كالإجازة العامة في المجاز له، لا في المجاز به، كأن يقول: أجزت لجميع المسلمين، أو لمن أدرك حياتي، أو لأهل الإقليم الفلاني، أو لأهل البلد الفلانية، وهو أقرب إلى الصحة؛ لقرب الانحصار.
وكذا الإجازة للمجهول، كأن يكون مبهما أو مهملا.
وكذا الإجازة للمعدوم كأن يقول: أجزت لمن سيولد لفلان، وقد قيل: إن عطفه على موجود صح، وكأن يقول: أجزت لك ولمن سيولد لك، وقد قيل: الأقرب عدم الصحة، أيضا، وكذلك الإجازة لموجود، أو معدوم، علقت بشرط مشيئة الغير، كأن يقول: أجزت لك إن شاء فلان، أو أجزت لمن شاء فلان، لا أن يقول: أجزت لك إن شئت. وهذا في الأصح في جميع ذلك.
وقد جوز الرواية بجميع ذلك -سوى المجهول، ما لم يتبين المراد منه- الخطيب، وحكاه عن جماعة من مشايخه، واستعمل الإجازة للمعدوم من القدماء أبو بكر بن أبي داود، وأبو عبد الله بن منده، واستعمل المعلقة منهم، أيضا، أبو بكر بن أبي خيثمة، وروى بالإجازة العامة جمع كثير جمعهم بعض الحفاظ في كتاب، ورتبهم على حروف المعجم لكثرتهم.
وكل ذلك، كما قال ابن الصلاح، توسع غير مرضي؛ لأن الإجازة الخاصة المعينة مختلف في صحتها اختلافا قويا عند القدماء، وإن كان العمل استقر على اعتبارها عند المتأخرين، فهي دون السماع بالاتفاق، فكيف إذا حصل فيها الاسترسال المذكور! فإنها تزداد ضعفا، لكنها، في الجملة، خير من إيراد الحديث معضلا. والله تعالى أعلم.
[ ٩٢ ]
وإلى هنا انتهى الكلام في أقسام صيغ الأداء).
الْمُتَّفِق وَالْمُفْتَرِق:
-[قال الحافظ: (ثم الرواة إن اتفقت أسماؤهم، وأسماء آبائهم فصاعدا، واختلفت أشخاصهم: فهو المتفق والمفترق).]-
قال اللقاني (٢/ ١٤٩٤): (قوله: "فصاعدا" ليس حالا من آبائهم، بل من أسمائهم وأسماء آبائهم، أي: فذهب الاتفاق من الأسماء صاعدا إلى النسبة، والكنية، واللقب، والأب، والجد، والقبيلة، وهلم جرّا).
قال السخاوي في "فتح المغيث" (٤/ ٢٦٧) ما ملخصه: (وينقسم إلى ثمانية أقسام:
الأول: أن تتفق أسماؤهم وأسماء آبائهم خاصة نحو: أيوب بن سليمان ستة عشر، وإبراهيم بن يزيد ثلاثة عشر، وإبراهيم بن موسى اثنا عشر، وعلي بن أبي طالب تسعة، وإبراهيم بن مسلم ثمانية، وعمر بن خطاب سبعة، وأنس بن مالك ستة، وأبان بن عثمان خمسة، ويحيى بن يحيى أربعة، وإبراهيم بن بشار ثلاثة، وعثمان بن عفان اثنان.
والثاني أن تتفق أسماؤهم وأسماء آبائهم وأجدادهم، فمنه أحمد بن جعفر وجده حمدان هم أربعة متعاصرون من طبقة واحدة.
والثالث: أن تتفق الكنية والنسبة معا ومن أمثلته أبو سليمان الداراني الدمشقي الْعَنْسِيّ اثنان، أقدمهما عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الْجَوْنِ، والآخر وهو الزاهد الشهير، اسمه أيضا عبد الرحمن بن أحمد بن عطية، تعاصر مع الأول.
والرابع: مما هو متفق معه في الاسم في الجملة وفي النسبة، ومن أمثلته: محمد بن عبد الله، هما من الأنصار، أحدهما بالنسب، والآخر بالولاء.
والخامس: أن تتفق كناهم وأسماء آبائهم ; كأبي بكر بن عبد الله: جماعة.
والسادس ضد ما قبله: وهو أن تتفق أسماؤهم وكنى آبائهم، ومنه: صالح أربعة كلهم ابن أبي صالح.
والسابع: ما الاتفاق فيه في اسم، أو في كنية أو في نسبة فقط ويقع في السند منهم واحد باسمه أو بكنيته أو بنسبته خاصة مهملا من ذكر أبيه أو غيره مما يتميز به عن المشاركة له فيما ورد به فيلتبس كنحو حماد إذا ما يهمل من نسبة أو غيرها.
والثامن: ما يحصل الاتفاق فيه في لفظ نسب فقط، والافتراق في أن ما نسب إليه
[ ٩٣ ]
أحدهما غير ما نسب إليه الآخر، كالحنفي حيث يكون المنسوب إليه قبيلا أي: قبيلة، وهم بنو حنيفة، أو مذهبا).
الفرق بين: الْمُتَّفِق وَالْمُفْتَرِق، والمهمل:
-[قال الحافظ في "النزهة" (ص:٢٥١): (وفائدة معرفته: خشية أن يُظن الشخصان شخصا واحدا، وهذا عكس ما تقدم من النوع المسمى بالمهمل؛ لأنه يخشى منه أن يظن الواحد اثنين، وهذا يخشى منه أن يظن الاثنان واحدا).]-
قال اللقاني (٢/ ١٤٩٥): (قوله: " وهذا عكس ما تقدم من النوع المسمى بالمهمل " إلخ: قال البقاعي: "ليس كذلك، بل هما على حدٍّ سواء، يخشى من كل منهما تارة أو يُظن الاثنان واحدا، وأخرى أن يُظن الواحد اثنين، فإن المهمل كما تقدم - هو أن يروي
الراوي عن اثنين متفقي الاسم، أو مع اسم الأب، أو الجد، أو مع النسب، وهذا - كما ترى - من المتفق والمفترق". انتهى.
وأقول: فيه تأمل - أيضا - فإن المهمل الذي قدمه: أن يروي الراوي فيه عن اثنين متفقي الاسم، أو مع اسم الأب، أو مع اسم الجد، أو مع النسب، وهذا إنما يظن فيه المتعدد واحدا، لا الواحد متعددا؛ فليتأمل!).
وقال الدكتور حسن فتحي: (وأما عن الفرق بينه وبين المهمل فالمعروف في تعريف المهمل أنه من لم يتميز عن غيره، سواء ذكر باسمه أو كنيته أو لقبه، وذلك لوجود من يشاركه في هذا الاسم أو الكنية أو اللقب، ومن خلال هذا التعريف يتضح أن المهمل صورة من صور المتفق والمفترق فهما يشتركان في عدم تمييز الراوي، ولهذا ذكره العراقي والسخاوي والسيوطي ضمن أقسام المتفق والمفترق وهو القسم السادس من أقسام المتفق والمفترق والفارق الدقيق بينه وبين أقسام المتفق والمفترق الأخرى أن دائرته أوسع من بقية الأقسام) (١).
الظاهر من تعقباتهم أنه لا يوافقون الحافظ على التفريق بأن المهمل يخشى منه أن يظن الواحد اثنين، والمتفق والمفترق يخشى منه أن يظن الاثنان واحدا، إذ أنهما يتفقان في ظن المتعدد واحدا وهذا واضح من كلام ابن حجر على المهمل حيث قال في "النخبة" (وإن روى عن اثنين متفقي الاسم ولم تيميزا) فالمهمل مفترض فيمن يروى عن متعدد ولا يميزه، حتى أنني وقفت على كلام للبعض نسب فيه الغلط لعبارة ابن حجر، وأن مقصوده المبهم (٢) لا المهمل.
وأقرب الأقوال في توجيه كلام الحافظ عليه أنه افترض الكلام بداية على المتفق والمفترق فيمن اختلفت شخصياتهم، وجعل المهمل قسما آخر غيره، فالظاهر أنه غيره، وإنما يظهر الفرق بجعل المهمل يظن فيه الواحد اثنان حملا على الغالب من اختصاص راو بشيخ دون غيره قال: (وإن روى عن اثنين متفقي الاسم ولم تيميزا فباختصاصه بأحدهما يتبين المهمل) وهو ظاهر من قوله: (فباختصاصه بأحدهما)، ومما يوضح ذلك عبارته في مقدمة الفتح حيث قال (١/ ٢٢٢): (الفصل السابع في تبيين الأسماء المهملة
_________________
(١) انظر بحث: (المتفق والمفترق: طرق تمييزه، وخطورة إغفاله).
(٢) قال في "النزهة": (أو لا يسمى الراوي، اختصارا من الراوي عنه. كقوله: أخبرني فلان، أو شيخ، أو رجل، أو بعضهم، أو ابن فلان. ويستدل على معرفة اسم المبهم بوروده من طريق أخرى مسمى).
[ ٩٤ ]
التي يكثر اشتراكها - قال الشيخ قطب الدين الحلبي: وقع من بعض الناس اعتراض على البخاري بسبب إيراده أحاديث عن شيوخ لا يزيد على تسميتهم لما يحصل في ذلك من اللبس ولا سيما أن شاركهم ضعيف في تلك الترجمة وقد تكلم في بيان بعض ذلك الحاكم والكلاباذي وبن السكن والجياني وغيرهم قلت وقد نقل البياشي أحد الحفاظ من المغاربة في الأحكام الكبرى التي جمعها عن الفَرَبْرِيّ ما نصه كل ما في البخاري محمد عن عبدالله فهو بن المبارك وكل ما فيه عبد الله غير منسوب أو غير مسمى الأب فهو بن محمد الأسدي وما فيه عن إسحاق كذلك فهو بن راهويه وما كان فيه محمد عن أهل العراق مثل أبي معاوية وعبدة بن سليمان ومروان الفزاري فهو بن سلام البيكندي وما فيه عن يحيى فهو بن موسى البلخي قلت وقد يرد على بعض ما قال ما يخالفه) وقد هنا للتقليل.