[ ٢٢٥ ]
تمهيد
أولًا: في الإسناد:
إن مما هو مقرر أولًا أنّ القرآن الكريم محفوظ بحفظ الله تعالى له ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (١)، فهيأ الله تعالى حَفَظَةَ الصدور والكتاب، لحفظ هذا القرآن العظيم، ومثلما حُفظ القرآن، حُفظت السنة، وإن كان الفرق واضحًا، ولكن هيأ الله تعالى حُمّالًا وحفاظًا، أتقياء حملوا لواء السنة المطهرة نفوا عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ويمكن تقسيمهم على طبقات، وأول هذه الطبقات:
طبقة الصحابة الكرام ..
كان الصحابة الكرام - ﵃ - حريصين كل الحرص على حفظ حديث رسول الله - ﷺ -، فكانوا يتناوبون المرات في حضور الجلسة النبوية، إذا ما عرض لهم عمل أو شغلهم شاغل، فعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - قال:: " كنت أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد - وهي من عوالي المدينة -وكنا نتناوب النزول على رسول الله - ﷺ - ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك " (٢).
ومثلما حرصوا على سماع الحديث، حرصوا على أدائه، وتبليغه للناس، تطبيقًا لقول رسول الله - ﷺ -: " نضر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها، ثم بلغها عني " (٣). وكذلك قول النبي - ﷺ - لوفد عبد القيس:" احفظوه وأخبروه من وراءكم " (٤).
ثم انتشر الصحابة الكرام في الأمصار فتوزعوا فيها، ونشروا السنة النبوية، وعقدت الحلقات والجلسات، فكان بعض الصحابة يعقد مجلسًا للتفسير وآخر للفقه. وكان من أبرزهم ابن عباس، وأبو هريرة، وأم المؤمنين عائشة، وابن عمر وغيرهم كثير.
_________________
(١) الحجر / ٩.
(٢) أخرجه البخاري (٨٩)، وغيره.
(٣) أخرجه أحمد ٤/ ٨٠ و٨٤، وغيره.
(٤) أخرجه البخاري (٨٧)، وغيره.
[ ٢٢٧ ]
ثم تأتي طبقة التابعين وتميزت هذه الطبقة بكتابة الحديث الشريف وتدوينه، فكانوا همزة الوصل بين الصحابة في القرن الأول والمصنفين في بداية القرن الثاني وكان من أبرزهم سعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن البصري، وبشير بن نهيك، وهمام بن منبه، وسعيد بن جبير، وقتادة السدوسي، ومحمد بن الحنفية وغيرهم (١).
فاختلطت أنفاسهم بأنفاس الصحابة الكرام ونهموا العلم نهمًا، وحفظوا وكتبوا آلاف الأحاديث النبوية، فجمعوا أقوال الصحابة الكرام وفتاويهم، فكانوا حصنًا حصينًا للسنة النبوية من كيد المنتحلين، الذين دخلوا الإسلام للطعن فيه، وخاصة بعد الفتوحات الإسلامية الواسعة، وبعد وقوع الفتن والقلاقل بين المسلمين، فظهر الكذابون،
والوضاعون، الذين دسوا في السنة ما ليس منها، فسلط الله عليهم حملة الحديث، وعلماء السنة المشرفة يذودون عنها، ويغربلونها.
طبقة المصنفين:
وفي مطلع القرن الثاني الهجري توفي الصحابة الكرام ويوشك التابعون أن يتوفون، وهم الذين تلقوا عنهم، فكان محدثو هذه الطبقة أمام تراث كبير من السنة النبوية، مضافًا إليهم حديث الوضّاعين والكذابين وخاصة بعد تعمق الخلافات السياسية، وبزوغ رؤوس للفتن، فما برح هؤلاء المغرضون يضعون الأحاديث، ويكذبون على رسول الله - ﷺ - فدسوا الأباطيل بما يوافق أهواءهم وأغراضهم فهذا الإمام مالك يقول في فرقة من تلك الفرق: " لا تكلمهم ولا ترد عنهم فإنهم يكذبون " (٢) - يعني الرافضة -، ويقول الإمام الشافعي: " ما رأيت في أهل الأهواء قومًا أشهد بالزور من الرافضة " (٣).
وقال شريك القاضي في الرافضة: " يضعون الحديث ويتخذونه دينًا " (٤).
وفي مقابل هذا وضع بعض جهلة أهل السنة الأحاديث التي ترفع من شأن الصحابة - وهم معدلون برضى الله تعالى عنهم - الذين وضع فيهم الرافضة أحاديث تنتقص منهم، وخاصة في معاوية والأمويين من منطلقات سياسية، وكذا الحال بالنسبة
_________________
(١) انظر توثيق السنة في القرن الثاني الهجري، د. رفعت فوزي عبد المطلب ص٦٠.
(٢) توثيق السنة ص٦٤.
(٣) الكفاية، الخطيب البغدادي ص ١٢٦.
(٤) توثيق السنة ص٦٤.
[ ٢٢٨ ]
للعباسيين (١).
ومن ذلك ما قاله حماد بن زيد قال:" وضعت الزنادقة على رسول الله - ﷺ - أربعة عشر ألف حديث منهم عبد الكريم بن ابي العوجاء الذي قتل وصلب في زمن المهدي، ولما أخذ ليضرب عنقه قال وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحلل الحرام " (٢).
بل فشا الكذب، حتى بلغ الأمر بضعاف الدين والنفوس أنهم يضعون الأحاديث المكذوبة على رسول الله - ﷺ - من أجل مكسب مادي، أو التزلف إلى السلطان! ومن
ذلك: أن المهدي كان يحب الحمام ويشتهيها فأدخل عليه غياث بن إبراهيم فقيل له:" حدث أمير المؤمنين؟ فحدث بحديث أبى هريرة:" لا سبق إلا في حافر أو نصل أو جناح ". فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم. فلما قام قال المهدي: أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله - ﷺ -، وإنما استجلبت ذلك أنا. فأمر بالحمام فذبحت، وقال: من أجلها هذا كذب على رسول الله - ﷺ - فما ذكر غياثًا بعد ذلك " (٣).
وكذا الخلافات المذهبية الفقهية والكلامية، وأحاديث أهل الترغيب والترهيب، التي شاعت آنذاك لمواجهة ضعف التدين والعبادة.
وأحاديث القصاصين الذين يستثيرون عاطفة عامة الناس لابتزاز أموالهم، أو لموافقة رغبات الحكام آنذاك، حتى قال أحدهم للخليفة المهدي: إن شئت وضعت لك أحاديث في فضل العباس! (٤).فهذه الأمثلة توضح مدى الصعوبة التي واجهها علماء المسلمين، وخاصة علماء الحديث، الذين رزقوا الفهم مع العلم، والبصيرة مع الحفظ، فلم يقفوا مكتوفي الأيدي بل دققوا المتون وفتشوا الأسانيد، وعروا الكذابين والمنتحلين، فكان أحدهم يعرف الحديث مثلما يعرف أبناءه!،ومن ذلك ما نقله الخطيب في كفايته قال:" قال الربيع بن خثيم: إن من الحديث حديثًا له ضوء كضوء النهار نعرفه، وإن من الحديث حديثًا له ظلمة كظلمة الليل ننكره، كتب إلينا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان
_________________
(١) مصدر سابق.
(٢) تدريب الراوي، السيوطي ١/ ٢٤٠، بتصرف يسير، وانظر الكفاية، الخطيب البغدادي ص ٤٣١.
(٣) الإرشاد، الخليلي ٢/ ٥٩٣ - ٥٩٤، وانظر نزهة النظر، ابن حجر ص ٦٥، وتدريب الراوي، السيوطي ١/ ٢٤١.
(٤) انظر تدريب الراوي ١/ ٢٤١، وتوثيق السنة ص٦٤ - ٦٥.
[ ٢٢٩ ]
الدمشقي وحدثناه محمد بن يوسف النيسابوري عنه قال: حدثنا أبو الميمون البجلي، قال: حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النصري قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت الأوزاعي يقول: كنا نسمع الحديث ونعرضه على أصحابنا كما نعرض الدرهم الزائف فما عرفوا منه أخذناه وما أنكروا منه تركناه، أخبرنا محمد بن الحسين القطان قال: أخبرنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا أحمد بن علي الأبار قال: قال أبو غسان، يعني زنيجًا: قال جرير: كنت إذا سمعت الحديث جئت به إلى المغيرة فعرضته عليه فما قال لي القه ألقيته " (١).
فكل هذا التراث الفكري والعقائدي غثّه وسمينه كان أمام علماء الحديث، حينما تصدوا لجمع الحديث النبوي الشريف، وغربلته.
ثم فكّر علماء المئة الثانية بتصنيف الحديث، وتبويبه على أنحاء شتى، وصيغ مختلفة، فظهرت المصنفات والأبواب، والمسانيد والجوامع، وغير ذلك.
وإذا استثنينا الكتب التي نص مؤلفوها على صحتها، مثل صحيحي البخاري ومسلم ونحوهما، فإن مؤلفي الكتب الأخرى مثل أصحاب المصنفات، والمسانيد، والسنن، وإن لم يشترطوا الصحة في الأحاديث التي أخرجوها في مصنفاتهم ولكنهم لم يُورِدُوها عبثًا، بل اختاروها من ذلك التراث الضخم الذي جاءهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم.
فالإمام أحمد مثلًا اختار مسنده والذي هو بزهاء الثلاثين ألف حديث من مجموع سبعمائة ألف حديث!! (٢)، والإمام البخاري أخرج صحيحه من زهاء ستمائة ألف حديث (٣)، وأحاديثه بالمكرر بحدود السبعة آلاف وخمسمائة حديث فقط، وانتقى الإمام مسلم أحاديث
صحيحه من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة (٤)، وقال أبو داود: كتبت عن رسول الله - ﷺ - خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب يعنى كتاب السنن، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه " (٥).
وهكذا مع بقية المصنفات الأخرى التي أخرجت الأحاديث النبوية في تلك الحقبة.
_________________
(١) الكفاية ١/ ٤٣١.
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة، ابن رجب ١/ ١٣٠.
(٣) تأريخ الخطيب ٢/ ٣٢٧.
(٤) تأريخ الخطيب ١٥/ ١٢٢، وانظر مقدمة تحقيقه لد. بشار عواد ١/ ١٦٧.
(٥) انظر تأريخ الخطيب ١٠/ ٧٨، ومقدمة تحقيقه١/ ١٦٧.
[ ٢٣٠ ]
وهذه الأحاديث التي أثبتوها لم يثبتوها عشوائيًا أو على سبيل الموافقة، وإنما كان ذلك بعد أن " رحلوا من أجلها إلى البلدان النائية، وطوفوا في البلدان شرقًا وغربًا ليصدروا عن خبرة وعيان وسألوا عن الرواة واطَّلعوا على مروياتهم ومدوناتهم ومحفوظاتهم " (١).
فالأحاديث التي دونوها إنما دونوها بناءً على قواعد هي في أذهانهم نابعة من سعة حافظتهم واطِّلاعهم، وسبرهم للمرويات الكثيرة التي وقفوا عليها فعلموا أنَّ هذا الحديث يصح عن فلان ولا يصح عن فلان، وأنَّه من رواية فلان وليس من رواية غيره.
فحينما يقول أبو حاتم - مثلًا -: هذا الحديث لا يصح من رواية أنس مع أن طريقه ثقات فإن ذلك يعني سبر كل طرق الحديث ومظانه، بحيث أدرك يقينًا أنه ليس من رواية أنس - قطعًا -.
وقد كتب الأئمة بعض الأحاديث عن الضعفاء والكذابين فوجدوا أحاديثهم مما لا يجوز تدوينها في كتبهم إما لأنها ليست من كلام النبي - ﷺ -، أو لأن فيها من الغلط الفاحش في الإسناد أو المتن مما يتعين تركها ورميها، فتغربلت الروايات الكثيرة غربلة دقيقة وهذا ما نص عليه الأئمة، يقول الإمام يحيى بن معين: " كتبنا عن الكذابين، وسجرنا به التنور، وأخرجنا به خبزًا نضيجًا " (٢).
فالمتقدمون قلما فاتهم حديث، وقلما تركوا حديثًا صحيحًا أو حسنًا أو ضعيفًا ضعفًا مقبولًا إلاّ ودونوه في مصنفاتهم، بل وحتى الذين اشترطوا الصحة في حديثهم فإنه قلما يفوتهم الحديث الصحيح، يقول محمد بن يعقوب الأخرم: " قلما يفوت البخاري ومسلمًا مما يثبت من الحديث " (٣).
فإذا ترك البخاري أو مسلم حديثًا ما عليك إلا أن تتبع لماذا تركاه؟! وغالبًا ما يكون معلولًا، وخاصة إذا لم يكن في الباب غيره، أو كان مشهورًا عندنا اليوم.
وبعبارة أخرى: المتقدمون سبروا المرويات، ودرسوا الأسانيد والمتون دراسة وافية شافية فعرفوا المقبول من المتروك، والصحيح من المكذوب، فدونوا مصنفاتهم بعد السبر والتحرير فكتبوا ما صح وتركوا ما لم يصح، إلا ما شاء الله تعالى، ولا يعني من الصحة
_________________
(١) د. بشار عواد، مقدمة تحقيقه لتأريخ الخطيب ١/ ١٦٦.
(٢) تاريخ الخطيب ١٦/ ٢٧٣.
(٣) تأريخ الخطيب ١٥/ ١٢٣.
[ ٢٣١ ]
ترك الحسن والضعيف المقبول، بل مفهوم الصحة عندهم أوسع مما عندنا، فالصحيح عندهم ما كان مقبولًا للعمل به.
وقد أخرجوا عن بعض الضعفاء ممن نسميهم اليوم ضعفاء أو قالوا هم فيهم ضعفاء ولكنهم أخرجوا لهم، وإخراجهم لهم لا يعني قبول حديثهم على إطلاقه، بل أخرجوا لهم
انتقاءً مثلما أخرج البخاري لإسماعيل بن أبي أويس، وحسان بن حسان، والحسن بن بشر، والحسن بن ذكوان، وخالد بن مخلد القطواني، وسليم بن زرير، وعبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة وغيرهم.
ومثلما أخرج مسلم لبعض هؤلاء فشارك شيخه وانفرد ببعض، كانتقائه من حديث إبراهيم بن المهاجر البجلي، وشريك القاضي، وعلي بن زيد بن جدعان، وعبد الله بن لهيعة، وغيرهم كثير (١).
ورغم ذلك انتقى الأئمة لهم ما صح من حديثهم وما قرنت منها بأحاديث الثقات.
وتخريج الشيخين لهؤلاء الضعفاء يعني استيعابها للطرق والمظان ولو صحت عندهم روايات غير هذه لما أثقلوا مصنفاتهم بتخريج طرق هؤلاء.
وهكذا نجد أن المتقدمين استوعبوا وغربلوا الطرق حتى صنفوا مصنفاتهم بناءًا على ذلك السبر وتلك المرويات، وتركوا آلافًا، بل مئات الآلاف من الطرق مما لم يصح أو لا يصلح لأن تسود به الصفحات.
يقول الشيخ العوني: " بل ما انقضى هذا القرن إلا والسنة جميعها مدونة، ولم يبق من الروايات الشفهية غير المدونة في المصنفات - بعد هذا العصر - شيء يذكر، إلا روايات الأفاكين، وأحاديث المختلقين، أو أخبار الواهمين المخلّطين " (٢).إلا ما شاء الله تعالى.
فاستقرت الروايات وعُرفت التخريجات والمتون وجمعت السنة النبوية بشكلها الكامل في مصنفات الأئمة بشكل نهائي - تقريبًا - انتهاءً بالإمام ابن خزيمة ت (٣١١) هـ رحمه الله تعالى، أي في نهاية القرن الثالث، ولهذا عد الإمام الذهبي هذا القرن هو الحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين -كما أسلفنا-.
ومما يدلل على هذا قول أبي عبد الله الحاكم:" فقد نبغ في عصرنا هذا جماعة
_________________
(١) تأريخ الخطيب ١٥/ ١٢٣.
(٢) المنهج المقترح ص ٥٢.
[ ٢٣٢ ]
يشترون الكتب فيحدثون بها وجماعة يكتبون سماعاتهم بخطوطهم في كتب عتيقة في الوقت فيحدثون بها فمن يسمع منهم من غير أهل الصنعة فمعذور بجهله فأما أهل
الصنعة إذا سمعوا من أمثال هؤلاء بعد الخبرة ففيه جرحهم وإسقاطهم إلى أن تظهر توبتهم على أن الجاهل بالصنعة لا يعذر فإنه يلزمه السؤال عما لا يعرفه وعلى ذلك كان السلف ﵃ أجمعين " (١). هذا أحد أئمة القرن الرابع، وهو الإمام الحاكم النيسابوري ت ٤٠٥ هـ نص على تخفف شروط العدالة والضبط لأهل زمانه، فلم يذكر في الضبط إلا ما يتعلق بضبط الكتاب، وقد أشار إلى هذه المسألة الإمام الرامهرمزي، في كتابه المحدث الفاصل (٢).
ونبه الحافظ ابن الصلاح إلى هذه المسألة فقال:" وقد سبق إلى نحو ما ذكرناه الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي ﵀ فإنه ذكر في ما روينا عنه توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زمانه الذين لا يحفظون حديثهم، ولا يحسنون قراءته من كتبهم، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، ووجه ذلك: بأن الأحاديث التي قد صحت أو وقفت بين الصحة والسقم قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم، وإن جاز أن يذهب على بعضهم لضمان صاحب الشريعة حفظها، قال - يريد البيهقي -: فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه، ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته والحجة قائمة بحديثه برواية غيره والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلًا بحدثنا وأخبرنا وتبقى هذه الكرامة التي خصت بها هذه الأمة شرفًا لنبينا المصطفى - ﷺ - " (٣).
وقال الخطيب البغدادي: " وقد استفرغت طائفة من أهل زماننا وسعها في كتب الأحاديث والمثابرة على جمعها من غير أن يسلكوا مسلك المتقدمين وينظروا نظر السلف الماضين في حال الراوي والمروي، وتمييز سبيل المرذول والمرضى، واستنباط ما في السنن من الأحكام وإثارة المستودع فيها من الفقه بالحلال والحرام، بل قنعوا من الحديث باسمه،
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص ١٥ - ١٦
(٢) انظر المحدث الفاصل ١٥٩ - ١٦٢، والمنهج المقترح، العوني ص ٥٣.
(٣) مقدمة ابن الصلاح ص ١٠٤.
[ ٢٣٣ ]
واقتصروا على كتبه في الصحف ورسمه فهم أقمار وحملة أسفار، قد تحملوا المشاق الشديدة وسافروا إلى البلدان البعيدة وهان عليهم الدأب والكلال، واستوطؤوا مركب
الحل والارتحال وبذلوا الأنفس والأموال وركبوا المخاوف والأهوال شعث الرؤوس شحب الألوان، خمص البطون، نواحل الابدان يقطعون أوقاتهم بالسير في البلاد طلبًا لما علا من الإسناد لا يريدون شيئًا سواه ولا يبتغون إلا إياه يحملون عمن لا تثبت عدالته ويأخذون ممن لا تجوز أمانته ويروون عمن لا يعرفون صحة حديثه ولا يتيقن ثبوت مسموعه ويحتجون بمن لا يحسن قراءة صحيفته، ولا يقوم بشيء من شرائط الرواية ولا يفرق بين السماع والإجازة ولا يميز بين المسند والمرسل والمقطوع والمتصل ولا يحفظ اسم شيخه الذي حدثه حتى يستثبته من غيره ويكتبون عن الفاسق في فعله المذموم في مذهبه وعن المبتدع في دينه المقطوع على فساد اعتقاده ويرون ذلك جائزًا والعمل بروايته واجبًا إذا كان السماع ثابتًا والإسناد متقدمًا عاليًا فجر هذا الفعل منهم الوقيعة في سلف العلماء وسهل طريق الطعن عليهم لأهل البدع والأهواء حتى ذم الحديث وأهله بعض من ارتسم بالفتوى في الدين ورأى عند إعجابه بنفسه انه أحد الأئمة المجتهدين بصدوفه عن الآثار إلى الرأي المرذول، وتحكمه في الدين برأيه المعلول وذلك منه غاية الجهل ونهاية التقصير عن مرتبة الفضل ينتسب إلى قوم تهيبوا كد الطلب ومعاناة ما فيه من المشقة والنصب، وأعيتهم الأحاديث أن يحفظوها واختلفت عليهم الأسانيد فلم يضبطوها فجانبوا ما استثقلوا وعادوا ما جهلوا وآثروا الدعة واستلذوا الراحة ثم تصدروا في المجالس قبل الحين الذي يستحقونه وأخذوا أنفسهم بالطعن على العلم الذي لا يحسنونه أن تعاطى أحدهم رواية حديث فمن صحف ابتاعها كفي مؤونة جمعها من غير سماع لها ولا معرفة بحال ناقلها وإن حفظ شيئًا منها خلط الغث بالسمين وألحق الصحيح بالسقيم وإن قلب عليه إسناد خبر أو سئل عن علة تتعلق بأثر تحير واختلط، وعبث بلحيته وامتخط تورية عن مستور جهالته فهو كالحمار في طاحونته ثم رأى ممن يحفظ الحديث ويعانيه ما ليس في وسعه الجريان فيه فلجأ إلى الازدراء بفرسانه واعتصم بالطعن على الراكضين في ميدانه، كما أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن جعفر الخرقي قال: أنبأنا أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم الختلي قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن علي الآبار قال: رأيت بالأهواز رجلًا حف شاربه وأظنه قد اشترى كتبًا وتعبأ للفتيا فذكروا أصحاب
[ ٢٣٤ ]
الحديث فقال: ليسوا بشيء، وليس يسوون شيئًا، فقلت له: أنت لا تحسن تصلي؟ قال: أنا؟! قلت: نعم، قلت:
أيش تحفظ عن رسول الله - ﷺ - إذا افتتحت الصلاة ورفعت يديك؟ فسكت!، فقلت: وأيش تحفظ عن رسول الله - ﷺ - إذا وضعت يديك على ركبتيك؟ فسكت!، قلت: أيش تحفظ عن رسول الله - ﷺ - إذا سجدت؟ فسكت!، قلت: مالك لا تكلم؟ ألم أقل لك إنك لا تحسن تصلى!، أنت إنما قيل لك تصلي الغداة ركعتين والظهر أربعًا فالزم ذا خير لك من أن تذكر أصحاب الحديث فلست بشيء، ولا تحسن شيئًا. فهذا المذكور مثله في الفقهاء كمثل من تقدم ذكرنا له ممن انتسب إلى الحديث ولم يعلق به منه غير سماعه وكتبه دون نظره في أنواع عمله.
وأما المحققون فيه المتخصصون به فهم الأئمة العلماء والسادة الفهماء أهل الفضل والفضيلة والمرتبة الرفيعة حفظوا على الأمة أحكام الرسول وأخبروا على أنباء التنزيل وأثبتوا ناسخه ومنسوخه وميزوا محكمه ومتشابهه ودونوا أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله وضبطوا على اختلاف الأمور أحواله، في يقظته ومنامه وقعوده وقيامه وملبسه ومركبه ومأكله ومشربه، حتى القلامة من ظفره ما كان يصنع بها والنخاعة من فيه كيف كان يلفظها وقوله عند كل فعل يحدثه ولدى كل موقف يشهده تعظيمًا لقدره - ﷺ -، ومعرفة بشرف ما ذكر عنه وُعزي إليه، وحفظوا مناقب صحابته ومآثر عشيرته، وجاؤوا بسير الأنبياء ومقامات الأولياء واختلاف الفقهاء ولولا عناية أصحاب الحديث بضبط السنن وجمعها واستنباطها من معادنها والنظر في طرقها لبطلت الشريعة وتعطلت أحكامها إذ كانت مستخرجة من الآثار المحفوظة ومستفادة من السنن المنقولة " (١).
طبقة المتأخرين:
وبعد أن استقرت الروايات وصنفت المصنفات والصحاح، جاء المتأخرون، وأعني من بعد ابن خزيمة ت ٣١١هـ ﵀، فإنهم توسعوا بعد هذا الاستقرار وحاولوا مواكبة المتقدمين فحدثوا بكثير من الأحاديث وإن كان هذا مما تركه المتقدمون الأولون الجهابذة أو مما وضعه الواضعون الذي جاؤوا من بعد هذا الجيل المتين، ودونوه في مشيخاتهم ومعجماتهم المصنفة (٢).
_________________
(١) الكفاية ص ٣ - ٥.
(٢) انظر مقدمة تاريخ الخطيب، تحقيق د. بشار عواد ١/ ١٦٨.
[ ٢٣٥ ]
وقد نبّه إليها الإمام ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي فقال: " الطبقة الرابعة: كتب قصد مصنفوها بعد قرون متطاولة جمع ما لم يوجد في الطبقتين الأوليين، وكانت هي المجاميع، والمسانيد المختفية، فنوهوا بأمرها، وكانت على ألسنة من لم يكتب حديثه المحدثون، ككثير من الوعاظ والمتشدقين، وأهل الأهواء، والضعفاء، أو كانت من آثار الصحابة والتابعين، أو من أخبار بني إسرائيل، أو من كلام الحكماء، والوعاظ خلطها الرواة بحديث النبي - ﷺ - سهوًا، أو عمدًا، أو كانت من محتملات القرآن والحديث الصحيح، فرواها بالمعنى قوم صالحون، لا يعرفون غوامض الرواية، فجعلوا المعاني أحاديث مرفوعة، أو كانت معاني مفهومة من إشارات الكتاب والسنة، جعلوها أحاديث مستبدة برأسها عمدًا، أو كانت جملًا شتى في أحاديث مختلفة، جعلوها حديثا واحدًا بنسق واحد، ومظنة هذه الأحاديث كتاب: الضعفاء لابن حبان، وكامل ابن عدي، وكتب الخطيب، وأبى نعيم، والجورقاني، وابن عساكر، وابن النجار، والديلمي، وكاد مسند الخوارزمي يكون من هذه الطبقة، وأصلح هذه الطبقة ما كان ضعيفًا محتملًا، وأسوؤها ما كان موضوعًا أو مقلوبًا، شديد النكارة، وهذه الطبقة، مادة كتاب: الموضوعات لابن الجوزي " (١).
وعقب عليه ولده العلامة عبد العزيز الدهلوي المتوفى سنه ١٢٣٩ هـ بقوله:
" وأحاديث هذه الطبقة التي لم يعلم في القرون الأولى اسمها ولا رسمها، وتصدى المتأخرون لروايتها، فهي لا تخلو عن أمرين: إما أن السلف تفحصوا عنها ولم يجدوا لها أصلًا، حتى يشتغلوا بروايتها، أو وجدوا لها أصلًا ولكن صادفوا فيها قدحًا، أو علة موجبة لترك روايتها فتركوها، . وقد أضل هذا القسم من الأحاديث كثيرًا من المحدثين عن نهج الصواب حيث اغتروا بكثرة طرقها الموجودة في هذه الكتب، وحكموا بتواترها، وتمسكوا بها في مقام القطع واليقين، وأحدثوا مذاهب تخالف أحاديث الطبقتين الأوليين على ثقتها. والكتب المصنفة في أحاديث هذا القسم كثيرة منها: ما ذُكر، ومنها كتاب الضعفاء للعقيلي، وتصانيف الحاكم، وتصانيف ابن مردويه، وتصانيف ابن شاهين، وتفسير ابن جرير، وفردوس الديلمي، بل سائر تصانيفه
،وتصانيف أبي الشيخ فالاشتغال بجمعها والاستنباط منها نوع تعمق من المتأخرين، وإن شئت الحق فطوائف
_________________
(١) الحطة، القنوجي ٢١٨ - ٢٢١،بتصرف يسير، وانظر مقدمة تحقيق تأريخ الخطيب، د. بشار عواد معروف ١/ ١٦٩.
[ ٢٣٦ ]
المبتدعين من الروافض والمعتزلة وغيرهم يتمكنون بأدنى عناية أن يلخصوا منها شواهد مذاهبهم، فالانتصار بها غير صحيح في معارك العلماء بالحديث " (١).
فالأحاديث التي صنفت بعد عصر المتقدمين لا تبرح أن تدور في أمور خمسة (٢):-
أولًا: أحاديث معروفة عند المتقدمين أوردوها في دواوينهم ساقها المتأخرون بأسانيدهم إلى المصنفين من غير تبديل.
" وهذه لا قيمة حقيقية لها لوجودها في مرويات ثبتت عن مؤلفيها كالمصنفين والمسند الأحمدي والكتب الستة، ومؤلفات أصحابها الأخرى وما جرى مجراها " (٣).
فما قيمة حديث أخرجه الحاكم في مستدركه بسنده إلى الإمام أحمد والحديث بعينه في مسند أحمد والمسند مطبوع، ومشهور أكثر من المستدرك؟ اللهم إلاّ الاستئناس.
٢ - أحاديث معروفة في دواوين الإسلام الأولى كونها مرسلة أو موقوفة أو منقطعة أوردها المتأخرون موصولة أو مرفوعة - وهذا من أصل بحثنا هنا - والأغلب الأعم منها هي من أخطاء الرواة أو مما تركه المتقدمون مع اطلاعهم على هذه الطرق.
ولا يُظن خطأً أن قول القائل: أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا، ووصله ابن حجر العسقلاني في التغليق من طريق فلان أو فلان، أن الإمام البخاري لم يطلع على هذا الطريق!
فكل حديث علقه البخاري يعني أنه لم يصح عنده، ولو صح ذلك عند غيره- مثلًا - فلا ينسب إلى الإمام البخاري أولًا، ثم يقال وقد علقه البخاري لأن تعليقه للحديث هو علة أصلًا، والله أعلم.
ثالثًا- أحاديث أوردها المصنفون الأوائل بأسانيد معينة ومن مخارج لا تعرف إلاّ بها كأن يصرح بذلك فيقول: وهذا الحديث لا يعرف إلاّ من رواية فلان عن فلان أو يكون معروفًا عندهم أنه لا يصح إلاّ من طريق فلان أو لا يعرف إلاّ به.
ثم يأتيك مصنف من بعدهم فيوردها بأسانيد توهم كأنها أسانيد جديدة فاتت المتقدمين أو خفيت عليهم، وهذه إنما هي إما مما تركه المتقدمون عمدًا لوهائها أو مما
_________________
(١) مصدر سابق.
(٢) أنظر مقدمة تحقيق تأريخ بغداد، د. بشار عواد ١/ ١٦٩.
(٣) مصدر سابق.
[ ٢٣٧ ]
أخطأ فيها الرواة، أو مما اختلقه الواضعون.
رابعًا:- أحاديث أخرجها المتقدمون بمتون معلومة محفوظة ثم يرويها المتأخرون بزيادة أو تغيير في متونها يغير معانيها ومما يخرجها عن المحفوظ منها.
وهذا مما كثر واشتهر بشكل واضح بعد القرن الثالث، ثم ابتكر بعض المتأخرين قاعدة (زيادة الثقة مقبولة مطلقًا)، فقبلوا على أساسها أحاديث كاملة ومتونًا غريبة ومخالفات واضحة تحت هذا العنوان.
خامسًا:- أحاديث بألفاظ أو بأسانيد لم يذكرها المتقدمون في دواوينهم، ظهرت لأول مرة في القرن الرابع، وهي أما مما تركه المتقدمون لوهائه أو مما ابتدعه الكاذبون الواضعون المتأخرون. وإلاّ لوجدناه في الموطأ، أو المسند الأحمدي أو المصنفات الأخرى؟.
وهكذا صنف المتأخرون مصنفاتهم فأوردوا أحاديث هي أضعاف مضاعفة لما سطره المتقدمون في مصنفاتهم أو مما لم يعرفه المتقدمون.
ومن هنا نفهم خطأ الحاكم النيسابوري ﵀ في استدراكه على أعظم كتابين بعد كتاب الله تعالى، أعني: صحيحي البخاري ومسلم، فقد استدرك عليها أحاديث موضوعة، وباطلة!!.
يقول الإمام الذهبي: " في المستدرك شيء كثير على شرطهما وشيء كثير على شرط أحدهما ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب، بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة. وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب وفي غضون ذلك أحاديث نحو المائة يشهد القلب ببطلانها كنت قد أفردت منها جزءًا، وحديث الطير بالنسبة إليها سماء وبكل حال فهو كتاب مفيد قد اختصرته ويعوز عملًا وتحريرًا " (١). وقد مر كلامه في كيفية دخول الخلل على مستدرك الحاكم (٢).
فهذه العلل الباطنة التي اطلع عليها الذهبي، وتلك التي لم يطلع عليها، هي التي منعت الإمامين من إيرادها في كتابيهما.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٧٥ - ١٧٦.
(٢) انظر ص ٢٣من هذا البحث، والموقظة ص٤٦.
[ ٢٣٨ ]
وقد حدا هذا التوسع بالطرق والروايات ببعض المتأخرين إلى تخطئة أئمة الحديث المتقدمين، ومخالفتهم، اعتمادًا على تلك المرويات والطرق، كتصحيح ما أعلوه اعتمادًا على طرق واهية، غريبة، وقد أجاد الحافظ ابن رجب الحنبلي بقوله:" ونجد كثيرًا ممن ينتسب إلى الحديث، لا يعتني بالأصول الصحاح كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل مسند البزار، ومعاجم الطبراني، وأفراد الدارقطني، وهي مجمع الغرائب والمناكير " (١).
ثانيًا: في المتن:
الصحابة الكرام باعتبارهم بشرًا يتفاوتون في قابلية الحفظ، فأحدهم سريع الحافظة قويها، والآخر دون ذلك، كانوا يؤدون ما سمعوا من رسول الله - ﷺ -.
وكان بعضهم مكثرين من الرواية كأبي هريرة وأنس وجابر وعائشة، وبعضهم مقلين كبلال، وخالد بن الوليد، وغيرهما، ﵃ أجمعين.
وإنما أقلوا في روايتهم عن رسول الله - ﷺ - إما لانشغالهم في أمور ذات بالٍ تتعلق بقيام الإسلام كالجهاد والفتوحات، أو لخوفهم من الوقوع في الخطأ على رسول الله - ﷺ - إذا ما حدثوا الحديث. أو لاكتفائهم بالحفظة الضابطين الذين يحدثون الأحاديث.
وكان قسم منهم يقولون بعد تحديثه الحديث:" أو كما قال رسول - ﷺ - " (٢)، أو بعبارة مقاربة، كأن يقول: "أو قال .. "، على شك منه.
وهذا التحوط كله مندفع من عمق دينهم وتقواهم، لئلا يقعوا في الخطأ، فيقولوا على رسول الله ما لم يقل.
وهكذا كانت روايات التابعين لهم بإحسان، وتابعيهم، وهلمّ جرًا من الثقات المتقنين الذين لا يشك في ثقتهم وضبطهم.
وهكذا كانت الرواية الواحدة في المجلس الواحد تأخذ أكثر من لفظ، فكل صحابي يؤديها على حسب حفظه، فبعضهم يؤديها بلفظ هو اللفظ النبوي عينه، وبعضهم يرويها بالمعنى، لذا تجدك في بعض الأحيان تقف أمام حديث واحد في حادثة واحدة تروى بأكثر
_________________
(١) شرح العلل ٢/ ٦٢٤.
(٢) انظر صحيح البخاري (٦٠٢) و(١٤٦٥)،وصحيح مسلم (١٩١) و(٢٨٥). ونظائرها كثيرة لمن يتتبع.
[ ٢٣٩ ]
من خمسة أو ستة وجوه، أو أكثر من ذلك، فأحدهم يزيد لفظة والآخر ينقصها وهكذا.
وهذا كله يدور في فلك الرواية بالمعنى، وهذا الاختلاف لا يقدح في أصل الحديث، وكونه من المعصوم، لأن الاختلاف إنما يكون في معنى الكلمة لا في حكم الحديث، أي فيما لا يترتب عليه آثار من حلة أو حرمة، أو ثواب أو عقاب فمثلًا قوله " يلج النار "، " دخل النار "، " هو في النار "، " مآله النار "، فإنها كلها تؤدي المعنى نفسه ولكن اللفظ متباين وسنذكر لذلك مثالًا توضيحيًا:-
" جاء رجل من الأعراب فدخل مسجد النبي - ﷺ - والرسول - ﷺ - جالس مع أصحابه فدخل ثم رفع ثوبه في طرف المسجد فبال في طرف المسجد فغضب الصحابة فهون عليهم رسول الله - ﷺ - الأمر ثم قال لا تزرموه: يعني لا تقطعوا عليه بوله ثم أريقوا عليه دلوًا من الماء فأريق عليه ". هذه رواية واحدة في ساعة، واحدة لرجل واحد، رواها أكثر من صحابي فلو حاولنا جمع طرقها من بعض المواضع في مصنفات السنة لوجدنا اختلافًا في ألفاظها، فقد جاءت مثلا:- عن أنس بن مالك - ﵁ - أخرجه البخاري (٦٠٢٥) قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه ".
وعنه في صحيح البخاري (٦١٣٨) قال: قال رسول الله - ﷺ -: " دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبًا من ماء، أو سجلًا من ماء ".
وعنه في صحيح مسلم ١/ ٢٣٦ (٢٨٤): قال: " دعوه لا تزرموه. قال فلما فرغ دعا بدلو من ماء فصبه عليه ".
وعنه في صحيح مسلم أيضًا ١/ ٢٣٦ (٢٨٤): قال: " فصاح به الناس فقال رسول الله: دعوه فلما فرغ أمر رسول الله - ﷺ - بذنوب فصب على بوله ".
وعنه في صحيح مسلم أيضًا ١/ ٢٣٦ (٢٨٥): قال: " لا تزرموه دعوه فتركوه، حتى بال ثم إن رسول الله - ﷺ - دعاه فقال له:" إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من
هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله ﷿ والصلاة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله - ﷺ - قال فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه ".
وفي البخاري (٣٦٣٣) عن أبي هريرة قال:" قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي - ﷺ -: دعوه وأهريقوا على بوله سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".
[ ٢٤٠ ]
وفي البخاري (٦١٢٨) عنه قال:" أن أعرابيًا بال في المسجد فثار إليه الناس ليقعوا به فقال لهم رسول الله - ﷺ -: دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبًا من ماء أو سجلًا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".
وفي سنن أبي داود (٣٨٠) عن أبي هريرة:" أن أعرابيًا دخل المسجد ورسول الله - ﷺ - جالس فصلى قال ابن عبدة ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا فقال النبي - ﷺ -: لقد تحجرت واسعًا "، ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه، فنهاهم النبي - ﷺ - وقال:" إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، صبوا عليه سجلًا من ماء - أو قال - ذنوبًا من ماء ".
وفي جامع الترمذي (١٤٧) عن أبي هريرة قال: " دخل أعرابي المسجد والنبي - ﷺ - جالس فصلى فلما فرغ قال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا فالتفت إليه النبي - ﷺ - فقال: " لقد تحجرت واسعًا ". فلم يلبث أن بال في المسجد فأسرع إليه الناس فقال النبي - ﷺ -: " أهريقوا عليه سجلًا من ماء أو دلوًا من ماء ثم قال إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ".
هذه بعض الطرق ولو تتبعنا الطرق الأخرى لوجدناها بنحو هذه الصورة.
ففي هذا الحديث "نجد أن الرواة نقلوا ما قاله رسول الله - ﷺ - بالمعنى ولم ينقلوا ألفاظه كما نطق بها، فهذه الروايات تذكر أنه قال: " دعوه لا تزرموه، أو: اتركوه أو: لا تزرموه، فقط، أو: دعوه، فقط، أو: لا تزرموه دعوه، فقط، ومعلوم أن الرسول لم ينطق بجميع هذه الكلمات التي وردت في الروايات في ذات اللحظة لكنه نطق بأحدها، ونقلها الرواة بالمعنى لا بلفظ الرسول - ﷺ - كما نطق به ". (١)!!
وهكذا نعلم أن الرواية في عهد الصحابة ومن بعدهم كانت في الأغلب الأعم بالمعنى، وهذا القول لا ينفي أن تشمل الروايات المتعددة على كثير من الألفاظ المتفق عليها فإن وجود الألفاظ المتفق عليها أمر طبيعي، بل كان من الصحابة من يتشدد في الرواية باللفظ حتى أنه كان لا يقبل الرواية بالمعنى فقد جاء عن عبيد بن عمير قال: قال رسول الله - ﷺ -:" مثل المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين ". فقال ابن عمر: " ويلكم لا تكذبوا على رسول الله إنما قال رسول الله - ﷺ -: " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين
_________________
(١) مقاييس نقد متون السنة ص٢١.
[ ٢٤١ ]
الغنمين"،فاعتبر تغير لفظة (العائرة) إلى (الرابضة) كذبًا (١). فقال عبد الله بن عبيد بن عمير لابن عمر: " هي واحدة إذا لم تجعل الحرام حلالًا والحلال حرامًا فلا يضرّك إن قدمت شيئًا أو أخرته فهو واحد ". (٢)
أقول: إننا لا نعني من قولنا:" يروون بالمعنى "، أن الصحابة - ﵃ - كانوا يعدلون عن اللفظة النبوية إلى لفظة أخرى؟ لا وإنما كانوا يحدثون بالألفاظ التي كانوا يعتقدون أن النبي قال بها ثم هم يتسامحون ويتساهلون في الألفاظ التي لا تغير المعنى، أما إذا حفظوا اللفظ النبوي فإنهم لا يعدلون عنه.
قيل لإبراهيم- النخعي-:" إنّا نسمع منك الحديث فلا نستطيع أن نجيء به كما سمعناه؟ قال: أرأيتك إذا سمعت تعلم انه حلال من حرام؟ قال: نعم قال فهكذا كل ما نحدث ". (٣)
قال الإمام الشافعي: " وقد قال بعض التابعين لقيت أناسًا من أصحاب رسول الله فاجتمعوا في المعنى واختلفوا علي في اللفظ فقلت لبعضهم ذلك فقال: لا بأس ما لم يحل المعنى، قال الشافعي: فقال ما في التشهد إلا تعظيم الله وأني لأرجو أن يكون كل هذا فيه واسعًا وأن لا يكون الاختلاف فيه إلا من حيث ذكرت ومثل هذا كما قلت يمكن في صلاة الخوف فيكون إذا جاء بكمال الصلاة على أي الوجوه روي عن النبي أجزأه إذ
خالف الله بينها وبين ما سواها من الصلوات ولكن كيف صرت إلى اختيار حديث ابن عباس عن النبي في التشهد دون غيره " (٤).
وقال الإمام الترمذي في معرض الحديث عن الرواية بالمعنى:" فأما من أقام الإسناد وحفظه وغير اللفظ، فإن هذا واسع عند أهل العلم إذا لم يتغير المعنى، حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، قال: إذا حدثناكم على المعنى فحسبكم. حدثنا يحيى بن موسى قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن
_________________
(١) انظر الكفاية، ص١٧٣، ومقاييس نقد متون السنة ص ٢١، وهذا لا يعني أن - ابن عمر - لم يرو بالمعنى! ولكن هذا من تشدده، وإلا فإنه يروي مثل ذلك.
(٢) مصدر سابق.
(٣) المحدث الفاصل، الرامهرمزي ص ٥٣٤.
(٤) الرسالة ١/ ٢٧٥.
[ ٢٤٢ ]
محمد بن سيرين قال: كنت أسمع الحديث من عشرة، اللفظ مختلف، والمعنى واحد. حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن ابن عون، قال: كان إبراهيم النخعي، والحسن، والشعبي يأتون بالحديث على المعاني، وكان القاسم بن محمد، ومحمد بن سيرين ورجاء بن حيوة يعيدون الحديث على حروفه. حدثنا علي بن خشرم قال: أخبرنا حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، قال: قلت لأبي عثمان النهدي: إنك تحدثنا بالحديث ثم تحدثنا به على غير ما حدثتنا؟ قال: عليك بالسماع الأول. حدثنا الجارود قال: حدثنا وكيع، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن، قال: إذا أصبت المعنى أجزأ. حدثنا علي بن حجر قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سيف -هو ابن سليمان - قال: سمعت مجاهدًا يقول: أنقص من الحديث إن شئت، ولا تزد فيه. حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث قال: أخبرنا زيد ابن حباب عن رجل قال: خرج إلينا سفيان الثوري فقال: إن قلت لكم أنا أحدثكم كل ما سمعت فلا تصدقوني، إنما هو المعنى. أخبرنا الحسن بن حريث قال: سمعت وكيعًا يقول: إن لم يكن المعنى واسعا، فقد هلك الناس.
قال أبو عيسى: وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع، مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم " (١).
وقال السيوطي: " وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف منهم الأئمة الأربعة: يجوز بالمعنى في جميعه، إذا قطع بأداء المعنى لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف، ويدل عليه روايتهم القصة الواحدة بألفاظ مختلفة وقد ورد في المسألة حديث مرفوع رواه ابن مندة في معرفة الصحابة والطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن سليمان بن أكثمة الليثي، قال: قلت:
يا رسول الله إني أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أؤديه كما أسمع منك، يزيد حرفًا أو ينقص حرفًا، فقال: " إذا لم تحلوا حرامًا، ولم تحرموا حلالًا، وأصبتم المعنى فلا بأس ". فذكر ذلك للحسن فقال: لولا هذا ما حدثنا. واستدل لذلك الشافعي بحديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه". قال: وإذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف علمنا منه بأن الكتاب قد نزل لتحل لهم قراءته، وإن اختلف لفظهم فيه مالم يكن اختلافهم إحالة معنى كان ما سوى كتاب الله سبحانه أولى أن يجوز
_________________
(١) العلل آخر الجامع ٥/ ٧٠١.
[ ٢٤٣ ]
فيه اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه، وروى البيهقي عن مكحول قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع فقلنا له: يا أبا الأسقع حدثنا بحديث سمعته من رسول الله - ﷺ - ليس فيه وهم ولا مزيد ولا نسيان فقال: هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئًا؟ فقلنا: نعم، وما نحن له بحافظين جدًا إنا لنزيد الواو والألف وننقص قال: فهذا القرآن مكتوب بين أظهركم، لا تألونه حفظًا، وأنتم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله - ﷺ - عسى أن لا نكون سمعناها منه إلا مرة واحدة، حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى ". (١)
وقال الحافظ ابن حجر:" فالمقطوع به أن النبي - ﷺ - لم يقل هذه الألفاظ كلها في مرة واحدة تلك الساعة، فلم يبق إلا أن يقال: أن النبي - ﷺ - قال لفظًا منها، وعبّر عنه بقية الرواة بالمعنى " (٢).
ومثلما قبل العلماء رواية الحديث بالمعنى من الصحابة قبلوه من التابعين فمن دونهم ما دام اللفظ يعطي المعنى ذاته ولا يؤثر على حكم شرعي في الحديث.
وبالتأكيد إذا قبلت رواية الحديث بالمعنى فإن مباني المعاني قد تتغير في الصورة وعدد الكلمات زيادة ونقصًا، فإذا قلنا مثلًا: " دخلت " هي أقل مما أقول: " دخلت أنا وزيد "، فحينما يروى مثلًا:" جاء رسول الله فدخل المسجد وصلى "، وأخر يرويه:" بينا رسول الله يصلي في المسجد "، هي أقل بعدد الحروف أو الكلمات، ولكنها لا تعطي حكمًا جديدًا، أو تحل حرامًا أو تحرم حلالًا؟
فالرواية بالمعنى مقبولة، شريطة أن تكون اللفظة لا تؤثر على الحكم فإن أثرت فهذا الذي نتوقف فيه ونختبره، وبصورة عامة: اختلاف ألفاظ الحديث وزيادة الرواة بعضهم على بعض تدور في أمور:
أولًا - الرواية بالمعنى: كما فصلنا القول فيها سلفًا.
ثانيًا - الإدراج: وهو أن يدخل الراوي كلامه على أصل كلام المروي عنه، متصلًا به غير منفصل بذكر قائله، بحيث يلتبس على من لم يعرف الحال، فيتوهم أن
_________________
(١) تدريب الراوي ٢/ ٩٩.
(٢) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٨٠٩ - ٨١٠.
[ ٢٤٤ ]
الجميع من ذلك الأصل المروي (١).
فالتحديث عادة يكون في مجلس علم فيه شيخ وتلميذ أو تلاميذ، فيحدث الراوي (الشيخ) الحديث على طلابه فيحاول أن يفهمهم لفظه فيفسرها لهم أثناء الحديث فيقول مثلًا في معرض كلامه عن (الأقط): وهو اللبن المجفف (٢)، فيظن السامع أن عبارة "وهو اللبن المجفف" من كلام النبوة، فيكتبه الطلاب نحو ما سمعوا ويحفظونه بهذا الإدراج.
ثم يرويها السامعون، والتلامذة نحو ما سمعوها أمانة، وينتقل الأدراج من طبقة إلى طبقة، وقد يروي الشيخ حديثًا لطلابه، وفي معرض كلامه يقول: فقال رسول الله، ثم يدخل رجل فيقول له الشيخ: اجلس، فيظن الطلاب أنه من كلام النبوة فيكتبون: اجلس وينتقل الوهم هكذا.
ومثّله الحاكم فقال: " ومثال ذلك ما حدثناه أبو بكر بن إسحاق الفقيه قال: انبأنا عمر بن حفص السدوسي قال: حدثنا عاصم بن علي قال: حدثنا زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة بيدي، وحدثني أن عبد الله أخذ بيده وأن
رسول الله - ﷺ - أخذ بيد عبد الله فعلمه التشهد في الصلاة وقال: " قل التحيات لله والصلوات فذكر التشهد. قال: فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد ". قال الحاكم هكذا رواه جماعة عن زهير وغيره عن الحسن بن الحر وقوله: " إذا قلت ": هذا مدرج في الحديث من كلام عبد الله بن مسعود فإن سنده عن رسول الله - ﷺ - ينقضي بانقضاء التشهد.
والدليل عليه ما حدثناه علي بن حمشاذ العدل قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن غزير قال: حدثنا غسان بن الربيع قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيدي وأخذ عبد الله بيد علقمة وأخذ النبي - ﷺ - بيد عبد الله فعلمه التشهد في الصلاة وقال: " قل التحيات لله فذكر الحديث إلى آخر التشهد". فقال: قال عبد الله بن مسعود:" إذا فرغت من هذا فقد قضيت
_________________
(١) انظر معرفة علوم الحديث ص٣٩، ومقدمة ابن الصلاح ص٢٠٨ ومقاييس نقد متون السنة ص١٣٤.
(٢) انظر النهاية في غريب الحديث، ابن قتيبة ١/ ٥٧.
[ ٢٤٥ ]
صلاتك فإن شئت فاقعد وإن شئت فقم" (١).
ومثل الخطيب البغدادي لمدرج الصحابي بمثال آخر فقال: " أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد ابن غالب الفقيه الخوارزمي المعروف بالبرقاني قال: قرأت على أبي القاسم ابن النخاس: أخبركم محمد بن إسماعيل بن علي قال: أخبرنا بندار قال: حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال:" نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وكان إذا سئل عن صلاحها قال: حتى تذهب عاهتها ". المسؤول عن صلاح الثمرة والمجيب بقوله: حتى تذهب عاهتها ليس هو النبي - ﷺ -، وإنما هو عبد الله بن عمر بين ذلك مسلم بن إبراهيم الأزدي ومحمد بن جعفر غندر في روايتهما هذا الحديث عن شعبة .. " (٢).
ومن صور الإدراج: اللحن، وهو أن يروي الشيخ لفظة فيلحن بها ثم يؤديها التلميذ بلحنها كما سمعها.
فعن أشعث قال: " كنت أحفظ عن الحسن وابن سيرين والشعبي، فأما الحسن والشعبي فكانا يأتيان بالمعنى، وأما ابن سيرين فكان يحكي صاحبه حتى يلحن كما يلحن ". (٣)
وربما نبه الراوي على خطأ اللفظة ولكنه يثبتها كما جاءت مثلما أخرج الإمام أحمد في مسنده ٢/ ٧٥ بسنده عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: " خيرت بين الشفاعة أو أن يدخل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى، أترونها للمتقين؟ لا ولكنها للمتلوثين الخطاؤون ". قال زياد - أحد الرواة -: أما إنها لحن ولكنها هكذا حدثنا الذي حدثنا. (٤)
فإذا وجدت هكذا لفظة مدرجة فلا تعد زيادة ثقة ولو انفرد بها راوٍ عن بقية الرواة وقد تساهل علماؤنا سلفًا وخلفًا بهذه الزيادة، وقبلوها ما دامت لا تختلط على
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص ٣٩ - ٤٠، وانظر الفصل للوصل المدرج في النقل، الخطيب البغدادي ١/ ١٠٢.
(٢) الفصل للوصل المدرج ١/ ١١٦.
(٣) الكفاية ص ١٨٦، وانظر مقاييس نقد متون السنة ص ١٣٤.
(٤) الحديث ضعيف فيه رجل مبهم، انظر بحثنا (الشفاعة في الحديث النبوي) ص١٨٩، وللمزيد انظر الكفاية ص١٨٦.
[ ٢٤٦ ]
السامعين فإذا حصل مثل ذلك وجب التنبيه عليها وفصلها عن المتن ومثاله:
ما أخرجه البخاري (٦٦٩٨) فقال: "حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، أن عبد الله بن عباس أخبره أن سعد بن عبادة الأنصاري استفتى النبي - ﷺ - في نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه فأفتاه أن يقضيه عنها فكانت سنة بعد".
قال الحافظ العسقلاني: " قوله في آخر الحديث في قصة سعد بن عبادة فكانت سنة بعد أي صار قضاء الوارث ما على المورث طريقة شرعية أعم من أن يكون وجوبًا أو ندبًا ولم أر هذه الزيادة في غير رواية شعيب عن الزهري فقد أخرج الحديث الشيخان من رواية مالك والليث، وأخرجه مسلم أيضا من رواية ابن عيينة ويونس ومعمر وبكر بن وائل والنسائي من رواية الأوزاعي والإسماعيلي من رواية موسى بن عقبة وابن أبي عتيق وصالح بن كيسان كلهم عن الزهري بدونها وأظنها من كلام الزهري ويحتمل من شيخه وفيها تعقب على ما نقل عن مالك لا يحج أحد عن أحد واحتج بأنه لم يبلغه عن أحد من أهل دار الهجرة منذ زمن رسول الله - ﷺ - أنه حج عن أحد ولا أمر به ولا أذن فيه، فيقال لمن قلد قد بلغ ذلك غيره وهذا الزهري معدود في فقهاء أهل المدينة وكان شيخه في هذا
الحديث وقد استدل بهذه الزيادة ابن حزم للظاهرية ومن وافقهم في أن الوارث يلزمه قضاء النذر عن مورثه في جميع الحالات ". (١)
قلت: روى الحديث عن الزهري جماعة من الحفاظ لم يرووا هذه الزيادة - كما قال الحافظ ابن حجر فقد رواه:
- سفيان بن عيينة: أخرجه الطيالسي ١/ ٣٥٥ (٢٧١٨)، والحميدي ١/ ٢٤١ وأحمد ١/ ٢١٩، ومسلم ٣/ ١٢٦٠ (١٦٣٨)، وأبو عوانة ٤/ ٥ (٥٨٢٦)، والنسائي ٦/ ٢٥٤، وفي الكبرى ٣/ ١٣٧ (٤٧٥٩)، و٤/ ١١١ (٦٤٨٧ و٦٤٨٨)،،وابن ابي شيبة ٧/ ٢٨٤ (٣٦١٢٠)، وأبو يعلى ٤/ ٢٧١ (٢٣٨٣).
- والليث بن سعد: أخرجه البخاري (٦٩٥٩) ومسلم ٣/ ١٢٦٠ (١٦٣٨)، وأبو عوانة ٤/ ٥ (٥٨٢٧)، والترمذي (١٥٤٦)، والنسائي ٦/ ٢٥٤ و٧/ ٢١، وفي الكبرى ٣/ ١٣٧ (٤٧٦٠)، و٤/ ١١١ (٦٤٨٩)، وابن ماجه (٢١٣٢)،، و٤/ ٦ (٥٨٣٢)،
_________________
(١) الفتح ١١/ ٧١٦.
[ ٢٤٧ ]
والبيهقي ٦/ ٢٧٨ والطبراني في الكبير ٦/ ١٧ (٥٣٦٦).
- مالك بن أنس: أخرجه البخاري (٢٧٦١)، ومسلم ٣/ ١٢٦٠ (١٦٣٨)،وأبو عوانة ٤/ ٥ (٥٨٢٧) والطبراني في الكبير ٦/ ١٧ (٥٣٦٥).
- والأوزاعي: أخرجه أحمد ١/ ٣٢٩،والنسائي ٦/ ٢٥٣،وفي الكبرى ٤/ ١١٠ (٦٤٨٤) و٤/ ١١١ (٦٤٨٥و ٦٤٨٦).
- وبكر بن وائل: أخرجه مسلم ٣/ ١٢٦٠ (١٦٣٨)، وأبو عوانة ٤/ ٦ (٥٨٢٩)،والنسائي ٦/ ٢٥٤ و٧/ ٢١، وفي الكبرى ٤/ ١١٢ (٦٤٩٠).
- معمر بن راشد: أخرجه مسلم ٣/ ١٢٦٠ (١٦٣٨)،وابو عوانة ٤/ ٦ (٥٨٢٨)، والطبراني في الكبير ٦/ ١٧ (٥٣٦٤).
- عبدة بن سليمان: أخرجه النسائي ٧/ ٢٠.
- يونس بن يزيد الأيلي: أخرجه مسلم ٣/ ١٢٦٠ (١٦٣٨).
وأخرجه البخاري (٦٦٩٨) بزيادة - فكانت سنة بعد - من طريق شعيب عن الزهري، والبيهقي ٦/ ٢٧٨ بها، وقد عدها البعض أدراجًا.
أقول: لم ينفرد شعيب بها - كما قيل - بل تابعه عبيد الله بن أبي زياد الرصافي، وهو صدوق، كما قاله ابن حجر في التقريب (٤٢٩١) أخرجه الطبراني في الكبير ٦/ ١٨ (٥٣٦٧)، وقال محمد بن يحيى الذهلي في ترجمة عبيد الله بن أبي زياد الرصافي: " لم أعلم له رواية غير ابن ابنه يقال له الحجاج بن أبي منيع، أخرج إلي جزءًا من أحاديث الزهري فنظرت فيها، فوجدتها صحاحًا فلم أكتب منها إلا قليلًا " (١).
على أننا نذهب إلى ما ذهب إليه الحافظ إبن حجر في قوله: إن هذه العبارة هي من المدرج إما من كلام الزهري، أو من كلام شيخه، وللبخاري إدراجات معروفة، لأنه يعنى بالحكم منفصلا عن الرواية (٢).
وقد يدرج لفظ في متن الحديث لتفسير معنى ما ومثاله:
قال البخاري (١٩٠٩): حدثنا آدم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة - ﵁ - يقول: قال النبي - ﷺ - أو قال: قال أبو القاسم - ﷺ -:" صوموا
_________________
(١) تهذيب الكمال ٥/ ٣٥ (٤٢٢٣).
(٢) انظر ص٢٣٣ من هذا البحث.
[ ٢٤٨ ]
لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ".
قال ابن حجر: " وقد وقع الاختلاف في حديث أبي هريرة في هذه الزيادة أيضًا فرواها البخاري كما ترى بلفظ: فأكملوا عدة شعبان ثلاثين. وهذا أصرح ما ورد في ذلك وقد قيل: إن آدم شيخه انفرد بذلك فإن أكثر الرواة عن شعبة قالوا فيه فعدوا ثلاثين أشار إلى ذلك الإسماعيلي ". (١)
وقال ابن الجوزي: " وهذا يجوز أن يكون من آدم رواه على التفقه من عنده للخبر وإلا فليس لانفراد البخاري عنه بهذا من بين من رواه عنه ومن بين سائر من ذكرنا ممن يرويه عن شعبة وجه" (٢).
ومن ذلك أيضا ما أخرجه البخاري (٦٥٠٥) فقال:" حدثني يحيى بن يوسف قال: أخبرنا أبو بكر عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال:" بعثت
أنا والساعة كهاتين. يعني إصبعين تابعه إسرائيل عن أبي حصين". فهنا أدرجت لفظة: "يعني إصبعين "، وهي ليست من قول النبي - ﷺ -
ومن ذلك: ما أخرجه الإمام مسلم (١٦٧) فقال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ليث (ح)، وحدثنا محمد بن رمح قال: أخبرنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله - ﷺ - قال: " عرض علي الأنبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم ﵇ فإذا أقرب من رأيت به شبهًا عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه فإذا أقرب من رأيت به شبهًا صاحبكم، يعني نفسه، ورأيت جبريل ﵇ فإذا أقرب من رأيت به شبهًا دحية ". وفي رواية ابن رمح دحية بن خليفة ".
وفي (٣١٧) قال:" وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن إدريس عن الأعمش عن سالم عن كريب عن ابن عباس عن ميمونة:" أن النبي - ﷺ - أتي بمنديل فلم يمسه وجعل يقول بالماء هكذا يعني ينفضه".
فهتان اللفظتان (يعني نفسه، يعني ينفضه) ليستا من قول النبي، وإنما أدرجتا في الحديث. فلا تعد مثل هذه الزيادات بين الأحاديث زيادة ثقة؟ ولو قلنا بذلك لفتحنا بابًا
_________________
(١) الفتح ٤/ ١٥٢.
(٢) أحاديث الخلاف، إبن الجوزي ١/ ٧٤.
[ ٢٤٩ ]
لا يُغلق، إلا ما شاء الله تعالى.
ثالثًا - الاقتصاص: وهو أن يروي حديثًا بلفظ ثم يأتي راوٍ آخر فيرويه بأطول من الأول أو أتم بزيادة حدث ما، أو واقعة معينة قصر عن ذكرها بقية الرواة.
فأحدهم يرويه دون ذكر القصة، والآخر يرويه ببعضها والثالث دونها. كل واحد من الرواة يرويه حسب ما يراه مناسبًا لحادثة أو لسبب ما.
لذا فإنك تجدك أمام نفس الراوي يزيد بروايته عند البخاري فيسرد قصة طويلة فيها حكاية ثم تجده عند مسلم يروي الرواية دونها أو دون بعضها.
وهذه كلها لا علاقة لها بزيادة الثقة التي نحن بصددها ذلك لأنها لا تتعلق بحكم شرعي أو بإثبات أمر أو نفيه، كأن يورد لنا مصنف حديث أنس عن النبي - ﷺ - أنه قال: " . "، ثم يأتي آخر ويورد لنا نفس الحديث عن أنس بزيادة قصة: كأن يقول: دخلت على النبي في المسجد، فقال: " " الحديث، فهذه ليست من باب الزيادة
لأن الراوي (أنس) أو من دونه ربما حدّث به هنا لسبب ما، وتركه هناك لعدم وجود السبب.
ومثاله: ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (١٩٨) باب الطهارة، مختصرًا فاقتطع منه القدر الذي يناسب الطهارة، فقال: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عائشة قالت:" لما ثقل النبي - ﷺ - واشتد به وجعه استأذن أزواجه في أن يمرض في بيتي فأذن له فخرج النبي - ﷺ - بين رجلين تخط رجلاه في الأرض بين عباس ورجل آخر قال عبيد الله: فأخبرت عبد الله بن عباس فقال: أتدري من الرجل الآخر؟ قلت: لا، قال: هو علي. وكانت عائشة ﵂ تحدث أن النبي - ﷺ - قال بعد ما دخل بيته واشتد وجعه: " هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس وأجلس في مخضب لحفصة زوج النبي - ﷺ - ثم طفقنا نصب عليه تلك القرب حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن ثم خرج إلى الناس ".
ثم أورده في باب الأذان (٦٦٥) بما يناسب الاستئذان. فقال: حدثنا إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله قال: قالت عائشة: " لما ثقل النبي - ﷺ - واشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له فخرج بين رجلين تخط رجلاه الأرض، وكان بين العباس ورجل آخر. قال عبيد الله: فذكرت ذلك لابن عباس ما قالت عائشة، فقال لي: وهل تدري من الرجل
[ ٢٥٠ ]
الذي لم تسم عائشة؟ قلت: لا قال: هو علي بن أبي طالب ".
ثم في كتاب فرض الخمس (٣٠٩٩) مختصرًا جدًا مناسبًا للباب فقال: حدثنا حبان بن موسى ومحمد قالا: أخبرنا عبد الله: أخبرنا معمر ويونس عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عائشة ﵂ زوج النبي - ﷺ - قالت:" لما ثقل رسول الله - ﷺ - استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له ".
وفي المغازي (٤٤٤٢) مطولًا، فقال: حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: لما ثقل رسول الله - ﷺ - واشتد به وجعه استأذن
أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له فخرج وهو بين الرجلين تخط رجلاه في الأرض بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر، قال عبيد الله: فأخبرت عبد الله بالذي قالت عائشة، فقال لي عبد الله بن عباس: هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة؟ قال: قلت: لا، قال ابن عباس: هو علي بن أبي طالب، وكانت عائشة زوج النبي - ﷺ - تحدث: أن رسول الله - ﷺ - لما دخل بيتي واشتد به وجعه قال: " هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي - ﷺ - ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن قالت ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم".
وفي الطب (٥٧١٤) بما يناسبه، فقال: حدثنا بشر بن محمد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر ويونس، قالا: قال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عائشة ﵂ زوج النبي - ﷺ - قالت: لما ثقل رسول الله - ﷺ -، واشتد وجعه استأذن أزواجه في أن يمرض في بيتي فأذن له فخرج بين رجلين تخط رجلاه في الأرض بين عباس وآخر". فأخبرت ابن عباس قال: هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة؟ قلت: لا، قال: هو علي. قالت عائشة فقال النبي - ﷺ - بعد ما دخل بيتها واشتد به وجعه:" هريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلّي أعهد إلى الناس "، قالت: فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي - ﷺ -، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى جعل يشير إلينا أن قد فعلتنّ، قالت: وخرج إلى الناس فصلى لهم وخطبهم".
٢ - ومن أمثلته أيضا ما أخرجه مسلم ١/ ٣٦٨ (٥١٧) قال: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة، عن أبيه أن عمر بن أبي سلمة أخبره قال:
[ ٢٥١ ]
رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي في ثوب واحد مشتملًا به في بيت أم سلمة، واضعًا طرفيه على عاتقيه ".
وفي (٥١٧): حدثناه أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم عن وكيع قال حدثنا هشام بن عروة بهذا الإسناد غير أنه قال:" متوشحا ولم يقل مشتملا ".
وفي (٥١٧) قال: وحدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة قال:" رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي في بيت أم سلمة في ثوب قد خالف بين طرفيه".
وأخرجه في ١/ ٣٦٩ (٥١٧) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد وعيسى بن حماد قالا: حدثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمر بن أبي سلمة قال: " رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي في ثوب واحد ملتحفًا مخالفًا بين طرفيه ". زاد عيسى بن حماد في روايته قال على منكبيه.
رابعًا - التقطيع - التبويب -:
وأعني به تقطيع الحديث الواحد حسب ما يراه المصنف مناسبًا فيرويه تارة تامًا في باب من أبواب مصنفه يحتاج إلى إيراده بهذه الصورة، ثم يأخذ منه قطعة في باب آخر لا يحتاج إلى إيراده بتمامه، ولمعرفة أصل الحديث الصحيح أمامنا طريقان:
الأول: أن نرجع إلى سياقة هذا الحديث في الكتب المرتبة على المسانيد، ومن أفضلها، مسند الإمام المبجل أحمد بن حنبل، على أن يكون هذا الإسناد موافقًا للإسناد الذي جاء في الكتب الأخرى أو صحيحًا مثل صحتها.
الثاني: هو العودة إلى صحيح الإمام مسلم لأن مسلمًا يجمع الطرق، ويقص الحديث مفصلًا، ومن هنا فضل المغاربة مسلمًا على البخاري، ونحن لا نوافقهم على ذلك قطعًا.
ومن أمثلة التقطيع البينة حديث جابر - ﵁ - في الحج، فنحن نعلم جيدًا أن هذا الحديث الطويل مما تفرد به جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي بن الحسين، المعروف بالباقر، عن جابر ابن عبد الله الأنصاري، ولا نعرف له طريقًا صحيحًا من غير هذا الطريق، وقد ساقه الإمام أحمد بتمامه في مسنده ٣/ ٣٢٠، وكذا الإمام مسلم ٤/ ٣٨ - ٤٣ (١٢١٨)، أما الإمام مالك فقد قطّعه إلى أربع قطع في الموطأ، فظهر وكأنه أربعة
[ ٢٥٢ ]
أحاديث، وذلك بحسب ما احتاج إليه في الموطأ من أبواب الحج، فذكر في باب " الرمل
في الطواف " (١٠٥٧)، قول جابر:" رأيت رسول الله - ﷺ - رمل من الحجر حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف ".
وذكر منه قطعتين صغيرتين في باب:" البدء بالصفا في السعي "، برقم (١٠٨٩و ١٠٩٠).
وذكر القطعة الرابعة منه في باب:" جامع السعي "، برقم (١٠٩٧).
وكذلك هو في الموطآت، مثل موطأ أبي مصعب الزهري حيث جاءت هذه القطع المذكورة في الأرقام (١٢٨١و١٣١١و١٣١٢و١٣١٤).
وكذلك هي في موطأ سويد بن سعيد إذ جاءت في الأرقام (٥٤١و٥٤٣و٥٤٤)، وهي أربعة أحاديث في الموطأ، وإن أعطى المحقق لحديثين الرقم (٥٤٣).
وحين تناول ابن عبد البر بيان أسانيد الموطأ في كتابه العظيم التمهيد عد ذلك أربعة أحاديث، لما رواه الإمام مالك عن جعفر بن محمد فقال: في ٢/ ٦٨ حديث أول لجعفر بن محمد، وقال في حديث ٢/ ٧٩حديث ثان لجعفر بن محمد مسند، وقال في ٢/ ٩١ حديث لجعفر بن محمد متصل، وقال في ٢/ ٩٣حديث رابع لجعفر بن محمد.
وهو في أصله قطع صغيرة من حديث جابر الطويل المعروف في صحيح مسلم.
وكذلك فعل أصحاب السنن المرتبة على أبواب الفقه، حيث قطعوا هذا الحديث حسب الأبواب التي احتاجوا إليها، فقد رواه (١):
أبو داود: (١٨١٣و١٩٣٦و٣٩٦٩).
الترمذي: (٨١٧ و٨٥٧ و٨٦٢ و٨٦٩ و٢٩٦٧).
ابن ماجه: (١٠٠٨و٢٩١٣و٢٩١٩و٢٩٥١و٢٩٦٠و٣١٥٨).
النسائي: ١/ ١٢٢و١٩٥و١٥٤و٢٠٨و٢٩٠،و٢/ ١٥و١٦،و٥/ ١٤٣و١٥٥و١٥٧و١٦٤ و١٧٦و٢٣٠و٢٣٦و٢٣٩و٢٤٠و٢٤٣و٢٤٤و٢٣٥و٢٤٠و٢٥٥و٢٦٥و٢٦٧و٢٧٤.
وابن خزيمة: (٢٦٠٣و٢٧٠٩و٢٧١٧و٢٧١٨و٢٧٥٦و٢٨١١و٢٨٥٣و٢٨٥٥و٢٨٥٨
و٢٨٩٠ و٢٨٩٢ و٢٩٢٤).
_________________
(١) انظر تفصيل الحديث في المسند الجامع ٤/ ٢٧ - ٤٥ (٢٤١٩).
[ ٢٥٣ ]
ومن المبرزين في هذا الأمر الإمام البخاري رحمه الله تعالى، إذ نقل الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي القول:
"وأما تقطيعه للحديث في الأبواب تارة واقتصاره منه على بعضه أخرى فذلك لأنه إن كان المتن قصيرًا أو مرتبطًا بعضه ببعض وقد اشتمل على حكمين فصاعدًا فإنه يعيده بحسب ذلك " (١).
ويوضح هذا الإمام النووي إذ يقول: " وأما تقطيع المصنفين الحديث الواحد في الأبواب فهو بالجواز أولى بل يبعد طرد الخلاف فيه وقد استمر عليه عمل الأئمة الحفاظ الجلة من المحدثين وغيرهم من أصناف العلماء، وهذا معنى قول مسلم ﵀: "أو أن يفصل ذلك المعنى " إلى آخره وقوله: " إذا أمكن " يعنى: إذا وجد الشرط الذي ذكرناه على مذهب الجمهور من التفصيل. وقوله:" ولكن تفصيله ربما عسر من جملته فإعادته بهيئة إذا ضاق ذلك أسلم " معناه: ما ذكرنا أنه لا يفصل إلا ما ليس مرتبطًا بالباقي، وقد يعسر هذا في بعض الأحاديث فيكون كله مرتبطا بالباقي أو يشك في ارتباطه ففي هذه الحالة يتعين ذكره بتمامه وهيئته ليكون أسلم مخافة من الخطأ والزلل والله أعلم " (٢).
ومن أمثلة ذلك:
١ - حديث الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة - ﵃ - في مرض النبي - ﷺ -، إذ أخرجه البخاري من حديث الزهري نفسه، ولكنه قطعه على الأبواب بما يناسبها.
فأخرجه في (٤٤٣٩) عند باب: " مرض النبي ووفاته "، وفي (٥٠١٦)، " باب فضل المعوذات "، من طريق يونس عن الزهري، فقال: "حدثني حبان قال: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة أن عائشة ﵂ أخبرته:" أن رسول الله - ﷺ - كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات، ومسح عنه بيده، فلما
اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث، وأمسح بيد النبي - ﷺ - عنه ".
ثم أخرجه في (٥٠١٧) من طريق عقيل، باب" فضل المعوذات " فقال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا المفضل بن فضالة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن
_________________
(١) مقدمة الفتح ص ١٥.
(٢) شرح النووي ١/ ٤٩.
[ ٢٥٤ ]
عائشة أن النبي - ﷺ -:"كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات ". قلت: ولم يذكر فيه مرض النبي - ﷺ -.
وأخرجه في (٥٧٥١)، باب " المرأة ترقي الرجل "، وفي (٥٧٣٥) باب " الرقى بالقرآن والمعوذات"، من طريق معمر فقال: " حدثني عبد الله بن محمد الجعفي قال: حدثنا هشام قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂:" أن النبي - ﷺ - كان ينفث على نفسه في مرضه الذي قبض فيه بالمعوذات فلما ثقل كنت أنا أنفث عليه بهن فأمسح بيد نفسه لبركتها ".فسألت ابن شهاب: كيف كان ينفث؟ قال: ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه".
وهنا اقتطع البخاري من الحديث ما يناسب الباب، وهو شرعية الرقية بالقرآن، وشرعية رقية المرأة للرجل.
ثم أخرجه (٦٣١٩)، باب " التعوذ والقراءة عند المنام "، من طريق عقيل فقال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا الليث قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب أخبرني عروة عن عائشة ﵂:" أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ بالمعوذات ومسح بهما جسده ".
ثم أخرجه في (٧٥٤٨)، باب " النفث في الرقية "، من طريق يونس، فقال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثنا سليمان، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله - ﷺ - إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد وبالمعوذتين جميعا، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت
يداه من جسده، قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به ". قال يونس: كنت أرى ابن شهاب يصنع ذلك إذا أتى إلى فراشه ".
وهنا اختار البخاري لفظة " يأمرني " لأنها تناسب عنوان الباب " النفث "، فأراد بيان سنة شرعية.
٢ - حديث محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن ابن عمر - ﵃ -، إذ أخرجه البخاري (٤٤٠٢و ٤٤٠٣)، باب حجة الوداع من طريق ابنه عمر، فقال: حدثنا
[ ٢٥٥ ]
يحيى بن سليمان قال: أخبرني ابن وهب، قال: حدثني عمر بن محمد أن أباه حدثه عن ابن عمر ﵄ قال: " كنا نتحدث بحجة الوداع والنبي - ﷺ - بين أظهرنا ولا ندري ما حجة الوداع فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره وقال: ما بعث الله من نبي إلا أنذره أمته أنذره نوح والنبيون من بعده وإنه يخرج فيكم فما خفي عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم أن ربكم ليس على ما يخفى عليكم، ثلاثًا، إن ربكم ليس بأعور وإنه أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، ثلاثاُ ويلكم أو ويحكم انظروا لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض " (١).
وأخرجه البخاري في (٦٧٨٥)، " باب ظهر المؤمن حمى إلا في حدّ أو حق " من طريق ابنه الآخر واقد، فقال: " حدثني محمد بن عبد الله قال: حدثنا عاصم بن علي قال: حدثنا عاصم بن محمد عن واقد بن محمد سمعت أبي قال: عبد الله قال رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع: "ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا شهرنا هذا، قال: ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا بلدنا هذا، قال: ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا يومنا هذا قال: فإن الله ﵎ قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ألا هل بلغت؟،
ثلاثا، كل ذلك يجيبونه: ألا نعم، قال: ويحكم أو ويلكم لا ترجعن بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض " (٢).
وأخرجه البخاري في (٦١٦٦): "باب ما جاء في قول الرجل "ويلك " من طريق واقد نفسه، فقال:" حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: حدثنا شعبة عن واقد بن محمد بن زيد قال: سمعت أبي عن ابن عمر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال:" ويلكم أو ويحكم ".- قال شعبة شك هو-:" لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ". وقال النضر عن شعبة: ويحكم، وقال عمر بن محمد عن أبيه:
_________________
(١) وأخرجه احمد٢/ ١٥٣، وأبو عوانة ١/ ٣٤ (٦٣)، و٤/ ١٠٢ (٦١٧٦).
(٢) أخرجه البخاري (٦١٦٦و٦٨٦٨و٧٠٧٦)، ومسلم الإيمان (١١٩ و١٢٠) وابن أبي شيبة ٧/ ٤٥٥ (٣٧١٧٤)، وأبو عوانة ١/ ٣٤ (٦٢)، وأبو داود (٤٦٨٦)، والنسائي ٧/ ١٢٦ وفي الكبرى ٢/ ٣١٦ (٣٥٩٠)، وابن حبان ١/ ٤١٦ (١٨٧).
[ ٢٥٦ ]
ويلكم أو ويحكم ".
قلت: هنا اقتطع البخاري قطعة صغيرة من الحديث ما يناسب الباب الذي أورده تحته، ليثبت جواز قول: " ويلك ".
ثم أورده في (٦٨٦٨)، " باب قول الله تعالى: ومن أحياها "، من رواية واقد أيضًا، فاقتطع من الحديث ما يناسب الباب، ترهيبًا من قتل المسلم للمسلم، فقال:" حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة قال واقد بن عبد الله أخبرني عن أبيه سمع عبد الله بن عمر عن النبي - ﷺ - قال:" لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".
وكذا حينما أورده في (٧٠٧٦)، "باب قول النبي - ﷺ - لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض "، فقال: " حدثنا حجاج بن منهال حدثنا شعبة أخبرني واقد بن محمد عن أبيه عن ابن عمر أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض".
فما يظهر من اختلاف في متون الأحاديث واقتطاع لها، إنما يجيء بسبب حاجة الإمام البخاري إلى قطعة من الحديث ليستدل بها، فضلًا عن اختلاف بين الرواة في سياقة الحديث بألفاظ مختلفة، كما قدمنا، فهذا كله ليس فيه في حقيقة الأمر زيادات لأنه في أصله حديث واحد.
٣ - وكذا ما أخرجه البخاري (٢٨٩٢)،كتاب الجهاد، باب " باب فضل رباط يوم في سبيل الله وقول الله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون" (١)، فقال: حدثنا عبد الله بن نمير، سمع أبا النضر، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ابن دينار، عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها ".
وأخرجه في (٢٧٩٤) كتاب، " باب الغدوة والروحة في سبيل الله، وقاب قوس أحدكم من الجنة .. "فقال: حدثنا قبيصة قال: حدثنا سفيان عن أبي حازم عن سهل بن سعد
_________________
(١) آل عمران آية ٢٠٠.
[ ٢٥٧ ]
- ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال:" الروحة والغدوة في سبيل الله أفضل من الدنيا وما فيها ".بلفظ مختصر يناسب الباب.
ثم أخرجه في (٣٢٥٠) كتاب بدء الخلق، باب "صفة الجنة وأنها مخلوقة ". فقال: حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي قال قال رسول الله - ﷺ -:" موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ".بلفظ مختصر يثبت أن في الجنة مكانًا، أي أنها مخلوقة.
ثم أخرجه في (٦٤١٥) كتاب، باب " مثل الدنيا في الآخرة " فقال: حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ". فجاء به أتم مما مضى في البابين الآخرين، بما يناسب عنوان الباب. وبعد هذا العرض الموجز لمسائل تتعلق بالإسناد والمتن ندخل إلى التطبيق العملي في صنيع الأئمة المتقدمين.
[ ٢٥٨ ]
الفصل الأول
التطبيق العملي في كتب الرواية
لقد انتقيت مجموعة مصنفات من كتب المتقدمين كيما أستطيع التوصل إلى مذهبهم، لأنهم وإن كانوا مختلفين في مدارسهم الحديثية إلاّ أنهم يجتمعون على قواعد كلية أصولية في - علم الحديث - في قبول الحديث أو رده.
فانتقيت الصحيحين لأنهما اشترطا الصحة في أحاديثهما، فكل حديث وضعوه في صحيحهما فإنهما رضيا به.
ثم اخترت موطأ الإمام مالك، لأنه أيضًا انتقى أحاديثه على قواعد أصولية حديثية، حاول فيه تجنب الضعيفة والموضوعة، والإمام مالك معروف بتشدده في قبول الأحاديث وبمنهجيته الواضحة.
ثم اخترت سنن أبي داود، واعتبرت ما صرح به في عقب أحاديثه إعلالًا أو تصحيحًا هو مذهبه في قبول الزيادة أو عدمه، وأما ما سكت عنه هو فلا علاقة لي به.
ثم جامع الترمذي، والإمام الترمذي له منهجية خاصة سأبينها في موضعها.
ثم سنن النسائي-الكبرى والمجتبى-على وفق ما أجريته مع سنن أبي داود.
أمّا سنن ابن ماجة فإن مؤلفه لم يعتن ببيان قوة الروايات وضعفها، كما لم يوضح منهجه في اختيار هذه الأحاديث، فلا يصلح لعملنا هذا. وكذلك المصنفات الأولى كمصنف عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والمسانيد كمسند الحميدي وأحمد وعبد بن حميد فإنها جمعت الحديث، ولم يكن من وكدها بيان الصحيح من السقيم.
ثم انتقيت من كتب العلل أعظمها تلك التي درست الأسانيد وغربلت الطرق، كعلل ابن أبي حاتم، وعلل أحمد، وعلل ابن المديني، والتمييز للإمام مسلم، وعلل الترمذي-الكبير-،وأفدت من علل الدارقطني خلال دراستي فائدتين:
الأولى: أنه دلني على مظان الحديث وعلله، وبعض الانتقادات التي انتقدها المتقدمون، ويدخل في هذا كتابه الإلزامات والتتبع.
الثانية: أني أفدت منه في دراسة صنيع بعض من جاء من بعد جيل المتقدمين الجهابذة.
[ ٢٥٩ ]
ومن خلال استقرائي لهذه الكتب وكتب أخرى، تبين لي:-أن المتقدمين أطلقوا على زيادة راوٍ على راوٍ آخر، أو جماعة رواة على جماعة آخرين مصطلح زيادة ثقة. (١)
المبحث الأول: عند الإمام مالك بن أنس:
يقف المتفحص لمنهجية الإمام مالك في موطئه على أنَّه يقدم المرسل على الموصول والموقوف على المرفوع في أعم أحاديثه، ولعل ذلك يعود إلى منهجية راسخة في ذهنه لا يمكننا الوقوف عليها إذ لم يصرح بها هو في موطئه.
ومن خلال استقرائي لمنهج الإمام مالك في موطئه، بدراسة أسانيده تبين لي أنَّه لم يقبل ولا في حديث واحد زيادة الثقة على قاعدة المتأخرين في فهمهم لها، بل على العكس فقد رد أحاديث من مثل ذلك، منها مثلًا:
١ - أخرج في الموطأ (٧٧٤) فقال: عن زيد بن أسلم عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: " كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من أقط أو صاعًا من زبيب وذلك بصاع النبي - ﷺ - ".
وأخرجه أحمد ٣/ ٧٣،والدارمي (١٦٧١)،والبخاري (١٥٠٥و ١٥٠٦و ١٥٠٨)، ومسلم٢/ ٦٧٨ (٩٨٥)،والترمذي (٦٧٣)،والنسائي٥/ ٥١كلهم من طرقٍ عن زيد بن أسلم به. (٢)
وأخرجه أحمد ٣/ ٢٣و٩٨،والدارمي (١٦٧٠)،ومسلم ٢/ ٦٧٨ (٩٨٥)، وأبو داود (١٦١٦)،وابن ماجة (١٨٢٩)،والنسائي ٥/ ٥١، وابن خزيمة (٢٤٠٧) و(٢٤١٨) من طرقٍ عن داود بن قيس به. (٣)
وأخرجه مسلم ٢/ ٦٧٩ (٩٨٥)،والنسائي ٥/ ٥١ من طريق الحارث بن عبد الرحمن بن ذباب به. (٤)
وأخرجه أبو داود (١٦١٧)،والنسائي ٥/ ٥٣،وابن خزيمة (٢٤١٩) من طريق عثمان بن حكيم بن حزام به. (٥)
_________________
(١) انظر ص٢٠٨ من هذا البحث.
(٢) انظر المسند الجامع ٦/ ٢٩١ (٤٣٥٢).
(٣) سبق.
(٤) سبق.
(٥) انظر المسند الجامع ٦/ ٢٩١ (٤٣٥٢).
[ ٢٦٠ ]
فهؤلاء (زيد بن أسلم، داود بن قيس، الحارث وعثمان) رووه عن عياض بألفاظ متقاربة. (١)
وأخرجه الحميدي (٧٤٢)،وأبو داود (١٦١٨)،والنسائي ٥/ ٥٢ وفي الكبرى ٢/ ٢٨ (٢٢٩٣)، وابن خزيمة (٢٤١٤)، والبيهقي ٤/ ١٧٢، والدارقطني ٢/ ١٤٦ من طرقٍ عن سفيان بن عيينه عن ابن عجلان عن عياض فزاد فيه (دقيق).
وقد أخرجه مسلم ٢/ ٦٧٩ (٩٨٥) من طريق حاتم بن إسماعيل عن ابن عجلان عن عياض بن عبد الله بن أبي السرح دونها. (٢)
وأخرجه أبو داود (١٦١٨) من طريق يحيى القطان وابن خزيمة (٢٤١٣) من طريق حماد بن مسعدة كلاهما عن ابن عجلان عن عياض دونها. (٣)
فانفرد ابن عيينة عنهم بها وهو ثقة جبل.
فلو قال مالك بالزيادة لأوردها هنا وخاصة وأنَّ سفيان ثقة والزيادة فيها حكم زائد.
لذا قال البيهقي: "فلم يذكر أحد منهم الدقيق غير سفيان، وقد أنكر عليه " (٤).
٢ - وأخرج في (١٢٨٧): عن يحيى بن سعيد قال: أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده قال:" بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في اليسر والعسر والمنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقول أو نقوم بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم ".
أقول: مدار الحديث على عبادة بن الوليد رواه عنه جماعة:
- يحيى بن سعيد الأنصاري: أخرجه البخاري (٧١٩٩)، والنسائي ٧/ ١٣٧و١٣٨و١٣٩.
-ويحيى بن سعيد الأنصاري وعبيد الله بن عمر -جميعًا-:أخرجه مسلم ٣/ ١٤٧٠ (١٧٠٩).
- ويحيى بن سعيد الأنصاري وعبيد الله بن عمر ومحمد بن عجلان -جميعًا-:أخرجه مسلم ٣/ ١٤٧٠ (١٧٠٩)، وابن ماجة (٢٨٦٦).
_________________
(١) سبق.
(٢) سبق.
(٣) سبق.
(٤) سنن البيهقي ٤/ ١٧٢.
[ ٢٦١ ]
-ويزيد بن الهاد: أخرجه مسلم ٣/ ١٤٧٠ (١٧٠٩).
-والوليد بن كثير: أخرجه النسائي ٧/ ١٣٩.
كلهم عن عبادة بن الوليد بألفاظ متقاربة (١).
ورواه محمد بن إسحاق عن عبادة فزاد فيه (بايعنا رسول الله - ﷺ - بيعة الحرب على بيعة النساء وعلى السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا)،أخرجه أحمد ٥/ ٣١٦.
قال الحافظ ابن حجر بعد أن ساق حديث ابن إسحاق: " ولكن الحديث في الصحيحين كما سيأتي في الأحكام ليس فيه هذه الزيادة، وهو من طريق مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبادة بن الوليد، والصواب أنّ بيعة الحرب بعد بيعة العقبة، لأن الحرب إنما شرع بعد الهجرة " (٢).
أقول: وإخراج الإمام مالك له دون الزيادة يعني عدم قبوله لها ولو قبلها لأخرجها وخاصة وأن ابن إسحاق ثقة في المغازي (٣)، وقد صححه الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على مسند أحمد (٤).
٣ - وأخرج مالك (١٠٦٤) عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: قال رسول الله - ﷺ - لعبد الرحمن ابن عوف:" كيف صنعت يا أبا محمد في استلام الركن؟ فقال عبد الرحمن: استلمت وتركت، فقال له رسول الله - ﷺ -: أصبت ".
أقول: مدار الحديث على هشام بن عروة، رواه عنه:
- مالك: كما في الموطأ (١٠٦٤)، والحاكم ٣/ ٣٠٦.
- معمر: أخرجه عبد الرزاق ٥/ ٣٤ (٨٩٠٠).
- وابن عيينة: أخرجه عبد الرزاق ٥/ ٣٤ (٨٩٠١).
-وجعفر بن عون: أخرجه البيهقي ٥/ ٨٠ وقال: " هذا مرسل وكذلك رواه مالك عن هشام ".
فهؤلاء (مالك، ومعمر، وابن عيينة، وجعفر) جميعًا رووه عن هشام مرسلًا.
_________________
(١) انظر تفصيل هذا في المسند الجامع ٨/ ١١٠ (٥٦٠٤).
(٢) فتح الباري ١/ ٩٢.
(٣) انظر تهذيب الكمال ٦/ ٢٢١ (٥٦٤٦)، وميزان الاعتدال ٣/ ٤٦٨ (٧١٩٧) والتهذيب ٩/ ٣٩.
(٤) مسند أحمد ٣٧/ ٣٧٤ (٢٢٧٠٠).
[ ٢٦٢ ]
ورواه زهير بن معاوية عن هشام عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي - ﷺ - متصلًا -، أخرجه البزار ٣/ ٢٦٦ (١٠٥٧) وقال:"وهذا الحديث لا نعلمه روي عن عبد الرحمن بن عوف إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وقد رواه جماعة فلم يقولوا: عن عبد الرحمن بن عوف ".
أقول: فلو كان الإمام مالك يأخذ بزيادة الثقة فلماذا عَدَلَ عن المتصل إلى المرسل؟ وزهير ثقة (١).
وقد أعلّه الدارقطني في علله ٤/ ٢٩٢ (٥٧٤) وعدَّ المرسل هو المحفوظ.
٤ - وأخرج مالك في (١٤٦٢):عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد أنه قال: " أتت الجدتان إلى أبي بكر الصديق فأراد أن يجعل السدس للتي من قبل الأم فقال له رجل من الأنصار: أما إنك تترك التي لو ماتت وهو حي كان إياها يرث فجعل أبو بكر السدس بينهما ".
أقول: مدار الحديث على يحيى بن سعيد الانصاري، رواه عنه:
- مالك: أخرجه في الموطأ (١٤٦٢)، ومن طريقه البيهقي ٦/ ٢٣٥.
وذكر الدارقطني في العلل ١/ ٢٨٧ (٧٧) أن علي بن مسهر وحماد بن سلمة رووه مثل رواية مالك.
ورواه سفيان بن عيينة فزاد عليهم التصريح بأن اسم الرجل هو"عبد الرحمن بن سهل وأنه من أهل بدر ":أخرجه عبد الرزاق ١٠/ ٢٧٥ (١٩٠٨٤)،وسعيد بن منصور ١/ ٥٥ (٨١)، والدارقطني في السنن ٤/ ٩٠ - ٩١، والبيهقي ٦/ ٢٣٥.
قال الدارقطني في العلل ١/ ٢٨٧ (٧٧): "يرويه ابن عيينة منفردًا سمّى الرجل الأنصاري، فقال: عبد الرحمن بن سهل، وذكر أنه شهد بدرًا مع النبي - ﷺ - ورواه حماد بن سلمة وعلي بن مسهر وجماعة عن يحيى بن سعيد عن القاسم فقالوا فيه:" فقال رجل من الأنصار لأبي بكر"،ولم يسموه، ولم يقولوا من أهل بدر".
أقول: فلو كان مالك يقبل الزيادة لأوردها هنا؟.
٥ - وأخرج مالك (٢٤٧٨): عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة: "أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها
_________________
(١) التقريب (٢٠٥١).
[ ٢٦٣ ]
فقضى فيه رسول الله ﷺ بغرةٍ: عبدٍ أو وليدةٍ ".
دار الحديث على أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رواه عنه:
- محمد بن شهاب الزهري: أخرجه مالك (٢٤٧٨)، والشافعي في الأم ٦/ ١٠٧،وأحمد ٢/ ٢٣٦ و٢/ ٢٧٤،والبخاري (٥٧٥٨ و٥٧٦٠ و٦٧٤٠و٦٩٠٤و٦٩٠٩ و٦٩١٠)،ومسلم (١٦٨١)، والترمذي (٢١١١)، والنسائي ٨/ ٤٨، والطحاوي في شرح المعاني ٣/ ٢٠٥، والبيهقي ٨/ ١١٢ من طرقٍ عن الزهري به. (١)
-ومحمد بن عمرو: أخرجه أحمد ٢/ ٤٣٨ من طريق يحيى بن سعيد وفي ٢/ ٤٩٨ من طريق يزيدبن هارون، والترمذي (١٤١٠) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وابن ماجة (٢٦٣٩) من طريق محمد بن بشر. كلهم عن محمد بن عمرو (٢) بلفظ مقارب لرواية الزهري.
ورواه أبو داود (٤٥٧٩) من طريق عيسى بن يونس عن محمد بن عمرو (٣)، فزاد عليهم " أو فرس أو بغل "وقال: " روى هذا الحديث حماد بن سلمة وخالد بن عبد الله عن محمد بن عمرو، ولم يذكرا (فرس أو بغل) ". (٤)
هكذا وجدنا ستة من الثقات يروون الحديث عن محمد بن عمرو من غير هذه الزيادات، وتفرد بها عيسى بن يونس وهو ثقة مأمون كما قال الحافظ ابن حجر (٥).
أقول: فلو صحت الزيادة عند مالك لماذا لم يأخذ بها هنا وفيها فائدة زيادة حكم شرعي؟ وكذا يدلل على منهج البخاري ومسلم في عدم إيرادهما لها.
٦ - وأخرج في (٢١١١) فقال: عن جعفر بن محمد عن أبيه: " أنّ رسول الله - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد ".
قلت: دار الحديث على جعفر بن محمد الصادق روي عنه مرة مرسلًا ومرة متصلًا، رواه عنه:
- سفيان الثوري: أخرجه الترمذي (١٣٤٥)، وابن أبي شيبة ٤/ ٥٤٤
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٧/ ٣٦٢ (١٣٧٦٥).
(٢) انظر المسند الجامع ١٧/ ٣٦٢ (١٣٧٦٥).
(٣) سبق.
(٤) انظر تفصيل تخريج الحديث في المسند الجامع ١٧/ ٣٦٢ (١٣٧٦٥) و١٧/ ٢٦٣ (١٣٧٦٦).
(٥) التقريب (٥٣٤١).
[ ٢٦٤ ]
(٢٢٩٩٧).
- وإسماعيل بن جعفر: أخرجه الترمذي (١٣٤٥) وقال: هذا أصح، والبيهقي ١٠/ ١٦٩. كلاهما عن جعفر بن محمد به مرسلًا.
ورواه عنه عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي - وهو ثقة (١) - فوصله، أخرجه الشافعي في المسند ٢/ ١٨٠، وأحمد ٣/ ٣٠٥، والترمذي (١٣٤٤)، وابن ماجة (٢٣٦٩)، والدارقطني ٤/ ٢١٢، والبيهقي ١٠/ ١٦٩ - ١٧٠.
كلهم من طرق عن عبد الوهاب الثقفي به (٢).
أقول: فلو قال الإمام مالك بقبول الزيادة فلماذا لم يوردها هنا؟
وقد أعل المتصل كل من الأئمة أبي حاتم، وأبي زرعة الرازيين، والترمذي -كما مر -، وابن عدي، ابن التركماني (٣).
وهكذا يتضح لنا أنَّ الإمام مالك لم يقبل زيادة الثقة، بل رَدَّ زيادات كثيرة في الإسناد إذ أوردها مرسلة في حين رواها غيره متصلة، كما رد زيادات مهمة في المتن تفرد بها ثقات، والأمثلة المذكورة لها نظائر عديدة في الموطأ لمن يتتبع.
المبحث الثاني: عند الإمام البخاري:
لم أقف بعد طول بحث في صحيح الإمام البخاري وبالاستعانة بكتب الشروح والتخريج على حديث واحد - بحدود اطلاعي - يقبل فيه زيادة الثقة بمعناه عند المتأخرين، وهو أن يزيد راوٍ واحد على مجموعة رواة رووا الحديث عن الشيخ نفسه، بل على العكس فهو دومًا يجتنب الأحاديث التي ينفرد بعض الرواة بزيادة في متونها أو أسانيدها، وأحيانًا يعلقها مع أنَّ كل رجال السند ثقات ولكنه يرغب عنه للاختلاف فيه، ومن أمثلته حديث أبي بكرة - ﵁ - في حجة الوداع الذي أخرجه مسلم بزيادة تركها البخاري، قال القاضي عياض: " وقد روى البخاري هذا الحديث عن ابن عون فلم يذكر فيه هذا الكلام فلعلّه تركه عمدًا " (٤).
_________________
(١) التقريب (٤٢٦١).
(٢) انظر المسند الجامع ٤/ ١٩٢ (٢٦٥٦).
(٣) انظر علل ابن أبي حاتم ١/ ٤٦٧ (١٤٠٢)، والكامل في الضعفاء ١/ ٢٣٨، والجوهر النقي ١٠/ ١٧١.
(٤) شرح مسلم ١١/ ١٧١،وسيأتي الكلام عليه مفصلًا عند كلامنا على الإمام مسلم.
[ ٢٦٥ ]
وأخرج حديث مالك عن وهب بن كيسان: أتى رسول الله - ﷺ - بطعام ومعه ربيبه عمر ابن أبي سلمة فقال: " سمِّ الله وكل ممّا يليك " (١)، فاختار رواية مالك المرسلة التي أخرجها في الموطأ (٢)،وترك الموصولة التي صحت عن مالك خارج الموطأ (٣)،مع أن الرواية الموصولة وإن كانت خارج الموطأ فقد رواها اثنان ممن أخرج لهما في صحيحه وهما: خالد بن مخلد القطواني ويحيى بن صالح الوحاظي، فأخرج الطحاوي في شرح المشكل (١٥٥) رواية يحيى بن صالح، وأخرج الدارمي (٢٠٢٥) و(٢٠٥١) والطحاوي في شرح المشكل (١٥٤) من طريق خالد بن مخلد، ولذلك قال الدارقطني في الإلزامات والتتبع:"وهذا الحديث أرسله مالك في الموطأ، ووصله عنه خالد بن مخلد ويحيى بن صالح وهو صحيح متصل".
نعم أخرج البخاري الرواية الموصولة عن غير مالك (٥٣٧٧) لكنه اقتصر في رواية مالك على الرواية المرسلة، لأنَّ هذه الزيادة عن مالك لم تصح عنده، وإنْ صحت عند غيره، وهذا يبين بوضوح أنَّه يعل الرواية المتصلة بالمرسلة.
وكذا الأحاديث المعلقة أو المرسلة التي يوردها في صحيحه تاركًا الطرق الموصولة لعلة يراها، إمّا لكون الراوي الذي زاد أقل حفظًا أو ضبطًا، أو لأن الذين أرسلوه أكثر فيتركها البخاري لهذه الأسباب أو لغيرها.
وأحيانًا يورد الرواية المرسلة ثم يعقبها بالمتصلة وهذا غاية في الإعلال لأنه أراد أن ينبه على كون المرسلة أصح، وأن المتصلة لم تفته فأخرجها عقبها - والله أعلم - ومثالها: ما أخرجه في (٤٣٢٠) فقال: " حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر قال: يا رسول الله .. (ح) وحدثني محمد بن مقاتل قال: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر - ﵁ - قال: لمّا قفلنا من حنين سأل عمر النبي - ﷺ - عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف فأمره النبي - ﷺ - بوفائه ". وقال بعضهم: حماد عن أيوب عن نافع ابن عمر. ورواه جرير بن حازم وحماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -.
فهنا أورد البخاري طريق حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر - مرسلًا -
_________________
(١) أخرجه برقم (٥٣٧٨).
(٢) الموطأ (١٦٩٨).
(٣) انظر الإلزامات والتتبع ص٢٤٥، وفتح الباري ٩/ ٦٥٤.
[ ٢٦٦ ]
أولًا ثم أعقبها بالروايات المتصلة وقد اختلف فيها، فذهب ابن حجر في الفتح إلى أنَّ البخاري أشار إلى
أنَّ الرواية - المرسلة - مرجوحة لأن جماعة من أصحاب شيخه أيوب خالفوه - أي حماد - فوصلوه وأرسله؟ (١) وهذا عكس للمسألة فمنهج البخاري أنْ يذكر الرواية المعلولة بعد الرواية الأصل ثم يتكلم عليها، ولو كان الأمر مثلما يقول الحافظ ابن حجر لمَا استدركها عليه الدارقطني في التتبع كونه أخرجه مرسلًا وقد صحَّ متصلًا؟ أضف إلى قوله: وقول حماد المرسل أصح (٢)
وقد يورد الإمام البخاري المرسل لينبه عليه كما يقول الحافظ ولكنه يقدمها بالمتصل لأن كتابه كتاب صحيح، لا كتاب علل وهذا حينما يتساوى الأمر عنده فيكون المتصل قد صح من وجه والمرسل قد صح من وجه ولا وجه للترجيح - عند البخاري - فيقدم المتصل ثم يردفه المرسل.
ومثاله: ما أخرج البخاري (١٦٢٦) فقال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن محمد بن عبد الرحمن عن عروة عن زينب عن أم سلمة ﵂ شكوت إلى رسول الله - ﷺ - (ح). وحدثني محمد بن حرب حدثنا أبو مروان يحيى بن أبي زكريا الغساني عن هشام عن عروة عن أم سلمة ﵂ زوج النبي - ﷺ -:" أن رسول الله - ﷺ - قال وهو بمكة وأراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج فقال لها رسول الله - ﷺ -: " إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون ففعلت ذلك فلم تصل حتى خرجت ".
فهنا البخاري أورد الرواية المتصلة عن محمد بن عبد الرحمن عن عروة ثم أعقبها برواية هشام عن عروة المرسلة. حاكيًا الخلاف فيه كعادته. (٣)
وقلْ مثل ذلك إذا رواه جماعة متصلًا وجماعة مرسلًا فإنه يذكر الخلاف فيه في العادة. يقول الحافظ في مثل هذا النوع: " والذي عرفناه بالاستقراء من صنيع البخاري أنه لا يعمل في هذه الصورة بقاعدة مطردة، بل يدور مع الترجيح إلاّ إن استووا فيقدم الوصل ". (٤)
ولمّا لم يصرّح لنا الإمام البخاري بمنهجه في صحيحه عامة وبمنهجه في زيادة الثقة خاصة، فلا يسعنا إلاّ استقراء منهجه التطبيقي في صحيحه، وهذا منهج ظني ولكنه لا
_________________
(١) فتح الباري ٨/ ٤٣.
(٢) الإلزامات والتتبع ص٣٧٠.
(٣) انظر فتح الباري ٣/ ٦٢١ - ٦٢٢.
(٤) فتح الباري ١١/ ٧٢٢.
[ ٢٦٧ ]
يبعد كثيرًا عن الواقع الحقيقي، لهذا فإنَّ عجبي لا يكاد ينتهي من بعض علماء المصطلح من المتأخرين حينما
ينسبون للإمام البخاري القول بقبول الزيادة مطلقًا متعكزين على بعض النصوص الواردة عنه، ولبيان ذلك أقول:
أطلق البخاري عبارة " الزيادة من الثقة مقبولة " مرة واحدة، ونص الحافظ ابن حجر على أنه قبول زيادة الثقة الحافظ (١) وذلك في حديث (١٤٨٣):"حدثنا سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: " فيما سقت السماء والعيون أو كان عشريا العشر وما سقي بالنضح نصف العشر".
وعقّبه في (١٤٨٤) فقال: حدثنا مسدد حدثنا يحيى حدثنا مالك قال حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ - قال:
" ليس فيما أقل من خمسة أوسق صدقة ولا في أقل من خمسة من الإبل الذود صدقة ولا في أقل من خمس أواق من الوَرِق صدقة ".
قال أبو عبد الله:"هذا تفسير الأول إذا قال ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ويؤخذ أبدًا في العلم بما زاد أهل الثبت أو بينوا ".
قال أبو عبد الله:"هذا تفسير الأول لأنه لم يوقت في الأول يعني حديث ابن عمر وفيما سقت السماء العشر وبين في هذا ووقت والزيادة مقبولة والمفسر يقضي على المبهم إذا رواه أهل الثبت كما روى الفضل بن عباس أن النبي - ﷺ - لم يصل في الكعبة وقال بلال: قد صلى فأخذ بقول بلال وترك قول الفضل ".
أقول: وقد اختلف رواة صحيح البخاري في موقع هذا الكلام هل هو عقب حديث ابن عمر أم حديث أبي سعيد الخدري (٢)، وهذا كله لا يعنينا هنا، وإنما الذي
_________________
(١) فتح الباري ٣/ ٤٤٥.
(٢) في نسخة الفتح - هذه - عقب حديث ابن عمر. وقد رجح ابن حجر أنه عقب حديث أبي سعيد فقال في فتح الباري ٣/ ٤٤٥:" وقوله قال أبو عبد الله هذا تفسير الأول الخ هكذا وقع في رواية أبي ذر هذا الكلام عقب حديث ابن عمر في العشري ووقع في رواية غيره عقب حديث أبي سعيد المذكور في الباب الذي بعده وهو الذي وقع عند الإسماعيلي أيضا وجزم أبو علي الصدفي بأن ذكره عقب حديث ابن عمر من قبل بعض نساخ الكتاب انتهى ولم يقف الصغاني على اختلاف الروايات فجزم بأنه وقع هنا في جميعها قال: وحقه أن يذكر في الباب الذي يليه قلت ولذكره عقب كل من الحديثين وجه لكن تعبيره بالأول يرجح كونه بعد حديث أبي سعيد لأنه هو المفسر للذي قبله وهو حديث ابن عمر فحديث ابن عمر بعمومه ظاهر في عدم اشتراط النصاب وفي إيجاب الزكاة في كل ما يسقى بمؤونة وبغير مؤونة ولكنه عند الجمهور مختص بالمعنى الذي سيق لأجله وهو التمييز بين ما يجب فيه العشر أو نصف العشر بخلاف حديث أبي سعيد فإنه مساق لبيان جنس المخرج منه وقدره فأخذ به الجمهور عملًا بالدليلين كما سيأتي بسط القول فيه بعد إن شاء الله تعالى وقد جزم الإسماعيلي بأن كلام البخاري وقع عقب حديث أبي سعيد ودل حديث الباب على التفرقة في القدر المخرج الذي يسقى بنضح أو بغير نضح فإن وجد ما يسقى بهما فظاهره أنه يجب فيه ثلاثة أرباع العشر إذا تساوى ذلك وهو قول أهل العلم قال ابن قدامة لا نعلم فيه خلافًا وإن كان أحدهما أكثر كان حكم الأقل تبعا للأكثر نص عليه أحمد وهو قول الثوري وأبي حنيفة واحد قولي الشافعي والثاني يؤخذ بالقسط ويحتمل أن يقال إن أمكن فصل كل واحد منهما أخذ بحسابه وعن ابن القاسم صاحب مالك العبرة بما تم به الزرع ". انتهى فرجّح ابن حجر أنّه يخص حديث أبي سعيد وإن كان لذكره عقب كل حديث منهما وجه، والذي أراه والله أعلم أنَّه يخص الحديث الثاني حديث أبي سعيد لأن الكلام واضح عن ترتيب الحديثين والثاني هو الذي يفسر.
[ ٢٦٨ ]
يهمنا هنا أنَّ الإمام
البخاري أطلق عبارة"زيادة الثقة"،وأراد بها زيادة أبي سعيد على ابن عمر ﵄، ويؤكد هذا تمثيله بـ "كما روى الفضل بن عباس "آخر الكلام، فمثّل بزيادة " بلال "على" الفضل" ﵄، فنبّه إلى معنى الزيادة المقبولة عنده، وإلاّ فإنَّه لا يقبل الزيادة - بمفهوم المتأخرين - كما مر معنا.
ويدلل على هذا أنه لا يوجد في هذا الحديث زيادة تفرد بها راو على آخر، فما المناسبة في سياق كلام البخاري إذن؟
ولو سلمنا جدلًا أنه يريد زيادة الرواة دون الصحابي فإنه يقصد معناها عند المتقدمين كما حررناه. (١)
وقد صرّح أيضًا بقبول الزيادة بين الصحابة، إذا ما اختلفوا في حديث ما في كتابه " جزء رفع اليدين " إذ قال:
" ما زاده ابن عمر وعلي وأبو حميد في عشرة من الصحابة من الرفع عند القيام من الركعتين صحيح لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فاختلفوا فيها وإنما زاد بعضهم على
_________________
(١) انظر ص٢٠٨.
[ ٢٦٩ ]
بعض، والزيادة مقبولة من أهل العلم ". (١)
ورغم أن زيادة الصحابة بعضهم على بعض لا خلاف فيها إلاّ أنَّ الإمام البخاري وضع لنا شرطًا هو عدم اتحاد المجلس، فإذا ما اتحد المجلس وجب الترجيح، والله أعلم.
وقد أفادني أستاذي الدكتور بشار عواد معروف كلامًا نفيسًا فقال: " أن الذي عناه البخاري في كلامه هذا ليس المسألة الاصطلاحية التي عناها المتأخرون في كتب المصطلح، فقد ساق البخاري حديثًا عن صحابي مبهما ثم ساقه من طريق آخر مفسرًا، وطبيعي أن يقبل مثل هذا، لأن هذا حديث مستقل، وذاك حديث مستقل آخر ايضًا، ولأن كتاب البخاري كتاب فقه أكثر منه كتاب حديث، كان من الطبيعي أنه يسوق الدليل وما يفسره، فهذا عمل الفقهاء، وهذا لا
علاقة له بموضوع زيادة الثقات أصلًا، لأن الزيادة إنما تقع في حديث الصحابي الواحد، وليس في حديث الصحابيين، وأهل العلم متفقون على تفاوتهم أن حديث كل صحابي هو حديث مستقل عن الصحابي الآخر".
لذا فإن علماء المصطلح لا يستدلون بهذا القول على دعوى قبول الزيادة عند البخاري، لأنهم يعرفون أنَّ زيادات الصحابة بعضهم على بعض لا علاقة لها بمعنى زيادة الثقة الذي يناقشونه، وإنما غاية استدلالهم هو حديث (لا نكاح إلا بولي) وقول الإمام البخاري فيه: " الزيادة من الثقة مقبولة " (٢)، وقد أجبنا عنه سلفًا. (٣)
وهنا عليَّ أن أضع سؤالًا: إذا قال قائل أنَّ البخاري يقبل الزيادة، فعليه أن يأتينا بمثال من صحيحه يدلل فيه على صحة دعواه؟ والمثال الذي لابد منه: أنْ يزيد راوٍ واحد زيادة ينفرد بها عن بقية الرواة عن الشيخ نفسه في الحديث نفسه - متنًا أو سندًا - فإذا كان أكثر من واحد ووجدنا له متابعًا - للراوي المنفرد - بطل الاستدلال به لأنه من قبيل مختلف الحديث. وبحدود اطلاعي واستقرائي لصحيح البخاري لم أقف على مثالٍ واحد تنطبق عليه هذه الشروط اللهم إلاّ بعض الأحاديث التي سنذكرها وهي ليست من قبيل الزيادة، وإنما هي من قبيل المزيد في متصل الأسانيد أو من قبيل المدرج، أو الرواية بالمعنى الخ.
_________________
(١) نقلًا عن فتح الباري ٢/ ٢٨٣.
(٢) انظر الكفاية في علوم الرواية، الخطيب ص٤١٣، وتدريب الراوي ١/ ١٨٤.
(٣) انظر ص٢٠٨.
[ ٢٧٠ ]
ثم أقول: لو صحَّ فرضًا عندنا مثال أو مثالان، فإن ذلك لا يعني أنَّه يقبل الزيادة وإنما هو من باب انتقاء تلك الأحاديث انتقاءًا، ولا ندري لماذا، وما هي قواعده؟ لأنه لم يصرح بها أصلًا يقول الإمام البخاري: "لو نُشِرَ بعض أستاذي هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت كتاب التاريخ ولا عرفوه، ثم قال: صنفته ثلاث مرات" (١) فما بالك بالصحيح .
ومثل هذا لا يمكن أن يقف أمام الكم الهائل من الأحاديث والزيادات التي وقعت من ثقات حفّاظ ولكن البخاري لم يقبلها ولم يدونها في صحيحه، بل آثر الرواية المنقطعة والمرسلة عليها!!
يقول الحافظ ابن حجر: " إن البخاري ليس له عمل مطرد في قبول الزيادة أو ردّها بل يصوّب الإرسال أحيانًا لقرينة تظهر له، ويصوّب الاتصال أحيانًا أخرى حسب القرينة " (٢).
وقال ابن القيم: "وأما تصحيحه حديث يحيى بن أبي سليم في غير هذا فلا إنكار عليه فيه، فهذه طريقة أئمة الحديث العالمين بعلله يصححون حديث الرجل ثم يضعفونه بعينه في حديث آخر إذا انفرد أو خالف الثقات، ومن تأمل هذا وتتبعه رأى منه الكثير فإنهم يصححون حديثه لمتابعة غيره له أو لأنه معروف الرواية صحيح الحديث عن شيخ بعينه ضعيفها في غيره، وفي مثل هذا يعرض الغلط لطائفتين من الناس، طائفة تجد الرجل قد خرج حديثه في الصحيح وقد احتج به فيه فحيث وجدوه في حديث قالوا: هذا على شرط الصحيح، وأصحاب الصحيح يكونون قد انتقوا حديثه، ورووا له ما تابعه فيه الثقات ولم يكن معلولًا ويتركون من حديثه المعلول وما شذ فيه وانفرد به عن الناس وخالف فيه الثقات أو رواه عن غير معروف بالرواية عنه ولا سيما إذا لم يجدوا حديثه عند أصحابه المختصين به فإن لهم في هذا نظرًا واعتبارًا اختصوا به عمن لم يشاركهم فيه، فلا يلزم حيث وجد حديث مثل هذا أن يكون صحيحًا، ولهذا كثيرًا ما يعلل البخاري ونظراؤه حديث الثقة بأنه لا يتابع عليه. والطائفة الثانية يرون الرجل قد تكلم فيه بسبب حديث رواه وضعف من أجله فيجعلون هذا سببًا لتضعيف حديثه أين وجدوه فيضعفون
_________________
(١) تاريخ بغداد للخطيب ٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦،وقد تحرف هذا القول في المطبوع من فتح الباري فصار:"كيف صنفت البخاري" (هدي الساري ص٦٧٣).
(٢) النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦٠٩.
[ ٢٧١ ]
من حديثه ما يجزم أهل المعرفة بالحديث بصحته، وهذا باب قد اشتبه كثيرًا على غير النقاد، والصواب ما اعتمده أئمة الحديث ونقاده من تنقية حديث الرجل وتصحيحه والاحتجاج به في موضع وتضعيفه وترك حديثه في موضع آخر وهذا فيما إذا تعددت شيوخ الرجل ظاهر كإسماعيل بن عياش في غير الشاميين وسفيان بن حسين في غير الزهري ونظائرهما متعددة، وإنما النقد الخفي إذا كان شيخه واحدًا كحديث العلاء بن عبد الرحمن مثلًا عن أبيه عن أبي هريرة فإن مُسلمًا يصحح هذا الإسناد ويحتج بالعلاء، وأعرض عن حديثه في الصيام بعد انتصاف شعبان وهو من روايته على شرطه في الظاهر ولم ير إخراجه لكلام الناس في هذا الحديث وتفرده وحده به وهذا أيضًا كثير يعرفه من له عناية بعلم النقد ومعرفة العلل، وهذا إمام الحديث البخاري يعلل حديث الرجل بأنه لا يتابع عليه ويحتج به في صحيحه ولا تناقض منه في ذلك". (١)
قلت: وهذه المرجحات يصعب معرفتها إلا بالتخمين الذي قد يخطئ أو يصيب لأنه لم يصرح بها؟! فلا سبيل لمعرفتها.
المطلب الأول: ما كان ظاهره القبول وهو ليس كذلك:
وقد وقفت خلال استقرائي لصحيح البخاري على بعض الأمثلة التي قد يظنها البعض قبولًا للزيادة، فسأوردها هنا لبيان أنها ليست من هذا القبيل:
١ - قال الإمام البخاري (٥٢٧٣):حدثنا أزهر بن جميل قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال: حدثنا خالد-الحذاء-عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -:"أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال رسول الله - ﷺ -:أقبل الحديقة وطلقها تطليقة ". قال أبو عبد الله: لا يتابع فيه عن ابن عباس.
حدثنا إسحاق الواسطي حدثنا خالد عن خالد الحذاء عن عكرمة أن أخت عبد الله بن أُبي بهذا وقال: تردين حديقته؟ قالت: نعم فردتها، وأمره أن يطلقها. وقال إبراهيم بن طهمان عن خالد عن عكرمة عن النبي - ﷺ - "وطلقها ".وعن أيوب بن أبي تميمة عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إني لا أعتب على ثابت في دين ولا خلق ولكني لا أطيقه فقال رسول الله
_________________
(١) «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود المطبوع مع عون المعبود للعظيم آبادي ١٠/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
[ ٢٧٢ ]
- ﷺ -:" فتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم ".
قلت: دار الحديث على عبد الوهاب الثقفي رواه عنه أزهر وحده متصلًا: أخرجه البخاري (٥٢٧٣)، والنسائي ٦/ ١٦٩،وفي الكبرى ٣/ ٣٦٩ (٥٦٥٧)، والطبراني في الكبير ١١/ ٢٤٧ (١٩٦٩)، والدارقطني ٣/ ٢٥٤ والبيهقي ٧/ ٣١٣.
قال الدارقطني في التتبع: " وأصحاب الثقفي غير أزهر يرسلونه " (١).
قلت: ولم أقف على من أخرجه عن الثقفي مرسلًا؟
وأعتقد أن الدارقطني فهم خطأً من كلام البخاري أنه روي مرسلًا عن الثقفي، ويؤيد هذا أن الدارقطني لم يذكر من أرسله؟.
ومراد الإمام البخاري أنه روي على الاختلاف الذي ذكره هو عقب الحديث، أي أن الاختلاف يدور على خالد الحذاء لا على الثقفي. (٢)
وإنما خالف خالد الطحان عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء، في روايته الحديث مرسلًا، أخرجه البخاري (٥٢٧٤)،والبيهقي ٧/ ٣١٣.
ورواه إبراهيم بن طهمان عنه - الحذاء - مرسلًا أيضا، أخرجه البخاري (٥٢٧٤) تعليقًا، ووصله ابن حجر في التغليق (٣).
وأما عن قول البخاري عقب الحديث " لا يتابع فيه عن ابن عباس " قال الحافظ ابن حجر: " لا يتابع أزهر بن جميل على ذكر ابن عباس في هذا الحديث بل أرسله غيره ومراده بذلك خصوص طريق خالد الحذاء عن عكرمة، ولهذا عقبه برواية خالد وهو ابن عبد الله الطحان عن خالد وهو الحذاء عن عكرمة مرسلًا، ثم برواية إبراهيم بن طهمان عن خالد الحذاء مرسلًا وعن أيوب موصولًا ورواية إبراهيم بن طهمان عن أيوب الموصولة وصلها الإسماعيلي ". (٤)
هكذا قال الحافظ ابن حجر، وإنما أعلّ البخاري الحديث لكونه غير معروف عند الحفاظ متصلًا عن الثقفي إلا من طريق أزهر، وأظن أن ابن حجر أخذ هذا من كلام
_________________
(١) التتبع ص٤٨٩.
(٢) انظر سنن البيهقي ٧/ ٣١٣، ومقدمة فتح الباري ص ٥٣٤.
(٣) انظر تغليق التعليق ٤/ ٤٦٢.
(٤) فتح الباري.٩/ ٤٠١.
[ ٢٧٣ ]
الدارقطني في التتبع إذ قال: " وأصحاب الثقفي غير أزهر يرسلونه أيضًا "؟ قال ابن حجر في المقدمة: بعد نقل كلام الدارقطني:"قلت: قد حكى البخاري الاختلاف فيه وعلقه لإبراهيم بن طهمان عن خالد الحذاء مرسلًا، وعن أيوب موصولًا، وذلك لما يقوي رواية جرير بن حازم، وفي رواية أبي ذر عن المستملي من الزيادة قال البخاري عقب حديث أزهر: لا يتابع فيه عن ابن عباس، وهذا معنى قول الدارقطني أن أصحاب الثقفي يرسلونه، وقد ذكرت من وصل حديث إبراهيم بن طهمان في تغليق التعليق ". (١)
أقول: وهكذا تكون الموازنة بين طريقين فحسب، طريق الثقفي، وطريق خالد الطحان، أما عن طريق إبراهيم بن طهمان فأنه لم يصح عند البخاري، لذا علقه، وإنما أورده أصلًا لبيان زيادة وردت فيه وهو قوله:"وطلقها".
وكذا الثقفي ثقة أيضًا. (٢) فاختار البخاري طريق الثقفي لأنه توبع متابعة قاصرة إذ توبع في شيخه (الحذاء) تابعه أيوب بن أبي تميمة، أخرجه البخاري (٥٢٧٥ و٥٢٧٦ و٥٢٧٧)، والبيهقي ٧/ ٣١٣، وكذا قتادة السدوسي، أخرجه البيهقي ٧/ ٣١٣.
وفي هذا رد على الدارقطني في تتبعه على البخاري، وأما أزهر هذا فإنه وإن كان ثقة، لكنه ليس من المتقنين الأثبات، كما تدل على ذلك ترجمته، ولذا فإن البخاري لم يخرج له إلا هذا الحديث، ولم يخرج له من أصحاب الكتب الستة الباقين إلا النسائي، فلعل هذا من أوهامه، ولعل الحافظ ابن حجر إنما قال:"صدوق يغرب"،من أجل هذا الحديث (٣)؟
٢ - وقال البخاري: (٦٨٢٠):حدثني محمود، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر:" أن رجلا من أسلم جاء النبي - ﷺ - فاعترف بالزنا فأعرض عنه النبي - ﷺ - حتى شهد على نفسه أربع مرات قال له النبي - ﷺ -:أبك جنون؟ قال: لا، قال: أحصنت؟ قال: نعم، فأمر به فرجم بالمصلى فلما أذلقته الحجارة فر، فأدرك فرجم حتى مات فقال له النبي - ﷺ - خيرًا وصلى عليه ". لم يقل يونس
_________________
(١) مقدمة فتح الباري ص ٥٣٤، انظر المسند الجامع ٩/ ٢٠٠ (٦٤٩٨) و٩/ ٢٠١ (٦٤٩٩).
(٢) جاء في التقريب (٣٢٦١):" ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين"،وتعقبه صاحبا التحرير ٢/ ٣٩٨: "الثابت أن الناس حجبوا عنه عند تغيره ".
(٣) التقريب (٣٠٣)،وتتبعه مصاحبا التحرير ١/ ١٠٩ فقالا: " ولم يصفه أحد بالأغراب البتة "؟.
[ ٢٧٤ ]
وابن جريج عن الزهري فصلى عليه سئل أبو عبد الله هل قوله فصلى عليه يصح أم لا؟ قال: رواه معمر قيل له: رواه غير معمر؟ قال لا.
قلت: أخرجه البخاري من حديث محمود قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري به، فزاد زيادة: "وصلى عليه"،خالف بها جمهرة الرواة الذين رووه عن معمر إذ قالوا في حديثهم " ولم يصلِ عليه ".
وقد تعقب على الإمام البخاري من وجهين:
الأول: إيراده هذا الطريق الذي خالف فيه، وسيأتي الكلام عليه.
الثاني: قوله: لم يقل يونس وابن جريج عن الزهري فصلى عليه سئل أبو عبد الله هل قوله فصلى عليه يصح أم لا؟ قال: رواه معمر قيل له رواه غير معمر؟ قال لا.
فأشعر أن المنفرد بالزيادة هو معمر؟ والصحيح أن المنفرد بها هو محمود بن غيلان:
فقد روي الحديث عن عبد الرزاق عن معمر بالسند نفسه دون الزيادة، بل بنفي الصلاة عليه، رواه عن عبد الرزاق أكثر من عشرة رواة، وانفرد محمود عنهم بالزيادة.
فقد أخرجه: أحمد ٣/ ٣٢٣ فقال: حدثنا عبد الرزاق.
وأخرجه مسلم ٣/ ١٣١٨ (١٦٩١) من طريق إسحاق بن إبراهيم.
وأخرجه إبن الجارود ١/ ٢٠٦ (٨١٣)، طريق محمد بن يحيى الذهلي.
وأخرجه النسائي ٤/ ٦٢،وفي الكبرى ١/ ٦٣٥ (٢٠٨٣)،و٤/ ٢٨٠ (٧١٧٦) من طريق محمد بن يحيى الذهلي، وطريق نوح بن حبيب القومسي.
وأخرجه النسائي في الكبرى ٤/ ٢٨٠ (٧١٧٦) من طريق محمد بن رافع النيسابوري.
وأخرجه أبو داود (٤٤٣٠)، والترمذي (١٤٢٩) من طريق الحسن بن علي الخلال.
وأخرجه أبو داود (٤٤٣٠) من طريق محمد بن المتوكل العسقلاني.
وأخرجه أبو عوانة ٤/ ١٢٥ (٦٢٦٥) من طريق إسحاق الدبري.
وأخرجه الدارقطني ٣/ ١٢٧، والبيهقي ٨/ ٢١٨، من طريق أحمد بن منصور الرمادي.
وأخرجه ابن حبان ٧/ ٣٦٢ (٣٠٩٤) من طريق محمد بن الحسن بن السري.
[ ٢٧٥ ]
كلهم عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر به مرفوعًا (١)، بعضهم قال: " ولم يصل عليه "، وبعضهم سكت عنها.
وأما طريق يونس الذي ذكره البخاري فقد أخرجه في صحيحه (٥٢٧٠ و٦٨١٤)، ومسلم ٣/ ١٣١٨ (١٦٩١)، وأبو عوانة ٤/ ١٢٦ (٦٢٦٦).
وأخرجه البخاري من طريق عقيل بن خالد (٦٨١٦).ومن طريق شعيب (٥٢٧٢)، وأخرجه معلقًا عن الزهري (٧١٦٨).
وأخرجه الدارمي ٢/ ٢١٣ (٢٣١٥)، ومسلم ٣/ ١٣١٨ (١٦٩١)، وأبو عوانة ٤/ ١٢٦ (٦٢٦٦) من طريق ابن جريج.
وقد خطّأ البيهقي ٨/ ٢١٨ حديث البخاري، وقال الحافظ ابن حجر ١٢/ ١٥٤ - ١٥٥: " قوله وصلى عليه هكذا وقع هنا عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق وخالفه محمد بن يحيى الذهلي وجماعة عن عبد الرزاق فقالوا في آخره ولم يصل عليه قال المنذري في حاشية السنن: رواه ثمانية أنفس عن عبد الرزاق فلم يذكروا قوله وصلى عليه فهؤلاء أكثر من عشرة أنفس خالفوا محمودًا منهم من سكت عن الزيادة ومنهم من صرح بنفيها وقد اعترض عليه في جزمه بأن معمرًا روى هذه الزيادة مع أن المنفرد بها إنما هو محمود بن غيلان عن عبد الرزاق وقد خالفه العدد الكثير من الحفاظ فصرحوا بأنه لم يصل عليه، لكن ظهر لي أن البخاري قويت عنده رواية محمود بالشواهد ".
وقال الزيلعي في معرض كلامه على الزيادة في الأحاديث:"وفي موضع يغلب على الظن خطؤها كزيادة معمر في حديث ماعز الصلاة عليه، رواها البخاري في صحيحه وسئل هل رواها غير معمر؟ فقال: لا. وقد رواه أصحاب السنن الأربعة عن معمر وقال فيه: "ولم يصل عليه
". فقد اختلف على معمر في ذلك، والراوي عن معمر هو عبد الرزاق، وقد اختلف عليه أيضًا، والصواب: أنه قال: ولم يصل عليه " (٢).
قلت: وهذه الشواهد قد تنفع في جبر المتن، وأما السند فلا، وأما عن تخريج البخاري له فنجيب عنه بما يأتي:
١ - إنها ليست من قبيل الزيادة، لتحقق المخالفة، فجماعة من الثقات قالوا: لم
_________________
(١) انظر المسند الجامع ٤/ ١٨٣ (٢٦٤٢).
(٢) نصب الراية ١/ ٣٣٦.
[ ٢٧٦ ]
يصل عليه، ومعمر خالفهم فقال: صلى عليه! فلا وجه لمعنى الزيادة.
٢ - إنّ البخاري أخرجه تحت باب سماه:" الرجم بالمُصَلَّى"،فأورد هذا الحديث لتضمنه لفظة " فرجم بالمصلى "، وهذا يعني أن رواية معمر أصح - عند البخاري - من رواية يونس، وابن جريج، لأنه أخرجها في بابها، وهي تأكيد لهما -قطعًا -ولو صحت عنده لفظة: الصلاة عليه لبوب لها بابا، فأراد أن ينبه على خطئها خشية الوهم، فقال: "لم يقل يونس وابن جريج عن الزهري: فصلى عليه "، ثم سأل .. الخ.
٣ - إنَّ البخاري حين أورد متن الحديث من طريق محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عن معمر، إنما كان غرضه منها عبارة:"فرجم بالمصلى"لموافقتها الباب، وهذا لا يعني أنه قبل المتن كله، لذلك نبه بلطف إلى خطأ الرواية القائلة بأنّه صلى عليه، إذ المحفوظ أنه لم يصل عليه.
٤ - ومن هنا فإنَّ الذين انتقدوا هذا على البخاري لم يدركوا جيدًا هذه النكتة، فذهبوا إلى خطأ البخاري في إيراد هذه العبارة وكأنّه اختارها لصحتها، ولم ينتبه إلى غيرها، ومثل ذلك لا يفوت البخاري، بل إنّه نبه عليه.
المطلب الثاني: زيادات أعرض عنها البخاري:
وقفت على أحاديث كثيرة جدًا قد أعرض الإمام البخاري عن زيادات زادها ثقات، وسأذكر بعض الأمثلة: -
١ - حديث (٦٧٢) قال: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا قُدِّم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم ".
أقول: دار الحديث على الزهري رواه عنه:-
-سفيان بن عيينة: أخرجه الحميدي ٢/ ٤٩٩ (١١٨١)، وأحمد ٣/ ١١٠، ومسلم ١/ ٣٩٢ (٥٥٧)، والترمذي (٣٥٣)، والنسائي ٢/ ١١١، وفي الكبرى ١/ ٢٩٨ (٩٢٦)، وابن ماجة (٩٣٣)، وابن خزيمة ٢/ ٦٦ (٩٣٤) و٣/ ٧٦ (١٦٥١).
-وسفيان بن عيينة وسليمان بن كثير - جميعًا -: أخرجه الدارمي ١/ ٣٣١ (١٢٨١).
-ومعمر بن راشد: أخرجه أحمد ٣/ ١٦١.
[ ٢٧٧ ]
-وعقيل بن خالد الأيلي: أخرجه البخاري (٦٧٢).
-وعمرو بن الحارث: أخرجه مسلم ١/ ٣٩٢ (٥٥٧)، وابن حبان ٥/ ٤١٩ (٢٠٦٦).
فهؤلاء كلهم رووه عن الزهري بألفاظ متقاربة (١).
ثم رواه موسى بن أعين وهو ثقة من رجال الشيخين (٢) عن عمرو بن الحارث فزاد لفظة:"وأحدكم صائم "أخرجه الشافعي ١/ ١٢٦وابن حبان ٥/ ٤٢١ (٢٠٦٨) والطبراني في الأوسط ٥/ ٢٠٠ (٥٠٧٠).
فلو كان البخاري يقبل الزيادة لأوردها هنا لا سيما وأن فيها زيادة حكم شرعي وهو تخصيص العام، إذ الحديث أنَّ الطعام يُقَدَّم على صلاة المغرب بصورة عامة ثم جاءت الزيادة مخصصة (بالصيام) (٣)،ويصح ذلك بالنسبة للإمام مسلم والترمذي والنسائي وابن خزيمة وغيرهم ممن ذكرنا.
٢ - وأخرج حديث (٥٥٥٥): فقال: حدثنا عمرو بن خالد قال: حدثنا الليث عن يزيد عن أبي الخير عن عقبة بن عامر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - أعطاه غنمًا يقسمها على صحابته ضحايا فبقي عنود فذكره للنبي - ﷺ - فقال: (ضحِّ به أنت).
أقول: دار الحديث على الليث بن سعد رواه عنه:
قتيبة بن سعيد: أخرجه البخاري (٢٥٠٠ و٢٣٠٠ و٥٥٥٥)،ومسلم ٣/ ١٥٥٥ (١٩٦٥)، والترمذي (١٥٠٠)، والنسائي ٧/ ٢١٨.
وحجاج بن محمد المصيصي أخرجه أحمد ٤/ ١٤٩.
وأبو الوليد الطيالسي أخرجه الدارمي ٢/ ١٠٦ (١٩٥٤) وابن حبان ١٣/ ٢١٩ (٥٨٩٨).
ومحمد بن رمح بن المهاجر أخرجه مسلم ٣/ ١٥٥٥ (١٩٦٥)، وابن ماجة (٣١٣٨).
كلهم عن الليث بن سعد بألفاظ متقاربة (٤).
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١/ ٣١٨ (٤٤٩).
(٢) التقريب (٦٩٤٤).
(٣) انظر فتح الباري ٢/ ٢٠٤.
(٤) انظر المسند الجامع ١٣/ ٤٢ (٩٨٦١).
[ ٢٧٨ ]
ورواه يحيى بن بكير عن الليث بن سعد بالإسناد نفسه وزاد فيه (ولا أرخصه لأحدٍ فيها بعد)، أخرجه البيهقي ٩/ ٢٧٠.
وهذه الزيادة من ثقة (١) أخرج له الشيخان من روايته عن الليث خاصة (٢)،وفيها حكم شرعي جديد وهو تخصيص الأمر بعقبة بن عامر فلماذا لم يخرجهما البخاري ومسلم إذا كانا يقولان بالزيادة؟
٣ - واخرج حديث (٦٧) فقال: حدثنا مسدد قال: حدثنا بشر قال: حدثنا بن عون عن بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ذكرَ النبي - ﷺ - قعدَ على بعيره وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه، قال: أي يوم هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: فأي شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس بذي الحجة؟ قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه ".
أقول: مدار الحديث على ابن سيرين رواه عنه:
(أيوب السختياني وقرة بن خالد) بلفظ متقارب أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما (٣).
ورواه عبد الله بن عون عن ابن سيرين واختلف عنه فرواه جماعة مثل رواية (أيوب وقرة) أخرجه البخاري (٦٧) وأحمد ٥/ ٣٧، والنسائي في الكبرى ٢/ ٤٤٢ (٤٠٩٢) وفي ٣/ ٤٣٢ (٥٨٥١)، وابن حبان ٩/ ١٨٥ (٣٨٤٨) (٤).
ورواه جماعة عن ابن عون فزادوا فيه زيادة:" ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا ". أخرجه أحمد ٥/ ٣٧،ومسلم ٣/ ١٣٠٦ (١٦٧٩)، والنسائي ٧/ ٢٢٠،وفي الكبرى ٢/ ٤٤٢ (٤٠٩٢)، وفي ٣/ ٤٣٢ (٥٨٥١)، وابن حبان ٩/ ١٥٨ (٣٨٤٨) و١٣/ ٣١٢ (٥٩٧٣) (٥).
_________________
(١) انظر التقريب (٧٥٨٠).
(٢) انظر تهذيب الكمال ٨/ ٥٦ (٧٤٥٣).
(٣) انظر تخريجه في المسند الجامع ١٥/ ٥٦٤ (١١٩٣٨).
(٤) سبق.
(٥) سبق.
[ ٢٧٩ ]
أقول: وعبد الله بن عون هو بن أرطبان البصري ثقة ثبت فاضل (١) والزيادة هي منه لأنه قد رواه عنه جماعة على كل وجه، فالخلاف فيه من ابن عون فإنه رواه على الوجهين (٢).
فهذه الزيادة لم يخرجها الإمام البخاري لأنها خطأ في هذا الحديث، فهي ليست من حديث أبي بكرة، وإنما رواها محمد بن سيرين عن أنس بن مالك في حديث آخر (٣).
فلو قال الإمام البخاري بقبول الزيادة من الثقة على مفهوم المتأخرين لها لأوردها هنا.
بل قد روى الحديث دونها عمدًا كما قال القاضي عياض (٤) ﵀ وللمزيد انظر الأحاديث:
(٥٢ و٩٧ و١٢٨ و١٥٩ و١٦٠ و١٦٤ و٥١٠ و٦٧٢ و٨٨٠ وو ٩٢٧و ١١٢٩ و١١٨١ و١٩٣٤ و٤٧٠٤ و٥٥٧٣).
هذا فيما يتعلق بالصحيح، وسأذكر بعض الأمثلة من الأحاديث التي أعلّها البخاري في كتب العلل خارج الصحيح.
وسنأخذ أجوبة الإمام البخاري على أسئلة تلميذه الترمذي في علله ونمثل لذلك بأمثلة:
١ - قال الترمذي (٢٩٦): سألت محمدًا عن حديث رواه يحيى بن آدم قال: حدثنا إسرائيل: قال حدثنا أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: " تزوج رسول الله - ﷺ - عائشة وهي ابنة ست سنين " (٥).
فقال: هذا خطأ إنما هو أبو إسحاق عن أبي عبيدة أن النبي - ﷺ - تزوج عائشة، هكذا حدّثوا عن إسرائيل عن أبي إسحاق ويقولون عن أبي عبيدة عن عائشة أيضًا.
_________________
(١) انظر التقريب (٣٥١٩)، والتحرير ٣/ ٢٥٠.
(٢) قاله الدارقطني في التتبع ص٣١٩، والقاضي عياض والنووي انظرشرح صحيح مسلم ١١/ ١٧١ - ١٧٢.
(٣) سبق.
(٤) شرح صحيح مسلم، النووي ١١/ ١٧١ - ١٧٢.
(٥) أخرجه ابن ماجة (١٨٧٧).
[ ٢٨٠ ]
أقول: البخاري رد زيادة شيخه يحيى بن آدم وهو ثقة (١).
٢ - ورد زيادة محمد بن فضيل: قال الترمذي في العلل (٨٢) و(٨٣): حدثنا هناد قال: حدثنا محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:"إنَّ للصلاة أولًا وآخرًا " الحديث (٢).
وفي (٨٣): قال حدثنا أبو أسامة عن الفزاري عن الأعمش قال: قال مجاهد: كان يقال إن للصلاة أولًا وآخرًا، فذكر نحوه (٣).
سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: وهم محمد بن فضيل في حديثه. والصحيح هو حديث الأعمش عن مجاهد.
قلت: خطأ البخاري محمد بن فضيل في زيادته في وصل الحديث وقد أرسله غيره.
وقد أعلّه أبو حاتم في علله ١/ ١٠١ (٢٧٣)،وقال:"هذا خطأ وهم فيه ابن فضيل برواية أصحاب الأعمش عن الأعمش عن مجاهد قوله"،وكذا الدارقطني (٤).
٣ - حديث (٥٧٧): قال الترمذي: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أمه عن عائشة قالت: كنّا ننبذ لرسول الله - ﷺ - في سقاء يوكأ أعلاه له عزلاء ننبذه غدوة فيشربه عشاء، وننبذه عشاء فيشربه غدوة ". (٥)
سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هو حديث له علة يقولون: عن عائشة هذا الحديث موقوفًا.
أقول: فالبخاري هنا رد زيادة يونس بن عبيد لأنَّ الحديث الصواب فيه الوقف، فأعلَّ الرفع بالوقف.
وللمزيد انظر الأحاديث في علل الترمذي: (٩ و٣٨ و٦٩ و٧٢ و٩٠ و٩٥
_________________
(١) التقريب (٧٤٩٦).
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٢٣٢ والترمذي (١٥١)، والدارقطني ١/ ٢٦٢.
(٣) أخرجه الترمذي (١٥١) والدارقطني ١/ ٢٦٢، والبيهقي ١/ ٣٧٦.
(٤) انظر السنن ١/ ٢٦٣.
(٥) أخرجه مسلم ٣/ ١٥٩٠ (٢٠٠٥)، وأبو داود (٣٧١١)، والترمذي (١٨٧١) وقال حسن غريب لا نعرفه إلاّ من حديث يونس بن عبيد إلاّ من هذا الوجه وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن عائشة أيضًا.
[ ٢٨١ ]
و٩٨ و٩٩ و١٠٤ و١١٧ و١٢٩ و١٤٤ و١٥٨ و٢٠٣ و٢٢١ و٢٣٨ و٢٤٨ و٢٥٩ و٢٧٥ و٢٨٣ و٢٨٦ و٢٩٠ و٢٩٢ و٣١٢ و٣١٩ و٣٩٥ و٤٠٨ و٤١٣ و٤٥٤ و٤٥٥ و٤٧١ و٤٧٥ و٥١٣ و٥٧٧ و٥٧٩ و٦٢٩ و٦٤٢ و٦٨٠ و٦٨٢ و٦٨٥ و٦٩٠).
المبحث الثالث: عند الإمام مسلم:
للإمام مسلم منهجية تختلف عن منهجية شيخه البخاري في الأحاديث التي وضعها في صحيحه، فالإمام البخاري تراه أحيانًا يعدل عن إيراد الحديث المتصل بسند متصل بل يورده
معلقًا لأن الحديث معلول عنده، وأحيانًا يورده مرسلًا، ويترك المتصل، ليتجنب الاختلاف فيه، وأحيانًا يصرح بالاختلاف الذي وقع في الحديث.
أمّا تلميذه - مسلم - فإنَّ له منهجية تكاد تختلف تمامًا عن شيخه، فهو يورد الحديث المعلول - عنده - بشكله المعلول، على حاله ولكنه يضعه بعد الحديث الصحيح، ولا يصرح بعلته في موضعه.
وقد بين ذلك الإمام مسلم في خطبة الكتاب فقال:
"إنا إن شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألت، وتأليفه على شريطة سوف أذكرها لك، وهو إنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله - ﷺ - فنقسمها على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس، على غير تكرار، إلا أن يأتي موضع لا يستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى، أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك، لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام، فلا بد من إعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة، أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره إذا أمكن، ولكن تفصيله ربما عسر من جملته فإعادته بهيئته إذا ضاق ذلك أسلم، فأما ما وجدنا بدًا من إعادته بجملته من غير حاجة منا إليه فلا نتولى فعله إن شاء الله تعالى.
فأما القسم الأول: فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها، وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث وإتقان لما نقلوا ولم يوجد في روايتهم اختلاف شديد ولا تخليط فاحش كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين وبان ذلك في حديثهم.
فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض
[ ٢٨٢ ]
من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم كعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم وأضرابهم من حمال الآثار ونقال الأخبار فهم وإن كانوا بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة لأن هذا عند أهل العلم درجة رفيعة وخصلة سنية. فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون أو عند الأكثر منهم فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم كعبد الله بن مسور أبي جعفر المدائني وعمرو بن خالد وعبد القدوس الشامي ومحمد بن سعيد المصلوب وغياث بن إبراهيم وسليمان بن عمر وأبي داود النخعي وأشباهم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط أمسكنا أيضا عن حديثهم، وسنزيد
أن شاء الله تعالى شرحًا وإيضاحا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح أن شاء الله تعالى " (١).
فالإمام مسلم قسم الأحاديث في صحيحه إلى ثلاثة أقسام:
أولًا: حديث الباب وهو أصح الأحاديث الأخرى، وأنقاها من العيوب.
ثانيًا: أحاديث تتلو ذلك (متابعات، وشواهد):وهي أقل صحة من الأولى، فقد يقع في إسنادها من ليس موصوفًا بالحفظ والإتقان، ولكن القاعدة المشتركة بينهم أنهم جميعًا ممن يشملهم اسم الستر والصدق يعني أهل مرتبة (صدوق، وضعيف يعتبر به) ومثل لهم بعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم وأضرابهم.
ثالثًا: أحاديث معلولة ساقها لبيان عللها، وعادة ما يأتي بها بعد إيراد الأحاديث الصحيحة.
ومما تقدم يتضح أن الإمام مسلم بن الحجاج قد فصل بين الحديث الذي يمكن أن يدون في الكتاب، وبين أحاديث المتهمين والكذابين، التي لا يجوز عنده التشاغل بها.
ثم قسم الأحاديث المذكورة في صحيحه إلى ثلاثة أقسام -كما مرت - وهي: الأصول، والمتابعات والشواهد ثم بعض الأحاديث المعلولة التي يريد التنبيه إليها (٢).
_________________
(١) مقدمة الصحيح ١/ ٤ - ٦.
(٢) مقدمة الصحيح ١/ ٤ - ٥.
[ ٢٨٣ ]
وهذا الذي ذكرنا ليس بدعًا من القول، ولا فيه إساءة إلى الصحيح، إذ قاله إمامان عظيمان ممن عني بصحيح مسلم، ودرسه دراسة جيدة متخصصة، وهما: القاضي عياض، ومحيي الدين النووي، نقل النووي في شرح خطبة الإمام مسلم لصحيحه عن القاضي عياض قوله: " ووجدته ذكر في أبواب كتابه حديث الطبقتين الأوليين، وأتى بأسانيد الثانية منهما على طريق الاتباع للأولى والاستشهاد، أو حيث لم يجد في الباب الأول شيئًا، وذكر أقوامًا تكلم قوم فيهم وزكاهم آخرون، وخرج حديثهم ممن ضعف أو اتهم ببدعة، وكذلك فعل البخاري.
فعندي أنه أتى بطبقاته الثلاث في كتابه على ما ذكر ورتب في كتابه، وبينه في تقسيمه، وطرح الرابعة كما نص عليه، فالحاكم تأول أنه إنما أراد أن يفرد لكل طبقة كتابًا ويأتي بأحاديثها خاصة مفردة، وليس ذلك مراده بل إنما أراد بما ظهر من تأليفه، وبان من غرضه أن يجمع ذلك في الأبواب، ويأتي بأحاديث الطبقتين فيبدأ بالأولى ثم يأتي بالثانية على طريق الاستشهاد والاتباع، حتى استوفى جميع الأقسام الثلاثة، ويحتمل أن يكون أراد بالطبقات الثلاث الحفاظ ثم الذين يلونهم، والثالثة هي التي طرحها، وكذلك علل الحديث التي ذكر ووعد أنه يأتي بها قد جاء بها في مواضعها من الأبواب
من اختلافهم في الأسانيد كالإرسال والإسناد، والزيادة والنقص، وذكر تصاحيف المصحفين، وهذا يدل على استيفائه غرضه في تأليفه، وإدخاله في كتابه كما وعد به. قال القاضي ﵀: وقد فاوضت في تأويلي هذا، ورأيي فيه من يفهم هذا الباب، فما رأيت منصفًا إلا صوبه، وبان له ما ذكرت وهو ظاهر لمن تأمل الكتاب وطالع مجموع الأبواب، ولا يعترض على هذا بما قاله ابن سفيان صاحب مسلم أنّ مسلمًا أخرج ثلاثة كتب من المسندات، أحدها هذا الذي قرأه على الناس، والثاني يدخل فيه عكرمة، وابن إسحاق صاحب المغازي، وأمثالهما، والثالث يدخل فيه من الضعفاء، فانك إذا تأملت ما ذكر ابن سفيان لم يطابق الغرض الذي أشار إليه الحاكم مما ذكر مسلم في صدر كتابه، فتأمله تجده كذلك إن شاء الله تعالى. هذا آخر كلام القاضي عياض ﵀ وهذا الذي اختاره ظاهر جدًا والله أعلم " (١).
ويقول الحافظ ابن الصلاح في معرض الحديث عن منهجية الإمام مسلم هذه:
_________________
(١) شرح مسلم ١/ ٢٣.
[ ٢٨٤ ]
"الثاني: أن يكون ذلك واقعًا في الشواهد والمتابعات، لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولًا بإسناد نظيف رجاله ثقات، وبجعله أصلًا، ثمَّ يتبع ذلك بإسنادٍ آخر أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة أو لزيادة فيه تنبيه على فائدة فيما قدمه" (١).
ومن ذلك يقول الإمام النووي مجيبًا على تعقب الدارقطني على أحد الأحاديث استدركها الدارقطني على مسلم:"وهذا الاستدلال فاسد لأن مسلمًا لم يذكره متأصلًا، وإنما ذكره متابعة للطرق الصحيحة السابقة، وقد سبق أن المتابعات يحتمل فيها الضعف لأن الاعتماد على ما قبلها، وقد سبق ذكر مسلم لهذه المسألة في أول خطبة كتابه وشرحناه هناك، وأنه يذكر بعض الأحاديث الضعيفة متابعة للصحيحة " (٢).
وقال الحافظ العراقي:" وفيه مواضع يسيرة رواها بإسناده المتصل ثم قال: رواه فلان وهذا ليس من باب التعليق وإنما أراد ذكر من تابع رواية الذي أسنده من طريقه عليه، أو أراد بيان الخلاف في السند كما يفعل أهل الحديث، ويدل على أنه ليس مقصوده بهذا إدخاله في كتابه أنه يقع في بعض أسانيد ذلك من ليس هو شرط مسلم كعبد الرحمن بن خالد بن مسافر" (٣).
وهذا العلائي يقرر القاعدة ذاتها، فعند ترجمة أبي قلابة البصري ذكر أنه لم يسمع من عائشة - ﵁ -،مع أن حديثه عنها في صحيح مسلم، فقال:"روايته عن عائشة في صحيح مسلم وكأنه على قاعدته" (٤).
وقال الدكتور نور الدين عتر في منهجية الإمام مسلم:"وقد اقتفى أثر البخاري في اشتراط الصحة، فجاء كتابه تاليًا كتاب البخاري في الصحة على المعتقد المشهور، ولكنّ أبا الحسين لم يتبع طريقة الإمام البخاري الفقيه، بل سلك طريقة الصناعة الحديثية، وفن الإسناد، فعني بالمتابعات والشواهد، وبين ما في الأحاديث من لفظة زائدة، أو اختلاف بين الثقات، أو علة، وجعل الأحاديث ثلاثة أقسام، والرجال ثلاثة أصناف من حيث
_________________
(١) صيانة صحيح مسلم، ابن الصلاح ص٩٥.
(٢) شرح النووي ١١/ ١١٣.
(٣) شرح الألفية ١/ ٧٢.
(٤) جامع التحصيل ص٢١١.
[ ٢٨٥ ]
العدالة والضبط والإتقان، كما ذكر في مقدمته لصحيحه" (١).
وقد نبه إلى ذلك كثير من العلماء، كالعلامة أبي مسعود الدمشقي، والقسطلاني، وعبد الرحمن المعلمي، والشيخ المباركفوري وغيرهم (٢).
فالإمام مسلم إذًا قد يورد الأحاديث (الطرق) المعلولة ليبين علّتها، لا أنَّه يستدل بها وهذا الذي حمله أن يورد روايات متعارضة في مكان واحد فمثلًا تراه يثبت قضية ما في حديث الباب، ويورد حديثًا بعده ينفي القضية تلك، ولكن العمدة في المسألة هو تبويبه له، ونضرب لذلك مثلًا واحدًا له، له نظائر عديدة هو:
حديث زيد بن أرقم - ﵁ - (٣)،المعروف بحديث الثقلين: فإنه أخرجه في٤/ ١٨٧٣ (٢٤٠٨): فأخرج في حديث الباب، فقال:"حدثني زهير بن حرب وشجاع بن مخلد جميعًا عن ابن علية قال زهير: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثني أبو حيان حدثني يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين:"لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا رأيت رسول الله - ﷺ - وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله - ﷺ -؟ قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله - ﷺ - فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلفونيه ثم قال:"قام رسول الله - ﷺ - يوما فينا خطيبًا بماءٍ يدعى خمًا بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي
أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي "فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال: كل
_________________
(١) الموازنة ص ٣٩.
(٢) انظر كتاب"عبقرية الإمام مسلم في ترتيب أحاديث مسنده الصحيح"،د. المليباري ص٥١ فما بعد، وهو كتابٌ قيمٌ نبَّه بحث فيه الدكتور هذه الجزئية المهمة بعناية فائقة، وبنفس طويل، فانظره ففيه فوائد جمة.
(٣) انظر المسند الجامع ٥/ ٥٠٦ (٣٨٢٩).
[ ٢٨٦ ]
هؤلاء حرم الصدقة قال: نعم ".
ثم قال مسلم:"حدثنا محمد بن بكار بن الريان قال: حدثنا حسان يعنى ابن إبراهيم عن سعيد وهو بن مسروق عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال: دخلنا عليه فقلنا له: لقد رأيت خيرًا لقد صاحبت رسول الله - ﷺ - وصليت خلفه، وساق الحديث بنحو حديث أبي حيان غير أنه قال: " ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله ﷿ هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة "وفيه:"فقلنا من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا، وأيمُ الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده"؟!
أقول: قد ساق مسلم هذا الحديث من أربعة طرق:
الأول: من حديث زهير بن حرب، وشجاع بن مخلد من حديث إسماعيل بن علية عن أبي حيان، عن يزيد بن حيان، أثبت فيه أنّ نساءه من أهل بيته، وهو ما يوافق نص القرآن الكريم (١).
الثاني: من حديث محمد بن بكّار بن الريان، عن حسان بن إبراهيم عن سعيد ابن مسروق، عن يزيد بن حيان، ولفظه بمعنى حديث زهير الأول.
الثالث: من طريق محمد بن فضيل وجرير، عن أبي حيان، عن يزيد بمثل الحديث الأول مع زيادة لجرير في التمسك بكتاب الله.
الرابع: أعاد إسناد حديث محمد بن بكّار بن الريان، عن حسان بن إبراهيم عن سعيد بن مسروق، عن يزيد بن حيان، وفيه نفي أنّ نساءه من أهل بيته. وهذا مناقض لحديث الباب وللمتابعات التي ساقها مسلم في الثاني والثالث، فكأنه أراد أن يبين أن محمد بن بكار، رواه على وجهين عن حسان بن إبراهيم، وحسان بن إبراهيم هو: الكرماني، قال الحافظ ابن حجر عنه: "صدوق يخطئ "، وقال صاحبا التحرير: "صدوق حسن الحديث، له أفرادات، وثقه أحمد، وابن معين، وعلي بن المديني، والدارقطني، والذهبي، وقال أبو زرعة الرازي: لا بأس به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي:" قد حدث بأفرادات كثيرة، وهو عندي من أهل الصدق إلا أنه يغلط في الشيء،
_________________
(١) قال تعالى مخاطبًا نساء النبي - ﷺ -:"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ". الأحزاب ٣٣.
[ ٢٨٧ ]
وليس ممن يظن به أنه يتعمد في باب الرواية إسنادًا، وإنما هو وهم منه، وهو عندي لا بأس به ". فهذا رجل قد وثقه الأئمة ولعلّ النسائي لين أمره بسب أفراداته، وبعض وهمه، وقد أخرج
له البخاري أحاديث يسيرة توبع عليها مما يدل على صحته في الجملة، وأن البخاري انتقى من حديثه الصحيح " (١).
فلعلّ هذا من إفراداته التي أخطأ فيها إذ روى كلام زيد بن أرقم - ﵁ - على وجهين مختلفين. أما قول النووي:"والمعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنه قال: نساؤه لسن من أهل بيته " (٢)، فلا نعلم من أين جاء به، فإن الروايات التي ساقها الإمام أحمد ٤/ ٣٦٦، والدارمي (٣٣١٩)، وابن خزيمة (٢٣٥٧)، والطبراني في الكبير (٥٠٢٨)، وغيرهم ليس فيها ذلك.
فهذا الحديث - الطريق - قد جاء به مسلم مرة متابعًا لرواية الجماعة وذكره أخيرًا ينفي ذلك فجاء به من طريق محمد بن بكار بن الريان: قال حدثنا حسّان - يعني ابن إبراهيم - عن سعيد بن مسروق عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم عن النبي - ﷺ - به على الوجهين؟
فأيهما الصحيح؟ وهل نساؤه من أهل بيته؟ ولماذا الإمام مسلم لم يعل الرواية الأخرى؟ وكيف أتى بها وهي معلولة؟
الجواب على ذلك كله في النص الذي بيّناه! فتأمل.
وهكذا نخلص بثلاث نتائج مهمة لموضوعنا:
١ - ليس كل أحاديث صحيح مسلم بمرتبة واحدة من الصحة.
٢ - إذا جاءتنا رواية فيها زيادة - على مفهوم المتأخرين لها - وكانت الرواية في المتابعات أو الشواهد فلا يعني ذلك قبولها عند الإمام مسلم، لأنها لو كانت مقبولة عنده لأوردها في أصل حديث الباب إذ قد تكون غير مقبولة عنده وإنما أخرجها ليبين علّتها على قاعدته، إلاّ إذا صرّح بقبولها هو في موضعها.
فلا يحق لنا نسبة القول أنه يقبل الزيادة لأنه أوردها في المتابعات أو الشواهد.
لذا فإنك تجد الأئمة المتأخرين كالقاضي عياض، وأبي مسعود الدمشقي، والنووي يردون على الدارقطني في تتبعه على الإمام مسلم بكونه لم يخرجها في أصل الباب - كما
_________________
(١) تحرير التقريب ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٢) شرح مسلم ١٥/ ١٨٠.
[ ٢٨٨ ]
سنلاحظه في الأمثلة -، ومع هذا فإننا حاولنا استقراء جميع الأمثلة في الأصول أو المتابعات، ومناقشة ذلك.
ولا بد أن نجيب عن تسائل مهم: وهو لماذا لم يصرح الإمام مسلم بعلة الأحاديث هذه؟
فأقول: ذلك لأن الإمام مسلم أورد طرق كل حديث في بابه مجموعة مترادفة، فلا يحتاج إلى أن يبين علّته بعد ذلك لأن القارئ يتنبه إلى الاختلاف مباشرة مثلما مر معنا في حديث زيد بن أرقم.
وأمّا من كان جاهلًا فيعلم، ومن كان مغرضًا للطعن في صحيح الإمام مسلم أو في دين الله من خلال هذه الأحاديث المعللة فلا ينفع معه إيضاح لأنه ﴿وأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ (١).
ومن أراد الاستزادة والإيضاح لمعرفة منهجية الإمام مسلم في العلة فليراجع مع الصحيح كتابه العظيم (التمييز) الذي يصرح فيه الإمام مسلم بالعلل ويناقش الأحاديث بفتح من الباري - ﷻ -.
وبعد الاستقراء التام أو القريب من التام لصحيح الإمام مسلم وبالاستعانة بكتاب الدارقطني العظيم (الإلزامات والتتبع)،وبردود أبي مسعود الدمشقي، والقاضي عياض، والإمام النووي في شرح الصحيح، وقفت على الأحاديث التي تعنيني في البحث، وجمعت الأحاديث التي قبل فيها الإمام مسلم الزيادة والتي رد فيها الزيادة ثم ناقشتها وناقشت الإمام الدارقطني والأئمة الذين دافعوا أو نقدوا على وفق القاعدة التي ذكرناها في الزيادة.
وقد وجدت الإمام مسلم يقبل الزيادة من الثقة على وفق فهم المتقدمين لمعنى الزيادة كما مرت (٢)، وليس زيادة ثقة واحد على جماعة من الثقات؛ وأمّا على تعريف المتأخرين لها وفهمهم للزيادة فلم أجده يوردها إلاّ في بعض الأحاديث وقد بيّنا أنَّه إنما أوردها لبيان علّتها كما سيأتي.
ولو أنه كان يقول بقبول الزيادة على وفق فهم المتأخرين وهي زيادة راوٍ على بقية الرواة في الشيخ نفسه - سندًا أو متنًا - لما وسع صحيح مسلم إلاّ أن يكون ثلاثة
_________________
(١) سورة آل عمران (٧).
(٢) انظر ص٢٠٨.
[ ٢٨٩ ]
أضعاف حجمه أو يزيد، لكثرة الزيادات، وأهميتها في الأحكام.
المطلب الأول: زيادات أعرض عنها الإمام مسلم:
سأذكر بعض الأمثلة التي تبين أن الإمام مسلمًا ما كان يقول بالزيادة بمفهوم المتأخرين:
١ - قال مسلم ١/ ٢٣٣ (٢٧٨): حدثنا نصر بن علي الجهضمي، وحامد بن عمر البكراوي قالا: حدثنا بشر بن المفضل عن خالد عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنه لا يدري أين باتت يده).
قلت: دار الحديث على خالد الحذاء، رواه عنه:
- بشر بن المفضل: أخرجه مسلم ١/ ٢٣٣ (٢٧٨)، وابن خزيمة١/ ٧٤ (١٤٥)، والبيهقي ١/ ٤٦.
- وعبد الله بن المبارك: أخرجه الدارقطني في العلل ٨/ ٢٨٦ (١٥٧٢).
كلاهما عن خالد بلفظ متقارب (١).
ورواه شعبة بن الحجاج عن خالد فزاد فيه لفظة (منه) في آخره.
أخرجه ابن خزيمة ١/ ٥٢ (١٠٠) وابن حبان ٣/ ٣٤٧ (١٠٦٥)، والدارقطني في السنن ١/ ٤٩، والبيهقي ١/ ٤٦.
وقال الدارقطني في العلل عن زيادة شعبة: " وغيره لا يذكرها " العلل ٨/ ٢٨٦ (١٥٧٢) يشير بذلك إلى إعلالها.
أقول: فلو قال الإمام مسلم بقبول الزيادة فلماذا لم يأخذ بها هنا والزائد هو شعبة؟ والزيادة تقيد المطلق؟ فهي مهمة في الحديث؟ بل لماذا لم يذكر حديث شعبة أصلًا؟
٢ - قال مسلم ١/ ٢٠٤ (٢٢٦): حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح، وحرملة بن يحيى التجيبي قالا: " أخبرنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أنَّ عطاء بن يزيد الليثي أخبره أنّ حمران مولى عثمان أخبره أن عثمان بن عفان - ﵁ - دعا بوضوء فتوضأ فغسل كفيه الحديث ".
أقول: مدار الحديث على حمران رواه عنه:
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٦/ ٥٢٢ (١٢٧٣١).
[ ٢٩٠ ]
- عطاء بن يزيد الليثي أخرجه أحمد ١/ ٥٩ و١/ ٦٠،والدارمي ١/ ١٨٨ (٦٩٣)، والبخاري (١٦٤)، ومسلم ١/ ٢٠٤ (٢٢٦)،، والنسائي ١/ ٦٤ و١/ ٦٥، وأبو داود (١٠٦)، وابن خزيمة ١/ ٤ (٣) و١/ ٨١ (١٥٨).
- ورواه عروة بن الزبير: أخرجه البخاري (١٦٠).
- ورواه معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان الميمي: أخرجه أحمد ١/ ٦٨.
- ورواه عيسى بن طلحة التميمي: أخرجه ابن ماجة (٢٨٥).
- ورواه شقيق بن سلمة الأسدي: أخرجه ابن ماجة (٢٨٥).
كلهم بألفاظ متقاربة عن حمران به (١).
ورواه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن حمران فزاد عليهم " مسح الرأس ثلاثًا " أخرجه أبو داود (١٠٧).
أقول: أبو سلمة: ثقة (٢) من رجال الشيخين، فلماذا عدل الإمام مسلم عن هذه الزيادة؟ ولم يخرجها، بل اختارا رواية عطاء عليها؟ وفيها زيادة فقهية نافعة وهي مسح الرأس ثلاثًا؟ وقد صححها الشيخ الألباني في تمام المنة وعدّها زيادة ثقة (٣)؟
٣ - وأخرج في ٢/ ٦٠٠ (٨٨٢) فقال: حدثنا يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح قالا: أخبرنا الليث (ح) وحدثنا قتيبة قال: حدثنا ليث عن نافع عن عبد الله: " أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته، ثم قال: كان رسول الله - ﷺ - يصنع ذلك ".
أقول: دار الحديث على نافع رواه عنه:
- الليث بن سعد: أخرجه أحمد ٢/ ١٢٣،ومسلم ٢/ ٦٠٠ (٨٨٢)، والترمذي (٥٢٢)، والنسائي في الكبرى (٤٩٨) و(١٧٤٦)، وابن ماجة (١١٣٠).
-ومالك بن أنس: أخرجه مالك في الموطأ (٤٥٩)، وأحمد ٢/ ٦٣ و٢/ ٨٧، والبخاري (٩٣٧)، ومسلم ٢/ ٦٠٠ (٨٨٢)،وأبو داود (١٢٥٢)،والنسائي٢/ ١١٩ و٣/ ١١٣،وابن خزيمة ٣/ ١٨٢ (١٨٧٠).
- وعبيد الله بن عمر العمري: أخرجه أحمد ٢/ ١٧ و٢/ ٧٥ و٢/ ٧٧، والبخاري
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٢/ ٤٣٤ (٩٦٦٤).
(٢) التقريب (٨١٤٢).
(٣) تمام المنة ص ٩١.
[ ٢٩١ ]
(١١٧٢)، ومسلم ١/ ٥٠٤ (٧٢٩).
- والليث بن سعد: أخرجه أحمد ٢/ ١٢٣ ومسلم ٢/ ٦٠٠ (٨٨٢)،والترمذي (٥٢٢)، وابن ماجة (١١٣٠).
كلهم عن نافع به بألفاظ متقاربة (١).
ورواه أيوب السختياني عن نافع فزاد في أوله: " كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ". أخرجه أحمد ٢/ ١٠٣، وأبو داود (١١٢٨)، وابن خزيمة ٣/ ١٦٨ (١٨٣٦)، وابن حبان (٢٤٧٦)، والبيهقي ٣/ ٢٤٠ (٢).
فلو قال الإمام مسلم بالزيادة فلماذا عدل عنها هنا مع أنها تفيد مشروعية سنة الجمعة القبلية؟
وكذا تركها الإمامان مالك والبخاري ﵏ جميعًا (٣).
٤ - وأخرج مسلم ٢/ ٢٦٦ (٢١٦٢) قال: حدثني حرملة بن يحيى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس (ح)،وحدثنا عبد بن حميد، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال:"خمس تجب للمسلم على أخيه: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز ".
أقول: مدار الحديث على الزهري: رواه عنه:
يونس بن يزيد: أخرجه مسلم ٢/ ٢٦٦ (٢١٦٢)
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٠/ ١٥١ (٧٣٥١) و١٠/ ١٨٨ (٧٤٠٢).
(٢) مصدر سابق.
(٣) قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٢/ ٥٤١: " احتج به النووي في الخلاصة على إثبات سنة الجمعة التي قبلها، وتعقب بان قوله وكان يفعل ذلك عائد على قوله ويصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، ويدل عليه رواية الليث عن نافع عن عبد الله أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته ثم قال: " كان رسول الله - ﷺ - يصنع ذلك "، أخرجه مسلم، وأما قوله كان يطيل الصلاة قبل الجمعة، فإن كان المراد بعد دخول الوقت فلا يصح أن يكون مرفوعا لأنه - ﷺ - = =كان يخرج إذا زالت الشمس فيشتغل بالخطبة ثم بصلاة الجمعة، وإن كان المراد قبل دخول الوقت فذلك مطلق نافلة، لا صلاة راتبة، فلا حجة فيه لسنة الجمعة التي قبلها، بل هو تنفل مطلق وقد ورد الترغيب فيه كما تقدم فى حديث سلمان وغيره حيث قال فيه: ثم صلى ما كتب له. وورد في سنة الجمعة التي قبلها أحاديث أخرى ضعيفة ".
[ ٢٩٢ ]
ومعمر بن راشد: أخرجه مسلم ٢/ ٢٦٦ (٢١٦٢)، وأبو داود (٥٠٣٠).
وعقيل بن خالد الأيلي: أخرجه البخاري تعليقًا (١٢٤٠).
والأوزاعي: واختلف عنه: فرواه عنه محمد بن مصعب أخرجه أحمد ٢/ ٥٤٠،وعمرو بن أبي سلمة أخرجه البخاري (١٢٤٠)،وبقية بن الوليد أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٢٢١) ثلاثتهم عن الأوزاعي نحو حديث يونس ومعمر.
وأربعتهم (يونس، ومعمر، وعقيل، والأوزاعي) رووه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - به (١).
ورواه صفوان بن صالح، وهو ثقة (٢)،عن الوليد بن مسلم، وهو ثقة من رجال الشيخين (٣)، عن الأوزاعي فزاد في إسناده رجلًا فقال: عن الزهري وأبي سلمة.
أخرجها الدارقطني في العلل ٧/ ٣٠٢ (١٣٦٩)، فلماذا تركها الإمام مسلم فلم يوردها، وكذا فعل شيخه البخاري؟ فلو قالا بالزيادة لأورداها.
المطلب الثاني: ما كان ظاهره القبول وهو ليس كذلك:
وسأذكر بعض الأحاديث التي قد يستدل بها البعض كونها من قبيل الزيادة، أو مما عده بعض الأئمة من المتأخرين أنه من قبيل الزيادة كالنووي وغيره فمنها:
١ - أخرج مسلم حديث ١/ ١٠ (٥) فقال: وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري قال: حدثنا أبي (ح) وحدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قالا: حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم (٤) قال: قال رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في المسند الجامع ١٧/ ٦٥٥ (١٤٢٨١).
(٢) قال الحافظ في التقريب (٢٩٣٤): ثقة، وكان يدلس تدليس التسوية، قاله أبو زرعة الدمشقي ". وتعقبه صاحبا التحرير: ٢/ ١٤١ قوله:" وكان يدلس تدليس التسوية، قاله أبو زرعة الدمشقي، فيه نظر، وإنما أخذه المؤلف من " المجروحين " لابن حبان الذي قال: " سمعت ابن جوصا يقول:: سمعت أبا زرعة الدمشقي يقول: كان صفوان بن صالح ومحمد بن المصفى يسويان الحديث ". وهذا نص تفرد به ابن حبان، ولا نعرف رواه غيره، ولا توجد إليه أدنى إشارة في تأريخ أبي زرعة الدمشقي، وهو مطبوع متداول مشهور. وأيضًا: كيف يكون ثقة من يدلس تدليس التسوية، وهو شر أنواع التدليس، بل هو بلا شك قادح في عدالة فاعله، وهذا شيخ وثقه الأئمة، بل قال أبو داود - وقد روى عنه -: حجة ".
(٣) التقريب (٧٤٥٦).
(٤) وقع في المطبوع من صحيح مسلم ١/ ٨ من طبعة استانبول: حفص بن عاصم عن أبي هريرة مرفوعًا. وانتقل إلى طبعة السيد محمد فؤاد عبد الباقي الذي نشر صحيح مسلم على هذه الطبعة ١/ ١٠ (٥). ووجود اسم أبي هريرة - ﵁ - في السند خطأ محض، فقد ورد على الصواب في شرح الإمام النووي، وان ورد في متنه على الخطأ، -لأن المتن منقول من طبعة استانبول أيضًا - فقال الإمام النووي في الشرح ١/ ٧٤: " فكذا وقع في الطريق الأول عن حفص عن النبي ﵇ مرسلًا، فإن حفصًا تابعي، وفي الطريق الثاني عن حفص عن النبي - ﷺ - متصلًا، فالطريق الأول رواه مسلم من رواية معاذ وعبد الرحمن بن مهدي، وكلاهما عن شعبة، وكذلك رواه غندر عن شعبة فأرسله، والطريق الثاني عن علي ابن حفص عن شعبة ". ولذا تتبعه الدارقطني (١٧٥)، والحاكم ١/ ١٩٥.والأهم من كل ذلك أنه بخط الإمام المزي في تحفة الأشراف ٩/ ٤٤ (١٢٢٦٨)، كما نبه عليه أستاذنا الدكتور بشار عواد في تحقيقه، وكذا في تعليقه على المسند الجامع ١٧/ ٨١٦ - ٨١٧، فاشبع فيها القول.
[ ٢٩٣ ]
"كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع ".
قلت دار الحديث على شعبة رواه عنه مرسلًا:
معاذ العنبري وعبد الرحمن بن مهدي: أخرجه مسلم ١/ ١٠ (٥).
وحفص بن عمر النميري: أخرجه أبو داود (٤٩٩٣).
وآدم بن أبي إياس، وسليمان بن حرب: أخرجه الحاكم ١/ ١٩٥.
ورواه عنه (علي بن حفص) وحده متصلًا: أخرجه مسلم ١/ ١٠ (٥)،وأبو داود (٤٩٩٣) وابن حبان ١/ ٢١٣ (٣٠)، والحاكم ١/ ١٩٥،.
أقول: قد أعله الدارقطني في التتبع، وقال:" الصواب المرسل" (١)،وقال أبو داود عقب الحديث "ولم يسنده إلا هذا الشيخ-يعني علي بن حفص المدائني "، فيؤخذ من كلامه هذا ترجيح الإرسال (٢).
وقال الحاكم ١/ ١٩٥: " قد ذُكر لمسلم هذا الحديث في أوساط الحكايات التي ذكرها في خطبة الكتاب عن محمد بن رافع، ولم يخرجه محتجًا به في موضعه من الكتاب، وعلي بن حفص المدائني (٣) ثقة، وقد نبهنا في أول الكتاب على الاحتجاج بزيادات الثقات وقد أرسله جماعة من أصحاب شعبة ".
وقال النووي: " قلت: وقد رواه أبو داود في سننه أيضا مرسلًا، ومتصلًا فرواه
_________________
(١) التتبع ص ١٧٥.
(٢) بين الإمامين، المدخلي ص٥.
(٣) وقع في المطبوع من المستدرك:"جعفر"وهو خطأ.
[ ٢٩٤ ]
مرسلًا عن حفص بن عمر النميري عن شعبة، ورواه متصلًا من رواية على بن حفص وإذا ثبت أنه روى متصلًا ومرسلًا، فالعمل على أنه متصل هذا هو الصحيح الذي قاله الفقهاء وأصحاب الأصول وجماعة من أهل الحديث ولا يضر كون الأكثرين رووه مرسلا فإن الوصل زيادة من ثقة وهى مقبولة وقد تقدمت هذه المسألة موضحة في الفصول السابقة والله " (١).
وقد رجح المرسل المدخلي (٢)،والوادعي (٣).
أقول: وهذا هو الصواب، وقد أخرجه " متصلًا "عقب المرسل فتقديمه المرسل دليل على إعلاله له، لا أنه أورده للاحتجاج به، ومع هذا فإنه لم يخرجه في أصل الصحيح، وإنما اقتصر عليه في المقدمة، وأحاديثها ليست من شرط الصحيح كما هو معروف مشهور، ولذلك قال الحاكم:" ولم يخرجه محتجًا به في موضعه من الكتاب".أي إنه لو كان يعتقد صحته لأخرجه في بابه من الصحيح، وقد سبق نقلنا لما نبه عليه العلماء من أن ترتيب أحاديث الباب عند مسلم حسب قوتها.
٢ - أخرج الإمام مسلم بسنده ٢/ ٥٨٤ (٨٥٣): فقال: وحدثني أبو الطاهر، وعلي بن خشرم قالا: أخبرنا ابن وهب عن مخرمة بن بكير (ح)، وحدثنا هارون بن سعيد الأيلي، وأحمد بن عيسى، قالا: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرنا مخرمة، عن أبيه، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: قال لي عبد الله بن عمر: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله - ﷺ - في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "هي بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة ".
أقول: دار الحديث على أبي بردة رواه عنه مرفوعًا مخرمة بن بكير عن أبيه به. أخرجه مسلم ٢/ ٥٨٤ (٨٥٣)، وأبو داود (١٠٤٩)، وابن خزيمة ٣/ ١٢٠ (١٧٣٩)، والبيهقي ٣/ ٢٥٠.
وقد رواه:" واصل الأحدب، وأبو إسحاق السبيعي " عنه موقوفًا: -
فمن طريق (واصل الأحدب) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٤٧٢ (٥٤٦٤).
ومن طريق (أبى إسحاق السبيعي) أخرجه الدارقطني في العلل ٧/ ٢١٢ (١٢٩٧).
_________________
(١) شرح مسلم ١/ ٧٤.
(٢) بين الإمامين ص٦.
(٣) التتبع ص١٧٦.
[ ٢٩٥ ]
وروى البيهقي عقب حديثه ٣/ ٢٥٠ أن الإمام مسلمًا قال:"حديث أبى موسى أجود شيء في هذا الباب وأصحه"وقد رجح الرفع البيهقي، والنووي (١).
وقد أعله بالانقطاع الدارقطني في التتبع ص٢٣٣ والعلل ٧/ ٢١٢ (١٢٩٧).
وقد نقل الحافظ ابن حجر إعلال بعض أئمة الشافعية الحديث بالانقطاع، والاضطراب، فقال:" ولا يقال: مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة، وهو كذلك هنا، لأنا نقول: وجود التصريح عن مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كاف في دعوى الانقطاع، وأما الاضطراب: فقد رواه أبو إسحاق، وواصل الأحدب، ومعاوية بن قرة وغيرهم عن أبي بردة من قوله، وهؤلاء من أهل الكوفة وأبو بردة كوفي، فهم أعلم بحديثه من بكير المدني، وهم عدد وهو واحد، وأيضا فلو كان عند أبي بردة مرفوعًا لم يفت فيه برأيه بخلاف المرفوع " (٢).
أقول: طُعن في سند هذا الحديث من وجهين:
الأول: سماع مخرمة من أبيه ومخالفته للثقات في رفعه، وهذا ينبغي أن نقف عنده بتأمل، إذ نقل الإمام أحمد عن حماد بن خالد القول:"قلت لمخرمة: سمعت من أبيك شيئًا؟ قال: لا " (٣) وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي:"سمعت من حماد الخياط قال: أخرج مخرمة بن بكر كتابًا فقال هذه كتب أبي لم أسمع من أبي شيئًا " (٤) وقال ابن معين:"مخرمة بن بكير ضعيف، وحديثه عن أبيه كتاب، ولم يسمعه منه " (٥)،وقال أبو داود:"لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا وهو حديث الوتر " (٦).
وهكذا يتضح أن مخرمة لم يسمع من أبيه هذا الحديث ولا غيره، إلا حديث الوتر، كما نص عليه أئمة الحديث (٧).
_________________
(١) انظر شرح مسلم ٦/ ١٤١.
(٢) فتح الباري ٢/ ٥٣٦.
(٣) علل أحمد ٣/ ٥٠ (٤١١٦) و٣/ ٣٦٢ (٥٥٩٢).
(٤) علل أحمد ٢/ ١٧٣ (١٩٠٧)، وانظر صفحة ٣/ ٥٠ (٤١١٦)
(٥) تهذيب الكمال ٧/ ٥٧ ترجمة (٦٤٢١)، وانظر تأريخ الدوري عن ابن معين ٢/ ٥٥٤.
(٦) مصدر سابق.
(٧) انظر التأريخ الكبير ٨/ ١٦، (١٩٨٤) والجرح والتعديل ٨/ ٣٦٣ (١٦٦٠)، والكامل ٦/ ٤٢٨ (١٩٠٦)، والتقريب (٦٥٢٦).
[ ٢٩٦ ]
واعتذر العلائي للإمام مسلم روايته عن مخرمة عن أبيه فقال: " وكأنه رأى الوجادة سببًا للاتصال وقد انتقد ذلك عليه " (١).
قلت: ولا يسلم له القول بذلك، لأن الإمام مسلمًا ينتقد الوجادة ولا يعدها متصلة، قال في التمييز:" إنما وقع في الخطأ من هذه الرواية أنه أخذ الحديث من كتاب موسى بن عقبة إليه، فيما ذكر وهي الآفة التي نخشى على من أخذ الحديث من الكتب " (٢).
وعلى فرض سماع مخرمة هذا الحديث من أبيه فإنه وقع في مخالفة وهي رفع ما وقفه الثقات فقد أوقفه من هو أوثق منه (واصل الأحدب، وأبو إسحاق السبيعي).
وهذه علة بذاتها، ناهيك أنهم أعرف بحديثه لأنهم كوفيون مثله (٣)،وهو مدني.
وأقول: أما تخريج الإمام مسلم فإنه أخرجه في آخر أحاديث الباب، فلعلّه أراد أن ينبه عليه كما وعد في المقدمة، أو لعله اعتبر بالاختلاف الذي وقع في طريق أبي إسحاق السبيعي، فإنه قد اختلف فيه بين وقف ورفع، إذ جاء مرة من طريق النعمان بن عبد السلام عن سفيان الثوري موقوفًا (٤)،ومرة من طريق إسماعيل بن عمرو عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق مرفوعًا (٥)،والحديث إذا اختلف فيه بين رفع ووقف، أو وصل وإرسال فإنه يخرج من الموازنة لاحتماله الوجهين، فتكون الموازنة بين طريق مخرمة وطريق واصل فقط.
الوجه الثاني: كون الحديث مضطربًا كما قال الدارقطني، وابن حجر، وغيرهما: إذ روي عن أبى إسحاق بأكثر من وجه: مرة مرسلًا ومرة موصولًا ومرة موقوفًا.
وروي أيضا من طريق عاصم الأحدب موقوفًا على أبي موسى وروي من طريق آخر عن أبي بردة قوله، وقد ذكر كل تلك الطرق الدارقطني في العلل ٧/ ٢١٢ - ٢١٣ (١٢٩٧).
_________________
(١) جامع التحصيل ص٢٧٥ رقم (٧٤٢).
(٢) التمييز ص١٨٨.
(٣) انظر الجمع بين الإمامين ص٢٢٧، والتتبع ص٢٣٥.
(٤) أخرجه الدارقطني في العلل ٧/ ٢١٣ (١٢٩٧) وعدّه غير محفوظ.
(٥) مصدر سابق.
[ ٢٩٧ ]
أقول: فالحديث معلول بكل حال (١)،وقد أخرجه الإمام مسلم في آخر الباب ليبين علته كما وعد في المقدمة، بعد أن ساق الأحاديث المعتمدة في أول الباب.
٣ - أخرج الإمام مسلم في صحيحه ١/ ١٠٠ (١٠٤) حديث أبي موسى الأشعري من طرق متعددة عن أبي موسى، منها حديث ربعي بن حراش عنه، وهو عنده من طريق الحسن بن علي الحلواني، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عنه به مرفوعًا.
وحديث ربعي هذا اختلف فيه: فروي مرفوعًا، وموقوفًا، وانتقد على الإمام مسلم إخراجه المرفوع، وعده آخرون زيادة ثقة كما سيأتي بيانه.
قال الدارقطني في العلل ٧/ ٢٢٦ (١٣٩) لما سُئل عن حديث ربعي بن حراش عن أبي موسى قال:"برىء رسول الله - ﷺ - ممن حلق وسلق وخرق ".؟ فقال: يرويه عبد الملك بن عمير، واختلف عنه، فرفعه علي بن سعيد النسائي عن عبد الصمد عن شعبة عن عبد الملك بن عمير، ووقفه أصحاب شعبة عن شعبة، ورفعه المحاربي عن عبد الملك بن عمير إلى النبي - ﷺ - قال ذلك أبو ظفر عن المحاربي وغيره يرويه عنه موقوفًا ورفعه أبو عمر الضرير عن أبي عوانة عن عبد الملك وغيره يرويه عن أبي عوانة موقوفًا والموقوف عن عبد الملك أثبت " (٢).
قلت: وهذا يعني أمرين:-
الأول: توبع عبد الصمد في رفعه متابعة قاصرة، إذ رواه عبد السلام المحاربي عن عبد الملك بن عمير مرفوعًا. من طريق أبي ظفر- عبد السلام بن مطهر- وهو ثقة وقد خالفه غيره فرووه عنه موقوفًا (٣). ورواه أبو عمر الضرير عن أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير مرفوعًا. وخالفه غيره عن أبى عوانة (٤). وهاتان المتابعتان قاصرتان.
الثاني:- أعلّ الدارقطني الحديث بكونه -عبد الصمد- خالف بقية الرواة عن
_________________
(١) انظر بين الإمامين ص٢٣٠،والتتبع ص٢٣٥.
(٢) وممن رواه عن عبد الصمد موقوفًا: محمد بن يحيى الذهلي أخرجه ابن مندة في الإيمان ٢/ ٦٤٦ (٦٠٧)، وأشار إليه الحافظ ابن حجر في النكت برقم ٦/ ١٦٩
(٣) علل الدارقطني ٧/ ٢٢٦ (١٣٠٩).
(٤) مصدر سابق.
[ ٢٩٨ ]
شعبة، ووافقه القاضي عياض (١). وعدها الإمام النووي زيادة ثقة (٢).
وقال المدخلي:"ولقد بحثت كثيرًا عن هذه الروايات الموقوفة فلم أجد شيئًا منها. هذا ودعوى الدارقطني والقاضي عياض منصبة على هذا الإسناد: " شعبة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي "، والترجيح للرفع أو الوقف من هذا الطريق يتوقف على وجود الروايات الموقوفة، ودراسة أسانيدها فأيهما توفرت له المرجحات، فالحكم له بخلاف ما اختاره النووي من ترجيح الرفع مطلقًا " (٣).
قلت: وقد وقفنا على الطريق التي خالفت طريق عبد الصمد كما مر، وهي عند أبي عوانة، وابن مندة؛ طريق أبي عوانة في مسنده ١/ ١٥٩ (١٥٣) قال فيه:- حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: أنبأنا شعبة به.
وطريق بن مندة في كتابه الإيمان ٢/ ٦٤٦ (٦٠٨): قال: أنبأنا أحمد بن إسحاق بن أيوب، قال حدثنا محمد بن غالب بن حرب، قال: حدثنا أبو عمر حفص بن عمر الحوضي، قال حدثنا شعبة به.
وغندر والحوظي ثقتان، بل غندر لا يعدله في شعبة أحد، كما هو معروف.
فلعل عبد الملك كان يرويه على وجهين (موقوفًا ومرفوعًا)،لاختلاف الرواة عنه فجماعة يروونه عنه على وجه، ويخالف بعضهم فيه، لا سيما وأنه: " تغير حفظه، قال أبو حاتم: لم يوصف بالحفظ، وقال ابن معين مخلط " (٤).
أما عن تخريج مسلم له فلعله أراد أن ينبه على خطئه كما قدم في أول كتابه وعلى كل حال فإنه أورده في المتابعات ويجوز فيها ما لا يجوز في الأصول، كما نص في مقدمته، وهو الذي رجحه الإمام النووي. (٥)
٤ - أخرج مسلم ١/ ٣٠٣ (٤٠٤) فقال: حدثنا سعيد بن منصور، وقتيبة ابن سعيد، وأبو كامل الجحدري، ومحمد بن عبد الملك الأموي، واللفظ لأبي كامل قالوا: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة، فلما كان عند القعدة، قال رجل من القوم: أقرت
_________________
(١) شرح مسلم ٢/ ١٢.
(٢) شرح مسلم ٢/ ١٢.
(٣) بين الإمامين ص٢٢
(٤) انظر تحرير التقريب ٢/ ٣٨٦.
(٥) انظر شرح مسلم ٢/ ١٢.
[ ٢٩٩ ]
الصلاة بالبر والزكاة، قال: فلما قضى أبو موسى الصلاة وسلم انصرف فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ قال: فأرم القوم (١)، ثم قال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأرم القوم، فقال: لعلك يا حطان قلتها؟ قال: ما قلتها! ولقد رهبت أن تبكعني بها (٢)، فقال: رجل من القوم أنا قلتها، ولم أرد بها إلا الخير! فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم! إن رسول الله - ﷺ - خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا، فقال:" إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يجبكم الله فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم، فقال رسول الله - ﷺ -:فتلك بتلك، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم فإن الله ﵎ قال على لسان نبيه - ﷺ - سمع الله لمن حمده وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم فقال رسول الله - ﷺ -: فتلك بتلك وإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم التحيات الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ".
ثم قال: (٤٠٤) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة (ح)، وحدثنا أبو غسان المسمعي قال: حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي (ح)، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا جرير عن سليمان التيمي كل هؤلاء عن قتادة في هذا الإسناد بمثله، وفي حديث جرير عن سليمان عن قتادة من الزيادة: " وإذا قرأ فأنصتوا"وليس في حديث أحد منهم:" فإن الله قال على لسان نبيه - ﷺ - سمع الله لمن حمده "، إلا في رواية أبي كامل وحده عن أبي عوانة قال أبو إسحاق: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث، فقال مسلم:" تريد أحفظ من سليمان؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: هو صحيح:"يعني وإذا قرأ فأنصتوا"فقال هو عندي صحيح فقال لمَ لمْ تضعه ههنا؟ قال ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه ".
أخرجه أحمد ٤/ ٤١٥، ومسلم ١/ ٣٠٤ (٤٠٤)، وأبو داود (٩٧٣)،وابن ماجة
_________________
(١) أي: سكتوا وخافوا، انظر النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير ٢/ ٢٦٧ مادة (رمم).
(٢) أي خفت أن تستقبلني بما أكره، انظر النهاية في غريب الحديث ١/ ١٤٩ مادة (بكع).
[ ٣٠٠ ]
(٨٤٧)، وأبو عوانة ١/ ٤٥٧ (١٦٩٧)، والبزار ٨/ ٦٥ (٣٠٥٨)، وأبو يعلى ١٣/ ٣١١ (٧٣٢٦) من طريق جرير عن سليمان به (١).
وأخرجه النسائي٢/ ٢٤٢،وأبو عوانة١/ ٤٥٧ (١٦٩٦)،والبزار ٨/ ٦٦ (٣٠٥٩)،والبيهقي من طريق المعتمر بن سليمان عن سليمان عن قتادة به (٢).
كلاهما عن سليمان التيمي عن قتادة به بزيادة " وإذا قرأ فأنصتوا ".ٍ
وأخرجه بدونها:
أحمد ٤/ ٣٩٣، ومسلم ١/ ٣٠٤ (٤٠٤)،والبيهقي ٢/ ١٤٠،من طريق معمر عن قتادة به.
وأخرجه أحمد٤/ ٤٠١ و٤٠٥،والدارمي١/ ٣٤٣ (١٣١٢) و١/ ٣٦٣ (١٣٥٨)،ومسلم١/ ٣٠٤ (٤٠٤) والنسائي ٢/ ١٩٦،وفي الكبرى ١/ ٢٢٢ (٦٥١)، والبزار ٨/ ٦٣ (٣٠٥٦و ٣٠٥٧) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به.
وأخرجه وعبد الرزاق ٢/ ١٦٦ (٢٩١٣)، وفي ٢/ ٢٠١ (٢٠٦٥)، والطيالسي (٥١٧)، وأحمد ٤/ ٤٠٩،ومسلم ١/ ٣٠٣ (٤٠٤) وأبو داود (٩٧٢)،والنسائي ٢/ ٢٤١،و٣/ ٤٢،وفي الكبرى١/ ٢٥٢ (٧٦٠)،وفي ١/ ٣٧٩ (١٢٠٣)، وأبو عوانة ١/ ٤٥٤ (١٦٨١)،وابن حبان ٥/ ٥٤٠ (٢١٦٧)،والبيهقي ٢/ ١٤١،،من طريق هشام عن قتادة به.
وأخرجه أخرجه مسلم ١/ ٣٠٣ (٤٠٤) وأبو داود (٩٧٢) من طريق من طريق أبي عوانة عن قتادة به.
وأخرجه ابن ماجة (٨٩١) من طريق سعيد وهشام جميعًا عن قتادة به.
أقول: فخالف سليمان التيمي أصحاب قتادة، وهم:" همام بن منبه، وسعيد بن أبي عروبة، ومعمر بن راشد، وأبو عوانة، والحجاج بن الحجاج، ومن تابعهم على روايتهم" إذرووه دون هذه اللفظة (٣).
وقد أعل هذه الزيادة: البخاري، وابن خزيمة، وابن معين- نقله البيهقي في جزء
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١١/ ٣٤٠ (٨٨٠١).
(٢) انظر المسند الجامع ١١/ ٣٤٠ (٨٨٠١).
(٣) انظر المسند الجامع ١١/ ٣٤٠ (٨٨٠١) ..
[ ٣٠١ ]
القراءة ١/ ١٣١ وأبو داود (٩٧٣)، والبزار ٨/ ٦٥ (٣٠٥٨)، والجارودي ١/ ٧٣، والدارقطني ٧/ ٢٥٣، والبيهقي ٢/ ١٥٥ - ١٥٦، وابن حجر في الدراية ١/ ١٦٦، والزيلعي في النصب ٢/ ١٧.
وقد صححها مسلم -كما سلف -: " قال أبو إسحاق: قال أبو بكر بن أخت أبي النضر في هذا الحديث فقال مسلم: تريد أحفظ من سليمان؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: هو صحيح "يعني وإذا قرأ فأنصتوا" فقال: هو عندي صحيح فقال لمَ لمْ تضعه ههنا قال ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه".
أقول: هذه ليست من قبيل الزيادة التي يعنيها المتأخرون إذ لم ينفرد بها التيمي (١) فقد توبع، تابعه ابن أبي عروبة وعمر بن عامر السلمي (٢)، أخرجه البزار ٨/ ٦٦ (٢٠٦٠) والدارقطني ١/ ٣٣٠،والبيهقي ٢/ ١٥٦، وابن عدي في الكامل ٣/ ٣٤٧ وابن حجر في الدراية ١/ ١٦٤.رواه عنهما سالم بن نوح بن أبي عطاء البصري، وهو صدوق حسن الحديث، أخرج له مسلم في الصحيح (٣)، وقد خطأه الدارقطني وغيره كما خطؤوا التيمي.
ونقل ابن عبد البر عن الإمام أحمد تصحيحه فقال:"فإن قال قائل: إن قوله وإذا قرأ فأنصتوا لم يقله أحد في حديث أبي هريرة غير ابن عجلان ولا قاله أحد في حديث أبي موسى غير جرير عن التيمي قيل له: لم يخالفهما من هو أحفظ منهما فوجب قبول زيادتهما وقد صحح هذين الحديثين أحمد بن حنبل وحسبك به إمامة وعلمًا بهذا الشأن. حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا عبد الحميد بن أحمد قال: حدثنا الخضر بن داود قال: حدثنا أبو بكر الأثرم قال: قلت لأحمد بن حنبل: من يقول عن النبي - ﷺ - من وجه صحيح إذا قرأ الإمام فأنصتوا فقال: حديث ابن عجلان الذي يرويه أبو خالد والحديث الذي رواه جرير عن التيمي وقد زعموا أن المعتمر رواه قلت: نعم قد رواه المعتمر قال: فأي
_________________
(١) قلت: وكلام مسلم يدل على ذلك، فإنه لم يقل أنّ سليمان انفرد به.
(٢) قال ابن حجر في التقريب (٤٩٥٢): " صدوق له أوهام "،وقال صاحبا التحرير ٣/ ٧٦: صدوق حسن الحديث. قلت: وأخرج له مسلم من روايته عن قتادة في الصحيح، وانظر تهذيب الكمال ٥/ ٣٦٢.
(٣) قال ابن حجر في التقريب (٢١٨٥): " صدوق له أوهام "،وقال صاحبا التحرير ٢/ ٨: " صدوق حسن الحديث".
[ ٣٠٢ ]
شيء تريد فقد صحح أحمد الحديثين جميعًا عن النبي - ﷺ - حديث أبي هريرة وحديث أبي موسى " (١).
قال النووي:" واعلم أن هذه الزيادة وهي قوله وإذا قرأ فأنصتوا مما اختلف الحفاظ في صحته، فروى البيهقي في السنن الكبرى عن أبي داود السجستاني أن هذه اللفظة ليست بمحفوظة (٢)، وكذلك رواه عن يحيى بن معين، وأبي حاتم الرازي، والدارقطني، والحافظ أبي علي
النيسابوري، شيخ الحاكم أبي عبد الله، قال البيهقي قال أبو علي الحافظ: هذه اللفظة غير محفوظة، قد خالف سليمان التيمي فيها جميع أصحاب قتادة (٣). واجتماع هؤلاء الحفاظ على تضعيفها مقدم على تصحيح مسلم لا سيما ولم يروها مسندة في صحيحه، والله أعلم" (٤).
أقول: هذه ليست زيادة ثقة، إذ لم يتفرد بها سليمان التيمي، فقد تقدم أنه تابعه عليها اثنان، وسواء كانت صحيحة أم لم تكن فليس هذا من ضمن موضوعنا، وقد صححها الإمام أحمد وناهيك به.
٥ - أخرج مسلم ٤/ ١٧٥٨ (٢٢٣٨) فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد ابن حميد، قالا: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه عن النبي - ﷺ -: أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقًا.
قلت: دار الحديث على الزهري.
رواه عنه (معمر بن راشد) موصولًا: أخرجه عبد الرزاق ٣/ ٢٩٥ (١٠٨٦) و٤/ ٤٤٥ (٨٣٩١)،وعبد بن حميد١/ ٧٧ (١٤١)،وأحمد ١/ ١٧٦، ومسلم ٤/ ١٧٥٨ (٢٢٣٨) وأبو داود (٥٢٦٢)،وابن حبان ١٢/ ٤٥٢ (٥٦٣٥)،والبيهقي٥/ ٢١١.
وقال الدارقطني:"خالفه -يعني معمرًا -: يونس ومالك وعقيل " (٥)، فرووه عن الزهري مرسلًا.
قلت: ولم أقف على من أخرج تلك الروايات المرسلة، إلا ما جاء في النكت
_________________
(١) التمهيد ١١/ ٣٤.
(٢) سنن البيهقي ٢/ ١٥٦.
(٣) سنن البيهقي ٢/ ١٥٦.
(٤) شرح مسلم ٤/ ١٢٣، وانظر سنن البيهقي ٢/ ١٥٥،وعون المعبود العظيم آبادي ٣/ ١٨٢.
(٥) علل الدارقطني ٤/ ٣٤٠ (٦١٣)، والتتبع ص٢٧٤، وبين الإمامين ص٥٣٣.
[ ٣٠٣ ]
الظراف، إذ قال ابن حجر:" قلت: رواه ابن وهب عن يونس عن الزهري، فقال: أراه عن عامر بن سعد عن أبيه " (١) وهذه الرواية لما شك الزهري في رفعها فقال " أراه .. "، تعتبر منقطعة، فلعلها هي من رواية يونس التي أعلها الدارقطني لمخالفتها رواية معمر، وأما رواية مالك وعقيل فإن كانتا كما قال الدارقطني، وصح إسنادهما فلا مناص من القول بترجيح انقطاع الإسناد على وصله، لأن رواة الانقطاع حينئذ أكثر عددًا، وفيهم الإمام مالك، فهم أولى بالحفظ، وأبعد عن الوهم (٢).
وذكر الدارقطني طريقين متابعين لطريق معمر:
الأول: من طريق خالد بن عبد الله الواسطي (٣) عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عامر بن سعد.
وأبو يعلى في مسنده ٢/ ١٤٤ (٨٣٢) من طريق وهب بن بقية عنه ورجال الإسناد ثقات خلا عبد الرحمن بن إسحاق المدني فإنه صدوق (٤).
الثاني: من طريق الباغندي عن عثمان بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد عن مالك عن الزهري به. ولم أقف على من أخرجه، وإسناده ضعيف لضعف خالد بن مخلد القطواني (٥)، وفي الباغندي (٦) كلام أيضًا.
قلت: وإعلال الدارقطني له وجيه إذا ثبت المرسل من الوجوه التي ذكرها.
ورغم ذلك فإنه ليس من قبيل الزيادة لمتابعة عبد الرحمن بن إسحاق لمعمر، وهذا ما يدفع أن يُورَد على مسلم إخراجه، وكذا فإنه إنما أخرجه في المتابعات فلا مؤاخذة عليه بهذا الاعتبار، والله أعلم.
٦ - أخرج مسلم ٣/ ١٥٦٠ (١٩٦٩) فقال: حدثني عبد الجبار بن العلاء، قال:
_________________
(١) النكت الظراف ٣/ ٢٩٩.
(٢) انظر بين الإمامين، المدخلي ص ٥٣٤.
(٣) ثقة ثبت انظر التقريب (١٦٤٧)، والتحرير ١/ ٣٤٦.
(٤) التقريب (٣٨٠٠)، وانظر التحرير ٢/ ٣٠٦.
(٥) التقريب (١٦٧٧) وقال عنه (صدوق يتشيع وله أفراد)، واستدرك عليه صاحبا التحرير ١/ ٣٥٢ فقالا: "ضعيف يعتبر به "، وهو الصواب.
(٦) انظر الكامل ٦/ ٣٠٠ (١٧٨٨) وميزان الإعتدال ٦/ ٣٢٢ (٨١٣٦)، والمغني في الضعفاء٢/ ٦٢٩.
[ ٣٠٤ ]
حدثنا سفيان، قال: حدثنا الزهري، عن أبي عبيد قال: شهدت العيد مع علي بن أبي طالب فبدأ بالصلاة قبل الخطبة وقال: " إن رسول الله - ﷺ - نهانا أن نأكل من لحوم نسكنا بعد ثلاث ".
وقال الدارقطني في التتبع: " وهذا مما وهم فيه عبد الجبار لأن الحميدي، وعلي ابن المديني والقعنبي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبا بكر بن أبي شيبة، وأبا خيثمة، وابن أبي عمر، وقتيبة، وأبا عبد الله، وغيرهم وقفوه عن ابن عيينة. واحتمل أن يكون خفي على مسلم أن ابن عيينة يرويه موقوفًا، لأنه لعله لم يقع عنده إلا من رواية عبد الجبار، ولأن الحديث رفعه صحيح عن الزهري، رفعه صالح ومعمر ويونس وابن أخي الزهري ومالك من رواية جرير والزبيدي عن الزهري. وأما البخاري فأخرجه من حديث يونس وحده، ولم يعرض لحديث ابن عيينة " (١).
أقول دار الحديث على سفيان بن عيينة رواه عنه عبد الجبار بن العلاء مرفوعًا، أخرجه مسلم ٣/ ١٥٦ (١٩٦٩)، والبيهقي ٩/ ٢٩٠.
وأما الموقوف فلم أقف على من رواه عن سفيان بن عيينة موقوفًا خلا الشافعي في المسند ١/ ٢٣٦،والبيهقي من طريق الشافعي ٩/ ٢٩٠، وقد أعله الدارقطني وعده وهمًا من عبد الجبار بن العلاء.
قلت: ولم أقف على من أخرجه من الطرق التي ذكرها الدارقطني (أحمد وابن أبي شيبة وإسحاق ) (٢).
قال الجارودي في العلل:"ورفع هذا الحديث عندي غير محفوظ في حديث ابن عيينة أخبرنا بشر بن موسى عن الحميدي قال: قلت لسفيان: أنتم ترفعون هذه الكلمة عن علي؟ فقال سفيان: لا أحفظها مرفوعة وهي منسوخة " (٣).
أقول: إذا ثبتت رواية الجماعة كما نص الدارقطني فإن الرفع وهم لا محالة كما قال الدارقطني والقاضي عياض والنووي﵏- قال النووي: " قال القاضي لهذا الحديث من رواية سفيان عند أهل الحديث علة فى رفعه لأن الحفاظ من أصحاب سفيان
_________________
(١) التتبع ص٤٢٢، وانظر بين الإمامين ص ٤٦١.
(٢) وكذا المدخلي قال ص٤٦٢: «فلم أجدها بعد البحث عنها».
(٣) علل الجارودي ص٩٤ - ٩٥.
[ ٣٠٥ ]
لم يرفعوه ولهذا لم يروه البخاري من رواية سفيان ورواه من غير طريقة قال الدارقطني هذا مما وهم فيه عبد الحبار بن العلاء هذا كلام الدارقطني، والمتن صحيح بكل حال، والله أعلم " (١).
أقول: لما ثبت نقل الجاوردي عن سفيان القول بنفي الطريق المرفوع، يكون الرفع وهمًا من عبد الجبار، وعذر مسلم لعله وهم فيه لكون جميع طرق الحديث الأخرى مرفوعة.
فالحديث صحيح عن علي - ﵁ - من غير طريق سفيان وصحيح من طريق سفيان عن عمر وعثمان ﵄، وكل ثقة يخطئ الشيء بعد الشيء، وإلا لما انتقده جمهور العلماء على ذلك.
٧ - أخرج مسلم ٤/ ٢١٠٩ (٢٧٥٣) فقال: حدثنا بن نمير قال: حدثنا أبو معاوية عن داود بن أبي هند عن أبي عثمان عن سلمان قال: قال رسول الله - ﷺ -:" إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة ".
قلتُ: دار الحديث على داود بن أبي هند رواه عنه أبو معاوية الضرير، أخرجه مسلم ٤/ ٢١٠٩ (٢٧٥٣) وابن حبان ١٤/ ١٤ (٦١٤٦).
وخالف أبا معاوية عبد الرحيم بن سليمان فرواه عن داود موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٧/ ٦٠ (٣٤٢٠٦).
وقد أعل الدارقطني طريق أبي معاوية عند مسلم لكونه خالف غيره عن داود بن أبي هند فرفعه هو ووقفه غيره.
وسكت النووي ﵀ عن إعلال الدارقطني للحديث. (٢)
ولم أقف على من رواه عن داود موقوفًا خلا طريق ابن أبي شيبة الذي ذكرناه.
قال المدخلي: " ولم أجد من الروايات الموقوفة التي أشار إليها الدارقطني إلاّ رواية واحدة وهي: ما رواه ابن أبي شيبة والذي يغلب على الظن أنه لا يوجد غير هذه
_________________
(١) شرح مسلم ١٣/ ١٢٨.
(٢) انظر شرح مسلم ١٧/ ٦٨.
[ ٣٠٦ ]
الرواية وعبارة الدارقطني تحتمل ذلك فإنه قال: وغيره يوقفه، فان كان الواقع كذلك فإن أبا معاوية وعبد الرحيم ثقتان وليس بينهما كبير تفاوت وقد تكلم في كل منهما فقيل في أبي معاوية أنه مضطرب الحديث (١) في غير الأعمش، وقيل في عبد الرحيم ثقة صدوق ليس بحجة (٢)، وليس لدي الآن للوقف أي مرجح بل المرجحات متوفرة لجانب الرفع .. " (٣).
قلت: وقد فات الشيخ مرجح كبير، وهو طريق متابع لأبي معاوية، فقد أخرج الحاكم في المستدرك بسند صحيح، فقال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، قال: حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا مسدد، قال: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا داود بن أبي هند، قال: حدثنا
أبو عثمان النهدي عن سلمان أن رسول الله - ﷺ - قال: .. "الحديث (٤)، وهو متابعة تامة لأبي معاوية تزيل عنه شبهة التفرد أو المخالفة في هذا الحديث، ولو ثبتت الطرق التي ذكرها الدارقطني فإنه لا يكون من قبيل الزيادة بل هو من قبيل المختلف فيه.
وقد توبع داود بن أبي هند في رفعه: تابعه سليمان بن طرخان التيمي، وهو ثقة عابد (٥):أخرجه مسلم ٤/ ٢١٠٩ (٢٧٥٣)، وأحمد ٥/ ٤٣٩،والطبراني في الكبير ٦/ ٢٥٠ (٦١٢٦) و٦/ ٢٥٥ (٦١٤٤)،والبزار في المسند ٦/ ١٤٧٦ (٢٥٠٧)،والمحاملي في الأمالي ١/ ١١٤ (٧٤).
وجاء من طرق أخرى عن التيمي موقوفًا: أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٠٣٦) وفي (١٠٨٧).
وجاء من طريق سعيد الجريري عن أبي عثمان عن سلمان موقوفًا، أخرجه ابن المبارك في الزهد ١/ ٣٦٦ (١٠٣٦).
ومن طريق عاصم عن أبي عثمان عن سلمان موقوفًا: أخرجه أحمد في العلل ومعرفة الرجال ٢/ ٤١٨ (٢٨٧١).
_________________
(١) التقريب (٥٨٤١) والتحرير ٣/ ٢٣٤.
(٢) قلت: وهذا خطأ بين فعبد الرحيم بن سليمان هو الكناني، ثقة له تصانيف التقريب (٤٠٥٦) والتحرير ٢/ ٣٥٩.
(٣) بين الإمامين ص ٥٨٦.
(٤) المستدرك ٤/ ١٧٦
(٥) التقريب (٢٥٧٥).
[ ٣٠٧ ]
أقول: وقد أعله أحمد في العلل ومعرفة الرجال ٢/ ٤١٨ (٢٨٧١) بالوقف وكذا الدارقطني في التتبع ص ٣٠١ وتابعه على الإعلال الوادعي في تعليقه عليه، وأما المدخلي فقد رجح المرفوع كما مر.
قلت: وإعلال الأئمة للحديث بشكل عام وليس لطريق أبي معاوية. قال عبد الله بن أحمد في العلل ومعرفة الرجال:"قرأت على أبي بن أبي عدي عن داود عن أبي عثمان عن سلمان لله مائة رحمة وسعت كل رحمة ما بين السماء والأرض سمعت أبي يقول: حدثنا به معاذ عن التيمي عن أبي عثمان عن سلمان لم يرفعه معاذ ورفعه يحيى، قال أبو عبد الرحمن: ورفعه لقوم بعد أبي حدثني أبي قال: حدثناه يحيى عن التيمي وعفان عن معتمر أيضًا مرفوع، وقال عباد بن عباد عن عاصم عن أبي عثمان عن سلمان قال: قرأت في التوراة " (١).
فالحديث لا يصلح لأن يكون مثالًا لقبول الزيادة وإنما هو من مختلف الحديث، والله أعلم.
وقد حملوا النقاد من المتقدمين على الحديث لأنهم يشترطون فيه فيما له حكم المرفوع أن لا يكون قد أخذه من أهل الكتاب، ولا تُعل الرواية هنا من هذا الوجه، لأن الحديث صح عن أبي هريرة وغيره، وعذر الإمام مسلم في إخراجه: كونه أورده في المتابعات.
٨ - أخرج الإمام مسلم ١/ ١٦٣ (١٨١) قال: حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، قال: حدثني عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن النبي - ﷺ - قال:" إذا دخل أهل الجنة الجنة قال يقول الله ﵎: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿ ". حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد وزاد: ثم تلا هذه الآية: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ".
قلت: دار الحديث على ثابت البناني، رواه عنه حماد بن سلمة برفع زيادة"ثم تلا هذه الآية (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ..) ".أخرجه والطيالسي ص١٨٦ (٣١٥)،
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال ٢/ ٤١٨ (٢٨٧١).
[ ٣٠٨ ]
وأحمد ٤/ ٣٣٢ وفي ٤/ ٣٣٣ و٦/ ١٥،ومسلم ١/ ١٦٣ (١٨١)،والترمذي (٢٥٥٢) وفي (٣١٠٥)، والنسائي في الكبرى ٤/ ٤٢٠ (٧٧٦٦)، وابن ماجة (١٨٧)، وابن مندة في الإيمان ٢/ ٧٧٣ (٧٨٤) و٢/ ٧٧٤ (٧٨٥) و(٧٨٦)،وأبو عوانة ١/ ١٣٦ (٤١١)،والطبراني في الكبير٨/ ٤٠ (٧٣١٥)،وابن حبان ١٦/ ٤٧١ (٧٤٤١)،والبزار٦/ ١٣ (٢٠٨٧). (١)
ورواها جماعة عن ثابت عن ابن أبي ليلى - موقوفة - وهم:
- حماد بن زيد عن ثابت: أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة ٢/ ٤٩٧ (١١٤٤)، وابن خزيمة في التوحيد ص١٨١، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة ٣/ ٤٦١ (٧٩٢).
- وسليمان بن مغيرة: أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص ١٨٢.
- ومعمر بن راشد: أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص١٨٢،والطبري في التفسير ١١/ ١٠٦.
- وحماد بن واقد: ذكره المزي في التحفة ٤/ ١٥٩٨ (٤٩٦٨) نقلًا عن أبي مسعود الدمشقي (٢)،لم أقف على من أخرجه.
وقال الترمذي عقب الحديث:"هذا حديث إنما أسنده حماد بن سلمة ورفعه، وروى حماد بن زيد وسليمان بن مغيرة هذا الحديث عن ثابت البناني عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قوله " (٣).
وقال أبو مسعود الدمشقي:"رواه حماد بن زيد وسليمان بن المغيرة وحماد بن واقد، عن ثابت البناني، عن ابن أبي ليلى قوله، ليس فيه صهيب عن النبي - ﷺ - ". (٤)
ورد النووي فقال: " وهذا الذي قاله هؤلاء ليس بقادح في صحة الحديث فقد قدمنا في الفصول أن المذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه الفقهاء وأصحاب الأصول والمحققون من المحدثين وصححه الخطيب البغدادي أن الحديث إذا رواه بعض الثقات متصلًا وبعضهم مرسلًا أو بعضهم مرفوعًا وبعضهم موقوفًا حكم بالمتصل
_________________
(١) انظر المسند الجامع ٧/ ٥٢٥ (٥٤٢٢).
(٢) شرح مسلم ٣/ ١٧.
(٣) جامع الترمذي (٢٥٥٢).
(٤) شرح مسلم ٣/ ١٧.
[ ٣٠٩ ]
وبالمرفوع لأنهما زيادة ثقة وهى مقبولة عند الجماهير من كل الطوائف والله أعلم " (١).
ورجح المدخلي المرفوع، لكون حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت فقال: " إن من خالف حماد بن سلمة وإن كانوا أكثر فقد اعترى كثرتهم ما يضعفها وذلك:
أ - لأن حماد بن زيد وإن كان ثقة إلا أنه معروف بقصر الأسانيد وبوقف المرفوع كثير الشك بتوخيه لم يكن له كتاب يرجع إليه فكان أحيانًا يذكر فيرفع الحديث وأحيانًا يهاب الحديث ولا يرفعه.
ب - ولأن حماد بن واقد أحد هذه الكثرة ضعيف.
ج - وفي إسناد سليمان بن المغيرة محمد بن معمر ليس بالحافظ وإن كان قد وجد له متابع لكن في الطريق إليه من لم أعرفه كما يأتي قريبًا ولم أقف له على ترجمة بعد البحث الطويل.
د - أنه يستحيل أن يقال مثله من قبل الرأي " (٢).
قلت: أما كون حماد يتوقى الحديث ويتهيب رفعه فهذا لا يعني أنه لو وقع عنده مرفوعًا لا يرفعه، لأن وقفه مع رجحان وصله أو ثبوته عنده لا يقل إثمًا عن ذلك، ولو سلمنا للقول بأنه يتهيب الرفع، فكيف بآلاف الأحاديث المرفوعة منه؟.
وأما عن الكلام في حماد فلو قارنا بين الحمادين، لرأيت البون بينهما شاسعًا، فحماد بن زيد أوثق، وأحفظ، وأضبط، من ابن سلمة، وابن سلمة قد تغير بآخرة.
أما عن طريق ابن واقد، وسليمان بن المغيرة فإنهما توبعا، تابعهما معمر بن راشد كما مر، وأما عن إخراج الإمام مسلم لهذا الحديث فإن النووي وغيره لم يتنبهوا جيدًا إلى نكتة إيراد مسلم له، فقد ساق مسلم الحديث في باب إثبات رؤية الباري ﷿ في الآخرة، فذكر في أول الباب حديث أبي موسى الأشعري ١/ ١٦٣ (١٨٠)، وهو الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري (٤٨٧٨)،و(٤٨٧٩) و(٧٤٤٤)، وصححه الترمذي (٢٥٢٨)، ثم أتبعه بحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب، المرفوع من طريق حماد بن سلمة، فهذه متابعة حسب. ولعله ارتضاها على ضعف الرفع فيها لأن مثلها لا يقال فيها بالرأي، فالحكم فيها حكم المرفوع، وإن كان الصواب فيها الوقف، وقد رجح الموقوف أستاذنا الدكتور بشار عواد في تعليقه على الترمذي (٣).
_________________
(١) مصدر سابق.
(٢) بين الإمامين ص٣٦.
(٣) جامع الترمذي (٢٥٥٢)، وانظر سنن ابن ماجة بتحقيقه (١٨٧).
[ ٣١٠ ]
٩ - أخرج الإمام مسلم ٣/ ١٣٠٦ (١٦٧٩) فقال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا عبد الله بن عوف، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: لما كان ذلك اليوم قعد على بعيره وأخذ إنسان بخطامه فقال:" أتدرون أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؟، حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، فقال: أليس بيوم النحر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: فأي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم قال: أليس بذي الحجة؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: فأي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم؟ قال: حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، قال: أليس بالبلدة؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، فليبلغ الشاهد الغائب. قال: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما، وإلى جُزيعة من الغنم فقسمها بيننا".
أقول: روى مسلم الحديث أولًا من طريق ابن سيرين، ورواه عنه عبد الله بن عون عنه فزاد زيادة في آخره: " ثم انكفأ "، خالف بها بقية الرواة.
أخرجه بالزيادة أحمد ٥/ ٣٧،ومسلم ٣/ ١٣٠٦ (١٦٧٩)، والنسائي ٧/ ٢٢٠،وفي الكبرى ٢/ ٤٤٢ (٤٠٩٢) و٣/ ٤٣٢ (٥٨٥١)، وابن حبان ٩/ ١٥٨ (٣٨٤٨) و١٣/ ٣١٢ (٥٩٧٣) من طرق عن ابن عون به (١).
وأخرجه أحمد ٥/ ٣٧، والبخاري (٦٧)، والنسائي في الكبرى ٢/ ٤٤٢ (٤٠٩٢) وفي ٣/ ٤٣٢ (٥٨٥١)، وابن حبان ٩/ ١٥٨ (٣٨٤٨) من طريق ابن عون نفسه دون ذكر الزيادة (٢).
ورواه أيوب عن ابن سيرين دونها أخرجه:
أحمد ٥/ ٤٧ والدارمي ٢/ ٩٣ (١٩١٦)،والبخاري (١٠٥) و(٤١٤٤) و(٥٢٣٠) و(٧٠٠٩)، ومسلم ٣/ ١٣٠٥ (١٦٧٩)، وأبو داود (١٩٤٨) وابن حبان ١٣/ ٣١٣ (٥٩٧٤)، و(٥٩٧٥)،والبيهقي ٥/ ١٦٥.
ورواه (قرة بن خالد) عن ابن سيرين دونها:
أخرجه أحمد ٥/ ٣٩،والبخاري (١٦٥٤) و(١٦٦٧)، ومسلم ٣/ ١٣٠٧
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٥/ ٥٦٤ (١١٩٣٨).
(٢) انظر المسند الجامع ١٥/ ٥٦٤ (١١٩٣٨).
[ ٣١١ ]
(١٦٧٩)،والنسائي في الكبرى ٢/ ٤٤٢ (٤٠٩٣) و٣/ ٤٣٢ (٥٨٥٠)، وابن ماجة (٢٣٣)، والبزار ٩/ ٨٦ (٣٦١٧) وابن الجارود في المنتقى١/ ٢١٢ (٨٣٣)،
من طرق عن قرة به (١).
وأخرجه أحمد ٥/ ٤٠ مرسلًا (اسقط ابن أبي بكرة) من طريق أشعث عنه به.
وأخرجه أبو داود (١٩٤٧) والنسائي ٧/ ١٢٧ - كذلك مرسلًا-من طريق أيوب عنه به (٢).
أقول: لقد أعل الدارقطني الزيادة وعدها مخالفة لأن الرواة الأكثر رووه عن ابن سيرين دونها واستدل لكون البخاري أورد الحديث من الطريق نفسه دونها، فقال: " وأخرج مسلم من أحاديث يزيد بن زريع، وحماد بن مسعدة عن ابن عون، عن محمد، عن ابن أبي بكرة، عن أبيه في خطبة يوم النحر وفي آخره: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما، وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا. وهذا الكلام وهم من ابن عون فيما يقال، وإنما رواه ابن سيرين، عن أنس، قاله أيوب عنه. وقد أخرج البخاري حديث ابن عون فلم يخرج هذا الكلام فيه، فقطعه، ولعله صح عنده أنه وهم، والله أعلم، ومسلم أتى به إلى آخره " (٣).
ونقل النووي كلام الدارقطني ووافقه فقال: " قال القاضي: وقد روى البخاري هذا الحديث عن ابن عون فلم يذكر فيه هذا الكلام، فلعله تركه عمدًا وقد رواه أيوب عن قرة، عن
ابن سيرين في كتاب مسلم في هذا الباب، ولم يذكروا فيه هذه الزيادة، قال القاضي: والأشبه أن هذه الزيادة إنما هي في حديث آخر في خطبة عيد الأضحى، فوهم فيها الراوي فذكرها مضمومة إلى خطبة الحجة، أو هما حديثان، ضم أحدهما إلى الآخر، وقد ذكر مسلم هذا بعد هذا في كتاب الضحايا من حديث أيوب وهشام عن ابن سيرين عن أنس أن النبي - ﷺ - صلى ثم خطب فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد، ثم قال في آخر الحديث: فانكفأ رسول الله - ﷺ - إلى كبشين أملحين فذبحهما فقام الناس إلى غنيمة فتوزعوها (٤).فهذا هو
_________________
(١) مصدر سابق.
(٢) مصدر سابق.
(٣) التتبع ص٣١٩، وانظر العلل ٧/ ١٥١ (١٢٦٥).
(٤) صحيح مسلم ٣/ ١٥٥٤ (١٩٦٢).
[ ٣١٢ ]
الصحيح وهو دافع للإشكال". (١) ووافقهم الوادعي (٢) والمدخلي (٣).
أقول: يتبين مما تقدم أن يزيد بن زريع، وحماد بن مسعدة وهما ثقتان قد رويا الحديث عن ابن عون بالزيادة، ورواها البخاري (٦٧) من طريق بشر بن المفضل، والنسائي في الكبرى (٥٨٥١) من طريق النضر بن شميل، وهما ثقتان عن ابن عون بغير هذه الزيادة، فتحصل من ذلك أنّ ابن عون اضطرب في رواية هذا الحديث، فرواه على الوجه الموافق لرواية الثقات الآخرين، من غير الزيادة، ثم رواه بهذه الزيادة، غلطًا منه، إذ إنه أدخل حديثًا في حديث، كما ذكر الإمامان عياض، والنووي، ومن ثم فإن إخراج مسلم لهذا إنما كان في المتابعات، ولعله ساق هذه الزيادة ليبين علتها.
١٠ - أخرج مسلم ١/ ٣٩٦ (٥٦٧) فقال: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا هشام حدثنا قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب - ﵁ - خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله - ﷺ - وذكر أبا بكر قال: " إني رأيت كأن ديكًا نقرني ثلاث نقرات، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإن أقوامًا يأمرونني أن أستخلف! وإنَّ الله لم يكن ليضيع دينه، ولا خلافته، ولا الذي بعث به نبيه - ﷺ - فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض وإني قد علمت أن أقوامًا يطعنون في هذا الأمر أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال، ثم إني لا أدع بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة، ما راجعت رسول الله - ﷺ - في شيء ما راجعته في الكلالة وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه حتى طعن بإصبعه في صدري فقال: يا عمر ألا
تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء، وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن، ثم قال: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار، وإني إنما بعثتهم عليهم ليعدلوا عليهم وليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم - ﷺ - ويقسموا فيهم فيئهم ويرفعوا إلي ما أشكل عليهم من أمرهم، ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين هذا البصل والثوم لقد رأيت رسول الله - ﷺ - إذا وجد ريحهما من الرجل في
_________________
(١) شرح مسلم ١١/ ١٧١ - ١٧٢.
(٢) التتبع ص ٣٢٠.
(٣) بين الإمامين ص٤٢٢.
[ ٣١٣ ]
المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع فمن أكلهما فليمتهما طبخًا ".
قلت: دار الحديث على سالم رواه عنه قتادة السدوسي موصولًا أخرجه:
الحميدي١/ ٧ (١٠)،و١/ ١٧ (٢٩)،والطيالسي١/ ١١ (٥٣)، وأحمد ١/ ١٥ و١/ ٢٦ و١/ ٢٧ و١/ ٤٨، ومسلم ١/ ٣٩٦ (٥٦٧) و٣/ ٢٣٦ (٦١٧)،وأبو عوانة ١/ ٣٤٠ (١٢١٧) و٣/ ٤٣٩ (٥٦٠٩)، والنسائي ٢/ ٤٣، وفي الكبرى ١/ ٢٥٠ (٧٨٧)، وابن ماجة (٣٣٦٣) و(١٠١٤) و(٢٧٢٦)،وابن أبي شيبة ٥/ ١٣٧ (٢٤٤٨٨)، وأبو يعلى ١/ ١٦٥ (١٨٤) و١/ ٢١٩ (٢٥٦)، وابن حبان ٥/ ٤٤ (٢٠٩١)، والبزار ١/ ٤٤٤، والحاكم ٣/ ٩٧، والبيهقي ٨/ ١٥٠ و٣/ ٧٨، من طرق عن سالم به (١).
ورواه (حصين بن عبد الرحمن السلمي) منقطعًا فأسقط معدان:
أخرجه الحميدي ١/ ٨ (١١)،والنسائي في الكبرى ٤/ ١٥٩ (٦٦٨٣) (٢).
ورواه (منصور عن سالم) مرسلًا أيضا: أخرجه النسائي في الكبرى ٤/ ١٥٩
(٦٦٨٤) (٣)، وهذا يعني أن قتادة يرويه على خلافهما فوصله وأرسلاه.
وقد أعلّه الدارقطني فقال: " هو حديث يرويه قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن عمر حدث به عن قتادة هشام بن أبي عبد الله، وشعبة بن الحجاج، وسعيد بن أبي عروبة، والحجاج بن الحجاج، وهمام بن يحيى، فرووه عن قتادة بهذا الإسناد بطوله، ورواه ابن عيينة عن يحيى بن صبيح الخراساني وتابعه عبد الله ابن بشر ومطر الوراق وإسحاق بن أبي فروة رووه عن قتادة عن سالم عن معدان عن عمر مختصرًا ورواه حماد بن سلمة عن قتادة عن سالم عن عمر مرسلًا عن النبي - ﷺ - مختصرًا في قصة الثوم والبصل دون غيره ولم يذكر في الإسناد معدان
،ورواه حصين بن عبد الرحمن عن سالم بن أبي الجعد عن عمر مرسلًا أيضًا لم يذكر فيه معدان قال ذلك أبو الأحوص ومحمد بن فضيل وسفيان بن عيينة وجرير عن حصين وقال شعبة: عن حصين عن سالم عن رجل من أهل الشام عن عمر. ولم يرفع الحديث، وروى عن عباد بن العوام عن
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٣/ ٣٦ (١٠٦٢٨).
(٢) مصدر سابق.
(٣) مصدر سابق.
[ ٣١٤ ]
حصين عن سالم بن أبي الجعد عن معدان عن عمر. وما أحسبه حفظ أنَّ حصينًا لا يذكر معدان وكذلك رواه المنصور بن المعتمر وأبو عون الثقفي وعمرو بن مرة رووه عن سالم عن عمر مرسلًا لم يذكروا فيه معدان، قاله جرير عن منصور وقاله عبد الغفار بن القاسم وحفص بن عمران عن عمرو بن مرة، والصحيح قول شعبة وهشام وابن أبي عروبة ومن تابعهم عن قتادة والله أعلم (١). ورواه مغيرة بن مسلم عن مطر عن شهر فقال عن أبي طلحة اليعمري عن عمر وخالفه داود بن الزبرقان عن مطر فقال: عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد وهو المحفوظ وأتى داود بحديث الكلالة دون غيره " (٢).
قلت: ولم أقف على من رواه مرسلًا ممن ذكر خلا الطريقين الذين ذكرتهما (حصين ومنصور).
لذا فقد أختلف فيه على النحو الآتي (٣):
قتادة عن سالم عن معدان عن عمر - موصولًا -.
حصين عن سالم عن معدان عن عمر - موصولًا -.
حصين عن سالم عن عمر - منقطعًا -.
منصور عن سالم عن عمر - مرسلًا (منقطعًا) -.
وهكذا يكون طريق قتادة الموصول أثبت- كما أخرجه مسلم ونص عليه الدارقطني - وطريق منصور مرسلًا أثبت، وأما طريق حصين فإنه اختلف فيه بين الوصل
_________________
(١) ظن المدخلي - بين الإمامين ص ١٦١ -، وكذا الوادعي - التتبع ص ٥٥٦ -، أن الدارقطني رجح المتصل على المرسل اعتمادًا على هذا التصحيح، والصواب أنه إنما رجح الرفع من طريق قتادة فحسب،،وليس أصل الحديث. والدليل على هذا أنه أعله في التتبع. ولو سلمنا - جدلًا- بقوله: أنه صحح المتصل في العلل، وأعله في التتبع فنجيب: ولعله رجح المتصل في العلل كون الحديث عن حصين اضطرب، فرواه عنه عباد بن العوام متصلًا كما ذكره الدارقطني ٢/ ٢١٩ وقال عقبه «وما أحسبه حفظ لأن حصينًا لا يذكر معدان».ورواه عنه (سفيان، وأبو الأحوص) مرسلًا، فاصبح لحديث قتادة متابع. وهذا لا يسلم للدارقطني لأن عبادًا ليس أحفظ من سفيان وحده فكيف وقد توبع سفيان؟، ولا ندري أي الرأيين كان المتأخر فيكون ناسخًا والأول منسوخًا؟ أوقد يكون صح عنده كلا الطريقين لأنه من المختلف كما سيأتي.
(٢) علل الدارقطني ٢/ ٢١٨ (٢١٣).
(٣) المسند الجامع ١٤/ ٣٤ (١٠٦٢٨).
[ ٣١٥ ]
والإرسال، والحديث
إذا اختلف عليه بين وصل وإرسال يخرج من الموازنة، لاحتمالية الوجهين، وهكذا تكون الموازنة بين طريقي قتادة ومنصور فقط، ويكون الحديث من المختلف، وهذا عذر الإمام مسلم في إخراجه في الصحيح، وليس على قاعدة قبول الزيادة من الثقة، على مفهوم المتأخرين لها، ناهيك عن كونه أخرجه في المتابعات.
والذي يبدو لي: أن الحديث ثبت عن سالم بالوجهين مرسلًا ومتصلًا وإنما العلة كانت في سالم، فإنه كان يرسله تارة، ويوصله تارة، ويوقفه تارة، ويرفعه تارة،، قال الذهبي في الميزان:"يدلس، ويرسل " (١)، وقال في السير:" صاحب تدليس" (٢). وقال الحافظ في التقريب: " ثقة يرسل كثيرًا " (٣)،والله أعلم.
وقد رجح المرسل الإمام الدارقطني (٤)، والمدخلي (٥)، ورجح المتصل النووي وعده زيادة ثقة (٦)، وشنع على الدارقطني إعلاله للحديث، ظنًا منه أنه أعله لتدليس قتادة فقط؟، وذكر كلامًا مفيدًا حول منهجية الشيخين في انتقاء أصح أحاديث المدلسين وفاته أن الدارقطني ما أعله بذاك حسب، وإنما أعله للاختلاف عليه بين وصل وإرسال، كما بيناه.
١١ - أخرج مسلم ١/ ٢٣٨ (٢٨٨) فقال: وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا خالد بن عبد الله، عن خالد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود: أن رجلًا نزل بعائشة فأصبح يغسل ثوبه فقالت عائشة:" إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه فإن لم تر نضحت حوله ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - فركا فيصلي فيه ".
قلت: دار الحديث على زياد بن كليب (أبي معشر) رواه عنه خالد بن مهران فزاد مع الأسود علقمة، قرنهما، أخرجه مسلم ١/ ٢٣٨ (٢٨٨)، وابن خزيمة ١/ ١٤٥ (٢٨٨)، وابن حبان ٤/ ٢١٧ (١٣٧٩)، والبيهقي (٢/ ٤١٦)،والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٥٠،من طرق عن خالد بن عبد الله الطحان عن خالد بن مهران عن أبي
_________________
(١) ميزان الاعتدال ٢/ ١٠٩ (٣٠٤٥).
(٢) سير أعلام النبلاء ٥/ ١٠٨ (٤٤)،وانظر تحرير التقريب ٢/ ٥.
(٣) التقريب (٢١٧٠)، وانظر التحرير ٢/ ٥.
(٤) التتبع ص٥٥٦،وانظر بين الإمامين ص١٦١.
(٥) بين الإمامين ص ١٦٦.
(٦) شرح مسلم ٥/ ٥٢، وتبعه الوادعي التتبع ص ٤٠١.
[ ٣١٦ ]
معشر به (١).
ورواه (سعيد بن أبي عروبة وهشام بن حسان) عن أبي معشر عن الأسود وحده:-
أخرجه أحمد ٦/ ٢٣٩،ومسلم ١/ ٢٣٨ (٢٨٨)،والنسائي ١/ ١٥٦، والجارود ١/ ٤٤ (١٣٦)، وابن حبان ٤/ ٢١٩ (١٣٨٠) من طريق هشام بن حسان عنه به (٢).
وأخرجه أحمد ٦/ ٣٥ و٦/ ٩٧، ومسلم ١/ ٢٣٨ (٢٨٨) وأبو يعلى ٨/ ٢٥٥ (٤٨٥٢) من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه به (٣).
أقول: أعلّ الإمام أحمد طريق خالد هذا وعد زيادة (علقمة) علّة في الحديث (٤)،والدارقطني، وقال: بعد أن ذكر الاختلاف في الحديث: " وقول خالد عن خالد: (علقمة) غير محفوظ ". (٥)
وهو كما قال الأئمة في عد الزيادة غير محفوظة وقد اختلف في إسناد هذا الحديث إضافة إلى ما مر على النحو الآتي:
أخرجه مسلم ١/ ٢٣٩ (٢٨٨)، والبيهقي ٢/ ٢١٧ من طريق واصل الأحدب عن إبراهيم عن الأسود (وحده) به.
وأخرجه الشافعي ١/ ٣٤٥، واحمد ٦/ ٢١٣، وأبو داود (٣٧٢)، والجارود ١/ ٤٤ (١٣٧)،والبيهقي ٢/ ٤١٦، من طريق حماد بن سليمان عن إبراهيم عن الأسود (وحده) به.
وأخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٨٣ (٩١٧)،ومسلم ١/ ٢٣٩ (٢٨٨)، وابن ماجة (٥٣٩)،وأبو عوانة ١/ ١٧٥ (٣٥٠) من طريق إبراهيم عن الأسود (وحده) به.
وأخرجه مسلم ١/ ٢٣٩ (٢٨٨) من طريق منصور ومغيرة بن مقسم عن إبراهيم عن الأسود (وحده) به.
وأخرجه مسلم ١/ ٢٣٩ (٢٨٨) وابن ماجة (٥٣٩) من طريق مغيرة بن مقسم عن إبراهيم به.
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٩/ ٣٠٠ (١٦٠٧٦).
(٢) انظر المسند الجامع ١٩/ ٣٠٠ (١٦٠٧٦).
(٣) مصدر سابق.
(٤) العلل ومعرفة الرجال ٢/ ٤٢٧ (٢٨٨٧).
(٥) التتبع ص٥٦٠، وانظر بين الإمامين ص٩٢.
[ ٣١٧ ]
وجاء الحديث مرة عن إبراهيم عن همام (وحده) عن عائشة:
أخرجه: الحميدي ١/ ٩٧ (١٨٦)، والطيالسي ص١٩٩ (١٤٠١)، وعبد الرزاق ١/ ٣٦٨ (١٤٣٩)،وابن أبي شيبة ١/ ٨٣ (٩٢٠)، وأحمد ٦/ ٤٣، و٦/ ١٢٥ و٦/ ١٣٥،
والترمذي (١١٦) وقال حسن صحيح، والنسائي ١/ ١٥٦، وابن ماجة (٥٣٧) و(٥٣٨)،وأبو عوانة ١/ ١٧٥ (٥٣١)، والبيهقي ٢/ ٤١٧. من طرقٍ عن الأعمش عن إبراهيم به (١).
وأخرجه أحمد ٦/ ١٣٥، ومسلم ١/ ٢٣٩ (٢٨٨)، وأبو عوانة ١/ ١٧٥ (٥٣١) وابن خزيمة (٢٨٨) من طرق عن منصور عن إبراهيم به (٢)
وأخرجه أحمد ٦/ ١٢٥،والنسائي١/ ١٥٦ من طريق الحكم بن عتيبة عن إبراهيم به. (٣)
وأخرجه مسلم ١/ ٢٣٨ (٢٨٨) من طريق الأعمش عن إبراهيم عن (الأسود وهمام) كلاهما عن عائشة به. (٤)
إذن: وباختصار فقد اختلف فيه على النحو الآتي:
مرة عن إبراهيم عن الأسود وعلقمة.
ومرة عن إبراهيم عن الأسود وهمام.
ومرة عن إبراهيم عن الأسود وحده.
ومرة عن إبراهيم عن همام وحده.
أقول: اختلف في ذكر همام والأسود مقترنين، ومفترقين فقد رواه جماعة على كل وجه من الوجوه، وهذا من قبيل مختلف الحديث فلعل إبراهيم كان يحدث به على هذه الوجوه، وهو احتمال وارد.
والرواة قد تابع بعضهم بعضًا في كل وجه ولم ينفرد أحد بوجه من الوجوه.
أما رواية خالد بن مهران فإنه لم يتابع عليها بل خالف جمهرة الرواة عن أبى معشر
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٩/ ٣٠٢ (١٦٠٧٧).
(٢) مصدر سابق.
(٣) مصدر سابق.
(٤) انظر المسند الجامع ١٩/ ٣٠٤ (١٦٠٧٧).
[ ٣١٨ ]
فهي شاذة كما قاله نقاد الحديث.
ولعل تخريج الإمام مسلم لهذا الحديث هو أنه أراد أن ينبه على هذا الوهم، أما قول المدخلي في كتابه بين الإمامين: " ولعل ذلك مما غفل عنه مسلم أو فاته ". (١)
فأقول: ونسبة الوهم إلى مسلم وإن جازت شرعًا وعقلًا، إلا أنه ليس بالسهل أن نخطئهُ بهذه السرعة، وإنما أرى أنه نبه إلى خطأ الحديث إذ قال عقب حديث جماعة الرواة عن إبراهيم عن
همام: " كل هؤلاء عن إبراهيم عن همام عن عائشة في حت المني من ثوب رسول الله - ﷺ - نحو حديث خالد عن أبي معشر ".
مع العلم أنه أورد طريق هشام وابن أبي عروبة عن أبي معشر، ولو لم يكن طريق خالد عنده معلولًا لقال: نحو حديثهم أو حديثهما، أو لعله وقف على متابعات لرواية خالد هذه، والتي تجمعُ بين (علقمة والأسود) ولم نقف عليها، خاصة وقد اختلف على إبراهيم على الوجوه التي ذكرناها فانتقاها مسلم انتقاءًا والله أعلم.
١٢ - وأخرج في ٢/ ١٠٣٧ (١٤٢١) فقال: وحدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا سفيان عن زياد بن سعد عن عبد الله بن الفضل سمع نافع بن جبير يخبر عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر وإذنها سكوتها ".
وحدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان بهذا الإسناد: وقال: الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يستأذنها أبوها في نفسها وإذنها صماتها وربما قال وصمتها إقرارها".
قلت: دار الحديث على عبد الله بن الفضل بن ربيعة رواه عنه:-
- مالك: في الموطأ برواية الليثي (١٤٩٣)،ومن طريقه: الشافعي ١/ ١٧٢و ٢٢٠، وعبد الرزاق ٦/ ١٤٢ (١٠٢٨٢)، وأحمد ١/ ٢١٩ و٢٤١ و٣٤٥و ٣٦٢،والدارمي ٢/ ١٨٦ (٢١٨٨ و٢١٨٩)، ومسلم ٢/ ١٠٣٧ (١٤٢١)،وأبو داود (٢٠٩٨)،والترمذي (١١٠٨)، والنسائي ٦/ ٨٤ وفي الكبرى ٣/ ٢٨٠ (٥٣٧١)،وابن ماجة (١٨٧٠)، وأبو عوانة ٣/ ٧٦ (٤٢٤٩ و٤٢٥٠)، وابن حبان ٩/ ٣٩٥ (٤٠٨٤) و٩/ ٣٩٧ (٤٠٨٧)،والطبراني في الكبير ١٠ / (١٠٧٤٥). والبيهقي ٧/ ١١٥.
- وسفيان الثوري: أخرجه عبد الرزاق ٦/ ١٤٢ (١٠٢٨٢).
_________________
(١) بين الإمامين ص ٩٧.
[ ٣١٩ ]
-وصالح بن كيسان: أخرجه أحمد ١/ ٣٦١، والنسائي ٦/ ٨٥.
كلهم عن عبد الله بن الفضل دون زيادة:" أبوها " (١).
ورواه سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد الخراساني - ثقة ثبت - (٢) عن عبد الله بن الفضل به وزاد فيه "أبوها "، أخرجه أحمد ١/ ٢٦١، ومسلم ٢/ ١٠٣٧ (١٤٢١)، وأبو داود (٢٠٩٩)، وقال:"أبوها ليس بمحفوظ "، والبيهقي ٧/ ١١٥، من طرق عن سفيان به.
ورواه مثل رواية ابن الفضل، دون الزيادة: عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، أخرجه أحمد ١/ ٣٥٥ والدارمي ٢/ ١٨٦ (٢١٩٠) والطبراني في الكبير ١٠ / (١٠٧٤٧). وكذا رواه صالح بن كيسان أخرجه أحمد ١/ ٣٣٤، وأبو داود (٢١٠٠)، والنسائي ٦/ ٨٥.
قلت: فالزيادة "أبوها " معلولة وذلك لما يأتي:
١ - تفرد ابن عيينة بهذا الحديث عن زياد بن سعد الخراساني، فخالف فيه كل من رواه عن عبد الله بن الفضل.
٢ - إن سفيان لم يثبت على هذه الزيادة، فكان تارة يرويها، وأخرى يتركها؛ إذ رواها عنه: أحمد بن حنبل كما في مسنده ١/ ٣٥٥،ومن طريقه أبو داود (٢٠٩٩)، ومحمد بن منصور الخزاعي كما عند النسائي ٦/ ٨٥؛ومحمد بن يحيى، ابن أبي عمر العدني، وهو صدوق (٣) كما عند مسلم ٢/ ١٠٣٧ (١٤٢١).
وقد تركها الحميدي - وهو من أثبت الناس في سفيان، وأكثرهم ملازمة له، كما في مسنده ١/ ٢٣٩ (٥١٧)؛ وقتيبة بن سعيد، كما عند مسلم ٢/ ١٠٣٧ (١٤٢١).
وهذا كله يدلل على عدم ثبوته عليها.
٣ - إن الإمام مسلمًا لم يخرجها أصلًا في الباب، وإنما أوردها في المتابعات فلعله أراد أن ينبه على خطئها كما وعد في مقدمته، والذي يرجح هذا أنه أورده من طريق قتيبة عنه دونها، ثم أتبعها برواية ابن أبي عمر.
_________________
(١) انظر المسند الجامع ٩/ ١٦٧ (٦٤٥٠).
(٢) التقريب (٢٠٨٠).
(٣) التقريب (٦٣٩١)، وقال صاحبا التحرير ٣/ ٣٣٣: "بل ثقة .. ".
[ ٣٢٠ ]
فهذه الزيادة "غير محفوظة "، كما نص عليه أبو داود، وهو الذي يفهم من صنيع الإمام مسلم، بعد أن بيناه مفصلًا في أول الكلام.
وهكذا نخلص أن الأمام مسلمًا لم يورد تلك الزيادات في أصول الأبواب، بل في المتابعات والشواهد، وهو مما أعله المتقدمون والنقاد من المتأخرين، وهذا لا يعني قبولها، ولو سلم لنا مثال أو مثالين - جدلًا - فإنها لا تصمد أمام الجم الغفير مما تركه، أو أعله من جهة، ومن جهة أخرى أقول: لا يحسن بنا أن نقيس ذلك على صنيع الإمام مسلم من خلال المرويات التي بين أيدينا، إذ إنّ الإمام مسلمًا قد أنتقى أحاديثه من مئات الألوف من الطرق التي وصلنا بعضها، وفاتنا جمع كبير، وبما أننا لا نعرف الأسس التي انتقى على أساسها الإمام مسلم أحاديثه فمن الصعوبة بمكان إطلاق القول أن الإمام مسلمًا ساق هذا الحديث في صحيحه لأنه من باب زيادة
الثقة بمفهومنا اليوم، اللهم إلا إذا اتفق المتقدمون أن هذا الحديث مما تفرد به هذا الراوي، إذ إطلاق القول بأنه خالف صنيع الأئمة المتقدمين مجانبة للصواب، والله أعلم.
ثم أنّه من المحرر أصلًا: أنّ الثقة قد يخطئ، وهذا من فطرة الإنسان التي فطره الله تعالى عليها، وقد صرح بعض الأئمة النقاد كالإمام الدارقطني وغيره أن الإمام مسلمًا أخطأ هنا أو هناك، وهذا كله لا يخرجه من دائرة الضبط والإتقان، لكثرة الصواب.
المبحث الرابع: عند الإمام أبي داود:
أبو داود إمام من الأئمة المبرزين في علم الحديث - من المتقدمين - ويعد واحدًا من الذين أرسوا لنا قواعد الحديث وعلله، وقد اخترناه هنا مع الأئمة البخاري ومسلم والترمذي والنسائي كنماذج من المتقدمين وذلك لعدة أسباب كما قدمناه سلفًا
ومن خلال استقراء سنن أبي داود، وجدت أنَّ أبا داود يسلك منهج أقرانه وشيوخه في قبول زيادة الثقة أو ردها فهو يقبل زيادة الثقة على وفق منهج المتقدمين وفهمهم لها - كما بيّناها سلفًا -.
أمّا على وفق فهم المتأخرين وعلماء المصطلح لها وهي أنها تفرد الثقة بزيادة على أقرانه في الشيخ نفسه - متنًا أو سندًا - فإنني لم أقف له على مثال واحد يصرح به أبو داود أنه يقبلها أو يصحّحها. أمّا سكوته عنها فهو كما قدمنا لا يعني قبوله لها، لأنه لم يشترط في كل حديث
[ ٣٢١ ]
يورده الصحة.
وقد سبقني إلى هذا الدكتور محمد سعيد حوى في بحثه (مقولات أبي داود النقدية في كتاب السنن)، ولم يذكر لنا الشيخ هناك منهج أبي داود في قبول الزيادة أو ردها، وإنما اكتفى بذكر الأمثلة التي ساقها مناقشًا أبا داود فيها. والأمثلة التي ذكرها كانت تدلل بوضوح على أن أبا داود لم يكن يقبل الزيادة بمفهوم - المتأخرين - فمثلًا ذكر في بحث زيادة الثقة أقسام الزيادة التي ذكرها أبو داود في سننه، وهي:
أولًا: ما رجح أبو داود أنها غير محفوظة وهي كذلك، وساق الأمثلة.
ثانيًا: ما رجح أبو داود أنها غير محفوظة والراجح خلاف ذلك، وساق الأمثلة.
وهذا المنهج لا يسلم للباحث وإنما الصواب أن نحاكمه إلى منهجيته في القبول أو في الرد، ولا نحاكمه على قواعد غيره.
ثالثًا: زيادات لم يصرح برأيه فيها والراجح أنها غير محفوظة.
رابعًا: ما سكت عن بيان رأيه فيها والراجح أنها محفوظة (١).ولم يذكر في هذا مثلًا نستهدي به على رجحان حفظها.
ومِنْ ثَمَّ، فإنني لم أقف على مثال واحد - بعد البحث والتحري- ينطبق عليه مفهوم الزيادة عند المتأخرين.
بل الذي توصلت إليه استقراءًا أنَّ أبا داود لا يقبل الزيادة - موضوع البحث - بل يعد ذلك إعلالًا للحديث، وفيما يأتي بعض أمثلة ذلك:
١ - قال أبو داود (٢٨١):حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا جرير عن سهيل يعني بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة بن الزبير قال: حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش أنها أمرت أسماء، أو أسماء حدثتني أنها أمرتها فاطمة بنت أبي حبيش أن تسأل رسول الله - ﷺ -:"فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد ثم تغتسل ".
قال أبو داود: ورواه قتادة عن عروة بن الزبير عن زينب بنت أم سلمة أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت فأمرها النبي - ﷺ - أن تدع الصلاة أيام إقرائها ثم تغتسل وتصلي.
_________________
(١) مقولات أبي داود ص٣٧٥، وقد استفاد من الأمثلة الشيخ سعيد عزاوي في رسالته " زيادة الراوي " فسار على منهجه حذو القذة بالقذة؟.
[ ٣٢٢ ]
قال أبو داود: لم يسمع قتادة من عروة شيئًا.
وزاد ابن عيينة في حديث الزهري عن عمرة عن عائشة أن أم حبيبة كانت تستحاض فسألت النبي - ﷺ -:"فأمرها أن تدع الصلاة أيام إقرائها ". قال أبو داود: وهذا وهم من ابن عيينة ليس هذا في حديث الحفاظ عن الزهري، إلا ما ذكر سهيل ابن أبي صالح، وقد روى الحميدي هذا الحديث عن ابن عيينة لم يذكر فيه " تدع الصلاة أيام إقرائها ".
أقول: دار الحديث على الزهري رواه عنه:
- الليث بن سعد: أخرجه أحمد ٦/ ٨٢.
- وابن أبي ذئب: أخرجه أحمد ٦/ ١٤١ والبخاري (٣٢٧) وأبو داود (٢٩١).
- والأوزاعي: أخرجه الدارمي (٧٧٤)،وابن ماجه (٦٢٦)، والنسائي ١/ ١١٧و١/ ١١٩،وفي الكبرى (٢٠٧).
- وعمرو بن الحارث: أخرجه مسلم ١/ ٢٦٣ (٣٣٤)،وأبو داود (٢٨٥و٢٨٨)،والنسائي في الكبرى (٢٠٩).
- وحفص بن غيلان: أخرجه النسائي في الكبرى (٢٠٨).
- والنعمان بن راشد، والأوزاعي، وحفص بن غياث - جميعًا -: أخرجه النسائي ١/ ١١٧و١١٨و١١٩.
- وإبراهيم بن سعد: أخرجه أحمد ٦/ ١٨٧، والدارمي ١/ ٢٢١ (٧٨٢)، ومسلم ١/ ٢٦٤ (٣٣٤)، وأبو عوانة ١/ ٢٦٧ (٩٣٠)، وأبو يعلى ٧/ ٣٨١ (٤٤١٠) وابن حبان ٤/ ١٨٤ (١٣٥١)، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٩٩.
- ومعمر بن راشد: أخرجه مسلم ذكر ذلك المزي في التحفة (١٧٩٢٢) ولم أقف عليه في المطبوع من الصحيح.
كلهم عن الزهري بلفظ متقارب (١).
ورواه سفيان بن عيينة فزاد في الحديث"تدع الصلاة أيام أقرائها".أخرجه النسائي ١/ ١٢١ و١/ ١٨٣، وفي الكبرى ١/ ١١١ (٢١٥)، وذكره أبو داود (٢٨١ و٢٨٥) تعليقًا.
وجاء مرة عن سفيان دون الزيادة أخرجه الحميدي ١/ ٨٧ (١٦٠)، ومسلم ١/ ٢٦٤
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٩/ ٣٣٧ (١٦١٢٤).
[ ٣٢٣ ]
(٣٣٤) (١).
أقول: فلو قال أبو داود بالزيادة من الثقة لأوردها هنا ولم يعلّها ويوهم سفيان بن عيينة بها على حفظه وإتقانه؟
وكذا الإمام مسلم إذ أوردها في صحيحه عن سفيان نفسه دون الزيادة؟ فتأمل!
٢ - وأخرج في (١٦١٨) فقال: حدثنا حامد بن يحيى قال: أخبرنا سفيان (ح) وحدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن ابن عجلان أنه سمع عياضًا قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: " لا أخرج أبدًا إلاّ صاعًا، إنا كنا نخرج على عهد رسول الله - ﷺ - صاع تمر أو شعير أو أقط أو زبيب " هذا حديث يحيى، زاد سفيان: أو صاعًا من دقيق. قال حامد: فأنكروا عليه فتركه سفيان.
قال أبو داود: فهذه الزيادة وهم من ابن عيينة.
أقول: مدار الحديث على ابن عجلان رواه عنه:
- حاتم بن إسماعيل: أخرجه مسلم ٢/ ٦٧٩ (٩٨٥).
-ويحيى بن سعيد القطان: أخرجه أبو داود (١٦١٨)،والبيهقي ٤/ ١٧٢.
-وحماد بن مسعدة: أخرجه ابن خزيمة ٤/ ٨٧ (٢٤١٣).
كلهم عن ابن عجلان بلفظ مُتقارب (٢).
ورواه سفيان بن عيينة عن ابن عجلان فزاد في متنه " أو صاعًا من دقيق ". أخرجه أبو داود (١٦١٨)، والنسائي ٥/ ٥٢،وفي الكبرى ٢/ ٢٨ (٢٢٩٣)، وابن خزيمة ٤/ ٨٨ (٢٤١٤)، والدارقطني ٢/ ١٤٦، والبيهقي ٤/ ١٧٢ من طرق عن سفيان به (٣).
وذكر أبو داود أن سفيان لما ذكر له استنكار الناس لزيادته تركها، وفي هذا إشارة مهمة وهي أن الناس وأعني الحفّاظ المتقدمين يستنكرون تفرد الراوي بزيادة ينفرد بها عن بقية الرواة وإن كانت من مثل سفيان! وأن سفيان تركها لأنه علم أنه لم يتابع عليها فخشي الوهم وإلاّ فلماذا تركها؟
_________________
(١) مصدر سابق.
(٢) انظر المسند الجامع ٦/ ٢٩١ (٤٣٥٢).
(٣) انظر المسند الجامع ٦/ ٢٩١ (٤٣٥٢).
[ ٣٢٤ ]
وقد أخرجه عن سفيان - بدونها - الحميدي ٢/ ٣٢٧ (٧٤٢). (١)
وأقول: لو كان أبو داود يقول بالزيادة لِما وَهَّم سفيان بن عيينة في زيادته.
٣ - وأخرج (١٦١٢) فقال: حدثنا يحيى بن محمد بن السكن، قال: حدثنا محمد بن جهضم قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمر بن نافع، عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال:"فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر صاعًا، فذكر بمعنى مالك (٢) زاد: والصغير والكبير، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، قال أبو داود: رواه عبد الله العمري عن نافع بإسناده، قال: على كل مسلم، ورواه سعيد الجمحي عن عبيد الله عن نافع قال فيه: من المسلمين، والمشهور عن عبيد الله ليس فيه (من المسلمين) ".
أقول: حديث عبد الله بن عمر العمري الذي أشار إليه أبو داود أختُلفَ فيه، فروي عنه وفيه "من المسلمين"،وروي عنه من غيرها، فممن رواه من غيرها:
١ - يحيى بن سعيد القطان: أخرجه البخاري (١٥١٢)،وأبو داود (١٦١٣) وأحمد ٢/ ٥٥ وابن خزيمة ٤/ ٨٤ (٢٤٠٣).
٢ - وعبد الله بن نمير وحماد بن سلمة: أخرجه مسلم ٢/ ٦٧٧ (٩٨٤)
٣ - ومحمد بن عبيد: أخرجه أحمد ٢/ ١٠٢
٤ - وبشر بن المفضل وأبان بن يزيد: أخرجه أبو داود (١٦١٣)
٥ - وعيسى بن يونس: أخرجه النسائي ٥/ ٤٩ وفي الكبرى ٥/ ٢٥ (٢٢٨٤).
٦ - وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، والمعتمر بن سليمان: أخرجه ابن خزيمة٤/ ٨٤ (٢٤٠٣)
٧ - وسفيان الثوري: أخرجه الدارمي١/ ٤٨١ (١٦٦٢)،وابن خزيمة ٤/ ٨٦ (٢٤٠٩) (٣).
وخالفهم سعيد بن عبد الرحمن الجمحي - وهو صدوق (٤) -
فزاد فيها (من المسلمين) أخرجه أحمد ٢/ ٦٦ و٢/ ١٣٧، وأبو داود (١٦١٢).
_________________
(١) الحميدي تلميذه النجيب، الذي لازمه اثني عشر عامًا، ولو كانت محفوظة لما غفل عنها.
(٢) أي حديث مالك انظره ص ١٨٣ من هذا البحث.
(٣) انظر المسند الجامع ١٠/ ٢٤٦ (٧٤٨٨).
(٤) قال ابن حجر: (صدوق له أوهام) التقريب (٢٣٥٠) ولعل الوهم من هذا الحديث وإضرابه.
[ ٣٢٥ ]
أقول: ردّ أبو داود زيادة سعيد مع كونها من صدوق ولها شواهد صحيحة؟!
٤ - أخرج في (٢٠٩٣) فقال: حدثنا أبو كامل قال: حدثنا يزيد يعني ابن زريع (ح)، وحدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد المَعْني قال: حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:"تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز عليها "والإخبار في حديث يزيد قال أبو داود: وكذلك رواه أبو خالد سليمان بن حيان ومعاذ بن معاذ عن محمد بن عمرو ".
وقال أبو داود في (٢٠٩٤):حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا ابن إدريس عن محمد بن عمرو بهذا الحديث بإسناده، زاد فيه:" قال فإن بكت أو سكتت زاد: "بكت". قال أبو داود: وليس "بكت"بمحفوظ وهو وهم في الحديث، الوهم من ابن إدريس أو من محمد بن العلاء. قال أبو داود: ورواه أبو عمر وذكوان عن عائشة قالت:"يا رسول الله إن البكر تستحي أن تتكلم قال: سكاتها إقرارها".
أقول: مدار الحديث على محمد بن عمرو بن علقمة رواه عنه:
- يزيد بن زريع: أخرجه أبو داود (٢٠٩٣)، والبيهقي ٧/ ١٢٢.
- وحماد بن سلمة: أخرجه أحمد ٢/ ٣٨٤،وأبو داود (٢٠٩٣)،والبيهقي ٧/ ١٢٢.
-وعبد الواحد بن واصل الحداد: أخرجه أحمد ٢/ ٢٥٩.
-ويحيى بن سعيد القطان: أخرجه النسائي ٦/ ٨٧،وفي الكبرى ٣/ ٢٨٢ (٥٣٧٨).
-وسفيان الثوري: أخرجه أبو يعلى ١٠/ ٤١٢ (٦٠١٩).
-وعبد العزيز بن محمد الدراوردي: أخرجه الترمذي (١١٠٩).
-وزائدة بن قدامة: أخرجه ابن حبان ٩/ ٣٩٢ (٤٠٧٩).
كلهم رووه عن محمد بن عمرو بن علقمة بلفظ متقارب (١).
ورواه محمد بن العلاء بن كريب عن عبد الله بن إدريس الأودي عن محمد بن عمرو به، فزاد في متنه (بكت)، أخرجه أبو داود (٢٠٩٤)، والبيهقي ٧/ ١٢٢.
وقد عدّه أبو داود وهمًا وردد الوهم بين محمد بن العلاء (٢)، وبين عبد الله
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٧/ ٢١٨ (١٣٥٣٠).
(٢) التقريب (٦٢٠٤).
[ ٣٢٦ ]
بن إدريس (١) وهما ثقتان؟ فلو كانت الزيادة مقبولة عنده لما عدل عنها؟ بل ووَهَّم صاحبها!
٥ - أخرج في (٩٧٢) فقال: حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا أبو عوانة عن قتادة (ح) وحدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا هشام عن قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال:"صلى بنا أبو موسى الأشعري فلما جلس في آخر صلاته قال رجل من القوم: أقرت الصلاة بالبر والزكاة فلما انفتل أبو موسى أقبل على القوم فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟،قال: فأرم القوم، فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأرم القوم، قال: فلعلك يا حطان أنت قلتها؟،قال: ما قلتها، ولقد رهبت أن تبكعني بها، قال: فقال رجلٌ من القوم: أنا قلتها، وما أردت بها إلا الخير، فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم، إن رسول الله - ﷺ - خطبنا فعلمنا وبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا فقال:"إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ"غير المغضوب عليهم ولا الضالين"فقولوا: آمين يحبكم الله، وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم، قال رسول الله - ﷺ -:" فتلك بتلك"وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم، فإنَّ الله تعالى قال على لسان نبيه - ﷺ -:"سمع الله لمن حمده"وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم، قال رسول الله - ﷺ -:" فتلك بتلك"فإذا كان عنده القعدة فليكن من أول قول أحدكم أن يقول التحيات الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ".
لم يقل أحمد: وبركاته، ولا قال: وأشهد، قال: وأن محمدًا. حدثنا عاصم بن النضر قال: حدثنا المعتمر قال سمعت أبي يقول: حدثنا قتادة عن أبي غلاب يحدثه عن حطان بن عبد الله الرقاشي بهذا الحديث زاد:"فإذا قرأ فأنصتوا وقال في التشهد بعد أشهد أن لا إله إلا الله زاد وحده لا شريك له".
قال أبو داود: وقوله فأنصتوا ليس بمحفوظ لم يجئ به إلا سليمان التيمي في هذا الحديث " (٢).
أقول: هكذا ردَّ أبو داود زيادة سليمان بن جرير وهو ثقة وعدها غير محفوظة.
_________________
(١) التقريب (٣٢٠٧).
(٢) تقدم تخريجه والكلام عليه ص ٢٧٠.
[ ٣٢٧ ]
ولو قال بالزيادة لما أعلّها، وأمّا عن تخريج الإمام مسلم لها فقد أجبنا عنه (١).
٦ - وأخرج في (٣٥٢٠) فقال: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله - ﷺ - قال:" أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء ".
وفي (٣٥٢١) قال: حدثنا سليمان بن داود قال: حدثنا عبد الله يعني ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله - ﷺ - فذكر معنى حديث مالك زاد:"وإن قضى من ثمنها شيئًا فهو أسوة الغرماء فيها".
وقال في (٣٥٢٢): حدثنا محمد بن عوف الطائي قال: حدثنا عبد الله بن عبد الجبار يعني الخبائري، حدثنا إسماعيل يعني ابن عياش، عن الزبيدي، قال أبو داود: وهو محمد بن الوليد أبو الهذيل الحِمْصي عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - نحوه:"قال فإن كان قضاه من ثمنها شيئًا فما بقي فهو أسوة الغرماء وأيما امرئ هلك وعنده متاع امرئ بعينه اقتضى منه شيئا أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء". قال أبو داود:" حديث مالك أصح ".
أقول: مدار الحديث على الزهري رواه عنه:
- مالك بن أنس: أخرجه مالك في الموطأ (١٩٧٩) وأبو داود (٣٥٢٠).
- يونس بن يزيد: أخرجه أبو داود (٣٥٢١)،وفي المراسيل ص١٦٣ برقم (١٧٣).
كلاهما (مالك ويونس) عن الزهري به مرسلًا.
ورواه الزبيدي عن الزهري متصلًا بذكر أبي هريرة
أخرجه أبو داود (٣٥٢٢)، وابن الجارود في المنتقى ص١٦٠ برقم (٦٣٢)، والدارقطني في السنن ٣/ ٣٠، والبيهقي ٦/ ٤٧.
وقد أعلَّ أبو داود المتصل بالمرسل رغم أنَّ الزبيدي ثقة (٢).
فلو قال بقبول الزيادة لقبلها هنا؟ وكذا الحال مع مالك إذ أوردها مرسلة في الموطأ؟
_________________
(١) انظر ص ٢٧٣.
(٢) التقريب (٦٣٧٢).
[ ٣٢٨ ]
وقد جاء طريق آخر متابع للزبيدي وهو من رواية إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن الزهري،
أخرجه ابن ماجه (٢٣٥٩)، وابن الجارود ص١٦٠ برقم (٦٣١ و٦٣٣)،والبيهقي ٦/ ٤٧،والدارقطني ٣/ ٣٠،وهو الصواب (١).
وهذا طريق ضعيف لأن إسماعيل (حمصي) رواه عن موسى وهو (مدني)، وإسماعيل يخلط في روايته عن غير أهل بلده (٢).
وقد رجح المرسل أبو حاتم في العلل ١/ ٣٨٣ (١١٤٣)، وابن الجارود ص١٦٠، والبيهقي ٦/ ٤٧، والدارقطني ٣/ ٣٠.
٧ - حديث (٢٦١١): قال: حدثنا زهير بن حرب أبو خثيمة قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي قال: سمعت يونس عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: (خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يُغلب اثنا عشر ألفًا من قلة)،قال أبو داود: والصحيح أنه مرسل.
أقول: مدار الحديث على الزهري رواه عنه:
معمر بن راشد: أخرجه عبد الرزاق ٥/ ٣٠٦ (٩٦٩٩).
عقيل بن خالد الأيلي: أخرجه سعيد بن منصور (٢٣٨٧)،وأبو داود في المراسيل (٣١٣).
كلاهما عن الزهري به مرسلًا.
ورواه جرير بن حازم - وهو ثقة (٣) - عن الزهري -موصولًا (٤) -
أخرجه أحمد ١/ ٢٩٤ و٢٩٩،وعبد بن حميد ١/ ٢١٨ (٦٥٢)،وأبو داود (٢٦١١)،والترمذي (١٥٥٥)،وابن خزيمة (٢٥٣٨)،وأبو يعلى ٤/ ٤٥٩ (٢٥٨٧)،وابن حبان ١١/ ١٧
_________________
(١) وانظر كلام الدكتور بشار عواد عليه في تعليقه على الموطأ ٢/ ٢١٠ (١٩٧٩) برواية الليثي.
(٢) قال ابن حجر في التقريب (٤٧٣): " صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم ". أقول: فلعل هذا من تخاليطه إنما رواه على الصواب في الرواية الأولى عن الزبيدي فكلاهما حمصي، والله أعلم.
(٣) التقريب (٩١١) وانظر التحرير ١/ ٢١٢.
(٤) انظر المسند الجامع ٩/ ٤٧٩ (٦٩١١).
[ ٣٢٩ ]
(٤٧١٧)،والحاكم ١/ ٤٤٣ و٢/ ١٠١،والبيهقي ٩/ ١٥٦.
أقول: وقد رجح أبو داود المرسل مع كون الذي وصله ثقة؟
ولا عبرة بمن صححه من المتأخرين (١).
وللمزيد انظر السنن: (١٥ و٣٣٨ و٧٨٧ و٣٣٠ و٤٦٢ و٤٦٣ و٥٣٢ و٥٣٣ و١٠٩١ و١١٥٥و ١٢١٤و ١٦٢٤ و١٨٩٧ و٢٠٩٦ و٢٠٩٧ و٢٢١٨ و٢٢٢٩ و٣٥٢٠ و٣٥٢١ و٣٥٢٢ و٣٨١٥ و٣٩٤٩ و٣٩٥٠ و٤٠٠٠ و٤٥٧٩ و٤٨٤٠و ٥١٨٥).
المبحث الخامس: عند الإمام الترمذي:
ينسب الكثير من المتأخرين إلى الإمام الترمذي القول بأنه يقبل زيادة الثقة إذا كانت من حافظ ضابط، وعمدتهم في ذلك كلامه في علله الصغير آخر الجامع، الذي بين فيه منهجيته في إيراد الأحاديث في الجامع، وقد ناقشنا هذا القول فيما سلف (٢).
إن دراسة صنيع الترمذي في الجامع الكبير، وطريقته في سياقة الأحاديث، وأقواله في إعلال بعض الأحاديث تبين بكل وضوح أن مفهومه لزيادة الثقة هو المفهوم نفسه الذي بيناه عند كلامنا على مفهوم زيادة الثقة عند المتقدمين عمومًا، وليس كما يتصوره البعض أنه زيادة ثقة واحد على مجموعة ثقات من أقرانه، فهو يرد كثيرًا من الأحاديث، لأن راويها قد تفرد بها عن أقرانه فزاد
أمّا أن ننسب إلى الترمذي كونه يقبل الزيادة مطلقًا من خلال فهم غير دقيق لكلامه في العلل وننسى صنيعه في الجامع، أو العلل الكبير فهذا قصور في البحث.
ولم أقف على مثال واحدٍ صرح الترمذي بقبول الزيادة بالمفهوم الذي نحن بصدده، وحكم عليها بالصحة؟ وإنما أقصى ما حكم به على الزيادة هو قوله: (حسن) أو (حسن غريب) أو (غريب)، وهي أحكام تدل على أنه معلول عنده، وهو أمر يقتضي منا دراسة مفهوم الحديث الحسن عنده.
المطلب الأول: مصطلح (حسن) عند الترمذي:
اختلف العلماء من أهل المصطلح من المتأخرين في مفهوم الحسن عند المتقدمين
_________________
(١) انظر تعليق الدكتور بشار عواد على الترمذي (١٥٥٥).
(٢) انظر ص٢٠٤.
[ ٣٣٠ ]
من المحدّثين، وطولوا فيه وقصروا، وناقشوا فأسهبوا، ولسنا في مجال مناقشة هذه الآراء، لكن يهمنا هنا أن نفهم مفهوم الحسن عند الترمذي في جامعه لأهمية ذلك في بحثنا، وعلينا أن نشير بادئ ذي بدئ
أن لفظة (حسن) استعملت من قبل علماء الحديث وعرفت قديمًا، فممّن استعملها: الإمام الشافعي، وعلي بن المديني، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، والترمذي، وغيرهم (١).
وقد استعملوها على المعنى اللغوي، لا الاصطلاحي، فقد أطلقوا على الصحيح حسنًا، وعلى كل حديث مقبول غير مردود حسنًا، ومرادهم: الحسن الذي يقابله المنكر، أو الباطل، أو الموضوع (٢).
يقول الذهبي رحمه الله تعالى:"ويلزم على ذلك أن يكون كل صحيح حسن وعليه عبارات المتقدمين فإنهم قد يقولون فيما صح: هذا حديث حسن (٣) ".
ويقول الحافظ ابن حجر: " وقد وجد التعبير بالحسن في كلام من هو أقدم من الشافعي، لكن منهم من يريد بإطلاق ذلك المعنى الاصطلاحي، ومنهم من لا يريده.
فأما ما وجد من ذلك في عبارة الشافعي ومن قبله بل وفي عبارة أحمد بن حنبل فلم يتبين لي منهم إرادة المعنى الاصطلاحي، بل ظاهر عبارتهم خلاف ذلك، فإن حكم الشافعي على حديث ابن عمر في استقبال بيت المقدس بكونه حسنًا خلاف الاصطلاح (٤)، بل هو صحيح متفق على صحته وأما أحمد فإنه سُئل فيما حكاه الخلال عن أحاديث نقض الوضوء بمس الذكر فقال: " أصح ما فيها حديث أم حبيبة ".وسُئل عن حديث بسرة فقال صحيح، قال الخلال: إن أحمد بن أصرم سأل أحمد عن حديث أم حبيبة في مس الذكر فقال: هو حديث حسن. فظاهر هذا أنه لم يقصد المعنى الاصطلاحي لأن الحسن لا يكون أصح من الصحيح" (٥).
أما عند الإمام الترمذي - وهو الذي يهمنا هنا - فإنه عرفه في علله آخر الجامع
_________________
(١) انظر مقدمة ابن صلاح ص٣٦، وشرح علل الترمذي، ابن رجب ٢/ ٥٧٤، والنكت، ابن حجر ١/ ٤٢٤ - ٤٢٩ ومصطلح حسن غريب، أسامة النمر ص١.
(٢) مصدر سابق.
(٣) الموقظة ص٣٢.
(٤) يريد عند المتأخرين.
(٥) النكت على ابن الصلاح ١/ ٤٢٤ - ٤٢٦، وانظر نظرات جديدة، المليباري ص٢٢.
[ ٣٣١ ]
فقال: " وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن فإنما أردنا به حُسْنَ إسناده عندنا: كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يهتم بالكذب ولا يكون الحديث شاذًا، ويروى من غير وجه نحو ذاك فهو عندنا حديث حسن" (١).
فوضع شروطًا ثلاثة للحسن عنده (٢):-
١ - براءة السند من الكذابين.
٢ - انتفاء الشذوذ - يعني المخالفة -.
٣ - عدم تفرد الراوي به - دون الصحابي -.
فالإمام الترمذي عرف الحسن في جامعه وأراد به معنى اصطلاحيًا؛ أراد به درجة معينة من الحديث، وهو غير الصحيح بلا شك، وهو واضح من تعريفه الذي مر.
قال الإمام الذهبي معقبًا على تعريف الترمذي للحسن: "وتحسين الترمذي لا يكفي في الاحتجاج بالحديث " (٣).
وقال الحافظ ابن حجر في ذلك:"إنَّ الترمذي لم يعرف الصحيح ولا الضعيف ولا الحسن المتفق على كونه حسنًا -يعني عند المتقدمين كالشافعي والبخاري وأحمد - بل عرف حديث المستور، ومن يشترك معه بسبب ضعفه أو اختلاطه أو تدليسه أو ما في
_________________
(١) علل الترمذي - الصغير - آخر الجامع ٥/ ٧٥٨.
(٢) يمكن بيان ذلك بما يلي:- أ - إن الحديث الصحيح يشترط فيه العدالة والضبط، وإن اشتراط الترمذي في حد الحسن أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب: يعني أنه أراد الراوي غير الثقة وإلاّ لَمَا عَدَل عن قوله " ثقة " وهي كلمة واحدة إلى قوله"غير متهم بالكذب"إلاّ لإرادة قصور روايته عن وصف"ثقة ". انظر الخلاصة، الطيبي ص٤٣،والنكت على ابن الصلاح، ابن حجر ١/ ٤٧٦، ومصطلح حسن غريب، أسامة نمر ص٧. ب- إن من شروط الحديث المقبول أنْ يكون متصلًا سندًا وهذا يعني أن راوي الصحيح وراوي الحسن لذاته غير داخلين في تعريفه. انظر النكت على ابن الصلاح ١/ ٣٨٨. ج - إن الحديث المقبول هو الحديث الذي يقوم بذاته، فاشتراطه العدد وأن يأتي من غير وجه، كما في حديث الحسن، يخرجان الصحيح والحسن لذاته. انظر تدريب الراوي، السيوطي ١/ ١٢٤، وتوضيح الأفكار، الصنعاني١/ ١٥٧، وانظر مصطلح حسن غريب، أسامة النمر ص٨.
(٣) تاريخ الإسلام الطبقة ٥ / ترجمة ١٥.وهي ترجمة سيدنا الحسن بن علي - ﵁ -.
[ ٣٣٢ ]
سنده انقطاع خفيف فكل ذلك من قبيل الحسن بالشروط الثلاثة" (١).
ومما مر نفهم أن الحسن عند الإمام الترمذي ليس من جنس الصحيح (٢)،وقد دراسنا باسهاب مفهوم الحديث الحسن عند الترمذي، في بحث منفرد، واستوعبنا فيه جميع الأحاديث التي
اقتصر الترمذي على تحسينها في الجامع وتوصل إلى أن هذا التعبير إنما يستعمله الترمذي للحديث المعلول عنده (٣).
والذي أريد أن أتسائل عنه: هو لماذا عرف الإمام الترمذي الحسن والغريب فحسب؟ وقد استعمل مصطلحات أخرى كثيرة؟!.
ولو كان المراد - عنده - من الحسن هو ما أراده البخاري وغيره فلماذا لم يطلقه في جامعه دون أنْ يصرح بحده؟ كما فعل في العلل الكبير.
والجواب: هو أن الإمام الترمذي حينما قال:"وما ذكرناه في هذا الكتاب حديث حسن فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا: كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب "فإنه أراد أن مصطلح " حسن " المستعمل في هذا الجامع مصطلح خاص به، يخالف المعنى الشائع في زمانه، ولو كان المعنى الذي عرف به شائعًا عندهم لمَا احتاج إلى هذا البيان، ولهذا ترك تعريف الحديث الصحيح، لذا فإنه قال " وما ذكرناه في هذا الكتاب "، " عندنا ": ثم عرفه.
_________________
(١) النكت ١/ ٣٨٧ بتصرف يسير.
(٢) وقد اختلف علماء المصطلح في قيد الحسن عند الترمذي هل يخرج الثقة والصدوق أو لا؟ وكانوا على فريقين: الأول: يعتبر تعريف الترمذي قد أخرج بقيده " شروطه " الثقة، والصدوق. وإليه ذهب: ابن الصلاح، والطيبي، وابن حجر والسخاوي، والصنعاني، وغيرهم. انظر مقدمة علوم الحديث ص٣١، الخلاصة ص٤٣، والنكت على ابن الصلاح ١/ ٣٨٧ و٤٧٦ فتح المغيث ١/ ٧٥ وتوضيح الأفكار ١/ ١٦٨ والموازنة، نور الدين عتر ص١٥٦. والثاني: ذهب إلى كون الحسن عند الترمذي يشمل الثقة، والصدوق، والمستور وإليه ذهب: أبو عبد الله محمد بن يحيى، ابن المواق، وابن الدقيق العيد، وابن جماعة، وابن رجب، وأبو الفضل العراقي، واللكنوي، والمباركفوري، وغيرهم. انظر النفح الشذي، ابن سيد الناس ١/ ٢٩٠،والاقتراح ص١٠،والمنهل الروي ص٣٦،وشرح علل الترمذي ٢/ ٦٠٦،والتبصرة، العراقي ١/ ١١٠، ومصطلح حسن غريب، أسامة النمر ص٩.
(٣) البحث تحت الطبع نسأل الله أن ييسر لنا إخراجه، وهو بعنوان "الحديث الحسن عند الترمذي دراسة تطبيقية".
[ ٣٣٣ ]
وهكذا فإن استعمال الترمذي لمصطلح"حسن"في الجامع يختلف عما يستعمله ويطلقه في علله الكبير، لأنه في العلل ينقل عن الأئمة وخاصة البخاري شيخه العبقري الذي أكثر من إطلاقه:"حسن" بالمعنى الذي شاع عندهم ومراده الحديث الصحيح (١).
وهكذا نخلص إلى أن إطلاق مصطلح"حسن"عند الإمام الترمذي في علله الكبير يختلف عما هو في جامعه، ففي العلل استعمله "على المعنى اللغوي " أي على ما هو معروف عند العلماء، وأما في جامعه فإنه خصه لنفسه، فهو يطلقه ويريد به الحديث
_________________
(١) فتأمل هذه الأحاديث في كتابه العلل الكبير:-
(٢) قال الترمذي في العلل (١٤٣): حدثنا قتيبة قال: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه قال:" سمعت النبي - ﷺ - يقرأ على المنبر: ونادوا يا مالك "سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هوحديث حسن وهو حديث ابن عيينة الذي ينفرد به ". فأطلق البخاري مصطلح "حسن " على حديث متفق عليه، أخرجه في صحيحه (٣٢٣٠ و٣٢٦٦ و٤٨١٩)، والإمام مسلم أيضًا ٢/ ٥٩٤ (٨٧١).
(٣) وقال في ص ٩٨ (١٦٥):قال أبو عيسى: سألت محمدًا: قلت: أي الروايات في صلاة الخوف أصح؟ فقال: كل الروايات عندي " صحيح"وكل يستعمل، وإنما هو على قدر الخوف إلا حديث مجاهد عن أبي عياش الزرقي فإني أراه مرسلًا. -ثم قال - (١٦٦):وحديث سهل بن أبي حثمة هو حديث حسن وهو مرفوع رفعه شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم. (١٦٧) وحديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة حسن. (١٦٨) وحديث عروة بن الزبير عن أبي هريرة حسن ". قلت: سوّى الإمام البخاري بين الصحيح والحسن وبيّن منهجيتهم في مفهوم الصحيح، فقال:"وكل يستعمل "،فالذي يصلح للعمل يسمونه صحيحًا، بخلاف منهجية المتأخرين، فحديث سهل بن أبي خيثمة صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (٤١٣١)، ومسلم (٨٤١)، والترمذي في الجامع (٥٦٥)، وقال:"حسن صحيح".، وقال الترمذي في حديث عبد الله بن شقيق (٣٠٣٥): "حسن صحيح غريب من عبد الله بن شقيق "،وقد بينا سلفًا أن الترمذي أراد أن يميز بين الحسن الذي يستعمله الناس، والحسن الذي عرفه في جامعه وأستعمله فيه، فقرنه بالصحيح، والغريب، وهكذا الحال في هذا الحديث، وأما حديث أبي هريرة فقد أخرجه النسائي ٣/ ١٧٣.
(٤) وقال الترمذي (٤١٩): حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ -: "أنه أتي برجل قد شرب الخمر فضربه بجريدتين نحو الأربعين وفعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن بن عوف كأخف الحدود فأمر به عمر ". قال محمد: وحديث أنس في هذا الباب حسن " = = أقول: أطلق البخاري مصطلح -حسن-على حديث متفق عليه أخرجه في صحيحه (٦٧٧٣ و٦٧٧٦)،ومسلم (١٧٠٦)،وقال الترمذي لما خرجه في الجامع (١٤٤٣):"حسن صحيح".
[ ٣٣٤ ]
الضعيف، وأنَّ راويه هو من دون مرتبة الصدوق-كما شرطه على نفسه في علله-.
المطلب الثاني: مصطلح " غريب " عند الترمذي:
سبقني إلى بحث هذه المفردة وتطبيقاتها في جامع الترمذي، زميلنا الأخ عمار العبيدي في رسالته"الحديث الغريب، مفهومه وتطبيقاته في جامع الترمذي".
ومن خلال الاستقراء التام لجميع الأحاديث التي حكم عليها الإمام الترمذي بأنها غريبة (١) تبين للطالب أن عددها مائة وستة وأربعون حديثًا، منها أربعون سكت عنها دون تعليل والبقية الباقية قد بين عللها، وقد ناقش الطالب المسكوت عن عللها وبان له أن جميعها ضعيف (٢).
وهذه ما يسميه علماء المصطلح: الغريب المردود، هذا في حالة اقتصاره على لفظة غريب أما إذا ألحقها بالصحيح (٣)،أو الحسن فإن الغرابة لا تنافي الحكم الذي أطلقه، وهذا من مصطلحاته، رحمه الله تعالى.
والذي يخص مبحثنا هنا هو القسم الأول: وهو ما أطلق عليه الترمذي:"غريب، أو غريب من هذا الوجه، أو لا يعرفه إلاّ من رواية فلان " وما شاكلها.
فإن أحاديثنا التي وقفنا على إيراد الإمام الترمذي لزيادة الثقة - بمعناها عند المتأخرين -فيها قد حكم عليها بهذه الألفاظ كما لاحظناه آنفًا (٤).
ولم أقف على مواضع قبل فيها الإمام الترمذي زيادة الثقة بمفهوم المتأخرين، وهي: تفرد راو واحد عن أقرانه في نفس الشيخ بزيادة ما سندًا أو متنًا، بل وجدناه يقبلها
_________________
(١) وكذا ما عبر عنه بـ (غريب لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه)، أو (إلاّ من حديث فلان).
(٢) انظر الحديث الغريب، مفهومه وتطبيقاته ص٥١ و١٣٤.
(٣) وهذا ما يسمى الغريب المقبول: فهو ما توافرت فيه شروط الصحة كحديث: (إنما الأعمال بالنيات) فهو غريب لا يعرف إلاّ من رواية عمر - ﵁ - ولا يعرف عنه إلاّ من رواية علقمة ولا يعرف عن علقمة إلاّ من رواية محمد بن إبراهيم التميمي ولا يعرف عن التميمي إلاّ من رواية يحيى بن سعيد، فهذا غريب ولكنه في غاية الصحة، وقد أخرجه الشيخان وغيرهما. ومن عادة الترمذي أنَّه يعبر عن هذا القسم بـ"حسن صحيح غريب" أو "صحيح غريب"، أو نحو ذلك كأن يقول بعد تصحيحه " ولا يعرف إلاّ من رواية فلان " وهكذا ومن هذا النوع جملة وافرة من الصحيحين تبلغ المائتين وتعرف بالغرائب
(٤) وللغريب أقسام أخرى تقسيماتها فرعية، وللمزيد انظر مقدمة ابن الصلاح ص٢٧١، وشرح علل الترمذي ٢/ ٦٢٧ - ٦٢٩، وغيرها من كتب المصطلح.
[ ٣٣٥ ]
على مفهوم المتقدمين لها.
وقد وجدناه يعّل هذه الزيادات على أنها مخالفة في مواضع عدة، كما بيناه، وحكم على البعض بأنه حديث "حسن "، وآخر "غريب "، وقد اتضح لنا مما سلف أنه يريد بالحديث إذا حسنه في جامعه خاصة أنه"معلول"،كما بينه في علله الملحق بالجامع.
فالخلاصة:
بعد أن اتضح لنا أن الإمام الترمذي أورد زيادة الثقة - بمفهوم المتأخرين - وأعلها، إذ حكم عليها بأنها حديث"حسن"أو"حسن غريب" أو"غريب"،وعرفنا مراده من قوله: حسن أو غريب كما أسلفناه: أنه يريد به الحديث المعلول.
ولو صحت الزيادة عنده فلماذا لم يحكم عليها بأنها حديث"صحيح" أو"صحيح غريب" وما شاكلها من الألفاظ التي استعملها في جامعه للحديث المقبول.
المطلب الثالث: زيادات أعرض عنها الإمام الترمذي:
وسأذكر بعض الأمثلة التي أعلّ فيها الإمام الترمذي الزيادة من الثقة لما تفرد بها الراوي عن أقرانه سواء كانت في السند أو المتن، فأطلق عليها عبارات أصرح من عبارات:"حسن أو غريب"إذ يرجح المرسل على المتصل، والموقوف على المرفوع، ويعل زيادة لفظة في حديث زادها ثقة؟ فمنها:-
١ - أخرج الترمذي (٢٧٧) فقال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن قال: أخبرنا معلى بن أسد قال: حدثنا وهيب، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه:"أن النبي - ﷺ - أمر بوضع اليدين ونصب القدمين".
وأخرج (٢٧٨) فقال:
قال عبد الله: وقال المعلى: حدثنا حماد بن مسعدة، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد: أن النبي - ﷺ - أمر بوضع اليدين، فذكر نحوه ولم يذكر فيه"عن أبيه".
قال أبو عيسى: وروى يحيى بن سعيد القطان وغير واحد عن محمد بن عجلان عن محمد ابن إبراهيم عن عامر بن سعد: أن النبي - ﷺ - أمر بوضع اليدين ونصب القدمين. مرسلٌ، وهذا أصح من حديث وهيب، وهو الذي أجمع عليه أهل العلم واختاروه.
أقول: دار الحديث على محمد بن عجلان، رواه عنه:
[ ٣٣٦ ]
-حماد بن مسعدة: أخرجه الترمذي (٢٧٨).
-وسفيان الثوري: أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٧٤ (٢٩٤٤).
-ويحيى بن سعيد القطان: أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٤ (٢٦٧٧).
-وأبو خالد الأحمر: أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٢٣٤ (٢٦٧٧).
كلهم عن محمد بن عجلان عن محمد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن النبي مرسلًا.
ورواه وهيب بن خالد الباهلي - وهو ثقة (١) - عن ابن عجلان بالسند نفسه وزاد فيه عن سعد ابن أبي وقاص - فوصله -.
أخرجه الترمذي (٢٧٧)،والحاكم ١/ ٤٠٤ وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبزار ٣/ ٣١٦ (١١١١)،والبيهقي ٢/ ١٠٧،والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة ٣/ ١٨١ كلهم من طرقٍ عن وهيب به (٢).
أقول: فهذه زيادة ثقة زادها على أقرانه، فلماذا أعلها الترمذي؟ فلو كان يقول بقبول الزيادة كما ينسب إليه فلماذا لم يقبلها؟
الجواب على ذلك: لأن منهج المتقدمين أنهم يردون مثل هذه الزيادة لأنهم يعدونها مخالفة، وقد سبقه في إعلاله أبو حاتم في علله ١/ ١١٧ (٣١٨):فقال: " لا أعلم أحدًا وصله سوى وهيب، رواه الثوري، وابن عيينة، ويحيى بن سعيد وغير واحد عن ابن عجلان عن محمد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن النبي - ﷺ - مرسلًا وهو الصحيح ".
وأعله أيضًا: البزار في المسند ٣/ ٣١٦ (١١١١)،والإمام الدارقطني في العلل ٤/ ٣٤٤ (٦١٦) فقال:"والمرسل أشبه"،والضياء في الأحاديث المختارة ٣/ ١٨١.
وقد عدها بعض العلماء المتأخرين زيادة ثقة، كالحاكم النيسابوري ١/ ٤٠٤، ومن المعاصرين: أحمد شاكر ﵀ إذ قال في تعليقه على الترمذي ٢/ ٦٧:"فهذا الثقة الحافظ الحجة إذا وصل حديثًا أرسله غيره كان وصله زيادة من ثقة يجب قبولها، فالحديث صحيح موصول ". فالفرق واضح بين كلا المنهجين: منهج المتقدمين الذين أعلوها، ومنهج المتأخرين الذين قبلوها ثم بعد ذلك يقولون: إن المتقدمين يقبلون زيادة الثقة؟
_________________
(١) قال ابن حجر في التقريب (٧٤٨٧): "ثقة ثبت لكنه تغير قليلًا بآخرة ".
(٢) انظر المسند الجامع ٦/ ٧٤ (٤٠٤٤).
[ ٣٣٧ ]
٢ - وأخرج في (٣٩٥) فقال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: أخبرني أشعث عن ابن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب عن عمران بن حصين: " أن النبي - ﷺ - صلّى بهم فسها، فسجد سجدتين ثم تشهد، ثم سلّم ".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب (١).وروى محمد بن سيرين عن أبي المهلب، وهو عم أبي قلابة غير هذا الحديث.
وروى محمد هذا الحديث عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب، وأبو المُهلّب اسمه"عبد الرحمن بن عمرو"،ويقال أيضًا معاوية بن عمرو.
وقد روى عبد الوهاب الثقفي وهشيم وغير واحد هذا الحديث عن خالد الحذاء عن أبي قلابة بطوله وهو حديث عمران بن حصين:" أن النبي - ﷺ - سلّم (٢) في ثلاث ركعات من العصر فقام رجل يقال له الخرباق".
أقول: دار الحديث على خالد الحذاء رواه عنه:
-إسماعيل بن علية: أخرجه أحمد ٤/ ٤٢٧، ومسلم ١/ ٤٠٤ (٥٧٤)،وابن أبي شيبة ١/ ٣٩٣ (٤٥١٣)،وابن خزيمة ٢/ ١٣٣ (١٠٦٠).
-وعبد الوهاب الثقفي: أخرجه مسلم ١/ ٤٠٥ (٥٧٤)، وابن ماجه (١٢١٥)،وابن خزيمة ٢/ ١٣٠ (١٠٥٤).
-ويزيد بن زريع: أخرجه النسائي ٣/ ٢٦، وفي الكبرى ١/ ٣٠٦٧ (١١٦٠).
-وحماد بن زيد: أخرجه النسائي في الكبرى ١/ ٢١٠ (٦٠٧)،وابن خزيمة ١/ ١٣٠ (١٤٠٥).
-والمعتمر بن سليمان: أخرجه أحمد ٤/ ٤٣١، وابن خزيمة ٢/ ١٣٠ (١٠٥٤)، وابن حبان ٦/ ٣٩٤ (٢٦٧٣).
-ومسلمة بن محمد: أخرجه أبو داود (١٠١٨).
_________________
(١) قال الدكتور بشار عواد في تحقيقه (٣٩٥): " أضاف العلامة أحمد شاكر بعد هذا " صحيح "، والصواب حذفها، فهو الذي نص عليه المزي عن الترمذي، وهو المثبت في النسخ الخطية والشروح، وهو الذي نقله أهل العلم عن الترمذي ".
(٢) في نسخة الشيخ أحمد شاكر سقطت كلمة " سلّم " وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.
[ ٣٣٨ ]
-وشعبة بن الحجاج: أخرجه أحمد ٤/ ٤٤٠.
كلهم عن خالد الحذاء به بلفظ متقارب (١).
ورواه محمد بن سيرين عن خالد الحذاء بالسند نفسه إلاّ أنه زاد في حديثه" ثم تشهد".
أخرجه أبو داود (١٠٣٩)، والترمذي (٣٩٥)،والنسائي ٣/ ٢٦،وفي الكبرى١/ ٢١٠ (٦٠٦) و١/ ٣٦٧ (١١٥٩).
وابن خزيمة ٢/ ١٣٤ (١٠٦٢)، وأبو عوانة ١/ ٥١٥ (١٩٢٦)،وابن الجارود في المنتقى ص٧٢ (٢٤٧)، وابن حبان ٦/ ٣٩٢ (٢٦٧٠) و٦/ ٣٩٤ (٢٦٧٢)، والحاكم ١/ ٤٧٠ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي ٢/ ٣٥٤.
كلهم من طرقٍ عن أشعث بن عبد الملك الحمراني عن محمد بن سيرين به (٢).
أقول: وأشعث، وابن سيرين هما ثقتان فلماذا لم يقبله الترمذي، ولا مسلم؟ وقد أعلّه أيضًا البيهقي فقال:" تفرد به أشعث الحمراني، وقد رواه شعبة، ووهيب، وابن علية، والثقفي، وهشيم، وحماد بن يزيد، ويزيد بن زريع، وغيرهم عن خالد الحذاء لم يذكر أحد منهم ما ذكر أشعث عن محمد عنه، ورواه أيوب عن محمد قال: ُأخبرت عن عمران فذكر السلام دون التشهد، وفي رواية هشيم: ذكر التشهد قبل السجدتين وذلك يدل على خطأ أشعث فيما رواه " (٣)، وحكم الحافظ ابن حجر عليها بالشذوذ (٤)، وقال الدكتور بشار عواد في تعليقه على الترمذي ١/ ٤٢١:" وإنما حسنه الترمذي لوجود شذوذ في متن الحديث، وهي زيادة ذكر التشهد، فالمتن معروف من غيرها، ولذلك فإن الحفاظ قد وهموا أشعث بن عبد الملك الحمراني، لمخالفته الثقات في رواية هذا الحديث، فالحديث ضعيف ".
٣ - وأخرج في (٥٨٧) فقال: حدثنا محمود بن غيلان وغير واحد، قالوا: حدثنا الفضل بن موسى، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس:" أن رسول الله - ﷺ - كان يلحظ في الصلاة يمينًا وشمالًا، ويلوي عنقه خلف ظهره ".قال
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٤/ ٢١٧ (١٠٨٣٨).
(٢) انظر المسند الجامع ١٤/ ٢١٧ (١٠٨٣٨).
(٣) السنن ٢/ ٣٥٤.
(٤) فتح الباري ٣/ ١٢٨.
[ ٣٣٩ ]
أبو عيسى: هذا حديث غريب، وقد خالف وكيع الفضل بن موسى في روايته.
- ثم عقبه بحديث (٥٨٨) فقال: حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا وكيع عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن بعض أصحاب عكرمة: أن النبي - ﷺ - كان يلحظ في الصلاة فذكر نحوه".
أقول: دار الحديث على عبد الله بن سعيد بن أبي هند رواه عنه:-
- الفضل بن موسى السيناني - وهو ثقة ثبت (١) - متصلًا (٢): أخرجه أحمد ١/ ٢٧٥ و١/ ٣٦٠، وأبو داود كما في تحفة الأشراف ٤/ ٥٤٧ (٦٠١٤)، والترمذي (٥٨٧)، والنسائي ٣/ ٩ وفي الكبرى ١/ ١٩١ (٥٢٩)، وابن خزيمة ١/ ٢٤٥ (٤٥٨)،والطبراني في الكبير ١١/ ٢٢٣ (١١٥٥٩)، والبيهقي ٢/ ٨٣،والدارقطني ٢/ ٨٣.
ورواه وكيع بن الجراح فرواه عن عبد الله بن سعيد عن بعض أصحاب عكرمة أنَّ النبي - مرسلًا - (٣).
أخرجه أحمد ١/ ٢٧٥، وأبو داود -كما في تحفة الأشراف٤/ ٥٤٧ (٦٠١٤) وهي من رواية أبي الطيب بن الأشناني ونقل المزي عقبه القول: قال أبو داود: " وهذا أصح " يعني المرسل، والترمذي (٥٨٨)،وابن أبي شيبة ١/ ٣٩٦ (٤٥٤٨)، وابن حبان ٦/ ٦٦ (٢٢٨٨)،والحاكم ١/ ٣٦٢،والدارقطني ٢/ ٨٣،والبيهقي ٢/ ١٤.
ورواه سليمان التيمي عن عكرمة موقوفًا عليه، أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٣٩٦ (٤٥٤٩).
أقول: تعقب محقق الترمذي الشيخ أحمد شاكر على قول الترمذي " غريب " فقال:
"يريد الترمذي بهذه الرواية تعليل الرواية المتصلة، وليست هذه علة، بل إسناد الحديث صحيح، والرواية المتصلة زيادة من ثقة فهي مقبولة، والفضل بن موسى ثقة ثبت" (٤).
_________________
(١) نعم وثقه أئمة الشأن:"ابن سعد، البخاري، وابن معين، ووكيع، وأبو نعيم - الفضل بن دكين -،وقال: هو أثبت من ابن المبارك، وابن شاهين"انظر تهذيب الكمال (٥٣٣٩)،وميزان الإعتدال ٣/ ٣٦٠،والتحرير ٣/ ١٦١،وجاء في التقريب (٥٤١٩):"ثقة ثبت ربما أغرب"،ولعل هذا من غرائبه.
(٢) انظر المسند الجامع ٨/ ٣٩٨ (٥٩٧٤).
(٣) مصدر سابق.
(٤) هامش طبعته من الجامع ٢/ ٤٨٣.
[ ٣٤٠ ]
أقول: وقد أعلّه الترمذي في علله الكبير أيضًا برقم (١٦٩) فقال:"ولا أعلم أحدًا روى هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند مثل ما رواه الفضل بن موسى".
ثم إنَّ أبا داود أعله أيضًا كما نقلناه آنفًا من التحفة، وقال الدكتور بشار عواد في تعليقه على الترمذي١/ ٥٨٤:"وقد صحح العلامتان الألباني وشعيب الرواية المتصلة، ولم يلتفتا إلى إعلال الترمذي وأبي داود كذلك، بل يفهم من علامات التعجب التي وضعها الشيخ شعيب عقب استغراب الترمذي لهذا الحديث وتصحيح أبي داود للرواية المرسلة استعجابه من هذا الصنيع! والقواعد الحديثية ترجح الرواية المرسلة، فعند الموازنة بين وكيع والفضل بن موسى السيناني لا يشك أحد من أهل العلم بأن وكيع أتقن، وأحفظ، فضلًا عما عرف به في بعض حديث الفضل بن موسى من المناكير كما قرره علامة الدنيا علي بن المديني (الميزان: ٣/الترجمة ٦٧٥٤)، فضلًا عن أقوال العلماء الفهماء من الجهابذة المتقدمين: الترمذي، وأبي داود، الذي قال بعد أن ساق المرسل:" وهذا أصح -يعني من حديث عكرمة، عن ابن عباس ".
٤ - حديث (١٨٩٩): قال الترمذي: حدثنا أبو حفص عمرو بن علي، قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: حدثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال:"رضى الرب في رضى الوالد وسخط الرب في سخط الوالد".
ثم قال (١٨٩٩م): حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو نحوه ولم يرفعه وهذا أصح. وهكذا روى أصحاب شعبة عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه غير خالد بن الحارث عن شعبة، وخالد بن الحارث ثقة مأمون. سمعت محمد بن المثنى يقول: ما رأيت بالبصرة مثل خالد بن الحارث ولا بالكوفة مثل عبد الله بن إدريس. وفي الباب عن عبد الله بن مسعود.
أقول: دار الحديث على شعبة رواه عنه:
١ - محمد بن جعفر - غندر-:أخرجه الترمذي (١٨٩٩).
٢ - آدم بن إياس: أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢)،والبغوي في شرح السنة (٣٤٢٣).
[ ٣٤١ ]
كلاهما رواه عن شعبة -موقوفًا (١) -.
ورواه خالد بن الحارث الهجمي -وهو ثقة ثبت (٢) - مرفوعًا (٣):
أخرجه الترمذي (١٨٩٩)، وابن حبان ٢/ ١٧٢ (٤٢٩)، والبغوي (٣٤٢٤).
وهكذا يتبين أن منهجية الإمام الترمذي هي رد الزيادة إذا انفرد بها راوٍ واحد عن بقية الرواة ولو كان ثقة ثبتًا، وقد صرح الترمذي أن المنفرد بالزيادة هو ثقة مأمون، ونقل كلام محمد بن المثنى في توثيقه، فنبه أن العلة في مخالفته، إذ وصل ما أرسلوه (٤)
٥ - حديث (٢٠١٨) قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن خراش البغدادي قال: حدثنا حبان ابن هلال قال: حدثنا مبارك بن فضالة قال: حدثني عبد ربّه بن سعيد، عن محمد بن المنكدر عن جابر أن الرسول - ﷺ - قال:"إنّ من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإنّ أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة: الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون"قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون".
قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي هريرة، وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وروى بعضهم هذا الحديث عن المبارك بن فضالة عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي - ﷺ - ولم يذكر فيه: عن عبد ربه بن سعيد وهذا أصح.
والثرثار: هو كثير الكلام، والمتشدق: الذي يتطاول على الناس في الكلام ويبذو عليهم.
أقول: دار الحديث على المبارك بن فضالة رواه عنه متصلًا:
حبان بن هلال -وهو ثقة ثبت (٥) - أخرجه الترمذي (٢٠١٨)،والخطيب في
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١١/ ٣٠٢ (٨٥٩٣).
(٢) التقريب (١٦١٩).
(٣) المسند الجامع ١١/ ٣٠٢ (٨٥٩٣).
(٤) وقد توبع خالد تابعه عبد الرحمن بن مهدي -الحافظ- أخرجه الحاكم ٤/ ١٥١ و١٥٢، وأبو إسحاق الفزاري عند ابن عساكر في تاريخه ٥/ ١٧٣ عند ترجمة أحمد بن القاسم بن عطية، أبو بكر الرازي البزار الحافظ، فيكون هذا الحديث - إن صحت هذه المتابعات - من المختلف، وللمزيد انظر تعليق الدكتور بشار عواد على جامع الترمذي برقم (١٨٩٩).
(٥) التقريب (١٠٦٩)، والتحرير ١/ ٢٤٢.
[ ٣٤٢ ]
تأريخه ٥/ ١٠١ (١).
ورواه عنه جماعة مرسلًا، كما نص على ذلك الترمذي، ولم أقف عليه.
وهنا أعل الترمذي زيادة ثقة، لأنه وصل ما أرسله غيره وهؤلاء بالتأكيد ثقات وإلا لما رجح المرسل عليه. وقد صحح المتصل الألباني في سلسلته الصحيحة برقم (٧٩١) على قاعدة المتأخرين.
٦ - حديث (١٥١):قال: حدثنا هناد، قال: حدثنا محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:" إن للصلاة أولًا وآخرًا، وإن أول وقت صلاة الظهر حين
تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإن أول وقت صلاة العصر حين يدخل وقتها وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس "الحديث.
قال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو.
قال أبو عيسى: سمعت محمدًا يقول: حديث الأعمش عن مجاهد في المواقيت: أصح من حديث محمد بن فضيل عن الأعمش وحديث محمد بن فضيل خطأ، أخطأ فيه محمد بن فضيل.
وقال الترمذي (١٥١م): حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو أسامة، عن أبي إسحاق الفزاري، عن الأعمش، عن مجاهد قال: كان يقال: إن للصلاة أولًا وآخرًا. فذكر نحو حديث محمد بن فضيل عن الأعمش نحوه بمعناه.
أقول: مدار الحديث عن الأعمش رواه عنه مرسلًا (٢):
١ - أبو إسحاق الفزاري: أخرجه الترمذي (١٥١).
٢ - زائدة بن قدامة: أخرجه البيهقي ١/ ٣٧٦،وقال:"وكذلك رواه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري، وأبو زبيد عبثر بن القاسم عن الأعمش عن مجاهد "فهؤلاء كلهم رووه عن الأعمش مرسلًا.
ورواه محمد بن فضيل عن الأعمش فزاد في الإسناد: عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - متصلًا (٣) -.
_________________
(١) انظر المسند الجامع ٤/ ٢٨٣ (٢٨٠٧).
(٢) انظر المسند الجامع ١٦/ ٦٤٢ (١٢٩٢٥).
(٣) مصدر سابق.
[ ٣٤٣ ]
وقد أعلّه من المتقدمين إضافة للترمذي: البخاري، وأبو حاتم، وابن معين، وأيدهم العقيلي وأمير المؤمنين في العلل الدارقطني، والبيهقي،:وقال عباس الدوري، عن ابن معين:"سمعت يحيى يضعف حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - أحسب يحيى يريد:"إن للصلاة أولًا وآخرًا "،وقال إنما يروى عن الأعمش عن مجاهد" (١).
قال الشيخ أحمد شاكر:" وأراد الترمذي برواية أثر مجاهد أن يذكر إسناده ليدلل على الرواية التي رآها البخاري صوابًا، وهي أن هذا الحديث موقوف من كلام مجاهد.
وقال أبو حاتم:"هذا خطأ، وهم فيه ابن فضيل يرويه أصحاب الأعمش عن الأعمش عن مجاهد قوله " (٢). ونقل البيهقي عن العباس بن محمد الدوري قال:" سمعت يحيى بن معين يضعف حديث
محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أحسب يريد إن للصلاة أولًا وآخرًا، وقال: إنما يروى عن الأعمش عن مجاهد "، وقال العقيلي في ترجمة محمد بن فضيل من الضعفاء، بعد أن ساق حديثه المرفوع، ثم حديث زائدة عن الأعمش الموقوف:" وهذا أولى (٣)،وقال الدارقطني في السنن بعد أن ساقه من طريق ابن فضيل مرفوعًا: هذا لا يصح مسندًا، وهم في إسناده ابن فضيل، وغيره يرويه عن الأعمش عن مجاهد مرسلًا (٤)،وهذا التعليل منهم خطأ، لأن محمد بن فضيل ثقة حافظ ورد ابن حزم هذا التعليل في المحلى ٣/ ١٦٨ وقال: وما يضر إسناد من أسند إيقاف من أوقف. ونقل الزيلعي عن ابن الجوزي أنه قال في التحقيق: ابن فضيل ثقة، يجوز أن يكون الأعمش سمعه من مجاهد مرسلًا ومن أبي صالح مسندًا ونقل مثل ذلك عن ابن القطان والذي أختاره أن الرواية المرسلة أو الموقوفة تؤيد الرواية المتصلة المرفوعة ولا تكون لها تعليلًا أصلًا " (٥).انتهىكلام الشيخ أحمد شاكر.
وقد صحح الألباني الرواية المتصلة وعدها زيادة ثقة في سلسلته الصحيحة (٦).
وتعقبهما الدكتور بشار عواد فقال:" وفي ذلك نظر، فالموقوف علّة للمرفوع إن ثبت برواية الثقات الراجحة، فالمرفوع هنا شذوذ، وهذا هو مبدأ العلماء المحققين الأوائل " (٧).
_________________
(١) تأريخه ٢/ ٥٣٤.
(٢) العلل ١/ ١٠٧ (٧٣).
(٣) الضعفاء ٤/ ١١٨.
(٤) السنن ١/ ٢٦٢.
(٥) الجامع بتحقيقه ١/ ٢٨٥.
(٦) برقم (١٦٩٦).
(٧) جامع الترمذي، بتحقيقه ١/ ١٩٨.
[ ٣٤٤ ]
وهنا يظهر بوضوح منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين، فالمتقدمون يعلون الزيادة إذا كانت من راوٍ دون بقية الرواة الثقات ولو كان ثقة حافظًا، أما المتأخرون فإنهم على خلاف هذا ويعدونها زيادة حفظ.
فإذا أعلّ البخاري، وأبو حاتم، والترمذي، ويحيى بن معين، والعقيلي، والدارقطني، حديثًا فمن الناس بعدهم؟! ولا أدري كيف قال الشيخ أحمد شاكر بتخطئتهم جميعًا؟!
ومن هنا يظهر خطأ الشيخ عداب الحمش في موضوع الزيادة عند الترمذي حينما تناوله في أطروحته وخرج بنتيجة مضطربة فقال مرة:"مذهب الترمذي هو قبول زيادة الثقة غالبًا كما هو صريح قوله " (١).
وقال مرة ثانية:" قلت: في هذا القدر من الأمثلة كفاية للوقوف على صنيع الحافظ الترمذي في قبول زيادة الثقة مطلقًا كما هو مذهب شيخه البخاري" (٢).وبين غالبًا، ومطلقًا فرق كبير؟!!، ناهيك عن خطأ النتيجة الني توصل إليها.
والحق أن الباحث حينما يستقرئ الجامع الكبير للإمام الترمذي يجد عشرات الأمثلة الناصعة الدالة على إعلال هذا الإمام الجهبذ لمثل هذه الزيادات، وهو الذي يمثل، ويكمّل خط الإمام الكبير علي بن المديني، والبخاري، رحمهم الله تعالى.
وللمزيد انظر الأحاديث في جامعه بالأرقام:
(٦١و٣٩٥و٤٤٧و٦٢٠و٥٩٤و٥٩٥و٦٢١و٦٣٩و٦٨٣و٦٩٢و٧١٨و٧٣٠و ٨٤٥و٨٦٦ و٨٧٨و٨٩٣و٩٢٤و٩٤٨و٩٦٩و٩٨٣و١٠١٢و١٠٢٨و١٠٧٣و١١٧٨و١١٨٢و١٢٢٨و١٣٧١و١٣٩٥و١٥٥٥و١٦٠٤و١٦٠٥و١٦٥٢و١٦٦٥وو١٧٧٠و ١٧٧٧و٢٠٣٦و٢٥٨٦ و٢٥٩١و٢٨٣٥و٢٨٣٨و٢٨٤٤و٢٩٠٨و٣٠٣٦و٣٠٤٧و ٣٠٥٤و٣٠٧١و ٣٠٨٨ و٣٠٨٩ و٣٠٩٢ و٣١١٩ و٣١٨٦و ٣٢٦٢ و٣٢٦٥ و٣٢٦٦ و٣٣٠٣ و٣٣١٦)
المبحث السادس: عند الإمام النسائي:
يعد الإمام النسائي من الأئمة المبرزين في الحديث وفنونه، بل من أشهر أقرانه،
_________________
(١) أقوال الترمذي في الرجال ص٢٦٠.
(٢) أقوال الترمذي ص٢٢٧.
[ ٣٤٥ ]
ومن يقرأ سننه، وأقواله في العلل يعرف ذلك.
وقد استقرأت سننه (الكبرى، والمجتبى) لأعرف منهجه في قبول الزيادة أو ردها فوجدته يسلك مسلك الأئمة المتقدمين في ذلك، فهو يقبل زيادة الثقة بشروطها التي بيناها، ويردّها بمفهوم المتأخرين إذا ما تفرد بها -راوٍ واحد- عن جماعة الرواة في الشيخ نفسه، سندًا أو متنًا.
وعمدتي في ذلك أقواله التي يعل بها الأحاديث، أما ما سكت عنه فإنني لا أتعرض له لأنني لا أدري لعله يقبلها أو يردها؟
ولكن من خلال الأحاديث التي صرح بها قبولًا أو ردًا وجدته على منهجية واضحة ثابتة وهي رد الزيادة إذا خالف راويها بقية الرواة -كما أسلفنا-.
وقد سبقني إلى هذا زميلنا الطالب محمد محمود سليمان في رسالته: " علل الحديث وتطبيقاتها في كتاب المجتبى للإمام النسائي "؛ إلى دراسة منهجية النسائي في قبول الزيادة أو ردها في فصل مستقل ولكنني لم أقف على تصريح منه يبين فيما إذا كان يقبل الزيادة أم لا؟ سوى الأمثلة التطبيقية، وقد ناقشها مناقشة جيدة، بان من خلالها أن الإمام النسائي لم يقبلها، بل يعل الرواية المتصلة بالمرسلة، والمرفوعة بالموقوفة إذا كان راويها واحدًا انفرد عن أقرانه الثقات بها.
وكل الأمثلة التي مثل بها الباحث كانت تقضي بهذا الأمر، ولم يذكر مثلًا واحدًا قبل فيه الإمام النسائي الزيادة، على منهجية المتأخرين (١)،وهذا هو الذي وقفنا عليه من خلال استقرائنا لمنهجه في كتابه السنن، وسأذكر بعض الأمثلة التي تبين ذلك:
١ - أخرج النسائي في الكبرى ٢/ ٢٥٤ (٣٣٢٠): فقال:
أنبأنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا سفيان، عن عاصم، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن عمها سلمان بن عامر يبلغ به النبي - ﷺ - قال: " إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة، وإن لم يجد تمرًا فالماء فإنه طهور ". قال أبو عبد الرحمن: هذا الحرف (فإنه بركة)،لا نعلم أن أحدًا ذكره غير ابن عيينة، ولا أحسبه محفوظًا.
أقول: دار الحديث على عاصم الأحول رواه عنه:
- الثوري: أخرجه أحمد ٤/ ١٧، والترمذي (٦٩٥)، والنسائي في الكبرى ٢/ ٢٥٤
_________________
(١) انظر علل الحديث وتطبيقاتها في كتاب المجتبى ص٢٩٢ - ٣٣٣.
[ ٣٤٦ ]
(٣٣٢٠)، وابن خزيمة ٣/ ٣٧٨ (٢٠٦٧).
- وأبو معاوية: أخرجه أحمد ٤/ ١٨، والترمذي (٦٩٥).
- وثابت بن يزيد: أخرجه الدارمي ٢/ ١٣ (١٧٠١).
- وعبد الواحد بن زياد: أخرجه أبو داود (٢٣٥٥).
- ومحمد بن فضيل: أخرجه ابن ماجه (١٦٩٩)،وابن خزيمة ٣/ ٣٧٨ (٢٠٦٧).
- وحماد بن زيد: أخرجه ابن خزيمة ٣/ ٣٧٨ (٢٠٦٧).
- وشعبة: أخرجه الطيالسي (١١٨١) و(١٢٦١)،والبيهقي ٤/ ٢٣٩.
كلهم عن عاصم بلفظ متقارب (١).
ورواه سفيان بن عيينة عن عاصم بالسند نفسه فزاد في متنه (فإنه بركة): أخرجه الحميدي ٢/ ٣٦٢ (٨٢٣)، وأحمد ٤/ ١٧، والترمذي (٦٥٨)، والنسائي في الكبرى ٢/ ٢٥٤ (٣٣٢٠)، وابن خزيمة ٣/ ٣٧٨ (٢٠٦٧).
وهذه الزيادة انفرد بها سفيان وهو ثقة جبل ولكن النسائي قال:"ولا أحسبه محفوظًا ".
٢ - قال النسائي ٥/ ١٣٠: أخبرنا نوح بن حبيب القومسي قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا ابن جريج قال حدثنا عطاء عن صفوان بن يعلى بن امية عن أبيه أنه قال: ليتني أرى رسول الله - ﷺ - وهو ينزل عليه فقال أين الرجل الذي سألني آنفًا فأتي بالرجل فقال: أما الجبة فاخلعها، وأما الطيب فاغسله ثم أحدث إحرامًا)، فقال أبو عبد الرحمن: (ثم أحدث إحرامًا) ما أعلم أحدًا قاله غير نوح بن حبيب ولا أحسبه محفوظًا.
أقول: دار الحديث على يحيى بن سعيد القطان رواه عنه:
- أحمد بن حنبل: أخرجه أحمد ٤/ ٢٢٢.
- ومسدد بن مسرهد: أخرجه البخاري (٤٩٨٥) تعليقًا.
- ومحمد بن بشار: أخرجه ابن خزيمة ٤/ ١٩١ (٢٦٧٠).
- وعيسى بن يونس: أخرجه ابن الجارود في المنتقى ص١١٧ (٤٤٧و٤٤٨).
كلهم عن يحيى بن سعيد القطان به بلفظ متقارب (٢).
_________________
(١) انظر المسند الجامع ٧/ ٥٣ (٤٨٤٤).
(٢) انظر المسند الجامع ١٥/ ٧٣٩ (١٢١٣٩).
[ ٣٤٧ ]
ورواه نوح بن حبيب القومسي -وهو ثقة (١) - عن يحيى بالسند نفسه وزاد: (ثم أحدث إحرامًا):أخرجه النسائي ٥/ ١٣٠ وفي الكبرى ٢/ ٣٣٢ (٣٦٨٤)، والدارقطني في السنن ٢/ ٢٣١.
فهذه الزيادة زادها ثقة ولكن النسائي أعلها.
٣ - قال النسائي ٦/ ٦٧: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا حماد بن سلمة وغيره عن هارون بن رئاب عن عبد الله بن عبيد بن عمير (ح) وعبد الكريم عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن عباس، عبد الكريم يرفعه إلى ابن عباس وهارون
لا يرفعه قالا: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - قال: إن عندي امرأة هي من أحب الناس إلي وهي لا تمنع يد لامس؟ قال: " طلقها، قال: لا أصبر عنها، قال: استمتع بها ".
قال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث ليس بثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي وهارون أثبت منه، أرسل الحديث، وهارون ثقة وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم.
وقال في ٦/ ١٧٠: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا النضر بن شميل قال: حدثنا حماد ابن سلمة قال: أنبأنا هارون بن رئاب عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن عباس أن رجلًا قال: يا رسول الله إن تحتي امرأة لا ترد يد لامس، قال: طلقها، قال: "إني لا أصبر عنها، قال فأمسكها "،قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ والصواب مرسل ".
أقول: أما طريق عبد الكريم بن أبي المخارق فلا نتشاغل به لأنه ضعيف وقد خالف الثقة.
وأما حديث هارون: فقد دار الحديث على حماد بن سلمة رواه عنه يزيد بن هارون -وغيره كما قال النسائي- مرسلًا: أخرجه النسائي ٦/ ١٧٠، وفي الكبرى ٣/ ٣٧٠ (٥٦٥٩)، من طريق يزيد بن هارون به (٢).
ولم أقف على بقية الطرق ولكن كلام النسائي يدلل على ذلك.
ورواه النضر بن شميل عن حماد بن سلمة فزاد في إسناده ابن عباس (٣). أخرجه النسائي ٦/ ١٧٠، وفي الكبرى ٣/ ٣٧٠ (٥٦٥٩).
_________________
(١) التقريب (٧٢٠٣).
(٢) انظر المسند الجامع ٩/ ٢٠٣ (٦٥٠٣).
(٣) مصدر سابق.
[ ٣٤٨ ]
وهنا أعل النسائي زيادة النضر بن شميل رغم كونه ثقة ثبت (١)، لأنه زاد على باقي الرواة.
وقد رواه معمر بن راشد مثل رواية حماد -المرسلة-: أخرجه عبد الرزاق ٧/ ٩٨ (١٢٣٦٥).
٤ - أخرج النسائي ٢/ ٦٤ فقال: أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثني شعبة وهشام عن قتادة قال: قلت لجابر بن يزيد ما يقطع الصلاة؟ قال: كان ابن عباس يقول المرأة الحائض والكلب. قال يحيى: رفعه شعبة.
قلت: دار الحديث على قتادة، رواه عنه - مرفوعًا -:
شعبة بن الحجاج: أخرجه أحمد ٥/ ٨٣، وأبو داود (٧٠٣)،والنسائي ٢/ ٦٤ وفي الكبرى١/ ٢٧٢ (٨٢٧)،وابن ماجه (٩٤٩)،وابن خزيمة ٢/ ٢٢ (٨٣٢)، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٥٨، والطبراني في الكبير ١٢/ ١٤٠ (١٢٨٢٤)، وابن حبان ٦/ ١٤٨ (٢٣٨٧)،والبيهقي٢/ ٢٧٤ (٢).
ورواه (هشام وسعيد بن أبي عروبة وهمام بن منبه) موقوفًا: أخرج طريق هشام: النسائي ٢/ ٦٤ وفي الكبرى ١/ ٢٧٢ (٨٢٧) (٣)، وقال أبو داود عقب (٧٠٣): وقفه سعيد وهشام وهمام.
وقال البيهقي ٢/ ٢٧٤: قال يحيى بن القطان: (لم يرفع هذا الحديث أحد عن قتادة غير شعبة، قال يحيى: وأنا أفرقه، قال: ورواه ابن أبي عروبة وهشام عن قتادة يعني موقوفًا).
أقول: هذا يعني أن شعبة زاد عليهم فرفعه، وأوقفوه، وهم أكثر عددًا وكلهم ثقات.
والنسائي هنا لم يورد الرواية المرفوعة، وإنما أورد الموقوفة، وأشار إلى المرفوعة إشارة، فهو يعلها، وكذا أبو داود وغيرهما.
وعدَّ الشيخ أحمد شاكر هذه زيادة ثقة فقال:"ورفع شعبة زيادة ثقة فهي مقبولة
_________________
(١) التقريب (٧١٣٥).
(٢) انظر المسند الجامع ٨/ ٢٤٠ (٦٠١٥).
(٣) مصدر سابق.
[ ٣٤٩ ]
ولا تعل الرواية المرفوعة بالموقوفة " (١) فتأمل!
٥ - وأخرج النسائي ٢/ ٦٠ فقال: أخبرنا محمد بن منصور، قال: حدثنا إسماعيل بن عمر قال: حدثنا داود بن قيس، عن محمد بن عجلان، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك:" أنه رأى رسول الله - ﷺ - يصلي على حمار وهو راكب إلى خيبر، والقبلة خلفه ".
قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحدًا تابع عمرو بن يحيى على قوله يصلي على حمار وحديث يحيى بن سعيد عن أنس الصواب موقوف والله ﷾ أعلم
قال النسائي في الكبرى ١/ ٢٦٩ (٨٢٠): أنبأ محمد بن منصور، قال: حدثنا إسماعيل بن عمر قال حدثنا داود بن قيس عن محمد بن عجلان عن يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك أنه رأى النبي - ﷺ - يصلي على حمار وهو راكب إلى خيبر، والقبلة خلفه ". قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب موقوف ".
أقول: دار الحديث على يحيى بن سعيد الأنصاري، روي عنه مرفوعًا وموقوفًا، إذ رواه عنه موقوفًا:
- الإمام مالك بن أنس: أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٥٧٦ (٤٥٢٣).
-وسفيان بن عيينة: أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٥٧٦ (٤٥٢٤).
ورواه محمد بن عجلان فرفعه: أخرجه النسائي ٢/ ٦، وفي الكبرى١/ ٢٦٩ (٨٢٠)، وقد أعلّ النسائي المرفوع بالموقوف، فلو كان يقبل الزيادة لقبلها من ابن عجلان وهو صدوق كما قال الحافظ ابن حجر، (٢) خاصة وأنه ليس من أحاديثه عن أبي هريرة - ﵁ -.
وللمزيد انظر: السنن الكبرى برقم: (٣٥٩٣ و٦٠٠٤ و٦٤٥٢ و٦٧٥٦ و٦٨٣٦ و٧٣٩١ و٧٣٩٢ و٧٤٠٩ و٧٤١١ و٧٤١٣ و٧٤١٤ و٨٩٠٢ و٩٩٧١)، والصغرى: (١/ ١٩٧ و٢/ ٦٠ و٢/ ٢٥١ و٣/ ٢٠٦ و٣/ ٢٥٨ و٤/ ٥٦ و٤/ ١٣٨ و٧/ ٦٩ و٧/ ٩١ و٨/ ٧٧ و٨/ ٧٩).
المبحث السابع: عند الحافظ ابن خزيمة:
الحافظ ابن خزيمة إمام جبل حافظ، من الرعيل الأول في حفظ السنن ومعرفة
_________________
(١) مسند أحمد، بتحقيق أحمد شاكر ٥/ ٨٣ (٣٢٤١).
(٢) التقريب (٦١٣٦).
[ ٣٥٠ ]
الطرق، شارك الأئمة الستة في كثير من شيوخهم، وذكر الحاكم النيسابوري أن الإمام البخاري ومسلم قد رويا عنه - خارج الصحيحين- وهذا إن ثبت فهو من رواية الأكابر عن الأصاغر من باب الإكرام، والاعتراف بعلمه وفضله (١).
وينسب بعض طلبة العلم إلى ابن خزيمة أنه يقبل زيادة الثقة مطلقًا اعتمادًا على صنيعه في"صحيحه "،ولعلهم فهموا هذا من كلام تلميذه ابن حبان إذ قال:"ولم أرَ على أديم الأرض من كان يحسن صناعة السنن، ويحفظ الصحاح بألفاظها، ويقوم بزيادة كل لفظة تزداد في الخبر، زادها ثقة، حتى كأن السنن كلها نصب عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة فقط (٢) ".
فأقول: إنَّ الإمام ابن حبان هنا لم يعنِ بزيادة الثقة المعنى الذي يعرفه بها المتأخرون، وإنما يتحدث عن موضوع تفرد الثقة بالحديث أصلًا، لذا رده ابن رجب فقال: "وفيما ذكره نظر، وما أظنه سبق إليه، ولو فتح هذا الباب لم يحتج بحديث انفرد به عامة حفاظ المحدثين .. " (٣).
وقال في مواضع كثيرة: " إن صح الخبر " (٤)، وأطلق مصطلح:" في القلب من هذا الحديث، أو في هذا الخبر، أو من هذه اللفظة " (٥).
وهو في الغالب الأعم يصدر أبوابه بهذه العلل.
ونخلص من هذا أن الأحاديث في كتاب المختصر ليست كلها صحيحة، ولا يعني من إيراده للحديث أنه يقول بصحته، بل قد يورد حديثًا لبيان علته، أو لأنه يشهد لحديث الباب، أو لينبه على خطأ لفظه فيه، أو إدراج أو قلب في المتون وهكذا
فالأحاديث التي تهمنا هنا أقسام: قسم صرح ابن خزيمة بعلته فهذا ينفعنا في كونه يرد العلل، وقسم صرح بقبولها وهذا مثل الأول في صحة نسبته إلى الإمام ومذهبه، وقسم سكت عنه، وهذا لا يعني قبوله لأن الإمام ابن خزيمة بيّن منهجه في تصحيح الأحاديث إذ قال:
" فكل ما لم أقل إلى آخر هذا الباب: أن هذا صحيح فليس من شرطنا في هذا
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء ١٤/ ٣٦٥ - ٣٨٢.
(٢) المجروحين ١/ ٩٣.
(٣) شرح علل الترمذي ١/ ٤٣١.
(٤) انظر مثلًا الأحاديث: (١٣٧ و٣٨٨ و٥٤١ و٨٢٨ و١١٤٤ و١٢١٦).
(٥) انظر مثلًا: (٢٢٦ و٤٤٨ و١٤٢٢ و١٦٢٢ و٢٣٣٠).
[ ٣٥١ ]
الكتاب " (١).
ومن هنا ندرك خطأ من خطّأ ابن خزيمة في إيراده لأحاديث ضعيفة ومعلولة في " صحيحه " - كما يسمونه -، لأن ابن خزيمة لم يكتب كتابًا في الصحيح فقط، وإنما ضمن كتابه بعض الأحاديث المعلولة التي بين علتها.
وإنما يعرف مذهب ابن خزيمة في قبول زيادة الثقة أو ردها من دراسة الأحاديث التي ساقها في صحيحه فقد وجدناه يسير على منهجية أقرانه من المتقدمين فهو يقبلها على شروطهم (٢) ويعلل تفرد الثقة بزيادة متن أو إسناد ينفرد بها عن الجماهير الثقات، في الشيخ نفسه، ويردها.
وسأذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك:
١ - قال في (٢٣١٩) و(٢٤١٩):"حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: حدثنا ابن علية عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام، عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح قال: قال أبو سعيد، وذكروا عنده صدقة رمضان فقال:"لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله - ﷺ - صاع تمر أو صاع حنطة أو صاع شعير أو صاع إقط، فقال له رجل من القوم: أو مدين من قمح؟ فقال: لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها، ولا أعمل بها.
قال أبو بكر: ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ، ولا أدري ممن الوهم ".
أقول: دار الحديث على محمد بن إسحاق رواه عنه جماعة:" عبدة وغيره "دون زيادة- صاع حنطة - كما قاله أبو داود (١٦١٦)، وعدها غير محفوظة.
ورواه إسماعيل بن علية عن ابن إسحاق بالسند نفسه فزادها: أخرجه ابن خزيمة (٢٣١٩) - وعدها غير محفوظة -، وابن حبان ٨/ ٩٨ (٣٣٠٦)، والحاكم ١/ ٥٧٠ وصححها، والدارقطني ٢/ ١٤٥، والبيهقي ٤/ ١٦٥.
ورواه أبو داود (١٦١٧) من طريق مسدد عن ابن علية -دونها -.
وقد توبع ابن إسحاق تابعه يزيد بن الهاد عن عبد الله - دون الزيادة -: أخرجه
_________________
(١) صحيح ابن خزيمة ٣/ ٢٣٦ (١٩٨٤).
(٢) انظر مثلًا صحيح ابن خزيمة ٩/ ٣٩٤ (٤٠٨٣)، إذ صحح المرسل والمتصل لما تكافأ الطرفان وانظر ص ٢٠٨ من بحثنا هذا.
[ ٣٥٢ ]
النسائي ٥/ ٥٣.
ورواه ابن عجلان، وداود بن قيس الفراء عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي السرح دون زيادة. (١)
قال الزيلعي:"وأما ما رواه الحاكم فيه أو صاعًا من حنطة، فقد أشار أبو داود إلى هذه الرواية في سننه وضعفها، فقال: وذكر فيه رجل واحد عن ابن علية أو صاع حنطة وليس
بمحفوظ. انتهى، وقال ابن خزيمة فيه: وذكر الحنطة في هذا الخبر غير محفوظ ولا أدري ممن الوهم، وقول الرجل له أو مدين من قمح دال علي أن ذكر الحنطة في أول الخبر خطأ ووهم إذ لو كان صحيحًا لم يكن لقوله أو مدين من قمح معنى ". (٢)
أقول: ابن خزيمة أعل الزيادة، ولو قال بالقبول لما عدل عنها، ولصححها كما فعل ابن حبان والحاكم.
٢ - قال في ٤/ ٣٤٩ (٣٠٥٠):"حدثنا بندار، قال: حدثنا محمد بن المنهال، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال:"إذا حج الصبي فهي له حجة حتى يعقل فإذا عقل فعليه حجة أخرى وإذا حج الأعرابي فهي له حجة فإذا هاجر فعليه حجة أخرى "،أخبرني بندار وأبو موسى قالا: ثنا بن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس بمثله، موقوفا، قال أبو بكر: هذا علمي هو الصحيح بلا شك".
قلت: دار الحديث على شعبة رواه عنه - موقوفًا - ابن أبي عدي أخرجه ابن خزيمة ٤/ ٣٤٩ (٣٠٥٠)، وعبد الوهاب بن عطاء أخرجه البيهقي ٤/ ٣٢٥.
ورواه محمد بن المنهال-ثقة حافظ-عن يزيد بن زريع-ثقة ثبت-عن شعبة - مرفوعا - أخرجه ابن خزيمة ٤/ ٣٤٩ (٣٠٥٠)، والحاكم ١/ ٦٥٥وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه!!،والبيهقي ٤/ ٣٢٥، و٥/ ١٧٩،وقال:"تفرد برفعه محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع عن شعبة ورواه غيره عن شعبة موقوفا، وكذلك رواه سفيان الثوري عن الأعمش موقوفا وهو الصواب".
_________________
(١) انظر المسند الجامع ٦/ ٢٩١ (٤٣٥٢).
(٢) نصب الراية ٢/ ٤١٧، وانظر الدراية في تخريج أحاديث الهداية، ابن حجر ١/ ٢٧١.
[ ٣٥٣ ]
وترجيح ابن خزيمة الموقوف إذ قال:" قال أبو بكر: هذا علمي هو الصحيح بلا شك"، يدلل على أنه لا يقول بالزيادة، وقد ردها وهي من ثقات جبال؟
٣ - وفي ٢/ ١٢٧ (١٠٥١): ردّ زيادة أبي صالح عن الليث لأن الثقات رووه دون الزيادة فقال:" حدثنا محمد وحدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي عن صالح قال: قال ابن شهاب وأخبرني هذا الخبر سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: وأخبرنيه أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله، سمعت محمد بن يحيى
يقول: وهذه الأسانيد عندنا محفوظة عن أبي هريرة، إلا حديث أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة فإنه يتخالج في النفس منه أن يكون مرسلا، لرواية مالك وشعيب وصالح بن كيسان، وقد عارضهم معمر، فذكر في الحديث أبا هريرة والله أعلم.
قال أبو بكر: فقوله في خبر محمد بن كثير عن الأوزاعي في آخر الخبر"ولم يسجد سجدتي السهو حين لقنه الناس"إنما هو من كلام الزهري لا من قول أبي هريرة، ألا ترى محمد بن يوسف لم يذكر هذه اللفظة في قصته ولا ذكره بن وهب عن يونس، ولا الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن ابن عمرو ولا أحد ممن ذكرت حديثهم خلا أبي صالح عن الليث عن ابن شهاب فإنه سها في الخبر، وأوهم الخطأ في روايته فذكر آخر الكلام الذي هو من قول الزهري مجردا عن أبي هريرة إن رسول الله - ﷺ -:لم يسجد يوم ذي اليدين ولم يحفظ القصة بتمامها والليث في خبره عن يونس قد ذكر القصة بتمامها ".
أقول: خطأ أبا صالح في زيادته لأن الثقات لم يرووها، فجعل علامة الشذوذ تفرد الراوي عن بقية أقرانه في الحديث الواحد، وهذا ما يسميه المتأخرون: زيادة الثقة، ويلصقونها بابن خزيمة؟
٤ - وفي ٢/ ٢٢٨ (١٢٢٤) قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي ببغداد، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، وحدثني محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:"لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب، قال: وهي صلاة الأوابين ".
قال أبو بكر:"لم يتابع هذا الشيخ إسماعيل بن عبد الله على إيصال هذا الخبر، رواه الدراوردي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة-مرسلًا-ورواه حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة قوله".
[ ٣٥٤ ]
رد زيادة إسماعيل بن عبد الله في وصل حديث أرسله الثقات وهو صدوق (١).
٥ - رد زيادة سفيان بن عيينة في رفع حديث أوقفه غيره:١/ ٣٣٨ (٦٧٨) قال:"أنبأنا أبو طاهر أخبرنا أبو بكر قال: أخبرنا أبو كريب وعبد الله بن سعيد الأشج، قالا: أنبأنا أبو خالد قال: حدثنا هارون بن إسحاق قال: حدثنا بن فضيل (ح)،وحدثنا سلم بن جنادة قال: انبأنا وكيع عن سفيان كلهم عن يحيى بن سعيد قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عمر قال: إن من السنة في الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى إذا جلست في الصلاة"،هذا حديث ابن فضيل وقال الآخرون: عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه.
- ثم قال - (٦٧٩):أخبرنا أبو طاهر، قال: أخبرنا أبو بكر، قال: أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قال: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال:"من سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى، قال: وكان النبي إذا جلس في الصلاة أضجع اليسرى ونصب اليمنى".
قال أبو بكر: هذه الزيادة التي في خبر ابن عيينة لا أحسبها محفوظة أعني قوله:"وكان النبي - ﷺ - إذا جلس في الصلاة أضجع اليسرى ونصب اليمنى ".
٦ - وفي ٣/ ١٥٧ (١٨١٢) قال:" أخبرنا أبو طاهر، قال: أخبرنا أبو بكر، قال: أخبرنا محمد بن بشار، قال: أخبرنا يحيى- يعني ابن سعيد-،قال: حدثنا ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن عبد الله بن وديعة، عن أبي ذر عن النبي - ﷺ - قال:"من اغتسل يوم الجمعة فأحسن الغسل أو تطهر فأحسن الطهور فلبس من خير ثيابه ومس ما كتب الله له طيبًا أو دهن أهله ولم يفرق بين اثنين إلا غفر له إلى يوم الجمعة الأخرى"،قال بندار: أحفظه من فيه عن أبيه.
قال أبو بكر:"لا أعلمُ أحدًا تابع بندارًا في هذا، والجواد قد يفتر في بعض الأوقات".
قلت: رد زيادة محمد بن بشار (بندار) على جلالة قدره لأنه لم يتابع في الوصل.
٧ - وفي٢/ ٢٠ (٨٢٨) قال:"باب مرور الهر بين يدي المصلي إن صح الخبر
_________________
(١) التقريب (٤٥٧).
[ ٣٥٥ ]
مسندًا، فإن في القلب من رفعه: أنبأنا أبو طاهر، قال: أخبرنا أبو بكر، قال: أخبرنا بندار، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال:"الهرة لا تقطع الصلاة إنها من متاع البيت ".
-ثم قال - (٨٢٩):أنبأنا أبو طاهر، قال: أنبأنا أبو بكر، قال: أخبرناه الربيع بن سليمان، قال: حدثنا ابن وهب، عن بن أبي الزناد بهذا الحديث موقوفًا، غير مرفوع.
قال أبو بكر:"ابن وهب أعلم بحديث أهل المدينة من عبيد الله بن عبد المجيد".
قلت: شكك في زيادة عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، وهو صدوق (١)،إذ رفع ما أوقفه غيره.
فلو كان ابن خزيمة يقول بقبول زيادة الثقة فلماذا ردها من هؤلاء الحفاظ الجبال؟ ولماذا أعلّ المتصل بالمرسل؟! والمرفوع بالموقوف؟! وبالتفرد وعدم المتابعة؟!
ولم أقف على مثال ينطبق على مفهوم المتأخرين للزيادة قبل فيه الإمام ابن خزيمة الرفع أو الوقف أو زيادة لفظة، لأنه كغيره من الأئمة المتقدمين يعلّون تفرد الراوي بشيء لا يتابعه الثقات عليه ويعدونه مخالفة (٢)،إلاّ ما كان من المعفو عنه وهو ما كان على سبيل الاقتصاص (٣) أو التقطيع، كما قدمناه (٤).
وللمزيد أنظر مثلًا الأحاديث في صحيحه:"٢/ ١٢٧ (١٠٥١) و٤/ ١٨٠ (٢٦٤٢) و٤/ ٣٢٢ (٢٩٨٤)،و.١/ ٣٥٤ (٧١٤).
_________________
(١) التقريب (٤٣١٧).
(٢) وللمزيد انظر ص٣٥ من هذا البحث.
(٣) انظر صحيح ابن خزيمة ١/ ١٢٠ (٢٤١).
(٤) انظر الصفحات ٢٣١ - ٢٣٨.
[ ٣٥٦ ]
الفصل الثاني
التطبيق العملي في كتب العلل
قبل أن أدخل إلى كتب العلل أرى من المهم أن أُبين مفهوم العلة عند المحدثين، فأقول: عرف علماء المصطلح الحديث المعلول تعريفات متعددة منها:
عرفه الحاكم النيسابوري:"وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن الحديث المجروح ساقط واهٍ، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات إن يحدثوا بحديث له علة فيخفى عليهم، فيصير الحديث معلولًا والحجة فيه عندنا: الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير" (١).
وعرفه ابن الصلاح بأنه:"هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن الظاهر السلامة منها " (٢).
وعرفه الحافظ ابن حجر العسقلاني أنّه:"خبر ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش على قادح " (٣).
وانتقد برهان الدين البقاعي تعريف شيخه -ابن حجر-فقال:
" ولا حاجة إلى ذكر التفتيش فإنه يفهم من العبارة والتقييد بظهور السلامة يخرج ما علته ظاهرة " (٤).
أقول: مما مر نخلص إلى أن المتأخرين يقيدون المعلول بالقدح والخفاء.
وهذا خلاف صنيع المتقدمين الذين وإن لم يصرحوا لنا بحد الحديث المعلول فإن صنيعهم واضح في كتبهم، وفي الأحاديث التي عللوها، فالعلة عندهم أوسع بكثير مما يحصرها به المتأخرون، فالعلة عندهم تشمل مع ما ذكروه من العلة الخفية العلة الظاهرة فكم من حديث أعله أبو حاتم في علله بسبب جرح رجل أو اختلاطه أو تدليسه؟ وكم من حديث أعله البخاري وابن المديني وابن معين بمثل ذلك!!
_________________
(١) معرفة علوم الحديث ص١١٢.
(٢) علوم الحديث ص٤٢.
(٣) النكت الوفية، البقاعي ق٦٣ - ٦٤ (مخطوط) وانظر فتح المغيث ١/ ٢٢٧.
(٤) مصدر سابق.
[ ٣٥٧ ]
وقد أطلق الترمذي مصطلح "العلة " على النسخ أيضًا إذ قال:" جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم، ما خلا حديثين: حديث ابن عباس:" أن النبي - ﷺ - جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء، من غير خوف، ولا سفر،
ولا مطر". وحديث النبي - ﷺ - أنه قال: " إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه". وقد بينا علة الحديثين جميعًا في الكتاب" (١)، وقال عند تخريجه للحديث الثاني (١٤٤٤): "وإنما كان هذا أول الأمر ثم نسخ بعد "، فالترمذي سمى النسخ علة (٢).
فالمتقدمون أطلقوا العلة على كل حديث"لا يصح العمل به "،باختلاف طرق الإعلال، والمتأخرون قسموا العلة إلى أقسام متعددة واصطلحوا عليها بمصطلحات خاصة بهم تقترب حينًا، وتبتعد حينًا آخر عن مفهوم المتقدمين لها بل جعلوا علم العلل نوعًا من أنواع علوم الحديث ومن فنونه منحازًا عن بقية العلوم الأخرى التي في الحقيقة إنما هي نوع واحد عند المتقدمين!
وبعد هذا أقول: إن المتقدمين لسعة حفظهم، وقدرتهم على معرفة طرق كل حديث ومظانه، كانوا حريصين كل الحرص على تنقية السنة النبوية من الأحاديث التي ليست منها، بل وحتى من الأسانيد التي ظاهرها الصحة وتشهد لها أحاديث صحيحة، ولكنها غير معروفة في دواوين الإسلام الأولى فكان علماؤنا يردونها، ويعللونها بعلل مختلفة، فيقولون مثلًا: غير معروف من طريق سفيان عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، وإنما المعروف من طريق شعبة وإسرائيل عن أبي إسحاق به (٣).
وهذا يدلل على سعة علمهم، وحفظهم (٤) ومعرفة طرق كل حديث، فتراهم يصولون ويجولون في غربلة الأحاديث: هذا حديث باطل، هذا حديث منكر، هذا الحديث من رواية فلان صحيح وما عداه فباطل، وهلم جرا.
وتراهم يعلون كثيرًا من الأحاديث ورجال أسانيدها ثقات لكنها غير معروفة
_________________
(١) العلل الملحق بآخر الجامع ٥/ ٦٩٢.
(٢) انظر النكت على ابن الصلاح ٢/ ٧٧١، والباعث الحثيث ص٥٧.
(٣) انظر للتمثيل: علل ابن أبي حاتم برقم (٢٧ و٣٠ و٢٥٠٢ و٢٥١٣ و٢٧٥٣).
(٤) انظر ص ٢١٤.
[ ٣٥٨ ]
فيقولون لك: هذا إسناد مستقيم ورجاله ثقات والحديث غير محفوظ، أي: (المتن).
وتراهم يعلون أحاديث باب بعينه فيقولون مثلًا: ولا يصح في هذا الباب شيء.
ومع كل هذا فإنك إذا أردت أن ترجع إلى سند ومتن هذا الحديث الذي أُعل تجده نظيفًا؟! إذن لماذا أعلوه؟!
الجواب على ذلك: إنهم كانوا مصحفًا في الحفظ والضبط - إلا ما شاء الله- فلا تفوتهم شاردة أو واردة إلا وعرفوها.
ومن ذلك ما نقله الحافظ ابن حجر فقال: سأل مسلم بن الحجاج محمد بن إسماعيل - البخاري - فقال: " حدثك محمد بن سلام قال: حدثنا مخلد بن يزيد، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: حدثني موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال:" كفارة المجلس أن يقول إذا قام من مجلسه سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ".؟ فقال محمد بن إسماعيل: وحدثنا أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين قالا: حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج، قال: حدثني موسى بن عقبة، عن سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال:" كفارة المجلس أن يقول إذا قام من مجلسه سبحانك ربنا وبحمدك ". فقال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مليح ولا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا حديثًا غير هذا إلا أنه معلول " (١).!!
هذا الذي دفع بعض العلماء من المتأخرين أن يقولوا:
" إنهم كانوا يعرفون الأحاديث بالفتح الرباني، أو الإلهام، أو ما إلى ذلك " (٢)، لأنهم رأوا عجبًا في حفظهم وضبطهم.
لذا كان الأجدر بالمتأخرين أن يكونوا وقّافين عند الأحكام التي أطلقها الجهابذة الأوائل، وذلك لا يعدُ حَجْرًا للعلم، ذلك لأن السنة النبوية - المرويات - ليست بابًا اجتهاديًا حتى أننا نقول: غُلق باب الاجتهاد؟ وإنما هي مرويات معلومة محفوظة - إلا ما شاء الله تعالى -.
وحرص الأئمة المتقدمون على معرفة علل الأحاديث، حتى يقول واحد من أبرزهم، وهو الإمام الجهبذ عبد الرحمن بن مهدي: " لأن أعرف (علة) حديث واحد،
_________________
(١) المقدمة ص ٦٧٤ - ٦٧٥.
(٢) انظر شرح علل الترمذي، ابن رجب ١/ ١٢٣ و٤٧٠،وفتح المغيث، السخاوي ١/ ٢٢٠.
[ ٣٥٩ ]
أحب إلي من أن أستفيد عشرة أحاديث " (١).
لذلك كتب كثيرٌ من العلماء الجهابذة مصنفات في العلل، فهذه علل ابن المديني، وعلل ابن معين، وعلل أحمد، والتاريخ الكبير للبخاري، والتمييز لمسلم، والمراسيل لأبي داود، وعلل الترمذي، وعلل النسائي، وعلل ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة، وغيرهم، ناهيك عن تعليلهم المرويات ضمنًا في مصنفاتهم، ففي الغالب يضمّن المحدث مصنفه عللًا، ينبه عليها، وهلمَّ جرًا.
ولا ُيتصّور أن بإمكان كل أحد إعلال الأحاديث أو الكتابة فيها، فعلل الحديث من أصعب الفنون وأدقها، لأنها تحتاج إلى اطلاع واسع ومعرفة دقيقة وتشبع بهذا العلم الشريف، لا يتهيأ إلاَّ لمن صرف عمره ووقته له.
وقد هيأ الله تعالى لهذا العلم فحولًا أفذاذًا، كشعبة بن الحجاج، وأضرابه، يقول ابن رجب الحنبلي فيه:" هو أول من وسع الكلام في الجرح والتعديل واتصال الأسانيد وانقطاعها، فنقب عن دقائق علم العلل، وأئمة هذا الشأن بعده تبع له في هذا العلم " (٢).
ويقول الإمام أحمد في مدح ابن معين في علم العلل:"ههنا رجل خلقه الله لهذا الشأن " (٣).
ويمتدح الإمام مسلم شيخه البخاري فيقول له مخاطبًا:"يا أستاذ الأستاذينَ وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله " (٤).
وقال أبو حاتم الرازي:"كان علي بن المديني علمًا في الناس في معرفة الحديث والعلل" (٥).
أقول فإذا أعل هؤلاء الأئمة أو بعضهم حديثًا فلا يحقُ لمن يأتي بعدهم من المتأخرين مزاحمتهم في إعلالهم، لأنهم حفظوا الطرق وعرفوا المخارج، وتشبعوا بهذا العلم، أما المتأخرون فلربما وقعت لهم طرق لم تصح أوهمتهم بتصحيح بعض ما أعله
_________________
(١) شرح العلل ١/ ٤٧٠.
(٢) شرح العلل ١/ ٤٤٨.
(٣) مصدر سابق.
(٤) معرفة علوم الحديث ص١١٤، وانظر شرح العلل ١/ ٣٣.
(٥) شرح العلل ١/ ٤٨٥.
[ ٣٦٠ ]
المتقدمون (١).
وفيما يخص بحثنا وهو لب علم العلل، فإن المتقدمين لهم منهج واضح في قبول الزيادة أو ردها.
ولمعرفة ذلك أو توضيحه أخذنا دراسة أقوالهم ومنهجهم في ذلك في مصنفاتهم وسنذكر بعض الأمثلة.
المبحث الأول: عند الإمام أبي حاتم الرازي:
من خلال استقراء صنيع الإمام أبي حاتم في كتابه العلل (٢) وجدت أن أبا حاتم يقبل الزيادة إذا كانت من ثقة بمفهوم المتقدمين للزيادة (٣)، بل صرح بأكثر من موضع على قبول الزيادة فقال: (والزيادة من الثقة مقبولة) (٤)، وكانت تلك الزيادة هي من باب واحد أمام واحد أو جماعة أمام جماعة، أو جماعة أمام واحد.
ولم أقف له على قبولٍ للزيادة بمفهوم المتأخرين وهي أن يزيد راو واحد ثقة على جماعة من الثقات في نفس الشيخ - سندًا أو متنًا - لا تصريحًا ولا صنيعًا.
وسأذكر بعض الأمثلة من كتابه العلل:
١ - رد زيادة شعبة بن الحجاج فقال في١/ ٤٢٨ (١٢٨٨): قال عبد الرحمن: " سألت أبي عن حديث رواه غندر- محمد بن جعفر -، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد عن سلميان بن رزين، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - في الذي تكون له المرأة فيطلقها، ثم يتزوجها رجل فطلقها قبل أن يدخل بها فترجع إلى زوجها الأول؟ قال: " لا حتى تذوق العسيلة ". قال أبي: قد زاد عندي في هذا الإسناد رجلا لم يذكره الثوري وليست هذه الزيادة بمحفوظة. قال أبو محمد: حدثنا أحمد بن سنان قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن علقمة، عن رزين الأحمري، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -،وسمعت أبا زرعة وسئل عن هذين الحديثين فقال: الثوري أحفظ، قال أبو محمد: واختلف عن الثوري، فروى ابن مهدي
_________________
(١) انظر مقدمة أستاذنا الدكتور بشار معروف لجامع الترمذي ١/ ٣٤ - ٤١.
(٢) هو كتاب (علل الحديث) لابنه العلامة عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي.
(٣) انظر ص٢٠٨ من هذا البحث.
(٤) انظر العلل: ٣٦١، ١٣٩٧، ١٤٤٢.
[ ٣٦١ ]
كما حدثنا أحمد بن سنان وروى الفريابي فيما حدثنا الغزي عنه عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن رزين، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -. وأخبرنا أبو محمد قال: حدثنا أبو زرعة، عن ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن علقمة ابن مرثد، عن سليمان وقال وكيع مرة: رزين بن سليمان، عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -،وروى أبو أحمد الزبيري وحسين بن حفص ومحمد بن كثير، عن الثوري كما رواه الفريابي يقول: عن سليمان بن رزين، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -،وحدثنا الأحمسي، عن وكيع، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن رزين بن سليمان، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - ".
أقول: رد أبو حاتم زيادة شعبة ورجح حديث سفيان الثوري المرسل، وكذا فعل أبو زرعة.
٢ - ورد زيادة شعبة أيضًا ٢/ ٢٩٥ (٢٣٩٣): إذ روى عبد الرحمن فقال:" سألت أبي عن حديث رواه احمد بن أبي شعيب الحراني، عن مسكين بن بكير، عن شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن قال: سألت أنسًا عن النشرة، فقال: ذكروا عن النبي - ﷺ - أنها من عمل الشيطان؟ فقال أبي: هذا خطأ إنما هو أبو رجاء، قال سألت الحسن عن النشرة، فقال: ذكروا عن النبي - ﷺ - فهذا من كلام الحسن وقيله".
أقول: قد خطأ أبو حاتم زيادة شعبة في وصل الحديث، ولم يعده زيادة ثقة؟
٣ - وقد خطأه أيضًا في ٢/ ٣٨٨ (٢٦٧٥)، قال عبد الرحمن: " سألت أبي، عن حديث رواه أبو سعيد الأشج، عن عقبة ابن خالد، عن شعبة، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال أبو بكر: ألست أحق الناس بهذا ألست أول من أسلم، ألست صاحب كذا، ألست صاحب كذا؟ قال أبي: الناس يروون هذا الحديث، عن أبي نضرة، عن أبي بكر مرسلًا، لا يقولون فيه عن أبي سعيد".
أقول: رد زيادة شعبة في وصل الحديث وعلله أن الناس يرسلونه؟
٤ - وفي ٢/ ٤٣٧ (٢٨١٦) قال عبد الرحمن:" سألت أبي عن حديث رواه أبو عبيدة السقطي، عن الأنصاري، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاووس، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال:"من وهب هبة ثم عاد فيها فهو كالكلب يعود في قيئه"فسمعت أبي يقول: ليس هكذا يروى إنما يرويه عن طاووس أن النبي - ﷺ - مرسل ولا أعلم أحدًا تابع هذه الرواية من حديث الحسن بن مسلم مرفوع موصل".
[ ٣٦٢ ]
أقول: أعله أبو حاتم لأن ابن جريج لم يتابع في وصله؟ فجعل تفرد الثقة بزيادة علة إذا لم يتابع عليها.
ورد أيضًا زيادة حماد بن زيد لأنه زاد على أقرانه فرفع ما أوقفوه.
٥ - وقال عبد الرحمن في ١/ ٤٤٩ (١٣٥١):"سألت أبي عن حديث رواه حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل، عن عثمان، عن النبي - ﷺ - قال:"لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث"؟ قال أبي: حدثنا سليمان بن حرب وأحمد بن يونس، عن حماد بن زيد هكذا، وحدثنا ابن ربيعة، عن عثمان، عن النبي - ﷺ -. قال أبي: غلط ابن الطباع، حديث عبد الله بن عامر غير مرفوع، هو موقوف، فإنَّ حماد بن سلمة رواه عن يحيى بن سعيد، عن أبي أمامة بن سهل
،عن عثمان موقوف. قلت لأبي أيهما أشبه؟ قال: لا أعلم أحدًا يتابع حماد بن زيد على رفعه قلت فالموقوف عندك أشبه؟ قال: نعم ".
أقول فتأمل إعلال أبي حاتم لزيادة -زادها ثقة- لأنه لم يتابع عليها.
وكذا رد زيادة عبد الله بن المبارك (١) وزيادة ابن عيينة (٢)؟
وهما ثقتان جبلان؟
فالأصل عند أبي حاتم أن المتابعة هي التي تزيل الغرابة والنكارة (٣) إذا ما انفرد الثقة بشيء عن أقرانه في الحديث ذاته.
٦ - قال عبد الرحمن:١/ ٣٠٩ (٩٢٧):"سألت أبي عن حديث رواه الهقل وعمرو بن هاشم، عن الأوزاعي، عن سليمان بن حبيب، عن أبي أمامة عن النبي - ﷺ - قال:"ثلاثة كلهم ضامن على الله ".؟ قال: ورواه الوليد وغيره، عن الأوزاعي، عن سليمان، عن أبي أمامة موقوف قال أبي: هقل أحفظ والحديث موقوف أشبه ".
أقول: رد أبو حاتم رواية الأحفظ؟ وقدم عليها رواية الجماعة.
ويتضح القصد أكثر إذا وقفنا على هذا المثال:
٧ - ١/ ١٩٣ (٥٥٤): " قال أبو محمد: سألت أبي عن حديث رواه ملازم بن عمرو
_________________
(١) برقم (١٠٢٩).
(٢) برقم (٨٦١).
(٣) المنكر -عند المتقدمين- أعم مما يصطلح عليه المتأخرون لأنه يشمل الشاذ والمنكر أي تفرد الثقة والضعيف -كما مر-.
[ ٣٦٣ ]
ومحمد بن جابر فاختلفا فروى ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي، عن النبي - ﷺ - أنَّه قال:" لا وتران في ليلة"،وروى محمد بن جابر، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن النبي - ﷺ - ولم يقل عن أبيه ولم يبين أيهما أصح ووددت أيوب بن عتبة قد وافق ملازم بن عمرو في توصيل هذا الحديث عن قيس بن طلق نفسه فقال: عن أبيه عن النبي - ﷺ -، فيدل أن الحديث موصلًا أصح ".
فقد اختلف فيه ملازم بن عمرو أبو عمرو اليمامي وهو- صدوق - كما قال ابن حجر (١)، ومحمد بن جابر اليمامي وهو - صدوق - أيضًا (٢).
فزاد ملازم زيادة وصل على محمد بن جابر ولكن أبا حاتم لم يقبلها بل قال: " وددت أيوب بن عتبة قد وافق ملازم بن عمرو في توصيل هذا الحديث عن قيس بن طلق نفسه فقال: عن أبيه، عن النبي - ﷺ - فيدل أن الحديث موصولًا أصح "، وأيوب بن عتبة هو اليمامي: ضعيف (٣)؟ فجعل أبو حاتم المتابعة -ولو من ضعيف- تصحيحًا للزيادة، فتأمل؟
كما أنه رد زيادة الثوري في:
٨ - حديث ١/ ٩٦ (٢٥٨): "سألت أبي عن حديث رواه الثوري، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله:" أن النبي - ﷺ - قام فكبر فرفع يديه ثم لم يعد " قال أبي: هذا خطأ يقال وهم فيه الثوري، وروى هذا الحديث عن عاصم جماعة فقالوا كلهم: أنَّ النبي - ﷺ - افتتح فرفع يديه ثم ركع فطبق وجعلها بين ركبتيه، ولم يقل أحد ما رواه الثوري" (٤).
وقد أعله أحمد في العلل ومعرفة الرجال ١/ ٦٣٩ - ٦٧١ وعد الوهم من وكيع، وأعله أيضًا الدارقطني في العلل ٥/ ١٧٢ (٨٠٤)،وعد الوهم من أبي حذيفة، عن سفيان.
٩ - وكذا في حديث:١/ ١٠١ (٢٧٣):"سألت أبي عن حديث رواه محمد بن فضيل بن غزوان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -:" إن للصلاة أولًا وآخرًا، وان أول وقت الفجر حين يطلع الفجر "،وذكر مواقيت الصلاة؟ قال
_________________
(١) التقريب (٧٠٥٣)، واستدرك عليه صاحبا التحرير فقالا: بل ثقة، التحرير ٣/ ٤٤٣.
(٢) التقريب (٥٧٧٧)،وقال صاحبا التحرير: (بل ضعيف) ٣/ ٢٢١.
(٣) التقريب (٦١٩).
(٤) انظر المسند الجامع ١١/ ٥٢٨ (٣٠٢٩).،
[ ٣٦٤ ]
أبي: هذا خطأ وهم فيه ابن فضيل يرويه أصحاب الأعمش، عن الأعمش، عن مجاهد قوله " (١).
أقول: أعل زيادة محمد بن فضيل -وهو ثقة- (٢)، وأعله أيضًا يحيى بن معين كما نقله البيهقي ١/ ٣٧٦، والبخاري كما نقله الترمذي في الجامع (١٥١)، وفي العلل الكبير ص٦٢ وأعله أيضًا الدارقطني في السنن ١/ ٢٦٢.
١٠ - وفي حديث ١/ ٣٠٣ (٩٠٧): " قال ابو محمد: سألت أبي عن حديث رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، عن عبد الله ابن عدي الأنصاري، عن النبي - ﷺ -:" أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - ليستأذنه في قتل رجل من المنافقين
".؟ الحديث، قال أبي: هذا خطأ، إنما هو عن عبيد الله بن عدي، عن النبي - ﷺ - مرسل. قلت لأبي الخطأ ممن هو؟ قال: من عبد الرزاق " (٣).
أقول: أعل أبو حاتم زيادة عبد الرزاق الصنعاني لما زاد في إسناده زيادة وصل؟
المبحث الثاني: عند أبي زرعة الرازي:
لا يختلف منهج أبي زرعة عن منهج أبي حاتم في قبول الزيادة أوردها، فهما من مدرسة واحدة، وطريقتهما واحدة، حتى أن عبد الرحمن بن أبي حاتم جمع أقوالهما في كتاب واحد، وبالكاد تجد حديثًا اختلفا في حكمهما عليه.
وقد صرح أبو زرعة الرازي بقبول زيادة الثقة في أكثر من موضع، وكانت هذه الزيادة من قبيل راو واحد أمام راو آخر، وهذا على مذهب المتقدمين، فقال عبد الرحمن في ١/ ٣١٨ (٩٥٢): "سألت أبي عن حديث رواه أبو إسحاق الفزاري وابن المبارك، عن سفيان الثوري، عن زيد العمى، عن معاوية بن قرة، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لكل أمة رهبانية ورهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله".؟ قال أبي: هذا حديث خطأ، إنما هو معاوية بن قرة أتى النبي - ﷺ -، مرسل. قيل لأبى زرعة: أيهما أصح؟ قال: إذا زاد حافظ على حافظ قبل، وابن المبارك حافظ ".
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٦/ ٦٤٢ (١٢٩٢٥).
(٢) قال ابن حجر في التقريب (٦٢٢٧): (صدوق عارف رمي بالتشيع) وقال صاحبا التحرير ٣/ ٣٠٦: (بل ثقة).
(٣) انظر المسند الجامع ٩/ ٦٦٥ (٧١٧٥).
[ ٣٦٥ ]
أقول: هنا رد أبو حاتم زيادة ابن المبارك، لأنه ترجح عنده المرسل، وأما أبو زرعة فإنه ترجح عنده المتصل لقرائن بدت لهما، وعلّل أبو زرعة ذلك: بأن زيادة الواحد على الواحد إذا كان ثقة قبلت؟ وهذا هو منهج أبي حاتم كما مر (١)، فلا تناقض بين منهجيهما.
ويتضح الأمر أكثر في كون أبي زرعة لا يقبل الزيادة -بمفهوم المتأخرين- وإنما يعتمد على المتابعة لهذا الثقة في الحديث الذي سأله عنه الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم إذ قال في٢/ ٣٠٢ (٢٤١٦):
" سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس:" أن النبي - ﷺ - نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد "قلت لهما: وقد روى هذا الحديث هشام الدستوائي، وأبان العطار، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري أن النبي - ﷺ -.؟ فقالا: رواه ابن جريج، عن عبد الله بن أبي لبيد، عن الزهري، عن
عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، وقالا: سمعنا على بن المديني يذكر عن يحيى بن سعيد، عن الثوري قال: اطلعت في كتاب ابن جريج فوجدته فيه عن عبد الله بن أبي لبيد، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس. قال أبو زرعة: وهو أصح. ورواه رباح، عن معمر، عن الزهري أن النبي - ﷺ - وروى أيوب بن سويد، عن ابن جريج، عن الزهري، عن سليمان بن يسار، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس وأخطأ فيه، ولم يسمع ابن جريج من الزهري هذا الحديث، وقد روى بعضهم عن ابن جريج هذا الحديث، فقال: حدثت عن الزهري، وروى هذا الحديث حارث الخازن شيخ بهمذان، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - وأخطأ فيه الشيخ، يشبه أن يكون دخل له حديث في حديث، وليس هذا الحديث من حديث إبراهيم بن سعد. قلت لأبي زرعة: ما حال هذا الشيخ الهذاني؟ قال: كان شيخًالم يبلغني عنه أنه حدث بحديث منكر، إلا هذا وقد كان كتب عن أبي معشر حديثًا كثيرًا، قلت: لأبي زرعة فما وجه هذا الحديث عندك؟ قال: أخطأ فيه عبد الرزاق، والصحيح من حديث معمر، عن الزهري أن النبي - ﷺ - مرسل، وأما نفس الحديث فالصحيح عندنا على ما روي في كتاب ابن جريج، عن عبد الله بن أبي لبيد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، قلت: أليس هشام وأبان
_________________
(١) انظر ص ٢٤٥ من هذا البحث.
[ ٣٦٦ ]
العطار رويا عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري أن النبي - ﷺ -؟ قال: بلى ولكن زيادة الحافظ على الحافظ تقبل ".
فحينما كان الراوي بالزيادة ثقة خالف راو آخر ثقة فرواه متصلًا ورواه الآخر مرسلًا حكم للمزيد لأنه:" زيادة حافظ على الحافظ تقبل" (١).
ويوضح عبد الرحمن بن أبي حاتم منهجية أبي زرعة خاصة، والمتقدمين عامة، إذ يقول: ٢/ ١٨٩ (٢٠٦٤):"سمعت أبا زرعة وحدثنا بحديث اختلف شعبة وهشام الدستوائي فروى شعبة، عن أبي جعفر الخطمي، عن عمارة بن خزيمة، عن عثمان بن حنيف أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي - ﷺ - فقال:" يا رسول الله - ﷺ - أدعُ الله أن يعافيني فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويدعو: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى لي اللهم شفعه في "،هكذا رواه عثمان بن عمر، عن شعبة حدثنا به أبو سعيد بن يحيى ابن سعيد القطان، عن عثمان بن عمر، ورواه عن أبيه، عن أبي جعفر، عن أبي أمامة بن سهل بن
حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف، عن النبي - ﷺ -،فسمعت أبا زرعة يقول: الصحيح حديث شعبة، قال أبو محمد: حكم أبو زرعة لشعبة وذلك لم يكن عنده أحد تابع هشام الدستوائي ووجدت عندي عن يونس بن عبد الأعلى، عن يزيد بن وهب، عن أبي سعيد التميمي يعنى شبيب بن سعيد، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف، عن النبي - ﷺ - مثل حديث هشام الدستوائي واشبع متنًا، وروح بن القاسم ثقة يجمع حديثه فاتفاق الدستوائي وروح بن القاسم يدل على أن روايتهما أصح ".
فالأصل هو المتابعة، فإذا ما وجدت زالت الغرابة وحكم لها، وإلا فالحكم للقرائن.
ولم أقف على مثال واحد يقبل فيه الزيادة -بمفهوم المتأخرين- ولعل الناظر إلى بعض الأحاديث لأول وهلة يعتقد أنه يقبل الزيادة، ولكنه لا يلبث أن يتلاشى ظنه إذا ما جمع طرق الأحاديث، وسأمثل بمثال واحد، صورته كأنه قبل فيه الزيادة، وهو:
١ - حديث ١/ ١٧٦ (٥٠٥) قال عبد الرحمن:"سئل أبو زرعة عن حديث رواه
_________________
(١) انظر العلل ١/ ٩٠ (٢٤١)، فإن أبا حاتم صرح بقاعدة قبول زيادة الثقة على الثقة إذ قال: (هذا زاد رجلًا وذاك نقص رجلًا وكلاهما صحيحان).
[ ٣٦٧ ]
هشيم وسفيان بن حسين وروى أحمد بن يونس عن أبي عوانة كلهم عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير أنه قال: " أنا أعلم الناس بوقت صلاة العشاء، كان يصليها بعد سقوط القمر ليلة الثالثة من أول الشهر "،وروى مسدد عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم، عن النعمان، عن النبي - ﷺ -،قال أبو زرعة: حديث بشير ابن ثابت أصح. قلت: وُفق أبو زرعة لما قال وحكم لمسدد بما أتى، عن أبي عوانة بزيادة رجل في الإسناد، وقد حدثنا أحمد بن سنان، عن يزيد، عن شعبة، عن أبي بشر، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم، عن النعمان ".
فهذا يبدو لأول وهلة أنه قبل الزيادة، وكأن ابن أبي حاتم صوبه وجاء بمتابعة قاصرة وهي متابعة لأبي عوانة نفسه ولكن الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم لم يبين الطرق المتابعة لمسدد نفسه فإنه قد توبع، عن أبي عوانة بالزيادة فهو لم يتفرد؟
وسأذكر طرق هذا الحديث للفائدة:
أقول:
أولًا: - دار الحديث على أبي بشر، جعفر بن إياس بن أبي وحشية -رواه عنه:-
- هشيم بن بشير: أخرجه أحمد ٤/ ٢٧٠،وابن أبي حاتم ١/ ١٧٦ (٥٠٥)،والحاكم ١/ ٢٠٨.
- ورقبة بن مصقلة العبدي: أخرجه النسائي ١/ ٢٦٤
- وسفيان بن حسين: أخرجه ابن أبي حاتم في العلل ١/ ١٧٦ (٥٠٥).
- وأحمد بن يونس: أخرجه بن أبي حاتم ١/ ١٧٦ (٥٠٥).
كلهم عن أبي بشر (جعفر بن إياس)،عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير - مرفوعا ً- (١).
ورواه أبو عوانة، عن أبي بشر فزاد فيه رجلًا: - بشير بن ثابت -، إذ رواه عنه:
- مسدد بن مسرهد: أخرجه أبو داود (٤١٩)،والترمذي (١٦٥)،والبيهقي ١/ ٤٤٨.
عفان بن مسلم الصفار - ثقة ثبت - (٢):أخرجه أحمد ٤/ ٢٧٤، النسائي ١/ ٢٦٤،
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٥/ ٥٠٥ (١١٨٧٠).
(٢) التقريب (٤٦٢٥).
[ ٣٦٨ ]
وفي الكبرى ١/ ٤٧١ (١٥١٠).
عبد الرحمن بن مهدي - الحافظ -:أخرجه الترمذي (١٦٥).
ومحمد بن أبي الشوارب: أخرجه الترمذي (١٦٥).
ويحيى بن حماد بن أبي زياد: أخرجه الدارمي ١/ ٢٩٨ (١٢١١).
وسريج بن مروان الجوهري: أخرجه أحمد ٤/ ٢٧٤.
ومحمد بن الفضل عارم: أخرجه الحاكم ١/ ٢٠٨.
فمسدد لم ينفرد في زيادته، بل توبع، تابعه جماعة - كما مر -، وإنما العلة في كون أبي عوانة قد تفرد أم لا؟ والجواب: هو ما ذكره أبن أبي حاتم من كون أبي زرعة قد وفّق لما حكم لزيادة أبي عوانة على أقرانه بالقبول، لأنه توبع، ثم ذكر طريق شعبة.
وأخرج طريق شعبة أحمد ٤/ ٢٧٢، وابن أبي حاتم ١/ ١٧٦ (٥٠٥)، والترمذي (١٦٥) (١)، وقد علل الترمذي ترجيحه للزيادة للمتابعة نفسها.
وقد رواه بن حبان ٤/ ٢٩٢ (١٥٢٦) من طريق إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن حبيب بالزيادة فتابع أبا بشر - أصلًا - بالزيادة، ولعل هذا الاختلاف هو من أبي بشر إذ رواه على الوجهين، والله أعلم.
ثانيًا: لو سلمنا جدلًا أنه قبل الزيادة هنا، - وهو لا يصح -، فإنها ليست من قبيل الزيادة التي نناقشها، بل هي من المزيد في متصل الأسانيد لتحقق سماع أبي بشر من الرجلين (٢).
٢ - وفي حديث ٢/ ١٢ (١٥٠٨) يبين أن أبا زرعة لم يقبل الزيادة -بمفهوم المتأخرين-حيث رد زيادة محمد بن فضيل -وهو ثقة (٣) -، قال عبد الرحمن:" سئل أبو زرعة عن حديث رواه ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح وأبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده بالمنديل حتى يلعقها أو يلعقها فإنه لا يدري في أي طعام البركة قال أبو زرعة: الناس يقولون: عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي - ﷺ - فقط بلا أبي صالح".
_________________
(١) انظر المسند الجامع ١٥/ ٥٠٥ (١١٨٧٠).
(٢) انظر تهذيب الكمال ١/ ٤٥٤ (٩١٥).
(٣) انظر هامش الصفحة الآتية.
[ ٣٦٩ ]
أقول: دار الحديث على الأعمش رواه عنه:
- جرير بن عبد الحميد الثقفي: أخرجه مسلم ٣/ ١٦٠٧ (٢٠٣٣).
- وأبو معاوية: أخرجه أحمد ٣/ ٣١٥، ومسلم ٣/ ١٦٠٧ (٢٠٣٣).
- ويعلى بن عبيد: أخرجه أبو عوانة ٥/ ١٦٩ (٨٢٧٧)،وأبو يعلى ٤/ ١٩٠ (٢٢٨٣و٢٢٨٤).
- وعيسى بن يونس: أخرجه أبو عوانة ٥/ ١٦٩ (٨٢٧٨).
كلهم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر به مرفوعًا (١).
ورواه محمد بن فضيل، عن الأعمش فقال: عن الأعمش، عن أبي صالح وأبي سفيان، فزاد (أبا سفيان)، أخرجه مسلم ٣/ ٣١٥ (٢٠٣٣) وأبو يعلى ٤/ ١٢١ (٢١٦٥) من طرق عن محمد بن فضيل به (٢).
وأخرجه ابن ماجه (٣٢٧٩) من طريق علي بن المنذر (٣)،عن ابن فضيل دونها (٤).
أقول: فلو قال أبو زرعة بالزيادة فلماذا لم يقبلها هنا؟
وأما عن تخريج الإمام مسلم لها فلعله أراد أن ينبه على خطأ ابن فضيل إذ أخرجها في الشواهد - والله أعلم -.
٣ - وكذا حديث ٢/ ٣٦ (١٥٨٨): " سئل أبو زرعة عن حديث رواه ابن عيينة، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت:"كان أحب الشراب إلى رسول الله - ﷺ - الحلو البارد"، وروى هشام بن يوسف وابن ثور، عن معمر، عن الزهري قال: قال رسول الله - ﷺ -:"أطيب الشراب الحلو البارد"فقال أبو زرعة: المرسل أشبه ".
أقول: دار الحديث على معمر بن راشد رواه عنه: (عبد الرزاق الصنعاني وعبد الله بن المبارك) مرسلًا، كما أخرجه أبو زرعة في العلل ٢/ ٣٦ (١٥٨٨)، والترمذي
_________________
(١) انظر المسند الجامع ٤/ ٢٠١ (٢٦٦٧).
(٢) انظر المسند الجامع ٤/ ٢٠١ (٢٦٦٧).
(٣) جاء في التقريب (صدوق يتشيع)، قلت: أما تشيعه، فقد أطلقها الإمام النسائي: وهي لا تؤثر على مروياته إلا فيما يوافقها، وقد نفى د. بشار عواد معروف كون له رواية في كتب الشيعة، وأما كونه صدوقًا: فقد وثقه أبو حاتم الرازي، والنسائي وللمزيد انظر ميزان الاعتدال ٣/ ١٥٧، وتحرير التقريب ٣/ ٥٥.
(٤) المسند الجامع ٤/ ٢٠١ (٢٦٦٧).
[ ٣٧٠ ]
(١٨٩٦) وقال: " هذا أصح من حديث ابن عيينة" (١).
ورواه سفيان بن عيينة، عن معمر فوصله، أخرجه الحميدي ١/ ٣٦ (٢٥٧)، وأحمد ٦/ ٣٨ و٤٠،والترمذي (١٨٩٥)، وفي الشمائل (٢٠٤)، والنسائي في الكبرى ٤/ ١٩٠ (٦٨٤٤)، وأبو يعلى ٨/ ١٤ (٤٥١٦)، والحاكم ٤/ ١٥٣،والبغوي (٣٠٢٦) كلهم من طرق، عن سفيان به موصولًا (٢)
أقول: فلو كان أبو زرعة - وكذا الترمذي - يقول بالزيادة فلماذا ردها هنا؟
وقد صحح الشيخ الألباني هذه الزيادة (٣)؟!
٤ - وقد رد أبو زرعة أيضًا زيادة حفص بن غياث -وهو ثقة (٤) - في حديث ١/ ٦٣ (١٦٤): "سئل أبو زرعة عن حديث سهل بن عثمان العسكري، عن حفص بن غياث، عن الحجاج بن أرطاة، عن عطاء، عن حمران بن أبان أو أبان بن حمران، عن عثمان، عن النبي - ﷺ - أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا إلا مسح رأسه مرة، قال أبو زرعة: روى هذا الحديث حماد بن زيد بن سلمة وهشيم وعباد بن عوام وابن أبي زائدة، عن حجاج، عن عطاء، عن عثمان مرسل ورواه يزيد بن أبي حبيب وأسامة بن زيد والليث وابن لهيعة، عن عطاء، عن عثمان مرسل ورواه ابن جريج، عن عطاء أنه بلغه، عن عثمان مرسل وهو الصحيح عندنا ".
وللمزيد أنظر الأحاديث التي ردها أبو حاتم، وأبو زرعة أو أحدهما في الآتي: «٢٣و ٢٤ و٣٥ و٤٨ و٥٠ و٥١ و٥٨ و٦٠ و٧٠ و٧٥ و٨٢ و١٠٨ و١٣٣ و١٤٠ و١٤٣ و١٤٣ و١٥٣ و١٥٤ و١٦٣ و١٦٤ و١٦٥ و١٦٨ و١٧١ و١٧٤ و١٧٥
و١٨٦ و١٩١ و١٩٥ و٢٠٠ و٢١٢ و٢١٣ و٢١٥ و٢٢٦ و٢٣٣ و٢٣٨ و٢٤٩ و٢٥٩ و٢٦١ و٢٦٢ و٢٦٣ و٢٦٤ و٢٦٥ و٢٨٠ و٢٩١ و٢٩٣ و٢٩٦ و٢٩٨و ٣٠٠ و٣١٠ و٣١٤ و٣١٨ و٣٢٧ و٣٢٩وو٣٣٣ و٣٣٩ و٣٤٠ و٣٦٤ و٣٧١ و٣٧٣ و٣٨١ و٤٠٦ و٤٠٩ و٤١٤ و٤١٥ و٤٢٢ و٤٦٣ و٤٦٥ و٤٨١
_________________
(١) انظر المسند الجامع ٢٠/ ٧١ (١٦٨٣٨).
(٢) مصدر سابق.
(٣) صحيح الترمذي (١٥٤٥).
(٤) انظر التقريب (١٤٣٠)، وانظر التحرير ١/ ٣٠٦.
[ ٣٧١ ]
و٤٨٤ و٤٩٨ و٥١٣ و٥٢١ و٥٢٨ و٥٤٦ و٥٤٧ و٥٥١ و٥٦٧ و٥٧٥ و٥٨٥ و٥٩١ و٦١٧ و٦٢٢ و٦٢٣ و٦٢٦ و٦٣٠ و٦٤٢ و٦٤٧ و٦٥٠ و٦٥٢ و٦٥٤ و٦٥٩ و٦٦٨ و٦٧٦ و٦٨٠ و٧٠٦ و٧١٩ و٧٢٢ و٧٣٨ و٧٥٩ و٧٦٠ و٧٩١ و٧٩٣ و٨٠١ و٨٠٣ و٨١٢ و٨١٤ و٨١٨ و٨٢٤ و٨٣٨ و٨٤٠ و٨٤٩ و٨٦١ و٨٦٧ و٨٨٠ و٨٨١ و٩٠٥ و٩٠٧ و٩١٥ و٩٢٧ و٩٣٨ و٩٤٤ و٩٥٢ و٩٦٢ و١٠٠٣ و١٠١٣ و١٠١٨ و١٠٢٩ و١٠٣٥ و١١٣٥ و١١٤٧ و١١٧٥ و١١٨٠ و١١٩٣ ١٠٣٩ و١٠٤٨ و١٠٦٢ و١٠٧٥ و١٠٩٣ و١١١٦ و١١٢٨ و١١٣٠ وو ١١٩٩ و١٢٠١ و١٢١١و ١٢١٦و ١٢٢٢و ١٢٢٤و ١٢٤٣ و١٢٤٤و ١٢٤٥ و١٢٥٠ و١٢٧٨ و١٢٧٩ و١٢٩٠ و١٢٩٤ و١٢٩٧ و١٣٠٧ و١٣١٧ و١٣٢٢ و١٣٢٤ و١٣٢٦و ١٣٢٨و ١٣٣٠ و١٣٥١ و١٣٧٤ و١٣٧٥ و١٣٨٢ و١٣٨٣ و١٩٩٠ و١٣٩٢ و١٣٩٣ و١٣٩٧ و١٣٩٨ و١٣٩٩و ١٤٠١ و١٤١٣ و١١٨ و١٤٢٢ و١٤٤٢ و١٤٦٣ و١٤٧١ و١٤٩٥ و١٤٩٨ و١٤٩٩ و١٥٠٣ و١٥٠٨ و١٥٢٤ و١٥٢٥ و١٥٨٦ و١٥٨٨و ١٥٩٥ و١٦٠٥ و١٦٠٨ و١٦١٤ و١٦١٦ و١٦١٧ و١٦٣٠ و١٦٣١و ١٦٣٣ و١٦٣٥ و١٦٣٩ و١٦٥٦و ١٦٨١ و١٦٨٤ و١٦٨٥ و١٦٩٣ و١٧٢٢ و١٧٣٤ و١٧٤٩ و١٧٥٥ و١٧٧٦ و١٧٩٢ و١٧٩٧ و١٨٠٠ و١٨٠٦ و١٨٢٦ و١٨٤٢ و١٨٤٣ و١٨٤٤ و١٨٥٧ و١٨٨٥ و١٨٩٥ و١٩١٣ و١٩١٤ و١٩٢٧ و١٩٣٨ و١٩٨٩ و١٩٩١ و٢٠٠٢ و٢٠٣٠ و٢٠٣٠ و٢٠٤٣ و٢٠٤٥ و٢٠٤٨ و٥٩ ٢٠ و٢٠٦٤ و٢٠٧٠ و٢٠٧٥ و٢٠٨٠ و٢٠٨٦ و٢٠٨٩ و٢٠٩٠ و٢١١٤ و٢١٢٤ و٢١٣١ و٢١٣٢ و٢١٣٦ و٢١٤٠ و٢١٤١ و٢١٤٢ و٢١٤٤ و٢١٤٧ و٢١٥٠ و٢١٥٢ و٢١٥٤ و٢١٨٨ و٢١٩٤ و٢٢٠٢ و٢٢٠٤ و٢٢٠٩ و٢٢١٧ و٢٢٢٠ و٢٢٢٤ و٢٢٣٦ و٢٢٣٧ و٢٢٤٣ و٢٢٥٣ و٢٢٨٢ و٢٢٨٥ و٢٢٩٨ و٢٣١٤ و٢٣٢٤ و٢٣٧٢ و٢٣٧٧ و٢٤١٣ و٢٤١٦ و٢٤٢٨ و٢٤٨٢ و٢٤٩٧ و٢٥٠٦ و٢٥٠٨
و٢٥١١ و٢٥١٣ و٢٥٢٤ و٢٥٦٦ و٢٥٦٧ و٢٥٨٥ و٢٥٩٠ و٢٥٩٢ و٢٦٢٦ و٢٦٣٤ و٢٦٣٨ و٢٦٤٤ و٢٦٥٠
[ ٣٧٢ ]
و٢٦٦٦ و٢٦٧٥ و٢٦٩٧ و٢٧١٣ و٢٧٢٠ و٢٧٢٨ و٢٧٣٨و ٢٧٧٤ و٢٧٧٥ و٢٧٧٦ و٢٧٩٤ و٢٧٩٧و ٢٨٠٨ و٢٨١٩ و٢٨٣٧ و٢٨٣٩».
المبحث الثالث: عند الإمام البخاري وتلميذه الترمذي:
الإمام الترمذي له كتاب في العلل أعقبه آخر الجامع، وله كتاب مفرد في العلل هو العلل الكبير، برزت شخصية الإمام الترمذي من خلالها وقد ناظر فيها شيوخه المبرزين في العلل كالإمام البخاري، وأبي زرعة وغيرهما، يقول الإمام الترمذي:
" وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتأريخ فهو ما استخرجته من كتاب التأريخ، وأكثر ما ناظرت فيه محمد بن إسماعيل ومنه ما ناظرت فيه عبد الله بن عبد الرحمن، وأبا زرعة وأكثر ذلك عن محمد وأقل شيء فيه عن عبد الله وأبي زرعة.
ولم أر أحدًا بالعراق، ولا بخراسان في معنى العلل والتأريخ ومعرفة الأسانيد كثير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل " (١).
وقد برع الإمام الترمذي في كتابه العلل -الكبير- في نقل سؤالاته للإمام البخاري ومناقشتها.
والذي يهمنا هنا هو مذهب الإمام الترمذي -كناقد في العلل- وليس كمحدث راوية، وإن كان كتابه السنن مليء بالأمثلة، ولكنه في كتابه العلل تخصص أكثر ونقل كلام شيخه البخاري فإنك بالكاد تجد حديثًا لم يسأل به شيخه فيبين علته وموطن النقد.
وبعد استقراء لأحاديث العلل الكبير وجدت الإمام الترمذي في العادة ينقل كلام الإمام البخاري - شيخه - ويسكت عنه، وهذا يعني موافقته لمقالته وإلاّ لخالفه فيها، أو ناقشه.
ومن خلال الأحاديث تبين لي أنه يقبل الزيادة كما قبلها في الجامع على منهج المتقدمين، أمّا على منهج المتأخرين لمعنى الزيادة فلم يقبلها، بل كم أعلّ من أحاديث علتها أنّها تفرد بها ثقة عن بقية الثقات.
وسأذكر بعض الأمثلة من كتاب العلل الكبير:-
١ - حديث (٣٨) ص٤٢:-حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عن علي بن أبي طالب أن
_________________
(١) العلل آخر الجامع ٥/ ٥٠ - ٥١.
[ ٣٧٣ ]
نبي الله - ﷺ - قال:"في بول الغلام الرضيع ينضح بول الغلام ويغسل بول الجارية "،قال قتادة: وهذا إذا لم يطعما، سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال شعبة: لا يرفعه وهشام الدستوائي حافظ ورواه يحيى القطان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة فلم يرفعه ".
الإمام البخاري رد زيادة هشام الدستوائي لما زاد على (شعبة، وابن أبي عروبة) وكأن البخاري (١) هنا بين منهجية المتقدمين إذ قال:-
" شعبة لا يرفعه، وهشام - يرفعه - حافظ " يعني أصبح من المختلف ثقة يرفعه وثقة لا يرفعه، فجاء البخاري بطريق جديد وهو متابع للطريق الموقوف معاضدًا لرواية شعبة وهو حديث ابن أبي عروبة وهو ثقة أيضًا فأصبح الوصل معلولًا لما خالف واحد ثقة، ثقتين.
٢ - قال الترمذي في حديث (١٥٨) ص٩٥:-
حدثنا يحيى بن موسى قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر بن عبد الله: " أن النبي - ﷺ - أقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة " سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال يروى عن ابن ثوبان عن النبي - ﷺ - مرسلًا ".
أقول: الإمام البخاري أعلَّ زيادة معمر بن راشد لما تفرد في وصل هذا الحديث ورواه الناس مرسلًا.
قال أبو داود (١٢٣٥):"غير معمر لا يُسنده"،وقال البيهقي في السنن ٣/ ١٥٢: " تفرد معمر بروايته مسندًا، ورواه علي بن المبارك وغيره عن يحيى عن ابن ثوبان عن النبي - ﷺ - مرسلًا ".
٣ - وقال في حديث (٢٥٩) ص١٥١:
حدثنا هناد قال: حدثنا ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني عن واثلة بن الأسقع عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله - ﷺ -:" لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها "سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: حديث الوليد بن مسلم أصح وهكذا روى غير واحد عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بسر بن عبيد الله عن واثلة بن
الأسقع. قال محمد: وبسر بن عبيد الله
_________________
(١) ولقائل أن يقول: هذا كلام الترمذي ولا بأس به فالكلام يتحمل.
[ ٣٧٤ ]
سمع من واثلة وحديث ابن المبارك خطأ إذ زاد فيه عن أبي إدريس الخولاني ". أقول: رد زيادة الأحفظ ورجح رواية الأخف ضبطًا لما توبع (١).
وللمزيد انظر أرقام الأحاديث في العلل:"٩و٣٨ و٦٩و٧٢و٨٢و٩٠ و٩٥و٩٨و٩٩و١٠٤ و١١٧و١٢٩و١٤٤و١٥٨و٢٠٣و٢٢١و٢٣٨و٢٤٨و٢٥٩و٢٧٥و٢٨٣و٢٨٦و٢٩٠و٢٩٢وو٣١٢و٣١٩و٣٩٥و٤٠٨و٤١٣و٤٥٤و٤٥٥و٤٧١و٤٧٣و٥١٣و٥٧٧و٥٧٩و٦٢٩و٦٤٢و ٦٨٠ و٦٨٢ و٦٨٥ و٦٩٠ ".
المبحث الرابع: عند الإمام مسلم:
الإمام مسلم من الأئمة المبرزين في النقد، ومعرفة العلل، وتبرز شخصيته النقدية بشكل كبير في كتابه العظيم " التمييز"،إذ قد ضمنه أبوابًا وتقسيمات دلّت على فطنته، ويقظته في معرفة مظان العلة، ووسيلة الكشف عنها.
وليس ذلك عجبًا فهو الإمام الجليل، صاحب أصح كتاب بعد صحيح الإمام البخاري.
ولم تخف شخصيته النقدية في جامعه الصحيح بل ضمنَّه عللًا في مواضع عديدة ونبه على ذلك في مقدمته (٢).
وفيما يخص موضوع زيادة الثقة فإنه وضع أول باب في التمييز يتعلق بحيثية مهمة في الزيادة، وهي التفرد والمخالفة فقال:"السمة التي تعرف بها خطأ المخطئ في الحديث وصواب غيره إذا أصاب".
ثم ذكر لنا وجهتين: إحداهما أن ينقل الناقل حديثًا بإسناد فينسب رجلًا مشهورًا ينسب في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته إلى أنْ قال: " والجهة الأخرى: أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثًا عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمّن حدّث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى مَنْ وصفنا من الحفاظ فيعلم حينئذٍ أن الصحيح من الروايتين ما
_________________
(١) وكذا خطأ أبو حاتم ابن المبارك في زيادته، انظر العلل ١/ ٨٠ (٢١٣).
(٢) انظر ص٣٧٠ فما بعد من هذا البحث.
[ ٣٧٥ ]
حدّث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد وإن كان حافظًا، على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم، وسنذكر
من مذاهبهم وأقوالهم في حفظ الحفاظ وخطأ المحدثين في الروايات ما يستدل به على تحقيق ما فسرت لك " (١).
وهذا هو مذهب المتقدمين كما قال الإمام مسلم فهم يقضون برواية الجماعة على الواحد وعندهم: العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، إذ في العدد الكثير تقل احتمالية نسبة الخطأ إليهم، بخلاف الواحد وإنْ كان حافظًا فاحتمالية الخطأ والوهم واردة منه.
ولعل أحدهم يورد شبهة وهي: إنّ كلام الإمام مسلم هنا لا يعني الزيادة التي معناها تفرد راوٍ واحد عن الجماعة - إذا كانوا ثقات - في نفس الشيخ بزيادة في السند أو المتن.
فأقول: قد يشمل النص السابق للإمام مفهوم كل مخالفة ولكنّ الزيادة تدخل في معنى كلامه جزمًا، إذ قد انطبق ذلك في أمثلة، وعَدَ الإمام مسلم بإيرادها في تتمة النص: " وسنذكر من مذاهبهم وأقوالهم ".
ثم أورد تلكم الأمثلة فمنها:-
١ - في ص٢٠٢ (٧٩) رد زيادة أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان وهو صدوق، في حديث المسح على النعلين فبوّب:"ذكر خبر ليس بمحفوظ المتن "،ثم مثل له فقال:"حدثنا يحيى بن يحيى قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على الجوربين والنعلين ".
٢ - وردّ زيادة عبد العزيز بن أبي رواد ص٢١١ (٩٢)، تحت عنوان باب: "ذكر رواية فاسدة بين خطؤها بخلاف الجماعة من الحفاظ". فمثل له فقال:"حدثني القاسم بن زكريا بن دينار قال: حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر كان الناس يخرجون صدقة الفطر في عهد النبي - ﷺ - صاع شعير أو تمر أو سلت أو زبيب فلما كان عمر وكثرت الحنطة جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء وسنذكر إن شاء الله من رواية أصحاب نافع بخلاف ما روى عبد العزيز".
_________________
(١) التمييز ص١٧٠ - ١٧٢ بتصرف.
[ ٣٧٦ ]
أقول: قوله:"ذكر رواية فاسدة بيّن خطؤها بخلاف الجماعة من الحفاظ "أسأل هنا: ما هو الخلاف في هذه الرواية؟ عبد العزيز زاد على بقية الرواة زيادة متن " ألفاظًا " قصر عنها بقية الرواة، فسمّاها الإمام مسلم مخالفة!؟ أمّا عند المتأخرين فلا يسمونها مخالفة؟! بل يسمونها زيادة ثقة (١)؟!
٣ - وردَّ زيادة الإمام مالك - على جلالة قدره وحفظه - في حديث ص٢٢٠ (١٠٥)، بوبه فقال:" ذكر حديث وهم مالك بن أنس في إسناده ". -ثم قال-: " حدثنا قتيبة، قال: حدثنا مالك، عن هشام، عن أبيه أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول:" صلينا وراء عمر بن الخطاب الصبح فقرأ سورة يوسف وسورة الحج قراءة بطيئة، فقلت: إذن والله كان يقوم حين يطلع الفجر، قال: أجل"، فخالف أصحاب هشام هلمَّ جرا مالكًا في هذا الإسناد، في هذا الحديث. (١٠٦) أبو أسامة عن هشام قال: أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة قال:"صليت خلف عمر فقرأ سورة الحج وسورة يوسف قراءة بطيئة"،وكيع عن هشام أخبرني عبد الله بن عامر، وحاتم عن هشام عن عبد الله بن عامر قال:"صلى بنا عمر "، فهؤلاء عدة من أصحاب هشام كلهم قد أجمعوا في هذا الإسناد على خلاف مالك، والصواب ما قالوا دون ما قال مالك يتلوه مالك بإسناده ".
أقول: زاد الإمام مالك بن أنس: كلمة " الصبح "، فانفرد بها عن بقية الرواة فصوب الإمام مسلم رواية الجماعة ووهمه.
فلو كان الإمام مسلم يقول بالزيادة فلماذا ردها من الإمام مالك ومن أبي رواد؟!
أقول: وأورد الإمام مسلم أمثلة على قبول الزيادة - على منهج المتقدمين - فقد أطلق قبول الزيادة في الأخبار، وأراد أن ينفرد حديث عن حديث، أي أنه إذا كان ثمة حديث، محفوظ، معروف بسند ما وبمتن معروف، ثم جاء نفس الحديث بسند آخر فلا يقبل الحديث هذا إلاّ إذا كان من الذين: " لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم "، ومثّل لذلك الإمام مسلم بحديث: طاووس عن ابن عباس، وسعيد بن جبير عن ابن عباس:
ص - ١٨٨ - ١٨٩ (٥٨) فقال: " ومن الأخبار المنقولة على الوهم في الإسناد والمتن جميعًا: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا أبو خالد عن أيمن عن أبي الزبير عن جابر عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول: " بسم الله وبالله والتحيات لله "، قال أبو الحسين: هذه الرواية من
_________________
(١) وللمزيد انظر ص٦٤ من البحث هذا.
[ ٣٧٧ ]
التشهد والتشهد غير ثابت الإسناد والمتن جميعًا، والثابت ما رواه الليث وعبد الرحمن بن حميد فتابع فيه في بعضه فيما (٥٩): حدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث وحدثنا أبو بكر قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا عبد الرحمن بن حميد قال: حدثني أبو الزبير عن طاووس عن ابن عباس قال:"كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن "سمعتُ مسلمًا يقول: فقد اتفق الليث وعبد الرحمن بن حميد الرؤاسي،
عن أبي الزبير عن طاووس، وروى الليث فقال: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وكل واحد من هذين عند أهل الحديث أثبت في الرواية من أيمن، ولم يذكر الليث في روايته حين وصف التشهد
:"بسم الله وبالله "،فلما بان الوهم في حفظ أيمن لإسناد الحديث بخلاف الليث وعبد الرحمن إياه، دخل الوهم أيضًا في زيادته في المتن، فلا يثبت ما زاد فيه. وقد روي التشهد عن رسول الله - ﷺ - من أوجه عدة صحاح فلم يذكر في شيء منه بما روى أيمن في روايته قوله بسم الله وبالله، ولا ما زاد في آخره من قوله:" أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار "والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم ".
وتأمل في هذا النص ص١٩٨ - ٢٠٠:- " وقد ذكرنا رواية الكوفيين حديث ابن عمر في سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام وقد أوهموا جميعًا في إسناده، إذ انتهوا بالحديث إلى ابن عمر، حكى ذلك من حضور رسول الله - ﷺ - حين سأله جبريل ﵇، وإنما روى ابن عمر عن عمر بن الخطاب أنه هو الذي حضر ذلك دون أن يحضره ابن عمر، ولو كان ابن عمر عاين ذلك وشاهده لم يجز أن يحكيه عن عمر، وسنذكر إن شاء الله رواية من أسند هذا الحديث إلى ابن عمر يرويه عن عمر عن النبي - ﷺ - وسؤال جبريل ﵇ إياه ثم نذكر مواضع العلل في متنه ونبينها إن شاء الله، وذكر حديث كهمس ومطر الوراق وعثمان بن غياث وسليمان التيمي عن يحيى عن ابن عمر عن عمر عن النبي - ﷺ - فهذه رواية البصريين لهذا الحديث، وهم في روايته أثبت وله أحفظ من أهل الكوفة، إذ هم الزائدون في الإسناد: عمر بن الخطاب ولم يحفظ الكوفيون فيه عمر، والحديث للزائد والحافظ لأنه في معنى الشاهد الذي قد حفظ في شهادته ما لم يحفظ صاحبه، والحفظ غالب على النسيان وقاض عليه لا محالة. فأما رواية أبي سنان عن علقمة في متن هذا الحديث إذ قال فيه: إن جبريل ﵇ حيث قال:"جئت أسألك عن شرائع الإسلام"فهذه زيادة مختلفة، ليست من الحروف بسبيل، وإنما أدخل هذا
[ ٣٧٨ ]
الحرف في رواية هذا الحديث شرذمة، زيادة في الحرف مثل: ضرب النعمان بن ثابت وسعيد بن سنان ومن يجاري الإرجاء نحوهما، وإنما أرادوا بذلك تصويبًا في قوله: في الإيمان وتعقيد الإرجاء ذلك ما لم يزد قولهم إلا وهنًا، وعن الحق إلا بعدًا، إذ زادوا في رواية الأخبار ما كُفىَ بأهل العلم، والدليل على ما قلنا من إدخالهم الزيادة في هذا الخبر: أن عطاء بن السائب، وسفيان روياه عن علقمة فقالا: قال:" يا رسول الله، ما الإسلام؟ "وعلى ذلك رواية الناس بعد، مثل سليمان ومطر، وكهمس، ومحارب،
وعثمان، وحسين بن حسن، وغيرهم من الحفاظ، كلهم يحكي في روايته أن جبريل ﵇ قال:"يا محمد ما الإسلام؟ "ولم يقل: ما شرائع الإسلام؟ كما روت المرجئة ".
فاستفيد منه:
١ - أطلق الإمام مسلم قبول الزيادة على حديث زاده جماعة على جماعة، فالذين رووا الزيادة: " كهمس ومطر الوراق وعثمان بن غياث وسليمان التيمي عن يحيى بن يعمر ".
٢ - أو كان من المزيد في متصل الأسانيد، لتحقق سماع ابن عمر من النبي، واحتمالية حضوره الحادثة.
٣ - علل خطأ الراوي، الذي زاد كون بقية الرواة أوردوه دونها إذ قال:" والدليل على ما قلنا من إدخالهم الزيادة في هذا الخبر: أن عطاء بن السائب، وسفيان روياه عن علقمة فقالا: قال يا رسول الله ما الإسلام، وعلى ذلك رواية الناس بعد ".
وهكذا نخلص أن الإمام مسلمًا في " التمييز " يعلّ زيادة الثقة إذا ما انفرد بها ثقة عن جماعة الثقات فيزيدها عليهم؟!.
المبحث الخامس: عند الإمام الدارقطني:
من المعلوم أن الإمام الدارقطني من علماء القرن الرابع الهجري ت (٣٨٥) هـ إلاّ أنّه يحمل منهجية المتقدمين في النقد والتعليل، بل هو رأس في علم العلل، ويعد من أفذاذ هذا الفن، ولشدة حفظه وضبطه ومعرفته فاق أقرانه وكثيرًا ممن سبقه، وتقرأ دومًا اسمه مقرونًا بأسماء جبال العلل كابن المديني، وابن معين، وأحمد، وأبي حاتم، والبخاري، ومسلم .. وهكذا.
ومن يقرأ كتابه العظيم: " العلل الواردة في الأحاديث النبوية "، أو كتابه النافع الماتع:
[ ٣٧٩ ]
" الإلزامات والتتبع " يعرف مقدار علميته وحافظته، وقد استهواني الإمام الدارقطني كثيرًا في بحثي هذا، فلا يكاد ينفك من لساني وقلمي يومًا من الأيام، بل مرت لحظات لم أشعر إلاّ وأنا أقبل كتابه العلل، أو التتبع إعجابًا وإكبارًا له؟ فهو بحق أمير المؤمنين في العلل (١)،ولم يأت بعده أحدٌ بمثل علميته وبمثل مقدرته على نقد المتون والأسانيد.
وقد سلك الإمام الدارقطني جادة المتقدمين في قبول الزيادة وفي ردها، ولا يعني ذلك أنه التقليد المذموم، بل هو الاتباع القائم على أسس النقد وعلى سبر الروايات والطرق.
وفيما يتعلق بموضوعنا - زيادة الثقة - وجدت أن الدارقطني قد صرح بقبولها في علله في أكثر من موضع فقال: " زيادة الثقة مقبولة "، وكانت تلك الأحاديث هي من المختلف أي زيادة الواحد على الواحد، أو الجماعة على الجماعة وسنذكرها:
١ - حديث١/ ١٦٦ (٤):"وسئل عن حديث عمر عن أبي بكر عن النبي - ﷺ -:"سلوا الله العفو والعافية "الحديث، فقال: رواه حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري، واختلف عنه فرواه قتادة عن حميد بن عبد الرحمن عن عمر عن أبي بكر، حدث به سليم بن حيان عن قتادة كذلك، واختلف عن سليم فقيل عنه عن قتادة عن حميد الحميري عن ابن عباس عن عمر عن أبي بكر، حدثنا بذلك محمد بن مخلد قال: حدثنا حاتم بن الليث، قال: حدثنا بحر بن سُويد الحنفي، قال: حدثنا الأصمعي، قال: حدثنا سليم بن حيان، ورواه أبو التياح فخالف قتادة، فرواه عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي بكر، ولم يذكر عمر ولا ابن عباس، وقول سليم بن حيان فيه أصح لأنه ثقة، وزاد فيه عمر وزيادته مقبولة".
قلت: قبل زيادة الثقة لما كانت من واحد أمام واحد (٢).
٢ - وفي ٢/ ٧٤ (١٢٠): " وسئل عن حديث أبي الصديق الناجي عن ابن عمر عن عمر أنه سأل النبي - ﷺ - عما يذيل النساء من الثياب، فقال: " شبرًا " .. الحديث؟ فقال: هو الحديث رواه مسعود بن سعد الجُعفي عن مطرف عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي
_________________
(١) هذا بالنسبة لمن خلفه، وليس لمن سبقه: فأين هو من الزهري، ومالك، وابن مهدي والسفيانين، وأبي حاتم، وأبي زرعة، وأحمد، والبخاري ومسلم، وغيرهم.
(٢) وانظر العلل ٢/ ١٨٢ (٢٠٥) كمثال على قبوله جماعة أمام جماعة.
[ ٣٨٠ ]
عن ابن عمر عن عمر، وتابعه سابق الرقي عن مطرف وخالفهما شريك القاضي فرواه عن مطرف، وأسنده عن ابن عمر، ولم يذكر عمر وتابعه سفيان الثوري، فرواه عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -،ولم يذكر فيه عمر، وكذلك روي عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس ابن أبي حازم عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -،ومطرف من الأثبات، وقد اتفق عنه رجلان ثقتان فأسنده عن عمر ولولا أن الثوري خالفه فرواه عن زيد العمي فلم يذكر فيه عمر لكان القول قول من أسند عن عمر لأنه زاد وزيادة الثقة مقبولة والله أعلم".
أقول: أطلق الدارقطني مصطلح"زيادة الثقة مقبولة"على المزيد في متصل الأسانيد إذ رواه مطرف عن زيد العمي ورواه عن مطرف (مسعود بن سعد الجعفي وسابق الرقي) فروياه بزيادة
(عمر)، ورواه شريك عن مطرف دون الزيادة ورواه سفيان الثوري عن زيد العمي دون الزيادة أيضًا " (١).
ويفهم من قول الدارقطني:"ولولا أن الثوري خالفه فرواه عن زيد العمي فلم يذكر فيه عمر لكان القول قول من أسند عن عمر لأنه زاد "وزيادة الثقة مقبولة "والله أعلم "، أن الإمام الدارقطني عد المزيد في متصل الأسانيد زيادة ثقة.
إذ أنّ (مسعود وسابق) كلاهما لم يأتيا بالزيادة ومع ذلك فإن سماع ابن عمر للحديث ممكن جدًا، بل واقع، فكان يحدث به على الوجهين مرة يذكر عمر ومرة دونها.
ثم تعليق قبول زيادة الثقة بعدم مخالفة الثوري يبين لنا منهجية الدارقطني ومن ثم منهجية المتقدمين من قبله فهم يعلّون مثل هذه الأحاديث في الأغلب، ويقبلونها في أحيان أخرى، وأظن أن سبب رد الدارقطني للحديث " الزيادة " هو أنّ الثوري أورده دونها والكل يعلم من الثوري! وعلى أية حال فإن الدارقطني أطلق زيادة الثقة على المزيد في متصل الأسانيد وهذا واضح هنا.
٣ - وفي ٦/ ٢٨٠ (١١٣٧): " وسئل عن حديث أبي الأسود الدئلي عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: "عُرضت عليَّ أعمال أمتي فرأيت في حسنها الأذى ينحى عن الطريق، ورأيت في مساويها النخاعة في المسجد لا تدفن "،فقال: يرويه واصل مولى أبي
_________________
(١) أخرج طريق شريك الإمام أحمد ٢/ ٩٠،وأخرجه ٢/ ١٨ وأبو داود (٤١١٩)، وابن ماجه (٣٥٨١) من طرق عن سفيان الثوري وانظر المسند الجامع ١٠/ ٥٧٦ (٧٩١٥).
[ ٣٨١ ]
عيينة، واختلف عنه، فرواه مهدي بن ميمون عن واصل عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الدئلي عن أبي ذر، وخالفه هشام بن حسان وحماد بن زيد فروياه عن واصل عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي ذر لم يذكرا فيه أبا الأسود، وقول مهدي بن ميمون أصح، لأنه زاد عليهما وهو ثقة حافظ ".
أقول:
اختلف في هذا الحديث على واصل مولى أبي عيينة، إذ رواه:
-هشام بن حسان القردوسي (١): أخرجه أحمد ٥/ ١٧٨،وابن ماجه (٣٦٨٣)، والدارقطني في العلل ٦/ ٢٨٠ (١١٣٧)،
-وحماد بن زيد: أخرجه البزار ٩/ ٣٥٢ (٣٩١٦)،والدارقطني في العلل ٦/ ٢٨٠ (١١٣٧)،.
كلاهما عن واصل عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي ذر (دون ذكر أبي الأسود) (٢).
ورواه مهدي بن ميمون - وهو ثقة حافظ كما قال الدارقطني - عنه فزاد على بقية الرواة رجلًا في السند:" أبا الأسود"، أخرجه الطيالسي ص٦٥ (٤٨٣)، وأحمد ٥/ ١٨٠،والبخاري في الأدب المفرد ص٩٠ (٢٣٠)،ومسلم في الصحيح ١/ ٣٩٠ (٥٥٣)،وأبو عوانة في مسنده ١/ ٣٣٨ (١٢١١)،وابن خزيمة ٢/ ٢٧٦ (١٣٠٨)،والدارقطني في العلل ٦/ ٢٨٠ (١١٣٧)،والبيهقي ٢/ ٢٩١ من طرق عن مهدي بن ميمون عن واصل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود عن أبي ذر - ﵁ - به (٣).
أقول: ورواه ميمون مرة دون الزيادة أخرجه أحمد ٥/ ١٧٨ وكان يقول فيها: " كان واصل ربما ذكر أبا الأسود الديلي ".
وقد يتصور البعض أن الدارقطني قبل الزيادة في هذا الموضع فأقول هذا ليس من قبيل زيادة الثقة، بل هو من المزيد في متصل الأسانيد -وهذا النوع من الزيادة مقبول عند
_________________
(١) التقريب (٧٢٨٩)،وقال ابن حجر هناك:"قيل كان يرسل عن الحسن وعطاء "،هكذا بصيغة التمريض، ولم يرو عنهما في هذا الحديث.
(٢) انظر المسند الجامع ١٦/ ١٠١ (١٢٢٥٩).
(٣) مصدر سابق.
[ ٣٨٢ ]
أئمة الحديث من المتقدمين والمتأخرين كما بيناه - إذ رواه هشام بن حسان، وحماد بن زيد عن واصل بن يحيى عن يحيى بن يعمر عن أبي ذر - ﵁ - متصلًا مرفوعًا، وسماع يحيى بن يعمر البصري من أبي ذر - ﵁ - ثابت.
ورواه مهدي بن ميمون الأزدي -وهو ثقة - (١)، عن واصل فزاد في إسناده أبا الأسود.
وكما هو واضح فإن واصل كان يحدث به على الوجهين، فلعل الإمامين مسلم والدارقطني رجحا رواية ابن ميمون التي فيها زيادة لأن يحيى- وإن كان سمع من أبي ذر- إلاّ أنه متهمٌ بالإرسال (٢)،فأرادا الاطمئنان على صحة الحديث، والذي يؤيد هذا أنّ مهدي بن ميمون كان يرويه مرة بالزيادة وأخرى دونها.
وفي ٣/ ٢٨ (٢٦٣):وسئل عن حديث عطاء بن أبي رباح عن حمران عن عثمان عن النبي - ﷺ - في صفة الوضوء فقال: اختلف فيه فرواه حفص بن غياث عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن حمران عن عثمان، وخالفه حماد بن زيد ويحيى بن أبي زايدة وغيرهما، فرووه عن الحجاج عن عطاء عن عثمان مرسلًا، وكذلك رواه يزيد بن أبي حبيب وأسامة بن زيد والأوزاعي عن عطاء عن عثمان مرسلًا، فإن كان حفظ حفص بن غياث هذا عن الحجاج فقد زاد فيه حمران وهذه
زيادة حسنة، وحفص من الثقات، قلت - البرقاني -:ممن سمعت حديث حفص بن غياث فإني لم أره إلا من حديث أبي عمر القاضي عن محمد بن إسحاق الصغاني عن معلى بن منصور عن حفص قال: حدثناه جماعة ولم يثبت على أحد".
قلت: أخرج المرسل أحمد من طريق حماد بن زيد ١/ ٦٦ و٧٢، وابن ماجه من طريق عباد بن العوام عن الحجاج ١/ ١٥٠ (٤٣٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه من طريق أبي معاوية عن الحجاج ١/ ٩،وأما المتصل فلم أقف على من ذكره خلا الدارقطني هنا.
ويجاب عن هذا بما يأتي:
أولًا: إنه علقه باشتراط أن يكون حفص بن غياث قد حفظه عن الحجاج، ولو كان يقول بقبول الزيادة لقبلها منه لأنه ثقة.؟
_________________
(١) التقريب (٦٩٣٢).
(٢) انظر التقريب (٧٦٧٨)، وقد رد صاحبا التحرير ٤/ ١٠٥ تلك التهمة.
[ ٣٨٣ ]
ثانيًا: إن كانت هذه الزيادة حسنة فلماذا لم يخرجها أحد من أصحاب دواوين الإسلام حتى الإمام أحمد في مسنده بل لم نقف عليها عند أحد من أهل العلم، وهذا معناه إنها غير محفوظة، إذ لو كانت محفوظة لذكرت في الكتب التي تجمع الأحاديث: صحيحها وضعيفها.
ثالثًا: إن البرقاني قد أعله بسند ذكر أنه لا يعرف إلا به وهو من رواية أبي عمر القاضي عن محمد الصغاني عن معلى بن منصور عنه به.
وهكذا فلم أقف على مثال واحد يقبل فيه الإمام الدارقطني زيادة الثقة - بمفهوم المتأخرين - خلا هذه الأحاديث التي ناقشناها وبيّنا أنه لم يقبل فيها الزيادة بمفهوم المتأخرين.
ولو افترضنا أنَّ أحد الباحثين وقف على مثال أو مثالين يقبل فيهما الزيادة فإنه بالتأكيد لم يقبلهما على قاعدة قبول الزيادة من الثقة، بل لقرائن وقرت في نفسه إذ كتابه العلل مليء بالأحاديث المعلولة بتفرد الثقة عن الثقات، ومن يتتبع كتابه "التتبع"على الشيخين يجده في مواضع كثيرة يعلّ المتصل بالمرسل والموصول بالموقوف، ويحاكم الشيخين على هذا الأساس، وكذلك فعل في كتابه العظيم "العلل"،وسأذكر بعض الأمثلة التي تبين ذلك:-
١ - حديث ٢/ ١٥٩ (١٨٧):"وسئل عن حديث سعيد بن المسيب عن عمر:" في تكبيرات الجنازة، قال: كل ذلك قد كان أربع وخمس فأمر الناس بأربع "،فقال: رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن سعيد حدث به النضر بن محمد عنه، ولفظه: قال عمر:"كبرنا مع رسول الله - ﷺ - أربعًا وخمسًا فأمر عمر بأربع يعني، تكبير العيد والجنائز"،تفرد بهذا اللفظ النضر بن محمد عن شعبة وبقوله يعني
العيدين والجنائز، وذِكْرُ العيدين وهمٌ فيه، ورواه غندر وأبو النضر ويحيى القطان وعلي بن الجعد عن شعبة بهذا الإسناد ولفظه ما ذكرناه أولًا ولم يذكروا تكبير العيد وهو الصواب".
فهنا رواه "غندر، وأبو النضر، ويحيى القطان (١)،وعلي بن الجعد (٢) ".
كلهم عن شعبة بالإسناد نفسه وبلفظ متقارب.
_________________
(١) أخرجه ابن الجارود في المنتقى ص١٨٧ (٥٣٢).
(٢) أخرجه البيهقي ٤/ ٣٧، والطحاوي في شرح المعاني ١/ ٤٩٥.
[ ٣٨٤ ]
ورواه النضر بن محمد الجرشي - وهو ثقة (١) - عن شعبة فزاد فيه " العيدين " أخرجه الدارقطني في العلل ٢/ ١٦٠ (١٨٧)، فلو كان الدارقطني يقول بالزيادة لماذا لم يقبلها هنا؟
٢ - وفي حديث ٣/ ٦٠ (٢٨٥)." وسئل عن حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف وعبد الله بن عامر بن ربيعة عن عثمان عن النبي - ﷺ -:"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث "، الحديث؟ فقال: يرويه حماد بن زيد واختلف عنه فرواه محمد بن عيسى الطباع أبو جعفر عن حماد عن يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل وعبد الله بن عامر بن ربيعة عن عثمان عن النبي - ﷺ -، وغيره يرويه عن حماد عن يحيى عن أبي أمامة بن سهل وحده عن عثمان. وحديث عبد الله ابن عامر بن ربيعة هو حديث آخر موقوف على عثمان، وَهمَ محمد بن عيسى في الجمع بينه وبين أبي أمامة في هذا الحديث".
أقول: دار الحديث على حماد بن زيد رواه عنه:
- سليمان بن حرب: أخرجه أحمد ١/ ٧٠، وأبو داود (٤٥٠٢)،وابن الجارود في المنتقى ص٢١٣ (٨٣٦)،والحاكم ٤/ ٣٩٠ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
- وأحمد بن عبدة الضبي: أخرجه الترمذي (٢١٥٨) وقال: حسن، وابن ماجه (٢٥٣٣).
- وأبو داود الطيالسي: أخرجه الطيالسي ص١٣ (٧٢)،والبيهقي ٨/ ١٨.
-وعفان بن مسلم البصري: أخرجه أحمد ١/ ٦٥.
- وعبيد الله القواريري: أخرجه عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند ١/ ٦٢.
- ومحمد بن عبد الملك القرشي: أخرجه البزار ٢/ ٢٥ (٣٨١).
- ومحمد بن الفضل السدوسي، عارم، أبو النعمان: أخرجه الدارمي ٢/ ٢٢٥ (٢٢٩٧).
كلهم عن حماد بن زيد عن يحيى عن أبي إمامة بن سهل عن عثمان عن النبي - ﷺ - بسند واحد (٢).
_________________
(١) التقريب (٧١٤٨) وقال: " وله أفراد". قلت: فلعل قدحه بسبب هذا الحديث وإخراجه.
(٢) انظر المسند الجامع ١٢/ ٤٦٣ (٩٧٠٨).
[ ٣٨٥ ]
ورواه محمد بن عيسى الطباع - وهو ثقة فقيه (١) - فزاد في إسناده عن حماد عن يحيى عن أبي إمامة وعبد الله بن عامر عن عثمان عن النبي - ﷺ -، فزاد: " عبيد الله بن عامر بن ربيعة ". أخرجه النسائي ٧/ ٩١ - ٩٢، وفي الكبرى ٢/ ٢٩٢ (٣٤٨٢)، والبزار ٢/ ٢٥ (٣٨١) (٢).
وقد أعله الدارقطني، وقال: " وهم محمد بن عيسى في الجمع بينه وبين أبي إمامة في هذا الحديث ". فلو كان يقول بالقبول فلماذا لم يقبلها؟!
وقد أعلّه أيضًا العلامة أبو حاتم وغلط ابن الطباع فيها، العلل ١/ ٤٤٩ (١٣٥١).
٣ - ٣/ ١٦١ (٣٢٧): " وسئل عن حديث الحارث عن علي عن النبي - ﷺ -:" في النهي عن التختم بالذهب ولبس القسي والمعصفر والقراءة في الركوع والسجود والفتح على الإمام "،فقال: هو حديث يرويه أبو إسحاق واختلف عنه، فرواه إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن مرة عن الحارث عن علي عن النبي - ﷺ -، ورواه الثوري وورقاء وزهير وشريك عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي من قوله والموقوف أصح ".
أقول: دار الحديث على أبي إسحاق السبيعي رواه عنه:
- سفيان الثوري : أخرجه عبد الرزاق ٢/ ١٤٤ (٢٨٣٥).
- وحجاج بن المنهال : أخرجه أحمد ١/ ٨٢.
- وورقاء بن عمر اليشكري
وزهير بن معاوية بن حديج أخرجه الدارقطني في العلل ٣/ ١٦١ (٣٢٧).
وشريك القاضي
كلهم رووه عن أبي إسحاق بسنده موقوفًا من قول علي - ﵁ - (٣).
ورواه إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق فرفعه: أخرجه أحمد ١/ ١٤٦،وعبد بن حميد (٦٧)، والطحاوي في شرح المعاني ٤/ ٢٦٠. كلهم عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: قال رسول الله - ﷺ - (٤)، دون ذكر (عبد الله بن مرة) ولم أقف على من رواه
_________________
(١) التقريب (٦٢١٠).
(٢) انظر المسند الجامع ١٢/ ٤٦٣ (٩٧٠٨).
(٣) انظر المسند الجامع ١٣/ ١٩٤ (١٠٠٤٣).
(٤) مصدر سابق.
[ ٣٨٦ ]
بهذه الزيادة.
وعلى أية حال فالدارقطني أعلَّ زيادة الرفع من إسرائيل وقدم الموقوف عليه وإسرائيل من أوثق من روى عن جده أبي إسحاق السبيعي.
٤ - حديث ٣/ ١٩٥ (٣٥٦):"وسئل عن حديث خلاس بن عمرو عن علي:" أن النبي - ﷺ - نهى أن تحلق المرأة رأسها ".؟ فقال: رواه همام بن يحيى عن قتادة عن خلاس عن علي وخالفه هشام الدستوائي، وحماد بن سلمة فرواه عن قتادة مرسلًا عن النبي - ﷺ -، والمرسل أصح ".
أقول: دار الحديث على قتادة، رواه عنه همام بن يحيى - وهو ثقة (١) -مرفوعًا: أخرجه الترمذي (٩١٤)، والنسائي ٨/ ١٣٠ وفي الكبرى ٥/ ٤٠٧ (٩٢٩٧) (٢).
ورواه هشام الدستوائي وحماد بن سلمة عن قتادة مرسلًا (٣).
وقد رجح الدارقطني المرسل على المتصل رغم أن الواصل ثقة؟!
٥ - وفي حديث ٣/ ٢٢١ (٣٧٣): " وسئل عن حديث سعيد بن المسيب عن علي قال صنعت طعامًا فدعوت رسول الله - ﷺ - فلما جاء رأى تصاوير فرجع وقال:"إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تصاوير"،فقال: أسنده وكيع عن هشام الدستوائي عن قتادة عن ابن المسيب عن علي، وخالفه أصحاب هشام فرواه عن هشام مرسلًا وهو أصوب ".
أقول: دار الحديث على قتادة رواه عنه:
- وكيع بن الجراح مسندًا موصولًا، أخرجه: النسائي ٨/ ٢١٣،وابن ماجه (٣٣٥٩)،والبزار ٢/ ١٥٧ (٥٢٣)، وأبو يعلى ١/ ٣٢٢ (٤٣٦)، والدارقطني في الأفراد ١/ ٤٠ وقال: " تفرد به وكيع عن هشام عن قتادة " (٤).
ورواه غيره عن هشام مرسلًا، كما قال الدارقطني.
ولم أقف على من رواه مرسلًا خلا معاذ بن هشام عن هشام مرسلًا،
أخرجه أبو يعلى ١/ ٤٢١ (٥٥٦).
_________________
(١) قال ابن حجر: " ثقة ربما وهم " التقريب (٧٣١٩)، وقال صاحبا التحرير٤/ ٤٤: " قوله ربما وهم لو لم يذكرها لكان أحسن فإن كل ثقة ربما يهم وقد أطلق الأئمة توثيقه ".
(٢) انظر المسند الجامع ١٣/ ٢٥٢ (١٠١٩).
(٣) لم أقف على من رواه مرسلًا بهذه الصورة.
(٤) انظر المسند الجامع ١٣/ ٣١٣ (١٠٢٠٤).
[ ٣٨٧ ]
وقد أعلّ الدارقطني المتصل وقدم المرسل عليه؟
٦ - وفي حديث ٤/ ٢٩٩ (٥٧٨):"وسئل عن حديث علي بن الحسين عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي - ﷺ -:"في المجوس، سنوا بهم سنة أهل الكتاب "،فقال: يرويه جعفر بن محمد واختلف عنه، فرواه مالك من رواية أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي عنه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن الحسين، وخالفه أصحاب مالك، لم يقولوا فيه عن جده، وكذلك رواه الثوري، وسليمان بن بلال، وعبد الله بن إدريس، وحفص بن غياث، وأنس بن عياض، وأبو عاصم النبيل عن جعفر بن محمد، ولم يسمع أبو عاصم من جعفر بن محمد غيره، وعبد الوهاب الثقفي والقاسم بن معن، وابن جريج، وعلي بن غراب، وغيرهم، عن جعفر عن أبيه مرسلًا عن عبد الرحمن بن عوف، لم يذكروا فيه علي بن الحسين وهو الصواب. حدثنا أحمد بن محمد بن سعدان قال: حدثنا شعيب بن أيوب قال: أنبأنا أبو داود الحفري، وأبو نعيم عن سفيان عن جعفر عن أبيه قال: سأل عمر عبد الرحمن بن عوف عن المجوس فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:"سنوا بهم سنة أهل الكتاب ".
أقول: دار الحديث على مالك بن أنس رواه عنه:
-يحيى الليثي: الموطأ (٧٥٦).
-ووكيع بن الجراح: أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٤٣٠ (٣٢٦٥١).
-والشافعي: أخرجه الشافعي في مسنده ص٢٠٩،والبيهقي ٩/ ١٨٩ - ١٩٠
-ومصعب بن عبد الله الزبيري: أخرجه الشاشي ١/ ٢٨٩ (٢٥٧).كلهم رووه عن مالك بسند واحد.
ورواه عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي - وهو صدوق (١) - فزاد في الإسناد " علي بن الحسين " أخرجه البزار ٢/ ١٦٤ (١٠٥٦)، والدارقطني في العلل ٤/ ٢٩٩ (٥٧٨)، وابن عبد البر في التمهيد ٢/ ١١٤ - ١١٦ وقال: منقطع.
فلو كان الدارقطني يقبل الزيادة فلماذا لم يقبلها هنا؟
٧ - حديث ٥/ ٤٥ (٦٩١):"وسئل عن حديث الحارث بن سويد عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ -:" إذا كان على أحدكم إمام يخاف تغطرسه وظلمه، فليقل: اللهم رب
_________________
(١) التقريب (٤٣١٧).
[ ٣٨٨ ]
السماوات السبع ورب العرش العظيم "الحديث، فقال: يرويه الأعمش عن ثمامة بن عقبة عن الحارث بن سويد رفعه أبو حمزة السكري ووقفه غيره والموقوف هو المحفوظ".
أقول: دار الحديث على الأعمش رواه عنه:
- عيسى بن يونس: أخرجه البخاري في الأدب ص٢٤١ (٧٠٧)،وابن أبي شيبة ٦/ ٢٢ (٢٩١٧٦).
- ومحمد بن فضيل: أخرجه الضبي في كتاب الدعاء ص٢٠٩ (٤٣).
كلاهما عن الأعمش به موقوفًا.
ورواه أبو حمزة السكري - وهو ثقة فاضل (١) - رواه مرفوعًا، أخرجه الدارقطني في العلل ٥/ ٤٥ (٦٩١).
فلو قال الدارقطني بالزيادة فلماذا لم يقبلها هنا وهي من ثقة فاضل؟
٨ - وتأمل بعد قول الدارقطني في حديث ٧/ ٢١١ (١٢٩٦):"وسئل عن حديث أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -:" اذكروا صاحب الرغيف "حديثًا فيه طول، فقال: يرويه سليمان التيمي عن أبي عثمان عن أبي بردة عن أبي موسى، واختلف عنه، فروي عن عبدان بن عثمان عن ابن المبارك عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن أبي بردة عن أبي موسى، رواه عبد الله ابن محمد بن يزيد الحنفي، عن عبدان مسندًا عن النبي - ﷺ - وخالفه أصحاب سليمان التيمي، فرووه عنه بهذا الإسناد موقوفًا، وهو الصواب".
أقول: رد زيادة عبد الله بن محمد يزيد الحنفي لما تفرد به عن بقية الرواة، وهو ثقة (٢).
٩ - وكذا في حديث: ٧/ ٢٧٤ (١٣٤٦): " وسئل عن حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة:" أن أبا بكر وعمر تذاكرا الوتر عند رسول الله - ﷺ - "، الحديث.؟ فقال: يرويه ابن عيينة عن الزهري واختلف عنه، فرواه محمد بن يعقوب بن عبد الوهاب بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام عن ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ولم يتابع على ذكر أبي هريرة، وأصحاب ابن عيينة لا يذكرون فيه أبا هريرة، وهو المحفوظ، وكذا قال الليث عن الزهري مرسلًا، حدثنا ابن صاعد قال:
_________________
(١) التقريب (٦٣٤٨).
(٢) قاله الخطيب في تأريخه ١١/ ٢٨٧، ثم ساق لحديث ونقل كلام الدارقطني عليه.
[ ٣٨٩ ]
حدثنا محمد بن يعقوب الزبيري ح وحدثنا محمد بن القاسم الصيرفي، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي، قال: حدثنا محمد بن يعقوب الحديث ".
أقول: رد زيادة محمد بن يعقوب الزبيري، لما تفرد به، وهو صدوق (١).؟
وللمزيد انظر الأحاديث العلل بالأرقام: " ١٨٧ و١٣٨ و١٩٨ و٢٠١ و٢٨٥ و٢٩١ و٢٩٧و ٣٢٧ و٣٢٨ و٣٥٠ و٣٥٢ ٣٥٦ و٣٦٦ و٣٧٢ و٣٧٣ و٤٤٧ و٤٥٧ و٤٨٤ و٥٢١ و٥٣١ و٥٤٠ و٥٧٨ و٦٠٠ و٦١٦ و٦٣٣و ٦٩١ و٩١٦ و٩٣٧ و٩٥٦ و١٠٦٢ و١٠٦٣ و١٠٨٨ و١١٢٣ و١١٣٠ و١١٦١ و١٢٥٠و١٢٩٦ و١٣٤٦ ١٤٩٣ و١٥٩٩ ".
_________________
(١) التقريب (٦٤١١).
[ ٣٩٠ ]