(١٨١ - (ص) وَالْخَبَر المقلوب أَن يكون عَن سَالم يأتى نَافِع ليرغبن)
(ش): [المقلوب]: وَهُوَ من أَقسَام الضَّعِيف: أَن يكون حَدِيث مَشْهُور عَن راو كسالم مثلا، فَيجْعَل مَكَانَهُ راو أخر فى طبقاته نَحْو نَافِع، ليصير لغرابته مرغوبا فِيهِ، فَقَوله: [يأتى نَافِع] بدل سَالم وَمِمَّنْ كَانَ يَفْعَله من الوضاعين إِسْمَاعِيل بن أبي حَيَّة اليسع، وبهلول ابْن عبيد الكندى، وَحَمَّاد بن عَمْرو النصبى، وَقد يَنْقَلِب الحَدِيث على راو بِدُونِ قصد وَيَقَع الْقلب فى الْمَتْن أَيْضا، لكنه قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّنَد، وَقد أفرده النَّاظِم فى
[ ٢٠٩ ]
نوع [/ ١٤٠] سَمَّاهُ المنقلب، وَخَالف شَيخنَا حَيْثُ جعل مَا كَانَ فى الْمَتْن المقلوب وَمَا كَانَ من الْأَسْمَاء الْمُبدل.
(١٨٢ - وَقيل فى فَاعل هَذَا سرق ثمَّ مركب على ذَا أطْلقُوا)
(١٨٣ - قلت وعندى أَنه الذى وضع إِسْنَاد ذَا لغيره كَمَا وَقع)
(١٨٤ - لِلْحَافِظِ البخار فى بَغْدَاد والمز أَيْضا بِابْن عبد الهادى)
إِنَّه قد قيل فى فَاعل هَذَا سرق، كَمَا وصف بهَا جمَاعَة، وعدت فى أَلْفَاظ التجريح، وَقد أطلق بَعضهم على هَذَا النَّوْع، وَهُوَ مَا كَانَ مَشْهُورا براو فَجعل مَكَانَهُ رَاوِيا آخر: الْمركب. وإخبار النَّاظِم أَنه غَيره، وَهُوَ - أى الْمركب - وضع متن إِسْنَاده آخر وَمَتنه لإسناد متن آخر كَمَا وَقع للبخارى الْحَافِظ، حِين قدم بَغْدَاد فامتحنه محدثوها وَوَضَعُوا لَهُ مائَة حَدِيث، مركبة الْأَسَانِيد، كل سَنَد لمتن آخر، وجعلوها عشرَة عشرَة، مَعَ كل مُحدث، وحضروا مَجْلِسه فأورد كل من الْعشْرَة حَدِيثا بِالْإِسْنَادِ الْمركب حَتَّى تمت الْمِائَة، وَهُوَ يُجيب فى كل حَدِيث: [بِلَا أعلمهُ]، ثمَّ الْتفت إِلَى الأول، فَقَالَ: حَدِيثك الأول أوردته كَذَا، وَإِنَّمَا هُوَ كَذَا، حَتَّى أَتَى على الْمِائَة، فَرد كل سَنَد إِلَى مَتنه، وكل متن إِلَى سَنَده، فأذعنوا لَهُ بِالْفَضْلِ، وكما وَقع لِلْحَافِظِ أَبى الْحجَّاج المزى صَاحب " الْمُحَرر " وَقَالَ لَهُ: انتخبت من روايتك أَرْبَعِينَ حَدِيثا، أُرِيد قرَاءَتهَا عَلَيْك، وَقَرَأَ الحَدِيث
[ ٢١٠ ]
الأول وَكَانَ الشَّيْخ مُتكئا فَجَلَسَ، فَلَمَّا [/ ١٤١] أَتَى على الثانى تَبَسم الشَّيْخ، وَقَالَ: مَا هُوَ أَنا، ذَاك البخارى حَكَاهَا النَّاظِم فى بعض تعاليقه عَن شَيْخه ابْن كثير، قَالَ: والبخارى قَالَ لى: شَيخنَا - يعْنى ابْن كثير -: وَكَانَ هَذَا عندنَا أحسن من رده كل حَدِيث إِلَى سَنَده انْتهى، قَالَ: وَعِنْدِي إِنَّه بالمركب أشبه وَلَا مشاحة فى الِاصْطِلَاح، وَهَذَا يقْصد بِهِ الإغراب فَيكون كالوضع، وَقد يفعل اختبارا لحفظ الْمُحدث، وَهل يقبل التَّلْقِين أم لَا؟ وَتوقف العراقى فِيهِ، فَقَالَ: وفى جَوَازه نظر إِلَى أَنه إِذا فعله أهل الحَدِيث لَا يسْتَقرّ حَدِيثا، والأعمال بِالنِّيَّاتِ، وَحذف النَّاظِم يَاء النّسَب من كل من [البخارى] و[المزى] لضَرُورَة النّظم.
(١٨٥ - مُنْقَلب واصله كَمَا يحب لسبق لفظ الراو فِيهِ يَنْقَلِب)
(١٨٦ - كَمثل للفارس سَهْمَيْنِ الْفرس للنار ينشئ الله خلقا انعكس)
(١٨٧ - ان ابْن مَكْتُوم بلَيْل يسمع وَقبل جُمُعَة يصلى أَربع)
أى المنقلب: وَهُوَ أَن يكون على وَجه فينقلب بعض لَفظه على الراوى فيتغير مَعْنَاهُ، وَرُبمَا انعكس.
وَأَشَارَ النَّاظِم بعدة أمثله، مِنْهَا حَدِيث: " أسْهم رَسُول الله [ﷺ] للراجل سَهْما، وللفارس سَهْمَيْنِ " فَإِن فِيهِ وللفرس سَهْمَيْنِ بدل وللفارس فَسبق اللَّفْظ من حَيْثُ ذكر الراجل
[ ٢١١ ]
إِلَى الْفَارِس فَصَارَ منقلبا وَمِنْهَا الحَدِيث الذى رَوَاهُ البخارى فى أَوَاخِر صَحِيحه فى بَاب [/ ١٤٢]: ﴿إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ من حَدِيث صَالح بن كيسَان عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ - رَفعه: " اختصمت الْجنَّة وَالنَّار إِلَى ربهما " الحَدِيث وَفِيه: " أَنه ينشئ للنار خلقا " صَوَابه كَمَا رَوَاهُ فى مَوضِع آخر مِنْهَا من طَرِيق عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن همام، عَن أَبى هُرَيْرَة، بِلَفْظ: " فَأَما الْجنَّة فينشأ الله لَهَا خلقا " فَسبق لفظ الراوى من الْجنَّة إِلَى النَّار وَصَارَ منقلبا، وَلذَلِك جزم ابْن الْقيم بِأَنَّهُ غلط، وَمَال إِلَيْهِ البلقينى، حَيْثُ أنكر هَذِه وَاحْتج بقوله:
[ ٢١٢ ]
﴿وَلَا يظلم رَبك أحدا﴾ كَمَا بسط فى مَحَله، وَمِنْهَا حَدِيث عَائِشَة - ﵂ -: " أَن ابْن مَكْتُوم يُؤذن بلَيْل، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تسمعوا أَذَان بِلَال " أخرجه ابْن خُزَيْمَة وَعِنْده أَيْضا، وَكَذَا ابْن حبَان، وَأحمد وَغَيرهمَا، من حَدِيث أنيسَة - ﵂ - قَالَت: قَالَ رَسُول الله [ﷺ]: " إِذا أذن بِلَال فَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تشْربُوا " انْقَلب على بعض الروَاة وَصَوَابه: " أَن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل " مُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث ابْن عمر،
[ ٢١٣ ]
وَعَائِشَة - ﵂ -، وَمِنْهَا: حَدِيث: " الصَّلَاة قبل الْجُمُعَة أَربع "، فَإِن الصَّوَاب فِيهِ كَمَا أخرجه مُسلم فى " صَحِيحه " من حَدِيث خَالِد بن عبد الله، عَن أَبِيه، عَن أَبى هُرَيْرَة مَرْفُوعا كَون: " الْأَرْبَع بعْدهَا "، فَانْقَلَبَ على بعض رُوَاته كَمَا أفهمهُ النَّاظِم - وَإِن لم أَقف على ذَلِك إِلَى الْآن - بل الذى رَأَيْته إِنَّمَا هُوَ قلبه فى السَّنَد، نعم رَوَاهُ أَبيض أزابان الثقفى عَن منهل بِلَفْظ: " من كَانَ [/ ١٤٣] مُصَليا فيصل قبلهَا
[ ٢١٤ ]
أَرْبعا وَبعدهَا " وعد فى إِفْرَاده عَن سَائِر الْحفاظ من أَصْحَاب سُهَيْل فَهُوَ شَاذ، وَمِمَّا لم يذكرهُ النَّاظِم حَدِيث: " إِذا صلى أحدكُم فَلَا يبرك كَمَا يبرك الْبَعِير وليضع يَدَيْهِ قبل ركبته " كَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والترمذى، وَهُوَ مُنْقَلب على بعض رُوَاته، وَصَوَابه: " وَلَا يضع يَدَيْهِ قبل رُكْبَتَيْهِ " لِأَن أَوله يُخَالف آخِره، فَإِنَّهُ إِذا وضع يَدَيْهِ قبل رُكْبَتَيْهِ
[ ٢١٥ ]
برك كَمَا يبرك الْبَعِير، لَكِن قد ادّعى بَعضهم فى هَذَا النّسخ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يكون من هَذَا الْبَاب، كَمَا فعل ابْن خُزَيْمَة فى ثَالِث الْأَحَادِيث إِذا قَالَ: لَا تضَاد بَين الْحَدِيثين لخبرين، إِذْ من الْجَائِز أَن يكون النبى [ﷺ] جعل الْأَذَان بِاللَّيْلِ تناولا بَين بِلَال، وَبَين ابْن أم مَكْتُوم، فحين يكون نوبَة أَحدهمَا لَيْلًا يكون نوبَة الآخر عِنْد طُلُوع الْفجْر، وفى الخبران على حسب الْحَالين، وَأخذ هَذَا ابْن حبَان وَجزم بِهِ، فَقَالَ: لَيْسَ بَين الْخَبَرَيْنِ تضَاد، قَالَ شَيخنَا: وَهَذَا بعيد، وَلَو فتحنا بَاب التَّأْوِيل لَا ندفع كثير من علل الْمُحدثين. انْتهى.
وَقد أفرد الْجلَال البلقينى - ﵀ - كثيرا من أَمْثِلَة هَذَا النَّوْع، لَكِن لَا نطيل بإيراداها، وأسلفت قَرِيبا فى المقلوب عَن شَيخنَا، أَنه جعل هَذِه الْأَمْثِلَة للمقلوب، وَمَا كَانَ فى الروَاة سَمَّاهُ الْمُبدل، فعلى هَذَا يكون عِنْد كل من النَّاظِم وَشَيخنَا نوع لم يذكرهُ ابْن الصّلاح.