣).وجاء بلفظ آخر عنه: " ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثًا لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث: أن يروي الثقات
_________________
(١) الإحكام ٥/ ٨٢، وانظر النكت على ابن الصلاح، ابن حجر ٢/ ٦٥٢.
(٢) معرفة علوم الحديث، الحاكم ص١١٩، وانظر المنهل الروي، ابن جماعة ص٥٠ - ٥١.
(٣) الأم ٧/ ٣٦٠.
[ ١٠٥ ]
حديثًا على نص ثم يرويه ثقة خلافًا لروايتهم، فهذا الذي يقال شذ عنهم " (١).
وفسر الحافظ الخليلي كلام الإمام الشافعي فقال: " أما الشواذ فقد قال الشافعي وجماعة من أهل الحجاز: الشاذ عندنا ما يرويه الثقات على لفظ واحد، ويرويه ثقة خلافه زائدًا أو ناقصًا " (٢).
مما مر من كلام الإمام الشافعي وتفسير الخليلي له أنه عنى به مخالفة الثقة لغيره من الثقات في متن حديث، زيادة أو نقصًا، ولكنّ بعض العلماء فهموا منه أنّه مخالفة الثقة لغيره في المتن والإسناد، وليس لدينا من الأدلة التي تبين مراد الإمام الشافعي الدقيق من ذلك، لأننا لم نقف على أي حديث حكم عليه بالشذوذ نصًا، والفهم الذي فهمه بعض العلماء هو لمخالفة الثقة سندًا، أو متنًا، ونحن لا نشك بأن هذا التعبير لغوي، وليس اصطلاحيًا، فحمله على الاصطلاح فيه كثير من تحميل النص ما لا يحتمل، وإلا فكان الأولى بنا أن نأخذ من هو أقدم، وأعلم في الحديث من الشافعي، وهو الإمام شعبة بن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث إذ قال: "لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ " (٣). وهذا لو أخذناه على طريقة أهل الاصطلاح لأصبح الشاذ هو مخالفة الضعيف حسب، وليس الأمر كذلك.
المطلب الثاني: عند الإمام الترمذي:
قال عند تعريفه الحديث الحسن: " وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا: كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذًا، ويروى من غير وجه فهو عندنا حديث حسن" (٤).
قال ابن رجب: " والظاهر أنه أراد بالشاذ ما قاله الشافعي وهو أن يروي الثقات عن النبي - ﷺ - خلافه" (٥).
_________________
(١) آداب الشافعي ومناقبه، لابن أبي حاتم ص٢٣٣ - ٢٣٤، ومناقب الشافعي، البيهقي ٢/ ٣٠ والكامل لابن عدي ١/ ١١٥،، والكفاية، الخطيب البغدادي ص١٧١.
(٢) الإرشاد ١/ ١٧٤ - ١٧٧.
(٣) أنظر مصدر سابق.
(٤) العلل في آخر الجامع ٥/ ٧١١، وانظر شرح العلل، ابن رجب ٢/ ٦٠٦، وتحفة الأحوذي، المباركفوري ٤/ ٤٠٠.
(٥) شرح العلل ٢/ ٦٠٦.
[ ١٠٦ ]
وقد استعمل بعض أئمة الحديث من المتقدمين كلمة " شاذ " وأرادوا به الحديث المنكر الذي لا يعرف، قال الحافظ صالح بن محمد الأسدي المعروف بجزرة ت (٢٩٤):
" الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يعرف" (١).
المبحث الرابع: مصطلح " غير محفوظ ":
مر معنا أقوال الأئمة المتقدمين الذين صرحوا بلفظ " شاذ " وأطلقوه.
أما الألفاظ الأخرى المرادفة له كـ"غير محفوظ " أو ما جاء بمعناه فقد وجدتهم استعملوها بتوسع، وسأذكر الأئمة الذين أطلقوها وأمثل لهم بأمثلة، فأقول:
إن الأعم الأغلب من الأئمة المتقدمين كابن المديني والبخاري وأبي حاتم والنسائي والترمذي وغيرهم، أطلقوا مصطلح:" غير محفوظ "على أحاديث أعلت بعلل مختلفة وحتى نكون مقاربين للصواب يتوجب دراسة نماذج من أقوالهم أو دراسة الأحاديث التي أطلقوا عليها مصطلح " غير محفوظ أو ليس بمحفوظ .". وهذا يتطلب جهدًا كبيرًا جدًا، والبحث لا يتسع لذلك، ولكني سأحاول جهدي أن أستوعب أكثر الأمثلة، أو الأمثلة التي تعطي تصورًا واضحًا عن منهج كل إمام من الأئمة. وسنرى من خلال عرض الأمثلة هل المتقدمون يعنون بـ " غير محفوظ ": الشاذ؟ وهل الشاذ أو " غير المحفوظ " هو مخالفة الثقة للثقات؟
المعروف عندنا أن المتأخرين يعدون " الشاذ " مرادفًا لـ "غير المحفوظ "، يقول ابن حجر: " فإن خولف بأرجح فالراجح المحفوظ ومقابله الشاذ " (٢).
ونحن وإن كنا لا نتفق مع الحافظ في كون هذه اللفظة ترادف الشاذ مستقلا، إذ المتتبع لصنيع المتقدمين يجدهم لا يفرِّقون بين المنكر والشاذ، كما سبق بيانه في مباحث المنكر، ولكن لما كنا نبحث في ماهية هذا المصطلح فلا ضير أن نقتصر على هذه المفردة " غير محفوظ "، وإلا فالمتقدمون يطلقون على الشاذ والمنكر: غير محفوظ، وهم، خطأ، غير معروف، وغيرها من المصطلحات التي تبين مخالفة الراوي، ولم أقف على من سبق الحافظ العسقلاني ممن يقصر مصطلح "غير محفوظ " على مخالفة الثقة، أي مرادفا للشاذ عنده.
_________________
(١) الكفاية، الخطيب ص١٤٢، وانظر شرح علل الترمذي، ابن رجب ٢/ ٦٢٥.
(٢) نزهة النظر ص ٥٠.
[ ١٠٧ ]
أقول: وقد استعمل هذه اللفظة " غير محفوظ " البخاري في صحيحه مرة واحدة (١)،واستعملها أبو حاتم ما يقارب خمسًا وعشرين مرة (٢)، وأطلقها الترمذي ما يقارب ثلاث
عشرة مرة في علله (٣)،وما يقارب تسعًا وعشرين مرة في جامعه (٤)،وأطلقها النسائي حوالي ثلاث مرات فقط (٥)،وأطلقها الإمام مسلم في التمييز خمس مرات (٦).
المطلب الأول: مذهب الإمام البخاري:
نقل تلميذه النجيب " الترمذي " عنه في سننه، وعلله في مواضع عدة أقوال شيخه البخاري فأطلق لفظ "محفوظ"،"غير محفوظ"،"ليس بمحفوظ"،"لا أعلمه محفوظا" .. وهلم جرا.
وسأذكر هنا بعض الأمثلة عسى أن نقف على غاية البخاري من إطلاقاته تلك.
١ - حديث أخرجه الترمذي في الجامع (١١٢٨) " باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة " قال: حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة عن سعيد بن أبي عروبة عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر:"أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره النبي - ﷺ - أن يتخير أربعًا منهن".
قال أبو عيسى: هكذا رواه معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه. قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى شعيب بن أبي حمزة وغيره عن الزهري وحمزة قال: حدثت عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة. قال محمد: وإنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلًا من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال. قال أبو عيسى: والعمل على حديث غيلان بن سلمة عند أصحابنا منهم الشافعي وأحمد وإسحاق".
_________________
(١) كتاب الزكاة (١٣٩٦)، أطلقها على مخالفة شعبه بن الحجاج في اسم راو فانظرها هناك.
(٢) أنظر كتاب علل أبن أبي حاتم فأنه مليء بها ومنها برقم (٨٤ و١٣٤٦ و٢٦٨٢).
(٣) مثلا أنظر الأحاديث برقم (١٠٥ و٢٠٨ و٢٥٢،و٢٨٣،و٣٩٦ ..).
(٤) انظر مثلا: (٢٠٣ و٢٤١ و٢٩٠ و٣١٦ و٣٨٦ و٥٩٢ و٦٤٤و٧١٩ و٧٢٠ و٥١٨ و) وغيرها.
(٥) أنظر مثلا: ٨/ ١٣٧ و١٥٥ و١٥٩.
(٦) وهي برقم (٤٥ و٤٨ و٨٧ و٨٨ و٩٢).
[ ١٠٨ ]
التعليق:
قول البخاري " غير محفوظ " يريد به حديث معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر:" أن غيلان بن سلمة أسلم وله عشر نسوة . فأمره النبي ." وإنما المحفوظ:" ما رواه
شعيب بن أبي حمزة وغيره عن الزهري وحمزة قال: حدثت عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة أسلم .. "
يعني أنه منقطع " حُدثت " وليس هو من حديث ابن عمر بل من حديث محمد بن سويد وهذا ليس من حديث ابن عمر وإنما هو ملفق وصوابه، كما ذكر البخاري، أنه من"حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلًا من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر لتراجعنّ نساءك "
الاستنتاج:
الإمام البخاري لم يقبل هذا الحديث ولم يعده زيادة من ثقة " ومعمر بن راشد " هو المتفرد به. بل أعله بالمحفوظ عند الحفاظ:- حديث محمد بن سويد - وهذا يعني أنه يعد الفرد غير المعروف عند أهل الصنعة غير محفوظ.
٢ - حديث أخرجه الترمذي (١٧٠٥) قال:
حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: " ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسؤولة عنه، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي هريرة وأنس وأبي موسى وحديث أبي موسى غير محفوظ وحديث أنس: غير محفوظ، وحديث ابن عمر حديث حسن صحيح. رواه إبراهيم بن بشار الرمادي عن سفيان بن عيينة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ -.
(١٧٠٥م) أخبرني بذلك محمد بن إسماعيل، عن إبراهيم بن بشار، قال: وروى غير واحد، عن سفيان، عن بريد عن أبي بردة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا وهذا أصح. قال محمد: وروى إسحاق بن إبراهيم عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أنس عن النبي - ﷺ -:" إن الله سائل كل راع عما استرعاه". قال: سمعت محمدًا يقول: هذا غير محفوظ، وإنما
[ ١٠٩ ]
الصحيح عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الحسن عن النبي - ﷺ - مرسلًا ".
التعليق:
أطلق البخاري لفظة " غير محفوظ " على حديث مرفوع وهو حديث معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أنس عن النبي- متصلًا-.
وقد أعله بحديث معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الحسن عن النبي - ﷺ - مرسلًا-.
ولم يعده من قبيل المزيد في متصل الأسانيد أو زيادة الثقة؟ ! بل أعله لأنه غير محفوظ عند أهل الحفظ والإتقان بهذا الإسناد.
الاستنتاج:
أطلق البخاري لفظة " غير محفوظ " على حديث تفرد به ثقة!
٣ - حديث أخرجه الترمذي (٧٢٠) قال:
حدثنا علي بن حجر قال: حدثنا عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال:"من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدًا فليقض ".وفي الباب عن أبي الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد.
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، إلا من حديث عيسى بن يونس. وقال محمد: لا أراه محفوظًا. قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - ولا يصح إسناده، وقد روي عن أبي الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد أن النبي - ﷺ - قاء فافطر وإنما معنى هذا:" أن النبي - ﷺ - كان صائما متطوعا فقاء فضعف فأفطر لذلك ".هكذا روي في بعض الحديث مفسرًا والعمل عند أهل العلم على حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أن الصائم إذا ذرعه القيء فلا قضاء عليه وإذا استقاء عمدًا فليقض وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق ".
التعليق:
تفرد بهذا الحديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال الحديث.
[ ١١٠ ]
الاستنتاج:
أطلق البخاري على حديث غريب لفظ - لا أراه محفوظًا - مع أنه لم يخالف فيه أحدًا؟
٤ - حديث أخرجه الترمذي (٨١٥) قال:
حدثنا عبد الله بن أبي زياد الكوفي قال حدثنا زيد بن حباب عن سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله: " أن النبي - ﷺ - حج ثلاث حجج، حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر ومعها عمرة فساق ثلاثًا وستين بدنة وجاء علي من اليمن ببقيتها فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من فضة فنحرها رسول الله - ﷺ - وأمر رسول الله - ﷺ - من كل بدنة ببضعة فطبخت وشرب من مرقها ".
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب من حديث سفيان لا نعرفه إلا من حديث زيد بن حباب ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن روى هذا الحديث في كتبه عن عبد الله بن أبي زياد. قال: وسألت محمدًا عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر عن النبي - ﷺ - ورأيته لم يعد هذا الحديث محفوظًا، وقال: إنما يروى عن الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد مرسلًا ". التعليق:
جاء الطريق الأول من رواية زيد بن الحباب عن سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن النبي - ﷺ - .. الحديث.
هذا الطريق متصل، وقد خطأه البخاري وعده غير محفوظ، لأنه يخالف المحفوظ وهو من رواية الثوري عن أبي إسحاق (السبيعي) عن مجاهد به"مرسلًا"،فأعل المتصل بالمرسل، وإنما أعله لأنه لا يعرفه من هذا الطريق وبهذا اللفظ.
والخطأ فيه يحمل على زيد بن الحباب العكلي فإنه: " صدوق يخطئ في حديث الثوري ". (١)
الاستنتاج:
أطلق البخاري لفظة "لا أراه محفوظًا"على تفرد الضعيف ومخالفته وهو ما يسمى اليوم"منكرًا "؟!
_________________
(١) التقريب (٢١٢٤)،وانظر التحرير ١/ ٤٣٢.
[ ١١١ ]
٥ - حديث أخرجه الترمذي (٢٧٣٠) قال:
حدثنا أحمد بن عبدة الضبي قال: حدثنا يحيى بن سليم الطائفي عن سفيان عن منصور عن خيثمة عن رجل عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: " من تمام التحية الأخذ باليد ".
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب ولا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم، عن سفيان.
سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فلم يعده محفوظًا، وقال: إنما أراد عندي حديث سفيان عن منصور، عن خيثمة عمن سمع ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: لا سمر إلا لمصل أو مسافر ". قال محمد: وإنما يروى عن منصور عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد أو غيره قال: من تمام التحية الأخذ باليد ".
التعليق:
الحديث جاء من طريق يحيى بن سليم الطائفي عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة عن رجل "مبهم" عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - به.
وقد أعله البخاري بكونه "غير محفوظ" لأنه غير معروف بهذا السند وإنما هو من طريق "منصور عن أبي إسحاق السبيعي عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي" به من قوله - موقوفًا -.
وأما السند الأول فخطأ .. ويحمل الخطأ فيه على يحيى بن سليم الطائفي فهو: "صدوق سيئ الحفظ" (١). وإنما هذا السند مركب "ملفق" والصحيح أنه حديث " سفيان الثوري عن منصور عن خيثمة عمن سمع ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: " لا سمر إلا لمصلٍ أو مسافر ".
الاستنتاج:
قد يطلق البخاري حكمه على حديث " غير محفوظ " ويريد به القلب والتلفيق في الأسانيد. ومن هذا نستنتج أن " البخاري" يطلق مصطلح " غير محفوظ أو نحوه" ويريد به تفرد الثقة بحديث غير معروف، أو مخالفته، وكذا تفرد الضعيف أو مخالفته، وكذا على
_________________
(١) التقريب (٧٥٦٣)، وقد خالفه أستاذي المشرف في التحرير ٤/ ٨٦ ولكن هذه الرواية تدل على سوء حفظه في عبيد الله بن عمر وفي سفيان، والله أعلم.
[ ١١٢ ]
الأحاديث ملفقة الأسانيد أو المتون.
٦ - حديث أخرجه الترمذي (١٧٢٦) قال:
حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري قال: حدثنا سيف بن هارون البرجمي عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن السمن والجبن والفراء؟ فقال:" الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ". قال أبو عيسى: وفي الباب عن المغيرة وهذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه وروى سفيان وغيره عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قوله، وكأن الحديث الموقوف أصح وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظًا، روى سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان موقوفًا، قال البخاري: وسيف بن هارون مقارب الحديث، وسيف بن محمد عن عاصم ذاهب الحديث ".
التعليق:
قال البخاري في حديث إسماعيل بن موسى عن سيف بن هارون البرجمي عن سليمان عن أبي عثمان عن سلمان قال: سئل رسول الله .. الحديث. قال: " ما أراه محفوظًا "، وأعله بما رواه سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان " موقوفًا ". ثم قال: " وسيف بن هارون مقارب الحديث ." وهو علة الحديث.
الإستنتاج: أطلق البخاري لفظة "غير محفوظ" على زيادة في السند زادها راوٍ مقارب الحديث، فرفع ما أوقفه غيره من الرواة.
٧ - قال الترمذي (٣١٧٩):
حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا بن أبي عدي قال: حدثنا هشام بن حسان قال: حدثني عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي - ﷺ - بشريك بن السحماء فقال رسول الله - ﷺ -:"البينة وإلا حد في ظهرك" قال: فقال هلال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا رجلًا على امرأته أيلتمس البينة فجعل رسول الله - ﷺ - يقول:"البينة وإلا فحد في ظهرك"،قال: فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن في أمري ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل:"والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم"فقرأ حتى بلغ:"والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين "،قال: فانصرف النبي - ﷺ - فأرسل إليهما فجاءا فقام هلال بن أمية فشهد والنبي - ﷺ - يقول:
[ ١١٣ ]
"إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ "ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين قالوا لها: إنها موجبة؟ فقال ابن عباس: فتلكأت ونكست حتى ظننا أن سترجع فقالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فقال النبي - ﷺ -:"أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الإليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن السحماء "،فجاءت به كذلك فقال النبي - ﷺ - لولا ما مضى من كتاب الله ﷿ لكان لنا ولها شأن ".قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث هشام بن حسان وهكذا روى عباد بن منصور هذا الحديث عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - ورواه أيوب عن عكرمة مرسلًا ولم يذكر فيه عن ابن عباس ".
وقال في العلل (٣٠٧): فسألت محمدا عنه، وقلت: روى عباد بن منصور هذا الحديث عن عكرمة عن ابن عباس مثل حديث هشام وروى أيوب عن عكرمة أن هلال بن أمية مرسلًا، فأي الروايات أصح؟ فقال: حديث عكرمة عن ابن عباس هو محفوظ ورآه حديثا صحيحًا ".
التعليق:
خالف أيوب السختياني رواية عباد بن منصور في وصله.
الاستنتاج:
رجح الرواية " المحفوظة " وهي المتصلة، وعد المرسلة " غير محفوظة"،يعني أنه يطلق اللفظة ويريد بها " مخالفة الثقة ".
نخلص مما مر إلى أن لفظة " غير محفوظ أو نحوها " أطلقها الإمام البخاري وأراد بها معنى أعم مما يقيده بها أهل المصطلح - من المتأخرين - إذ قالوا: " هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق .. ".
بل الصواب: أنه أراد بها المعنى اللغوي، الذي يشمل مخالفة الثقة والضعيف وتفردهما أو أحدهما، وعدم شهرة الحديث وهكذا.
المطلب الثاني: مذهب الإمام مسلم:
١ - قال في كتابه التمييز " ذكر خبر ليس بمحفوظ المتن: حدثنا يحيى بن يحيى قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على الجوربين والنعلين "،حدثنا أبو بكر قال: حدثنا أبو معاوية
[ ١١٤ ]
عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن المغيرة قال: " كنت مع النبي - ﷺ - في سفر "،وساقه، والأسود بن هلال عن المغيرة، وعلي بن ربيعة قال: خطبنا المغيرة. وإياد بن لقيط عن قبيصة بن برمة عن المغيرة بن شعبة، وعن حمزة بن المغيرة عن أبيه، وعروة بن المغيرة عن أبيه، والزهري عن عباد عن عروة وبكر بن عبد الله عن ابن المغيرة عن المغيرة، وسليمان التيمي عن بكر عن الحسن عن ابن المغيرة بن شعبة عن أبيه، وشريك عن أبي السائب عن المغيرة، ومحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن المغيرة، وعروة بن المغيرة عن أبيه وعامر وسعد بن عبيدة قالا سمعنا المغيرة وأبو العالية عن فضالة عن المغيرة، وعمرو بن وهب عن المغيرة وابن عون عن عامر عن عروة عن المغيرة، وقتادة عن الحسن وزرارة ابن أبي أوفى عن المغيرة، وحريز بن حية الثقفي عن المغيرة.
سمعت مسلمًا يقول: قد بينا من ذكر أسانيد المغيرة في المسح بخلاف ما روى أبو قيس عن هزيل عن المغيرة ما قد اقتصصناه، وهم من التابعين وأجلتهم، مثل مسروق، وذكر من قد تقدم ذكرهم، فكل هؤلاء قد اتفقوا على خلاف رواية أبي قيس عن هزيل، ومن خالف خلاف بعض هؤلاء بين لأهل الفهم من الحفظ في نقل هذا الخبروتحمل ذلك، والحمل فيه على أبي قيس أشبه وبه أولى منه بهزيل، لأن أبا قيس قد استنكر أهل العلم من روايته أخبارًا غير هذا الخبر، سنذكرها في مواضعها -إن شاء الله -. فأما في خبر المغيرة في
المسح: حدثنا مسلم قال: فأخبرني محمد بن عبد الله بن قهزاد، عن علي بن الحسن بن شقيق، قال: قال عبد الله بن المبارك: عرضت هذا الحديث يعني حديث المغيرة من رواية أبي قيس على الثوري فقال: لم يجئ به غيره فعسى أن يكون وهمًا" (١).ا. هـ
قلت: ويلاحظ من هذا الحديث أن الإمام مسلمًا قال في حديث خالف فيه أبو قيس - عبد الرحمن بن ثروان الأودي- عن هزيل بن شرحبيل الأودي عن المغيرة بن شعبة جميع رواة الحديث عن المغيرة وهم: (مسروق، والأسود بن هلال، وعلى بن ربيعة، وقبيصة بن برمة، وحمزة بن الغيرة، وعروة بن المغيرة، وأبو السائب، وأبو سلمة، وعامر بن سعد بن عبيدة، وفضالة، وعمرو بن وهب، والحسن، وزرارة بن أبي أوفى،
_________________
(١) التمييز ص ٢٠٢.
[ ١١٥ ]
وحريز بن حية الثقفي) كلهم رووه بلفظ"مسح على خفيه " (١)،خالفهم أبو قيس فقال:"مسح على الجوربين والنعلين ".فهو متن ليس بمحفوظ كما قال الإمام مسلم. ويلاحظ أنه حكم عليه بأنه "غير محفوظ"والمخالف:"صدوق ربما خالف" (٢) وقد أعل به الحديث مسلم فقال: " والحمل فيه على أبي قيس " (٣).
٢ - قال مسلم:"قال ابن شهاب: وأخبرني ابن المسيب عن أبي هريرة وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله. سمعت مسلمًا يقول: وخبر ابن شهاب هذا في قصة ذي اليدين وهم غير محفوظ لتظاهر الأخبار الصحاح عن رسول الله - ﷺ - في هذا " (٤).
الحديث المحفوظ: انه - ﷺ - سجد سجدتين، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه قال:
" حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا عبد الوهاب الثقفي قال: حدثنا خالد وهو الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن الحصين قال: سلم رسول الله - ﷺ - في ثلاث
ركعات من العصر ثم قام فدخل الحجرة فقام رجل بسيط اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبًا فصلى الركعة التي كان ترك ثم سلم ثم سجد سجدتي السهو ثم سلم. " (٥).
أما حديث الزهري فقد خالف فيه قال الحافظ ابن خزيمة: " خبر روي في قصة ذي اليدين أدرج لفظه الزهري في متن الحديث فتوهم من لم يتبحر في العلم ولم يكتب من الحديث إلا نتفًا أن أبا هريرة قال تلك اللفظة التي قالها الزهري في آخر الخبر وتوهم أيضا أن هذا الخبر الذي زاد فيه الزهري هذه اللفظة خلاف الأخبار الثابتة أن النبي - ﷺ - سجد يوم ذي اليدين بعدما أتم صلاته، أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة وعبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال: سلم رسول الله - ﷺ - عن ركعتين فقال له ذو الشمالين من خزاعة حليف لبني زهرة: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال: كلٌ لم يكن، فأقبل رسول الله - ﷺ - على
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠٦)،ومسلم ١/ ٢٢٨ - ٢٣٠ (٢٧٤)، وغيرهما.
(٢) أنظر ترجمته في التقريب (٣٨٢٣).
(٣) كما مر في ص ٦٤ من بحثنا هذا.
(٤) التمييز ص ١٨٣.
(٥) أخرجه الشيخان انظر المسند الجامع ١٤/ ٢١٧ (١٠٨٣٨).
[ ١١٦ ]
الناس فقال: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم، فأتمَّ ما بقي من صلاته ولم يسجد سجدتي السهو حين لقنه الناس" (١).
ولسنا بصدد مناقشة الحديث، وإنما الذي يهمنا هنا: أن الإمام مسلمًا حكم على مخالفة " الزهري " بأنها غير محفوظة فإطلاق "غير المحفوظ"عنده تعني أيضًا مخالفة الثقة.
٣ - قال الإمام مسلم: " حدثني الحسن الحلواني وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي قالا قال: حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد قال: حدثنا كثير بن زيد قال: حدثني يزيد بن أبي زياد عن كريب عن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة فاضطجع رسول الله - ﷺ - في طول الوسادة واضطجعت في عرضها فقام رسول الله - ﷺ - فتوضأ ونحن نيام، ثم قام فصلى فقمت عن يمينه فجعلني عن يساره فلما صلى قلت: يا رسول الله، وساقه.
سمعت مسلمًا يقول: وهذا خبر غلط غير محفوظ لتتابع الأخبار الصحاح برواية الثقات على خلاف ذلك أن ابن عباس إنما قام عن يسار رسول الله - ﷺ - فحوله حتى أقامه عن
يمينه وكذلك سنة رسول الله - ﷺ - في سائر الأخبار عن ابن عباس أن الواحد مع الإمام يقوم عن يمين الإمام لا عن يساره " (٢).
وهذا أيضًا من قبيل مخالفة الثقة، فقد خالف فيه يزيد بن أبي زياد المخزومي -وهو ثقة (٣) - أصحاب كريب - الثقات - بقوله: " فجعلني عن يساره "،والمحفوظ"عن يمينه ".
إذن فمسلم يطلق هذه اللفظة " غير محفوظ " وقد يريد بها مخالفة الثقة أو غير الثقة.
المطلب الثالث: مذهب الإمام أبي داود:
لقد سبقني إلى هذا الأمر - دراسة هذا المصطلح عند أبي داود - الشيخ محمد حوى في رسالة ماجستير (٤) وخرج الباحث بنتيجة- بحد علمي - تخالف التطبيق العملي له في سننه، وتخالف منهجه ﵀ وهذه النتيجة هي:
" استعمل أبو داود مصطلح محفوظ لما رواه الثقة مخالفًا من دونه وكانت درجة
_________________
(١) صحيح ابن خزيمة ٢/ ١٢٤ (١٠٤٠).
(٢) انظر أيضًا التمييز ص ١٨٣.
(٣) التقريب (٧٧١٥).
(٤) وعنوانها: مقولات أبي داود النقدية في كتاب السنن.
[ ١١٧ ]
المخالف صدوق يخطئ كثيرًا، واستعمل مصطلح ليس بمحفوظ: لما رواه الثقة مخالفًا الأوثق والثقات " (١).
أقول: وهذا كلام غير دقيق- كما سنجده لاحقًا - فحق العبارة أن تكون:
أراد أبو داود بمصطلح "غير محفوظ" ما خالف فيه الصدوق الذي يخطئ كثيرًا "الضعيف" أو الثقة الثقات.
أو نقول: ما خالف فيه الراوي مطلقًا -وهو الصواب-.
وسأمثل ببعض الأمثلة على ذلك:-
١ - حديث (٢٠٩٩) قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا سفيان، عن زياد بن سعد، عن عبد الله بن الفضل بإسناده ومعناه قال: " الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يستأمرها أبوها".قال أبو داود:"أبوها"ليس بمحفوظ.
التعليق:
أطلق أبو داود لفظة "غير محفوظ "على مخالفة الثقة للثقات فالحديث جاء من عدة طرق بدون ذكر " أبوها " ولم يخالف إلا سفيان وسفيان ثقة.
الاستنتاج:
هذا يعني أنه يطلق غير محفوظ على حديث انفراد الثقة بلفظ خالف بها غيره من الثقات (٢).
٢ - وكذا في حديث (٢٠٩٤) قال: حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا بن إدريس، عن محمد بن عمرو بهذا الحديث (٣) بإسناده زاد فيه قال: فإن بكت أو سكتت، زاد بكت. قال أبو داود: وليس "بكت" بمحفوظ، وهو وهم في الحديث، الوهم من ابن إدريس أو من محمد بن العلاء. قال أبو داود: ورواه أبو عمر وذكوان عن عائشة قالت: يا رسول الله إن البكر تستحي أن تتكلم قال:" سكاتها إقرارها".
فإن أبا داود أطلق مصطلح " غير محفوظ " على مخالفة عبد الله بن إدريس الأودي
_________________
(١) سبق ص٢٢٨.
(٢) الحديث بالزيادة أخرجه مسلم ٢/ ١٠٣٧ (١٤٢١) شاهداُ لرواية الباب وقد عد حوى في رسالة هذه الزيادة محفوظة وخطأ بها أبا داود؟! أنظرها ص٣٧٧.
(٣) الحديث بدون زيادة أو بكت مخرج في الصحيحين أخرجه البخاري (٥١٣٧)، ومسلم ٢/ ١٠٣٧ (١٤٢٠).
[ ١١٨ ]
وهو ثقة (١) أو محمد بن العلاء بن كريب الهمداني وهو ثقة حافظ (٢) أيضًا.
٣ - حديث (٣٣٨) قال: حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي قال: أخبرنا عبد الله بن نافع عن الليث بن سعد عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدًا طيبًا فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر ثم أتيا رسول الله - ﷺ - فذكرا ذلك له فقال للذي لم يُعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين ". قال أبو داود: وغير ابن نافع يرويه عن الليث عن عميرة بن أبي ناجية عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار عن النبي - ﷺ - قال أبو داود: وذكر أبي سعيد الخدري في هذا الحديث ليس بمحفوظ وهو مرسل " (٣).
التعليق:
السند الأول: محمد بن إسحاق - عبد الله بن نافع- الليث بن سعد - بكر بن سوادة - عطاء بن يسار - أبو سعيد الخدري (مرفوعًا).
السند الثاني: غير عبد الله بن نافع - الليث - عمير بن أبي ناجية - بكر بن سوادة - عطاء بن يسار "مرسلًا ".
أقول: حكم أبو داود على الأول بكونه غير محفوظ مع أن رجاله كلهم ثقات، ورجح الرواية المرسلة على المتصلة.
الاستنتاج:
أطلق أبو داود لفظة "غير محفوظ"على حديث زاد فيه ثقة زيادة، حيث وصل ما أرسله غيره فعدها أبو داود غير محفوظة.
٤ - حديث (٨٧٠) قال:
حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا الليث -يعني ابن سعد- عن أيوب بن موسى أو موسى بن أيوب عن رجل من قومه عن عقبة بن عامر بمعناه زاد قال:" فكان رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) التقريب (٣٢٠٧).
(٢) التقريب (٦٢٠٤).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٣٨) والدارمي (٧٣٧). كلاهما من طريق عبد الله بن نافع وأخرجه مرسلًا أبو داود (٣٣٩).
[ ١١٩ ]
إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثا وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثًا".قال أبو داود: وهذه الزيادة يخاف أن لا تكون محفوظة. قال أبو داود: انفرد أهل مصر بإسناد هذين الحديثين حديث الربيع وحديث أحمد بن يونس" (١).
التعليق:
الحديث جاء مرة بدون زيادة وهو حديث صحيح وجاء مرة بزيادة " فكان رسول الله إذا ركع .. " وسند هذه الزيادة ضعيف جدًا " منقطع " إذ فيه رجل مبهم ومع ذلك فإن أبا داود لم يجزم بضعفها بل قال: " وهذه الزيادة يخاف أن لا تكون محفوظة ".
الاستنتاج: أطلق أبو داود مصطلح " غير محفوظ " على زيادة في متن حديث زادها رجل مبهم: (أطلقها على إسناد منقطع).
٥ - حديث (٢٨١) قال:
حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا جرير عن سهيل يعني بن أبي صالح عن الزهري عن عروة بن الزبير قال: حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش أنها أمرت أسماء أو أسماء حدثتني أنها
أمرتها فاطمة بنت أبي حبيش أن تسأل رسول - ﷺ -:" فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد ثم تغتسل".
قال أبو داود: ورواه قتادة عن عروة بن الزبير عن زينب بنت أم سلمة أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت فأمرها النبي - ﷺ -:"أن تدع الصلاة أيام إقرائها ثم تغتسل وتصلي".
قال أبو داود: لم يسمع قتادة من عروة شيئًا وزاد بن عيينة في حديث الزهري عن عمرة عن عائشة أن أم حبيبة كانت تستحاض فسألت النبي - ﷺ -:"فأمرها أن تدع الصلاة أيام إقرائها" (٢).
قال أبو داود: وهذا وهم من ابن عيينة ليس هذا في حديث الحفاظ عن الزهري إلا ما ذكر سهيل بن أبي صالح وقد روى الحميدي هذا الحديث عن ابن عيينة لم يذكر فيه تدع الصلاة أيام إقرائها وروت قمير بنت عمرو زوج مسروق عن عائشة المستحاضة تترك الصلاة أيام إقرائها ثم تغتسل وقال عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن النبي - ﷺ -:
_________________
(١) أخرجه بدون هذه الزيادة أحمد و، ابن ماجة والدارمي، انظر المسند الجامع ١٣/ ١٦ (٩٨٢٤).
(٢) أخرجه مسلم،١/ ٢٦٣ (٣٣٤) دون الزيادة.
[ ١٢٠ ]
"أمرها أن تترك الصلاة قدر إقرائها". وروى أبو بشر جعفر بن أبي وحشية عن عكرمة عن النبي - ﷺ - أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت، فذكر مثله، وروى شريك عن أبي اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ -: "المستحاضة تدع الصلاة أيام إقرائها ثم تغتسل وتصلي".وروى العلاء بن المسيب عن الحكم عن أبي جعفر أن سودة استحيضت فأمرها النبي - ﷺ -:"إذا مضت أيامها اغتسلت وصلت".وروى سعيد بن جبير عن علي وابن عباس:" المستحاضة تجلس أيام قرئها "وكذلك رواه عمار مولى بني هاشم وطلق بن حبيب عن ابن عباس، وكذلك رواه معقل الخثعمي عن علي - ﵁ - وكذلك روى الشعبي عن قمير امرأة مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنها. قال أبو داود: وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب وعطاء ومكحول وإبراهيم وسالم والقاسم أن المستحاضة تدع الصلاة أيام إقرائها. قال أبو داود: لم يسمع قتادة من عروة شيئًا".
التعليق:
جاء الحديث عن الزهري من طريقين:
طريق: سهيل بن أبي صالح السمان عن الزهري عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش به.
طريق: سفيان بن عيينة عن الزهري عن عمرة عن عائشة به.-وبزيادة " فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها ".
وقد حكم أبو داود على حديث سفيان بأنه غير محفوظ من حديث الزهري ولم يعده زيادة من ثقة أو يعده حديثًا آخر، ومع كون سفيان أوثق وأحفظ لحديث الزهري من سهيل بن أبي صالح.
أقول: وإنما لم يعده محفوظًا لأن الحفاظ لم يعرفوه بهذه الزيادة.
والحديث رواه سفيان مرة بدون الزيادة، كما أخرجه مسلم في صحيحه.
الاستنتاج:
هذا يعني أن أبا داود يطلق مصطلح " غير محفوظ " على ما تفرد به ثقة ولم يتابع عليه ولم يعرفه المعروفون " الحفاظ ".
٦ - حديث (٦٠٤) قال:
حدثنا محمد بن آدم المصيصي قال: حدثنا أبو خالد عن بن عجلان عن زيد بن
[ ١٢١ ]
أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال:" إنما جعل الإمام ليؤتم به بهذا الخبر زاد وإذا قرأ فأنصتوا ".قال أبو داود: وهذه الزيادة وإذا قرأ فأنصتوا ليست بمحفوظة الوهم عندنا من أبي خالد ".
التعليق:
أصل الحديث هو بدون ذكر الزيادة " وإذا قرأ فأنصتوا ". أخرجه أبو داود في (٦٠٣) قال: حدثنا سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم المعنى عن وهيب عن مصعب بن محمد عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد- قال مسلم -ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون. قال أبو داود: اللهم ربنا لك الحمد أفهمني بعض أصحابنا عن سليمان ".
وعد الوهم فيها من سليمان بن حيان الأزدي، أبي خالد الأحمر، قال الحافظ ابن حجر فيه:" صدوق يخطئ " (١) قلت: قال صاحبا التحرير:"بل صدوق حسن الحديث " (٢) وهو الذي رجحه الذهبي في الميزان (٣)، والذي أراه والله أعلم أن الوهم فيه من محمد بن عجلان المدني: فإنه " قد اختلط عليه أحاديث أبي هريرة " (٤)،وهذا منها.
الاستنتاج:
أطلق أبو داود مصطلح "غير محفوظ"على زيادة الضعيف.
٧ - حديث (٢١٥٩) قال:
حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا أبو معاوية عن بن إسحاق بهذا الحديث قال:" حتى يستبرئها بحيضة " زاد فيه: بحيضة وهو وهم من أبي معاوية، وهو صحيح في حديث أبي سعيد زاد: " ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء
_________________
(١) التقريب (٢٥٤٧).
(٢) التحرير ٢/ ٦٥.
(٣) ميزان الاعتدال ٢/ ٢٠٠.
(٤) التقريب (٦١٣٦)، والتحرير ٣ـ٢٩٠.
[ ١٢٢ ]
المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه". قال أبو داود: الحيضة ليست بمحفوظة وهو وهم من أبي معاوية ".
التعليق:
اصل الحديث ليس فيه زيادة " بحيضة " وقد أخرجه أبو داود من طريق النفيلي فقال: حدثنا النفيلي قال: حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي مرزوق عن حنش الصنعاني عن رويفع بن ثابت الأنصاري قال: قام فينا خطيبًا قال: أما إني لا أقول لكم إلا ما سمعت رسول الله - ﷺ - يقول يوم حنين قال: " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره يعني إتيان الحبالى ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنمًا حتى يقسم " (١).
قلت: زاد أبو معاوية - محمد بن خازم الضرير-في روايته عن ابن إسحاق بالإسناد أعلاه:"حتى يستبرئها بحيضة "فزاد لفظة:"حيضة "وقد خالف بها محمد بن سلمة الباهلي وأبو معاوية: " ثقة في حديث الأعمش قد يهم في حديث غيره " (٢)، وأما محمد بن سلمة فهو ثقة. (٣) فرد أبو داود زيادة أبي معاوية مع أنه حكم عليها بالصحة في حديث أبي سعيد الخدري. (٤) فزيادة " حيضة " صحيحة ولكنها غير محفوظة من طريق أبن إسحاق بالإسناد أعلاه.
وكذا فإنه قبل زيادة أبي معاوية في الحديث نفسه وهي " ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين ."؟!
الاستنتاج:
أطلق أبو داود مصطلح " غير محفوظ " على زيادة تفرد بها ثقة لا يحتمل تفرده أو مخالفته، فأتى بما لا يعرفه الحفاظ.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢١٥٨).
(٢) التقريب (٥٨٤١) وانظر التحرير ٢/ ٢٣٤.
(٣) التقريب (٥٩٢٢) وانظر التحرير ٢/ ٢٥٠.
(٤) أخرجه أبو داود (٢١٥٧) وغيره.
[ ١٢٣ ]
إذن: فأبو داود استعمل مصطلح "غير محفوظ " لما انفرد به ثقة، وكذا لما خالف، ولما زاد وأطلقه على زيادة مجهول العين وزيادة ضعيف، وعلى تفرد من لا يحتمل تفرده.
هكذا يتبين لنا أن مفهوم " غير محفوظ " أعم عند أبي داود مما نسب إليه الشيخ محمد حوى في رسالته وأعم مما ينسب المتأخرون إليه.
والصواب: أنّ كل ما ليس له أصل متابع أو لم يعرفه أهل الحفظ هو غير محفوظ عنده خالف به ثقة أم غير ثقة - والله أعلم -.
المطلب الرابع: مذهب الإمام الترمذي:
وأما عند الإمام الترمذي:"فقد استعمله بما يشمل الشاذ والمنكر أو استعمالًا يشمل كل ما يندرج تحت المخالفة وتفرد الضعفاء ومن يلتحق بهم" (١).
وفيما يأتي أمثلة توضح ذلك وتثبته:
١ - المثال الأول: قال الترمذي في الجامع (٢٠٣) " باب ما جاء في الأذان بالليل ":
حدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أن النبي - ﷺ - قال:"إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم ".قال أبو عيسى: وفي الباب عن ابن مسعود وعائشة وأنيسة وأنس وأبي ذر وسمرة. قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح، وقد اختلف أهل العلم في الأذان بالليل فقال بعض أهل العلم: إذا أذن المؤذن بالليل أجزأه ولا يعيد، وهو قول مالك، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: إذا أذن بليل أعاد، وبه يقول: سفيان الثوري وروى حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر:" أن بلالًا أذن بليل فأمره النبي - ﷺ - أن ينادي إن العبد نام ".قال أبو عيسى: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى عبيد الله بن عمر وغيره عن نافع عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال:"إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم".
قال: وروى عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع أن مؤذنًا لعمر أذن بليل فأمره عمر
_________________
(١) هذا ما توصل إليه شيخنا الدكتور عداب الحمش في أطروحة الدكتوراه الموسومة: (أقوال الإمام الترمذي في الرجال) وهي نتيجة صحيحة، ولكني وجدت الشيخ قد خالفها وناقضها في أكثر من موضع!، أنظرها ص٢١٠.
[ ١٢٤ ]
أن يعيد الأذان وهذا لا يصح أيضًا لأنه عن نافع عن عمر منقطع ولعل حماد بن سلمة أراد هذا الحديث والصحيح رواية عبيد الله وغير واحد عن نافع عن ابن عمر والزهري عن سالم عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال:"إن بلالًا يؤذن بليل".
قال أبو عيسى: ولو كان حديث حماد صحيحًا، لم يكن لهذا الحديث معنى إذ قال رسول الله - ﷺ -: " إن بلالًا يؤذن بليل فإنما أمرهم فيما يستقبل فقال: إن بلالًا يؤذن بليل ولو أنه أمره بإعادة الأذان حين أذن قبل طلوع الفجر لم يقل: إن بلالًا يؤذن بليل. قال علي بن المديني: حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - هو غير محفوظ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة ".
التعليق:
خالف حماد بن سلمة ما رواه عبد الله بن عمر وغيره في حديثه، فحكم الترمذي على مخالفة مثل حماد وهو " ثقة " متكلم في حفظه آخر أيامه" (١)،بأنها غير محفوظة.
الاستنتاج:
وهذا يعني أنه يطلق لفظة "غير محفوظ"على مخالفة الثقة.
٢ - وقال: (٣١٦٣):"حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا النضر بن شميل قال: أخبرنا صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: لما قفل رسول الله - ﷺ - من خيبر أسرى ليلة حتى أدركه الكرى أناخ فعرس ثم قال:"يا بلال اكلأ لنا الليلة قال: فصلى بلال ثم تساند إلى راحلته مستقبل الفجر فغلبته عيناه فنام فلم يستيقظ أحد منهم وكان أولهم استيقاظًا النبي - ﷺ - فقال: أي بلال فقال بلال: بأبي أنت يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك فقال رسول الله - ﷺ - اقتادوا، ثم أناخ فتوضأ فأقام الصلاة ثم صلى مثل صلاته للوقت في تمكث ثم قال: أقم الصلاة لذكري ".
قال: هذا حديث غير محفوظ رواه غير واحد من الحفاظ عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن النبي - ﷺ - ولم يذكروا فيه عن أبي هريرة، وصالح بن أبي الأخضر يضعف في الحديث ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره من قبل حفظه ".
التعليق:
خالف صالح بن أبي الأخضر غيره من الحفاظ في روايتهم عن الزهري فقد وصله
_________________
(١) أنظر تهذيب الكمال (١٤٦٦)، والتقريب (١٤٩٩)، والتحرير١/ ٣١٨.
[ ١٢٥ ]
وهم أرسلوه فعند الترمذي حديثه غير محفوظ، وصالح عند الترمذي -نفسه- ضعيف كما صرح بذلك عقب الحديث.
الاستنتاج:
وهذا يعني أن مخالفة الضعيف للثقات يعدها"غير محفوظة ".
٣ - وقال في جامعه (٧١٩) "ما جاء في الصائم يذرعه القيء":
حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -:" ثلاث لا يفطرن الصائم الحجامة والقيء والاحتلام ".
قال أبو عيسى: حديث أبي سعيد الخدري حديث غير محفوظ وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم وعبد العزيز بن محمد وغير واحد هذا الحديث عن زيد بن أسلم مرسلًا ولم يذكروا فيه عن أبي سعيد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم يضعف في الحديث قال: سمعتُ أبا
داود السجزي يقول: سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فقال: أخوه عبد الله بن زيد لا بأس به قال: وسمعت محمدًا يذكر عن علي بن عبد الله المديني قال: عبد الله بن زيد بن أسلم ثقة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف قال محمد: ولا أروي عنه شيئًا ".
٤ - وكذا ما جاء في (١٠٨٢) باب"ما جاء إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه " إذ قال:
حدثنا قتيبة قال: حدثنا عبد الحميد بن سليمان عن ابن عجلان عن بن وثيمة النصري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:"إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض".
قال: وفي الباب عن أبي حاتم المزني وعائشة قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة قد خولف عبد الحميد بن سليمان في هذا الحديث ورواه الليث بن سعد عن ابن عجلان عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - مرسلًا قال أبو عيسى: قال محمد: وحديث الليث أشبه، ولم يعد حديث عبد الحميد محفوظًا".
قلت: عبد الحميد بن سليمان هو الضرير: ضعيف (١).
_________________
(١) التقريب (٣٧٦٤).
[ ١٢٦ ]
٥ - وفي حديث (٧٢٠) باب:"باب ما جاء فيمن استقاء عمدًا"قال: حدثنا علي بن حجر قال: حدثنا عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: " من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدًا فليقض ".
وفي الباب عن أبي الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - إلا من حديث عيسى بن يونس، وقال محمد: لا أراه محفوظًا، قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - ولا يصح إسناده وقد روي عن أبي الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد:"أن النبي - ﷺ - قاء فأفطر"،وإنما معنى هذا أن النبي - ﷺ - كان صائمًا متطوعًا فقاء فضعف فأفطر لذلك هكذا روي في بعض الحديث مفسرًا والعمل عند
أهل العلم على حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أن الصائم إذا ذرعه القيء فلا قضاء عليه وإذا استقاء عمدًا فليقض وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق ".
التعليق:
حكم الترمذي على هذا الحديث بأنه " غير محفوظ " لمجرد تفرد هشام بن حسان به دون مخالفة فقال: " حسن غريب لا نعرفه من حديث هشام " فهو حسن -معلول- عند الترمذي مع أن هشامًا ثقة، بل " أثبت الناس في ابن سيرين" (١)، ومحمد بن سيرين ثقة ولكنه لما انفرد بالحديث ولم يتابع عليه انحطت درجته، ولمّا توبع بروايات الباب حسن طريقه -والله أعلم-.
فهو " غير محفوظ " من رواية أبي هريرة كما قال البخاري بل محفوظ من رواية غيره.
وهذا يعني أنه -الترمذي- أقر البخاري على حكمه بأنه غير محفوظ، مع أنه لم يخالف.
وهكذا يتبين أن الترمذي يطلق لفظة " غير محفوظ " وقد يريد بها مخالفة الثقة أو غير الثقة أو التفرد مطلقًا.
_________________
(١) التقريب (٢١٢٤) وانظر التحرير ١/ ٤٣٢.
[ ١٢٧ ]
المطلب الخامس: مذهب الإمام النسائي:
الإمام النسائي إمام من الأئمة المعروفين بسعة علمه وغزارة فهمه ويقظته في معرفة علل الحديث ومداخله. وكتابه السنن الكبرى والمجتبى وغيرهما من كتبة المشهورة خير دليل على ذلك وسأذكر بعض الأمثلة على إطلاقه " غير محفوظة وما شاكلها " إذ لم يستعمل مصطلح " شاذ " في سننه (١).
١ - قال النسائي (٥/ ١٣٠):أخبرنا نوح بن حبيب القومسي قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا ابن جريج قال: حدثني عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه أنه قال: ليتني أرى رسول الله - ﷺ - وهو ينزل عليه فبينا نحن بالجعرانة والنبي - ﷺ - في قبة فأتاه الوحي فأشار إلى عمر أن تعال فأدخلت رأسي القبة فأتاه رجل قد أحرم في جبة بعمرة متضمخ بطيب فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل قد أحرم في جبة إذ أنزل عليه الوحي فجعل النبي - ﷺ - يغط لذلك فسرى عنه فقال: أين الرجل الذي سألني آنفًا؟ فأتي
بالرجل فقال: أما الجبة فاخلعها وأما الطيب فاغسله ثم أحدث إحرامًا".قال أبو عبد الرحمن:"ثم أحدث إحرامًا"ما أعلم أحدًا قاله غير نوح بن حبيب ولا أحسبه محفوظًا، والله ﷾ أعلم ".
التعليق:
قال النسائي: " ما أعلم أحدًا قاله غير نوح بن حبيب ولا أحسبه محفوظًا "،قلت: ونوح هذا ثقة. (٢)
الاستنتاج:
أطلق النسائي " لا أحسبه محفوظًا " لمجرد التفرد وإن كان المتفرد ثقة.
٢ - وقال ٨/ ١٣٧:" أخبرني عثمان بن عبد الله قال: حدثنا أحمد بن جناب قال: حدثنا عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أبيه عن بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -:"غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ".
أخبرنا حميد بن مخلد بن الحسين قال: حدثنا محمد بن كناسة قال: حدثنا هشام بن عروة
_________________
(١) انظر علل الحديث وتطبيقاتها في كتاب المجتبى للإمام النسائي، لأخي الشيخ محمد محمود سليمان ص ٣٦٣.
(٢) التقريب (٧٢٠٣).
[ ١٢٨ ]
عن عثمان بن عروة عن أبيه عن الزبير قال: قال رسول الله - ﷺ -:" غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود وكلاهما غير محفوظ ".
التعليق:
لقد اضطرب إسناد هذا الحديث اضطرابًا واضحًا.
فمرة جاء من طريق: هشام بن عروة عن عثمان بن عروة عن أبيه عن جده به. (متصلًا).
ومرة من طريق: هشام بن عروة عن عثمان عن أبيه به. (مرسلًا).
ومرة من طريق: هشام بن عروة عن أبيه عن النبي. (مرسلًا).
ومرة من طريق: هشام عن أبيه عن ابن عمر به. (متصلًا).
من أجل ذلك حكم النسائي على هذه الأسانيد بعدم الحفظ -والله أعلم -.
الاستنتاج:
أطلق النسائي كلمة (غير محفوظ) على الاضطراب في السند.
٣ - وقال ٨/ ١٥٥:أخبرني يوسف بن سعيد قال: بلغني عن حجاج عن ابن جريج أخبرني زياد بن سعد عن ابن شهاب عن بسر بن سعيد عن زينب الثقفية قالت: قال رسول الله - ﷺ -:"إذا شهدت إحداكن الصلاة فلا تمس طيبًا".قال أبو عبد الرحمن: وهذا غير محفوظ من حديث الزهري ".
التعليق:
قلت: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم:"حدثنا سنيد بن داود قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن ابن شهاب الزهري عن بسر بن سعيد عن زينب الثقفية أن رسول الله - ﷺ - قال:" إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تمس طيبًا"،قال أبي: لم يرو هذا الحديث عن ابن شهاب سوى زياد بن سعد ولا روى عن زياد بن سعد غير ابن جريج ولا عن ابن جريج إلا الحجاج ولا عن حجاج إلا سنيد، غير أن أبا زرعة حدثني بعورته: أخبرني أنه ذكر هذا الحديث ليحيى بن معين فقال: رأيت هذا الحديث في كتاب حجاج عن ابن جريج عن زياد عن بسر ليس فيه الزهري. قال أبو محمد: وقرأ علينا أبو زرعة هذا الحديث عن سنيد هكذا، فأملى علينا أبو زرعة وقال: أخبرت بهذا الحديث يحيى بن معين فقال: كتبته من كتاب حجاج عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن بسر بن سعيد
[ ١٢٩ ]
عن زينب الثقفية عن النبي - ﷺ - ليس فيه الزهري " (١).
قال الحافظ ابن حجر:" ويستفاد من هذا تسمية من بلّغ يوسف بن سعيد عن حجاج، ويوسف كثير الرواية عن حجاج إلا أنه كان لا يدلس، ولم يسمع هذا من حجاج، فكأنه سمعه من سنيد فاتهمه " (٢).وسنيد هذا: ضعيف لأجل تلقينه لشيخه الحجاج. فقد ضعفه أبو حاتم، والنسائي، وقواه بعضهم، حتى وصفه الذهبي بالحافظ! (٣).
التعليق:
اضطربت طرق هذه الرواية اضطرابًا واضحًا وكلها ضعيفة عدا طريق جرير الضبي ويحيى القطان وهو مخرج في صحيح مسلم، وقد اختلف فيه على النحو الآتي:
مرة جاء من طريق محمد بن مسلم عن بسر بن سعيد عن زينب به.
ومرة من طريق محمد بن عبد الله بن عمرو عن بكير عن بسر عن زينب به.
ومرة من طريق محمد بن عبد الله بن عمرو عن بكير عن زينب به.
ومرة من طريق محمد بن عجلان عن بكير عن بسر عن زينب به.
ومرة من طريق محمد بن عجلان عن يعقوب عن بسر عن زينب به.
وانظر بعض هذا الاختلاف من خلال هذه الشجرة:
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم ١/ ٧٩ (٢١١).
(٢) النكت الظراف على تحفة الأشراف١١/ ١٠٧ (١٥٨٨٨).
(٣) أنظر ميزان الإعتدال ٢/ ٢٣٦، والكاشف ١/ ٤٠٥، والتقريب (٢٦٤٦)، والتحرير ٢/ ٨٤، وعلل الحديث، محمد محمود ص ٣٧٣.
[ ١٣٠ ]
(صورة)
[ ١٣١ ]
الاستنتاج:
أطلق النسائي لفظة (غير محفوظ) على سند مضطرب، وفيه رجل ضعيف كان يلقن.
٤ - وقال في ٨/ ١٥٩:" أخبرنا إسحاق بن شاهين الواسطي قال: أنبأنا خالد عن مطرف ح وأنبأنا أحمد بن حرب قال: حدثنا أسباط عن مطرف عن أبي الجهم عن أبي زيد عن أبي هريرة قال:"كنت قاعدًا عند النبي - ﷺ - فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله سوارين من ذهب؟ قال: سوران من نار! قالت: يا رسول الله طوق من ذهب؟ قال: طوق من نار، قالت: قرطين من ذهب؟ قال: قرطين من نار، قال: وكان عليها سواران من ذهب فرمت بهما، قالت: يا رسول الله إن المرأة إذا لم تتزين لزوجها صلفت عنده قال: " ما يمنع إحداكن أن تصنع قرطين من فضة ثم تصفره بزعفران أو بعبير" اللفظ لابن حرب، أخبرني الربيع بن سليمان قال: حدثنا إسحاق بن بكر قال: حدثني أبي عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - رأى عليها مسكتي ذهب فقال رسول الله - ﷺ -:"ألا أخبرك بما هو أحسن من هذا لو نزعت هذا؟ وجعلت مسكتين من ورق ثم صفرتهما بزعفران كانتا حسنتين".قال أبو عبد الرحمن: هذا غير محفوظ، والله أعلم ".
التعليق:
الحديث مخرج في الصحيحين من رواية عبد الرحمن بن يزيد الصنعاني عن ابن مسعود به وأخرجاه أيضًا من طريق علقمة -وحده- عن ابن مسعود به.
وأما رواية علقمة والأسود -سوية- فقد أخرجها أحمد والنسائي، وذكر الأسود وهم من عبد الرحمن بن زياد المحاربي فقد انفرد بزيادة (الأسود) في حديثه وهو ضعيف يدلس (١)،وخالف فيه الثقات كشعبة بن الحجاج وأبي معاوية الضرير عند البخاري، وعلي بن هاشم البريد العائذي -عند أحمد-.
وقد رواه عبد الرحمن نفسه مرة بالزيادة ومرة بدونها. من أجل ذلك حكم النسائي على مخالفته لهم بأنها غير محفوظة.
الاستنتاج:
أطلق النسائي مصطلح غير محفوظ على مخالفة الضعيف لغيره من الثقات.
_________________
(١) التقريب (٣٩٩٩).
[ ١٣٢ ]
وهكذا نخلص أن الأئمة المتقدمين استعملوا مصطلح " شاذ "، و" غير محفوظ " استعمالًا لغويًا، إذ أطلقوهما على تفرد الضعيف ومخالفته، كما أطلقوهما على مخالفة الثقة، وخطئه، وعلى تفرد الثقة بحديث لم يحفظه أهل الحفظ، ولم يعرف عندهم. وهذا يعني أنهم يسوونه بالمنكر، كما مر سلفًا، والله أعلم.
المبحث الخامس: علاقة الشاذ بالمنكر:
ومما مر نخلص إلى أنّ المتقدمين لا يفصلون بين المصطلحين، بل لم يشتهر عندهم مصطلح " شاذ " إلا عند البعض منهم، وما جاء عن هؤلاء من تعريف الشاذ كأنهم أرادوا به المعنى اللغوي والذي يعني التفرد لذا قال الشافعي:
" ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، هذا ليس بشاذ، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الناس هذا الشاذ من الحديث." (١). فالشاذ والمنكر عند المتقدمين هو تفرد الثقة وغيره بشيء غير محفوظ أو بمخالفتهم المحفوظ؛ إسنادًا أو متنًا.
وأما عند علماء المصطلح فإنهم لم يختلفوا عن منهج المتقدمين إلى أن جاء الحافظ ابن حجر العسقلاني ففرق بينهما وعدَّ من سوّى بينهما أنه غفل، وقد بان من خلال أقوال وصنيع الأئمة المتقدمين من قبله أن هذا التفريق لا يقوم على أسس صحيحة بينة، وهو في مجمله تفريق جزئي غير بيّن.
والذي أراه أنه ليس مثل الحافظ العسقلاني يغفل عن هذا!؟ فهو إمام جبل، وكأنه لما رأى أن الناس قد قسموا الحديث إلى إسناد ومتن وعلة إسناد وعلة متن فالحديث قد يصح سندًا ولا يصح متنًا، وهذا ينافي صنيع المتقدمين، خشي من التباس تفرد الثقات مع تفرد الضعفاء ومخالفتهم مع مخالفة الضعفاء لأن الناس يحكمون من خلال رجال السند على المتون أراد وضع قيد لفصل مخالفات الثقات عن مخالفات الضعفاء .. أو نحوها من الأسباب.
وحسبه في ذلك ما نقله عنه تلميذه الحافظ السخاوي إذ قال: سمعت الحافظ يقول:" لست راضيًا عن شيء من تصانيفي لأني عملتها في ابتداء الأمر ثم لم يتسن لي تحريرها سوى " شرح البخاري " ومقدمته"والمشتبه"و"التهذيب"و"لسان الميزان" أما سائر
_________________
(١) معرفة علوم الحديث، الحاكم ص١١٩، وانظر المنهل الروي، ابن جماعة ص٥٠ - ٥١.
[ ١٣٣ ]
المجموعات فهي كثيرة العدد واهية العدد ضعيفة القوى خافية الرؤى" (١).وهذا الكلام يدلل على الإنصاف والعدل حتى مع النفس، ولا ضير فهو الإمام الحافظ الحجة، خاتمة الحفاظ، ولكن الحق أحق أن يتبع.
أقول: وأصبح مفهوم الشاذ والمنكر وفصلهما عن بعضهما كما قرره الحافظ ابن حجر العسقلاني قاعدة سار عليها كل من جاء من بعده فمن يقرأ تعريف المنكر أو الشاذ في تقريب النووي مثلًا يجده خلاف ما يقرأه في "فتح المغيث" أو "تدريب الراوي" أو "توضيح الأفكار" أو أي كتاب آخر إلى يومنا هذا (٢).
ولم تنته هذه المسألة إلى هذا الحد إذ ما المشكلة من إطلاق هذين المصطلحين على حديث واحد، أنت تسميه شاذًا، وأنا أسميه منكرًا، ولا سيما إنهما من أقسام الحديث الضعيف؟! ولا مشاحّة في الاصطلاح؟!
وستتضح المسألة أكثر في مبحث زيادة الثقة إذ عشرات الأحاديث التي يسميها المتأخرون زيادة ثقة هي في حقيقتها منكرة، أو شاذة أو غير محفوظة أو خطأ، أما في إسنادها أو متنها!!
وسنذكر بعضًا من الأمثلة التي توضح كون الأئمة المتقدمين استعملوا لفظ شاذ، ومنكر، وغير محفوظ، وغير معروف، والوهم، وغيرها من ألفاظ التعليل، استعمالا لغويًا، إذ أرادوا بها الحديث الخطأ، والدليل اختلافهم في الحديث الواحد، فهذا يسميه منكرًا، وذاك يسميه شاذًا، والثالث يسميه غير محفوظ، والرابع يقول: غير معروف، وهكذا.
١ - قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن مروان قال: حدثنا أبي قال: حدثنا مسلم بن خالد الزنجي قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن رجلًا ابتاع غلامًا، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبًا فخاصمه إلى النبي - ﷺ - فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله قد استغل غلامي، فقال رسول الله - ﷺ -:"الخراج
_________________
(١) فهرس الفهارس، الكتاني ١/ ٣٣٧،قال الدكتورحمزة المليباري في كتابه نظرات جديدة ص ٤٩ تعقيبا على كلام الحافظ:"وقد قرأت النص في المعجم المفهرس للحافظ ابن حجر، المخطوط في مكتبة جامعة أم القرى بمكة المكرمة ".
(٢) انظر مثلًا جواهر الأصول، فيض الهروي ص٤٧، وعلوم الحديث، صبحي الصالح ص ٢٠٤، وأصول الحديث، محمد عجاج الخطيب ص ٣٤٨، ودراسات في علوم الحديث، محمد عوض ١١٥.
[ ١٣٤ ]
بالضمان".قال أبو داود: هذا إسناد ليس بذاك (١).
قلت: هكذا قال أبو داود.
وقال الإمام أحمد:"ما أرى لهذا الحديث أصلا " (٢).
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، من حديث هشام بن عروة استغرب محمد بن إسماعيل هذا الحديث من حديث عمر بن علي، قلت: تراه تدليسًا؟ قال: لا " (٣).
وقال في العلل:"سألت محمدًا عن حديث ابن أبي ذئب، عن مخلد بن خفاف، عن عروة، عن عائشة:"أن النبي - ﷺ - قضى أن الخراج بالضمان"؟ فقال: مخلد بن خفاف لا أعرف له غير هذا الحديث، وهذا حديث منكر " (٤).
وقال ابن الجوزي: " وهذا الحديث لا يصح " (٥).
أقول: وقد صححه الحاكم فقال:" صحيح الإسناد، ولم يخرجاه " (٦)!
٢ - قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي قيس الأودي، هو عبد الرحمن بن ثروان، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة ابن شعبة:" أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على الجوربين والنعلين ".
قال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث لأن المعروف عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين.
قال أبو داود: وروي هذا أيضا عن أبي موسى الأشعري عن النبي - ﷺ -: أنه مسح على الجوربين، وليس بالمتصل، ولا بالقوي.
قال أبو داود: ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب، وابن مسعود، والبراء ابن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث، وروي ذلك
_________________
(١) سنن أبي داود (٣٥١٠).
(٢) العلل المتناهية، ابن الجوزي٢/ ٥٩٦ (٩٨٢).
(٣) جامع الترمذي (١٢٨٦).
(٤) العلل الكبير ص١٩١ (٣٣٧).
(٥) العلل المتناهية، ابن الجوزي٢/ ٥٩٦ (٩٨٢).
(٦) المستدرك ٢/ ١٨.
[ ١٣٥ ]
عن عمر بن الخطاب، وابن عباس" (١).
قلت: هكذا قال أبو داود.
وقال البيهقي: " قال عبد الرحمن بن مهدي، قلت لسفيان الثوري: لو حدثتني بحديث أبي قيس عن هزيل ما قبلته منك، فقال سفيان: الحديث ضعيف، أو واه أو كلمة نحوها " (٢).
وقال ابن معين:"الناس كلهم يروونه على الخفين غير أبي قيس" (٣).
وقال عبد الله بن أحمد:"حدثت أبي بهذا الحديث فقال أبي: ليس يروى هذا إلا من حديث أبي قيس قال أبي: أبى عبد الرحمن بن مهدي أن يحدث به، يقول: هو منكر" (٤).
وقال ابن المديني:"رواه عن المغيرة أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة ورواه هزيل بن شرحبيل عن المغيرة إلا انه قال: ومسح على الجوربين وخفائف الناس" (٥).
وقال النسائي: " ما نعلم أن أحدًا تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة: أن النبي - ﷺ - مسح على الخفين. والله اعلم " (٦).
وقال الإمام مسلم بعد أن ساقه:"ذكر خبر ليس بمحفوظ المتن" (٧)، ثم قال:"
_________________
(١) سنن أبي داود (١٥٩).
(٢) سنن البيهقي ١/ ٢٨٤.
(٣) أنظر مصدر سابق.
(٤) العلل ومعرفة الرجال ٣/ ٣٦٦.قلت: قال صديقنا الأخ حسن مظفر الرزو في كتابه المسح على الجوربين ص ٢٨: معقبًا على قول الإمام عبد الرحمن بن مهدي:" منكر ": " وهذا مردود بما ورد في تعريف هذا المصطلح عند أئمة الحديث. فالحديث يكون منكرًا متى ما انفرد به من لم يتصف بالثقة والضبط وقد انفرد برواية هذا الحديث ثقة ضابط، لذا يكون الحديث معلولًا بالشذوذ دون النكارة". .أ. هـ قلت: وهذا القول من نتائج غياب المنهج السليم في تقعيد مصطلح الحديث، فكيف يحاكم إمام النقد على قواعد المتأخرين؟ وكان الأجدر بالأخ حسن أن ينتقد تعريف المتأخرين لا العكس، وعلى أية حال فلا فرق بين الشاذ والمنكر عند المتقدمين.
(٥) البيهقي ١/ ٢٨٤.
(٦) السنن الكبرى ١/ ٩٢ (١٣٠).
(٧) التمييز ص ٢٠٢ (٩٩).
[ ١٣٦ ]
والحمل فيه على أبي قيس أشبه، وبه أولى منه بهزيل، لأن أبا قيس قد استنكر أهل العلم من روايته أخبارًا غير هذا " (١).
وقال الدارقطني:"لم يروه غير أبي قيس، وهو مما يعد عليه به لأن المحفوظ عن المغيرة المسح على الخفين" (٢).
٣ - قال أبو داود: حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة قال: أخبرنا الفضل بن موسى، عن حسين بن واقد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -:" وددت أن عندي خبزة بيضاء من برة سمراء ملبقة بسمن ولبن، فقام رجل من القوم فاتخذه فجاء به، فقال: في أي شيء كان هذا؟ قال: في عكة ضب، قال: ارفعه ".قال أبو داود: هذا حديث منكر، قال أبو داود: وأيوب ليس هو السختياني " (٣).
قلت: هكذا قال أبو داود: حديث منكر.
وقال أبو حاتم:"باطل، ولا يشبه أن يكون من حديث أيوب السختياني، ويشبه أن يكون من حديث أيوب بن خوط " (٤).
وسئل الإمام أحمد عنه:"فاستنكره، وحرك رأسه كأن لم يرضه " (٥).
٤ - قال أبو داود: حدثنا يحيى بن معين قال: حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمد بن يزيد، عن أيوب بن قطن، عن أبي بن عمارة، قال يحيى بن أيوب: وكان قد صلى مع رسول الله - ﷺ - للقبلتين، أنه قال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال: يومًا؟ قال: يومًا، قال: ويومين؟ قال: ويومين، قال: وثلاثة؟ قال: نعم، وما شئت ".
قال أبو داود: رواه ابن أبي مريم المصري، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن ابن رزين، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن عبادة بن نسي، عن أبي بن عمارة قال فيه:" حتى بلغ سبعًا، قال رسول الله - ﷺ -:نعم وما بدا لك "، قال أبو داود: وقد اختلف في
_________________
(١) التمييز ص ٢٠٣.
(٢) العلل ٧/ ١١٢.
(٣) سنن أبي داود (٣٨١٨).
(٤) العلل ٢/ ١٩.
(٥) تهذيب التهذيب ١/ ٣٥٢ في ترجمة أيوب بن خوط. وانظر تعليق أستاذنا المشرف على سنن ابن ماجه (٣٣٤١)،وتحفة الأشراف ٥/ ٣٧٠ (٧٥٥٢).
[ ١٣٧ ]
إسناده وليس هو بالقوي، ورواه ابن أبي مريم ويحيى بن إسحاق والسليخي عن يحيى ابن أيوب وقد اختلف في إسناده" (١).
قلت: هكذا قال أبو داود:"ليس بالقوي".
وقال الإمام أحمد بن حنبل:"رجاله لا يعرفون" (٢).
وقال ابن حبان:" لست أعتمد إسناده " (٣).
وقال الدارقطني:"هذا الإسناد لا يثبت، وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافًا كثيرًا " (٤).
وقال الجورقاني:"هذا منكر " (٥).
وقال أبو فتح الأزدي:"حديث ليس بقائم " (٦).
وقال ابن عبد البر: " لا يثبت وليس له إسناد قائم " (٧).
وقال ابن الجوزي: " هذا حديث لا يصح " (٨).
ونقل الإمام النووي: اتفاق الأئمة على تضعيفه: كالإمام البخاري وأبي زرعة الرازي وغيرهم. (٩)
٥ - قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: قدم عباد ابن كثير المدينة فمال إلى مجلس العلاء فأخذ بيده فأقامه، ثم قال: اللهم إن هذا يحدث عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال:" إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ". فقال العلاء اللهم إن أبي حدثني، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - بذلك. قال أبو داود: رواه الثوري، وشبل بن العلاء، وأبو عميس، وزهير بن محمد عن العلاء.
قال أبو داود: وكان عبد الرحمن لا يحدث به، قلت لأحمد: لم؟ قال: لأنه كان عنده أن النبي - ﷺ - كان يصل شعبان برمضان، وقال عن النبي - ﷺ - خلافه.
_________________
(١) سنن أبي داود (١٥٨).
(٢) العلل المتناهية، ابن الجوزي ١/ ٣٥٨ (٥٩٣)، وانظر التلخيص الحبير، ابن حجر ١/ ١٦٢.
(٣) الثقات ٣/ ٦ ترجمة (١٣).
(٤) سنن الدارقطني ١/ ١٩٨.
(٥) الأباطيل ١/ ٣٨٤ (٣٧١).
(٦) التلخيص الحبير، ابن حجر ١/ ١٦٢.
(٧) أنظر مصدر سابق.
(٨) العلل المتناهية ١/ ٣٥٨ (٥٩٣).
(٩) المجموع شرح المهذب١/ ٤٨٤.
[ ١٣٨ ]
قال أبو داود: وليس هذا عندي خلافه، ولم يجىء به غير العلاء عن أبيه حديث أبي هريرة: " إذا انتصف شعبان " (١).
وجاء في سؤالات البرذعي: " وشهدت أبا زرعة ينكر حديث العلاء بن عبد الرحمن إذا انتصف شعبان وزعم أنه منكر " (٢).
وقال النسائي:" لا نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير العلاء بن عبد الرحمن " (٣).
وقال أحمد:"هذا الحديث ليس بمحفوظ قال: وسألت عنه ابن مهدي فلم يصححه ولم يحدثني به وكان يتوقاه. قال أحمد: والعلاء ثقة، لا ينكر من حديثه إلا هذا " (٤).
٦ - قال أبو داود: حدثنا نصر بن علي قال: حدثني الحارث بن وجيه قال: حدثنا مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:"إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر".قال أبو داود: الحارث بن وجيه حديثه منكر وهو ضعيف " (٥).
قلت: هكذا قال:"حديثه منكر ".
وقال الإمام الشافعي:"هذا الحديث ليس بثابت " (٦).
وقال أبو حاتم: " حديث منكر" (٧).
ونقل البيهقي أن الإمام البخاري: استنكره (٨).
وقال الترمذي: (١٠٦):"غريب، لا نعرفه إلا من حديثه وهو شيخ ليس بذاك".
وساقه العقيلي وقال:" لا يتابع عليه، وله غير حديث منكر " (٩).
_________________
(١) سنن أبي داود (٢٣٣٧).
(٢) سؤالات البرذعي ص ٣٨٨.
(٣) السنن الكبرى ٢/ ٢٧٢ (٢٩١١).
(٤) نصب الراية، الزيلعي ٢/ ٤٤٠.
(٥) سنن أبي داود (٢٤٨).
(٦) سنن البيهقي ١/ ١٧٩ والتلخيص الحبير، ابن حجر ١/ ١٤٢.
(٧) العلل ١/ ٢٩ (٥٢).
(٨) سنن البيهقي ١/ ١٧٩.
(٩) الضعفاء ١/ ٢١٦.
[ ١٣٩ ]
٧ - قال أبو داود: حدثنا يحيى بن معين، وهناد بن السري، وعثمان بن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب، وهذا لفظ حديث يحيى، عن أبي خالد الدالاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - كان يسجد وينام، وينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ. قال: فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت؟ فقال:" إنما الوضوء على من نام مضطجعًا ".زاد عثمان وهناد:" فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله ".قال أبو داود: قوله
الوضوء على من نام مضطجعًا: هو حديث منكر، لم يروه إلا يزيد أبو خالد الدالاني، عن قتادة، وروى أوله جماعة عن ابن عباس، ولم يذكروا شيئًا من هذا، وقال: كان النبي - ﷺ - محفوظًا، وقالت عائشة ﵂ قال النبي - ﷺ -:" تنام عيناي ولا ينام قلبي".وقال شعبة: إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث: حديث يونس ابن متى، وحديث ابن عمر في الصلاة، وحديث القضاة ثلاثة، وحديث ابن عباس، حدثني رجال مرضيون، منهم عمر، وأرضاهم عندي عمر.
قال أبو داود: وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل، فانتهرني استعظامًا له، وقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة ولم يعبأ بالحديث" (١).
قلت: هكذا قال أبو داود:"حديث منكر "؛وقال:"وذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل، فانتهرني استعظامًا له، وقال: ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة ولم يعبأ بالحديث".
وقال الترمذي في جامعه:"وقد روى حديث ابن عباس سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية، ولم يرفعه" (٢).
وقال في العلل الكبير:"سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هذا لا شيء، رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية ولا أعرف لأبي خالد الدالاني سماعًا من قتادة. قلت: أبو خالد كيف هو؟ قال: صدوق، وإنما يهم في الشيء، قال محمد: وعبد السلام بن حرب صدوق" (٣).
وقال الدارقطني: " تفرد به أبو خالد عن قتادة ولا يصح " (٤).
فهذا الحديث أعلّه أبو داود بالزيادة في متنه، وأعلّه البخاري بالوقف، وتابعه تلميذه الترمذي، وقد صححه بعض المتأخرين (٥).
_________________
(١) سنن أبي داود (٢٠٢).
(٢) الجامع الكبير (٧٧و٧٨).
(٣) العلل ص ٤٥ برقم (٤٣).
(٤) سنن الدارقطني ١/ ١٥٩ - ١٦٠.
(٥) انظر كلام أستاذنا المشرف في تحقيق جامع الترمذي برقم (٧٧و٧٨).
[ ١٤٠ ]
٨ - قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل، قالا: حدثنا حماد ابن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - ﷺ -،قال موسى في موضع آخر: عن سمرة بن جندب، فيما يحسب حماد قال: قال رسول الله - ﷺ -:"من ملك ذا رحم محرم فهو حر".
قال أبو داود: روى محمد بن بكر البرساني، عن حماد بن سلمة، عن قتادة وعاصم، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - ﷺ - مثل ذلك الحديث.
قال أبو داود: ولم يحدث ذلك الحديث إلا حماد بن سلمة وقد شك فيه" (١).
قلت: هكذا قال أبو داود.
وقال الإمام ابن المديني:"منكر" (٢).
وقال الإمام البخاري:"لا يصح" (٣).
وقال الترمذي بعد أن ساقه:"هذا حديث لا نعرفه مسندًا إلا من حديث حماد بن سلمة " (٤).
٨ - وأخرج الترمذي حديث سمرة الذي مر، ثم قال عقبه: .. وقد روي عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال:" من ملك ذا محرم فهو حر ". رواه ضمرة بن ربيعة عن الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -، ولم يتابع ضمرة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ عند أهل الحديث" (٥).
قلت: هكذا قال الترمذي"خطأ "
وقال النسائي:" حديث منكر" (٦).
وقد أنكره أحمد ورده ردًا شديدًا (٧).
_________________
(١) سنن أبي داود (٣٩٤٩).
(٢) التلخيص الحبير، ابن حجر ٤/ ٢١٢.
(٣) التلخيص الحبير، ابن حجر ٤/ ٢١٢.
(٤) جامع الترمذي (١٣٦٥).
(٥) أنظر مصدر سابق.
(٦) التلخيص الحبير، ابن حجر ٤/ ٢١٢، وانظر نصب الراية، الزيلعي ٣/ ٢٧٨.
(٧) تأريخ أبي زرعة (٤٥٩) نقلًا عن تعليق أستاذنا المشرف علىجامع الترمذي (١٣٦٥).
[ ١٤١ ]
أقول: صححه بعض المتأخرين كابن حزم الظاهري (١)،وابن التركماني (٢)،على أنه زيادة ثقة! وأجابهم أستاذنا المشرف في تعليقه على جامع الترمذي إجابة وافية، ثم ختم كلامه:"وحديث ينكره النسائي، وأحمد بن حنبل، والترمذي وأضرابهم ويعدوه غلطًا لا ينفع فيه تصحيح كل المتأخرين، وهذه قاعدة ينبغي التنبه إليها" (٣).
٩ - أخرج الترمذي، قال: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا جرير بن حازم، عن ثابت عن أنس بن مالك، قال:"كان النبي - ﷺ - يكلم بالحاجة إذا نزل عن المنبر" (٤).
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب (٥) لا نعرفه إلا من حديث جرير بن حازم، قال: وسمعت محمدًا يقول: وهم جرير بن حازم في هذا الحديث، والصحيح: ما روي عن ثابت عن أنس قال:"أقيمت الصلاة فأخذ رجل بيد النبي - ﷺ - فما زال يكلمه حتى نعس بعض القوم ".قال محمد: والحديث هو هذا، وجرير بن حازم ربما يهم في الشيء، وهو صدوق. قال محمد: وهم جرير بن حازم في حديث ثابت عن أنس عن النبي - ﷺ - قال:"إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني"،قال محمد: ويروى عن حماد بن زيد قال: كنا عند ثابت البناني فحدث حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي - ﷺ - قال:"إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني"،فوهم جرير فظن أن ثابتًا حدثهم عن أنس عن النبي - ﷺ - " (٦).
قلت: هكذا قال: حديث غريب إلا من حديث جرير بن حازم سمعت محمدًا يقول: وهم جرير بن حازم في هذا الحديث والصحيح ما روي عن ثابت عن أنس قال: أقيمت الصلاة فأخذ رجل بيد النبي - ﷺ - فما زال يكلمه حتى نعس بعض القوم، والحديث هو هذا وجرير بن حازم ربما يهم في الشيء وهو صدوق.
_________________
(١) المحلى ٩/ ٢٠٢.
(٢) الجوهر النقي ١٠/ ٢٩٠.
(٣) جامع الترمذي (١٣٦٥).
(٤) أخرجه الطيالسي، وأحمد وغيرهم انظر تخريجه في المسند الجامع ١/ ٣٥٨ (٥١٣).
(٥) في نسخة الشيخ أحمد شاكر دون (غريب)، وإنما أثبتناها من تحفة الأشراف ١/ ١٠٣ (٢٦٠) ونسخة أستاذنا المشرف الجامع (٥١٧)، وهو الصواب.
(٦) الجامع (٥١٧).
[ ١٤٢ ]
وقال في علله الكبير: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: " هو حديث خطأ، أخطأ به جرير بن حازم، والصحيح عن ثابت عن أنس كان النبي - ﷺ - إذا أقيمت الصلاة يتكلم مع الرجل حتى ينعس بعض القوم " (١).
وقال أبو داود في سننه بعد أن ساقه:" والحديث ليس بمعروف عن ثابت وهو مما تفرد به جرير بن حازم " (٢).
وقال أستاذنا المشرف في تعليقه على عند قول الترمذي " وهم جرير ":وهم جرير في قوله " يكلم الرجل إذا نزل من المنبر "،وإنما الحديث المحفوظ عن ثابت عن أنس" أقيمت الصلاة فأخذ رجل " وليس فيه إذا نزل من المنبر ." (٣).
١٠ - أخرج الترمذي في جامعه، فقال: حدثنا هناد قال: حدثنا عبدة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه فأمره النبي - ﷺ - أن يتخير أربعًا منهن".
قال أبو عيسى: هكذا رواه معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه.
قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: هذا حديث غير محفوظ (٤)،والصحيح ما روى شعيب بن أبي حمزة وغيره، عن الزهري وحمزة قال: حدثت عن محمد بن سويد الثقفي: أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة، قال محمد: وإنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلًا من ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر لتراجعن نساءك أو لأرجمنّ قبرك، كما رجم قبر أبي رغال ".قال أبو عيسى: والعمل على حديث غيلان بن سلمة عند أصحابنا منهم الشافعي وأحمد وإسحاق" (٥).
وقال الأثرم عن أحمد:" ليس بصحيح، والعمل عليه" (٦).
_________________
(١) العلل الكبير (١٤٤).
(٢) سنن أبي داود (١١٢٠).
(٣) الجامع (٥١٧).
(٤) وكذا في العلل الكبير (٢٨٣): "غير محفوظ ".
(٥) الجامع (١١٢٨).
(٦) تلخيص الحبير، ابن حجر٣/ ١٦٩.
[ ١٤٣ ]
وقال أبو زرعة: مرسل أصح (١).
وقال أبو حاتم: وهذا أيضًا وهم، إنما هو عن الزهري عن عثمان بن أبي سويد، قال بلغنا أنّ النبي - ﷺ - (٢).
وقال مسلم: هذا مما وهم فيه معمر بالبصرة (٣).
وقال ابن عبد البر: الأحاديث المروية في هذا الباب كلها معلولة، وليست أسانيدها بالقوية (٤).
قال أستاذنا المشرف في تعليقه على جامع الترمذي معقبًا على من حاول تصحيحه من المتأخرين:"من غير المعقول أن يكون للحديث إسناد صحيح ويجمع هؤلاء الأئمة الكبار على رده مطلقًا" (٥).
وقد ذكره ابن حبان في صحيحه (٦) والحاكم في مستدركه وعده زيادة ثقة، وقال:"والزيادة من الثقة مقبولة " (٧).
١١ - أخرج الترمذي قال: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا بكر بن يونس بن بكير، عن موسى بن علي عن أبيه عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال رسول الله - ﷺ -:"لا تكرهوا مرضاكم على الطعام، فإن الله يطعمهم ويسقيهم".قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه" (٨).
وقال أبو حاتم:"هذا حديث باطل" (٩).
وقال ابن عدي:"ليس يرويه عن موسى بن علي غير بكر بن يونس،.وعامة ما
_________________
(١) علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٠٠ (١١٩٩).
(٢) علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٠١ (١٢٠٠).
(٣) قاله الحاكم ٢/ ٢٠٩،هكذا دون أن ينسبه إلى كتاب، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/ ١٦٩ أن النص في كتابه التميز، ولكني لم أجده هناك.
(٤) التمهيد ١٢/ ٥٨، وانظر التلخيص الحبير، ابن حجر ٣/ ١٦٩.
(٥) جامع الترمذي (١١٢٨).
(٦) صحيح ابن حبان ٩/ ٤٦٦ (٤١٥٨)،و٩/ ٤٦٣ (٤١٥٩).
(٧) المستدرك ٢/ ٢٠٨و٢٠٩.
(٨) جامع الترمذي (٢٠٤٠).
(٩) علل ابن أبي حاتم ٢/ ٢٤٢ (٢٢١٦).
[ ١٤٤ ]
يرويه لا يتابعونه عليه " (١).
وقد صححه الشيخ الألباني!! في سلسلته الصحيحة (٢).
١٢ - قال الترمذي: حدثنا علي بن حجر قال: حدثنا عيسى بن يونس عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال:"من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض".قال: وفي الباب عن أبي الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث هشام عن بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - إلا من حديث عيسى بن يونس. وقال محمد: لا أراه محفوظًا.
قال أبو عيسى: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - ولا يصح إسناده، وقد روي عن أبي الدرداء، وثوبان، وفضالة بن عبيد:"أن النبي - ﷺ - قاء فافطر".وإنما معنى هذا أن النبي - ﷺ - كان صائمًا متطوعًا، فقاء فضعف فأفطر لذلك، هكذا روي في بعض الحديث مفسرًا، والعمل عند أهل العلم على حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -:أن الصائم إذا ذرعه القيء فلا قضاء عليه، وإذا استقاء عمدًا فليقض وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق" (٣).
قلت: هكذا قال الترمذي.
وقال في العلل: سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فلم يعرفه إلا من حديث عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة وقال:"ما أراه محفوظًا" (٤).
وقال الإمام البخاري:" لم يصح وإنما يروى عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه، وخالفه يحيى بن صالح قال: حدثنا معاوية قال: حدثنا يحيى عن عمر بن حكم بن ثوبان سمع أبا هريرة " (٥).
وقال الإمام أحمد:"ليس من ذا شيء" (٦).
_________________
(١) الكامل في الضعفاء ٢/ ٣١ (٢٧١).
(٢) رقم (٧٢٧).
(٣) جامع الترمذي (٧٢٠).
(٤) العلل الكبير (١٩٨).
(٥) التأريخ الكبير ١/ ٩٠ في ترجمة ابن سيرين.
(٦) سنن البيهقي ٤/ ٢١٩.
[ ١٤٥ ]
وقال الدارمي:"زعم أهل البصرة أن هشامًا وهم فيه" (١).
وقال مهنا عن أحمد:"حدث به عيسى وليس هو في كتابه، غلط فيه وليس هو من حديثه " (٢).
١٣ - اخرج الترمذي في علله قال: حدثنا محمد بن طريف الكوني قال: حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن جابر:"أنّ النبي باع مدبرًا في دين ".سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: لا أعرفه وجعل يتعجب منه" (٣).
قلت: وقال الإمام مسلم:"ذكر رواية أخرى نقلها الكوفيون على الغلط"،ثم ذكرها (٤).
١٤ - قال الترمذي: حدثنا بندار، محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، قال: سمعت النبي - ﷺ - قرأ "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" فقال: آمين، ومد بها صوته".قال: وفي الباب عن علي وأبي هريرة.
قال أبو عيسى: حديث وائل بن حجر حديث حسن.
وقال: سمعت محمدًا يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا، وأخطأ شعبة في مواقع من هذا الحديث فقال
وقال: وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث فقال: حديث سفيان في هذا أصح من حديث شعبة " (٥).
قلت: هكذا قال الترمذي.
وقال أبو بكر الأثرم:"اضطرب فيه شعبة في إسناده ومتنه، ورواه سفيان فضبطه ولم يضطرب" (٦).
_________________
(١) سنن الدارمي (١٧٢٩).
(٢) نقله أستاذنا المشرف في تعليقه على جامع الترمذي (٧٢٠).
(٣) العلل (٢١٣).
(٤) التمييز ص ١٩٦.
(٥) جامع الترمذي (٢٤٨) بتصرف.
(٦) التلخيص الحبير، ابن حجر ١/ ٢٣٧.
[ ١٤٦ ]
وقال الإمام مسلم:"ذكر الأخبار التي نقلت على الغلط في متونها "وساقه، ثم قال:" أخطأ شعبة في هذه الراوية حين قال: وأخفى صوته" (١).
وقال الدارقطني:"ويقال أنه وهم فيه لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا: ورفع صوته آمين وهو الصواب" (٢).
١٥ - قال الترمذي: حدثنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع النيسابوري، ومحمود بن غيلان، ويحيى بن موسى، قالوا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، عن السائب بن يزيد، عن رافع بن خديج، عن النبي - ﷺ - قال:" أفطر الحاجم والمحجوم ".
قال أبو عيسى: وفي الباب عن علي، وسعد، وشداد بن أوس، وثوبان، وأسامة بن زيد، وعائشة، ومعقل بن سنان (ويقال بن يسار)،وأبي هريرة، وابن عباس وأبي موسى، وبلال، وسعد. قال أبو عيسى: وحديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح، وذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج (٣)،وذكر عن علي بن عبد الله أنه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس، لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة الحديثين جميعًا، حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس. وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم الحجامة للصائم حتى أن بعض أصحاب النبي - ﷺ - احتجم بالليل، منهم أبو موسى الأشعري، وابن عمر، وبهذا يقول ابن المبارك. قال أبو عيسى: سمعت إسحاق بن منصور يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: من احتجم وهو صائم فعليه القضاء، قال إسحاق بن منصور: وهكذا قال أحمد، وإسحاق.
حدثنا الزعفراني قال: وقال الشافعي: قد روي عن النبي - ﷺ - أنه احتجم وهو صائم، وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: أفطر الحاجم والمحجوم، ولا أعلم واحدًا من هذين الحديثين ثابتًا، ولو توقى رجل الحجامة وهو صائم كان أحب إلي، ولو احتجم صائم لم أر ذلك أن يفطره.
_________________
(١) التمييز ص ١٨٠ (٣٦).
(٢) السنن ١/ ٣٣٤.
(٣) قال الإمام أبو حاتم في العلل ١/ ٢٤٩: "واغتر أحمد بن حنبل بأن قال الحديثين عنده. وإنما يروى بذلك الإسناد عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن كسب الحجام، ومهر البغي ".
[ ١٤٧ ]
قال أبو عيسى: هكذا كان قول الشافعي ببغداد وأما بمصر فمال إلى الرخصة، ولم ير بالحجامة للصائم بأسًا واحتج بأن النبي - ﷺ - احتجم في حجة الوداع وهو محرم" (١).
قلت قول الإمام الترمذي:"حديث حسن صحيح":هكذا هي في نسخة الشيخ أحمد شاكر، ورجحه أستاذنا في تحقيقه للجامع الكبير للترمذي.
وما أثبته الإمام المزي في التحفة"حسن" (٢).والذي أرجحه هو ما أثبته المزي ووافقه أستاذنا بعد تحقيقه لتحفة الأشراف، والله أعلم.
والذي يؤيد ذلك أنّ الإمام الترمذي لما أورده في علله الكبير نقل هناك قول شيخه البخاري"غير محفوظ"وسكت عنه (٣).
وقال يحيى بن معين:"أضعفها "يعني حديث رافع هذا (٤).
وقال أبو حاتم: باطل (٥).
وقال إسحاق بن منصور: هو غلط (٦).
١٦ - قال الترمذي: حدثنا يحيى بن موسى قال: حدثنا عبد الله بن نمير قال: حدثنا قيس بن الربيع قال: وحدثنا قتيبة قال: حدثنا عبد الكريم الجرجاني، عن قيس بن الربيع، المعنى واحد، عن أبي هشام يعني: الرماني، عن زاذان، عن سلمان، قال: قرأت في التوراة: أن بركة الطعام الوضوء بعده فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فأخبرته بما قرأت في التوراة، فقال رسول الله - ﷺ -:"بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده".
قال وفي الباب عن أنس وأبي هريرة. قال أبو عيسى: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث قيس بن الربيع وقيس بن الربيع يضعف في الحديث وأبو هاشم الرماني اسمه يحيى بن دينار. وقال: لا نعرف هذا الحدث إلا من حديث قيس بن الربيع، وقيس بن الربيع يضعف في الحديث (٧).
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال:"هذا حديث منكر، لو كان هذا الحديث صحيحًا كان حديثًا، ويشبه هذا الحديث أحاديث أبي خالد الواسطي، عمرو بن خالد عنده من هذا النحو أحاديث موضوعة عن أبي هاشم " (٨).
_________________
(١) جامع الترمذي (٧٧٤).
(٢) تحفة الأشراف ٣/ ٧٢ (٣٥٥٦).
(٣) العلل الكبير (٢٠٨).
(٤) التلخيص الحبير، ابن حجر ٢/ ١٩٣.
(٥) العلل ١/ ٢٤٩ (٧٣٢).
(٦) جامع الترمذي (٧٧٤).
(٧) جامع الترمذي (١٨٤٦).
(٨) العلل ٢/ ١٠ (١٥٠٢). وعمرو بن خالد هذا متروك، ورماه وكيع بالكذب. التقريب (٥٠٢١).
[ ١٤٨ ]
وقال ابن المبارك:"في حديثه خطأ" (١).
وقال الإمام أحمد:" هو منكر" (٢).
وقال أبو داود:"ليس هذا بالقوي، وهو ضعيف" (٣).
وقال الإمام أحمد عن قيس بن الربيع:"كان كثير الخطأ في الحديث " (٤).
وقال البيهقي: لم يثبت في غسل اليد قبل الطعام حديث" (٥).
١٧ - قال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا أيمن بن نابل، قال: حدثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن:"بسم الله، وبالله، التحيات لله والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار ".
قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحدًا تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية، وأيمن عندنا لا بأس به، والحديث خطأ، وبالله التوفيق " (٦).
قلت: هكذا قال النسائي.
وقال الإمام مسلم:"بان الوهم في حفظ أيمن لإسناد الحديث بخلاف الليث وعبد الرحمن إياه، دخل الوهم أيضًا في زيادته في المتن، فلا يثبت ما زاد فيه، وقد روي التشهد عن رسول الله - ﷺ - من أوجه عده صحاح فلم يذكر في شيء منه بما روى أيمن في روايته " (٧).
_________________
(١) أنظر مصدر سابق.
(٢) تهذيب السنن، ابن القيم ٥/ ٢٩٧، وانظر العلل المتناهية ٢/ ٦٥٢.
(٣) السنن (٣٧٦١).
(٤) الكامل، ابن عدي ٦/ ٢٠٦٣
(٥) السنن ٧/ ٢٧٦.
(٦) قلت: هكذا هو في المطبوع من المجتبى ٣/ ٤٣، وقال الإمام المزي في تحفة الأشراف ٢/ (٢٦٦٥) بعد ساقه: " وقرأت أنا بخط النسائي: لا نعلم أحدًا تابع أيمن على هذا الحديث، وخالف الليث بن سعد في إسناده، وأيمن عندنا لا بأس به، والحديث خطأ، وبالله التوفيق ".
(٧) التمييز ص ١٨٩ (٥٩).
[ ١٤٩ ]
وقال الترمذي في الجامع:"غير محفوظ " (١)؛وقال في العلل:"فسألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو غير محفوظ هكذا، يقول أيمن بن نابل: عن أبي الزبير عن جابر وهو خطأ " (٢).
وقال الحافظ ابن حجر:" .. أيمن بن نابل كأنه سلك الجادة فأخطأ " (٣).
وقد صححه الحاكم وقال: على شرط مسلم (٤).وخطأه الإمام النووي وغيره من العلماء (٥).
وقال أستاذنا المشرف في تعليقه على جامع الترمذي:"وهذا خطأ، أخطأ فيه أيمن بن نابل، وضعفه - يعني الحديث-الجهابذة: البخاري، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي " (٦).
١٨ - قال الإمام النسائي: اخبرني إبراهيم بن الحسن قال: أنبأنا حجاج بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله - ﵁ -:أن رسول الله - ﷺ -:نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد ".قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث منكر " (٧).
قلت: أعلَّ حديث جابر أصلًا، إذ قال عنه هنا: منكر، وقال عن طريق آخر: ليس هو بصحيح (٨).
وقال الترمذي:"في إسناده اضطراب" (٩).
وقال مرة:"لا يصح إسناده" (١٠).
١٩ - قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: سئل أبو زرعة عن حديث رواه علي بن ظبيان، عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -:"المدبر من الثلث"؟ فقال أبو زرعة: هذا حديث باطل وامتنع من قراءته. قلت: يروي خالد بن إلياس، عن نافع، عن ابن عمر قال: المدبر من الثلث قول ابن عمر" (١١).
_________________
(١) حديث رقم (٢٩٠).
(٢) العلل الكبير ص٧٢ (١٠٥).
(٣) التلخيص الحبير ١/ ٢٦٦.
(٤) المستدرك ١/ ٣٩٩.
(٥) نصب الراية، الزيلعي ١/ ٤٢١.
(٦) جامع الترمذي (٢٩٠).
(٧) سنن النسائي ٧/ ٣٠٩.
(٨) سنن النسائي ٧/ ١٩٠.
(٩) جامع الترمذي (١٢٧٩).
(١٠) جامع الترمذي (١٢٨١).
(١١) العلل ٢/ ٤٣٢ (٢٨٠٣).
[ ١٥٠ ]
قلت: وقال الإمام أحمد في العلل: قال يحيى بن سعيد: إنما هو في كتاب عبيد الله مرسل، وما ينبغي إلا كما قال يحيى، وأنكره " (١).
وهكذا بان أنّ أئمة النقد المتقدمين لا يفرقون بين كلا المصطلحين (الشاذ، والمنكر)،بل ولا بينهما وبين (خطأ، وهم، غير معروف، غير محفوظ) .. وهلم جرا.
وأنما استعملوها باعتبارات لغوية، لا اصطلاحية، وأرادوا اعلال ذاك الحديث حسب، وانما تأصل هذا التفريق عند المتأخرين، وعدوها مصطلاحات حديثية مختلفة، وحملوا أقوال المتقدمين ما لا تحتمل، فوقع كثير بعد في الخطأ، لحمل أحكام المتأخرين على أقوال المتقدمين، ولم يتنبه إليه إلا القليل من الناس، والله أعلم.
_________________
(١) العلل برواية المروذي ص١٠٨ (٢٥٦).
[ ١٥١ ]
الفصل الثالث
زيادة الثقة
يعد هذا المبحث "زيادة الثقة" من أصعب مباحث علوم الحديث، وتنبعث أهميته من كثرة الزيادات التي يزيدها الرواة الثقات في الأحاديث وما يترتب عليها من زيادة حكم أو تخصيص عام، أو تقييد مطلق، والإشكال يقع في قبول تلك الزيادة أو ردها؟ فهم ثقات والتوثيق مظنة لقبولها، والانفراد عن بقية الرواة مظنة الخطأ والخطأ وارد من الثقات ومن دونهم.
وتنازع العلماء في ذلك بين قابل للزيادة مطلقًا وآخر راد لها مطلقًا والآخر يشترط شروطًا لها والآخر يتوقف فيها وهكذا وقد ألصق الكثير من المتأخرين بالمتقدمين القول بأنها مقبولة وادعوا على ذلك إجماعًا كما سيأتي، وهذا النوع من العلوم الصعبة التي يعز من يتقنها، قال الحاكم:"وهذا مما يعز وجوده ويقل في أهل الصنعة من يحفظه " (١).
وصورة زيادة الثقة هي: أن يروى جماعة من الرواة حديثًا واحدًا بإسناد واحد ومتن واحد فيزيد بعضهم فيه زيادة لم يذكرها بقية الرواة (٢).
والزيادة إما أنْ تكون في المتن أو في السند.
ولنستقرئ آراء أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين لنرى مدى موافقة الأواخر للأوائل في مفهوم "زيادة الثقة" وسنقرن الأقوال بالتطبيق العملي في مصنفاتهم، وعللهم ليتبين لنا الأمر بوضوح إن شاء الله تعالى.
المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحًا:
الزيادة في أصل اللغة: مصدر زاد يزيد زيدًا، وهي النماء والكثرة، خلاف النقص، وتطلق الزيادة على معان، منها: التكليف يقال: تزيد في كلامه، وتزودت الإبل أي تكلفت. ومنها الراوية: إذ سميت مزادة، وهي تكون من جلدين يزاد بينهما بجلد ثالث
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص١٣٠.
(٢) انظر شرح علل الترمذي، ابن رجب ٢/ ٦٣٥.
[ ١٥٢ ]
لتتسع، وسميت مزادة لمكان الزيادة (١).
وأما الثقة لغةً: فهو يعني المؤتمن وهو مصدر قولك: وثق به يثق، وأنا واثق به وهو موثوق به، ورجل ثقة، وكذلك الاثنان والجميع، وقد يجمع على الثقات، وهو في التذكير والتأنيث سواء (٢).
وفي الاصطلاح:
عرفها الحاكم النيسابوري بقوله:"معرفة زيادات ألفاظ فقهية في أحاديث ينفرد بالزيادة راوٍ واحد" (٣).
وقال ابن رجب:"أن يروي جماعة حديثًا واحدًا بإسناد واحد، ومتن واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة" (٤).
وصورة الزيادة التي تعنى هنا، كما عرفها أهل المصطلح: تفرد راو واحد ثقة عن بقية الرواة بنفس السند عن نفس الشيخ، بزيادة لفظة في المتن، أو وصل مرسل، أو رفع موقوف، ونحوه.
وأما إذا كان أكثر من واحد كأن يتابع ذلك الثقة بثقة آخر، أو ممن يعتبر به في المتابعة خرج عن أن يكون هذا الحديث من قبيل زيادة الثقة، وإنما هو من قبيل المختلف، لاحتمال أن يكون الشيخ رواه على الوجهين، فحمله كل جماعة على وجه، وسنفصل القول فيه كما سيأتي.
وأما مراد الأئمة بقولهم:"ثقة":فهو العدل الضابط، وجمع أبو عمر بن الصلاح تلك الخصال فقال:-
" أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلًا ضابطًا لما يروي، وتفصيله أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا سالمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظًا غير مغفل، حافظًا إن حدّث من حفظه، ضابطًا لكتابه إن حدّث من كتابه، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط مع ذلك أن يكون عالمًا بما يحيل
_________________
(١) انظر لسان العرب ٤/ ١٨٢، ومعجم مقاييس اللغة، ابن منظور ٣/ ٤٠، وأساس البلاغة ٢٨٠.
(٢) لسان العرب ابن منظور ١٢/ ٢٥٠.
(٣) معرفة علوم الحديث ص ١٣٠.
(٤) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٥.
[ ١٥٣ ]
المعنى" (١).
وبالتأمل في هذه الصفات وغيرها مما ذكرها العلماء نجد أنها ترجع إلى أمرين هما: العدالة والضبط.
وعرّف الخطيب البغدادي العدل بأنه:"من عرف بأداء فرائضه ولزوم ما أمر به وتوقي ما نهي عنه وتجنب الفواحش المسقطة وتحري الحق والواجب في أفعاله ومعاملاته فمن كان هذا حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه ومعروف بالصدق في حديثه" (٢).
قال الحافظ ابن حجر:"المراد بالعدل: من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة" (٣).
والمروءة التي ينبغي توافرها في الراوي المعدل كثيرًا ما قيست بالمقاييس الخُلقية الإنسانية المشتركة ويستشهد الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بقول النبي - ﷺ -:"من عامل الناس فلم يظلمهم وحدَّثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو من كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت أخوته وحرمت غيبته" (٤).
ويشترط في العدالة أمور: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والتقوى، والاتصاف بالمروءة، وترك ما يخل بها (٥).
والضابط:" من يكون حافظًا متيقظًا غير مغفل ولا ساهٍ ولا شاكٍّ في حالتي التحمل والأداء وهذا هو الضبط التام وهو المراد " (٦).
والضبط كما قال العلماء ضبطان: ضبطُ صدرٍ وضبط كتاب. (٧)
ويعرف كون الراوي ضابطًا بمقاييس قررها العلماء واختبروا به ضبط الرواة وهو كما لخصه ابن الصلاح:"أن نعتبر أي نوازن رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان فإن وجدنا روايته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو موافقة لها في الأغلب
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ٩٤.
(٢) الكفاية في علم الرواية ص٨٠.
(٣) نزهة النظر ص٣٨، وانظر منهج النقد في علوم الحديث، د. نور الدين عتر ص٧٩
(٤) الكفاية ص٧٨،والحديث أخرجه ابن شهاب في مسنده ١/ ٣٣٢.
(٥) نزهة النظر ص٣٨،وانظر منهج النقد في علوم الحديث، د. نور الدين عتر ص٧٩.
(٦) توضيح الأفكار، الصنعاني ص ٨.
(٧) انظر نزهة النظر ص٣٨.
[ ١٥٤ ]
١ - الحاكم النيسابوري
والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطًا، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتجَّ بحديثه" (١).
المبحث الثاني: مفهوم زيادة الثقة عند المتأخرين:
من خلال أقوال أهل المصطلح، وما نقلوه من أقوال أئمة الحديث من غيرهم من المتأخرين، يمكننا أن نقسم أقوالهم حسب اختلافهم في قبول الزيادة، أو ردها على مذاهب:
المطلب الأول: قبولها مطلقًا:
١ - الحاكم النيسابوري ت (٤٠٥): يعد أول من صرح بذلك الحاكم النيسابوري في كتابه معرفة علوم الحديث، وهو المصنف الثاني بعد كتاب المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، للقاضي محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي ت (٣٦٠)،إذقال في كتابه معرفة علوم الحديث:"النوع الحادي والثلاثين معرفة زيادات ألفاظ فقهية في أحاديث ينفرد بالزيادة راو واحد، وهذا مما يعز وجوده ويقل في أهل الصنعة من يحفظه وقد كان أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري الفقيه ببغداد يذكر ذلك وأبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني بخراسان وبعدهما شيخنا أبو الوليد ﵃ أجمعين ومثال هذا النوع: ما حدثناه أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السماك قال: حدثنا الحسن بن مكرم قال: حدثنا عثمان بن عمر قال: حدثنا مالك بن مغول عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله - ﷺ - أي
العمل أفضل؟ قال:" الصلاة في أول وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين".قال أبو عبد الله: هذا حديث صحيح محفوظ، رواه جماعة من أئمة المسلمين عن مالك بن مغول، وكذلك عن عثمان بن عمر فلم يذكر أول الوقت فيه غير بندار بن بشار والحسن بن مكرم، وهما ثقتان فقيهان.
ومنه: ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن الطوسي بنيسابور، وأبو محمد عبد الله بن محمد الخزاعي بمكة قالا: حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة، قال: حدثنا يحيى بن محمد الجاري، قال: حدثنا زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، عن أبيه، عن جده، عن ابن عمر
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص٩٥.
[ ١٥٥ ]
قال: قال رسول الله - ﷺ -:"من شرب في إناء ذهب أو فضة أو في إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم".قال أبو عبد الله: هذا حديث روي عن أم سلمة، وهو مخرج في الصحيح، وكذلك روى من غير وجه عن ابن عمر واللفظة أو إناء فيه شيء من ذلك لم نكتبها إلا بهذا الإسناد" (١).
ويؤيد هذا أنه أطلق قبولها في مستدركه على الصحيحين فقال في عدة مواضع:" الزيادة من الثقة مقبولة" (٢).
قال الحافظ ابن حجر:"وجزم ابن حبان، والحاكم وغيرهما بقبول زيادة الثقة مطلقًا في سائر الأحوال، سواء أتحد المجلس أو تعدد، سواء أكثر الساكتون أو تساووا، وهذا قول جماعة من أئمة الفقه والأصول، وجرى على هذا الشيخ محيي الدين النووي في مصنفاته" (٣).
٢ - أبو يعلى الخليلي ت (٤٤٦)،قال:
"فأما الحديث الصحيح المعلول، فالعلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى، لا يمكن حصرها، فمنها أن يروي الثقات حديثًا مرسلًا، وينفرد به ثقة مسندًا، فالمسند صحيح وحجة ولا تضره علة الإرسال، ومثاله: حديث رواه أصحاب مالك في الموطأ عن مالك قال بلغنا عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال:"للملوك طعامه وشرابه ولا يكلف من العمل ما لا يطيق".ورواه إبراهيم بن طهمان الخراساني، والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني عن
مالك، عن محمد بن عجلان، عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -،حدثناه الحسين بن حلبس قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري ببغداد، قال الخليلي: وهو ثقة حافظ فقيه أخذ العلم عن إسماعيل بن يحيى المزني وغيره من أصحاب الشافعي، وكان الدارقطني يفتخر به قال: حدثنا أحمد بن حفص قال: حدثنا أبي قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان قال: حدثنا مالك عن محمد بن عجلان، وحدثناه محمد بن علي بن عمر والقاسم بن علقمة قالا: حدثنا عبد الرحمن ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عامر بن إبراهيم قال: حدثنا أبي قال: حدثنا النعمان بن عبد السلام قال: حدثنا مالك عن محمد بن عجلان
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص١٣٠، وسيأتي بيانها، وكذا الأحاديث الأخرى لاحقًا.
(٢) انظر مثلا: ١/ ١٠١و ١٦١ و٧٥٣و ٤٦٣ و٢/ ٢١٠.
(٣) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٨٧ - ٦٨٨.
[ ١٥٦ ]
عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - الحديث، فقد صار الحديث بتبيين الإسناد صحيحًا يعتمد عليه، وهذا من الصحيح المبين بحجة ظهرت، وكان مالك ﵀ يرسل أحاديث لا يبين إسنادها، وإذا استقصى عليه من يتجاسر أن يسأله ربما أجابه إلى الإسناد.
ومثله أيضا: حديث رواه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، وهو ثقة إمام عن مالك عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -:"الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة".هذا مما يتفرد به أبو عاصم مسندًا مجودًا، والناقلون رووه عن مالك عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة مرسلًا عن النبي - ﷺ - ليس فيه أبو هريرة، وتابع على ذلك أبا عاصم عبد الملك بن الماجشون ويحيى بن أبي قتيلة من أهل مصر، وليسا بذاك وقال أهل البصرة لأبي عاصم: خالفك أصحاب مالك في هذا فقال: حدثنا به مالك بمكة وأبو جعفر المنصور بها هاتوا من سمع معي، ورواه معمر بن راشد عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي - ﷺ - وهو المحفوظ المخرج في صحيح البخاري وغيره، بينت هذا ليستدل به على أمثاله " (١).
قلت: كلام الخليلي هذا لا يصح من وجهين رئيسين:
الأول: إنّ هذا التعريف الذي عرّف به لم يتابعه عليه أحد من أهل العلم من المتقدمين أو المتأخرين، فالكل أجمع على أن الحديث المعلول لا يعدّ من ضمن الحديث الصحيح، بل العلة قادحة في صحة الحديث، ولا أدل على ذلك من تعريف الحديث الصحيح على أن يكون خاليًا من الشذوذ والعلة.
الثاني: هو أنه ساق بذلك مثلين في كتابه الإرشاد وكلاهما معلول، كما بينه هو:
المثال الأول: (حديث المملوك):الإسناد الذي ذكره هو إسناد متكلم فيه، وأقل ما فيه هو محمد بن عجلان، فهو وإن أخرج له الإمام مسلم، إلا أنه قد تكلم فيه بحيث أجمع العلماء على أن حديثه خارج الصحيحين لا يرتقي إلى مراتب الصحة، ولا سيما في روايته لأحاديث أبي هريرة، قال الحافظ ابن حجر في التقريب: " صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة" (٢).
وقال الذهبي في الميزان:" إمام صدوق مشهور، قال الحاكم: أخرج له
_________________
(١) الإرشاد ١/ ١٦٠ - ١٦٦.
(٢) التقريب (٦١٣٦)، والتحرير ٣/ ٢٩٠.
[ ١٥٧ ]
٣ - ابن حزم الظاهري
مسلم في كتابه ثلاثة عشر حديثا كلها شواهد، وقد تكلم المتأخرون من أئمتنا في سوء حفظه" (١).
وقال الحافظ ابن حجر:"إنما أخرج له مسلم في المتابعات، ولم يحتج به" (٢).
قال ابن عبد البر:"وهذا الحديث محفوظ مشهور من حديث أبي هريرة وقد رواه مالك مسندًا (٣) عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة إلا أنهم قد تكلموا في إسناده هذا وقد روي من حديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - وليس دون الزهري من يحتج به" (٤).ثم ساق ابن عبد البر الروايات المتعددة في اختلاف محمد بن عجلان في رواية هذا الحديث، إذ رواه تارة كما بيناه، ورواه تارة أخرى عن بكير بن عبد الله الأشج عن عجلان، عن أبي هريرة - ﵁ - كما هو في مسند أحمد والتمهيد ٢٤/ ٢٨٣ - ٢٨٧.
فلو صح مثل هذا الإسناد لما تباطأ الإمام مالك عن إيراده في موطئه.
المثال الثاني (حديث الشفعة)
أقول: قد بين علته هو في آخر كلامه: وهو مخالفة أبي عاصم الضحاك بن مخلد لأصحاب مالك، إذ رووه عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة مرسلًا، ليس فيه أبو هريرة، أما الحديث المحفوظ الذي رواه الزهري فهو الذي أخرجه البخاري من طريق معمر عن
الزهري عن أبي سلمة عن جابر - ﵁ -، إذ قال الخليلي نفسه:" وهو المحفوظ المخرج في صحيح البخاري " (٥).
٣ - ابن حزم الظاهري ت (٤٥٧): وممن أطلق القبول أيضا ابن حزم الظاهري، فقال:" وإذا روى العدل زيادة على ما روى غيره فسواء انفرد بها أو شاركه فيها غيره مثله أو دونه أو فوقه فالأخذ بتلك الزيادة فرض، ومن خالفنا في ذلك فإنه يتناقض أقبح تناقض فيأخذ بحديث رواه واحد ويضيفه إلى ظاهر القرآن الذي نقله أهل الدنيا كلهم أو يخصه به وهم بلا شك أكثر من رواة الخبر الذي زاد عليهم آخر حكمًا لم يروه غيره وفي
_________________
(١) ميزان الاعتدال ٣/ (٧٩٣٨).
(٢) تهذيب التهذيب ٩/ ٣٠٤ (٥٦٦).
(٣) قلت: يعني خارج الموطأ وإلا فإنه في الموطأ لا يختلف فيها بأنها كلها بلاغ، كما بينه أستاذنا المشرف في تعليقه على رواية الليثي (٢٨٠٦).
(٤) التمهيد ٢٤/ ٢٨٣.
(٥) برقم (٢٢١٤و٢٢٥٧ و٢٤٩٥و٢٤٩٦ و٦٩٩٦) وانظر تحفة الأشراف ٢/ ٥٣٥ (٣١٥٣).
[ ١٥٨ ]
هذا التناقض من القبح ما لا يستجيزه ذوقهم وذو ورع وذلك كتركهم قول الله تعالى: "والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيدَيَهما جزآءً بما كَسَبا نكالًا من الله والله عزيزٌ حكيم" (١). لحديث انفردت به عائشة ﵂ ولم يشاركها فيه أحد، وهو" لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا ".ويترك قوله تعالى في الآيات التي ذكر فيها المحرمات من النساء، ثم قال تعالى بعد ذكر من ذكر: "والمحصناتُ من النساء إلا ما ملكت أيمانُكم كتابَ الله عليكم وُأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنينَ غيرَ مسافحين فما آستمتعتم به منهنَّ فآتوهنَّ أجورَهنَّ فريضةً ولا جناحَ عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إنّ اللهَ كان عليمًا حكيمًا" (٢). فحرموا الجمع بين المرأة وعمتها وليس ذلك مذكورًا في آية التحريم بل فيها إحلال كل ما لم يذكر في الآية فتركوا ذلك لحديث انفرد به أبو هريرة وأبو سعيد وحدهما. (٣)
وليس ذلك إجماعًا فإن عثمان البتي يبيح الجمع بين المرأة وعمتها ثم يعترضون على حكم رواه عدل بأن عدلًا آخر لم يرو تلك الزيادة وأن فلانًا انفرد بها، قال علي: وهذا جهل شديد وقد ترك أصحاب أبي حنيفة الزيادة التي روى مالك في حديث زكاة الفطر وهي من المسلمين فقالوا: انفرد بها مالك، وترك أصحاب مالك الاستسعاء الذي رواه سعيد بن أبي عروبة وقالوا: انفرد بها سعيد فكلا الطائفتين عابت ما فعلت وأنكرت ما أتت به مع أنه قد شورك من ذكرنا في هاتين الزيادتين ولو انفردا بها ما ضر ذلك شيئًا، ولا فرق بين أن يروي الراوي العدل حديثًا فلا يرويه أحد غيره أو يرويه غيره مرسلًا أو يرويه ضعفاء، وبين أن يروي الراوي العدل لفظة زائدة لم يروها غيره من رواة الحديث وكل ذلك سواء واجب قبوله بالبرهان الذي قدمناه في وجوب قبول خبر الواحد العدل
_________________
(١) المائدة / ٣٨.
(٢) النساء / ٢٤.
(٣) حديث أبي هريرة أخرجه أحمد ٢/ ٤٣٢و٤٧٤و٥٠٨و٥١٦ ..،والبخاري (٥١١٠) ومسلم (١٤٠٧) و(١٤٠٨) وغيرهم. وحديث أبي سعيد أخرجه أحمد٣/ ٦٧. قلت: ولم ينفردا به كما زعم ابن حزم، فقد رواه أيضًا جابر، وابن عباس ﵄ فأما حديث جابر فأخرجه البخاري (٥١٠٨)،وابن أبي شيبة ٤/ ٢٤٥وأحمد ٣/ ٣٣٨و٣٨٢ والنسائي ٦/ ٩٨وغيرهم. وأما حديث ابن عباس فأخرجه ابن حبان ٩/ ٤٢٦ (٤١١٦) والطبراني في الكبير١١/ (١١٩٣١).وليس المحل هنا نحله.
[ ١٥٩ ]
الحافظ وهذه الزيادة وهذا الإسناد هما خبر واحد عدل حافظ ففرض قبولهما ولا نبالي روى مثل ذلك غيرهما أو لم يروه سواهما ومن خالفنا فقد دخل في باب ترك قبول الخبر الواحد ولحق بمن أتى ذلك من المعتزلة وتناقض في مذهبه وانفراد العدل باللفظة كانفراده بالحديث كله ولا فرق (١).
٤ - الخطيب البغدادي ت (٤٦٣): قال:" الزيادة مقبولة من العدل". (٢)
وقال:"قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث زيادة الثقة مقبولة إذا انفرد بها. ولم يفرقوا بين زيادة يتعلق بها حكم شرعي أو لا يتعلق بها حكم وبين زيادة توجب نقصانًا من أحكام تثبت بخبر ليست فيه تلك الزيادة وبين زيادة توجب تغيير الحكم الثابت أو زيادة لا توجب ذلك وسواء كانت الزيادة في خبر رواه راويه مرة ناقصًا ثم رواه بعد وفيه تلك الزيادة أو كانت الزيادة قد رواها غيره ولم يروها هو.
وقال فريق ممن قبل زيادة العدل الذي ينفرد بها إنما يجب قبولها إذا أفادت حكمًا يتعلق بها وأما إذا لم يتعلق بها حكم فلا.
وقال آخرون: يجب قبول الزيادة من جهة اللفظ دون المعنى وحكي عن فرقة ممن ينتحل مذهب الشافعي إنها قالت: تقبل الزيادة من الثقة إذا كانت من جهة غير الراوي فأما إن كان هو الذي روى الناقص ثم روى الزيادة بعد فإنها لا تقبل وقال قوم من
أصحاب الحديث: زيادة الثقة إذا انفرد بها غير مقبولة ما لم يروها معه الحفاظ وترك الحفاظ لنقلها وذهابهم عن معرفتها يوهنها ويضعف أمرها ويكون معارضًا لها .". (٣)
وقال بعد مناقشة آراء العلماء: " والذي نختاره من هذه الأقوال أنّ الزيادة الواردة مقبولة على كل الوجوه ومعمول بها إذا كان راويها عدلًا حافظًا ومتقنًا ضابطًا " (٤)
وقال: "أكثر أصحاب الحديث أن الحكم في هذا أو ما كان بسبيله للمرسل " (٥)؟
وعلل الخطيب مذهبه فقال: والدليل على صحة ذلك أمور:
" أحدها: اتفاق جميع أهل العلم على أنه لو انفرد الثقة بنقل حديث لم ينقله غيره لوجب قبوله؛ ولم يكن ترك الرواة لنقله إن كانوا عرفوه وذهابهم عن العلم به معارضًا له
_________________
(١) الأحكام ٢/ ٢١٦ - ٢١٧.
(٢) الكفاية ص٤٢٤.
(٣) الكفاية ص٤٢٤.
(٤) الكفاية ص٤٢٤ - ٤٢٥.
(٥) الكفاية ص٤١١.
[ ١٦٠ ]
ولا قادحًا في عدالة راويه ولا مبطلًا له وكذلك سبيل الانفراد بالزيادة.
فان قيل: ما أنكرت أن يكون الفرق بين الأمرين أنه غير ممتنع سماع الواحد الحديث من الراوي وحده وانفراده به ويمتنع في العادة سماع الجماعة لحديث واحد وذهاب زيادة فيه عليهم ونسيانها إلا الواحد بل هو أقرب إلى الغلط والسهو منهم فافترق الأمران، قلت: هذا باطل من وجوه غير ممتنعة:
أحدها: أن يكون الراوي حدث بالحديث في وقتين وكانت الزيادة في أحدهما دون الوقت الآخر ويحتمل أيضا أن يكون قد كرر الراوي الحديث فرواه أولًا بالزيادة وسمعه الواحد ثم أعاده بغير زيادة اقتصارًا على أنه قد كان أتمه من قبل وضبطه عنه من يجب العمل بخبره إذا رواه عنه وذلك غير ممتنع وربما كان الراوي قد سها عن ذكر تلك الزيادة لما كرر الحديث وتركها غير متعمد لحذفها ويجوز أن يكون ابتدأ بذكر ذلك الحديث وفي أوله الزيادة ثم دخل داخل فأدرك بقية الحديث ولم يسمع الزيادة فنقل ما سمعه فيكون السامع الأول قد وعاه بتمامه.
ويجوز أن يسمع من الراوي الاثنان والثلاثة فينسى اثنان منهما الزيادة ويحفظها الواحد ويرويها ويجوز أن يحضر الجماعة سماع الحديث فيتطاول حتى يغشى النوم بعضهم أو يشغله خاطر نفس وفكر قلت في أمر آخر فيقتطعه عما سمعه غيره وربما عرض لبعض
سامعي الحديث أمر يوجب القيام ويضطره إلى ترك استتمام الحديث وإذا كان ما ذكرناه جائزًا فسد ما قاله المخالف.
أخبرنا أبو الحسن علي بن يحيى بن جعفر الإمام بأصبهان قال: حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني قال: حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا أبو نعيم قال سليمان: وحدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا محمد بن كثير، قال: حدثنا سفيان، عن جامع بن شداد أبي صخرة المحاربي عن صفوان بن محرز المازني عن عمران بن حصين قال: أتى نفر من بني تميم النبي - ﷺ - فقال:
" اقبلوا البشرى يا بني تميم فقالوا: قد بشرتنا فأعطنا فرئى ذلك في وجه رسول - ﷺ - فجاء نفر من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قد قبلنا يا رسول الله فأخذ رسول الله - ﷺ - يحدث ببدء الخلق والعرش فجاء رجل فقال: يا عمران راحلتك فقمت فليتني لم أقم".ويدل أيضا على صحة ما ذكرناه أن الثقة العدل يقول:
[ ١٦١ ]
٥ - أبو عمرو ابن الصلاح
سمعت وحفظت ما لم يسمع الباقون وهم يقولون: ما سمعنا ولا حفظنا وليس ذلك تكذيبًا له" (١).
فالخطيب البغدادي أطلق القبول في الكفاية ما دام راوي الزيادة عدلًا، حافظًا، ومتقنًا ضابطًا، وفي تعارض الوصل والإرسال رجّح المتصل على المرسل مطلقًا، فقال:"وهو الصحيح في الفقه وأصوله".
ويرى الواقف على أقوال الخطيب عدم الدقة؛ فتراه ينسب القول بقبولها للمحدثين ويعده رأي الجمهور منهم؟ وتارة ينسب إليهم خلافه؟ وما ذلك إلا لعدم وضوح صورة الزيادة عنده فوقع في إشكال واضح، كما مر.
ويظهر هذا بشكل أوضح في مصنفه " تمييز المزيد في متصل الأسانيد "، فرد قسمًا وقبل قسمًا آخر؟ رغم أنه يقول بالقبول المطلق لزيادة الثقة.
قال ابن رجب الحنبلي: " وقد صنف في ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب مصنفًا حسنًا سماه" تميز المزيد في متصل الأسانيد "وقسمه قسمين: أحدهما ما حكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها. ثم إن الخطيب تناقض فذكر في كتاب الكفاية للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ
إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين، ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقًا، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء وهذا يخالف تصرفه في كتاب تمييز المزيد"وقد عاب تصرفه في كتابه" تمييز المزيد "بعض محدثي الفقهاء وطمع فيه لموافقته لهم في كتاب الكفاية" (٢) وكذا انتقده الحافظ ابن حجر العسقلاني (٣).
٥ - أبو عمرو ابن الصلاح ت (٦٤٣):تبع ابن الصلاح الخطيب في إطلاق القبول، فقال عند موضوع تعارض الوصل والإرسال: "وما صححه الخطيب هو الصحيح ".وأما في مبحث زيادات المتون فإنه توقف عن الترجيح واكتفى بعرض الأقوال، فقال: في مقدمته:"وقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقة على ثلاثة أقسام:
أحدها: أنه مخالف منافٍ لما رواه سائر الثقات فهذا حكمه الرد كما سبق في نوع
_________________
(١) الكفاية ص ٤٢٤ - ٤٢٥.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٨.
(٣) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩٣.
[ ١٦٢ ]
النووي
الشاذ.
الثاني: أن لا تكون فيه منافاة ومخالفة أصلًا لما رواه غيره كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلًا فهذا مقبول وقد ادعى الخطيب فيه اتفاق العلماء عليه وسبق مثاله في نوع الشاذ.
الثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث مثاله: ما رواه مالك عن نافع عن بن عمر أن رسول الله - ﷺ -: " فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين ".فذكر أبو عيسى الترمذي أن مالكًا تفرد من بين الثقات بزيادة قوله:"من المسلمين" وروى عبيد الله ابن عمر وأيوب وغيرهما هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر دون هذه الزيادة فأخذ بها غير واحد من الأئمة واحتجوا بها منهم الشافعي وأحمد، ﵃، . فهذا وما أشبهه يشبه القسم الأول من حيث إن ما رواه الجماعة عام وما رواه المنفرد بالزيادة مخصوص وفي ذلك مغايرة في الصفة ونوع من المخالفة يختلف به الحكم ويشبه أيضا القسم الثاني من حيث إنه لا منافاة بينهما وأما زيادة الوصل مع الإرسال فإن بين الوصل والإرسال من المخالفة نحو ما ذكرناه.
ويزداد ذلك بأن الإرسال نوع قدح في الحديث فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل؟ ويجاب عنه: بأن الجرح قدم لما فيه من زيادة العلم والزيادة ههنا مع من وصل والله أعلم " (١).
٦ - قال النووي ت (٦٧٦):"زيادات الثقة مقبولة مطلقًا عند الجماهير من أهل الحديث والفقه والأصول، وقيل: لا تقبل، وقيل: تقبل أن زادها غير من رواه ناقصًا، ولا تقبل أن زادها هو، وأما إذا روى العدل الضابط المتقن حديثًا انفرد به فمقبول بلا خلاف، نقل الخطيب البغدادي اتفاق العلماء عليه، وأما إذا رواه بعض الثقات الضابطين متصلًا، وبعضهم مرسلًا أو بعضهم موقوفًا وبعضهم مرفوعًا أو وصله هو أو رفعه في وقت وأرسله أو وقفه فى وقت، فالصحيح الذي قاله المحققون من الحديث وقاله الفقهاء، وأصحاب الأصول وصححه الخطيب البغدادي أن الحكم لمن وصله أو رفعه سواء كان المخالف له مثله أو أكثر وأحفظ لأنه زيادة ثقة، وهى مقبولة الحكم لمن أرسله أو وقفه،
_________________
(١) علوم الحديث ص٨٨.
[ ١٦٣ ]
ابن جماعة
قال الخطيب: وهو أكثر قول المحدثين؛ وقيل: الحكم للأكثر، وقيل: للأحفظ". (١)
وقال:"إذا روى بعض الثقات الضابطين الحديث مرسلًا وبعضهم متصلًا أو بعضهم موقوفًا، وبعضهم مرفوعًا، أو وصله هو أو رفعه في وقت، أو أرسله في وقت فالصحيح أن الحكم لمن وصله أو رفعه سواء كان المخالف له مثله أو أكثر لأن ذلك زيادة ثقة وهي مقبولة " (٢).
وقال:"إن المذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه الفقهاء وأصحاب الأصول والمحققون من المحدثين وصححه الخطيب البغدادي أن الحديث إذا رواه بعض الثقات متصلًا وبعضهم مرسلًا أو بعضهم مرفوعًا وبعضهم موقوفًا حكم بالمتصل وبالمرفوع لأنهما زيادة ثقة وهى مقبولة عند الجماهير من كل الطوائف والله أعلم ". (٣)
وقال:" أن الحديث الذي روى موقوفًا ومرفوعًا يحكم بأنه مرفوع على المذهب الصحيح الذي عليه الأصوليون والفقهاء والمحققون من المحدثين منهم البخاري وآخرون
حتى لو كان الواقفون أكثر من الرافعين حكم بالرفع كيف والأمر هنا بالعكس ودليله ما سبق أن هذه زيادة ثقة فوجب قبولها ولا ترد لنسيان أو تقصير حصل بمن وقفه والله أعلم ". (٤)
وقال:"زيادات الثقة مقبولة مطلقًا عند الجماهير من أهل الحديث والفقه والأصول". (٥)
قال ابن حجر في النكت متعقبًا:"وفيه نظر كثير لأنه يرد عليهم الحديث الذي يتحد مخرجه فيرويه جماعة من الحفاظ الأثبات على وجه ويرويه ثقة دونهم في الضبط والإتقان على وجه يشمل على زيادة تخالف ما رووه إما في المتن وإما في الإسناد فكيف تقبل زيادته وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها لحفظهم أو لكثرتهم ولاسيما إن كان شيخهم ممن يجمع حديثه ويعتنى بمروياته كالزهري وأضرابه ." (٦).
٧ - قال ابن جماعة ت (٧٣٣):"هي أقسام أحدها: زيادة تخالف ما رواه
_________________
(١) شرح مسلم ١/ ٣٢ - ٣٣.
(٢) تدريب الراوي، السيوطي ١/ ١٨٤.
(٣) شرح مسلم ٣/ ١٧.
(٤) شرح مسلم ٥/ ٩٥.
(٥) شرح مسلم ١/ ٣٢ و٥٨.
(٦) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٨٨.
[ ١٦٤ ]
الثقات، وحكم هذه الرد كما سبق في الشاذ. الثاني: زيادة لا يخالف فيه غيره بشيء أصلًا فهذا مقبول" (١).
وقال:" إذا روى ثقة حديثًا مرسلًا ورواه ثقة غيره متصلًا كحديث:"لا نكاح إلا بولي" رواه إسرائيل وجماعة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - ورواه الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي - ﷺ - فقد حكى الخطيب عن أكثرهم أن الحكم للمرسل وعن بعضهم أن الحكم للأكثر وعن بعضهم للأحفظ فإن كان هو المرسل لم يقدح ذلك في عدالة الواصل وقال: الزيادة من الثقة مقبولة هذا مع أن المرسل شعبة وسفيان ودرجتهما من الحفظ الإتقان معلومة فهذه خمسة أقوال الصحيح منها ما صححه الخطيب، فرع لو أرسل ثقة حديثا تارة وأسنده أخرى أو رفعة ثقات ووقفه ثقات أو وصله ثقات وقطعه ثقات فالحكم في الجميع لزيادة الثقة من الإسناد والرفع والوصل والله أعلم" (٢).
٨ - وقال الحافظ العراقي ت (٨٠٦)، قال في ألفيته (٣):
واحكم لوصل ثقة في الأظهر وقيل بل إرساله للأكثر
ونسب الأول للنظار أن صححوه وقضى البخاري
بوصل " لا نكاح إلا بولي " مع كون من أرسله كالجبل
وقيل الأكثر، وقيل الأحفظ ثم فما إرسال عدل يحفظ
يقدح في أهلية الوصل أو مسنده على الأصح ورأوا
أن صح الحكم للرفع ولو من واحد في ذا وذا كما حكموا
وقال عند زيادات الثقات:
واقبل زيادات الثقات منهم ومن سواهم فعليه المعظم
وقيل: لا، وقيل: لا منهم وقد قسمه الشيخ فقال: ما انفرد
_________________
(١) المنهل الروي ص٥٨.
(٢) المنهل الروي ص ٤٤ - ٤٥.
(٣) الألفية بشرحها ١/ ١٨٩.
[ ١٦٥ ]
دون الثقات ثقة خالفهم فيه صريح فهو رد عندهم
أولم يخالف فاقبلنه وادعى فيه الخطيب الاتفاق مجمعا
أو خالف الإطلاق نحو"جعلت تربة الأرض"فهي فرد نقلت
فالشافعي وأحمد احتجا بذا والوصل والإرسال من ذا أخذا
٩ - الحافظ السخاوي ت (٩٠٢):
قال: " الصحيح الذي عليه الجمهور أن الراوي إذا روى الحديث مرفوعًا وموقوفًا فالحكم للرفع لأنه معه في حالة الرفع زيادة، هذا هو المرجح عند أهل الحديث " (١).
وقال: " والحق أن الزيادة مع الواصل وأن الإرسال نقص في الحفظ لما جبل عليه الإنسان من النسيان " (٢).
١٠ - الشيخ أحمد محمد شاكر:
قال:"إذا روى العدل الثقة حديثًا وزاد فيه زيادة لم يروها غيره من العدول الذين رووا نفس الحديث أو رواه الثقة العدل نفسه مرة ناقصًا ومرة زائدًا، فالقول الصحيح الراجح: إن الزيادة مقبولة سواء أوقعت ممن رواه ناقصًا أم من غيره وسواء أتعلق بها حكم شرعي أم لا، وسواء غيرت الحكم الثابت أم لا، وسواء أوجبت نقض أحكام ثبتت بخبر ليست هي فيه أم لا " (٣).
وممن قال به أيضًا: أبو الحسن بن القطان (٤)، وابن الملقن (٥)،وغيرهما.
مناقشة أمثلة القائلين بقبول الزيادة مطلقًا.
استدل القائلون بقبول الزيادة مطلقًا بأدلة، أرى من المناسب أن أبينها ههنا، وقبل مناقشتها، لابد من توطئة مهمة فأقول:
كما أوضحنا سلفًا أنّ علم المصطلح - مصطلح الحديث - نشأ كما ينشأ أي علم في المصطلح في بقية علوم الشريعة وغيرها.
_________________
(١) فتح المغيث ١/ ١٩٥.
(٢) فتح المغيث ١/ ٢٣٨.
(٣) الباعث الحثيث ص٥٩ - ٦٠ هامش.
(٤) انظر النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٠٤.
(٥) انظر كتابه خلاصة البدر المنير فإنه مليء، فمثلا: ١/ ١٢٩و١٥١و ٣١٩.
[ ١٦٦ ]
فإنه ينشأ بعد اكتمال صرح العلم وأركانه .. فيحتاج طلبة العلم في تعاملهم مصطلحات متفق عليها.
وهذا يعني أنه - المصطلح - وليد ثمار جهود السابقين من ناحية ومن ناحية أخرى فإنه لا يعني أن المتقدمين أرادوا ما فهمهُ المتأخرون كاملًا.
فالمتأخرون إنما هم مجتهدون حاولوا فهم مراد المتقدمين من خلال صنيعهم في مصنفاتهم.
ومر علم المصطلح بمراحل - عند المتأخرين - تطورت فيه مفاهيم ومصطلحات عبر المصنفات المتتالية.
فلو قرأت مثلًا «المحدث الفاصل»، لم تجد فيه كثيرًا من المصطلحات عند الخطيب في الكفاية أو عند ابن الصلاح في المقدمة أو عند السخاوي في الفتح .. وهكذا.
وعلى سبيل المثال: لا تجد فيه - المحدث الفاصل - مصطلح منكر .. شاذ زيادة ثقة الخ.
والذي أريده من هذا الكلام: أنّ الخطأ الذي وقع فيه الكثير من طلبة علم الحديث أنهم يعدون المتأخرين .. متقدمين؟؟،
ويظنون أنَّ المصطلحات الحديثة اتفق عليها المتقدمون والمتأخرون فظنوا أنّ المتأخرين -أعني بعد القرن الثالث الهجري - قد أدركوا مراد المتقدمين فأسسوا على ذلك قواعد كلية صححوا على ضوئها الأحاديث وحسنوها فوقعوا في تعارض واضح وإشكال كبير.
ومثالي على هذا الكلام مصطلح " زيادة الثقة "،فلا تجد أحدًا من المتقدمين الأوائل قد تكلم فيه بمثل ما فهمه المتأخرون حتى إنّ جمهور المتأخرين قد خلطوا بين أنواع التفرد.
وتجد هذا واضحًا في هذه الأطروحة فترى الإشكال قائمًا-عند المتأخرين - بين المنكر .. والشاذ وزيادة الثقة.
وفي موضوع زيادة الثقة خلط جمهور كتّاب المصطلح بينه وبين موضوع مختلف الحديث.
فالمراد بزيادة الثقة - كما عرّفوه هم -: هو ما تفرد به ثقة واحد عن مجموعة من
[ ١٦٧ ]
الثقات بالسند نفسه أو زاد في المتن زيادة لم يذكرها الثقات الآخرون الذين رووا الحديث بالسند نفسه أيضًا.
وقد نص عليه الحاكم بقوله:"معرفة زيادات ألفاظ فقهية في أحاديث ينفرد بالزيادة راو واحد " (١).
وقال ابن رجب:"أن يروي جماعة حديثًا واحدًا بإسناد واحد، ومتن واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة " (٢).
قلت: فأما إذا كانت هذه الزيادة من أكثر من ثقة فاختلف أصحاب المروي عنه فرواه قسم بهذه الزيادة، ورواه آخرون من دونها فهذه مخالفة تدرس ويتبين الصحيح منها لأن المفروض في مثل هذا أن المروي عنه إما حدث بالحديث على وجهين وإما أخطأ قسمًا منه وأصاب بالآخر (٣).
وهذا يعني أمرين:
الأول: أن الزيادة إذا جاءت من ثقة واحد عن نفس الشيخ وانفرد بها عن أقرانه رواة الحديث فهذا الذي يسمى زيادة ثقة.
أما إذا وجدنا متابعة لهذا الثقة فإنه يخرج من دائرة الزيادة والتفرد إلى دائرة الاختلاف "مختلف الحديث "،فندرس الحديثين ونخرج بنتيجة حسب القرائن المرجحة.
أيّ: إنّ زيادة الثقة إنما تكون من ثقة واحد أمام جماعة أما إذا تكافأ العدد كأن يكون واحدًا أمام واحد أو أكثر فهذه لا تسمى زيادة ثقة بل هي من باب:"مختلف الحديث".
لذا فإن الإمام النووي ﵀ وهو القائل بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل رد التمثيل بزيادة مالك"من المسلمين "،وقال:" لا يصح التمثيل به فقد وافق مالكًا عمرُ بن نافع والضحاك بن عثمان" (٤).
ثانيًا: إذا روى ثقة حديثًا ثم نشط فرواه بسند آخر أعلى من السند الأول فهذا لا
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص ١٣٠.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٥.
(٣) انظر النكت على ابن الصلاح ٢/ ٧١٢ - ٧١٥ و٧٧٧ - ٧٨٢.
(٤) تقريب النوواي من تدريب الراوي ١/ ٢٠٦، وانظر النكت على ابن الصلاح ٢/ ١٩٦.
[ ١٦٨ ]
يسمى زيادة ثقة ممن دون الشيخ الراوي بل هذا من قبيل الإسناد العالي والنازل.
وبهذا اخطأ بعض المتأخرين ممن عدوا المزيد في متصل الأسانيد زيادة ثقة. وإنما أشكل عليهم التفريق بين الزيادة من الثقة في السند وبين المزيد في متصل الأسانيد.
وسأمثل لذلك بمثالين أحدهما يبين زيادة الثقة في السند والآخر يبين المزيد في متصل الأسانيد.
١ - قال محمد بن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن الزهري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله.
٢ - قال محمد بن بشار: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن سفيان عن الزهري عن أنس بن مالك.
فهل: هذا زيادة ثقة من محمد بن بشار"بندار"؟
أولًا: علينا أن نبحث هل السند الأول متصل بالسماع؟ فإذا كان الجواب بنعم، فهذا الثاني من قبيل المزيد في متصل الأسانيد.
إما إذا كان الجواب: لا؟ وهذا يعني أن الإسناد الأول منقطع، فهذا الثاني يكون متصلًا والأول يكون معلولًا فيه انقطاع.
وإنما حكمنا على الثاني بكونه مزيدًا لاحتمال سماع شعبة الحديث مرتين، مرة من سفيان - قرينه - ثم نشط فسمعه أخرى من الشيخ ذاته - الزهري -.
فيكون الإسناد الأول- إسناد محمد بن المثنى- عاليا، وإسناد بندار نازلا.
٢ - أما مثال زيادة الثقة فنمثل بالمثال السابق حتى يتضح الفرق، أن يروي مثلًا:
محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر، عن شعبة عن الزهري، عن أنس، عن النبي - ﷺ - مرفوعا-.
ثم يخالفه جمع من الثقات فيروونه بالسند نفسه عن محمد بن جعفر عن شعبة عن الزهري عن أنس - موقوفًا -.
وكذا إذا جاء مرة مرسلًا ومرة متصلًا وهكذا. فالذي يعنينا هنا أن يأتي الحديث على المثال الثاني أما احتمال المثال الأول:"المزيد في متصل الأسانيد "فهو وارد وصحيح ولا إشكال فيه
ومن هنا فإننا سوف نبحث في الأمثلة التي مثل بها علماء المصطلح المتأخرون
[ ١٦٩ ]
فإذا وجدنا للشيخ المتفرد بالزيادة متابعًا فإنه يخرج من دائرة الزيادة ولا يصح التمثيل به حينئذٍ.
أقول: قد نتج عن هذا الخلط نسبة الكثير من الأقوال إلى الأئمة المتقدمين نسبة خاطئة، إذ اقتطعوا من أقوالهم في مناقشة حديث ما في موضع الاختلاف"مختلف الحديث"ونسبوه لهم على أنه يتحدث عن زيادة الثقة-بمفهوم المتأخرين-.
فمثلًا:
١ - جاء عن الإمام الشافعي أنه قال:" العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد " (١).
أورده الحافظ ابن حجر استدلالًا على أن الشافعي يفصل الأمر في زيادة الثقة (٢).
أقول: الإمام الشافعي لم يتكلم عن زيادة الثقة حينما أورد هذا النص وإنما كان يتكلم عن حديثين متكافئين في الصحة مختلفين في المخرج في أحدهما زيادة تخالف الآخر: حديث البراء بن عازب، وحديث ابن عمر - ﵃ - في رفع اليدين في الصلاة، قال الشافعي ﵀:"وبهذه الأحاديث تركنا ما خالفها من الأحاديث قال الشافعي لأنها أثبت إسنادًا منه
وأنها عدد"والعدد أولى بالحفظ من الواحد" فإن قيل: فإنّا نراه رأى المصلي يرخي يديه فلعله أراد رفعهما فلو كان رفعهما مدًا احتمل مدًا حتى المنكبين واحتمل ما يجاوزه ويجاوز الرأس ورفعهما ولا يجاوز المنكبين وهذا حذو حتى يحاذي منكبيه وحديثنا عن الزهري أثبت إسنادًا ومعه عدد يوافقونه ويحددونه تحديدًا لا يشبه الغلط والله أعلم فإن قيل: أفيجوز أن يجاوز المنكبين؟ قيل: لا ينقض الصلاة ولا يوجب سهوًا والاختيار أن لا يجاوز المنكبين.
باب الخلاف فيه:
قال الشافعي: فخالفنا بعض الناس في رفع اليدين في الصلاة، فقال: إذا افتتح الصلاة المصلي رفع يديه حتى يحاذي أذنيه ثم لا يعود يرفعهما في شيء من الصلاة، واحتج بحديث رواه يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال رأيت النبي - ﷺ -:"إذا افتتح الصلاة يرفع يديه".
قال سفيان: ثم قدمت الكوفة فلقيت يزيد بها فسمعته يحدث بهذا، وزاد فيه: " ثم لا
_________________
(١) اختلاف الحديث ص ١٧٧.
(٢) النكت ٢/ ٦٨٨.
[ ١٧٠ ]
يعود "، فظننت أنهم لقنوه، قال سفيان: هكذا سمعت يزيد يحدثه هكذا، ويزيد فيه:"ثم لا يعود"قال: وذهب سفيان إلى أن يغلط يزيد في هذا الحديث ويقول: كأنه لقن هذا الحرف الآخر فلقنه، ولم يكن سفيان يرى يزيد بالحافظ لذلك.
قال: فقلت لبعض من يقول هذا القول: أحديث الزهري عن سالم عن أبيه أثبت عند أهل العلم بالحديث أم حديث يزيد؟ قال: بل حديث الزهري وحده. قلت: فمع الزهري أحد عشر رجلًا من أصحاب رسول الله منهم أبو حميد الساعدي وحديث وائل بن حجر كلها عن النبي - ﷺ - بما وصفت وثلاثة عشر حديثًا أولى أن تثبت من حديث واحد ومن أصل قولنا.
وقولك أنه لو لم يكن معنا إلا حديث واحد ومعك حديث يكافئه في الصحة فكان في حديثك أن لا يعود لرفع اليدين وفي حديثنا يعود لرفع اليدين كان حديثنا أولى أن يؤخذ به، لأن فيه زيادة حفظ مالم يحفظ صاحب حديثك، فكيف صرت إلى حديثك وتركت حديثنا والحجة لنا فيه عليك بهذا، وبأن إسناد حديثك ليس كإسناد حديثنا بأن أهل الحفظ يرون أن يزيد لقن:"ثم لا يعود"، يقول: فإن إبراهيم النخعي أنكر حديث وائل بن
حجر، وقال: أترى وائل بن حجر أعلم من علي وعبد الله؟ قلت: وروى إبراهيم عن علي وعبد الله أنهما رويا عن النبي خلاف ما روى وائل بن حجر، قال: لا ولكن ذهب إلى أن ذلك لو كان روياه أو فعلاه، قلت: أفروى هذا إبراهيم عن علي وعبد الله نصًا؟ قال: لا، قلت: فخفي عن إبراهيم شيء رواه علي وعبد الله أو فعلاه، قال: ما أشك في ذلك، قلت: فتدري لعلهما قد فعلاه فخفي عنه وروياه فلم يسمعه، قال: إن ذلك ليمكن، قلت: أفرأيت جميع ما رواه إبراهيم فأخذ به، فأحل به وحرم، أرواه عن علي وعبد الله؟ قال: لا، قلت: فلم احتججت بأنه ذكر عليًا وعبد الله وقد يأخذ هو وغيره عن غيرهما ما لم يأت عن واحد منهما، ومن قولنا وقولك أن وائل بن حجر إذ كان ثقة لو روى عن النبي شيئًا، فقال عدد من أصحاب النبي لم يكن ما روى، كان الذي قال كان أولى أن يؤخذ بقوله من الذي قال لم يكن، وأصل قوله أن إبراهيم لو روى عن علي وعبد الله لم يقبل منه، لأنه لم يلق واحدًا منهما إلا أن يسمي من بينه وبينهما فيكون ثقة للقيهما، ثم أردت إبطال ما روى وائل بن حجر عن النبي - ﷺ - بأن لم يعلم إبراهيم فيه قول علي وعبد الله قال: فلعله علمه قلت: ولو علمه لم يكن عندك فيه حجة بأن رواه فإن كنت تريد أن توهم من سمعه أنه رواه بلا أن يقول هو رويته جاز لنا
[ ١٧١ ]
أن نتوهم في كل ما لم يرو أنه علم فيه لم يقل لنا علمنا ولو روى عنهما خلافه لم يكن عندك فيه حجة فقال وائل أعرابي فقلت: أفرأيت قرنعًا الضبي وقزعة وسهم بن منجاب حين روى إبراهيم عنهم وروى عن عبيد بن نضلة أهم أولى أن يروي عنهم أم وائل بن حجر، وهو معروف عندكم بالصحابة وليس واحد من هؤلاء فيما زعمتم معروفًا عندكم بحديث ولا شيء، قال: بل وائل بن حجر، قلت: فكيف ترد حديث رجل من الصحابة وتروي عمن دونه ونحن إنما قلنا برفع اليدين عن عدد لعله لم يرو عن النبي - ﷺ - شيئًا قط عددًا أكثر منهم غير وائل بن حجر ووائل أهل أن يقبل عنه " (١).
لهذا قال الإمام الشافعي: والعدد أولى بالحفظ من الواحد (٢).
فمن هنا خلط المتأخرون بين هذين المفهومين.
وهذا بالاتفاق ليس من قبيل زيادة الثقة. وأما إذا روى الثقة ما لم يروه غيره من الثقات أقرانه فإنه شاذ غير مقبول، قال ابن رجب:"وفي حكاية ذلك-قبول الزيادة- عن الشافعي نظر فإنه قال في الشاذ: هو أن يروي ما يخالف الثقات، وهذا يدل على أن الثقة إذا انفرد عن الثقات بشيء أنه يكون ما انفرد به شاذًا غير مقبول، والله اعلم " (٣).
وهذا يعني أن التفرد عند الشافعي إذا كان يخالف أقرانه في زيادة لفظة أو رجل فإن ذلك يعني أن حديثه شاذ (٤)، وسيأتي تفصيله.
٢ - ذهب جمهور الحنابلة من الفقهاء إلى نسبة القول إلى الإمام أحمد أنه يقبل الزيادة من الثقة اعتمادًا على صنعه في بعض الأحاديث.
قال ابن رجب:"وأما أصحابنا: فذكروا في كتب أصول الفقه في هذه المسألة روايتين عن أحمد: بالقبول مطلقًا، وعدمه مطلقًا، ولم يذكروا نصًا له بالقبول مطلقًا مع أنهم رجحوا هذا القول، ولم يذكروا به نصًا عن أحمد، وإنما اعتمدوا على كلام له، لا يدل على ذلك مثل قوله في فوات الحج: جاء فيه روايتان أحدهما: فيه زيادة دم، قال: والزائد أولى أن يؤخذ، وهذا ليس مما نحن فيه فإن مراده أن الصحابة روى بعضهم فيمن
_________________
(١) اختلاف الحديث ص١٧٧ - ١٧٩.
(٢) اختلاف الحديث ص١٧٧.
(٣) شرح العلل ٢/ ٦٣٧.
(٤) انظر ص ٩٩ من هذا البحث.
[ ١٧٢ ]
يفوته الحج عليه القضاء مع الدم، فأخذ بقبول من زاد الدم فإذا روي حديثان مستقلان في حادثة وفي أحدهما زيادة فإنها تقبل من الثقة كما لو تفرد الثقة بأصل الحديث وليس هذا من باب زيادة الثقة" (١).
أقول: وهنا وقع الأصوليون أيضا في خلط واضح بين الزيادة ومختلف الحديث.
٣ - قال أحمد في زيادة زادها سعيد بن أبي عروبة في حديث الإستسعاء:
"أما شعبة وهمام فلم يذكراه ولا أذهب إلى الإستسعاء" (٢).
قال ابن رجب: فالذي يدل عليه كلام أحمد في هذا الباب: أن زيادة الثقة للفظة في حديث من بين الثقات إن لم يكن مبرزًا في الحفظ والتثبت على غيره ممن لم يذكر الزيادة ولم يتابع عليها فلا يقبل تفرده، وإن كان ثقة مبرزًا في الحفظ على من لم يذكرها
ففيه عنه روايتان، لأنه قال مرة في زيادة مالك (من المسلمين):كنت أتهيبه حتى وجدته من حديث العمريين.
وقال مرة إذا انفرد مالك بحديث هو ثقة وما قاله أحد بالرأي أثبت منه " (٣).
أقول: وقع ابن رجب في نفس المأخذ الذي أخذه على فقهاء الحنابلة فهذا الحديث ليس من قبيل زيادة الثقة لان سعيدًا قد توبع عليه. كما سيأتي (٤).
٤ - استدل الكثير من علماء المصطلح المتأخرين بحديث:"لا نكاح إلا بولي"،على أنّ البخاري يقول بزيادة الثقة.
وهذا خلط واضح - كما قدمنا - فالإمام البخاري لم يتحدث عن الزيادة، وإنما كان يتحدث عن الاختلاف بين طريقين.
الطريق الأول رواه جماعة من الثقات:"إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، ويونس، وشريك، وأبو عوانة "،عن أبي إسحاق السبيعي به-مرفوعًا-.
والطريق الثاني: رواه شعبة وسفيان عن أبى إسحاق به - موقوفًا -.
فالحديث جماعة إمام جماعة فأين زيادة الثقة؟؟. بل صرح البخاري بقوله تابعه
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٥.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٤، وانظر ص١٨٥ من هذا البحث.
(٣) مصدر سابق.
(٤) انظر ص١٨٤ من هذا البحث.
[ ١٧٣ ]
يعني إسرائيل. ثم يأتي بعض المتأخرين ويقولون هو مثال لزيادة الثقة؟ كما أورده الخطيب وغيره حتى من رد عليهم لم ينكر كونه زيادة من ثقة يقول ابن حجر:"الاستدلال بأن الحكم للواصل دائمًا على العموم من صنيع البخاري في هذا الحديث الخاص ليس بمستقيم لأن البخاري لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنما حكم له بالاتصال لمعان أخرى رجحت عنده حكم الموصول.
منها: أن يونس بن أبي إسحاق وابنيه إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولًا، ولا شك أن آل الرجل أخص من غيرهم.
ووافقهم على ذلك أبو عوانة وشريك النخعي وزهير بن معاوية وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق، مع اختلاف مجالسهم في الأخذ عنه وسماعهم إياه من لفظه. وأما رواية من أرسله وهما شعبة وسفيان، فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد .
فشعبة وسفيان إنما أخذاه معًا في مجلس عرضًا-كما ترى- ولا يخفى رجحان ما أخذ من لفظ المحدث في مجالس متعددة على ما أخذ عنه عرضًا في محل واحد.
هذا إذا قلنا: حفظ سفيان وشعبة في مقابل عدد الآخرين مع أن الشافعي - رضي الله - يقول: " العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد ".
فتبين أن ترجيح البخاري لوصل هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسل بل بما يظهر من قرائن الترجيح ويزيد ذلك ظهورًا تقديمه الإرسال في مواضع أخر " (١).
فتأمل الخلط؟؟
وهنا سأذكر الأمثلة التي مثل بها المتأخرون مستدلين بها على زيادة الثقة لأبين أنها ليست من قبيل زيادة الثقة وإنما هي من قبيل مختلف الحديث.
أولًا: مناقشة أمثلة أبي عبد الله الحاكم:
المثال الأول: قال في معرفة علوم الحديث:"ومثال هذا النوع ما حدثناه أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السماك قال: حدثنا الحسن بن مكرم قال: حدثنا عثمان بن عمر قال: حدثنا مالك بن مغول عن الوليد بن العيزار عن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله - ﷺ - أي العمل أفضل؟ قال:"الصلاة في أول وقتها" قلت: ثم
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٠٦ - ٦٠٧، وانظر تدريب الراوي، السيوطي ١٨٤ - ١٨٥.
[ ١٧٤ ]
أي؟ قال:"الجهاد في سبيل الله" قلت: ثم أي؟ قال:"بر الوالدين".
قال أبو عبد الله: هذا حديث صحيح محفوظ رواه جماعة من أئمة المسلمين عن مالك بن مغول وكذلك عن عثمان بن عمر فلم يذكر أول الوقت فيه غير بندار بن بشار والحسن بن مكرم وهما ثقتان فقيهان" (١).
أقول: هذا ليس من قبيل زيادة الثقة لأن الزيادة تفرد ثقة واحد-كما قدمنا-وهنا تفرد به ثقتان وهما: محمد بن بشار-بندار-،والحسن بن مكرم فهذا من قبيل مختلف الحديث: رواه
اثنان مخالفين به جماعة الرواة في هذه اللفظة فلعل الشيخ «عثمان بن عمر» قد رواه مرتين مرة بها والأخرى بدونها.
المثال الثاني: قال في معرفة علوم الحديث:
" أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن الطوسي بنيسابور وأبو محمد عبد الله بن محمد الخزاعي بمكة قالا: حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة قال: حدثنا يحيى بن محمد الجاري قال: حدثنا زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن جده عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -:" من شرب في إناء ذهب أو فضة أو في إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم ".
قال أبو عبد الله: هذا حديث روي عن أم سلمة وهو مخرج في الصحيح، وكذلك روي من غير وجه عن ابن عمر واللفظة"أو إناء فيه شيء من ذلك"لم نكتبها إلا بهذا الإسناد" (٢).
أقول: لا يصح التمثيل بهذا الحديث لأنه مُتفرد بجملتهُ دون مخالفة فهو حديث مستقل-خبر آحاد-وليس من قبيل زيادة الثقة.
المثال الثالث: قال في معرفة علوم الحديث:"حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا محمد بن الجهم السمري قال: حدثنا نصر بن حماد قال: أخبرنا أبو معشر عن نافع عن ابن عمر قال:"أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نخرج صدقة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو عبد صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من شعير أو صاعًا من قمح وكان
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص ١٣٠. وممن مثل به أيضا السيوطي في التدريب ١/ ٢٠٦، والشيخ إبراهيم النعمة في كتابه دراسات في مصطلح الحديث ص ١١٠.
(٢) معرفة علوم الحديث ص ١٣١.
[ ١٧٥ ]
يأمرنا أن نخرجها قبل الصلاة وكان رسول الله - ﷺ - يقسمها قبل أن ننصرف من المصلى ويقول: أغنوهم عن طواف هذا اليوم ". قال أبو عبد الله: هذا حديث رواه جماعة من أئمة الحديث عن نافع فلم يذكروا صاع القمح فيه إلا حديث عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي يتفرد به عن عبيد الله بن عمر عن نافع" (١).
أقول: لم يتفرد سعيد بن عبد الرحمن الجمحي بهذه اللفظة، بل قد توبع في شيخه عبيد الله بن عمر العمري تابعه يحيى بن سعيد الأنصاري عند البيهقي ٤/ ١٦٠،فخرج الحديث عن كونه زيادة ثقة.
وإنما هو من قبيل مختلف الحديث، فالرواة عن نافع قد اختلفوا في هذه اللفظة-صاعًا من قمح-فمرة أثبتوها، وأخرى تركوها، فـ (عبيد الله بن عمر بن حفص ويحيى بن سعيد الأنصاري)، أثبتوها في حديثهم.
وروى الحديث: (أيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر بن حفص-في مصنف عبد الرزاق ٣/ ٣١٢ -،وعبد الله بن عمر، والمعلى بن إسماعيل المدني، وغيرهم) دونها.
والذي أراه: أن رواية القمح إنما هي من كلام ابن عمر - ﵁ - وربما يكون نافع حدث بها فظن بعض السامعين أنه من الحديث.
ويشهد لكلامنا: ما أخرجه عبد الرزاق ٣/ ٣١١فقال:
"عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر:"قال فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر على الذكر والأنثى والحر والعبد صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير".
قال ابن عمر: فعدله الناس بعد بمدين من قمح قال ابن عمر: فكان يعجبه أن يعطي التمر".
وكذا ما أخرجه ابن خزيمة ٤/ ٨١قال:"حدثنا عبد الجبار بن العلاء قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال:"فرض رسول الله - ﷺ - صدقة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير".
فكان عبد الله يخرج عن الصغير والكبير والمملوك من أهله صاعًا من تمر فأعوزه مرة فاستلف شعيرًا فلما كان زمان معاوية عدل الناس مدين من قمح بصاع من شعير".
وما أخرجه ابن حبان في صحيحه ٨/ ٩٦برقم (٣٣٠٣) قال:
_________________
(١) مصدر سابق.
[ ١٧٦ ]
" أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عمير بن يوسف بن جوصا بدمشق وعمر بن محمد بن يوسف بن بجير الهمداني قالا: حدثنا كثير بن عبيد قال: حدثنا أبو حيوة شريح بن يزيد قال: حدثنا أرطأة بن المنذر عن المعلى بن إسماعيل المدني عن نافع عن ابن عمر قال:"أمر رسول الله - ﷺ - بزكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير عن كل صغير أو كبير حر أو عبد ".قال ابن عمر: ثم إن الناس جعلوا عدل ذلك مدين من قمح ".
المثال الرابع: قال في معرفة علوم الحديث:
" حدثنا أبو بكر بن إسحاق الإمام، قال: أخبرنا أبو مسلم، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء، قال: حدثنا همام عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه أنه سأل النبي - ﷺ - أو سأله رجل فقال: بينا أنا في الصلاة ذهبت أحك فخذي فأصابت يدي ذكري فقال رسول الله - ﷺ -: "هل هو إلا بضعة منك ".
قال أبو عبد الله: هذا حديث رواه جماعة من التابعين وغيرهم عن محمد بن جابر فلم يذكر الزيادة في حك الفخذ غير عبد الله بن رجاء عن همام بن يحيى وهما ثقتان ".
أقول: هذا كلام مردود، فليس هذا من قبيل زيادة أو مختلف حديث، وإنما هو من قبيل صحيح الحديث أو سقيمه: فهذه اللفظة «حك الفخذ» خالف بها محمد بن جابر اليمامي، وهو ضعيف الحديث، قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال الفلاس: متروك الحديث، وقال ابن حبان: كان أعمى يلحق في كتبه ما ليس من حديثه ويسرق ما ذوكر به فيحدث به (١).
المثال الخامس: وقال أيضًا:
"حدثني أبو الحسن أحمد بن الخضر الشافعي قال: حدثنا جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ قال::حدثنا أحمد بن نصر المقرئ قال: حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني قال: حدثنا عبد الله بن زياد ابن سمعان عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:"كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج غير تمام". قال: فقال له رجل: يا أبا هريرة إني أكون أحيانًا وراء الإمام؟ قال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:" قال الله ﵎: قسمت هذه السورة بيني وبين عبدي فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل
_________________
(١) التقريب (٥٧٧)، والتحرير ٣/ ٢٢١، وانظر العلل المتناهية، ابن الجوزي ١/ ٣٦٣.
[ ١٧٧ ]
فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم قال الله ذكرني عبدي وإذا قال الحمد لله رب العالمين قال الله ﵎ حمدني عبدي ". وذكر باقي الحديث، قال أبو عبد الله: هذا حديث مخرج في الصحيح من حديث العلاء بن عبد الرحمن ولا اعلم أحدًا ذكر فيه قراءة بسم الله الرحمن الرحيم غير آدم بن أبي إياس عن ابن سمعان" (١).
أقول: هذه الزيادة منكرة، باطلة .. انفرد بها عبد الله بن سليمان بن سمعان المخزومي وهو متروك الحديث اتهم بالكذب (٢).
ولا أدري كيف عده الحاكم ثقة؟!.
وقد أخرجه الدارقطني ١/ ٣١٢ بالسند نفسه ثم قال:"ابن سمعان هو عبد الله بن زياد بن سمعان: متروك الحديث وروى هذا الحديث جماعة من الثقات عن العلاء بن عبد الرحمن منهم مالك بن أنس وابن جريج وروح بن القاسم وابن عيينة وابن عجلان والحسن بن الحر وأبو أويس وغيرهم على اختلاف منهم في الإسناد واتفاق منهم على المتن فلم يذكر أحد منهم في حديثه:" بسم الله الرحمن الرحيم "، واتفاقهم على خلاف ما رواه ابن سمعان أولى بالصواب ".
المثال السادس: وقال أيضًا:"حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، قال: أخبرنا الحسن بن علي بن زياد قال: حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء قال: حدثنا بقية عن الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة عن عبد الرحمن بن عائذ عن علي بن أبي طالب أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن السه وكاء العين فمن نام فليتوضأ ".قال أبو عبد الله: هذا حديث مروي من غير وجه لم يذكر فيه فمن نام فليتوضأ غير إبراهيم بن موسى الرازي وهو ثقة مأمون سمعت أبا الحسين محمد ابن أحمد بن تميم الحنظلي يقول: سمعت أبا إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي يقول: قلت لأحمد بن حنبل: كتبت عن إبراهيم بن موسى الصغير قال لا تقل الصغير وهو كبير هو كبير" (٣).
أقول: لم ينفرد إبراهيم فيها بل توبع عليها، إذ أخرج أحمد في مسنده ١/ ١١١ قال:"حدثنا على بن بحر قال: حدثنا بقية بن الوليد الحمصي قال: حدثني الوضين بن عطاء
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص ١٣٢.
(٢) التقريب (٣٣٢٦)، والتحرير ٢/ ٢١٠.
(٣) معرفة علوم الحديث ص ١٣٣،أقول: وكذا مثل به السيوطي في التدريب ١/ ٢٠٨.
[ ١٧٨ ]
عن محفوظ بن علقمة عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي عن علي بن أبي طالب عن النبي - ﷺ - قال:"إنّ السه وكاء العين فمن نام فليتوضأ "، وعلي بن بحر بن برّي البغدادي: ثقة فاضل (١).
المثال السابع: وقال:"حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد الخطيب بمرو قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء قال: حدثنا نصر بن حاجب قال: حدثنا مسلم بن خالد عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة قيل: يا رسول الله ولا ركعتي الفجر؟ قال: ولا ركعتي الفجر".قال أبو عبد الله: هذا حديث مخرج في الصحيح من حديث عمرو بن دينار بإسناده إلا الزيادة فيه فإنه يتفرد بها نصر بن حاجب عن مسلم بن خالد" (٢).
أقول: لا يصح هذا المثال: فقد توبع نصر بن حاجب المروزي برواية ابنه يحيى عند البيهقي ٢/ ٤٨٣،وابن عدي في الكامل ٧/ ٢٤٦ في ترجمة يحيى بن نصر.
ونصر بن حاجب المروزي القرشي الخراساني: قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: فيه ليس بالقوي (٣).
ويحيى-ابنه -:قال ابن عدي: أرجو أنه لابأس به، وقال العقيلي: منكر الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات (٤).
المثال الثامن: وقال:"سمعت أبا بكر بن إسحاق الإمام يقول: حدثني أبو علي الحافظ فسألت أبا علي فحدثني قال: حدثنا إسحاق بن أحمد بن إسحاق الرقي قال: حدثنا أبو يوسف محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي قال: حدثنا عيسى بن يونس قال: حدثنا ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -:"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها وشاهدي عدل فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها المهر وان اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له ".قال أبو عبد الله: هذا حديث محفوظ من حديث ابن جريج عن سليمان بن موسى الأشدق فأما ذكر
_________________
(١) التقريب (٤٦٩١) والتحرير ٣/ ٣٦.
(٢) معرفة علوم الحديث ص ١٣٣.
(٣) انظر ترجمته في الكامل ابن عدي ٧/ ٣٨ والضعفاء، العقيلي ٤/ ٣٠١، ولسان الميزان ٦/ ١٦٢.
(٤) انظر ترجمته في الكامل ٧/ ٣٨، والعقيلي ٤/ ٤٠٤، والثقات، ولسان الميزان ٦/ ١٦٢.
(٥) انظر ترجمته في الكامل ٧/ ٢٤٦، والعقيلي ٤/ ٤٣٣، والثقات، ابن حبان ٩/ ٢٥٤.
[ ١٧٩ ]
الشاهدين فيه فأنا لم نكتبه إلا عن أبي علي بهذا الإسناد " (١).
أقول: لقد توبع أبو علي برواية إسحاق بن أحمد بن إسحاق الرقي عن عيسى بن يونس تابعه أبو حامد محمد بن هارون الحضرمي قال: أخبرنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي قال: أخبرنا عيسى بن يونس أخرجه الدارقطني ٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦.
وقد توبع عيسى بن يونس أيضًا، تابعه: حفص بن غياث عن ابن جريج عند ابن حبان في صحيحه ٩/ ٣٨٦،ثم قال:"لم يقل أحد في خبر ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري هذا"شاهدي عدل"إلا ثلاثة أنفس سعيد بن يحيى الأموي عن حفص بن غياث وعبد الله بن عبد الوهاب الحجبي عن خالد بن الحارث وعبد الرحمن بن يونس الرقي عن عيسى بن يونس ولا يصح في ذكر الشاهدين غير هذا الخبر ".
أقول: فخرج عن كونه زيادة إلى مختلف الحديث.
المثال التاسع: وقال: " أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي بمرو قال: حدثنا محمد ابن عيسى الطرسوسي قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد عن سماك بن عطية عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال:"أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة فإنه قالها مرتين ".
قال أبو عبد الله: هذا حديث رواه الناس عن أيوب فلم يذكر الزيادة من تثنية قد قامت الصلاة غير سماك بن عطية البصري وهو ثقة" (٢).
أقول: لم ينفرد سماك بهذه الزيادة بل تابعه معمر بن راشد عند عبد الرزاق في المصنف ١/ ٤٦٤،وابن خزيمة في صحيحه ١/ ١٩٤،والبيهقي في الكبرى ١/ ٤١٣.
وقد عدها الحافظ ابن حجر زيادة إذ قال:"وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج في مسنده وكذا هو في مصنف عبد الرزاق وللإسماعيلي من هذا الوجه ويقول:"قد قامت الصلاة مرتين "، والأصل أن ما كان في الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه ولا دليل في رواية الإسماعيلي لأنه إنما يتحصل منها أن خالدًا كان لا يذكر الزيادة وكان أيوب يذكرها وكل منهما روى الحديث عن أبي قلابة عن أنس فكان في رواية
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص ١٣٢.
(٢) معرفة علوم الحديث ص ١٣٢، وكذا مثل به السيوطي في التدريب ١/ ٢٠٨.
[ ١٨٠ ]
أيوب زيادة من حافظ فتقبل والله أعلم " (١).
المثال العاشر: وقال:"أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الداربردي بمرو، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن حميد عن أنس قال:
" نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الثمر حتى يزهى قيل: وما زهوه؟ قال: يحمر أو يصفر أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟ ".قال أبو عبد الله: هذه الزيادة في هذا الحديث "أرأيت أن منع الله الثمرة"عجيبة فإن مالك بن أنس ينفرد بها، ولم يذكرها غيره، علمي في هذا الخبر.
وقد قال بعض أئمتنا: إنها من قول أنس فسمعت الشيخ أبا بكر بن إسحاق يقول: رأيت مالك بن أنس في المنام شيخًا أسمر طوالًا، فقلت: أحدثكم حميد الطويل عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قال: أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟ قال: نعم" (٢).
أقول: مالك بن أنس لم ينفرد بذكر هذه الزيادة فقد تابعه عليها عبد العزيز بن محمد الدراوردي عند مسلم في الصحيح ٣/ ١١٩٠ (١٥٥٥)، وسليمان بن بلال القرشي التيمي، عند أبي عوانة ١/ ٣٣٤ (٥٢٠٥)، ويحيى بن أيوب المقابري عند الطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢٤.
فهذه ليست زيادة وإنما هي من باب مختلف الحديث كما سلف، وسيأتي تفصيل القول فيها لاحقًا.
ثانيًا: مناقشة أمثلة الخطيب البغدادي:
المثال الأول: قال في الكفاية:"ومن الأحاديث التي تفرد بعض رواتها بزيادة فيها توجب زيادة حكم ما أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن محمد الأصبهاني الحافظ بنيسابور قال: أنبأنا أبو عمرو بن حمدان قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه، قال: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن أبي زائدة عن سعد بن طارق قال: حدثني ربعي بن حراش عن حذيفة قال: قال رسول الله - ﷺ -:" فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدًا وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء"،وذكر
_________________
(١) فتح الباري ٢/ ١٠٦.
(٢) معرفة علوم الحديث ص ١٣٢.
[ ١٨١ ]
خصلة أخرى قوله:"وجعلت تربتها لنا طهورًا ":زيادة لم يروها فيما أعلم - غير سعد بن
طارق عن ربعي بن حراش فكل الأحاديث لفظها وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا " (١).
أقول: هذا الحديث لا يصح التمثيل به، إذ تفرد أبو مالك الأشجعي بجملة الحديث عن شيخه: ربعي بن حراش، فلم يروه عنه إلا أبو مالك.
قال ابن حجر:"وهذا التمثيل ليس بمستقيم - أيضًا - لأن أبا مالك قد تفرد بجملة الحديث عن ربعي بن حراش - ﵁ - كما تفرد برواية جملة ربعي عن حذيفة - ﵁ - " (٢).
وقد رواه عن أبي مالك: محمد بن فضيل، أخرجه مسلم ١/ ٣٧١ (٥٢٢)،وابن خزيمة ١/ ١٣٣ (٢٦٤).
ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة: عند مسلم أيضا المساجد ١/ ٣٧١ (٥٢٢)،وأبو معاوية الضرير: عند أحمد ٥/ ٣٨٨.
وقد وقع الخطيب البغدادي في وهم كبير إذ قال في تأريخ بغداد ١٠/ ١٢١: "تفرد به أبو عوانة وأخرجه مسلم بن الحجاج في صحيحه ".
والإمام مسلم لم يخرجه من طريق أبي عوانة أصلًا، ولم يتفرد به أبو عوانة كما سلف! (٣).
المثال الثاني: وقال:" أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال: أنبأنا عثمان بن أحمد الدقاق قال: حدثنا الحسن بن مكرم بن حسان، قال: حدثنا عثمان بن عمر قال: حدثنا مالك بن مغول عن الوليد بن العيزار عن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله - ﷺ - أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة في أول وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين".قوله: في أول وقتها زيادة لا نعلم رواها في حديث ابن مسعود إلا عثمان بن عمر عن مالك بن مغول وكل الرواة قالوا عن مالك
_________________
(١) الكفاية ص ٤٢٨، ومثل به أيضا: الحافظ إبن كثير، مختصر علوم الحديث بشرحه الباعث الحثيث ص ٥٩، والنووي، تدريب الراوي ١/ ٢٠٦ والحافظ العراقي، فتح المغيث ١/ ٢٣٣،والسيوطي، تدريب الراوي ١/ ٢٠٧،والسخاوي، فتح المغيث١/ ٢٣٦، والصنعاني، توضيح الأفكار ٢/ ٢٣، والشيخ أحمد شاكر في الباعث ص ٥٩.
(٢) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٧٠٠.
(٣) قد نبه على ذلك أستاذنا الدكتور بشار في تحقيقه لتأريخ بغداد ١١/ ٣٣٩ (٥٢٠١).
[ ١٨٢ ]
الصلاة لوقتها، وأما فصل من فصل بين أن تكون الزيادة في الخبر من رواية راويه بغير
زيادة، وبين أن تكون من رواية غيره، فإنه لا وجه له، لأنه قد يسمع الحديث متكررًا تارة بزيادة وتارة بغير زيادة كما يسمعه على الوجهين من راويين وقد ينسى الزيادة تارة فيرويه بحذفها مع النسيان لها والشك فيها ويذكرها فيرويها مع الذكر واليقين وكما أنه لو روى الحديث ونسيه فقال: لا أذكر أني رويته! وقد حفظ عنه ثقة وجب قبوله برواية الثقة عنه، فكذلك هذا وكما لو روى حديثًا مثبتًا لحكم وحديثًا ناسخًا له وجب قبولهما، فكذلك حكم خبره إذا رواه تارة زائدًا وتارة ناقصًا وهذه جملة كافية" (١).
أقول: وقد توبع مالك بن مغول بروايته عن الوليد بن العيزار تابعه شعبة بن الحجاج عند الدارقطني ١/ ٢٤٦، والحاكم ١/ ٣٠٠، والبيهقي ١/ ٤٣٤.فلا يصح التمثيل به.
المثال الثالث: قال: عند موضوع تعارض الوصل الإرسال:
" مثال ذلك ما أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يوسف الصياد قال: حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد قال: حدثنا الحارث بن محمد التميمي قال: حدثنا الحسن بن قتيبة، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -:"لا نكاح إلا بولي". أخبرناه أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم قال: حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قال: حدثنا أحمد بن خالد الوهبي قال: حدثنا إسرائيل (ح)،وأخبرنا أبو سعيد أيضا وأبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عثمان الطرازي قالا: حدثنا أبو العباس الأصم قال: حدثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي قال: حدثنا طلق بن غنام قال: حدثنا إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -:" لا نكاح إلا بولي".
وقال طلق: حدثنا قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - مثله.
أخبرنا أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن عبد الله البزاني بأصبهان قال: أنبأنا عبد الله بن الحسن بن بندار المديني قال: حدثنا أسيد بن عاصم قال: حدثنا الحسين بن حفص
_________________
(١) الكفاية ص ٤٢٨ - ٤٢٩، وكذا مثل به: السيوطي، في التدريب ١/ ٢٠٨، وإبراهيم النعمة، مصطلح الحديث ص١١٠.
[ ١٨٣ ]
قال: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة قال: قال رسول الله - ﷺ -:"لا نكاح إلا بولي".
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدقاق قال: أخبرنا أحمد بن سلمان النجاد قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر غندر قال: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي - ﷺ - قال:"لا نكاح إلا بولي".
وكان: (يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وابنه إسرائيل، وقيس بن الربيع) يروون هذا الحديث عن أبي إسحاق مسندًا متصلًا وكان: (سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج) يرويانه عن أبي إسحاق مرسلًا .. أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب قال: أخبرنا محمد بن نعيم الضبي قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى يقول: سمعت محمد بن هارون المكي يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري وسئل عن حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه عن النبي - ﷺ - قال:" لا نكاح إلا بولي" فقال: الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة وان كان شعبة والثوري أرسلاه فإن ذلك لا يضر الحديث ".
أقول: يبدو من خلال هذا المثال اضطراب المتأخرين في فهم منهج المتقدمين بشكل واضح فالحديث ليس فيه زيادة ثقة.
إسرائيل لم ينفرد بوصله فقد تابعه جماعة من الأثبات كما ذكره كل من تحدث عن هذا الحديث حتى الخطيب نفسه، فالذين وصلوه، هم:"أبو عوانة، وزهير بن معاوية، وشريك النخعي، وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق " (١) والذين أرسلوه"شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري".
فهذا من قبيل مختلف الحديث لذا قال الترمذي:"وحديث أبي موسى حديث فيه اختلاف: رواه إسرائيل وشريك بن عبد الله وأبو عوانة وزهير بن معاوية وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ -،وروى أسباط بن محمد وزيد بن حباب عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ -،وروى أبو عبيدة الحداد عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - نحوه ولم يذكر فيه عن أبي إسحاق وقد روى عن يونس بن أبي
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٠٦.
[ ١٨٤ ]
إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - أيضًا، وروى شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي - ﷺ -:"لا نكاح إلا بولي" وقد ذكر بعض أصحاب سفيان عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى ولا يصح.
ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - لا نكاح إلا بولي عندي أصح لأن سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث فإن رواية هؤلاء عندي أشبه لأن شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد ومما يدل على ذلك ما حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا أبو داود قال: أنبأنا شعبة قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق أسمعت أبا بردة يقول: قال رسول الله - ﷺ -:"لا نكاح إلا بولي"؟ فقال: نعم، فدل هذا الحديث على أن سماع شعبة والثوري عن مكحول هذا الحديث في وقت واحد، وإسرائيل هو ثقة ثبت في أبي إسحاق سمعت محمد بن المثنى يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول ما فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق الذي فاتني إلا لما اتكلت به على إسرائيل لأنه كان يأتي به أتم" (١).
ثم أقول: زيادة الثقة: هو أن يزيد ثقة واحد على غيره " جماعة ".
أما هذا الحديث فقد زاد جماعة على اثنين فهل يسمى هذا زيادة ثقة؟ - بمفهوم المتأخرين - حتى نستدل به على صحة القول؟
ثالثًا: مناقشة أمثلة الحافظ ابن الصلاح:
المثال الأول: مثل أولًا بحديث:"تربتها طهورًا " (٢)،ومر بيان ذلك في أمثلة الخطيب.
المثال الثاني: قال:"مثاله ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر - ﵁ -:" أن رسول الله - ﷺ - فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين "،فذكر
أبو عيسى الترمذي أن مالكًا تفرد من بين الثقات بزيادة قوله من المسلمين وروى عبيد الله بن عمر وأيوب وغيرهما هذا الحديث عن نافع عن بن عمر دون هذه الزيادة فأخذ بها
_________________
(١) جامع الترمذي حديث (١١٠١).
(٢) مقدمة ابن الصلاح ص ٨٨.
[ ١٨٥ ]
غير واحد من الأئمة واحتجوا بها منهم الشافعي وأحمد ﵃ والله أعلم" (١).
أقول: لم يتفرد الإمام مالك بهذه الزيادة أصلًا فقد تابعه جمع من الثقات، وهم:
١ - عمر بن نافع مولى ابن عمر: أخرجه البخاري في الصحيح (١٥٠٣)،والنسائي ٥/ ٤٨، وفي الكبرى ٢/ ٢٥ برقم (٢٢٨٧)،وابن حبان ٨/ ٩٦،والدارقطني ٢/ ١٣٩،والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٦٢.
٢ - الضحاك بن عثمان: أخرجه مسلم في ٢/ ٦٧٨ (٩٨٤)،وابن خزيمة في الصحيح ٤/ ٨٣، وابن حبان في صحيحه ٨/ ٩٥،والدارقطني ٢/ ١٣٩،والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٦٢.
٣ - عبد الله بن عمر العمري: أبو داود (١٦١٢)،والدارقطني ٢/ ١٤٠ و١٤٤،والحاكم في المستدرك ١/ ٥٦٩.
٤ - عبيد الله بن عمر العمري: أخرجه أبو داود (١٦١٢)،وأحمد ٢/ ٦٦ و١٣٧،والدارقطني ٢/ ١٣٩، والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٦٦.
٥ - أيوب السختياني: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٣٩.
٦ - يونس بن يزيد: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٣٩.
٧ - كثير بن فرقد: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٤٠،والبيهقي ٤/ ١٦٢.
٨ - عبد الله بن عمر ومالك-كلاهما-أخرجه ابن الجارود، في المنتقى ٢/ ٩٧،والبيهقي في الكبرى ٤/ ١٦٣.
٩ - ابن أبي ليلى: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٤٠.
١٠ - المعلى بن إسماعيل: أخرجه الدارقطني ٢/ ١٤٠.
فهؤلاء جميعًا تابعوا مالكًا في حديثه، بل الصواب أنّ مالكًا قد تابعهم كما صنع البخاري إذ قدم رواية عبيد الله بن نافع على رواية مالك بن أنس.
وحري بي أن أنبه إلى أنّ الحافظ ابن رجب الحنبلي وهو من الذين يشترطون القرائن لقبول الزيادة -كما سيأتي- لما رد على من يزعم أن الإمام أحمد بن حنبل يقبل الزيادة مطلقًا، لم يتكلم على خطأ المثال أصلًا، وإنما إكتفى بنفي ذلك، أو بتأويله، فأردت إتمام الفائة ههنا، فمثلًا:
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ٨٨.
[ ١٨٦ ]
١ - قال في شرحه لعلل الترمذي ٢/ ٦٣٢ - ٦٣٣:"وقال أحمد أيضًا: في حديث ابن فضيل عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي عطية عن عائشة - ﵁ - في تلبية النبي - ﷺ - وذكر فيها:"والملك لا شريك لك ".قال أحمد: وهم ابن فضيل في هذه الزيادة، ولا تعرف هذه عن عائشة إنما تعرف عن ابن عمر".أقول: ذكر ابن رجب هذا المثال في معرض الاستدلال على أنّ الإمام أحمد لا يقبل الزيادة؟
أقول: هذا المثال ليس من قبيل زيادة الثقة لأنّ محمد بن فضيل لم يتفرد به بل قد توبع، تابعه ابن نمير وغيرهُ كما قال ابن رجب نفسه نقلًا عن الخلال:"إنّ هذه الزيادة رواها ابن نمير وغيره أيضًا عن الأعمش" (١).
وقال الزيلعي:" ليس ما ذكره من التلبية منقولًا باتفاق الرواة فقد روى حديث التلبية عائشة وعبد الله بن مسعود وليس فيه:"والملك لك لا شريك لك" (٢).
٢ - أورد ابن رجب حديث الإستسعاء في معرض كلامه عن منهج الإمام أحمد في زيادة الثقة فنقل عنه القول: " حديث أبي هريرة في الاستسعاء يرويه ابن أبي عروبة، أما شعبة وهمام فلم يذكراه ولا أذهب إلى الإستسعاء " (٣).
قال ابن رجب:"فالذي يدل عليه كلام أحمد في هذا الباب: أنّ زيادة الثقة للفظة في حديث من بين الثقات إن لم يكن مبرزًا في الحفظ والتثبت على غيره ممن لم يذكر الزيادة ولم يتابع عليها فلا يقبل تفرده، وإن كان ثقة مبرزًا في الحفظ على من لم يذكرها ففيه عنه روايتان " (٤).
أقول: النص الذي ذكره عن الإمام أحمد لا يفهم منه ما قاله ابن رجب، فالإمام أحمد إنما أعل حديث سعيد بن أبي عروبة فحسب!.
وأما الحديث فقد روي: عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: " من أعتق شقيصًا من مملوكه فعليه خلاصه في ماله فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل ثم استسعى غير مشقوق عليه " (٥).
رواه عن قتادة (سعيد بن أبي عروبة وجرير بن حازم، وحجاج بن حجاج،
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٣.
(٢) نصب الراية ٣/ ٢٣.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٤.
(٤) مصدر سابق.
(٥) هذا لفظ البخاري.
[ ١٨٧ ]
وأبان بن موسى بن خلف).
فرواية سعيد بن أبي عروبة - بذكر الزيادة -أخرجها البخاري في صحيحه (٥٤٩٢ و٢٥٢٧) وكذا مسلم في الإيمان ١/ ١٢٨٧ - ١٢٨٨ (١٥٠٣)، وأبو داود (٣٩٣٨)، والترمذي (١٣٤٨).
وأخرجه البخاري من طريق جرير بن حازم (٢٥٠٤ و٢٥٢٦). وقال عقب حديث سعيد: " تابعه حجاج بن حجاج، وأبان بن موسى بن خلف عن قتادة اختصره شعبة " (١).
وجاء الحديث بدون الزيادة: أخرجه أبو داود (٣٩٣٩) من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به، وفي (٣٩٣٤) من طريق همام عنه به.
وأخرجه مسلم: الإيمان ٣/ ١٢٨٧ (١٥٠٢و١٥٠٣)،وأبو داود (٣٩٣٥) من طريق شعبة عن قتادة به.
وأخرجه أبو داود (٣٩٣٦) من طريق هشام بن عبد الله عن قتادة به.
وأخرجه الترمذي (١٣٤٨) من طريق أبان العطاردي عن قتادة به، وقال: حسن صحيح، وفي (٢٠٨١٥) من طريق همام -مرسلًا-.
وأخرجه أحمد ٢/ ٧٤ و٧٥ من طريق سعيد عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه -مرسلًا-.
أقول: لا يصح هذا المثال من وجهين:
الأول: أن سعيد بن أبي عروبة لم ينفرد به بل تابعه جمهرة من العلماء الثقات.
كما قاله البخاري في صحيحه (٢٥٢٧)، فلا يصح المثال أن يمثل به في هذا الموضع.
الثاني: لأن الحديثين أحدهما مستقل عن الآخر:
الأول: يقول بالاستسعاء.
والآخر: يقول بخلافه وهو:"حديث همام وشعبة "،ونصه:
عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -:"قال في المملوك بين الرجلين فيعتق أحدهما قال يضمن ".فهذا من مختلف الحديث وليس من باب الزيادة.
_________________
(١) البخاري (٢٥٢٧).
[ ١٨٨ ]
٣ - مثال آخر: أورد الحافظ ابن رجب حديث:" ابن عمر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: " من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه "، في معرض كلامه عن منهج الإمام أحمد في قبول زيادة الثقة (١).
وأقول: أخرج أحمد ٢/ ١٥،وأبو داود (٣٢٦١)،و(٣٢٦٢)، والترمذي (١٥٣١)، والنسائي ٧/ ١٢ وابن ماجة (٢١٠٦) من طرق عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: " من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه".
قال الترمذي عقبه: "وفي الباب عن أبي هريرة قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن وقد رواه عبيد الله بن عمر وغيره عن نافع عن ابن عمر موقوفًا وهكذا روي عن سالم عن ابن عمر ﵄ موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه غير أيوب السختياني، وقال إسماعيل بن إبراهيم: وكان أيوب أحيانًا يرفعه وأحيانًا لا يرفعه، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، أن الاستثناء إذا كان موصولًا باليمين فلا حنث عليه، وهو قول سفيان الثوري والأوزاعي ومالك بن أنس وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق ".
أقول:
أولًا: قول الإمام الترمذي"حسن"، يعني أن الحديث معلولًا عنده - كما سيأتي -.
ثانيًا: لم ينفرد به أيوب السختياني بل تابعه: كثير بن فرقد أخرجه النسائي ٧/ ٢٥،والحاكم ٤/ ٣٣٦، وأيوب بن موسى أخرجه ابن حبان ١٠/ ١٨٢ (٤٣٤٠)، وعبيد الله بن عمر العمري أخرجه الأصبهاني ٢/ ١٤٠، وحسان بن عطية أخرجه الخطيب، في تأريخه ٥/ ٨٨.
وأما عن شك أيوب السختياني في رفعه: فقال البيهقي:"أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه قال: حدثنا أبو محمد بن حيان قال: حدثنا عبدان قال: حدثنا أبو بكر بن خلاد قال: قال حماد بن زيد: كان أيوب يرفع هذا الحديث ثم تركه، قال الشيخ: لعله إنما تركه لشك اعتراه في رفعه" (٢).
_________________
(١) شرح العلل ٢/ ٦٣٥.
(٢) في السنن الكبرى ١٠/ ٤٦، وانظر تلخيص الحبير، ابن حجر ٤/ ١٦٧، وتعليق استاذنا المشرف على الترمذي (١٥٣١).
[ ١٨٩ ]
١ - ابن حبان البستي
المطلب الثاني: الرد مطلقًا: (وفق مفهوم أهل المصطلح).
وهو مذهب أبي بكر الأبهري (١)،وعلل ذلك بقوله:
" لان ترك الحفاظ لنقلها، وذهابهم عن معرفتها يوهنها، ويضعف أمرها ويكون معارضًا لها، وليست كالحديث المستقل إذ غير ممتنع في العادة سماع واحد فقط للحديث من الراوي وانفراده به، ويمتنع فيها سماع الجماعة لحديث واحد، وذهاب زيادة فيه عليهم ونسيانها إلا الواحد" (٢).
وهذا الكلام غاية في الجودة، وهو فهم صائب لمنهج المتقدمين.
المطلب الثالث: القبول وفق القرائن:
قبل بعض العلماء من المتأخرين زيادة الثقة وفق قرائن معينة، يضعها الواحد منهم من خلال فهمه الشخصي للأسباب التي قبل بها المتقدمون زيادة الثقة، وهذه القرائن تختلف من واحد إلى آخر، وهذا الاختلاف يدلنا على كون المسألة لم تأخذ نصيبها الوافر من الاستقراء.
وتختلف تلك القرائن باختلاف أصل تعريف زيادة الثقة، وسيتضح الأمر أكثر من خلال عرض أقوال الأئمة الآتية:
١ - ابن حبان البستي ت (٣٥٤) إذ قال:"وأما قبول الرفع في الأخبار: فإنا نقبل ذلك عن كل شيخ اجتمع فيه الخصال الخمس التي ذكرتها فإن أرسل عدل خبرًا وأسنده عدل آخر قبلنا خبر من أسند لأنه أتى بزيادة حفظها ما لم يحفظ غيره ممن هو مثله في الإتقان فإن أرسله عدلان وأسنده عدلان قبلت رواية العدلين اللذين أسنداه على الشرط الأول وهكذا الحكم فيه كثر العدد فيه أو قل فإن أرسله خمسة من العدول وأسنده عدلان نظرت حينئذ إلى من فوقه بالاعتبار وحكمت لمن يجب كأنا جئنا إلى خبر رواة نافع عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - اتفق مالك وعبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد وعبد الله بن عون وأيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر ورفعوه وأرسله أيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية
_________________
(١) الإمام، العلامة المحدث ابو بكر، محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح التميمي، الابهري المالكي، نزيل بغداد فقيه ومحدث وأصولي، ثقة، مأمون، زاهد، ورع توفي ٣٧٥هحري. انظر ترجمته في الإرشاد، الخليلي ٢/ ٧٧٣. وفي سير أعلام النبلاء، الذهبي ١٦/ ٣٣٢، رقم (٢٤١).
(٢) نقلا عن السخاوي، فتح المغيث ١/ ٢٣٥.
[ ١٩٠ ]
٢ - الإمام الدارقطني
وهؤلاء كلهم ثقات. أو أسند هذان وأرسل أولئك اعتبرت فوق نافع هل روى هذا الخبر عن ابن عمر أحد من الثقات غير نافع مرفوعًا أو من فوقه على حسب ما وصفنا فإذا وجد قبلنا خبر من أتى بالزيادة في روايته على حسب ما وصفنا وفي الجملة يجب أن يعتبر العدالة في نقلة الأخبار فإذا صحت العدالة في واحد منهم قبل منه ما روى من المسند وإن أوقفه غيره والمرفوع وإن أرسله غيره من الثقات إذ العدالة لا توجب غيره فيكون الإرسال والرفع عن ثقتين مقبولين والمسند والموقوف عن عدلين يقبلان على الشرط الذي وصفناه وأما زيادة الألفاظ في الروايات فإنا لا نقبل شيئًا منها إلا عن من كان الغالب عليه الفقه حتى يعلم أنه كان يروي الشيء ويعلمه حتى لا يشك فيه أنه أزاله عن سننه أو
غيره عن معناه أم لا، لأن أصحاب الحديث الغالب عليهم حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون والفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى دون حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين فإذا رفع محدث خبرًا وكان الغالب عليه الفقه لم أقبل رفعه إلا من كتابه لأنه لا يعلم المسند من المرسل ولا الموقوف من المنقطع وإنما همته إحكام المتن فقط وكذلك لا أقبل عن صاحب حديث حافظ متقن أتى بزيادة لفظة في الخبر لأن الغالب عليه إحكام الإسناد وحفظ الأسامي والإغضاء عن المتون وما فيها من الألفاظ إلا من كتابه هذا هو الاحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ " (١).
فهذا نص منه على مراعاة التكافؤ في قبول الزيادات، وشرط في الزيادة المقبولة عنده، فقال:"فإن أرسله عدلان وأسنده عدلان قبلت رواية العدلين اللذين أسنداه على الشرط الأول وهكذا الحكم فيه كثر العدد فيه أو قل ".
وفي حالة التعارض تراعى القرائن، وهو معنى قوله:"فإن أرسله خمسة من العدول وأسنده عدلان نظرت حينئذ إلى من فوقه بالاعتبار وحكمت لمن يجب "،ثم مثل له.
٢ - الإمام الدارقطني (٣٨٥): قال الحافظ ابن حجر:"وفي سؤالات السهمي للدارقطني: سئل عن الحديث إذا اختلف فيه الثقات؟ قال: ينظر ما اجتمع عليه ثقتان فيحكم بصحته، أو ما جاء بلفظ زائد فتقبل تلك الزيادة من متقن، ويحكم لأكثرهم حفظًا وثبتًا على من دونه" (٢).
_________________
(١) صحيح ابن حبان ١/ ١٥٧ - ١٥٩.
(٢) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٨٩.
[ ١٩١ ]
٣ - ابن دقيق العيد
٤ - الحافظ العلائي
ولم أقف على هذا النص في الموضع الذي أشار إليه ابن حجر (١).
وهنا أخذ باعتبار أمرين:-
الأول: يشترط المتابعة لأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد.
الثاني: ويشترط مع العدد الحفظ والإتقان.
قال الحافظ ابن حجر:" وقد استعمل الدارقطني ذلك في العلل والسنن كثيرًا " (٢).
أقول: ويفهم من كلام الدارقطني هذا، ومن صنيعه في العلل، أنه يأخذ بزيادة الثقة، وفق قرائن المتقدمين، وسيأتي بيان ذلك في فصل الدراسة التطبيقية.
٣ - ابن دقيق العيد ت (٧٠٢) قال:"من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارض رواية مرسل ومسند، أو رافع وواقف، أو ناقص وزائد أن الحكم للزائد فلم يصب، في هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانونًا مطردًا، وبمراجعة أحكامهم الجزئية يعرف صواب ما نقول" (٣).
٤ - الحافظ العلائي ت (٧٦١) قال:"أئمة الحديث المتقدمون منهم: كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ومن بعدهم كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وهذه الطبقة، وكذلك من بعدهم: كالبخاري، وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين، ومسلم، والنسائي، والترمذي وأمثالهم، ثم الدارقطني، والخليلي، كل هؤلاء يقتضي تصرفهم من الزيادة قبولًا وردًا الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند الواحد منهم في كل حديث، ولا يحكمون في المسألة بحكم كلي يعم جميع الأحاديث وهذا هو الحق والصواب " (٤).
وقال: " إنّ الجماعة إذا اختلفوا في إسناد حديث كان القول فيهم للأكثر عددًا أو للأحفظ والأتقن ،فإن تفارقوا واستوى العدد فإلى قول الأحفظ والأكثر اتقانًا، وهذه
_________________
(١) لم أقف على موضع النص في سؤالات حمزة السهمي، ولا السلمي، ولا الحاكم، ولا أبي طاهر السلفي، (المطبوع منها) ولعله وقف على ما لم أقف عليه، والله أعلم.
(٢) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٨٩.
(٣) نقله الحافظ في النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٠٤،وانظر توضيح الأفكار ١/ ٣٤٤.
(٤) نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذو اليدين من الفوائد ص ٣٧٦ - ٣٧٧،وانظر النكت على ابن الصلاح، ابن حجر ٢/ ٦٠٤.
[ ١٩٢ ]
الحافظ الذهبي
قاعدة متفق على العمل بها عند أهل الحديث " (١).
٥ - قال الحافظ الذهبي ت (٧٤٨) قال في الموقظة:"وإن كان الحديث قد رواه الثّبت بإسناد، أو وقفه، أو أرسله، ورفقاؤه الأثبات يخالفونه، فالعبرة بما اجتمع عليه الثقات، فإنّ الواحد قد يغلط. وهنا قد ترجّح ظهور غلطه فلا تعليل، والعبرة بالجماعة.
وإن تساوى العدد، واختلف الحافظان، ولم يترجح الحكم لأحدهما على الآخر، فهذا الضرب يسوق البخاري ومسلم الوجهين منه في كتابيهما " (٢).
٦ - ابن رجب الحنبلي ت (٧٩٥):
للحافظ ابن رجب الحنبلي منهجية خاصة في قبول زيادة الثقة، فهو لا يقبلها مطلقًا ولا يردها مطلقًا بل بحسب القرائن - كما يراها هو - وقد اعترض على المتقدمين كالحاكم والخطيب وابن الصلاح مجموعة اعتراضات " يبدو في هذه الاعتراضات مصنفًا بارعًا ومحققًا ناقدًا، ولم أجد من تعرض لهذه الأمور كما تعرض لها ابن رجب" (٣).والذي يبدو واضحًا من سياق كلام ابن رجب أنه يرجح المذهب القائل: لا تقبل الزيادة إلاّ من الثقة المبرز في الحفظ، وهذا القول أنصف بكثير ممن قبلها مطلقًا، ثم ينسب ذلك إلى الأئمة المتقدمين!.
ولم يصرح ابن رجب برأيه بوضوح في هذه القضية، بل نلمسه عمليًا من خلال مناقشته للأقوال المنسوبة إلى المتقدمين القائلة بالقبول لزيادة الثقة على إطلاقها، إذ نفى ذلك
عن الأئمة: أبي حنيفة (٤) وأحمد (٥) والبخاري (٦) وغيرهم، وناقش الخطيب والحاكم وفند دعواهم في إطلاق القبول (٧).
وحتى في الأمثلة التي ذُكرت عن المتقدمين كونهم قبلوا الزيادة قال:"إن مرادهم:
_________________
(١) نظم الفرائد ص ٣٦٧.
(٢) ص ٥٢،تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة.
(٣) د. همام عبد الرحيم سعيد، شرح علل الترمذي ١/ ٢١١.
(٤) انظر شرح العلل ٢/ ٦٣٧.
(٥) انظر شرح العلل ٢/ ٦٣٥ و٦٣٧.
(٦) انظر شرح العلل ٢/ ٦٣٨.
(٧) انظر شرح العلل ٢/ ٦٣٨ - ٦٣٩.
[ ١٩٣ ]
٧ - ابن الوزير
زيادة الثقة في مثل تلك المواضع الخاصة، وهي إذا كان الثقة مبرزًا في الحفظ" (١).
فالأصل عنده: أن الزيادة مردودة ولو كانت من ثقة حافظ، إلاّ في بعض المواضع الخاصة التي قد يرى العالم المبرز بعلمه من خلال القرائن أن الزيادة هنا تصح، فهي -عنده - أمر اعتباري يختلف من راوٍ إلى آخر.
٧ - ابن الوزير ت (٨٤٠) قال:" فإن غلب على الظن وهم الثقة في الرفع والوصل بمخالفة الأكثرين من الحفاظ الذين سمعوا الحديث معه من شيخه في موقف واحد، ونحو ذلك من القرائن فإن الرفع والوصل حينئذٍ مرجوحان، والحكم بهما حكم بالمرجوح، وهو خلاف المعقول والمنقول، أما المعقول فظاهر، وأما المنقول فلأن جماعة من الصحابة وقفوا عن قبول خبر الواحد عند الريبة، وشاع ذلك، ولم ينكر كما فعله عمر في حديث فاطمة بنت قيس في أنه:" لا نفقة ولا سكنى للمطلقة المبتوتة " (٢)، وحديث أبي موسى في الأمر بالاستئذان .بل كما فعله رسول الله - ﷺ - عند ما أخبره ذو اليدين أنه قصر صلاته، فإنه أنكر ذلك لأجل سكوت الجماعة واختصاص ذي اليدين بالخبر، ولهذا قال - ﷺ -: أحق ما يقول ذو اليدين؟.وأما إذا رواه ثقتان على سواء أو قريب من السواء فالحكم لمن زاد كذلك إذا كان أحدهما مثبتًا، وآخر نافيًا مع تساويهما أو تقاربهما فالحكم للمثبت، وبين ذلك مراتب في القوة والضعف لا يمكن حصرها، بل ينظر الناظر في كل ما وقع فيه هذا التعارض، ويعمل بحسب قوة ظنه " (٣).
فالقرائن التي قررها ابن الوزير: (أ) عدم مخالفة الأكثر أو الأحفظ. (ب) إذا زاد ثقتان على السواء أو قريب من السواء فالحكم لمن زاد، أي شرط التكافؤ.
(ج) إذا تعارض ثقتان فكان أحدهما مثبتًا والآخر نافيًا مع تساويهما أو تقاربهما فالحكم للمثبت. (د) يجب مراعاة القرائن الأخرى، ولكل حديث قرائن خاصة به استقلالًا.
_________________
(١) شرح العلل ٢/ ٦٣٨.
(٢) قال الصنعاني: "وحققنا أن حديث فاطمة لا يرد بما قاله عمر، بل هو معمول به، كما أوضحناه في سبل السلام، وحواشي ضوء النهار " توضيح الأفكار ١/ ٣٤٤،.
(٣) تنقيح الأنظار بشرحه توضيح الأفكار، الصنعاني ١/ ٣٤٤ - ٣٤٦.
[ ١٩٤ ]
٨ - الحافظ ابن حجر العسقلاني (٨٥٢):
قال بعد عرض كلام الأئمة المتقدمين:"فحاصل كلام هؤلاء الأئمة أن الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظًا، متقنًا، حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر عددًا منه، أو كان فيهم من هو أحفظ منه، أو كان غير حافظ، ولو كان في
الأصل صدوقًا فإن زيادته لا تقبل، وهذا مغاير لقول من قال: زيادة الثقة مقبولة وأطلق، والله أعلم.
واحتج من قبل الزيادة من الثقة مطلقًا بأن الراوي إذا كان ثقة وانفرد بالحديث من أصله كان مقبولًا، فكذلك انفراده بالزيادة، وهو احتجاج مردود، لأنه ليس كل حديث تفرد به أي ثقة كان .. يكون مقبولًا، كما سبق بيانه في نوع الشاذ. ثم إنّ الفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة ظاهر، لأن تفرده بالحديث لا يلزم منه تطرق السهو والغفلة إلى غيره من الثقات، إذ لا مخالفة في روايته لهم، بخلاف تفرده بالزيادة إذا لم يروها من هو أتقن منه حفظًا وأكثر عددًا، فالظن غالب بترجيح روايتهم على روايته، ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن" (١).
وقال: " إنما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه، كمالك عن نافع عن ابن عمر - ﵁ - إذا روى الحديث جماعة من الحفاظ الأثبات العارفين بحديث ذلك الشيخ، وانفرد دونهم بعض رواته بزيادة، فإنها لو كانت محفوظة لما غفل الجمهور من رواتها عنه، فتفرد واحد عنه بها دونهم مع توافر دواعيهم على الأخذ عنه، وجمع حديثه يقتضي ريبة توجب التوقف عنها " (٢).
وقال معقبًا على الخطيب وابن الصلاح في إطلاق قبول الزيادة:"وهنا شيء يتعين التنبيه عليه وهو: أنهم شرطوا في الصحيح أن لا يكون شاذًا، وفسروا الشاذ بأنه ما رواه الثقة فخالفه من هو أضبط منه أو أكثر عددًا ثم قالوا: تقبل الزيادة من الثقة مطلقًا. وبنوا على ذلك أن من وصل معه زيادة فينبغي تقديم خبره على من أرسل مطلقًا.
فلو اتفق أن يكون من أرسل أكثر عددًا أو أضبط حفظًا أو كتابًا على من وصل أيقبلونه أم لا؟ أم هل يسمونه شاذًا أم لا؟ لابد من الإتيان بالفرق أو الاعتراف
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩٠ - ٦٩١.
(٢) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩٢.
[ ١٩٥ ]
بالتناقض ". (١)
وقال أيضًا:"واشتهر عن جمع العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريقة المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذًا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه والعجب ممن أغفل ذلك منهم ". (٢)
ومن هذا الكلام يتبين أن من شرط القبول وفق القرائن سار على منهج المتقدمين، بخلاف وقد أبعد النجعة كل من ردها مطلقًا، أو قبلها مطلقًا، وقد أوجز الإمامين المحقيقين الذهبي وابن حجر قرائن المتقدمين، فشرطا:
١ - التكافؤ في العدد.
٢ - الحفظ والإتقان.
٣ - عدم المنافاة.
٤ - ثم بيّنا أن زيادة الواحد المنفرد على أقرانه في الشيخ نفسه، ولو كان ثقة فهو من قبيل الخطأ، إذ:"لو كانت محفوظة لما غفل الجمهور من روايتها عنه، فتفرد واحد عنه بها دونهم مع توافر دواعيهم على الأخذ عنه، وجمع حديثه يقتضي ريبة توجب التوقف عنها ".وهذه الصورة هي ما يسميها أهل المصطلح:"زيادة الثقة".
وبين الذهبي أنّ الإمامين البخاري ومسلم إنما قبلا الزيادة إذا تحققت فيها هذه القرائن التي ذكراها -كما مر -.
وأضاف ابن حجر في نزهة النظر:"وزيادة راويهما أي الصحيح والحسن مقبولة ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة لأن الزيادة إما أن تكون لا تنافي بينها، وبين رواته ممن لم يذكرها فهذه تقبل مطلقًا لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره.
وأما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها فيقبل الراجح ويرد المرجوح.
واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل، ولا يتأتى
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦١٢.
(٢) مصدر سابق.
[ ١٩٦ ]
ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذًا ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه.
والعجب ممن غفل ذلك منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح وكذا الحسن. والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني والبخاري وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني وغيرهم - اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحدٍ منهم إطلاق قبول الزيادة" (١).
فالقرائن التي ذكرها العلماء هنا تشترك بـ:
١ - عدم المخالفة، وفسروا المخالفة بتفرد الثقة عن الثقات في الشيخ نفسه، بزيادة لفظة في المتن، أو رجل في الإسناد.
٢ - التكافؤ في الضبط، والعدد.
وأهل هذا المذهب حينما اشترطوا هذه القرائن لم يعنوا بها زيادة الثقة بمفهوم عامة أهل المصطلح والتي هي: تفرد الثقة عن جماعة الثقات في الشيخ نفسه. وإنما عنوا بها زيادة الثقة على مفهوم المتقدمين.
المطلب الرابع: قرائن قبول زيادة الثقة عند المتأخرين:
سبق أن قدمنا عند عرض مذاهب المتأخرين شروطًا ذكرها علماء المصطلح من المتأخرين، حاولوا من خلالها الجمع بين أقوال الأئمة فقهاء ومحدثين، وسنجمل تلك القرائن التي شرطوها لقبول الزيادة.
١ - قرينة الحفظ والضبط:
تقبل الزيادة إذا كان راويها أحفظ وأضبط ممن قصر عنها، سواء تكافأ العدد أم لا (٢) وذهب قسم منهم إلى اشتراط التكافؤ في العدد، أمّا إذا زاد فالقول قول الأكثر إذا كانوا حفاظًا أثباتًا.
٢ - قرينة العدد:
إذا تعارض وصل مع إرسال أو وقف مع رفع فالمرجح هو العدد وهذا ما يعبر عنه
_________________
(١) نزهة النظر ص ٤٨ - ٤٩.
(٢) انظر الأحكام ابن حزم ٢/ ٩٠، وتدريب الراوي، السيوطي ١/ ١٨٤.
[ ١٩٧ ]
ابن حجر: "والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد " (١) شريطة الحفظ والضبط.
وذهب قسم منهم إلى ترجيح الوصل والرفع مطلقًا وإليه ذهب النووي وغيره كما مر.
٣ - قرينة اتحاد المجلس:
إذا اختلف في حديث بزيادة في المتن أو السند يلاحظ مجلس التحديث فإن كان واحدًا ردت الزيادة لقرينة العدد والضبط، وإن كان متعددًا قبلت لاحتمال رواية الحديث مرتين على الوجهين. وممن قال به ابن نصر الصباغ كما نقله عنه الحافظ ابن حجر (٢).
٤ - قرينة الرواة:
فإذا زاد الثقة على أقرانه الثقات في حديث ما فإن سكت الباقون قبلت منه وإلاّ فإنها ترد، وإليه ذهب إمام الحرمين في البرهان (٣).
فإذا رواه الثقة على الوجهين مرة بالزيادة ومرة دونها لم تقبل منه، واشترط بعضهم أن يصرح كونه سمعها على الوجهين حتى تقبل.
٥ - وذهب بعضهم إلى قبولها إذا كانت الزيادة ممن لم يروها ناقصة (٤).
٦ - وذهب بعضهم إلى قبولها إذا لم يكن راويها مشتهرًا برواية الزيادة في الوقائع (٥).
٧ - وذهب بعضهم إلى قبولها إذا لم تشتمل على حكم شرعي، ويفصل فيما إذا اشملته (٦).
٨ - وذهب بعضهم إلى قبولها إذا لم تغير الإعراب (٧).
فهذه بعض القرائن التي اشترطها المتأخرون في قبول زيادة الراوي إذا كان ثقة (٨)،
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٨٨.
(٢) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩٣.
(٣) البرهان ١/ ٦٦٤ - ٦٦٥، وانظر النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦١٣.
(٤) انظر النكت ٢/ ٦٩٣ - ٦٩٤، وتوضيح الأفكار، الصنعاني ٢/ ٢٠.
(٥) النكت ٢/ ٦٩٤.
(٦) مصدر سابق.
(٧) مصدر سابق.
(٨) وللمزيد انظر الحديث المرسل بين القبول والرد، حصة بنت عبد العزيز الصغير ٢/ ٦٤٠ فما بعد.
[ ١٩٨ ]
وهي في عمومها قد تشكل قرائن عند المتقدمين، ولما لم يصرحوا بها فإنها تبقى محاولة ظنية لفهم منهج المتقدمين، وإن كنّا قد بينّا أن المتقدمين يطلقون زيادة الثقة على مفهوم هو خلاف ما يطلقه جمهور المتأخرين من أهل المصطلح.
وهذه القرائن قد لا تجد لها واقعًا ملموسًا حقيقيًا إلاّ على مسودات الأوراق، أمّا في القبول والتطبيق العملي فإن المتأخرين أسرفوا في قبول الأحاديث والزيادات تحت قاعدة: " زيادة الثقة مقبولة ".
وكم من أحاديث شاذة ومعللة، عللها المتقدمون، ثم خطأهم بعض المتأخرين وقبلوا تلك الأحاديث تحت هذا المسمى (١).
ثم أين هذه القرائن في قول الإمام النووي:" الرابع: إذا روى بعض الثقات الضابطين الحديث مرسلًا، وبعضهم متصلًا أو بعضهم موقوفًا، وبعضهم مرفوعًا، أو وصله هو أو رفعه سواء كان المخالف له مثله أو أكثر، لأن ذلك زيادة ثقة وهي مقبولة " (٢).؟
المطلب الخامس: التوقف في قبول الزيادة، أو ردها.
ومن أبرز هؤلاء الحافظ ابن كثير الدمشقي (٣) فإنه اكتفى بإيراد الأقوال، فقال:"إذا تفرد الراوي بزيادة في الحديث عن بقية الرواة عن شيخ لهم وهذا الذي يعبر عنه بزيادة الثقة فهل هي مقبولة أو لا؟ فيه خلاف مشهور فحكى الخطيب عن أكثر الفقهاء قبولها وردها أكثر المحدثين " (٤).قلت: لم يحكم ابن كثير عليه بشيء، وان كان كلامه يحتمل ترجيح الرد.
وكذا فعل السيوطي (٥)، والصنعاني (٦).
_________________
(١) انظر الفصل التطبيقي لاحقًا.
(٢) التقريب بشرحه التدريب، السيوطي ١/ ١٨٤، وللمزيد انظر شرح مسلم: (١/ ٧٤ و٣/ ١٧ و٤٥ و٤/ ١١ و٦/ ٢١٤ و٧/ ١٨ و٤١ و١٠/ ٤٣ و١٧٨ و١١/ ٢٠٤ و١٧/ ١٧٩ و١٨/ ١٣ و٢٧)، وغيرها.
(٣) انظر مختصر علوم الحديث بشرحه الباعث الحثيث ص ٥٩.
(٤) مختصر علوم الحديث بشرحه الباعث الحثيث ص٥٨.
(٥) انظر تدريب الراوي ١/ ١٨٤ - ١٨٦.
(٦) انظر توضيح الأفكار ١/ ٣٣٩ - ٣٤٦.
[ ١٩٩ ]
المطلب السادس: مفهوم زيادة الثقة عند الأصوليين:
تكلم الأصوليون عن زيادة الثقات في معظم مصنفاتهم، لما لها من أهمية في المسائل التي يبحثونها، وتوسع الأصوليون كثيرًا في قبول الزيادة، حتى غدا مذهبهم هو المعتمد في كثير من كتب المحدثين المتأخرين، لذا تجد أراء هم قد ملأت كتب أهل المصطلح من المتأخرين (١)،فرأيت من تمام البحث أن أورد أهم الأقوال التي تحدثت عن مفهوم زيادة الثقة دون أن أناقشها، لكون بحثنا هو بحث في كتب مصطلح الحديث، فكانت على ما يأتي:
أولًا: عند الإمام أبي حنيفة -﵀-:
نقل عنه الحافظ ابن رجب ":" إنها لا تقبل " (٢).
ثانيًا: عند الإمام أبي الحسين البصري (٤٣٦) هـ قال:
" اعلم أنه إذا روى الراوي زيادة فإما أن يكون لم يروها غيره أو لم يروها هو مرة أخرى والأول ضربان: أحدهما: أن يكون من لم يروها لا يقبل حديثه والآخر أن يقبل حديثه فالأول لا يمنع من قبول الزيادة، لأن راويها ممن تقبل روايته ولم يعارضها رواية مثلها، يبين ذلك أن الذي لا يقبل روايته لو روى نفي تلك الزيادة لم يمنع ذلك من قبول الزيادة فبأن لا يمنع تركه لذكرها أولى وإن كان الذي لم يروها تقبل روايته، فإما أن يعلم انهما أسندا الخبرين إلى مجلسين أو إلى مجلس واحد أو لا يعلم ذلك من حالهما فان علمنا أنهما أسنداه إلى مجلسين قبلت الزيادة لأنه لا معارض لها لجواز أن يقيد النبي ﵇ كلامه في بعض الحالات دون بعض ثم هل تلك الزيادة نسخ أو تخصيص قد بين فيما سلف وإن علمنا أنهما أسنداه إلى مجلس واحد، فإما أن يكون الذي لم يرو الزيادة عددًا لا يجوز أن يغفلوا عن تلك الزيادة التي رواها الواحد وإما أن يكون الراوي لها عددًا لا يجوز عليهم توهم ما لم يكن وإما أن يجوز على كلا الفريقين ذلك ويجوز خلافه، فالأول يمنع من قبول الزيادة، لأن من لم يروها إنما لم يروها لأنها لم تكن ويكون الراوي
_________________
(١) انظر مثلا مقدمة ابن الصلاح ص ٥٩ ورجح هناك مذهب الأصوليين على المحدثين، والنكت على ابن الصلاح، ابن حجر ٢/ ٦٩٣، وتوضيح الأفكار، الصنعاني ٢/ ١٦ - ١٩.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٧.
[ ٢٠٠ ]
لها قد سمعها من غير
النبي - ﷺ - فظن أنه سمعها منه ﵇ وإن كان الراوي للزيادة عددًا كثيرًا لا يجوز عليهم توهم ما لم يكن قبلت الزيادة لأنهم ما رووها إلا لأنها كانت وإن لم يكن الراوي لها ولا التارك لها عددًا كثيرًا، فإما أن تكون الزيادة مغيرة الإعراب وبناء الكلام أو غير مغيرة لذلك بل منفصلة فالأول " فصارت الزيادة إنما تقبل على شروط منها أن لا يكثر عدد من لم يروها ومنها أن لا تكون مؤثرة في لفظ المزيد عليه وإعرابه أو أثرت وكان راويها أضبط فأما إذا خالف في لفظ الحديث حفاظ أهل النقل فقد ذكر ذلك في جملة ما يرد له الحديث وهو داخل في الزيادة وقد ذكرناه الآن لأن الخلاف ليس يقع بينهم إلا بأن يزيد أحدهم في الحديث ما لا يرويه الآخر أو يروي أحدهما اللفظ على إعراب يروي الآخر خلافه وقد تقدم بيان ذلك كله " (١).
ثالثًا: عند أبي نصر ابن الصباغ ت (٤٧٧) هـ (٢):
نقل الحافظ ابن حجر عنه أنه قال:"إن يتعدد المجلس فيعمل بهما، لأنهما كالخبرين، أو يتحد فإن كان الذي نقل الزيادة واحدًا والباقون جماعة لا يجوز عليهم الوهم سقطت الزيادة، وإن كان بالعكس وكان كل من الفريقين جماعة فالقبول. وكذا إن كان كل منهما واحدًا حيث يستويان، وإلاّ فرواية الضابط منهما أولى بالقبول" (٣).
رابعًا: عند إمام الحرمين أبي المعالي الجويني ت (٤٧٨) هـ:
قال:"الزيادة من الراوي الموثوق به مقبولة عند الشافعي وكافة المحققين ومنع أبو حنيفة التعلق بها، واستدل الشافعي بأن انفراد بعض الناقلين بالاطلاع على مزيد ليس بدعًا والناقل قاطع بالنقل فلا يعارض قطعه ذهول غيره وإذا ظهرت عدالة الراوي ولم يعارض نقله نقل يعارضه فلا يسوغ اتهام مثبت في نقله لعدم نقل غيره والدليل عليه أنه لو شهد جمع مجلس الرسول ﵇ فنقل بعضهم حديثًا ولم ينقل غيره من الحاضرين شيئًا منه فهو مقبول ولا يسوغ تقدير الخلاف فيه فإن معظم الأحاديث التي نقلها الآحاد والأفراد عزوها إلى مشاهد لرسول الله - ﷺ - ومجالسه بين أصحابه كان كذلك ولو شرط
_________________
(١) المعتمد، ابو الحسين٢/ ١٢٨ - ١٣٢.
(٢) هو محمد بن الواحد البغدادي الشافعي فقيه توفي ببغداد سنة (٤٧٧) انظر ترجمته في طبقات الشافعية ٢/ ١٠٣.
(٣) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩٣ ولم أقف على هذا الكتاب. نقله أيضًا توضيح الأفكار ٢/ ٢١.
[ ٢٠١ ]
نقل كل من شهد لرد معظم الأحاديث
والذي يعضد ما ذكرناه أن الشهادات تبر في وجوه من التعبدات على الروايات وهي تضاهيها في أصل اعتبار الثقة ثم لو شهد جمع من العدول رجلًا وشهدوا على إقراره لإنسان وانفرد عدلان من الشهود الحضور بمزيد في شهادتهما فهي مقبولة ولا يقدح فيها سكوت الباقين عنها فإذا كان ذلك لا يقدح في الشهادات مع أنها قد ترد بالتهم فالروايات بذلك أولى ولما ذكرناه من فن القياس ولكنا أوردنا ما أوردناه استشهادًا في تحقيق الثقة.
قال الشافعي: من متناقض القول الجمع بين قبول رواية القراءة الشاذة في القرآن وبين رد الزيادة التي ينفرد بها بعض الرواة الثقات مع العلم بأن سبيل إثبات القران أن ينقل استفاضة وتواترًا فما كان أصله كذلك إذا قبلت الزيادة فيه شاذة نادرة فلأن تقبل فيما سبيل نقله الآحاد كان أولى. وهذه المسألة عندي بينة إذا سكت الحاضرون عن نقل ما تفرد به بعضهم فأما إذا صرحوا بنفي ما نقله عند إمكان اطلاعهم على نقله فهذا يعارض قول المثبت ويوهيه وقد أرى قبول الشهادة على النفي إن فرض الاطلاع عليه تحقيقًا" (١).
خامسًا: عند الإمام الغزالي (٥٠٥) هـ:
قال: "انفراد الثقة بزيادة في الحديث عن جماعة النقلة مقبول عند الجماهير، سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ أو من حيث المعنى لأنه لو انفرد بنقل حديث عن جميع الحفاظ لقبل، فكذلك إذا انفرد بزيادة لأن العدل لا يتهم بما أمكن فإن قيل: يبعد انفراده بالحفظ مع إصغاء الجميع قلنا: تصديق الجميع أولى إذا كان ممكنًا وهو قاطع بالسماع والآخرون ما قطعوا بالنفي فلعل الرسول - ﷺ - ذكره في مجلسين فحيث ذكر الزيادة لم يحضر إلا الواحد أو كرر في مجلس واحد وذكر الزيادة في إحدى الكرتين ولم يحضر إلا الواحد ويحتمل أن يكون راوي النقص دخل في أثناء المجلس فلم يسمع التمام أو اشتركوا في الحضور ونسوا الزيادة إلا واحدًا أو طرأ في أثناء الحديث سبب شاغل مدهش فغفل به البعض عن الإصغاء فيختص بحفظ الزيادة المقبل على الإصغاء أو عرض لبعض السامعين خاطر شاغل عن الزيادة أو عرض له مزعج يوجب قيامه قبل التمام فإذا احتمل ذلك فلا
_________________
(١) البرهان في أصول الفقه ١/ ٤٢٥ - ٤٢٦.وانظر الابهاج، السبكي ٢/ ١٤١.
[ ٢٠٢ ]
يكذب العدل ما أمكن " (١).
سادسًا: عند ابن قدامة المقدسي ت (٦٢٠) هـ:
قال في روضة الناظر:"انفراد الثقة في الحديث بزيادة مقبول سواء كانت لفظًا أو معنى لأنه لو انفرد بحديث لقبل فكذلك إذا انفرد بزيادة وغير ممتنع أن ينفرد بحفظ الزيادة إذ أن المحتمل أن يكون النبي - ﷺ - ذكر ذلك في مجلسين وذكر الزيادة في أحدهما ولم يحضرها الناقص ويحتمل أن راوي الناقص دخل أثناء المجلس أو عرض له في أثنائه ما يزعجه أو ما يدهشه عن الإصغاء أو ما يوجب له القيام قبل التمام أو سمع الكل ونسي الزيادة والراوي للتمام عدل جازم بالرواية فلا نكذبه مع إمكان تصديقه فإن علم أن السماع
كان في مجلس واحد فقال أبو الخطاب: يقدم قول الأكثرين وذوي الضبط فإن تساووا في الحفظ والضبط قدم قول المثبت وقال القاضي: إذا تساووا فعلى روايتين " (٢).
سابعًا: عند الآمدي (٦٣١) هـ:
"إذا روى جماعة من الثقات حديثًا وانفرد واحد منهم بزيادة في الحديث لا تخالف المزيد عليه، كما لو روى جماعة أن النبي - ﷺ - دخل البيت وانفرد واحد منهم بزيادة فقال دخل البيت وصلى فلا يخلو إما أن يكون مجلس الرواية مختلفًا بأن يكون المنفرد بالزيادة روايته عن مجلس غير مجلس الباقين أو أن مجلس الرواية متحد أو يجهل الأمران:
فإن كان المجلس مختلفًا فلا نعرف خلافًا في قبول الزيادة لاحتمال أن يكون النبي - ﷺ - قد فعل الزيادة في أحد المجلسين دون الآخر والراوي عدل ثقة ولم يوجد ما يقدح في روايته فكانت روايته مقبولة
ولهذا فإنه لو روى حديثًا لم ينقله غيره مع عدم حضوره لم يقدح ذلك في روايته وكذلك لو شهد اثنان على شخص بألفي درهم لزيد في مجلس وشهدت بينة أخرى عليه في مجلس آخر بألف لا يكون ذلك قادحًا في الألف الزائدة مع أن باب الشهادة أضيق من باب الرواية كما قررنا
وأما إن اتحد المجلس فإن كان من لم يرو الزيادة قد انتهوا إلى عدد لا يتصور في
_________________
(١) المستصفى ص ١٣٣.
(٢) روضة الناظر ص١٢٤، وانظر الكافي في فقه ابن حنبل، ابن قدامة ١/ ٤٠٥ و٣/ ٢٨٤ والمغني، ابن قدامة ١/ ٢٥١ و٣٢٤ وانظر مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر، الشنقيطي ص ١٣٤.
[ ٢٠٣ ]
العادة غفلة مثلهم عن سماع تلك الزيادة وفهمها فلا يخفى أن تطرق الغلط والسهو إلى
الواحد فيما نقله من الزيادة يكون أولى من تطرق ذلك إلى العدد المفروض فيجب ردها وإن لم ينتهوا إلى هذا الحد فقد اتفق جماعة الفقهاء والمتكلمين على وجوب قبول الزيادة خلافًا لجماعة من المحدثين ولأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، ودليل ذلك أن الراوي عدل ثقة وقد جزم بالرواية وعدم نقل الغير لها فلاحتمال أن يكون من لم ينقل الزيادة قد دخل في أثناء المجلس وسمع بعض الحديث أو خرج في أثناء المجلس لطارىء أوجب له الخروج قبل سماع الزيادة،
وبتقدير أن يكون حاضرًا من أول المجلس إلى آخره فلاحتمال أن يكون قد طرأ ما شغله عن سماع الزيادة وفهمها من سهو أو ألم أو جوع أو عطش مفرط أو فكرة في أمر مهم أو اشتغال بحديث مع غيره والتفات إليه أو أنه نسيها بعد ما سمعها ومع تطرق هذه الاحتمالات وجزم العدل بالرواية لا يكون عدم نقل غيره للزيادة قادحًا في روايته " (١).
ثامنًا: عند كمال الدين بن الزملكاني (٢):
نقل عنه الحافظ العلائي أنه قال:" الوصل في السند زيادة من الثقة فتقبل وأنّ الرفع زيادة في المتن فتكون علة وتقرير ذلك أن المتن إنما هو قول النبي - ﷺ - فإذا كان قول صحابي فليس بمرفوع فصار منافيًا له لأن دونه من قول الصحابي فليس بمرفوع فصار كلام النبي - ﷺ - وأما الموصول والمرسل فكل منهما موافق للآخر في كونه من كلام النبي - ﷺ -.
قال الحافظ العلائي:"وهذه التفرقة قد تقوى في بعض الصور أكثر من بعض فأما إذا كان الخلاف في الوقف والرفع على الصحابي بأن يرويه عنه تابعي مرفوعًا، ويوقفه عليه تابعي آخر لم يتجه هذا البحث لاحتمال أن يكون حين وقفه أفتى بذلك الحكم وحين رفعه رواه إلا أن يتبين أنهما مما سمعاه منه في مجلس واحد فيفزع حينئذٍ إلى الترجيح" (٣).
تاسعًا: عند الإمام السبكي ت (٧٥٦) هـ:
قال:" إذ زاد أحد الرواة وتعدد المجلس قبلت وكذا إذا اتحد وجاز الذهول عن الباقين ولم يغير إعراب الباقي وإن لم يجر الذهول لم يقبل وإن غير الإعراب مثل في أربعين
شاة شاة أو نصف شاة طلب الترجيح فإن زاد مرة وحذف أخرى فالاعتبار بكثرة
_________________
(١) الأحكام ٢/ ١٢٠ - ١٢٣، وانظر الإبهاج، السبكي ٢/ ٣٤٦، والنكت على ابن الصلاح، ابن حجر ٢/ ٦٩٤.
(٢) هو شيخ الحافظ العلائي انظر ذيل تذكرة الحفاظ، أبو المحاسن الحسيني ص ٣٦٠.
(٣) نقله عنه ابن حجر في النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩٥ - ٦٩٦، ولم أقف عليه في مراسيل العلائي.
[ ٢٠٤ ]
المرات، والروايتان فصاعدًا إذا اتفقا على رواية خبر وانفرد أحدهما بزيادة فإما أن يكون المجلس متعددًا أو متحدًا، فإن كان متغايرًا قبلت الزيادة إذ لا امتناع في ذكره - ﷺ - الكلام في أحد المجلسين بدون زيادة وفي الآخر بها والراوي مقبول القول وإن كان المجلس متحدا فالذين لم يرووا الزيادة، إما أن يكونوا عددًا لا يجوز أن يذهلوا عما يضبطه الواحد أو ليسوا كذلك فإن كان الأول لم يقبل الزيادة ". (١)
عاشرًا: عند الشنقيطي:
قال: " واعلم أن التحقيق في هذه المسألة أن فيها تفصيلًا لأنها واسطة وطرفان، طرف لا تقبل فيه الزيادة على التحقيق وهو ما إذا كانت الزيادة مخالفة لرواية الثقات الضابطين لأنها يحكم عليها حينئذ بالشذوذ فترد وطرف تقبل فيه الزيادة بلا خوف وهو إذا تفرد ثقة بجملة حديث لا تعرض فيه لما رواه بمخالفة أصلًا.
حكى الإجماع على قبول هذا الطرف الخطيب، وواسطة هي محل الخلاف وهو زيادة لفظة في حديث لم يذكرها غير من زاد من رواة ذلك الحديث كحديث حذيفة: «وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورًا» فالظاهر بثبوت هذه الزيادة وإن لم تكن في جميع طرقها" (٢).
وقال:"التحقيق أن الرفع والوصل من نوع الزيادة فلو روى بعض الرواة حديثًا موقوفًا ورواه ثقة آخر مرفوعًا أو رواه بعض الرواة مرسلًا ورواه آخر موصولًا فذلك الرفع وذلك الوصل يقبل لأنه من زيادة الثقات وهي مقبولة، ولا تكون الطريق الموقوفة أو المرسلة علة في الطريق المرفوعة أو الموصولة خلافًا لمن زعم ذلك " (٣).
فالخلاصة أن جمهور الأصوليين من المتأخرين قبلوا الزيادة، وقدموها على من تركها، وهذا وفق القاعدة الأصولية:"من حفظ حجة على من لم يحفظ"،وهو الذي نص عليه ابن الصلاح (٤).
_________________
(١) الإبهاج في شرح المنهاج ٢/ ٣٤٦.
(٢) مذكرة أصول الفقه ص١٣٥.
(٣) مذكرة أصول الفقه ص١٣٦ - ١٣٧.
(٤) انظر مقدمة ابن الصلاح ص٥٩.
[ ٢٠٥ ]
المبحث الثالث: مفهوم زيادة الثقة عند المتقدمين:
المطلب الأول: مذهب الإمام يحيى بن معين:
لم أقف على قول صريح يقبل فيه الإمام يحيى بن معين زيادة الثقة، أو يردها كما عرّفها أهل المصطلح، بل يدلل صنيعه على عدم قبولها إلا بشروطها المعتبرة، كما سنبينها، وهو مذهب الأئمة المتقدمين، فمثلا:
رد زيادة يحيى بن آدم وهو ثقة (١) في زيادة رفع في حديث" إذا أجمرتم الميت فأوتروا " (٢)، فقال: " لم يرفعه إلا يحيى بن آدم .. ولا أظن هذا الحديث إلا غلطا " (٣).
قال النووي: " وكأن ابن معين بناه على قول بعض المحدثين أن الحديث إذا روي مرفوعًا، وموقوفًا فالحكم للوقف، والصحيح أن الحكم للرفع، لأنه زيادة ثقة، ولا شك في ثقة يحيى بن آدم " (٤).
قلت: لم يقل أحد من المحدثين أن الحديث إذا جاء موقوفًا ومرفوعًا فالحكم للوقف، بل درسوا ذلك واصدروا الأحكام.
المطلب الثاني: مذهب الإمام الشافعي:
قال الشافعي ﵀: " إنما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه أو بأن يأتي بشيء يشركه فيه من لم يحفظ منه ما حفظ وهم عدد " (٥).
وقد ذكر الشافعي-هذا في مواضع، وكثيرا ما قال: العدد أولى بالحفظ من الواحد" (٦).
ونقل البيهقي مناظرة بين الإمام الشافعي وغيره في قضية تعارض الرفع والوقف، فقال:
" أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ الربيع قال:
_________________
(١) التقريب (٧٤٩٦).
(٢) أخرجه ابن حبان ٧/ ٣٠١ (٣٠٣١)، والبيهقي ٣/ ٤٠٥.
(٣) نقله البيهقي في السنن ٣/ ٤٠٥.
(٤) نصب الراية، الزيلعي ٢/ ٢٦٤.
(٥) الأم ٨/ ٥٦٣، وانظر النكت على ابن الصلاح٢/ ٦٨٨.
(٦) اختلاف الحديث، الشافعي ص١٧٧، وانظر النكت ٢/ ٦٨٨.
[ ٢٠٦ ]
قال الشافعي لبعض من يناظره، وللمناظرة موضع مع ثبوت سنة رسول الله - ﷺ - بطرح الإستسعاء في حديث نافع عن ابن عمر أنه قال، وأنا نقول: إن أيوب قال، وربما قال نافع: فقد عتق منه ما عتق، وربما لم يقله، قال: وأكبر ظني أنه شيء كان يقوله نافع برأيه، قال الشافعي ﵀: فقلت له: لا أحسب عالما بالحديث ورواته يشك في أن مالكا أحفظ لحديث نافع من أيوب لأنه كان ألزم له من أيوب ولمالك فضل حفظ الحديث أصحابه خاصة ولو استويا في الحفظ فشك أحدهما في شيء لم يشك فيه صاحبه لم يكن في هذا موضع لأن يغلط به الذي لم يشك، إنما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه أو يأتي بشيء في الحديث يشركه فيه من لم يحفظ منه ما حفظ منه هم عدد وهو منفرد وقد وافق مالكا في زيادة وإلا فقد عتق منه ما عتق يعني غيره قال وزاد فيه بعضهم ورق منه ما رق قال الشيخ ﵀ أما حديث أيوب فقد ذكرناه فيما مضى .
- قال البيهقي -: وأخبرنا أبو عمرو الأديب قال: أنبأ أبو بكر الإسماعيلي قال: أخبرني أبو يعلى قال: حدثنا أبو الربيع قال: حدثنا حماد قال: حدثنا أيوب عن نافع عن بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من أعتق نصيبا من عبد أو شركا كان له في عبد فكان له من المال ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل فهو عتيق قال فلا أدري أهو في الحديث عن النبي ﷺ أو شيء قاله نافع وإلا فقد عتق منه ما عتق أخرجاه في الصحيح هكذا وفي دلالة ظاهرة على أنه كان يشك فيه ومالك بن أنس ﵀ أثبته عن الحديث عن النبي ﷺ فالحكم له دونه وأما فضل حفظ مالك فهو عند جماعة أهل الحديث كما قال الشافعي ﵀ " (١).
ففي هذا النص فوائد عدة: إذ بين الإمام الشافعي منهجيته في قبول الزيادة، أو ردها، فإذا كانت الزيادة بين راويين ثقتين أحدهما يزيدها، والآخر يتركها قبلت، لأنه: لم يكن في هذا موضع لأن يغلط به الذي لم يشك، وكذا إذا توبع صاحب الزيادة، وأما
إذا روى جماعة حديثًاعلى وجه ثم زاد عليهم ثقة واحد منفرد لم يقبل منه لأنه يكون قد أخطأ فيه، وهذا النوع الثاني المردود هو الذي يسميه عامة أهل المصطلح: زيادة ثقة!
قال الحافظ ابن حجر: "فأشار إلى أنّ الزيادة متى تضمنت مخالفة الأحفظ أو الأكثر
_________________
(١) سنن البيهقي ١٠/ ٢٧٨.
[ ٢٠٧ ]
عددا أنها تكون مردودة" (١).
ثم قال: "ونقل الماوردي عن مذهب الشافعي في مسألة الوقف والرفع؟ الوقف يحمل على أنه رأي الراوي، والمسند على أنه روايته.
قلت -ابن حجر-: ويختص هذا بأحاديث الأحكام أما ما لا مجال للرأي فيه فيحتاج إلى نظر. وما نقله الماوردي عن مذهب الشافعي قد جزم به أبو الفرج بن الجوزي وأبو الحسن ابن القطان وزاد: أن الرفع يترجح بأمر آخر وهو تجويز أن يكون الواقف قد قصر في حفظه أو شك في رفعه قلت-ابن حجر-:وهذا غير ما فرضناه في أصل المسألة-والله أعلم- ثم إنه يقابل بمثله فيترجح الوقف بتجويز أن يكون الرافع تبع العادة وسلك الجادة " (٢).
قلت: قد بان بطلان هذه النسبة إلى الإمام الشافعي مما مر من قوله الصريح، أما عن توجيه الحافظ ابن حجر كونه يختص بأحاديث الأحكام لا يسلم له، إذ لا وجه لهذا التخصيص. وأما عن قوله "ثم انه يقابل بمثله فيترجح الوقف: بتجويز أن يكون الرافع تبع العادة وسالك الجادة " فمراده: أن القائلين بترجيح الوصل على الإرسال يحتجون بأن المرسل قد يكون سها أو غفل عن وصله فأجابهم الحافظ ابن حجر: وهذا يقابل بمثله في المتصل فقد يكون وهم فيه الراوي المتصل فاعتقد أنه موصول على العادة والجادة المسلوكة من قبل الراوي فيعتقد مثلًا أنه مادام في العادة عكرمة عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - فانه يصل رواية عكرمة المرسلة باعتبار العادة، وحينئذ تترجح المرسلة؟ وهو جواب عظيم.
ثم قال الحافظ ابن حجر: " وأعجب من ذلك إطلاق كثير من الشافعية القول بقبول زيادة الثقة، مع أن نص الشافعي يدل على غير ذلك؛ فإنه قال في أثناء كلامه على ما يعتبر به حال الراوي في الضبط ما نصه: " ويكون إذا أشرك أحدا من الحفاظ لم
يخالفه، فإن خالفه فوجد حديثه أنقص كان في ذلك دليل على صحة مخرج حديثه، ومتى خالف ما وصفت أضر ذلك بحديثه! " (٣)،- ثم عقّب بقوله -
: " ومقتضاه إنه إذا خالف فوجد حديثه أزيد أضر ذلك بحديثه، فدل على أن زيادة العدل عنده لا يلزم قبولها مطلقًا، وإنما
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٨٨.
(٢) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦١٠.
(٣) هكذا النص في النكت، وهو في الرسالة ص ٤٦٣ - ٤٦٤: باختلاف لفظي يسير.
[ ٢٠٨ ]
تقبل من الحافظ، فإنه اعتبر أن يكون حديثه هذا المخالف أنقص من حديث من خالفه من الحفاظ، وجعل نقصان هذا الراوي من الحديث دليلًا على صحته؛ لأنه يدل على تحريه، وجعل ما عدا ذلك مضرا بحديثه، فدخلت فيه الزيادة، فلو كانت مقبولة مطلقا لم تكن مضرة بحديث صاحبها " (١).
وبين الحافظ العراقي مذهب الإمام الشافعي بقوله: "وقد أعل الشافعي رواية قد خالف مالكًا فيها سبعة أو ثمانية لقيهم هو، يعني منهم سفيان بن عيينة والدراوردي والثقفي قال: والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد " (٢).
وقد وقفت على كلام نفيس للحافظ ابن رجب إذ قال:" وفي حكاية ذلك عن الشافعي نظر فانه قال في الشاذ: هو أن يروي ما يخالف الثقات. وهذا يدل على أن الثقة إذا انفرد عن الثقات بشيء انه يكون ما انفرد به شاذا غير مقبول " (٣).
وهذا يعني أن التفرد عند الشافعي إذا كان يخالف أقرانه في زيادة لفظة أو رجل فأن ذلك يعني أنّ حديثه شاذ، خطأً، كما صرح هو بذلك.
فالخلاصة: أنّ الإمام الشافعي يقبل زيادة الثقة إذا كانت متكافئة، راوٍ واحد أمام واحد، أو جماعة أمام جماعة، أما إذا انفرد راوٍ واحد عن جماعة الثقات فهذا يعد شاذًا خطأً.
المطلب الثالث: مذهب الإمام أحمد بن حنبل:
جاءت الروايات متناقضة في مذهب الإمام أحمد -﵀- في قبول الزيادة أو ردها، ولم ينقل نص صريح عن الإمام في قبول الزيادة إلا ما جاء استنتاجًا يستنتجه المتتبع لصنيعه في الأحاديث وأحكامه على الأسانيد.
يقول الحافظ ابن رجب: " وأما أصحابنا الفقهاء: فذكروا في كتب أصول الفقه في هذه المسألة روايتين عن أحمد: بالقبول مطلقًا، وعدمه مطلقًا، ولم يذكروا نصًا له بالقبول مطلقًا مع انهم رجحوا هذا القول، ولم يذكروا به نصًا عن أحمد، وإنما اعتمدوا على كلام له، لا يدل على ذلك مثل قوله في فوات الحج: جاء فيه روايتان أحدهما: فيه زيادة دم،
_________________
(١) نزهة النظر ص ٥٠.
(٢) الأمالي العراقية ص٥٥، بتصرف يسير في أوله.
(٣) شرح العلل ٢/ ٦٣٧.
[ ٢٠٩ ]
قال: والزائد أولى أن يؤخذ، وهذا ليس مما نحن فيه فإن مراده أن الصحابة روى بعضهم فيمن يفوته الحج عليه القضاء مع الدم، فأخذ بقبول من زاد الدم فإذا روي حديثان مستقلان في حادثه وفي أحدهما زيادة فإنها تقبل من الثقة كما لو تفرد الثقة بأصل الحديث وليس هذا من باب زيادة الثقة، ولا سيما إذا كان الحديثان موقوفين عن صحابيين وإنما قد يكون أحيانًا من باب المطلق والمقيد. وأما مسألة زيادة الثقة التي نتكلم فيها ههنا فصورتها: أن يروي جماعة حديثًا واحدًا بإسناد واحد، ومتن واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة " (١).
أقول: توقف الإمام أحمد في زيادة الإمام مالك: " من المسلمين"، لما ظن أن الإمام مالك قد تفرد بها ولم يتابع حيث قال: " كنت أتهيب حديث مالك " من المسلمين "، يعني حتى وجده من حديث (العمريين) (٢) قيل له: أمحفوظ هو عندك من المسلمين؟ قال: نعم " (٣).
قال إبن رجب: " وهذه الرواية تدل على توقفه في زيادة واحد من الثقات ولو كان مثل مالك حتى يتابع على تلك الزيادة وتدل على أن متابعة مثل العمري لمالك مما يقوي رواية مالك ويزيل عن حديثه الشذوذ والإنكار " (٤).
وهذا أوضح مثال كون الإمام أحمد لا يقبل الزيادة ولو كانت من مثل مالك حتى يتابع!.
المطلب الرابع: مذهب الإمام البخاري:
لم يصرح الإمام البخاري في مصنفاته (٥) حول قضية قبول الزيادة أو عدمه، خلا ما نقل عنه بعض المتأخرين من القول بقبولها؟
قال الخطيب البغدادي في الكفاية: " أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب قال: أنبأنا
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٥.
(٢) هما عبد الله وأخوه عبيد الله ابنا عمر بن حفص العمري، والحق أن المتابعين لمالك في هذا الحديث كثر كما سيأتي بيانه.
(٣) شرح علل الترمذي، ابن رجب ٢/ ٦٣٢.
(٤) مصدر سابق.
(٥) أقول: أعني على مفهوم المتأخرين.
[ ٢١٠ ]
محمد بن نعيم الضبي قال: سمعت أبا إسحاق: إبراهيم بن محمد بن يحيى يقول: سمعت محمد بن هارون المكي يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري، وسئل عن حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه عن - ﷺ - قال: لا نكاح إلا بولي؟
فقال: الزيادة من الثقة مقبولة وإسرائيل بن يونس ثقة، وأن كان شعبة والثوري أرسلاه فانّ ذلك لا يضر الحديث " (١). فهذا الحديث جاء مرة متصلًا ومرة مرسلًا، قال الترمذي: " ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ -:" لا نكاح لا بولي "، عندي أصح لأن سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة، وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث فإن رواية هؤلاء عندي أشبه لأن شعبة والثوري سمعا هذا الحديث من أبي إسحاق في مجلس واحد، ومما يدل على ذلك ما حدثنا محمود بن غيلان قال حدثنا أبو داود، قال: أنبأنا شعبة قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق أسمعت أبا بردة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: لا نكاح لا بولي؟ فقال: نعم "، فدل هذا الحديث على أن سماع شعبة والثوري عن مكحول هذا الحديث في وقت واحد " (٢).
وهذا يعني: أن شعبة رواه بالسماع على أبي إسحاق بقراءة سفيان (٣).
وأما من رواه متصلًا فهم:
(شريك بن عبد الله، وأبو عوانة وزيد بن الحباب عن يونس عن أبي إسحاق وإسرائيل بن يونس، وقيس بن الربيع) (٤). والظاهر انهم سمعوه في مجالس متعددة (٥).
فتبين مما تقدم أن هذه ليست زيادة ثقة كالتي في كتب المصطلح، موضوع
_________________
(١) الكفاية ص٤١٣، وانظر تدريب الراوي ١/ ١٨٤.
(٢) جامع الترمذي حديث (١١٠١و ١١٠٢).
(٣) انظر تدريب الراوي ١/ ١٨٤ - ١٨٥، وقد زعم السيوطي أن الطيالسي أخرج سؤال حوار شعبة مع سفيان ولم أقف عليه في المطبوع بل أخرجه من طريق أبي عوانة عن أبي اسحاق فحسب انظر المسند (٥٢٣).
(٤) انظر جامع الترمذي حديث (١١٠١و ١١٠٢)، وشرح علل الترمذي، ابن رجب ٢/ ٦٣٦. والكفاية، الخطيب ص٤١١.
(٥) انظر شرح علل الترمذي٢/ ٦٣٦.
[ ٢١١ ]
دراستنا، بل هذه من باب مختلف الحديث.
قال الحافظ ابن حجر: " الاستدلال بأن الحكم للواصل دائمًا على العموم من صنيع البخاري في هذا الحديث الخاص ليس بمستقيم لأن البخاري لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة، وإنما حكم له بالاتصال لمعان أخرى رجحت عنده حكم الموصول، منها: أن يونس بن أبي إسحاق وابنيه إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولًا، ولا شك أن آل الرجل أخص من غيرهم.
ووافقهم على ذلك أبو عوانة وشريك النخعي وزهير بن معاوية وتمام العشرة من أصحاب أبي إسحاق، مع اختلاف مجالسهم في الأخذ عنه وسماعهم إياه من لفظه.
وأما رواية من أرسله وهما شعبة وسفيان، فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد . فشعبة وسفيان إنما أخذاه معًا في مجلس عرضًا-كما ترى- ولا يخفى رجحان ما أخذ من لفظ المحدث في مجالس متعددة على ما أخذ عنه عرضًا في محل واحد.
هذا إذا قلنا: حفظ سفيان وشعبة في مقابل عدد الآخرين مع أن الشافعي - ﵁ - يقول: " العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد ".
فتبين أن ترجيح البخاري لوصل هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرد أن الواصل معه زيادة ليست مع المرسل بل بما يظهر من قرائن الترجيح ويزيد ذلك ظهورًا تقديمه الإرسال في مواضع أخر ". (١)
والذي يبدو لي والله أعلم أن هذا المثال لا يصح للتمثيل به في قضية زيادة الثقة لأن الذين وصلوه أكثر عددًا، وأن شعبة وسفيان لم يخطئا به وكذا من وصله فكلهم سمعوه من أبي إسحاق، فقد يكون أبو إسحاق رواه مرة مرسلًا ومرة مرفوعًا أو يكون سمعه هكذا من أبي بردة فانه متكلم في سماع أبي بردة من أبيه؟
والذي يهمنا هنا أن هذا حتى ولو ثبتت نسبته إلى البخاري فانه لا يعني في كل تعارض بين الأحاديث ناهيك عن صنيعه في تاريخه ومصنفاته الأخرى من إعلال الموصول بالمرسل (٢).
قال إبن رجب:" وهذه الحكاية إن صحت فإنما مراده الزيادة في هذا الحديث.
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٠٦ - ٦٠٧، وانظر تدريب الراوي، السيوطي ١٨٤ - ١٨٥.
(٢) انظر النكت على ابن الصلاح٢/ ٦٠٧.
[ ٢١٢ ]
وإلا فمن تأمل كتاب تأريخ البخاري تبين له قطعا أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة " (١).
وقال الحافظ ابن حجر: " إن البخاري ليس له عمل مطرد في قبول الزيادة أو ردها بل يصوب الإرسال أحيانًا لقرينة تظهر له، ويصوب الاتصال أحيانًا أخرى حسب القرينة " (٢).
قلت: وهذا كلام جيد صحيح، وسيتبين لنا الأمر في الفصل التطبيقي لاحقا إن شاء الله تعالى.
المطلب الخامس: مذهب الإمام مسلم.
قال في صحيحه: "حكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا وأمعن في ذلك على الموافقة فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه قبلت زيادته، فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره أو لمثل هشام بن عروة وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك قد نقل أصحابها عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث، مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس والله أعلم " (٣).
وقال في التمييز: " والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يكثر عليهم الوهم في حفظهم " (٤).
ووضع أول باب في التمييز يتعلق بحيثية مهمة في الزيادة، وهي التفرد والمخالفة فقال:" السمة التي تعرف بها خطأ المخطئ في الحديث وصواب غيره إذا أصاب ".
ثم ذكر لنا وجهتين: إحداهما: أن ينقل الناقل حديثًا بإسناد فينسب رجلًا مشهورًا ينسب في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته إلى أنْ قال: " والجهة الأخرى:
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٦٣٨.
(٢) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٠٩.
(٣) مقدمة ابن الصلاح ١/ ٧، وانظر شرح مسلم، النووي ١/ ٥٨.
(٤) التمييز ص ١٨٩، وانظر شرح علل الترمذي، ابن رجب ٢/ ٦٤٢.
[ ٢١٣ ]
أن يروي نفر من حفاظ الناس: حدثنا عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمّن حدّث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكي مَنْ وصفنا من الحفاظ فيعلم حينئذٍ أن الصحيح من الروايتين ما حدّث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد وإن كان حافظًا، على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث مثل شعبة وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم، وسنذكر من مذاهبهم وأقوالهم في حفظ الحفاظ وخطأ المحدثين في الروايات ما يستدل به على تحقيق ما فسرت لك " (١).
وهذا هو مذهب المتقدمين كما قال الإمام مسلم فهم يقضون برواية الجماعة على الواحد وعندهم: العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، إذ في العدد الكثير تقل احتمالية نسبة الخطأ إليهم، بخلاف الواحد وإنْ كان حافظًا فاحتمالية الخطأ والوهم واردة منه.
ولعل أحدهم يورد شبهة أنْ كلام الإمام مسلم هنا لا يعني الزيادة والتي مرادها تفرد راوٍ واحد عن الجماعة - إذا كانوا ثقات - في نفس الشيخ بزيادة في السند أو المتن.
فأقول: قد يشمل النص السابق للإمام مفهوم كل مخالفة ولكنّ الزيادة تدخل في معنى كلامه جزمًا، إذ قد انطبق ذلك في أمثلة، وعَدَ الإمام مسلم بإيرادها في تتمة النص: " وسنذكر من مذاهبهم وأقوالهم ".
ثم أورد تلكم الأمثلة فمنها:-
ردَّ زيادة الإمام مالك - على جلالة قدره وحفظه - في حديث (١٠٥)، بوبه فقال:" ذكر حديث وهم مالك بن أنس في إسناده ". -ثم قال-: " حدثنا مسلم
قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا مالك عن هشام عن أبيه أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول:" صلينا وراء عمر بن الخطاب الصبح فقرأ سورة يوسف وسورة الحج قراءة بطيئة، فقلت: إذن والله كان يقوم حين يطلع الفجر، قال أجل". سمعت مسلمًا يقول: فخالف أصحاب هشام هلم جرا مالكًا في هذا الإسناد، في هذا الحديث. (١٠٦) أبو أسامة عن هشام قال: أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة قال:" صليت خلف عمر فقرأ سورة الحج وسورة
_________________
(١) التمييز ص١٧٠ - ١٧٢ بتصرف.
[ ٢١٤ ]
يوسف قراءة بطيئة ". وكيع عن هشام أخبرني عبد الله بن عامر، وحاتم عن هشام عن عبد الله بن عامر قال:" صلى بنا عمر ". سمعت مسلمًا يقول: فهؤلاء عدة من أصحاب هشام كلهم قد أجمعوا في هذا الإسناد على خلاف مالك، والصواب ما قالوا دون ما قال مالك يتلوه مالك بإسناده " (١).
أقول: زاد الإمام مالك بن أنس: كلمة " الصبح "، فانفرد بها عن بقية الرواة فصوب الإمام مسلم رواية الجماعة ووهمه. فلو كان الإمام مسلم يقول بالزيادة فلماذا ردها من الإمام مالك، وسيأتي مزيد كلام عليه في الفصل التطبيقي.
المطلب السادس: مذهب الإمام الترمذي.
قال: " ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه مثل ما روى مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال:
" فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين صاعا من تمر أو صاعا من شعير".
قال وزاد مالك في هذا الحديث من المسلمين وروى أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر ولم يذكروا فيه من المسلمين وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه وقد أخذ غير واحد من الأئمة بحديث مالك واحتجوا به منهم الشافعي وأحمد بن حنبل قالا: إذا كان للرجل عبيد غير مسلمين لم يؤد عنهم صدقة الفطر واحتجا بحديث مالك فإذا زاد
حافظ ممن يعتمد على حفظه قبل ذلك عنه ورب حديث يروى من أوجه كثيرة وإنما يستغرب لحال الإسناد " (٢).
أقول: رغم أن الكثير من بعض أهل المصطلح فهموا من سياق كلام الترمذي -آنفًا- أنه يتحدث عن زيادة الثقة بالمفهوم الذي نعنيه اليوم بيد أني أرى أن الترمذي لا يتحدث عن هذه الزيادة والله أعلم-، وهي: " أن يروي جماعة حديثًا واحدًا بإسناد واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة لم يذكرها بقية الرواة " (٣).
_________________
(١) التمييز ص ٢٢٠.
(٢) العلل في آخر الجامع ٥/ ٧١٢.
(٣) شرح علل الترمذي، ابن رجب ٢/ ٦٣٥.
[ ٢١٥ ]
وهذا يعني أنه لو زاد ثلاثة رواة زيادة على مجموعة أخرى فهذه ليست زيادة وإنما الزيادة هي أن يروي جماعة حديثًا واحدًا بسند واحدٍ ثم يأتي آخر فيرويه بنفس السند ولكنه يزيد عليهم رجلًا آخر أو يصل ما أرسلوه أو يرفع ما وقفوه أو يزيد كلمة أو جملة في المتن لم يذكروها.
وليس الأمر هكذا عند الترمذي في المثال الذي مثل به، وإنما أراد أن يضرب مثلًا على معنى الغريب الذي ذكره في مصنفه هذا (الجامع).
فقال: " وما ذكرنا في هذا الكتاب: -حديث غريب- فإن أهل الحديث يستغربون الحديث لمعان: -رب حديث يكون غريبًا لا يروى إلا من وجه واحد مثل ما روى حماد بن سلمة . ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث ". (١).
وإلا فهذا الحديث ليس فيه زيادة ثقة البتة، قال النووي: " لا يصح التمثيل به فقد وافق مالكًا عمر بن نافع، والضحاك بن عثمان " (٢).
وقال الحافظ العراقي: وعلى تقدير عدم الورود من هذه الحيثية، فيرد عليه -أي ابن الصلاح- من جهة تعبيره لعبارة الترمذي، لأن الترمذي لم يطلق تفرد مالك به (٣).
وهنا إشكال: هو أن ابن الصلاح قوّل الترمذي بالزيادة ونسبها إليه، فرد عليه النووي: لا يصح التمثيل به، ثم رد الحافظ العراقي كون هذا مراد الترمذي.
وقد وجه هذا الخلاف الحافظ ابن حجر فقال: " ثم راجعت كتاب الترمذي فوجدته في كتاب الزكاة قد أطلق كما حكاه عنه المصنف -أي ابن الصلاح- ولفظه: " حديث ابن عمر -﵀- رواة مالك عن نافع عن ابن عمر﵄- نحو حديث أيوب وزاد فيه من المسلمين " (٤). ورواه غير واحد عن نافع، ولم يذكر فيه من المسلمين وفي كتاب " العلل المفرد " قد قيد كما حكاه عنه شيخنا -أي العراقي- فكان ابن الصلاح نقل كلامه من كتاب الزكاة ولم يراجع كلامه في العلل -والله أعلم-" (٥).
وهكذا يتضح أن الترمذي لم يرد المعنى الذي نريده من الزيادة فليس مثل الترمذي
_________________
(١) العلل في آخر الجامع ٥/ ٧١١ - ٧١٢.
(٢) تدريب الراوي، السيوطي ١/ ٢٠٦.
(٣) انظر النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩٦.
(٤) جامع الترمذي حديث (٦٧٦).
(٥) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩٦ - ٦٩٧.
[ ٢١٦ ]
- علمًا وحفظًا- يفوته حديث أخرجه " شيخه " البخاري وكذا مسلم.؟!
فقد تابع مالكًا عمرُ بن نافع -مولى ابن عمر- عند البخاري (١) والضحاك عن نافع -عند مسلم في صحيحه (٢).
قال ابن حجر: " وفي هذا رد على من زعم أن مالكًا تفرد بها " (٣).
وإنما أراد أن يقول: إنّ أحسن الطرق وأصحها في هذا طريق مالك عن نافع عن ابن عمر به، لذا فإنه أشار إلى الذين تابعوا مالكًا بها ولكنه وصفهم بعدم الحفظ.
وقد ذكر ابن حجر في الفتح المتابعات الكثيرة لزيادة مالك " من المسلمين "، فقال: " وقد وقع لنا من رواية جماعة غيرهما منهم كثير بن فرقد عند الطحاوي والدارقطني والحاكم، ويونس بن يزيد عند الطحاوي والمعلى بن إسماعيل عند ابن حبان في صحيحه، وابن أبي ليلى عند الدارقطني " (٤).
ثم أردف:" وفي الجملة ليس فيمن روى هذه الزيادة أحدٌ مثل مالك، لأنه لم يتفق على أيوب وعبيد الله في زيادتها (٥) " (٦).
والأهم من هذا كله أن الترمذي قد أعلّ كثيرًا من الأحاديث المتصلة بالأحاديث المرسلة رغم أنّ الذي وصله ثقات، والمطلع على كتابه العلل يجده واضحًا، بل حتى كتابه السنن فإنّ فيه الأمثلة الكثيرة التي تؤيد هذا الكلام، وسيأتي بيانه في الفصل التطبيقي إن شاء الله تعالى.
والذي نريد أن نقوله: أن نسبة القول إلى الإمام الترمذي أنه يقول بقبول الزيادة مطلقًا، أو على مفهوم المتأخرين هو أمرٌ غير صحيح، وغاية الذي يزعم هذا قول الترمذي الذي سبق وقد بينا أنه في غير محله، وإنما هو يقبلها على مفهوم المتقدمين، والله أعلم.
_________________
(١) برقم (١٥٠٣).
(٢) ٢/ ٦٧٨ (٩٨٤).
(٣) فتح الباري ٣/ ٤٧١، بتصرف يسير.
(٤) فتح الباري ٣/ ٤٧٢، وانظر ص ١٨٤ من هذا البحث.
(٥) قول الحافظ هذا فيه نظر، إذ إن البخاري ابتدأ بحديث عمر بن نافع، وفيه زيادة من المسلمين، ثم ثنّى بحديث مالك وهذا له معنى عند البخاري، فالأصل في هذا حديث عمر بن نافع.
(٦) مصدر سابق.
[ ٢١٧ ]
وقد تناول الشيخ عداب الحمش موضوع الزيادة عند الترمذي في أطروحته وخرج بنتيجة وهي: " مذهب الترمذي هو قبول زيادة الثقة غالبًا كما هو صريح قوله " (١).
وقد مثل بأمثلة، وختمها بقوله:" قلت: في هذا القدر من الأمثلة كفاية للوقوف على صنيع الحافظ الترمذي في قبول زيادة الثقة مطلقًا، كما هو مذهب شيخه البخاري " (٢).
وبين غالبًا ومطلقًا فرق كبير، ناهيك عن أن هذه النتيجة لا تسلم من نقد عريض! كما بيناه، وسنناقش هاتيك الأمثلة في الفصل التطبيقي، إن شاء الله تعالى.
المطلب السابع: مذهب الحافظ ابن خزيمة.
قال البيهقي:" قال ابن خزيمة في صحيحه:" لسنا ندفع أن تكون الزيادة في الأخبار مقبولة من الحفاظ، ولكنا إنما نقول: إذا تكافأت الرواة في الحفظ والإتقان والمعرفة بالأخبار فزاد حافظ متقن عالم بالأخبار كلمة قبلت زيادته. لا أن الأخبار إذا تواترت بنقل أهل العدالة والحفظ والإتقان زيادة إن تك تلك الزيادة تكون مقبولة " (٣).
قال السخاوي في سياق الحديث عن قبول زيادة الثقة: " وقيده ابن خزيمة باستواء الطرفين في الحفظ والإتقان، فلو كان الساكت عددًا، أو واحدًا أحفظ منه، أو لم يكن هو حافظًا، ولو كان صدوقًا فلا " (٤).
قلت: وهذا نص صريح من إمام الأئمة ابن خزيمة -﵀ - إذ صرح أن المقصود في الزيادة المقبولة هي تلك التي يزيدها حافظ على حافظ، لا أن يشذ حافظ على جماعة الحفاظ، إذ قد صرح بعدم قبولها، وهو صنيع المتقدمين أجمعين.
ولخص لنا الحافظ ابن حجر العسقلاني منهج الأئمة المتقدمين في قبول الزيادة فقال:" المنقول عن أئمة الحديث المتقدمين: كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة الرازي،
_________________
(١) أقوال الإمام الترمذي في نقد الرجال ص٢٦٠.
(٢) أقوال الترمذي ص٢٢٧.
(٣) كتاب القراءة خلف الإمام ص ١١٧، ولم أقف عليه في المطبوع من مختصر ابن خزيمة، كما يسمى خطًا: (الصحيح)، فلعله في المفقود منه.
(٤) فتح المغيث ١/ ٢٣٤.
[ ٢١٨ ]
وأبي حاتم، النسائي، والدارقطني، وغيرهم: اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة " (١).
ثم بين لنا المرجحات فقال:" فحاصل كلام هؤلاء الأئمة أن الزيادة إنما تقبل ممن يكون حافظًا، متقنًا، حيث يستوي مع من زاد عليهم في ذلك، فإن كانوا أكثر عددًا منه، أو كان فيهم من هو أحفظ منه، أو كان غير حافظ، ولو كان في الأصل صدوقًا فإن زيادته لا تقبل، وهذا مغاير لقول من قال: زيادة الثقة مقبولة وأطلق " (٢).
المبحث الرابع: قرائن قبول زيادة الثقة عند المتقدمين:
وخلاصة ما تقدم من أقوال الأئمة المتقدمين نقول: صرح أئمة الحديث من المتقدمين أن الزيادة من الثقة مقبولة، ولكن مفهوم الزيادة عندهم يختلف عما يُعرّفه المتأخرون، فصورة الزيادة المقبولة عندهم هي: أن يروي ثقة حديثًا بصورة ما، ثم يأتي ثقة آخر فيزيد عليه زيادة وصل أو رفع أو لفظة أو جملة، وكذا إذا رواها اثنان بشكل وزاد عليهم ثقتان أي شريطة التكافؤ.
ومن خلال الأمثلة التي صرّحوا فيها بقبول الزيادة، أو ضدها يمكننا تلخيص بعض القرائن التي اعتمدوها من خلال الآتي: -
(١) - زيادة صحابي على صحابي آخر: وهو أن يروي صحابي حديثًا عن رسول الله - ﷺ - ثم يأتي صحابي آخر فيزيد على ذلك الصحابي لفظة ما، وهذه الزيادة مقبولة بالاتفاق، إذا صح السند. ومن أمثلتها:_
أ- زيادة أبي سعيد على أبي هريرة - ﵁ - في حديث " آخر أهل النار خروجًا " إذ جاء في رواية أبي هريرة - ﵁ -: " لك ذلك ومثله معه "وزاد أبو سعيد على أبي هريرة فقال: " قال الله: لك ذلك وعشرة أمثاله والحديث كما أخرجه البخاري (٧٤٣٧) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: " أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله قال:" فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعْ " الحديث ومنه: " ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد،
_________________
(١) نزهة النظر ص ٤٩.
(٢) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩٠.
[ ٢١٩ ]
ويبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولًا الجنة، مقبل بوجهه قبل النار، فيقول: يا رب، اصرف وجهي عن النار، قد قشبني ريحها واحرقني ذكاؤها، فيقول: هل عسيت أن فعل ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا وعزتك، فيعطي الله ما يشاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا اقبل الله ما يشاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا رب قدمني عند باب الجنة، فيقول الله له: أليس قد أُعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب. لا أكون أشقى خلقك، فيقول: فما عسيت أن أُعطيت ذلك أن لا تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسال غيره ذلك، فيعطي ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا رب أدخلني الجنة فيقول الله: ويحك يا ابن آدم، ما اغدرك، اليس قد أُعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي اعطيت؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله ﷿ منه ثم يأذن له في دخول الجنة، فيقول: تمنَّ فيتمنى حتى انقطعت أُمنيته، قال
الله ﷿ من كذا وكذا اقبل يذكره ربه، حتى إذا انتهت به الأماني قال الله تعالى: لك ذلك مثله معه".
قال أبو سعيدٍ الخدري لأبي هريرة، ﵄: أن رسول الله - ﷺ - قال: قال الله لك ذلك وعشرة أمثاله، قال أبو هريرة: لم احفظ من رسول الله إلا قوله: لك ذلك ومثله معه، قال أبو سعيد إني سمعته يقول ذلك وعشرة أمثاله. " (١).
قال الحافظ ابن حجر: " الزيادة الحاصلة بين الصحابي، على صحابي آخر، إذا صح السند إليه فلا يختلفون في قبولها، كحديث أبي هريرة - ﵁ - الذي في الصحيحين، في قصة آخر من يخرج من النار وكحديث ابن عمر، ﵄: الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء (٢)، وفي حديث ابن عباس ﵄ عند البخاري (٣): فأبردوها بماء زمزم " (٤).
ب- ونقل الحافظ ابن حجر عن الإمام البخاري القول: " ما زاده بن عمر وعلى
_________________
(١) أنظر تخريجه كاملا في المسند الجامع ١٨/ (١٥٢٦٦).
(٢) أنظر تخريجه كاملا في المسند الجامع ١٠/ ٦٣٠ - ٦٣١ (٧٩٩٠و ٧٩٩١).
(٣) أنظر المسند الجامع ٩/ ٣٥٠ (٦٧١٥).
(٤) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٩١ - ٦٩٢ وانظر توضيح الأفكار، الصنعاني ٢/ ١٨.
[ ٢٢٠ ]
وأبو حميد في عشرة من الصحابة من الرفع عند القيام من الركعتين صحيح لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فاختلفوا فيه وإنما زاد بعضهم على بعض والزيادة مقبولة من أهل العلم " (١).
جـ- قال ابن أبي حاتم ١/ ١٠٠ (٢٧٢): " سالت أبي عن حديث رواه منصور عن مجاهد عن أبي عياش الزرقى عن النبي - ﷺ - في صلاة الخوف، يزيد فيها جرير فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر هذه الزيادة محفوظة قال نعم هو صحيح ".
قلت: قبل أبو حاتم زيادة الصحابي (جرير) على الآخر (الزرقي).
(٢) زيادة الراوي إذا كان ثقة على جماعة غير ثقات: وهذا أمر لا خلاف عليه، فالثقة الحافظ حجة على غيره غير الحفاظ، ولو كثر عددهم.
(٣) زيادة الراوي الضعيف على الضعفاء أو على الثقة أو الثقات مردودة أيضًا.
(٤) زيادة الراوي الثقة على الثقة أو زيادة الثقات - جماعة - على الثقات.
وفي مثل هذا يلاحظ المتقدمون القرائن كالأحفظ، والأضبط، وغيرها من المرجحات، وفي مثل هذه الحالة، أعني: " التكافؤ "، أطلق الأئمة مصطلح القول أنّ: " زيادة الثقة مقبولة ". وشرع المتأخرون يبنون على هذه القاعدة قبول الأحاديث معلولة بحجة أنّ المتقدمين يقولون بالقبول المطلق أو المشروط لزيادة الثقة.
وسأوضح ذلك بالأمثلة:
ا- حديث " لا نكاح إلاّ بولي " (٢).
التعليق: أطلق البخاري هنا مصطلح الزيادة من الثقة مقبولة لزيادة جماعة أمام جماعة.
ب- قال ابن أبي حاتم (١٣٩٧): " سألت أبي وأبو زرعة عن حديث رواه مخالد بن سعيد عن الشعبي عن الحارث عن على عن النبي - ﷺ - أنه قال:" المعدن جبار ".؟ وذكرت لهما الحديث فقالا: هذا خطأ إنما هو عن الشعبي عن جابر عن النبي - ﷺ -،وهو الصحيح. وسألتهما عن حديث رواه أبو إسحاق عن الحارث بن مضرب في قصة ابن النواحة
_________________
(١) فتح الباري ٢/ ٢٨٣. وقد بينا أنه صرح بقبول هذا النوع في صحيحه ص ٢٠٨.
(٢) أنظر تفصيل الإجابة صفحة ١٨٢ من هذا البحث.
[ ٢٢١ ]
الزيادة التى يزيد أبو عوانة أنه قال: "وكفلهم عشائرهم ". هو الصحيح؟ فقالا: رواه الثورى ولم يذكر هذه الزيادة إلا أن أبا عوانة ثقة وزيادة الثقة مقبولة ".
التعليق: صرحا أن الزيادة من الثقة مقبولة، وأرادا بها زيادة ثقة واحد أمام ثقة واحد - متكافئين في العدد -.
ج- قال ابن أبي حاتم (١٤٤٢): " وسألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن اسحق بن عبد الله بن الحرث: " أن النبي - ﷺ - اشترى حلة يمانية ببضع وعشرين دينارا ". ورواه همام عن قتادة عن علي بن زيد أن النبي - ﷺ -.؟ قال أبي: قصر همام، وزاد حماد وهي زيادة صحيحة."
التعليق: قبل زيادة حماد بن سلمة لما زاد على همام، لأنها متكافئة، وهو ثقة (١).
د- وقال الترمذي في العلل حديث (١٣٠): حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال:" إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ". قال أبو عيسى: وهكذا روى حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة ولم يرفعه، وقال أيوب السختياني وزياد بن سعد وزكريا بن إسحاق ومحمد بن جحادة وورقاء بن عمر وإسماعيل بن مسلم رووا عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، وروى عبد الله بن عياش بن عباس القتباني عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، ومرفوع أصح ".
التعليق: صحح الترمذي زيادة رفع الحديث لما رواه: " سفيان بن عيينة وحماد بن زيد " وهما ثقتان موقوفًا، ورواه: " أيوب السختياني، وزيادة بن سعد، وزكريا بن إسحاق، ومحمد بن حمادة، وورقاء بن عمر، وإسماعيل بن مسلم " مرفوعًا.
هـ- أخرج البخاري حديث (١٠٢٠) فقال: حدثنا محمد بن كثير عن سفيان حدثنا منصور والأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال أتيت بن مسعود فقال: إنّ قريشا أبطؤوا عن الإسلام فدعا عليهم النبي - ﷺ - فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، فجاءه أبو سفيان فقال: "يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وإن قومك هلكوا فادع الله. فقرأ: " فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ". ثم
_________________
(١) وللمزيد أنظر الأحاديث: (٢٩٦،و٣٧٢ و١٠٠٣).
[ ٢٢٢ ]
عادوا إلى كفرهم فذلك قوله تعالى: يوم نبطش البطشة الكبرى " يوم بدر.
قال أبو عبد الله: وزاد أسباط عن منصور: " فدعا رسول الله - ﷺ - فسقوا الغيث فأطبقت عليهم سبعا، وشكا الناس كثرة المطر. قال: اللهم حوالينا ولا علينا فانحدرت السحابة عن رأسه فسقوا الناس حولهم ".
قلت: الإمام البخاري هنا أورد زيادة ثقة: "أسباط بن نصر ".لما كانت متكافئة، ثقة واحد أمام آخر (١).
٦ - زيادة جماعة الثقات على ثقة واحد أو دونه في الضبط والحفظ تقبل عندهم.
٧ - إذا روى ثقة أو جماعة من الثقات حديثًا متصلًا سنده ثم جاء راوٍ آخر فزاد في إسناده رجلًا لم يذكره الباقون فإن كان من ثقة حافظ قبل وهذا ما يسميه علماء المصطلح " المزيد في متصل الأسانيد " وإن لم يكن ثقة عد ذلك من الوهم.
وسأذكر أمثلة من صنيع المتقدمين:
١ - أخرج الترمذي في جامعه (٣٠٣) فقال: " حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر أخبرني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي - ﷺ - فرد ﵇ فقال: " ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع الرجل فصلى كما كان صلى. ثم جاء إلى النبي - ﷺ - فسلم عليه فرد ﵇، فقال له رسول الله - ﷺ -: " ارجع فصل فإنك لم تصل، حتى فعل ذلك ثلاث مرار، فقال له الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني؟ فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن
_________________
(١) أخرجه البخاري صحيحه (١٠٢٠)،والبيهقي ١/ ١٤٤، اذ قد رواه عن منصور عدة ثقات دون الزيادة منهم جرير بن حازم عن منصور وحده: أخرجه البخاري (١٠٠٧) وشعبة عن منصور والأعمش: عند أحمد ١/ ١٤٤ والبخاري (٤٨٢٤)، والترمذي (٣٢٥٤)، ومن طريق سفيان الثوري: عنهما، عند البخاري (٤٧٧٤). قلت: أسباط وجرير فقط، روياه عن منصور وحده، أما الباقون فقد رووه عن منصور والأعمش، فهذا ليس من قبيل زيادة واحد على واحد. أنظر فتح الباري ٢/ ٦٥٠.
[ ٢٢٣ ]
ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا وافعل ذلك في صلاتك كلها ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، قال: وقد روى ابن نمير هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ولم يذكر فيه عن أبيه عن أبي هريرة، ورواية يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر أصح، وسعيد المقبري قد سمع من أبي هريرة وروى عن أبيه عن أبي هريرة وأبو سعيد المقبري اسمه كيسان وسعيد المقبري يكنى أبا سعد وكيسان عبد كان مكاتبا لبعضهم ".
قلت: فهنا الإمام الترمذي صرح بقبول الزيادة لماّ كانت من المزيد في متصل الأسانيد، إذ تحقق سماع سعيد المقبري من أبيه، ومن أبي هريرة، كما قال الترمذي:"
وسعيد المقبري قد سمع من أبي هريرة وروى عن أبيه عن أبي هريرة ". فهذه بعض الوجوه التي قبل فيها المتقدمون زيادة الثقة وصرحوا بقبولها وفق القرائن المرجحة لديهم.
وقد أحسن الحافظ ابن حجر بقوله:"ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص لا يخفى على الممارس الفطن الذي أكثر من جمع الطرق " (١).
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٧٧٨.
[ ٢٢٤ ]