-[قال الحافظ: (وإن جحد مرويه جزما: رد، أو احتمالا: قبل في الأصح. وفيه: من حدث ونسي).]-
وقال في "النزهة" (ص:٢٤٦): (وإن روى عن شيخ حديثا فجحد الشيخ مرويه:
فإن كان جزما: كأن يقول: كذب علي، أو: ما رويت هذا، أو نحو ذلك، فإن وقع منه ذلك رُدَّ ذلك الخبر (٢) لكذب واحد منهما، لا بعينه، ولا يكون ذلك قادحا في واحد منهما؛ للتعارض (٣).
أو كان جحده احتمالا، كأن يقول: ما أذكر هذا، أو لا أعرفه قبل ذلك الحديث في الأصح؛ لأن ذلك يحمل على نسيان الشيخ، وقيل: لا يقبل؛ لأن الفرع تبع للأصل في إثبات الحديث، بحيث إذا أثبت الأصل الحديث ثبتت رواية الفرع، وكذلك ينبغي أن يكون فرعا عليه، وتبعا له - في التحقيق- في النفي. وهذا متعقب فإن عدالة الفرع تقتضي صدقه، وعدم علم الأصل لا ينافيه، فالمثبت مقدم على النافي.
وفيه، أي: في هذا النوع، صنف الدارقطني كتاب: "من حدث ونسي"، وفيه ما يدل على تقوية المذهب الصحيح؛ لكون كثير منهم حدثوا بأحاديث فلما عرضت عليهم لم يتذكروها، لكنهم؛ لاعتمادهم على الرواة عنهم، صاروا يروونها عن الذين رووها عنهم، عن أنفسهم، كحديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا في قصة
_________________
(١) أي اختصتصه بكثرة الأخذ عنه، أو اشتهار رحلته إليه، أو طول صحبته إياه، وغير ذلك.
(٢) أي أن الرد يكون لهذا الخبر خاصة من هذا الطريق، قال السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ٨٢): "لو حدث به الشيخ نفسه أو ثقة غير الأول عنه، ولم ينكره عليه، فهو مقبول"، وأيضا دون باقي روايتهما لغير هذا الحديث.
(٣) قال اللقاني (٢/ ١٤١٦): (ولا يثبت بذلك تعمد كذب واحد منهما بعينه حتى يكون قادحا في عدالته؛ إذ كل منهما عدل ثقة، وقد كَذَّب كل منهما الآخر، والأخذ يقول أحدهما دون الآخر يلزمه الترجيح بلا مرجح).
[ ٨٤ ]
الشاهد واليمين، قال عبد العزيز بن محمد الدراوردي: حدثني به ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهيل، فلقيت سهيلا فسألته عنه فلم يعرفه، فقلت: إن ربيعة حدثني عنك بكذا، فكان سهيل بعد ذلك يقول: حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي به. ونظائره كثيرة).
تنبيه:
سوى الحافظ بين مسألة الجحد والتكذيب ومَثَّل لأحدهما بالأخرى - وتبعه السيوطي في التدريب وسيأتي كلامه -، وقد نقل ابن حجر عن أهل الحديث التفريق بينهما فقال في "الفتح" (٢/ ٣٢٦): (لأهل الحديث فيه تفصيل قالوا إما أن يجزم برده أو لا وإذا جزم فإما أن يصرح بتكذيب الراوي عنه أو لا فإن لم يجزم بالرد كأن قال لا أذكره فهو متفق عندهم على قبوله؛ لأن الفرع ثقة والأصل لم يطعن فيه وإن جزم وصرح بالتكذيب فهو متفق عندهم على رده؛ لأن جزم الفرع بكون الأصل حدثه يستلزم تكذيب الأصل في دعواه أنه كذب عليه وليس قبول قول أحدهما بأولى من الآخر وإن جزم بالرد ولم يصرح بالتكذيب فالراجح عندهم قبوله).
والراجح هو القبول مطلقا إذ أن المسألة مفترضة في الراوي الثقة، وهو في جميع الحالات مثبت ومؤكد لصحة روايته، والمثبت مقدم على النافي.
قال السيوطي في "تدريب الراوي" (١/ ٣٩٥): «إذا روى) ثقة عن ثقة (حديثا ثم نفاه المسمع) لما روجع فيه (فالمختار) عند المتأخرين (أنه إن كان جازما بنفيه بأن قال ما رويته) أو كذب علي (ونحوه وجب رده) لتعارض قولهما ومقابل المختار في الأول عدم رد المروي، واختاره السمعاني وعزاه الشاشي للشافعي، وحكى الهندي الإجماع عليه، وجزم الماوردي والروياني بأن ذلك لا يقدح في صحة الحديث إلا أنه لا يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل ومن شواهد القبول ما رواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس قال: «كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير».
قال عمرو بن دينار ثم ذكرته لأبي معبد فقال: لم أحدثكه، قال عمرو: قد حدثتنيه.
قال الشافعي: كأنه نسيه بعد ما حدثه إياه، والحديث أخرجه الشيخان من حديث ابن عيينة).
قال الشيخ أبو بكر كافي في "منهج الإمام البخاري" (ص:٩٣) عقب ذكره للحديث السابق: (وهذا يدل على أن البخاري ومسلمًا يذهبان إلى صحة الحديث ولو أنكره راويه إذا كان الناقل عنه عدلًا، وأن ذلك لا يقدح في عدالة أصل الراوي ولا في عدالة الفرع
[ ٨٥ ]
الراوي عنه).