السماع من لفظ الشيخ:
-[قال الحافظ: (وصيغ الأداء: سمعت وحدثني. فالأولان: لمن سمع وحده من لفظ الشيخ، فإن جمع فمع غيره. وأولها: أصرحها وأرفعها في الإملاء).]-
فائدة:
قال اللقاني (٢/ ١٤٢٨): (اختصر المحدثون في الكتابة دون اللفظ "حدثنا" على "ثنا" وهو المشهور، وبعضهم يختصرها على "نا"، وبعضهم على "دثنا".
واختصروا - أيضا -: "أخبرنا" على "أنا"، وهو المشهور، وبعضهم يختصرها على "أرنا" بحذف الخاء والباء، واختصرها البيهقي على "أبنا".
قال شيخ الإسلام (٢): "ويختصر حدثني على: "ثني"، أو "دثني"؛ دون أخبرني ودون أنبأنا، وأنبأني ". انتهي.
وذكر ابن حجر "أنبأنا" يختصر على "أنبا"، والأول هو المنقول).
قال ابن حجر في "النزهة" (ص/٢٤٧): (فاللفظان الأولان من صيغ الأداء، وهما: سمعت وحدثني صالحان لمن سمع وحده من لفظ الشيخ (٣). وتخصيص التحديث بما سمع من لفظ الشيخ هو الشائع بين أهل الحديث اصطلاحا، ولا فرق بين التحديث والإخبار من
_________________
(١) قال القاري في "شرح النخبة" (ص:٦٥٩): (أي المنسوب بالأول، وهو الحديث المسلسل بأول حديث سمعه كل واحد منهم من شيخه).
(٢) انظر: فتح الباقي (٢/ ٦٠) لزكريا الأنصاري.
(٣) سواء من حفظه، أو كتابه.
[ ٨٧ ]
حيث اللغة (١)، وفي ادعاء الفرق بينهما تكلف شديد، لكن، لما تقرر الاصطلاح صار ذلك حقيقة عرفية فتقدم على الحقيقة اللغوية، مع أن هذا الاصطلاح إنما شاع عند المشارقة ومن تبعهم، وأما غالب المغاربة فلم يستعملوا هذا الاصطلاح، بل الإخبار والتحديث عندهم بمعنى واحد.
فإن جمع، الراوي أي: أتى بصيغة الجمع في الصيغة الأولى (٢)، كأن يقول: حدثنا فلان، أو: سمعنا فلانا يقول = فهو دليل على أنه سمع منه مع غيره، وقد تكون النون للعظمة، لكن، بقلة.
وأولها، أي: المراتب أصرحها، أي: أصرح صيغ الأداء في سماع قائلها؛ لأنها لا تحتمل الواسطة، لكن، "حدثني" قد تطلق في الإجازة تدليسا (٣). وأرفعها مقدارا ما يقع في الإملاء؛ لما فيه من التثبت والتحفظ).
_________________
(١) قال السيوطي في "تدريب الراوي" (١/ ٤٨٤): (روى البيهقي في " المدخل " عن أبي عصمة سعد بن معاذ قال: كنت في مجلس أبي سليمان الجوزقاني فجرى ذكر حدثنا وأخبرنا، فقلت إن كليهما سواء، فقال: بينهما فرق، ألا ترى محمد بن الحسين قال إذا قال رجل لعبده: إن أخبرتني بكذا فأنت حر، فكتب إليه بذلك صار حرا، وإن قال إن حدثتني بكذا فأنت حر فكتب إليه بذلك لا يعتق).
(٢) قال اللقاني (٢/ ١٤٣٤): (الأَوْلَى: صيغتي المرتبة الأولى؛ ليشمل "سمعت"، و"حدثنا").
(٣) قال السيوطي في "التدريب" (١/ ٤١٩): (لا يكاد أحد يقول سمعت في الإجازة والمكاتبة، ولا في تدليس ما لم يسمعه، بخلاف حدثنا فإن بعض أهل العلم كان يستعملها في الإجازة). وقال زكريا الأنصاري في "فتح الباقي" (١/ ٣٦١): (روي أن الحسن البصري كان يقول: حدثنا أبو هريرة، ويتأول: «حدث أهل المدينة وأنا بها»، كما كان يقول: خطبنا ابن عباس بالبصرة، ويريد خطب أهلها. والمشهور أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، بل قال يونس بن عبيد: إنه ما رآه قط). وقال السيوطي في "التدريب" (١/ ٤٢٠): (وقال ابن القطان: ليست حدثنا بنص في أن قائلها سمع. ففي " صحيح مسلم " في حديث الذي يقتله الدجال فيقول: «أنت الدجال الذي حدثنا به رسول الله ﷺ». قال: ومعلوم أن ذلك الرجل متأخر الميقات، أي فيكون المراد حديث أمته، وهو منهم).
[ ٨٨ ]
العرض (١):
-[قال الحافظ: (ثم أخبرني، وقرأت عليه، ثم قرئ عليه وأنا أسمع).]-
وقال في "النزهة" (ص/٢٤٨): (والثالث: وهو أخبرني، والرابع: وهو قرأت لمن قرأ بنفسه على الشيخ، فإن جمع كأن يقول: أخبرنا، أو: قرأنا عليه، فهو كالخامس، وهو: قرئ عليه وأنا أسمع. وعرف من هذا أن التعبير "بقرأت" لمن قرأ خير من التعبير بالإخبار؛ لأنه أفصح بصورة الحال.
تنبيه:
القراءة على الشيخ أحد وجوه التحمل عند الجمهور، وأبعد من أبى ذلك من أهل العراق، وقد اشتد إنكار الإمام مالك، وغيره من المدنيين، عليهم في ذلك (٢)، حتى بالغ بعضهم فرجحها على السماع من لفظ الشيخ، وذهب جمع جم، منهم البخاري -وحكاه في أوائل صحيحه عن جماعة من الأئمة- إلى أن السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه -يعني في الصحة والقوة- سواء (٣)، والله أعلم).
_________________
(١) قال اللقاني (٢/ ١٤٤١): (أعلم أن القراءة على الشيخ تسمى: العرض؛ لعرض القارئ الحديث على الشيخ كما يعرض القرآن على المقرئ، وهي - مع كونها من وجوه التحمل - أدنى من السماع من لفظ الشيخ. والأجود عندهم في أداء ما تحمله بها أن يقول: "قرأته على فلان"، إذا كان العرض بنفسه، أو "قرئ عليه وأنا اسمع" إن كان بقراءة غيره). وقال الحافظ في "الفتح" (١/ ١٤٩): (إنما غاير بينهما - أي القراءة والعرض على المحدث - بالعطف لما بينهما من العموم والخصوص لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض وغيره ولا يقع العرض إلا بالقراءة لأن العرض عبارة عما يعارض به الطالب أصل شيخه معه أو مع غيره بحضرته فهو أخص من القراءة وتوسع فيه بعضهم فأطلقه على ما إذا أحضر الأصل لشيخه فنظر فيه وعرف صحته وأذن له أن يرويه عنه من غير أن يحدثه به أو يقرأه الطالب عليه والحق أن هذا يسمى عرض المناولة بالتقييد لا الإطلاق وقد كان بعض السلف لا يعتدون إلا بما سمعوه من ألفاظ المشايخ دون ما يقرأ عليهم ولهذا بوب البخاري على جوازه وأورد فيه قول الحسن وهو البصري لا بأس بالقراءة على العالم ثم أسنده إليه بعد أن علقه).
(٢) قال السماحي في " فتح المغيث" (٢/ ١٧٤): (وكان مالك يأبى أشد الإباء على المخالف ويقول: كيف لا يجزيك هذا في الحديث ويجزيك في القرآن، والقرآن العظيم أعظم؟! ولذا قال بعض أصحابه: صحبته سبع عشرة سنة، فما رأيته قرأ (الموطأ) على أحد، بل يقرءون عليه).
(٣) قال السيوطي في "التدريب" (١/ ٤٢٦): (واستدل الحميدي ثم البخاري على ذلك «بحديث ضمام بن ثعلبة: لما أتى النبي ﷺ فقال له: " إني سائلك فمشدد عليك، ثم قال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك». الحديث في سؤاله عن شرائع الدين، فلما فرغ قال: «آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي، فلما رجع إلى قومه اجتمعوا إليه فأبلغهم فأجازوه» أي: قبلوه منه وأسلموا. وأسند البيهقي في " المدخل " عن البخاري قال: قال أبو سعيد الحداد: وعندي خبر عن النبي ﷺ في القراءة على العالم، فقيل له: قال قصة ضمام، «آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم») وهذا يدل على اعتبارها لا أنها أرجح من السماع من لفظ الشيخ.
[ ٨٩ ]
الإنباء:
-[قال الحافظ: (ثم أنبأني، ثم ناولني، ثم شافهني. ثم كتب إلي، ثم عن، ونحوها (١)
والإنباء: بمعنى الإخبار إلا في عرف المتأخرين فهو للإجازة كعن، وعنعنة المعاصر محمولة على السماع إلا من مدلس وقيل: يشترط ثبوت لقائهما - ولو مرة-، وهو المختار.
وأطلقوا المشافهة في الإجازة المتلفظ بها، والمكاتبة في الإجازة المكتوب بها، واشترطوا في صحة المناولة اقترانها بالإذن بالرواية، وهي أرفع أنواع الإجازة، وكذا اشترطوا الإذن في الوجادة، والوصية بالكتاب وفي الإعلام، وإلا فلا عبرة بذلك كالإجازة العامة، وللمجهول وللمعدوم على الأصح في جميع ذلك).]-
وقال في "النزهة" (ص/٢٤٨): (والإنباء من حيث اللغة واصطلاح المتقدمين بمعنى الإخبار، إلا في عرف المتأخرين فهو للإجازة كـ"عن"، لأنها في عرف المتأخرين للإجازة.
وعنعنة المعاصر محمولة على السماع، بخلاف غير المعاصر فإنها تكون مرسلة أو منقطعة (٢)، فشرط حملها على السماع ثبوت المعاصرة، إلا من المدلس فإنها ليست محمولة على السماع.
وقيل: يشترط في حمل عنعنة المعاصر على السماع ثبوت لقائهما، أي: الشيخ والراوي عنه، ولو مرة واحدة؛ ليحصل الأمن من باقي معنعنه عن كونه من المرسل
_________________
(١) قال اللقاني (٢/ ١٤٣٠): (مثل: قال، وذكر، وروى: يريد مجردة عن الجار والمجرور الدال على الاتصال، نحو: قال لي، ولنا. أما إذا لم تتجرد عما ذكرنا فهي في مرتبة حدثني، وغن غلب في عرفهم استعمالها - والحالة هذه - فيما سمعوه من الشيوخ في المذاكرات؛ إذ هي به أشبه من حدثنا كما قاله ابن الصلاح).
(٢) أو هنا للتنويع فتكون مرسلة إذا وقعت من تابعي، ومنقطعة إذا وقعت ممن هو دونه.
[ ٩٠ ]
الخفي، وهو المختار، تبعا لعلي بن المديني، والبخاري، وغيرهما من النقاد.
وأطلقوا المشافهة في الإجازة المتلفظ بها تجوزا، وكذا المكاتبة في الإجازة المكتوب بها: وهو موجود في عبارة كثير من المتأخرين، بخلاف المتقدمين؛ فإنهم إنما يطلقونها فيما كتب به الشيخ من الحديث إلى الطالب، سواء أذن له في روايته أم لا، لا فيما إذا كتب إليه بالإجازة فقط.
واشترطوا في صحة الرواية بالمناولة اقترانها بالإذن بالرواية، وهي إذا حصل هذا الشرط أرفع أنواع الإجازة؛ لما فيها من التعيين والتشخيص.
وصورتها: أن يدفع الشيخ أصله، أو ما قام مقامه للطالب، أو: يحضر الطالب الأصل للشيخ، ويقول له في الصورتين: هذا روايتي عن فلان فاروه عني، وشرطه، أيضا، أن يمكنه منه: إما بالتمليك، وإما بالعارية؛ لينقل منه ويقابل عليه، وإلا إن ناوله واسترد في الحال فلا يتبين لها زيادة مزية على الإجازة المعينة، وهي: أن يجيزه الشيخ برواية كتاب معين ويعين له كيفية روايته له.
وإذا خلت المناولة عن الإذن لم يعتبر بها عند الجمهور، وجنح من اعتبرها إلى أن مناولته إياه تقوم مقام إرساله إليه بالكتاب من بلد إلى بلد.
وقد ذهب إلى صحة الرواية بالكتابة المجردة جماعة من الأئمة، ولو لم يقرن
ذلك بالإذن بالرواية، كأنهم اكتفوا في ذلك بالقرينة، ولم يظهر لي فرق قوي بين مناولة الشيخ من يده للطالب، وبين إرساله إليه بالكتاب من موضع إلى آخر، إذا خلا كل منهما عن الإذن.
وكذا اشترطوا الإذن في الوجادة:
وهي: أن يجد بخط يعرف كاتبه فيقول: وجدت بخط فلان، ولا يسوغ فيه إطلاق أخبرني بمجرد ذلك، إلا إن كان له منه إذن بالرواية عنه، وأطلق قوم ذلك فغلطوا.
وكذا الوصية بالكتاب:
وهو: أن يوصي عند موته، أو سفره، لشخص معين، بأصله، أو بأصوله، فقد قال قوم من الأئمة المتقدمين: يجوز له أن يروي تلك الأصول عنه بمجرد هذه الوصية، وأبى ذلك الجمهور، إلا إن كان له منه إجازة.
وكذا اشترطوا الإذن بالرواية في الإعلام:
وهو: أن يعلم الشيخ أحد الطلبة بأنني أروي الكتاب الفلاني عن فلان، فإن كان له منه إجازة اعتبر، وإلا فلا عبرة بذلك.
[ ٩١ ]