(١١٦ - (ص) ودونه الصَّالح إِذْ قد سكتا عِنْد السجستانى وَفَاتَ الصحتا)
(١١٧ - وَفِيهِمَا الثِّقَة شَرط أَو عدم مُتَّهم وَمن شذوذ قد سلم)
(١١٨ - لَكِن هما للأكثرين وَاحِد أما المصابيح اصْطِلَاح زايد)
(ش) أى وَدون الْحسن الحَدِيث [الصَّالح] وَلم أرى من أفرده بِنَوْع خَاص، وَإِنَّمَا وَقع فى كَلَام أَبى دَاوُد السجستانى حَيْثُ قَالَ: " مَا كَانَ فى كتابى - أى: " السّنَن " - من
[ ١٥١ ]
حَدِيث فِيهِ وَهن شَدِيد، فقد بَينته، وَمَا لم (أذكرهُ) فِيهِ شَيْئا فَهُوَ الصَّالح، وَبَعضهَا أصح من بعض " ومتقضاه أَن الْأَحَادِيث الْمَسْكُوت عِنْده عَلَيْهَا مُتَفَاوِتَة الْمرتبَة فى الصلاحية، بِحَيْثُ يكون فِيهَا الضعْف أَيْضا، وَلذَا قَالَ أَيْضا " ذكرت فِيهِ الصَّحِيح وَمَا يُشبههُ ويقاربه "، فَإِن الذى يشبه الصَّحِيح هُوَ الْحسن، والذى يُقَارِبه هُوَ الذى فِيهِ ضعف يسير، والاستقراء يشْهد لذَلِك، فَإِنَّهَا أَقسَام، مِنْهَا: مَا هُوَ فى الصَّحِيحَيْنِ، أَو على شَرط الصِّحَّة، وَمِنْهَا: مَا هُوَ من قبل الْحسن إِذا اعتضد، وَهَذَانِ القسمان كثير فى كِتَابه جدا، وَمِنْهَا: مَا هُوَ ضَعِيف لَكِن من رِوَايَة من لَا يجمع على تَركه غَالِبا. وكل هَذِه الْأَقْسَام عِنْده تصلح للاحتجاج بهَا، كَمَا نقل ابْن مَنْدَه خبر أَنه يخرج الحَدِيث الضَّعِيف إِذا لم يجد فى الْبَاب غَيره، وَأَنه أقوى عِنْده من رأى الرِّجَال "، وَقد قَرَأت بِخَط شَيخنَا مَا نَصه: " لفظ (صَالح) فى كَلَام [/ ٩٨] أَبى دَاوُد، أَعم من أَن يكون للاحتجاج، أَو للاعتبار، فَمَا ارْتقى إِلَى الصِّحَّة، ثمَّ إِلَى الْحسن فَهُوَ بِالْمَعْنَى الأول، وَمَا عداهما فَهُوَ بِالْمَعْنَى الثانى، وَمَا قصر عَن ذَلِك فَهُوَ الذى فِيهِ وَهن شَدِيد، وَقد الْتزم بَيَانه لَكِن مَا مَحل هَذَا الْبَيَان؟ هَل هُوَ عقيب كل حَدِيث على حِدته، وَلَو تكَرر ذَلِك الْإِسْنَاد بِعَيْنِه مثلا؟ أَو يكْتَفى بالْكلَام على وَهن إِسْنَاده مثلا؟ فَإِن عَاد يعْنى بِغَيْر اعتضاد لم يُبينهُ اكْتِفَاء بِمَا تقدم، وَيكون كَأَنَّهُ قد بَينه - هَذَا الثانى - أقرب عندى، قَالَ: وَأَيْضًا قد يَقع الْبَيَان فِيهِ فى بعض النّسخ دون بعض، وَلَا سِيمَا رِوَايَة أَبى الْحسن ابْن العَبْد، فَإِن فِيهَا
[ ١٥٢ ]
من كَلَام أَبى دَاوُد أَشْيَاء زَائِدَة على رِوَايَة اللؤلؤى " انْتهى، وَحِينَئِذٍ فَمن احْتج بِمَا سكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد مِمَّا لم يبلغ الصِّحَّة لَيْسَ بجيد لشُمُوله الْحسن، وَكَذَا قَوْله:
[وَفِيهِمَا] إِلَى آخِره إِلَّا أَنه يُوَافق قَوْله فى بعض تصانيفه؛ إِن أَكثر أَئِمَّة الحَدِيث لَا يذكرُونَ بعد الصَّحِيح إِلَّا الْحسن، فَهُوَ عِنْدهم والصالح وَاحِد، نعم: قَوْله أَولا ودونه يدْفع هَذَا، وَحِينَئِذٍ فَيكون اشْتِرَاط الثِّقَة خَاصّا بالْحسنِ لذاته، والاكتفاء بالمستور بالصالح على وَجه اللف والنشر والمرتب، وَقَوله: [وَمن شذوذ قد سلم] يعْنى كلا مِنْهُمَا، ويتأيد بقوله فى بعض تصانيفه، إِنَّه لَو قيل: إِنَّه الحَدِيث الذى فى سَنَده الْمُتَّصِل مَسْتُور، وَهُوَ خَال عَن عِلّة قادحة، لم يكن بَعيدا، قَالَ: وَلَا شكّ أَن من الحَدِيث مَا لم يكن [/ ٩٩] ضَعِيفا بِمرَّة وَلَا حسنا، كَحَدِيث أنس الذى سكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد يرفعهُ: " عَلَيْكُم بالدلجة فَإِن الأَرْض تطوى بِاللَّيْلِ " فَإِن فى سَنَده أَبَا جَعْفَر الرازى واسْمه عبد الله بن ماهان، وَقد تكلم فِيهِ، لكنه غير ضَعِيف بِمرَّة، حَتَّى وَثَّقَهُ بَعضهم، وَهَذَا يقتضى إِفْرَاد نوع متوسط بَين الْحسن والضعيف، قَالَ: وَيشْهد لذَلِك صَنِيع المنذرى فى " اختصاره السّنَن "، فَإِنَّهُ تعقب كثيرا من الْأَحَادِيث من حَيْثُ أَنه سكت عَلَيْهَا، وَلَيْسَت على شَرط الْحسن، فَإِن هَذَا مِمَّا يظْهر نوع الصَّالح، قَالَ: وَحِينَئِذٍ فَمَا سكت عَلَيْهِ، وَلم يبلغ دَرَجَة الصَّحِيح، فَإِن أقره المنذرى عَلَيْهِ فَهُوَ حسن، وَإِن اعْترض عَلَيْهِ بِمَا لَا يقتضى أَن لَا يكن حسنا فَهُوَ صَالح عِنْده، قلت: وَلَكِن لماذا يأتى مَا قَدمته وَنَحْوه قَول يَعْقُوب بن شيبَة فى بعض الْأَحَادِيث: إِسْنَاده وسط " " لَيْسَ بالثبت "، و" لَا السَّاقِط "، فَهُوَ الصَّالح " انْتهى، قَالَ هُنَا يظْهر أَن كَلَام ابْن الصّلاح: " مَا وَجَدْنَاهُ فى " كتاب أَبى دَاوُد " مَذْكُورا [مُطلقًا] وَلَيْسَ " فى أحد الصَّحِيحَيْنِ "، وَلَا نَص على صِحَّته أحد مِمَّن يُمَيّز بَين الصِّحَّة، وَالْحسن عَرفْنَاهُ بِأَنَّهُ من الْحسن عِنْده ": فِيهِ نظر بِمُقْتَضى اصْطِلَاح أَبى دَاوُد
[ ١٥٣ ]
كَمَا أَشرت إِلَيْهِ.
[قلت]: وَبعد هَذَا كُله فالاحتياط أَن لَا يُقَال فى الْأَحَادِيث الَّتِى سكت عَلَيْهَا، وَلم يُؤْخَذ لَهُ كَلَام عَلَيْهَا، عِنْد أحد من رُوَاة كِتَابه، وَلَا علل بِأحد من رواتها فى مَوضِع آخر: صَالح، وَعَلِيهِ مَشى ابْن الْمواق فى " بغية النقاد "، وَأما [/ ١٠٠] مَا سلكه البغوى فى [المصابيح] من جعله مَا انْفَرد بِهِ أَصْحَاب " السّنَن " عَن " الصَّحِيحَيْنِ " من الحسان، فَهُوَ اصْطِلَاح لَا يعرف، وَلذَلِك قَالَ النَّاظِم فَهُوَ [زَائِد] أى على اصْطِلَاح الْمُحدثين، كَيفَ وَقد قَالَ ابْن مَنْدَه عَن أَبى دَاوُد مَا أسلفته قَرِيبا؟ وَقَالَ غَيره: كَانَ من مَذْهَب النسائى أَن يخرج عَن كل من لم يجمع على تَركه، وَقَوله: [سكتا] هُوَ بالإشباع فِيهِ وفى الصِّحَّة مَعًا، لأجل النّظم وَكَذَا فى الْبَيْت الثانى اسْتِعْمَال إِلَّا أَو هُوَ جَائِز عِنْدهم، [والسجستانى] بِكَسْر الْمُهْملَة وَالْجِيم مَعًا، وَقيل: فى أَولهمَا الْفَتْح أَيْضا نِسْبَة إِلَى سجستان وهى بِلَاد مَعْرُوفَة.
[ ١٥٤ ]