المبحث الأول: التحيز العنصري في المسلمات الأولية.
الفصل الثاني: عيوب المنهج العلمي عند " شاخت "
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: التحيز العنصري في المسلمات الأولية.
المبحث الثاني: الانتقائية في اختيار المصادر.
المبحث الثالث: الشك غير المنهجي.
المبحث الرابع: إهمال الأدلة المضادة.
المبحث الخامس: التفسير المتعسف للنصوص.
المبحث السادس: التعميم الفاسد.
[ ١٩ ]
المبحث الأول: التحيز العنصري في المسلمات الأولية
لا يخلو أي بحث علمي من مسلمات أولية أو ما يسمى بالأفكار القبلية، لا يتكلم عليها الباحث ولا يصرح بها، ولكنه ينطلق منها في معالجة القضايا التي يتطرق لها في بحثه (١)، والملاحظ أن " شاخت " كان في المسلمات الأولية في كتاباته عن السنة النبوية واقعًا تحت تأثير تحيز عنصري ضد العرب والمسلمين، وهو وإن لم يصرح بمسلماته بصورة جلية وواضحة
-لغايات لا تخفى على اللبيب-، إلا أن ذلك يظهر بجلاء في حكمه القاطع والجازم على صفوة الأمة وأوثق علمائها بأنهم من الكذابين، وأنهم اختلقوا الأسانيد ونسبوها زورًا وافتراءً لرسولهم ﷺ.
ونتيجة لهذه المسلَّمة القاطعة التي تجذرت في وعيه، أشار إلى أن الأسانيد في كتب السنة، والتي تدل على اتصال الإسناد إلى رسول الله ﷺ؛ لا قيمة لها، «بل هي كذب محض؛ لأن الأحاديث النبوية بكاملها لم توجد إلا في القرنين الثاني والثالث، فكيف يمكن أن نتصور وجود الأسانيد قبل وجود المتون؟ بل لا بد أن توجد المتون من قبل ثم تظهر الأسانيد لا العكس» (٢)، ويقول في تقرير هذا الأمر: «إن أكبر جزء من أسانيد الأحاديث اعتباطي وأي حزب يريد نسبة آرائه إلى المتقدمين، كان يختار تلك الشخصيات
_________________
(١) أوسع من رأيته تكلم على خطورة الأفكار القبلية الضمنية التي لا يصرح بها، وأثرها السيئ في صحة الأفكار والنظريات العلمية هو الدكتور ريمون بودون رئيس قسم العلوم الإنسانية في جامعة السوربون بباريس في كتابه " فن إقناع الذات بأفكار هشة ومشكوك فيها وخاطئة " (ص ١١٧ - ١٩٦) .
(٢) المستشرق شاخت والسنة النبوية (١ / ٨٣) .
[ ٢١ ]
ويضعها في الإسناد» (١)، وقد نقلنا عنه آنفًا أنه لا يعتقد بوجود أي حديث صحيح من أحاديث الأحكام المروية بالسند المتصل إلى رسول الله ﷺ.
وهذا الرأي القطعي - في نظره - يدل دلالة واضحة على أنه مبني على مسلمة أولية راسخة عنده، وهي أن علماء المسلمين قوم كذبة، كانوا يستبيحون الكذب ويستحلونه في أمور دينهم ولا يتورعون عنه، بل يفهم من كلامه أنهم مجمعون على ذلك، ومتواطئون عليه، ولو لم يكونوا كذلك في نظر "شاخت"؛ لما قرر نتيجته السابقة بعمومية وإطلاق ومن دون أي استثناءات أو قيود.
وسنناقش هذه المسلمة بما فيها من تحيز عنصري بغيض، مما يدل على أن الرجل واقع تحت تأثير الأفكار السابقة عن المسلمين الكامنة في عقلية عوام الغربيين.
ولكن قبل ذلك لابد من الإشارة إلى أن أهم صفة يجب أن يتحلى بها الباحث العلمي هي الإنصاف والعدل حتى مع خصومه ومخالفيه، والتي يعبر عنها المتخصصون في المنهج العلمي بالموضوعية. ويقرر أولئك العلماء أن أشد نواقض الموضوعية وقوادحها؛ التحيز ضد قومية أو فكرة أو مبدأ أو شخص أو مذهب.. إلخ.
ويحذر المختصون في المنهج العلمي أي باحث من الوقوع في التحيز أو التعصب العنصري؛ لأن ذلك يتعارض مع مبدأ الموضوعية، وسأورد فيما يلي نصوصًا منتقاة لبعض المختصين تؤكد هذه الحقيقة التي أصبحت إحدى مسلمات المنهج العلمي بصورة مطلقة.
_________________
(١) السابق.
[ ٢٢ ]
يقول روبرت ثاولس: «من الأمور التي تجعلنا ميالين إلى التفكير الأعوج، تحيزاتنا التي هي: طرق في التفكير تقررها سلفًا قوى ودوافع انفعالية شديدة، كالتي يكون مصدرها منافعنا الذاتية الخاصة، أو ارتباطاتنا الاجتماعية» (١) . ويقول: «إننا نكون تحت تأثير الهوى والتحيز في آرائنا ميالين إلى تصديق ما نرغب في تصديقه، أو ما نحتاج إليه أن يكون صحيحًا، وإلى إنكار ما نرغب في إنكاره، أو ما نحتاجه أن يكون باطلًا» (٢) .
ويقول فؤاد زكريا في كلام له عن التعصب - الذي هو وجه من وجوه التحيز والعنصرية - بوصفه أحد أهم عقبات التفكير العلمي،: «التعصب هو اعتقاد باطل بأن المرء يحتكر لنفسه الحقيقة أو الفضيلة، وبأن غيره يفتقرون إليها، ومن ثم فهم دائمًا مخطئون فحين أكون متعصبًا لا أكتفي بأن أنطوي على ذاتي وأنسب إليها كل الفضائل، بل ينبغي أيضًا أن أستبعد فضائل الآخرين وأنكرها وأهاجمها» (٣) .
وفي نص آخر كأنه يتكلم فيه على " شاخت " يشير فؤاد زكريا أن التعصب بكل أنواعه، كالتعصب العنصري، والتعصب القومي المتطرف وغيرها؛ كلها تشترك في سمة واحدة هي: «الانحياز إلى موقف الجماعة التي ننتمي إليها دون اختيار، ودون تفكير، والاستعلاء على الآخرين، والاعتقاد بأنهم " أحط "» (٤) .
_________________
(١) التفكير المستقيم والتفكير الأعوج (ص ١٨٣) .
(٢) السابق (ص ١٨٧) .
(٣) التفكير العلمي (ص ٩٦) .
(٤) السابق (ص ٩٩) .
[ ٢٣ ]
ثم يعدد مضار التعصب على روح المنهج العلمي فيقول: «وأعظم الأخطار التي يجلبها التعصب على العلم، هو أنه يجعل الحقيقة ذاتية، ومتعددة، ومتناقضة، وهو ما يتعارض كلية وطبيعة الحقيقة العلمية كما ينطوي التعصب على تفكير أسطوري - خرافي - يتسم بطابع وهمي مختلق، وهو بطبيعته يشجع التفكير غير العقلي؛ لأنه هو الدعامة الوحيدة لموقفه، ومن هنا كان أساس النازية هو " أسطورة " الجنس الآري المتفوق، وكان أساس التفرقة العنصرية هو " أسطورة " الجنس الزنجي المنحط، إلى غير ذلك من الأساطير التي يستند إليها كل شكل من أشكال التعصب» (١) .
ويقول أحد المختصين في منهجية البحث التاريخي: «إذا وقع الباحث في أسر التعصب، كان من السهل وصمه بالذاتية التي هي نقيض الموضوعية والعلم» (٢) .
إن نظرة سريعة إلى الكتب التي تكلمت على المنهجية العلمية وشروطها؛ تعطينا حكمًا عامًا بأن الباحث المتحيز لا يمكن أن تكون نتائج بحثه علمية بأي حال من الأحوال (٣) .
وبعد أن ألممنا بموقف المختصين في منهجية البحث العلمي من التحيز والعنصرية، فلننظر ماذا فعل " شاخت "؟
_________________
(١) السابق (ص ٩٩، ١٠١) بتصرف يسير.
(٢) البحث في التاريخ قضايا المنهج والإشكالات (ص ٢٠) .
(٣) انظر المنهج لإحكام قيادة العقل لديكارت (ص ٣٦)، والمنطق وفلسفة العلوم (ص ٥٨ -٥٩)، وأصول البحث العلمي (ص ٥٨، ٥٩، ٦١)، وفلسفة العلوم الميثودولوجيا (ص ٩٩)، والمدخل إلى البحث في العلوم السلوكية (ص ٢٩٧)، ومنهج البحث التاريخي (ص ١٩)، والمدخل إلى مناهج البحث العلمي (ص٢٦ - ٢٧) .
[ ٢٤ ]
لقد سلب من المسلمين أهم أخلاقهم الفاضلة، فنظر إليهم على أنهم مجموعة من الكذابين، فإن لم يكن هذا التعميم الذي أطلقه " شاخت " على علماء الدين المسلمين يعد تحيزًا عنصريًا وتعصبًا مقيتًا، فليس في الدنيا من التعصب أو التحيز ما يستحق هذا الوصف.
إننا حين نقول: إن " شاخت " كان واقعًا تحت تأثير أفكار سابقة عنصرية تضمر احتقارًا للعرب والمسلمين وكراهية لهم، فإن شاهدنا على ذلك أحكام الرجل نفسه ونتائجه التي أعلنها، ويؤيد ذلك ما نعرفه من نصوص لبعض الغربيين أنفسهم من أن المستشرقين حين يبحثون في الإسلام والمسلمين، فإنهم يقومون بذلك من خلال ما ترسب في مخيلتهم الجماعية من صورة أسطورية خرافية مشوهة عن المسلمين، يقول الأستاذ محمد أسد - وهو في الأصل يهودي نمساوي قبل أن يسلم - مبينًا موقف الأوربيين من أهل الكتاب، والمستشرقين بصفة خاصة من الإسلام والمسلمين: «يعتقد الأوربيون أن تفوقهم العنصري على سائر البشر أمر واقع، ثم إن احتقارهم إلى حد بعيد أو قريب لكل ما ليس أوروبيًا من أجناس الناس وشعوبهم قد أصبح إحدى الميزات البارزة في المدنية الغربية.
على أن هذا وحده لا يكفي لإظهار ما يكنُّه الأوربيون نحو الإسلام خاصة، وهنا - نعني فيما يتعلق بالإسلام - لا تجد موقف الأوروبي موقف كره في غير مبالاة فحسب كما هي الحال في موقفه من سائر الأديان والثقافات، بل كره عميق الجذور يقوم في الأكثر على صدود من التعصب الشديد، وهذا الكره ليس عقليًا فحسب، ولكنه يصطبغ أيضًا بصبغة عاطفية قوية. قد لا تقبل أوروبا تعاليم الفلسفة البوذية أو الهندوكية، ولكنها تحتفظ
[ ٢٥ ]
دائمًا فيما يتعلق بهذين المذهبين بموقف عقلي متزن، ومبني على التفكير، إلا أنها حالما تتجه إلى الإسلام يختل التوازن ويأخذ الميل العاطفي بالتسرب، حتى إن أبرز المستشرقين الأوروبيين جعلوا من أنفسهم فريسة التحزب غير العلمي في كتاباتهم عن الإسلام، ويظهر في جميع بحوثهم كما لو أن الإسلام لا يمكن أن يعالج على أنه موضوع بحث في البحث العلمي، بل على أنه متهم يقف أمام قضاته» (١) .
هذا النص النفيس يمثل شهادة مهمة لأن الأستاذ محمد أسد ينقل واقعًا خبره وعرفه قبل إسلامه، حيث نشأ وتربى في " النمسا " ذات الثقافة الألمانية، وقد تقدم معنا أن " شاخت " نشأ في ألمانيا أيضًا، أضف إلى أنهما ولدا في بدايات القرن العشرين الميلادي، مما يجعل النص الآنف في غاية الأهمية، ولاسيما أنه يوضح لنا بصورة جلية الرؤية المتحيزة للجيل الذي نشأ فيه "شاخت "، وغيره من الأوربيين تجاه الإسلام والمسلمين.
ويؤكد الأمر بصورة جلية لاتقل أهمية عما سبق قول "انجمار كارلسون" (٢)، وهو أحد أبرز المفكرين الاستراتيجيين في أوربا: «نحن نفتقد الإمكانات الموضوعية للنظر إلى الأصولية الإسلامية نظرة معقولة، وتناولها بأسلوب نقدي طبيعي، ولذا نعتبر الغرب الحديث مرادفًا للعقل، بينما نرى في الشرق عالمًا متخلفًا يمشي على حافة الجنون، ويستحيل عليه مشاركتنا في
_________________
(١) الإسلام على مفترق الطرق (ص ٥٢ - ٥٣) .
(٢) يعمل الآن سفيرًا في وزارة الخارجية السويدية.
[ ٢٦ ]
الحوار والسجال على قدم المساواة إن صورة المسلم مطبوعة في وعينا على هذا النحو المخيف » (١) .
ويشير باحث غربي آخر اسمه " جيمس وولتز " في دراسة له عن مواقف الغربيين من المسلمين قبل الحروب الصليبية أن أوربا عاشت حالة من عدم المبالاة تجاه الإسلام والمسلمين مدة من الزمن، ثم تحول ذلك الموقف إلى نوع من العداء السياسي ما بين (٧١٠ - ١١٠٠ م)، ثم تحول إلى عداء ديني مع مواجهة عسكرية في بعض المراحل، ثم يقرر هذا الباحث بعد ذلك: إن المترسخ في أذهان الأوروبيين عن الإسلام هو صورة قاتمة، وذلك بسبب العداء الذي ذكاه موقف الباباوات من الإسلام منذ اندلاع الحروب الصليبية، وإلى أيام استعمار الغرب للعالم الإسلامي الذي لم ينته إلا منذ بضعة عقود (٢) .
إن مضمون النصوص السالفة أصبح اليوم حقيقة علمية أكدها عدد من المتخصصين في الاستشراق (٣)، وفي ذلك دلالة على ضخامة حجم التشويه المتعمد، في تصورات الغربيين، وبخاصة المستشرقون منهم عن الإسلام.
إن مُسلّمة " شاخت " التي بنى عليها نظريته في السنة النبوية، والدالة على أن علماء الحديث والفقه من المسلمين كانوا لا يتورعون عن الكذب في نسبة
_________________
(١) الإسلام وأوربا تعايش أم مجابهة؟ (ص ٢٧) .
(٢) انظر كتاب صورة العرب في عقول الأمريكيين (ص٢٢ - ٢٣) .
(٣) انظر المستشرقون الناطقون بالإنجليزية (ص ٩٤ - ٩٦)، رؤية إسلامية للاستشراق (ص ١٠٠ - ١٠١)، الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري (ص ١٣٨ - ١٤٤)، عبد الرحمن بدوي فيلسوف الوجودية الهارب إلى الإسلام (ص ٣٠) .
[ ٢٧ ]
أقوال لرسولهم ﷺ؛ لا يمكن للعقل أن يقبلها؛ لأنها خرافية وخيالية إلى حد بعيد للأسباب التالية:
١ - هذه المسلَّمة مصادمة للطبيعة البشرية؛ وذلك لأن الصدق هو الأصل في معاملات البشر، ولذا فهو سهل وطبيعي، وراسخ الأركان، وأما الكذب فمهزوز مزعزع، معرض للهجوم باستمرار، ولا قوة فيه ولا خير، وهو قرين لكثير من الأمراض الاجتماعية كالسرقة والخوف والجبن والذل (١)، وهو مضاد لروح التعاون الجماعي التي هي أساس قيام أي مجتمع.
ولا يمكن لمجتمع مهما بلغ انحرافه أن يتواطأ كل من فيه من رجال ونساء، ولأجيال متعاقبة، وفي بلدان مختلفة، ومن أقاليم متعددة على الكذب على زعيمهم وقدوتهم، وقائدهم الذي يحبونه ويحترمونه.
ومما يدل على أن مُسلّمة " شاخت " غير مقبولة عقلًا أن أحد مشاهير الغربيين، ويدعى " توماس كارليل " كتب مخاطبًا قومه عاتبًا عليهم في زعمهم أن المسلمين كذبة، فقال: «لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متمدن من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يُظن من أن دين الإسلام كذب، وأن محمدًا خداع ومزور، وآن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها الملايين الفائتة الحصر أكذوبة وخدعة؟! أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبدًا، ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا
_________________
(١) انظر الأخلاق النظرية (ص ١٩٢ - ١٩٤)، وأسس الصحة النفسية (ص ٣٥٠) .
[ ٢٨ ]
الرواج، ويصادفان منهم مثل ذلك التصديق والقبول، فما الناس إلا بُله ومجانين، وما الحياة إلا سخف وعبث) (١) .
ولاحظ هنا أن " كارليل" وصف مَنْ يقول بمثل قول " شاخت " بالعار والسخف المخجل والعبث.
٢ - إن القرآن وهو كتاب المسلمين المقدس يقف من الكذب موقفًا شديدًا جدًا، حيث يجعل من كذب في الدين مستحقًا للإثم المبين قال تعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ (النساء:٥٠)، كما أنه يجعله من صفات الكافرين قال تعالى ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (المائدة: ١٠٣)، وأن الكاذب لا يفلح قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل: ١١٦)، وأنه من أظلم الظلم قال تعالى ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام: ١٤٤) .
والخالق ﷿ هو القائل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)، فاتباع السنة من دين الله، فالكذب فيها كذب على الله، فموانع الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلمعند المسلمين قوية؛ لأنها تستند إلى نصوص قرآنية كثيرة جدًا.
٣ - إن الواقع التاريخي للمسلمين في فتوحاتهم ومعاملتهم مع أهل الأديان الأخرى يدل على تحلِّيهم بخصال الصدق والعدل والأمر بالمعروف
_________________
(١) الأبطال (ص ٥٨) .
[ ٢٩ ]
والنهي عن المنكر، وهذه الأمور لا تتسق مع أخلاق الكذابين، وفي ذلك يقول الفيلسوف الألماني " كانت ": «من نسيج الإنسان الفاسد لم يُصنع أي شيء مستقيم أبدًا» (١) .
ويقول المستشرق " مونتجمري وات " مستدلًا بالتاريخ الأخلاقي، بوصفه حجة قوية على إخلاص محمد ﷺ وصدقه: «إن الاعتقاد في إخلاص محمد تسنده حجة قوية، فاستعداده لأن يتحمل الأذى في سبيل معتقداته، والمستوى الأخلاقي الرفيع الذي اتصف به الرجال الذين آمنوا به واتخذوه إمامًا، وعظمة المنجزات التي انتهى إليها، كل هذا ينم عن استقامته» (٢) .
فكيف يريدنا " شاخت " أن نصدق أن أولئك العلماء الذين لم يُطعن عليهم في نزاهتهم الدينية، وتقواهم، ووفائهم بالعهود، وصدق تدينهم، كانوا يسكتون على كذب بعضهم البعض، ولماذا لا نجد في كتب الجرح والتعديل أو التاريخ والسير وصفهم لبعضهم البعض بالوضع والكذب، إذا كانت الحال كما يزعم " شاخت "؟
٤ - إذا كان المحدثون والفقهاء تعمدوا الوضع والكذب على الرسول ﷺ، فلماذا إذن اهتموا بنقد الأحاديث؟، ولماذا تعبوا كل هذا التعب في نقد الراوة والتصنيف في علم الجرح والتعديل والعلل، مادام كله كذبًا؟!
٥ - لو كان الأمر كما يزعم " شاخت " أن علماء المسلمين كانوا إذا احتاجوا في مسألة إلى دليل وضعوا سندًا لأحد آراء الفقهاء، ونسبوه لرسول
_________________
(١) الأعمال الكاملة لكانت (٨/٢٣) ط برلين، نقلًا عن كتاب نسيج الإنسان الفاسد (ص ٥) .
(٢) الوحي الإسلامي في العالم الحديث، نقلًا عن مناهج المستشرقين (١/ ٢١٠) .
[ ٣٠ ]
الله ﷺ، فلماذا لم يضعوا حديثًا بإسناد صحيح في حجية القياس، وهو المصدر الرابع من مصادر التشريع الإسلامي، مع أن الحاجة ماسة لوجود مثل ذلك الحديث بديلًا لحديث معاذ رضي الله (١) عنه الذي ضعفه كثير من المحدثين؟
ولماذا لم يستطع الخليفة المأمون مع كل ما أوتي من قوة ونفوذ وسلطة واسعة أن يأتي بحديث واحد موضوع في مسألة خلق القرآن مع تحدي الإمام أحمد له وللمعتزلة بذلك؟
«إن الحقيقة التي تتحدث عن نفسها هنا هي أنه لم يكن من الممكن أن يوضع حديث على رسوله ﷺ، ويمر من غير ملاحظة العلماء له» (٢) .
إن تحيز " شاخت " واستسلامه الكامل للتعصب العنصري ضد المسلمين، أوقعه في مصادمة لأهم أصل من أصول المنهجي العلمي وهو الموضوعية.
_________________
(١) انظر تخريجًا مطولًا لهذا الحديث مع كلام بعض علماء الحديث في تضعيفه عند الشيخ الألباني في كتابه سلسلة الأحاديث الضعيفة (٢ / ٢٧٣ - ٢٨٦) رقم الحديث [٨٨١] .
(٢) أصول الفقه المحمدي للمستشرق شاخت دراسة نقدية (ص ١٢) .
[ ٣١ ]
المبحث الثاني: الانتقائية في اختيار المصادر
من أخطر العيوب المنهجية في البحث العلمي، أن يتوصل الباحث إلى نتائج محددة عامة تكون مبنية على معلومات مستقاة من مصادر غير متخصصة في موضوع بحثه.
وهذا ما وقع فيه " شاخت " فقد توصل لنتائجه في السنة النبوية، معتمدًا في ذلك على مصادر فقهية، وليست حديثيه، بل أكثر من ذلك أنني لم أجد في مصادره أي كتاب في علم مصطلح الحديث، أو الجرح والتعديل، أو العلل، أو التخريج، ومن يتجاهل هذه المصادر الأصلية في علم الحديث، كيف يمكن لنا بمقاييس المنهج العلمي أن نثق بنتائجه.
ولإيضاح أهمية استيعاب المصادر الأصلية المتخصصة في البحث العلمي عند أساتذة المنهجية، ننقل بعض المقتطفات من كلامهم حول ذلك، ومنها هذا النص لشارل فيكتور لانجلوا - مؤلف أحد أهم كتب منهج البحث في علم التاريخ المعتمدة في الجامعات الغربية - الذي يقول فيه: «إذا تراءى لي أن أعالج نقطة تاريخية، أيًا كانت، فإني أتلمس الموضع أو المواضع التي ترقد فيها الوثائق الضرورية لمعالجتها ومن البين أن هذا العمل إذا لم يزاول مزاولة سليمة، أعني أنه إذا لم يعرف المرء قبل البدء في عمل تاريخي، كيف يحيط نفسه بكل المعلومات الميسرة له، فإنه يزيد بسهولة من مزالق خطر العمل على أساس وثائق غير كافية وهي مزالق وفيرة العدد مهما بذل من جهد.
وكم من عمل من أعمال التاريخ عولج وفقًا لقواعد أدق المناهج قد أفسده، بل قضى عليه قضاء مبرمًا، أمرٌ مادي بسيط هو أن المؤلف لم يقف على وثائق
[ ٣٣ ]
كان من شأنها أن توضح تلك التي كانت في متناول يده - واقتصر عليها-، وأن تكملها أو تنقضها» (١) .
ويقول الدكتور أحمد شلبي: «ومن أهم ما يجب أن يلاحظ في المراجع تخصصها في النقطة التي يُبحث فيها، فإذا كان البحث مثلًا في التاريخ فمراجعه الأصلية العامة هي كتب التاريخ» (٢) .
ويؤكد الدكتور صالح العساف أن معيار العلمية في مناهج البحث التي تدرس الظاهرة الإنسانية كما أشار كثير من علماء المنهجية هي: الدقة، إبراز الأدلة، واتباع المنهج العلمي بخطواته المختلفة، ومنها: «جمع المعلومات عن المشكلة، متوخيًا في ذلك البحث عن أصدق المصادر تأليفًا ومحتوى» (٣) .
ويتفق أساتذة المنهجية، على أن من أهم واجبات الباحث، إن لم يكن من أولها، أن يحيط إحاطة تامة بمصادر بحثه الأصلية التي تكون شديدة الصلة به، ويؤكدون أن الاعتماد على مصادر ثانوية أو غير متخصصة يضر بالبحث ونتائجه (٤) .
إن آراء " شاخت " وأحكامه القطعية التي صرح بها حول السنة النبوية، لم يُراع فيها هذا الأصل المهم من أصول المنهجية في البحث العلمي.
_________________
(١) المدخل إلى الدراسات التاريخية، مطبوع ضمن كتاب النقد التاريخي (ص ٥ - ٦) والكتاب اشترك في تأليفه لانجلوا وزميله سينوبوس، والفصل الأول إلى السادس من كتابة لا نجلوا.
(٢) كيف تكتب بحثًا أو رسالة (ص ٦١) بتصرف يسير.
(٣) المدخل إلى البحث في العلوم السلوكية (ص ٢٩٧) .
(٤) البحث الأدبي (ص٢٩٦، ٢٩٧)، مناهج البحث العلمي (ص ١٨٤ - ١٨٥)، منهج البحث في الأدب واللغة (٦٤ - ٦٥)، مزالق في طريق البحث اللغوي والأدبي (ص ٢٥) .
[ ٣٤ ]
وفي ذلك يقول الدكتور الأعظمي: «لقد كان لسوء اختيار المستشرقين مواد دراسة الأسانيد أكبر الأثر في وقوعهم في أخطار جسيمة، نجمت عن سوء ذلك الاختيار في انتقاء المواد لهذه الدراسة وبالتالي وصلوا إلى نتائج خاطئة؛ لاختيارهم مواد غير مناسبة للبحث والتنقيب عما يريدون.
لقد قام البروفسور " شاخت " بدراسة كتاب الموطأ للإمام مالك، والموطأ للإمام محمد الشيباني، وكتاب الأم للإمام الشافعي، وغني عن القول: أن هذه الكتب أقرب ما تكون إلى الفقه من كتب الحديث، وعلى الرغم من ذلك فقد عمم نتيجته التي توصل إليها في دراسته لتلك الكتب، وفرضها على كتب الحديث كافة، وكأنه ليست هناك كتب خاصة بالأحاديث النبوية، وكأنه ليس هناك فرق بين طبيعة كتب الفقه وكتب الحديث» (١) .
والخطأ المنهجي الذي وقع فيه " شاخت " هو أنه انتقى المراجع التي يمكن أن يجد فيها ما يؤيد بحثه؛ ذلك لأن الكتب الأخرى غير كتب الحديث، لا يهتم أصحابها بسياق السند كاملًا، ويؤكد ذلك قول الشافعي رحمه الله تعالى: «وكل حديث كتبته منقطعًا فقد سمعته متصلًا أو مشهورًا عمَّن رُوِي عنه بنقل عامة من أهل العلم يعرفونه عن عامة، ولكن كرهت وضع حديث لا أتقنه حفظًا، فاختصرت خوف طول الكتاب، فأتيت ببعض ما فيه الكفاية دون تَقَصِّي العلم في كل أمره» (٢) .
_________________
(١) دراسات في الحديث النبوي (٢ / ٣٩٧ - ٣٩٨) .
(٢) الرسالة (ص ٤٣١) .
[ ٣٥ ]
ويقول أبو يوسف القاضي في رده على الأوزاعي: «ولولا طول الكتاب؛ لأسندت لك الحديث» (١) .
ويرى الدكتور الأعظمي أن من الظواهر التي تختص بها كتب الفقه من حيث الاستشهاد بالأحاديث:
١ - حذف جزء من الإسناد، والاكتفاء بأقل قدر ممكن من المتن الذي يدل على المقصود، وذلك تجنبًا للتطويل.
٢ - حذف الإسناد بكامله، والنقل مباشرة من المصدر الأعلى للراوية.
٣ - استعمال كلمة السنة أو إحدى مرادفاتها للدلالة على أفعال الرسول ﷺ، بدون ذكر حديث أو إسناد؛ لأن الحديث كان معروفًا ومشهورًا في الأوساط العلمية.
٤ - ذكر طريق واحد فقط من الإسناد من عدة طرق متوافرة (٢) .
وبإدراك هذه الفروق يتحقق لكل صاحب نظر صحيح أن " شاخت " قد ارتكب خطأ علميًا جسيمًا بإجرائه لدراسته عن الأحاديث النبوية من خلال الكتب الفقهية، وبحسب أصول المنهج العلمي الصحيح، فإنَّ أيَّ دراسة أو نتيجة يصل إليها الباحث في الأحاديث النبوية أو الأسانيد في غير مصادرها الأصلية ذات الاختصاص المباشر، ونعني بها كتب الحديث بمختلف أنواعها رواية ودراية، محكوم عليها بالإخفاق ومجانبة الحقيقة؛ لأنها لن توصل إلى النتيجة السليمة والمنطقية بل ستكون مخالفة للواقع (٣) .
_________________
(١) الرد على سير الأوزاعي (ص ٣١) .
(٢) دراسات في الحديث النبوي (٢ / ٤٠٤)، أصول الفقه المحمدي للمستشرق شاخت دراسة نقدية (ص ٣٢١)، وقد ساق عدة شواهد تطبيقية على ذلك.
(٣) دراسات في الحديث النبوي (٢ / ٤٠٥) .
[ ٣٦ ]
ثم هناك أمر آخر يظهر منه عدم مصداقية " شاخت " في انتقائه لمصادره، ذلكم هو أنه يعتمد كتابات الإمام الشافعي اعتمادًا كليًا، مع أنه في نظره متهم بأنه كثيرًا ما يحرف في أصول مخالفيه ومبادئهم، ويسوق على ذلك أكثر من ثلاثين مثالًا، ويطعن عليه بأنه يزيد من عنده في كلام خصومه ويسوق على ذلك عدة أمثلة (١) .
والسؤال: إذا كان الإمام الشافعي غير موضوعي عند "شاخت " فهل يجوز في معايير المنهج العلمي أن يعتمد عليه؟ وما المعايير التي تجعله يقبل كلامه أحيانًا، ويرفضه أحيانًا بدون أي مسوِّغ منطقي؟.
_________________
(١) المستشرق شاخت والسنة النبوية (ص ٨٩) .
[ ٣٧ ]
المبحث الثالث: الشك غير المنهجي
يعطي أساتذة المنهجية الشك المنهجي مكانة مهمة، عبّر عنها أحدهم بقوله: «في كل علم ينبغي أن تكون نقطة البدء هي الشك المنهجي. فكل ما لم يثبت بعد، ينبغي أن يظل مؤقتًا موضوعًا للشك، ولتوكيد قضية ما ينبغي تقديم الأسباب التي تبرر الاعتقاد بأنها صحيحة صادقة» (١) .
وقد عرف مجمع اللغة العربية الشك المنهجي بأنه: «مرحلة أساسية من مراحل منهج البحث في الفلسفة، وقوامها تمحيص المعاني والأحكام تمحيصًا تامًا بحيث لا يُقبل منها إلا ما ثبت يقينه، ومن أبرز من قال به الغزالي ثم ديكارت. فعلى الباحث أن يحرر نفسه من الأفكار الخاطئة " بالشك "، وأن يتروَّى فيما يعرض له، فلا يتسرع في حكمه» (٢) .
وفي تعريف آخر للأستاذ جبور عبد النور: «هو موقف يتميز عن الشك الارتيابي بأنه وقتي، ويُسلِّم بالمقدرة على بلوغ حقائق أكيدة شرط التمكن من التدليل عليها» (٣) .
ولنا أن نتساءل بعد أن عرفنا ما هو الشك المنهجي: متى يكون الشك في معايير البحث العلمي غير منهجي؟
والجواب الصحيح عن هذا السؤال: بأنه يكون كذلك إذا كان الشك فيه إفراط وإنكار ونفي من دون بينة أو قرينة مقبولة، ولذا نجد أن أساتذة المنهجية الذين حثوا على الشك المنهجي، قد حذروا منه أيضًا، ومن هؤلاء
_________________
(١) المدخل إلى الدراسات التاريخية (ص ١٢٢) .
(٢) المعجم الفلسفي (ص ١٠٣) .
(٣) المعجم الأدبي (ص ١٥٤) .
[ ٣٩ ]
"لانجلوا" فقد حذر المؤرخين من الإفراط في الشك، ناصحًا لهم بعد أن شدد على أهميته، فقال: «ينبغي ألا نسيء استعماله، فإن الإفراط في الشك والاتهام في هذه الأمور، يكاد يكون له نفس النتائج الضارة؛ للإفراط في الثقة والاعتقاد» (١) .
ويقول الدكتور علي جواد الطاهر: «الشك ضروري على أن يكون علميًا، وفي حدود الحقيقة، وأن يقع في السلب والإيجاب، وفيما لنا، وما علينا. أما الشك المرضي أو الشك الذي تدفعك إليه نزوة في مخالفة المألوف فهو خارج حدودنا، وليس من وكدنا» (٢) .
والذي وقع فيه " شاخت " هو أنه رفض القبول ببعض الأمور المتعلقة بالسنة النبوية ورواتها، بناءً على شك لا يستند إلى دليل أو قرينة مقبولة علميًا، ومن صنيعه في ذلك زعمه بأن كافة كتب التراجم التي تبحث في ترجمة موسى بن عقبة غير موثوق بها، والسبب - في نظره - يرجع إلى أنه قد زِيدَ في أسماء شيوخ موسى، وكذلك في أسماء تلامذته بعد أن كثرت الأحاديث الموضوعة وأسانيدها المختلقة، ويحيل " شاخت " القراء إلى أن يقوموا بموازنة بين ترجمة موسى بن عقبة في " طبقات ابن سعد "، و" التاريخ الكبير للبخاري "، وهما من أقدم المصادر، وما كتب عنه في المصادر المتأخرة ليتبين لهم الفرق، إذ المصادر القديمة مقتضبة بعكس المصادر المتأخرة،
_________________
(١) المدخل إلى الدراسات التاريخية (ص ٧٥) .
(٢) منهج البحث الأدبي (ص٤٦) .
[ ٤٠ ]
والخلاصة التي يخرج بها القارئ من كلام " شاخت " أن كتب التراجم كلها ليست جديرة بالثقة (١) .
وقد تولى الدكتور الأعظمي (٢) تفنيد هذا الرأي بأسلوب علمي رصين، حيث بيَّن أن محاولة زرع الشك في قلوب الباحثين حول قيمة كتب التراجم استنادًا إلى التراجم المقتضبة لموسى بن عقبة لا يستند إلى أي دليل علمي؛ لأنه لا أحد من أولئك العلماء زعم أنه سيحاول استقصاء كافة المعلومات عن كل شخص يترجم له.
ثم ساق الأعظمي مثالًا وازن فيه ترجمة شعبة بن الحجاج في ثلاثة مصادر من كتب التراجم هي: " الطبقات " لابن سعد (ت ٢٣٠؟)، وكتاب "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد (ت ٢٤١؟)، وكتاب "التاريخ الكبير" للبخاري (ت ٢٥٦؟) .
فكانت النتيجة أن ابن سعد (٣) ترجم له في تسعة أسطر ولم يذكر من شيوخه أو تلاميذه أحدًا، أما البخاري (٤) فترجم له في ثمانية أسطر ذاكرًا اثنين من شيوخه، وكذلك تلامذته لم يذكر إلا اثنين فقط، أما الإمام أحمد (٥) الذي توفي بعد ابن سعد، وقبل البخاري فيذكر لشعبة مائة وخمسين شيخًا.
_________________
(١) كلام " شاخت " عن موسى بن عقبة نشره في إحدى المجلات الاستشراقية اسمها "Acra Orientalia" مجلد ٢١ سنة ١٩٥٣م (ص ٢٨٨ - ٣٠٠)، وقد لخصه الدكتور الأعظمي في كتابه دراسات في الحديث النبوي (٢ / ٣٨٦ - ٣٨٧) .
(٢) دراسات في الحديث النبوي (٢ / ٣٨٨ - ٣٩٠) .
(٣) الطبقات الكبرى (٧ / ٢٨٠ - ٢٨١) .
(٤) التاريخ الكبير (٤ / ٢٤٤ - ٢٤٥) .
(٥) العلل ومعرفة الرجال (١ / ٤٧٢ - ٤٧٥) .
[ ٤١ ]
وطبقًا لنظرية " شاخت " لنا أن نتساءل: إذا كانت الأحاديث الموضوعة والأسانيد المختلقة كانت وراء تكاثر أسماء شيوخ شعبة في مدة أحد عشر عامًا، هي الفاصل الزمني بين وفاتي ابن سعد وابن حنبل، بحيث ارتفع العدد من الصفر عند الأول إلى مائة وخمسين عند الثاني، فما الطريقة التي استعملها البخاري بحيث تمكن من إرجاع ذلك العدد الكبير إلى اثنين فقط، وبعد مضي خمسة عشر عامًا أخرى؟
وكيف تقلصت القائمة عند البخاري عن قائمة ابن حنبل، وكان من المفروض بناءً على نظرية " شاخت " أن تنمو أكثر فأكثر؟
ومثال آخر على استعمال هذا المستشرق للشك بصورة غير علمية ألبتة: وهي طعنه في "سلسلة الذهب "عند المحدثين أعني حديث مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄، فقد شكك في ثبوت سماع مالك من نافع مولى ابن عمر، وهذه نص عبارته المترجمة: (بما أن نافعًا مات في سنة ١١٧؟ أو قريبًا منها، ومات مالك في سنة ١٧٩؟، فعلاقتهما ممكنة الوقوع عندما كان مالك فتى. بل ربما كان موضع شك أيضًا ما إذا لم يأخذ مالك - الذي يتهمه الشافعي في موضع آخر بالتدليس - مروياته من أحاديث مدونة يزعم مجيئها عن نافع) ثم يذكر في الحاشية: «ليس هناك تاريخ موثوق معروف لميلاد مالك» (١) .
وقد نص جمهور العلماء على أن مالكًا ﵀ قد ولد سنة ٩٣؟ وهذا أصح الأقوال، وذهب البعض إلى أن ولادته كانت سنة ٩٠، وقيل ٩٤،
_________________
(١) هذا النص من كتاب أصول الفقه المحمدي لشاخت (ص ١٧٦ - ١٧٧)، نقلًا عن " أصول الفقه المحمدي للمستشرق شاخت دراسة نقدية " (ص ٢٩٩ - ٣٠٠) .
[ ٤٢ ]
وقيل ٩٥، وقيل ٩٦، وقيل ٩٧؟ (١) . فعلى الرأي الراجح يكون عمره حين مات نافع في الرابعة والعشرين، وعلى أبعد الأقوال يكون عمره في العشرين، ومالك كنافع كلاهما من أهل المدينة، فهل يمتنع في العقل أن يكون تتلمذ عليه وسمع منه، أليس في زمننا أناس كثر يتخرجون في الجامعة وهم في الثانية والعشرين من عمرهم أو أقل؟!
إن المثالين اللذين ذكرتهما عن استعمال " شاخت " للشك غير المنهجي هما غيض من فيض شكوك تفتقر لمقومات الشروط المعتبرة في الشك المنهجي، ولكن المقام لا يحتمل الاسترسال في ذكر الشواهد والرد عليها.
ولابد هنا من التذكير بأن المنهج العلمي الصحيح لا يقر الخلط بين الشك المنهجي والرفض العلمي المبني على دليل؛ لأن الشك يكون مشروعًا ومطلوبًا في البحث العلمي بوصفه خطوة أولى هدفها هو التثبت في الأمر، ولا يحق للباحث أن يرفض كل -أو بعض- ما يدَّعيه مخالفه من أدلة تدعم رأيه لا لشيء إلا؛ لأنها تؤيد رأيه، ذلك لأن للمخالف أيضًا أن يعامله بالمثل فيقول له: إنما رفضت دليلي؛ لأن قبوله يضعف رأيك، ونصرت غيره؛ لأنه يؤيد وجهة نظرك، فلابد للشك حتى يكون علميًا من معايير موضوعية علمية بعيدة عن الذاتية والتحيز (٢) .
_________________
(١) ترتيب المدارك (١ / ١١٠) .
(٢) من طرائف ما وقفت عليه أن تلميذ المستشرقين المخلص " طه حسين " الذي توسع في تطبيق الشك في دراساته الأدبية، وجدته ينعى على المستشرقين سوء استعمالهم للشك حين تكون بحوثهم تتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلموسيرته، بينما موقفهم من شعر أمية بن الصلت موقف المتيقن المطمئن مع أن أخباره ليست أدنى إلى الصدق ولا أبلغ في الصحة من أخبار السيرة النبوية، ثم يتساءل بتعجب: فما سر هذا الاطمئنان الغريب إلى نحو من الأخبار دون الآخر؟ أيكون المستشرقون أنفسهم لم يبرؤوا من هذا التعصب الذي يرمون به الباحثين من أصحاب الديانات. انظر في الأدب الجاهلي (ص ١٤٣) .
[ ٤٣ ]
المبحث الرابع: إهمال الأدلة المضادة
من أسوأ العيوب المنهجية، وأشدها خطورة على نتائج أي بحث علمي، هي أن يتجاهل الباحث الأدلة المضادة - يعني المخالفة - لرأيه سواءً أكان ذلك بسبب إهماله أم تحيزه أم لأي سبب آخر، ويصف أحد المفكرين الغربيين العالم أو الباحث الذي يخفي الأدلة التي لا تؤيد نظريته بأنه يعد في عالم العلم «مثل المالي الغشاش، أو المحاسب الذي يزيف في دفاتره في عالم المال» (١) .
ويذكر أحد أساتذة المنهجية أن من أهم العوائق التي تحول بين الباحث، والوصول إلى الحقيقة: تجاهل الأدلة المضادة، وعليه فإن الدليل المضادَّ يجب أن يُعطى وزن الدليل المؤيد نفسه، حتى لو كان في ذلك تغيير لمنطلقات البحث الأساسية؛ لأن هدف الباحث الأول هو الوصول إلى الحقيقة (٢) .
ويؤكد آخر بأنه ينبغي للعالم أن يكون كالقاضي النزيه الذي يسعى وراء الأدلة التي تنفي آراءه أكثر من تلك التي تؤيدها (٣) .
ولبيان خطورة الأدلة المضادة على نتائج أي بحث علمي، سنقتطف هذين النصين، أحدهما للدكتور توفيق الطويل يقول فيه: «إن الأمثلة الإيجابية - أي التي تؤيد صحة فرض من الفروض - لا تكفي لإثبات صدقه؛ لأن الشواهد السلبية التي تنفي صحته أهم في مجال الاختبار والتمحيص من الشواهد المؤيدة
_________________
(١) الأخلاق النظرية (ص ١٩٠ -١٩١) .
(٢) كيف تكتب بحثًا (ص ٣١ - ٣٢) .
(٣) فلسفة العلوم (ص٩٤) .
[ ٤٥ ]
له، بل إن مثالًا واحدًا يتنافى مع الفرض يكفي لهدمه، وبيان فساده بإلغاء عدد الشواهد المؤيدة لصدقه» (١) .
والآخر لأحد رواد علماء المنهجية في العصر الحديث وهو فان دالين (٢)، يقول فيه: «وبصرف النظر عن مقدار الأدلة التي أمكن التوصل إليها لتأييد فرض من الفروض، فإن بندًا واحدًا يحمل دليلًا معارضًا، يمكن أن يثبت بطلان ذلك الفرض» (٣) .
بعد أن قررنا هذا الأمر من الكتب المختصة، يأتي الآن دور النظر في مخالفات " شاخت " لهذا الأصل الخطير من أصول المنهجية العلمية مع ذكر بعض الأمثلة.
سبق معنا أنَّ " شاخت " يرى أن الرسول ﷺ لم يكن مباليًا بأمور الشريعة - أي القانون كما ورد في تعبيراته - ولهذا فلم تكن سلطته في المدينة النبوية لمَّا هاجر إليها سلطة تشريعية (٤) .
إن " شاخت " أهمل هنا الأدلة المعارضة، وهي الأدلة القرآنية التي تذكر بجلاء وجوب اتِّباع النبي ﷺ في كل شيء، ومن ذلك مثلًا:
_________________
(١) مسائل فلسفية (ص ١٠٩ - ١١٠) .
(٢) يقول الدكتور صالح العساف في كتابه المدخل إلى البحث في العلوم السلوكية (ص ٢٨٤): (فان دالين هو من رواد علماء المنهجية، ويعد كتابه " مناهج البحث في التربية وعلم النفس " مرجعًا أساسيًا لكثير ممن كتب في المنهجية فيما بعده) .
(٣) مناهج البحث في التربية وعلم النفس (ص ٢٢٩) .
(٤) أصول الفقه المحمدي للمستشرق شاخت دراسة نقدية (ص٣٠ - ٣١) .
[ ٤٦ ]
قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: ٥٩) .
وقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥) .
وقوله تعالى: ﴿ِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: ١٠٥) .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) .
وقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ (الأحزاب: ٣٦) .
إن تدبُّر هذه الآيات يعطينا نتيجة مخالفة كليًا لرأي " شاخت " الآنف، تدحض خيالاته بصورة أكيدة.
ولفداحة هذا الخطأ المنهجي، تخلى بعض المستشرقين (١) عن رأي "شاخت" السابق، وعارضوه فيما توصل إليه من نفي السلطة التشريعية عن
_________________
(١) انظر نصوصًا مختصرة عن بعضهم في أصول الفقه المحمدي للمستشرق شاخت دراسة نقدية (ص ٣٣ - ٣٤)، والمستشرق شاخت والسنة النبوية (ص ٧٨ - ٧٩) .
[ ٤٧ ]
المصطفى ﷺ، ومن هؤلاء تلميذه المستشرق " كولسون " الذي صرح بمعارضته لرأي أستاذه مستدلًا على رأيه بقوله: «إن القرآن كان قد أثار قضايا اهتم بها المجتمع الإسلامي اهتمامًا مباشرًا بطبيعة الحال، ولا بد أن النبي ﷺ نفسه اضطر لتناولها بحكم سلطته السياسية والتشريعية في المدينة وحينما يجحد - يعني " شاخت " - صحة كل حكم منسوب في الواقع للنبي ﷺ فإن فجوة ستنشأ - أو تختلق بالأحرى - في تصور تطور التشريع الإسلامي في المجتمع المسلم الباكر، ومن منطلق واقعي، بأخذ الظروف التاريخية السائدة آنذاك في الحسبان، فإنه يبدو من الصعب التسليم بهذا الفهم المؤدِّي لمثل هذه الفجوة واقتراحي هو أن مادة أحاديث كثيرة-وبخاصة تلك التي تتناول مشكلات يتكرر ظهورها وتثيرها التشريعات القرآنية- قد تعبر حقيقة في أقل تقدير عما يقترب من حكم النبي ﷺ الذي حفظه النقل الشفهي العام في أول الأمر» (١) .
لا يمكن لأحد أن يزعم أن " شاخت " لم يكن مطلعًا على القرآن، وملمًا بكلياته العامة ومبادئه الأساسية، ولذا كان تجاهله لنصوص القرآن في تقرير تلك المسألة خطأ منهجيًا مرفوضًا حتى مِنْ قِبَلِ معجبيه ومؤيديه كما رأينا.
ومن أمثلة تجاهل هذا المستشرق للأدلة المضادة لآرائه، قاعدته التي ذكرناها فيما تقدم وفحواها: «السكوت عن الحديث في موطن الاحتجاج دليل على عدم وجوده» (٢) .
_________________
(١) في تاريخ التشريع الإسلامي (ص ٩٤) .
(٢) توثيق الأحاديث النبوية نقد قاعدة شاخت (ص ٦٩٧) .
[ ٤٨ ]
وقد أهمل الأدلة المضادة لهذه القاعدة بصورة فاضحة جدًا، مع أنه يتكلم على قاعدة عامة يستعملها لبيان الأحاديث الموضوعة والمكذوبة في زعمه، وقد تولى الدكتور ظفر إسحاق الأنصاري (١) مناقشة هذه القاعدة بأسلوب علمي رفيع جدًا، وسأقوم بتلخيص كلامه مبرزًا جانب تجاهل الأدلة المضادة.
يرى الدكتور ظفر أنه من غير الممكن ادعاء صحة حجة شاخت إلا إذا كوَّنَّا الافتراضات التالية:
١ - كلما ذكرت الأحكام الشرعية في القرنين الأول والثاني، ذكرت معها أدلتها المؤيدة، ولا سيما الأحاديث.
٢ - إن الأحاديث المعروفة لأحد الفقهاء أو المحدثين ينبغي أن تُعرف بالضرورة عند كل فقهاء عصره ومحدثيه.
٣ - إن كل الأحاديث المتداولة في فترة زمنية معينة كانت مدونة ومعروفة على نطاق واسع، ومن ثم حفظت بحيث إذا لم نُوفق في إيجاد حديث ما ضمن أعمال عالم معروف، فإن ذلك يعني عدم وجوده في عصره، أو عدم وجوده في بلده أو في أي مكان آخر من العالم الإسلامي.
هذه الافتراضات وإن لم يصرح بها " شاخت "، إلا أنها لازمة لقاعدته المذكورة آنفًا وهي الأسس الداعمة لتكوينها التي لولاها لانهارت. ولا يشك العارف بتاريخ التشريع الإسلامي فقهًا وحديثًا في عدم صحة هذه الافتراضات، بل إن الأدلة تنقضها، وأحسن طريقة لمعرفة سلامة قاعدة "شاخت" هي أن نقوم بما يمكن تسميته " بالاستدلال العكسي " الذي سيظهر من خلاله إهمال هذا المستشرق للأدلة المضادة.
_________________
(١) السابق (ص ٦٩٤ - ٧٠٦) .
[ ٤٩ ]
إن الطريقة التي طبق بها " شاخت " قاعدته السابقة كانت تعتمد على أن الحديث الذي يُذكر في مصدر متأخر، وليس في مصدر متقدم عليه زمنًا يدل على أنه قد تم اختلاقه ووضعه في الفترة الزمنية الواقعة بعد حياة المؤلف الذي لم يذكره.
و" الاستدلال العكسي " لقاعدة " شاخت " يكمن في الإجابة عن تساؤل مهم مفاده: هل يمكن أن توجد أحاديث نبوية في مصدر متقدم ثم لا توجد في مصدر متأخر؟ فإن ثبت وجود ذلك انهارت قاعدة " شاخت "، وإن لم يثبت شيء من ذلك كانت قاعدته صحيحة، وكان من الواجب عليه أن يتحقق من صحة هذه القاعدة ببيان سلامتها من الأدلة المضادة، وهنا يجب علينا استحضار كلام أساتذة المنهجية المتقدم الذي يؤكد أن وجود شاهد واحد مخالف للفرض العلمي يكون كافيًا في نقضه.
ولقد تمكن الدكتور ظفر الأنصاري من بيان أن عددًا كبيرًا من الأحاديث الموجودة ضمن المصنفات الأولى، لم تكن ضمن مصنفات الفترة الزمنية اللاحقة لها بغض النظر عن المصنفات المعاصرة، وهذا مما يؤكد أن فقهاء ذلك العصر - في القرنين الأول والثاني الهجريين - كان من عاداتهم عدم الالتزام بذكر كل الأحاديث التي يعلمونها، بما في ذلك الأحاديث التي تدعم أحكامهم الفقهية.
ولبيان ذلك قام الدكتور ظفر الأنصاري بإجراء موازنة بين كتابي " آثار أبي يوسف القاضي "، وكتاب " الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني " موضحًا بالأمثلة أن عددًا كبيرًا من الأحاديث المدونة في الكتاب الأول ليست في الثاني، على الرغم من أن محمد بن الحسن الشيباني كان أصغر سنًا من أبي
[ ٥٠ ]
يوسف الذي كان في الواقع شيخه أيضًا، وفضلًا عن ذلك فقد دوّن الشيباني كتب أبي يوسف، وألف هو نفسه كتبًا، وهي إما أنها كانت مبنية على مؤلفات أبي يوسف أو مشابهة لها من حيث الموضوع، وبإثبات وجود عدد كبير من الأحاديث التي يذكرها أبو يوسف القاضي، وليست في مؤلفات الشيباني المشابهة، فإن ذلك يقوض صلاحية تلك الافتراضات المذكورة آنفًا، وهي وحدها التي تثبت صحة قاعدة " شاخت ".
كما قام الدكتور ظفر الأنصاري أيضًا بإجراء موازنة بين " الموطأ " للإمام مالك برواية يحيى بن يحيى الليثي، و" الموطأ " برواية محمد بن الحسن الشيباني على اعتبار أن موطأ الشيباني هو المتأخر، وموطأ مالك برواية الليثي هو المتقدم، وذلك التزامًا بطريقة " شاخت " نفسه؛ لأنه يعامل " الموطأ " برواية الشيباني على أنه المصنف المتأخر بالنظر إلى وفاته، و" الموطأ " برواية الليثي هو المتقدم بالنظر إلى وفاة مالك. ثم وضح بالأمثلة أن عددًا كبيرًا من الأحاديث الموجودة في موطأ مالك، ليست في موطأ الشيباني على الرغم أنه كان الأصغر سنًا، بل أكثر من ذلك وجد بعض الأمثلة التي توجد في موطأ مالك، وهي مؤيدة لبعض أحكام المذهب الحنفي الذي ينتمي له محمد بن الحسن الشيباني، وليست في روايته للموطأ.
ثم ختم الدكتور ظفر الأنصاري بحثه بقوله: «إن هذا يبين أنه على الرغم من عدم وجود سبب للاعتقاد بأن الشيباني لم يكن عارفًا بهذه الأحاديث، فإن مصنفه لم يسجلها، وهي حقيقة تبطل الافتراض الذي يقوم عليه منهج " شاخت " في محاولته لإثبات نشوء الأحاديث.
[ ٥١ ]
وبهذا الصدد فإن الاحتمالات التالية التي يبدو كل واحد منها مقنعًا قد تم تجاهلها كلية:
١ - أن الشخص المعني ربما يكون قد سمع الحديث ثم نسيه.
٢ - أنه ربما يكون سمع الحديث، ولم يره صحيحًا.
٣ - أنه ربما يكون قد علم بحديث ما، ولكن لم تصلنا كل الأحاديث المعروفة عند الفقهاء
إن تجاهل كل هذه الاعتبارات، وكثيرًا من البراهين المضادة، والإصرار على شك مفرط، لا يمكن أن يعد من شيم المؤرخين الحصيفي الرأي» (١) .
وبقي أن نلفت الأنظار إلى أن مجرد الاعتماد على سكوت المصادر في نفي صحة المعلومات التي تثبتها مصادر أخرى، لا يعد عملًا مقبولًا علميًا عند أساتذة المنهجية الغربيين المتخصصين في التاريخ من أمثال " وودي " الذي يقول: «لا تحكم على المؤلف بأنه يجهل أحداثًا معينة بالضرورة؛ لأنه أغفل ذكرها، ولا تظن للسبب نفسه أن تلك الحوادث لم تقع فعلًا» (٢) .
وفيما تقدم تجلية لتهافت منهجية " شاخت " الذي يبدو أن من أساسيات طريقته في البحوث التي يجريها حول السنة النبوية، تجاهل إن لم يكن "حجب" الأدلة المضادة التي تخالف أحكامه التعسفية الجائرة.
_________________
(١) توثيق الأحاديث النبوية نقد قاعدة شاخت (ص ٧٠٥ - ٧٠٦) .
(٢) مناهج البحث في التربية وعلم النفس (ص ٢٧٥) .
[ ٥٢ ]
المبحث الخامس: التفسير المتعسف للنصوص
يمكن لأي باحث مبتدئ في قضايا التاريخ أن يقع في سوء فهم لبعض العبارات أو المصطلحات الموجودة في النصوص القديمة، ولكن أساتذة المنهجية وضعوا قواعد في فهم العبارات، أوجبوا على كل باحث في التاريخ أن يراعيها، يقول: "لانجلوا" «ينبغي أن نتعلم كيف نقاوم الغريزة التي تدفعنا إلى تفسير كل عبارات النص بالمعنى الكلاسيكي أو المعنى العادي
ويقضي المنهج بتعيين المعنى الخاص للكلمات في الوثيقة، ويقوم على بعض مبادئ بسيطة جدًا:
١ - إن اللغة في تطور مستمر من شأنه أن يفسدها، ولكل عصر لغته الخاصة التي ينبغي النظر إليها على أنها نظام خاص من الرموز والعلامات، وعلى هذا فإنه لفهم وثيقة ما، ينبغي معرفة لغة العصر، أعني معنى الألفاظ والصيغ في العصر التي كتبت فيه الوثيقة. ومعنى اللفظ يتعين بجمع المواضع التي استعمل فيها
٢ - والاستعمال اللغوي يمكن أن يختلف من إقليم إلى آخر، ولهذا ينبغي معرفة لغة الإقليم الذي كتبت فيه الوثيقة، أعني المعاني الخاصة المستعملة بها الألفاظ في الأقاليم المختلفة.
٣ - ولكل مؤلف طريقته الخاصة في الكتابة، ولهذا يجب أن ندرس لغة المؤلف، والمعنى الخاص الذي استعمل به الكلمات
٤ – ويختلف معنى التعبير بحسب الموضع الذي يوجد فيه، ولهذا ينبغي ألاّ تفسر كل كلمة وكل جملة، مفردة بل بحسب المعنى العام (السياق)، وقاعدة
[ ٥٣ ]
السياق هذه قاعدة أساسية في التفسير، وتقضي بأنه قبل أن أستعمل جملة من نص أن أقرأ النص كله أولًا
وهذه القواعد لو طبقت بدقة تؤلف منهجًا دقيقًا في التفسير، لا يكاد يترك مجالًا للخطأ) (١) .
إن طبيعة كتابات " شاخت " المتعلقة بالسنة النبوية تنتمي إلى نوعية البحوث التاريخية بحسب المقاييس الغربية، كما أن النص الذي نقلناه آنفًا هو لمؤرخ فرنسي توفي سنة ١٩٢٩م، وقد صدر كتابه الذي نقلنا منه في سنة ١٨٩٨م (٢)، وهو معتمد على مراجع ألمانية منها كتاب " متن في المنهج التاريخي " لأرنست مانهايم، فلذلك أستبعد أن يكون " شاخت " - الذي هو من أصل ألماني ويكتب باللغة الفرنسية كما ورد معنا في ترجمته -، لم يطلع على القواعد المذكورة آنفًا في أحد المراجع، إلا أن يكون كتب بحوثه التاريخية من دون أن يتعلم منهج البحث التاريخي!.
لقد خالف " شاخت " تلك القواعد في عدد من كتاباته، ومن ذلك مثلًا أنه فسر كلمة " الفتنة " التي وردت في كلام ابن سيرين الذي يقول فيه: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت " الفتنة "، قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم» (٣)، بقوله: «الفتنة التي بدأت بمقتل الوليد بن يزيد " ت ١٢٦؟ "، على مقربة من نهاية الدولة الأموية، كان تاريخًا مصطلحًا عليه، لاعتباره
_________________
(١) المدخل إلى الدراسات التاريخية (ص ١١٤ - ١١٦) .
(٢) انظر مقدمة عبد الرحمن بدوي لهذا الكتاب في " النقد التاريخي " (ص ٩) .
(٣) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (١ / ١٥) .
[ ٥٤ ]
نهاية الأيام الجميلة القديمة وبما أن تاريخ وفاة ابن سيرين هو ١١٠؟، لذلك لا بد أن نعد نسبة هذا الكلام إلى ابن سيرين غير صحيحة، والأثر موضوع. وعلى كل فليس هناك ما يدعو إلى أن نقبل أن بداية الإسناد تسبق في وجودها بداية القرن الثاني الهجري» (١) .
وبناء على مقتضى القواعد التي تقدم ذكرها في منهجية الفهم من النصوص التاريخية، سنرى أن تفسير " شاخت " متعسف جدًا لما يلي:
١ - من المعلوم أن ابن سيرين ولد عام ٣٣؟، وتوفي عام ١١٠؟، وله من العمر ٧٧ سنة (٢)، فالزعم أن معنى الفتنة يقصد بها مقتل الوليد بن يزيد سنة ١٢٦؟، مصادم لتاريخ وفاة ابن سيرين.
٢ - بالنظر في مصطلح الفتنة عند ابن سيرين وجدناه يطلقها على ما جرى بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلممن قتال بسبب مقتل عثمان ﵁، ففي نص صحيح السند عن ابن سيرين نفسه يقول فيه: «هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلمعشرة آلاف، فما خف لها منهم مائة» (٣) .
ومن المعروف أنه يستحيل أن يكون هذا العدد الكبير من الصحابة على قيد الحياة سنة ١٢٦؟ حين مات الوليد بن يزيد، مما يرجح أن المقصود هو ما حدث من قتال بين معسكري علي ومعاوية ﵄ بعد مقتل عثمان بن عفان ﵁.
_________________
(١) نقلًا عن دراسات في الحديث النبوي (٢ / ٣٩٤ - ٣٩٥) .
(٢) انظر تهذيب الكمال (٢٥ / ٣٥٣ - ٣٥٤) .
(٣) العلل ومعرفة الرجال لأحمد (٢ / ٤٦٦) .
[ ٥٥ ]
وفي نص آخر عن ابن سيرين قال: «عن عبيدة السلماني قال: سمعت عليًا يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد ألا يبعن. قال: ثم رأيت بعد أن يبعن.
قال عبيدة: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة. أو قال في الفتنة. قال فضحك علي» (١) . ففي هذا النص دلالة واضحة على أن مصطلح الفتنة في هذه الرواية التي جاءت من طريق ابن سيرين نفسه المراد بها قتال علي ﵁ لخصومه.
وفي نص آخر أيضًا قال ابن سيرين: «قال: قال رجل: ما منا أحد أدركته الفتنة إلا لو شئت لقلت فيه، غير ابن عمر» (٢) . ومن المعروف أن ابن عمر ﵄ قد اعتزل الحرب بين علي ومعاوية ﵄، فلم يشارك مع أحدهما ضد الآخر.
٣ - النظر في سياق النص يعطينا دلالة واضحة على أن ابن سيرين يتحدث عن عادة ظهرت قبل أيامه، لذلك يستعمل ضمير الغائب في النص كله: " كانوا لا يسألون قالوا: سموا لنا "، ولم يستعمل ضمير المتكلم، فعدوله عن استعماله إلى ضمير الغائب مع صيغة الماضي يشير في الواقع إلى أن هذا الاتجاه سابق له، ومتقدم عليه (٣) .
ومثال آخر على تعسف " شاخت " وتحكمه في فهم النصوص التاريخية وتفسيرها، فقد علق على حديث أخرجه موسى بن عقبة في مغازيه، ونص
_________________
(١) المصنف لعبد الرزاق (٧ / ٢٩١) .
(٢) السنن لسعيد بن منصور (٢ / ٣٩٩) .
(٣) دراسات في الحديث النبوي (٢ / ٣٩٦) .
[ ٥٦ ]
الحديث كما يلي: «حدثني عبد الله بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: حزنت على من أصيب بالحرة من قومي، فكتب إلي زيد بن أرقم، وبلغه شدة حزني، يذكر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلميقول: "اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار" وشك ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار» (١) .
فقال: «يمدح هذا الحديث حزب الأنصار، الذي كان مواليًا للحكام، وفي صف العباسيين، وعلى هذا الأساس لا تصح نسبة هذه الأحاديث إلى النبي ﷺ» (٢) .
وقد فَنَّد الأعظمي (٣) هذا الفهم العجيب من " شاخت " بما ملخصه:
١-لا نجد كلمة واحدة في هذا الحديث في مدح الأنصار كما يظهر من سياق الحديث وعباراته، وإنما يوجد فيه استغفار للأنصار ودعاء لهم، والله ﷾ هو الذي أمر نبيه بالاستغفار، قال تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩) .
٢-أثنى الله ﷿ على الأنصار في غير ما موضع في كتابه الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ
_________________
(١) أحاديث منتخبة من مغازي موسى بن عقبة (ص ٧٨) رقم الحديث [١٠] .
(٢) بحث لشاخت بعنوان " على كتاب المغازي لموسى بن عقبة "، نقلًا عن ترجمة الأعظمي في كتابه منهج النقد (ص ١٣٧) .
(٣) منهج النقد عند المحدثين (ص ١٤١ - ١٤٢) .
[ ٥٧ ]
اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: ١٠٠) .
فالقرآن يعطي الأنصار أكثر مما أُعطوا في الحديث الآنف، فإذا كان قد اخترع في منتصف القرن الثاني أو بعده لمصلحة الأنصار الموالين للعباسيين والمعادين للعلويين، فلا ندري من الذي اخترعه واخترع معه تلك الآية وما يشبهها من آيات تثني على الأنصار وتعطيهم منزلة تفوق ما ورد في الحديث.
٣-مما يؤكد أنَّ الحديث لا يفهم منه أنه ضد العلويين أننا نجد الشيعة قد أخرجوه في كتبهم كالمجلسي في «بحار الأنوار» وغيره من كتبهم، ولو كانوا يشتمون منه أنه موجه ضد العلويين لما نقلوه في كتبهم.
وبما تقدم يعلم تجاهل " شاخت " لعبارات النص وسياقه، مما يؤكد تعسفه في فهم النصوص وتفسيرها.
[ ٥٨ ]
المبحث السادس: التعميم الفاسد
من مسلَّمات المنهج العلمي أن التعميم بدون استقراء وأدلة كافية يعد مزلة قدم تفقد الثقة بالباحث الذي يقع منه ذلك، يقول " لانسون ": «إن اليقين يأخذ في التناقص كلما أخذ التعميم في التزايد، وهذه حقيقة تصدق على كل العلوم» (١) .
وفي نص آخر له يقول: «نأخذ من المناهج العلمية: الحذر وأن نكون أقل استسلامًا لأهوائنا، وأقل تسرعًا إلى الجزم» (٢) .
ويقول الدكتور شوقي ضيف: «ينبغي الاستقراء الكامل حتى لا يقع الباحث في تعميمات وأحكام خاطئة» (٣) .
والملاحظ على " شاخت " أنه كان يعمم في كثير من الأحيان في بحوثه معتمدًا على نص أو نصوص قليلة جدًا، ومن ذلك مثلًا زعمه بأن الفقهاء في مدرستي المدينة والعراق كانوا يقدمون قول الصحابي على السنة النبوية، ولننظر كيف يستدل على هذا التعميم الفاسد؟ يقول: «إن موقف العراقيين وأهل المدينة من أحاديث الأحكام موقف متماثل، وهو يختلف جوهريًا عن موقف الشافعي، وفي كتاب " اختلاف الحديث " (ص ٣٠) نجد أن
_________________
(١) منهج البحث في الأدب واللغة (ص ٨٥) .
(٢) نقلا عن منهج البحث الأدبي (ص ٢٤) .
(٣) البحث الأدبي (ص ٤٠) بتصرف يسير، وانظر أيضًا تشديده على أهمية الاستقصاء الدقيق للنصوص في (ص ٣٧، ٣٨، ٤٤) .
[ ٥٩ ]
العراقيين وأهل المدينة جميعهم يهملون الأحاديث النبوية، ويقدمون عليها ما يستنبطونه من القواعد أو أقوال الصحابة» (١) .
ثم يذكر بضعة نصوص عن الإمام الشافعي يخالف فيها أتباع الإمام مالك، ويضيف إليها نصين استعمل فيهما الإمام مالك الاحتجاج بفهم بعض الصحابة، فيقفز " شاخت " فجأة إلى التعميم فيقرر بكل طمأنينة: «وإجمالًا يمكننا القول بأن أهل المدينة يفضلون أقوال الصحابة على الأحاديث النبوية» (٢) .
وأما ما يتعلق بالمدرسة الفقهية في العراق، فيقول: " شاخت ": «إن رأي العراقيين في حجية الحديث النبوي قد تدنّت بلا ريب، إلى مرتبة أدنى بفعل الأهمية التي أعطاها العراقيون لأقوال الصحابة نظريًا وعمليًا، ونحن نرى بوضوح التعبير عن هذا المبدأ في مواضع عديدة، ومن ذلك ما جاء في كتاب "اختلاف العراقيين" (الأم ٧/١١٠): " وهم يزعمون أنهم لا يخالفون الواحد من أصحاب النبي ﷺ"، ومن ذلك أيضًا (٧/١٣٥): " وقد زعم الذي قال فيه قيمة - يعني أبا حنيفة - أنه لا يخالف واحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ "، ويخاطب الشافعي محمد بن الحسن الشيباني قائلًا (٧/٢٨٦): " وأصل ما تذهبون إليه ألا تخالفوا الواحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلمإذا لم يعلم أن أحدًا من الصحابة خالف في ذلك "» (٣) .
_________________
(١) أصول الفقه المحمدي (ص ٦٧١) ترجمة الصديق بشير.
(٢) السابق (ص ٦٧٥) .
(٣) السابق (ص ٦٨٠ -٦٨١) .
[ ٦٠ ]
ثم يصل " شاخت " بناء على النصوص الثلاثة السابقة المنقولة من حوارات الإمام الشافعي مع مخالفيه؛ ليقرر لنا هذا التعميم الآتي: «فليس من الغريب إذن أن تُقدّم أقوال الصحابة على أحاديث النبي، وأن يذكر كلاهما في مستوى واحد من الحجية، وأن تفسّر أحاديث النبي بأقوال الصحابة» (١) .
وهذا العيب المنهجي لاحظه بصورة جلية الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، فقال موضحًا لهذا الخلل في كتابات هذا المستشرق: «أما البروفسور " شاخت " فله منهج لا يمت إلى ميدان العلم بصلة. ففي بحثه عن موقف تلك المدارس الفقهية من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلملا يقبل كلام أصحاب تلك المدارس بأنهم ملزمون بسنة رسول الله ﷺ، ولا يقبل كلام خصوم تلك المدارس الفقهية بحيث إنهم ينقلون اتفاق أصحاب تلك المدارس على هيمنة سنة رسول الله ﷺ. كما أنه يتجاهل ٩٩؟ من القضايا التي تدل على أخذهم بسنة رسول الله ﷺ.
ويأخذ اعتراضات الخصوم بأن صاحب مدرسة ما خالف السنة النبوية في المسألة الفلانية، فيأخذ هذه الجزئية الضئيلة التي لا تمثل ١؟، وهي اعتراض من قبل الخصوم ثم يعمم النتيجة، فيحولها إلى مائة في المائة.
ومن ناحية أخرى يلتقط " شاخت " بعض الأمثلة - ولتكن صحيحة ودالة على مطلبه - من مالك، ثم يعمم تلك النتيجة على المدنيين كافة، وكأنه لم يكن في المدينة غير مالك، وكأنه لم يكن هناك اختلاف بين علماء المدينة في مسألة ما.
_________________
(١) السابق (ص ٦٨١) .
[ ٦١ ]
وفي قضية العراق المسألة أغرب، إذ يأخذ بعض الأمثلة من مدرسة الأحناف، ثم لا يعمم على الكوفة فقط، بل يعمم على العراق بأكملها، وهكذا يفعل مع الأوزاعي» (١) .
وفي موضع آخر يستدل " شاخت " على نظريته في تحديد معيار لمعرفة تاريخ اختلاق الحديث بأنه الراوي المشترك - أي الراوي الذي عليه مدار الإسناد - بحديث واحد فقط، ويقرر هذا التعميم الخطير جدًا بقوله: «إن وجود رابط مهم مشترك في كل أو أكثر الأسانيد لحديث معين هو إشارة قوية تدعم كون الحديث وجد في وقت ذلك الناشر الأصلي (٢) يوجد مثال نموذجي لظاهرة الراوي المشترك » (٣) . ثم ساق حديثًا واحدًا فقط من رواية عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن المطلب عن جابر ﵁ مرفوعًا: «لحم الصيد حلال لكم في الإحرام، ما لم تصيدوه» (٤)؛ ليؤكد نظريته العامة عن الوضع في السنة النبوية!
ورد عليه الأعظمي مبينًا أخطاءه في الاستدلال بذلك الحديث، ثم قال: (يُلاحظ أن " شاخت " لإثبات نظريته جاء بمثال واحد فقط، مع ادعائه أن هذه ظاهرة عامة في الأحاديث ولا يبدو إطلاقًا أن " شاخت" بذل وقتًا كافيًا في بحث أسانيد أكثر الأحاديث الفقهية، الأمر اللازم لتكوين نظرية ما
_________________
(١) المستشرق شاخت والسنة النبوية (١ / ٨٨) .
(٢) يريد بالناشر الأصلي أي الراوي الذي عليه مدار السند، فهو في نظره هو مختلق الحديث الذي نشره.
(٣) أصول الفقه المحمدي (ص ١٧١ - ١٧٢) نقلًا عن ترجمة الدكتور عبد الحكيم المطرودي لكتاب الأعظمي " أصول الفقه المحمدي لشاخت دراسة نقدية " (ص ٣٦٨) .
(٤) نقل شاخت الحديث من كتاب اختلاف الحديث للشافعي (ص ٢٩٤)، وقد اختلف العلماء في صحته انظر نصب الراية (٣/ ١٣٧) .
[ ٦٢ ]
من هذا النوع، فضلًا عن دراسة لظاهرة كافة أسانيد الأحاديث الفقهية. وإلا فتكوين نظرية وإعطاؤها صبغة الوقوع الغالبي والاعتيادي بناءً على هذه الدراسة الضئيلة الهزيلة ليس ذا قيمة في مجال البحث العلمي» (١) .
والذي يبدو أن " التعميم الفاسد " لا يقتصر على " شاخت " فقط، بل هو سمة عامة في كثير من الدراسات الاستشراقية المتعلقة بالإسلام، فالقوم لا يتبصرون في المضمون، ولا في التفاصيل، بل يقفزون إلى التعميمات التي لا تثبت للاختبار قفزًا، بناء على تخمين، أو شواهد قليلة ضعيفة الدلالة.
_________________
(١) دراسات في الحديث النبوي (٢ / ٤١٧، ٤١٩) .
[ ٦٣ ]