قال الحافظ: (ثم المردود: إما أن يكون لسقط، أو طعن، والسقط إما أن يكون من مبادئ السند من مصنف أو من آخره بعد التابعي، أو غير ذلك. فالأول: المعلق، والثاني: المرسل).
المعلق:
قال في "النزهة" (ص/٢١٨): (والسقط إما أن يكون من مبادئ السند من تصرف مصنف (٧) فهو المعلق، سواء كان الساقط واحدا، أم أكثر (٨).
ومن صور المعلق: أن يحذف جميع السند ويقال مثلا: قال رسول الله ﷺ. ومنها: أن يحذف إلا الصحابي، أو إلا التابعي والصحابي معا. ومنها: أن يحذف من حدثه، ويضيفه إلى من هو فوقه، فإن كان من فوقه شيخا لذلك المصنف فقد اختلف فيه: هل يسمى تعليقا، أو لا؟ والصحيح في هذا التفصيل: فإن عرف بالنص أو الاستقراء أن فاعل ذلك مدلس قضي به، وإلا فتعليق.
وإنما ذكر التعليق في قسم المردود للجهل بحال المحذوف. وقد يحكم بصحته إن عرف، بأن يجيء مسمى من وجه آخر. فإن قال: جميع من أحذفه ثقات، جاءت مسألة
_________________
(١) قال المناوي في "اليواقيت والدرر" (١/ ٤٧٢): (قال - ابن حجر -: وإنما قلته لأن المصطفى قال ليلة العقبة أن المصائب للذنوب كفارة لأهلها فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له. وروى أبو هريرة وهو متأخر الإسلام عن ليلة العقبة بنحو سبع سنين أن المصطفى قال: " لا أدري الحدود كفارة لأهلها أو لا ". وهذا خبر لا يجوز النسخ فيه) وقد أعل البخاري في "تاريخه" حديث أبي هريرة بالإرسال.
(٢) روى الشيخان وغيرهما عن جرير ﵁ أنه بال، ثم «توضأ فمسح على الخفين» وقال: ما يمنعني أن أمسح وقد «رأيت رسول الله ﷺ يمسح»، قالوا: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، قال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة) واللفظ لأبي داود.
(٣) قال المناوي في "اليواقيت والدرر" (١/ ٤٧٤): (قال الكمال بن أبي شريف: ويشترط - أيضا - أن يكون متقدم الإسلام سمع الحديث المعارض قبل سماع متأخر الإسلام، بأن يعلم ذلك بنقل أو قرينة. قال البقاعي: ولا بد من الاحتراز عن هذا، لأن المتقدم الصحبة يحتمل أن يسمع حديثا بعد ما سمعه فيها المتأخر).
(٤) قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (٣/ ٥٦٣): (ومثله ما ذكر الخطيب البغدادي: أن زر بن حبيش قال لحذيفة (أي ساعة تسحرت مع رسول الله ﷺ؟ قال: هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع) وأجمع المسلمون على أن طلوع الفجر يحرم الطعام والشراب، مع بيان ذلك من قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) [البقرة: ١٨٧] الآية قال العلماء في مثل هذا: إن الإجماع مبين للمتأخر، وإنه ناسخ لا إن الإجماع هو الناسخ).
(٥) قال اللقاني (١/ ٩١٩): (والمتعلق بالمتن كسماعه من الشيخ وقراءته عليه، مع أخذ مقابله عرضا، أو إجازة. وبالإسناد كزيادة الضبط وزيادة العدالة) ومن المرجحات المتعلقة بالسند ترجيح صاحب القصة على غيره كترجيح ما رواه الترمذي عن أبي رافع أن النبي ﷺ نكح ميمونة ﵂ وهو حلال على ما رواه الشيخان من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ نكح ميمونة وهو محرم. بقرينة قول أبو رافع: وكنت الرسول بينهما، فرجح بكون راويه صاحب الواقعة فهو أدرى بذلك.
(٦) والقول بالتوقف هو المتعين؛ لأن الحق واحد لا يتعدد، وقال البعض بالتخيير بين أيهما، وذلك يستلزم تعدد الحق، وأنه ليس محصورا في واحد منهما.
(٧) أي أن الحديث له سند حذفه المصنف لعلة، وفيه احتراز مما لا أصل له، أو ما لا يعرف مسندا.
(٨) وقد عرف الحافظ المعلق في "النكت" (١/ ٩٧) بقوله: (هو الذي حذف من أول إسناده واحد فأكثر).
[ ٣٥ ]
التعديل على الإبهام (١)، والجمهور: لا يقبل حتى يسمى (٢). لكن، قال ابن الصلاح هنا: إن وقع الحذف في كتاب التزمت صحته، كالبخاري، فما أتى فيه بالجزم (٣) دل على أنه ثبت إسناده عنده، وإنما حذف لغرض من الأغراض، وما أتى فيه بغير الجزم (٤) ففيه مقال).
المرسل:
قال الحافظ: -[(والسقط إما أن يكون من آخره بعد التابعي فالمرسل.)]-
قال في "النزهة" (ص/٢١٩): (ما سقط من آخره من بعد التابعي، هو "المرسل".
وصورته: أن يقول التابعي سواء كان كبيرا أم صغيرا (٥): قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا، أو فعل بحضرته كذا، ونحو ذلك.
وإنما ذُكِر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون صحابيا، ويحتمل أن يكون تابعيا. وعلى الثاني (٦) يحتمل أن يكون ضعيفا، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حمل عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر، وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق، ويتعدد. أما بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية له (٧)، وأما
_________________
(١) كأن يقول: حدثني الثقة، أو من أثق به، أو من لا أتهم.
(٢) وهذا القول هو الراجح؛ لأن الأصل في الرواة الجهالة، فلا ينتقل عن هذا الأصل إلا بيقين. ولما كان الخبر عن التوثيق والتعديل يختلف باختلاف المُعَدِّل، فقد يُظهر له المُعَدَّل ما يجعله يحكم له بالعدالة أو التوثيق، في حين أنه لو صرح به لأنكشف حاله؛ وعليه فتمسكًا بالأصل الأول في الرواة، وحماية لجناب السنة، نختار القول بعدم قبو ل هذا التعديل أو التوثيق للمجاهيل والمبهمين. والله أعلم. وقد عرضت لذكر الأقوال في هذه المسألة في شرحي للموقظة.
(٣) كقال فلان، وروى فلان.
(٤) وتسمى صيغة التمريض، ك: يروى، ويذكر.
(٥) قال اللقاني (١/ ٩٦١): (ليس المراد بالكبر والصغر ما يرجع إلى السن وإنما المراد بالكبير: من جُل روايته عن الصحابة، كعبدالله بن الخِيَار، وبالصغير من عداه، كمن جُل روايته عن التابعين كيحيى بن سعيد، وبعضهم فسر الكبير بمن لقى كثيرا من الصحابة، والصغير بمن لقى القليل منهم).
(٦) أي كونه تابعيا.
(٧) قال المناوي في " اليواقيت والدرر" (١/ ٤٩٩): (اعترضه ابن قطلوبغا: بأنه محال عند العقل أن يجوز أن يكون بين التابعي والنبي من لا يتناهى، كيف وقد وقع التناهي في الوجود الخارجي بذكر النبي. والكمال بن أبي شريف: بأنه لو قال: فإلى ما لا ضابط له، أو قال: إما بالتجويز العقلي فلا ضابط له - لكان متجها - وإلا فعدد التابعين متناه). وأجاب عنه الصنعاني في: "إسبال المطر (ص: ٢٥٧) بقوله: (وأجيب بأنه أراد الكثرة وأتى بما لا نهاية له مبالغة إذ من المعلوم عند العقلاء أن الانتساب إلى آدم أمر متناه فكيف إلى نبينا ﷺ).
[ ٣٧ ]
بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة، وهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض. فإن عرف من عادة التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة، فذهب جمهور المحدثين إلى التوقف؛ لبقاء الاحتمال، وهو أحد قولي أحمد، وثانيهما - وهو قول المالكيين والكوفيين-: يقبل مطلقا، وقال الشافعي: يقبل إن اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى، مسندا أو مرسلا، ليرجح احتمال كون المحذوف ثقة في نفس الأمر (١».