وذلك يشتملُ على كيفيَّة سماعِ الحديث، وتحمُّله، وصفةِ ضَبطهِ وروايتهِ، وآدابِ رُواته وَطَالبيه، وفيه فصولٌ:
[ ٤٦٣ ]
الفصل الأول في أهلية التَّحمُّل
وفيه ثلاثةُ أطْرَاف:
١١٤ - الأول: في وَقْت التَّحمُّل:
فيصحّ التَّحمُّل قبلَ وجودِ الأهليَّة، فتُقبل روايةُ مَن تَحَمَّل قبلَ الإسلام وروى بعدَه (^١)، وكذلك رواية مَن سَمِع قبلَ البلوغِ وروى بَعده؛ لأنَّ النَّاسَ قَبِلُوا روايةَ أحداثِ الصَّحابة كالحَسَنِ، والحُسَينِ، وابنِ عبَّاسٍ، وابنِ الزُّبير، وأشباهِهم، من غيرِ فرق [بين] (^٢) ما تحمَّلوه قبل البلوغِ وبعدَه، ولم يزالوا قديمًا وحديثًا يُحضِرُون الصِّبيانَ مجالسَ الحديثِ والسَّماعِ، ويعتدُّون بروايتهم (^٣).
_________________
(١) دلّ عليه صنيع أصحاب "الصحيحين"، إذ رويا قصة أبي سفيان وهرقل، وكانت قبل إسلام أبي سفيان، وكذلك قدوم جبير بن مُطعم على النبي - ﷺ - في فداء أسارى بدر، قبل أن يسلم، وسمعه يقرأ في المغرب بالطور. ولذا أثبت أهل الحديث اسم من اتفق حضوره مجالس الحديث من الكفار رجاء أن يسلم، ويؤدي ما سمعه، وفعله المزي وابن تيمية، انظر: "فتح المغيث" (٢/ ٤).
(٢) سقطت من الأصل، والسياق يقتضيها، وهي في "مقدمة ابن الصلاح" (٣١٢ - ط بنت الشاطئ).
(٣) فائدة الاعتداد بتحمّلهم في حال الصَّبا، ليرووه بعد البلوخ هو المعروف، وشذّ قوم فجوّزوا رواية الصبي قبل بلوغه، وهو وجه عند الشافعية، والمشهور الأول، ولهم وجه آخر بالمنع من التحمّل بعد البلوغ، قاله البلقيني في "المحاسن" (٣١٢). =
[ ٤٦٥ ]
قال الشيخ تقي الدين: "ومما عُلم أنَّ الصَّحابيَّ تحمّله قبلَ الإسلام ثم رواه بعده: حديثُ جُبير بن مُطْعِم أنّه سمع النَّبيَّ - ﷺ - يقرأ في المغرب بالطور" (^١).
قلتُ: ومنه عبدُ الله بن سَرْجِس المزنيّ على الأَصَحِّ.
قال عَاصِمٌ الأحولُ: رأى رسولَ الله - ﷺ -، ولم تكُن له صُحبةٌ (^٢).
فمرادُ عاصمٍ أنه أدْركَ رسولَ اللّه - ﷺ - قبلَ الإسلام، لأنا رُوّينا
_________________
(١) = نعم، الراجح عدم جواز رواية الصبي قبل بلوغه، لأن القلم مرفوع عنه، فلا يخاف الله ﷿، وكذلك لا يخاف الناس لأنهم إن ظهروا على كذب منه، قالوا: صبي، ولعله لو قد بلغ وتمّ عقله تحرّز، ومغ هذا فلا تكاد تدعو الحاجة إلى رواية الصبي؛ لأنه إنْ روى فالغالب أنَّ المرويَّ عنه، فيراجع فإن كان قد مات، فالغالب - إنْ كان الصبيُّ صادقًا - أن يكون غيره ممن هو أكبر قد سمع من ذلك المخبر أو غيره، فإن اتفق أن لا يوجد ذلك الخبر إلَّا عند ذلك الصَّبيّ، فمثل هذا الخبر لا يوثق به، أفاده العلامة المعلِّمي في "الاستبصار في نقد الأخبار" (ص ١٤).
(٢) أخرجه البخاري (٧٦٥، ٣٠٥٠، ٤٠٢٣، ٤٨٥٤) ومسلم (٤٦٣) وما سبق من "الاقتراح" (٢٣٨) لابن دقيق العيد، وانظر "نظم العراقي" له (بيت رقم ١٢٥، ١٢٦) وشرحي عليه "البيان والإيضاح" (ص ٩٨) نشر الدار الأثرية - الأردن.
(٣) أسند مقولة عاصم: أحمد في "المسند" (٥/ ٨٢) عقب قول عبد الله بن سرجس: "أنه رأى الخاتم الذي بين كتفي النبي - ﷺ -" وإسنادها صحيح. وصحبة ابن سرجس ثابتة، وسماعه من النبي - ﷺ - في "صحيح مسلم" (٢٣٤٦) وفي هذا الموطن قوله: "رأيتُ النبي - ﷺ -، وأكلت معه خبزًا ولحمًا" أو قال: "ثريدًا"!، وأما كلمة عاصم، فوجَّهها ابن عبد البر في "الاستيعاب" (٣/ ٤٩) بقوله: "وأما عاصم الأحول، فأحسبه أراد الصُّحبة التي يذهب إليها العلماء، وأولئك قليل"، أي يريد الصحبة الخاصة، كما قال ابن حجر في "الإصابة" (٤/ ١٠٦).
[ ٤٦٦ ]
مسندًا عنه أحاديثَ متَّصلةً في "مسند الإمام أحمد" (^١)، ومن هذا يُفهمُ أنَّ قولَهم في حَدِّ المرسَلِ: هو قَولُ التَّابعيِّ: قال رسول الله - ﷺ -، ليس على الإطلاق، فإنَّ عبدَ الله المذكورَ تَابعيٌّ (^٢)، وقوله: قال رسول الله - ﷺ - متَّصلٌ مرفوعٌ غيرُ مُرسَل، والله أعلم.
* [متى يطلب ويكتب الحديث]:
١١٥ - الثاني: قال أبو عبد الله الزُّبيري (^٣): "يُسْتَحَبُّ كَتْبُ
_________________
(١) انظره (٥/ ٨٢) و"ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج حديثهم أحمد بن حنبل في المسند" (٧٥/ رقم ٢٨٥).
(٢) بل هو صحابيٌّ، والإرسال لازمه سقط، وانظر سيأتي (ص ٦٨٨) وما سبق عن المرسل. والذي أراه أن مراد عاصم الأحول: إن ابن سَرْجِس رأى رسول اللَّه - ﷺ - قبل إسلامه، ثم ثبتت له صُحبة فيما بعد، وهذا أقرب من توجيه ابن عبد البر السابق، وقولته عقب إسناده الذي فيه إخبار ابن سَرجس أنه رأى الخاتم الذي بين كتفي النبي - ﷺ -، يؤيّد ذلك ويقويه أنه - أي عاصم - هو الذي أسند قول ابن سرجس: "رأيت النبي - ﷺ - وأكلتُ معه خبزًا … ". وفي كلام المصنف فائدة دقيقة، وهي: أن من رأى النبي - ﷺ - حال كفره، وتحمّل عنه وهو كافر، ثم أسلم، وبلَّغ ما تحمَّل، فهذا مرسل متَّصل، وهذه دقيقة يعاين بها، مثل: متى يكون ترجيح المرسل على المسند؟ قال ابن رجب في "شرح العلل" (١/ ٢٩٤) عقب قولة إبراهيم النخعي: "إذا حدثتكم عن رجل عن عبد اللَّه فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد اللَّه فهو عن غير واحد عن عبد اللَّه" قال: "وهذا يقتضي ترجيح المرسل على المسند، لكن النَّخعي خاصَّة، فيما أرسله عن ابن مسعود خاصة" وانظر تعليق شيخنا الألباني على "العلم" (٥٤) لابن أبي خيثمة، وتعليقي على"جزء في علوم الحديث" (ص ١٠٣ - ١٠٤) لأبي عمرو الداني.
(٣) هو الزبير بن أحمد بن سليمان البصري الشافعي (ت ٣١٧ هـ)، ترجمته في "تاريخ بغداد" (٨/ ٤٧١).
[ ٤٦٧ ]
الحديثِ في العشرين، لأنَّه مُجتمَعُ العَقْل" (^١).
قال: "وأُحِبُّ أن يَشتغَل دَونها بحفْظِ القرآنِ والفَرائِضِ" (^٢).
وقد ورد عن سُفيانَ الثَّوريِّ قال: "كان الرَّجُلُ إذا أرادَ أنْ يَطْلُبَ الحديثَ تعبَّد قبل ذلك عِشرينَ سَنَةً" (^٣).
وقال موسى بن هارون: "أهلُ البَصرة يكتبون لعَشْرِ سنين، وأهل الكوفة لِعِشْرين، وأهل الشَّام لثلاثين" (^٤).
هذا في تلك الأعصار (^٥)، وأما في زَمَاننا هذا يَنبغي أن يبكَر
_________________
(١) أسند مقولته الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (١٨٧/ رقم ٥١) والخطيب في "الكفاية" (٥٥) والقاضي عياض في "الإلماع" (٦٥).
(٢) قطعة من الأثر السابق.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (١/ ٩٥)، والرامهرمزي في "المحدّث الفاصل" (ص ١٨٧) والخطيب في "الكفاية" (١٥٤) وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٦١).
(٤) أخرجه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص ١٨٧) والخطيب في "الكفاية" (ص ٥٥) والقاضي عياض في "الإلماع" (ص ٦٥).
(٥) قال الخطيب في "الكفاية" (ص ٥٤): "قلَّ من كان يكتب الحديث على ما بلغنا في عصر التابعين، وقريبًا منه، إلَّا مَنْ جاوز حدَّ البلوغ، وصار في عداد مَن يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم ولسؤالهم". قال أبو عبيدة: وبهذا يحلّ الإشكال في (الإدراك) بين المعنعِن والمعنعَن عنه قديمًا، فهناك أخبار كثيرة نفى فيها - بناءً على هذا الأصل المقرر هنا - جهابذة ونُقَّاد السماع، ويكون بين المعنعِن والمعَنعن عنه فوق العشر من السنين! وأخطأ المتأخِّرون في المنازعة في ذلك، كما غفلوا عن هذا التقعيد! وظنوا أن التبكير في السماع، والعناية في الرواية في الصورة التي تبلورت فيها في عصورهم هي التي كانت عليه في زمن التابعين وقريبًا منه، ولذا اشترط مسلم في (الإدراك) أن يكون (بيَّنَّا)، وانظر تفصيل ذلك في "بهجة المنتفع" (ص ١٨٤، ١٩٠).
[ ٤٦٨ ]
بإسماعِ الصَّغير في أَولِ يومٍ يصحُّ سماعهُ (^١) إبقاءً لسلْسِلةِ الإسناد، وأَمَّا الاشتغالُ بِكِتْبَةِ (^٢) الحديثِ، وتحصيلهِ، وضبطهِ، وتقييدهِ؛ فمن حين يتأهَّلُ له، ويصْلُحُ لذلك، ويختلف ذلك باختلاف الأَشْخَاص (^٣).
١١٦ - الثالث: أول زمان يصح فيه سماع الصغير:
فقال القاضي عياض الحافظ: "إنَّ أهلَ الصَّنعة حدَّدوا في ذلك خمس سنين، وهي سنُّ محمود بن الربيع" (^٤)، وذكر رواية البخاري في "صحيحه" بعد أن ترجم: (متى يصحُّ سماعُ الصَّغير) بإسناده عن مَحمود بن الرَّبيع قال: "عَقَلْتُ من النَّبيِّ - ﷺ - مَجَّةً مَجَّها في وجهي، وأنا
_________________
(١) إذا أُتي بالصغير في هذا "السن، لم يكن المحدِّثون يعدُّون حضور غير المميَّز سماعًا أو عرضًا، وإنما يكتب الواحد منهم: أن فلانًا (الصبي) حضر، ولا يكتب أنه سمع أو قرأ، واكتفي بإجازته، لأن الإجازة لا يُشترط فيها التَّمييز، بدلالة تجويزها للمعدوم، ولا يشترط فيها إلَّا الوجود. من كتابي "البيان والإيضاح" (ص ٩٨).
(٢) كذا ضبطها في "مقدمة ابن الصلاح" (ص ٣١٣ - ط ١ بنت الشاطئ) وقالت المحققة الفاضلة رحمها الله تعالى في الهامش: "الضبط من الأصول بكسر الكاف. وفي "القاموس": والكُتبة: بالضَّمِّ: السير يخرز به، وبالكسر: اكتتابك كتابًا تنسخه".
(٣) أي: ليس ينحصر ذلك في سنٍّ مخصوصة، وذكر العشرين لا يشترط، ولو كان السماع لا يصح إلَّا بعده لسقطت رواية كثير من أهل العلم، وليس المعتبر في كتب الحديث البلوغ ولا غيره، بل تعتبر فيه الحركة والنضاجة والتّيقّظ والضبط، انظر: "المحدث الفاصل" (ص ١٨٦، ١٨٩)، "فتح المغيث" (٢/ ٨)، "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٣٤/ أ) لمُغُلْطاي، "محاسن الاصطلاح" (٣١٣)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٢٩٤).
(٤) الإلماع (ص ٦٢) بتصرف يسير، وأسنده عنه ابن الصلاح في "مقدمته" (ص ٢١٤ - ط بنت الشاطئ).
[ ٤٦٩ ]
ابنُ خمس سنين مِنْ دَلْوٍ" (^١)، وهذا الذي استقرَّ أهلُ الحديثِ من المتَأخِّرين، فيكتبون لابن خمس سنين فصاعدًا: سَمع، ولمن دونها: حَضَر أو أُحْضِر (^٢).
والصَّوابُ أنْ يُعتبَر في كلِّ صغيرٍ بحالهِ، فإنْ وُجد مرتفعًا عن حال مَنْ لا يعقل، وَفَهِمَ الخطابَ، وَرَدَّ الجواب، ونحوَ ذلكَ صُحِّح سَمَاعهُ، وإنْ كان له دُون خمس، وإِن لم يكن كذلك؛ لم يصحَّح سماعه، وإنْ كان ابنَ خمس سنين (^٣).
وروي مثل هذا عن أحمد بن حنبل (^٤)، ومُوسى بن هَارون الحمَّال (^٥)، وقد نُقِلَ أنَّ صَبيًّا ابنَ أربعَ سنين حُمِلَ إلى المأمون، وقَد قرأ
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (برقم ٧٧) وهو عند مسلم في "صحيحه" (٢٦٥) أيضًا، وقالوا: سرّ التعيين بخمس التأنُّس بالحديث.
(٢) شاع ذلك بعد الثلاث مئة، أفاده الذهبي في "السير" (٦/ ٣٩٥) وعرف قبلها، كما تراه في "العلل ا للإمام أحمد (رقم ١٥٥٠). وانظر ما قدمناه قريبًا.
(٣) بعدها في "مقدمة ابن الصلاح" (ص ٣١٥): "بل ابن خمسين"! فالعبرة - بلا شك - بالتمييز والضبط والفهم، وهذا أمر نسبيٌّ، يتفاوت بتفاوت الطبائع والبدائه، فقد لا يذكر ابنُ العشر، فحينئذ لا عبرة بتحمُّله. انظر كتابي "البيان والإيضاح" (٩٩).
(٤) انظر: "مسائل عبد الله لأبيه" (٣/ ١٣٥٢) رقم (١٨٧٦)، "طبقات الحنابلة" (١/ ١٨٢ - ١٨٣) لابن أبي يعلي، "الكفاية" (٦٢) للخطيب، "تاريخ بغداد" (٦/ ٣٣٥).
(٥) أسند الخطيب في "الكفاية" (ص ٦٥) بإسناد صحيح عن أبي القاسم بن بكرٍ قال: سألت موسى بن هارون، قلت: متى يسمع الصَّبيُّ؟ قال: إذا فرّق بين الدَّابة والبقرة.
[ ٤٧٠ ]
القرآنَ، ونَظَر في الرَّأي، إلَّا أنَّه إذا جاعَ يَبْكي (^١).
* * *
_________________
(١) أسندها الخطيب في "الكفاية" (٦٤) وفي إسنادها أحمد بن كامل القاضي، وأعلّ القصة به، وعلّق الجناية بتساهله جمع، منهم: العراقي، قال في "التقييد والإيضاح" (ص ١٦٥): "أحسن المصنف - يعني: ابن الصلاح - في التعبير عن هذه الحكاية بقوله بلغنا ولم يجزم بنقلها، فقد رأيت بعض الأئمة من شيوخنا يستبعد صحتها، ويقول على تقدير وقوعها: لم يكن ابن أربع سنين، وإنما كان ضئيل الخلقة فيظن صغره، والذي يغلب على الظن عدم صحتها، وقد رواها الخطيب بإسناده في "الكفاية"، وفي إسنادها أحمد بن كامل القاضي، قال فيه الدارقطني: "كان متساهلًا ربما حدث من حفظه بما ليس عنده في كتابه، وأهلكه العجب، فإنه كان يختار ولا يضع لأحد من العلماء أصلًا". [انظر ترجمته في "تاريخ بغداد" (٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩)] وقال صاحب "الميزان": "كان يعتمد على حفظه، فَيَهِم". وقد علق السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ١٥٠) بقوله: "في صحَّتها نَظَرٌ". هذا وقد دافع العلامة المعلِّمي اليماني في "التنكيل" (٣٦٢ - ٣٦٣) عن أحمد بن كامل القاضي فذكر أن كلمة الدارقطني لا تفيد الجرح، وكونه حدَّث من حفظه بما ليس في كتابه، يحتمل أن يكون قد حفظه وتثبت فيه، وإن لم يكن في كتابه " إلخ.
[ ٤٧١ ]
الفصل الثاني في طُرُق تحمُّل الحديث من السَّماع، والإجازة، والمناولة، وغيرها
وهي ثمانيةُ أنواع:
١١٧ - النوع الأَول: السَّماع من لفظ الشيخ.
* [الإملاء والتحديث، أيهما أرفع؟]:
وهو ينقسم إلى إملاءٍ وتحديثٍ من غيرِ إملاء، سواءٌ: كان من حفظهِ أو مِنَ الكتاب.
وهذا النَّوع أرفعُ الأنواعِ عند الجماهير، وأول قِسْمَيه، أرفعُ (^١) من الثاني.
* [ما يقول السامع]:
والسَّامع عند الرِّواية في هذا يقول: حدَّثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعتُ فلانًا يقول، وقال لنا فلان، وذكر لنا فلان.
وهكذا قاله القاضي عياض (^٢).
_________________
(١) لما يلزم منه من تحرِّي الشيخ والطالب، إذ الشيخ مشتغلٌ بالتحديث والطالب بالكتابة عنه، فهما لذلك أبعدُ عن الغفلة، وأقربُ إلى التحقيق، وتبيين الألفاظ، مع جريان العادة بالمقابلة بعده، قاله السخاوي في "الفتح" (٢/ ١٧).
(٢) في "الإلماع" (٦٩).
[ ٤٧٢ ]
* [أرفع العبارات]:
وقال الخطيب (^١): "أرفع العبارات: سمعتُ (^٢)، ثم حدَّثنا وحدَّثني، ثم يتلو ذلك أخبرنا، وهو كثيرٌ في الاستعمال".
* [الفرق بين حدثنا وأخبرنا وأنبانا]:
وقال الشَّيخ تقي الدِّين: "وكان هذا كلُّه قبل أن يشيعَ تخصيصُ أخبرنا بما قُرئَ على الشَّيخ" (^٣).
ثم يتلُو أَخبرنا قول: أنبأنا، وهو قليلٌ في الاستعمال، لا سيّما بعد غَلَبتهِ في الإجَازة.
* [الفرق بين حدثنا وسمعت]:
وحدَّثنا وأخبرنا أرفعُ من سَمِعْتُ من جهةٍ أخرى، وهو أنه ليس في
_________________
(١) الكفاية (٢٨٤ أو ٢/ ٢١٤).
(٢) هي أرفع مما سواها، فليس يكاد أحد يقول سمعت في الإجازة والمكاتبة ولا في تدليس ما لم يسمعه، بخلاف حدثنا فإن بعض أهل العلم يستعملها في الإجازة. وقيد الصنعاني ذلك في كتابه "توضيح الأفكار" (٢/ ١٩٧) بكلام دقيق، قاله بعد أن نقل فحوى الكلام السابق: "هذا في طريق الواحد، وأما بطريق الجمع فيطرقه احتمال سماع أهل بلد هو فيهم". قال أبو عبيدة: مما يؤكد ذلك ما عند مسلم في "صحيحه" (٢٩٣٨) في حديث الذي يقتله الدجال، ثم يحييه، ثم يقول: من أنا؟ فيقول: "أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله - ﷺ - حديثه". و"معلوم أن ذلك الرجل متأخر الميقات" فعلم "أن حدثنا ليست بنصٍّ في أن قائلها سمع"، انظر توجيه العلماء: "بيان الوهم والإيهام" (٢/ ٣٧٩)، "فتح المغيث" (٢/ ١٨، ٢٤)، "تدريب الراوي" (٢/ ٩)، كتابي "بهجة المنتفع" (ص ١٧٨)، وسيأتي - قريبًا - أن (حدثنا) و(أخبرنا) أرفع من (سمعت) من وجه آخر.
(٣) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٣٥).
[ ٤٧٣ ]
سمعتُ دلالةٌ على أنَّ الشَّيخ روى له الحديثَ، وخاطبَه به، وفي حدَّثنا وأخبرنا دلالةٌ على ذلك (^١).
وسأل الخطيب شيخه أبا بكر البَرْقَاني فيما رواه لهم عن أبي القاسم عبد اللّه بن إبراهيم الجَرجاني (^٢)، ويقول: سَمعتُ، ولا يقول: حدَّثنا، ولا أخْبَرنا، فذكر أنَّ أبا القاسم كان عَسِرًا في الرِّواية، وكان البَرْقَانيُّ يجلسُ بحيث لا يراه أبو القاسم، ولا يعلمُ بحضورهِ، فيسمع منه ما يحدِّث به الشَّخص الدَّاخل (^٣)، فلذلك يقول: سمعتُ، ولا يقول: حدَّثنا، ولا أخبرنا، لأنَّ قصدَه الرِّوايةُ للدَّاخل (^٤).
_________________
(١) أسند الخطيب في "الكفاية" (٢٨٨ أو ٢/ ٢٢٣) إلى معتمر بن سليمان قال: "سمعتُ أسهل عليَّ من حدَّثنا وأخبرنا، وحدَّثني وأخبرني، لأن الرجل قد يسمع ولا يحدِّث". ثم قال: "وقد ورد أصل لهذا في حديث، ثم أسند عن ابن أبي مليكة حدثني عقبة بن الحارث، ثم قال: لم يحدثني ولكني سمعته يحدث، قال: تزوجت ابنة أبي إهاب، فجاءت امرأة سوداء، فقالت: إني قد أرضعتُكما، فأتيتُ النبي - ﷺ - فسألته، فأعرض عني … الحديث، وفيه قوله - ﷺ -: "كيف بك وقد قيل" وأصله في مواطن من "صحيح البخاري" (٨٨) وأطرافه هناك.
(٢) المعروف بـ (الأبندوني)، قال الخطيب عنه في "تاريخ بغداددا (٩/ ٤٠٧): "كان ثقة ثبتًا، وله كتب مصنَّفة وجموع مدوَّنة. وقال الحاكم: كان أحد أركان الحديث" وترجمته في "السير" (١٦/ ٢٦٢) ومصادرها في التعليق عليه.
(٣) عبارة الخطيب: "وكنت أمضي مع أبي منصور بن الكرجي إليه، فيدخل أبو منصور عليه، وأجلس أنا بحيث لا يراني الأبندوني، ولا يعلم بحضوري، ويقرأ هو الحديث على أبي منصور، وأنا أسمع، فهذا أقول فيما أرويه عنه: سمعت، ولا أقول … " بنحوه.
(٤) الكفاية (٢٨٨) أو (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣) واحتمل السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ٢١) بما يفيد تفضيل مطلق السَّماع، فقال بعد كلام الخطيب السابق =
[ ٤٧٤ ]
* [قول النسائي: قراءة عليه وأنا أسمع]:
قلت: وكذلكَ رُوي عن أبي عبد الرَّحمن أحمد بن شُعيب النَّسائي أنه قال فيما رواه عن الحارِثِ بن مِسْكِين يقول: قراءةً عليه وأنا أسمعُ، ولا يقول: أخبرنا، ولا حدَّثنا، فإنَّ الحارِثَ كان وليَ القضاءَ بمصر، وبينه وبين النَّسائيّ خُشونةٌ، لم يمكنه حضورَ مجلسِهِ، وكان يستتر في موضع، ويسمع حيث لا يراه، فلذلك تورَّع، وتحرَّى (^١)، والله أعلم.
* [قول الراوي: قال لنا أو ذكر لنا]:
وأما قولُ الراوي: قال لنا فلانٌ، أو ذَكَر لنا، فهو مِن قَبيل حدَّثنا فُلان، غير أنه لائقٌ بما سُمِع في المذاكرة، وهو به أشبه مِن حدَّثنا.
وأوضع العبارات في ذلك أن يقول: قال فلان، أو ذكر فلان من غير لفظة: "لي"، و"لنا"، ونحو ذلك، لكن مع ذلك محمولٌ على السَّماع إذا عرف لقاؤه، كما بيَّنَا في الإسناد المعَنْعَن (^٢)، لا سيما إذا عُرِفَ مِنْ حاله أنه لا يقول: قال فلان إلَّا فيما سَمِعه منه.
١١٨ - النّوع الثاني: القراءة على الشَّيخ.
* [العرض وصحته]:
وأكثرُ المحدِّثين يسمُّونها (عَرضًا) من حيث أنَّ القارئَ يعرضُ
_________________
(١) = وتعليقه عليه: "وعلى هذا لو قال (سمَّعني) - بالتشديد - حصل التَّساوي من هذه الحيثيَّة، وثبت للسماع التفضيل المطلق".
(٢) انظر: "التقييد" (١/ ١٤٣) لابن نقطة، "بغية الراغب المتمنّي" (١١١)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٣) كلاهما للسخاوي، "جامع الأصول" (١/ ١٩٧)، "كلام الأقران بعضهم في بعض" (٦٤ - ٦٥).
(٣) انظر ما تقدم (ص ٢٣٢).
[ ٤٧٥ ]
على الشَّيخ ما يقرأ (^١)، سواءٌ كنتَ (^٢) تقرأ من الكتاب، أو مِنْ حفظِكَ، أو كان القارئُ غيرَك وأنتَ تسمع، وسواء حفظ الشيخ ما تقرأ عليه أو لم يحفظ، لكن يمسك أصلَه هو أو ثقة غيره.
ولا خلاف في أنَّها روايةٌ صحيحةٌ (^٣).
* [هل العرض مثل السماع أو دونه؟]:
ثم اختَلَفوا في أنَّ القراءةَ على الشَّيخ: هل هو مثلُ السَّماع منه، أو دونه، أو فوقه: فنُقِلَ عن أبي حنيفة الإمَام، وابن أبي ذئب، وغيرِهما ترجيحُ القراءة على الشَيخ على السَّماع من لَفظهِ، وروي ذلك عن مالكٍ أيضًا (^٤).
_________________
(١) بين القراءة والعرض عموم وخصوص، لأن الطالب إذا قرأ كان أعمَّ من العرض وغيره، ولا يقع العرض إلَّا بالقراءة، لأن العرض عبارة عما يعرض به الطالب أصل شيخه معه أو مع غيره بحضرته، انظر "فتح الباري" (١/ ١٤٩)، "تدريب الراوي" (٢/ ١٣).
(٢) تحتها في الأصل بخط الناسخ: "القارئ".
(٣) استدل له البخاري بحديث ضمام بن ثعلبة وأورده في (كتاب العلم) وبوب عليه: (باب القراءة والعرض على المحدّث)، وتقدم، وانظر "صحيح البخاري" (رقم ٦٣)، "مسائل أحمد وأبي داود" (٢٨٢)، "المعرفة" (٢٥٨) للحاكم، "الإلماع" (٧٠). وإطلاق عدم الخلاف غير دقيق أو فيه تجوز، وعبارة ابن الصلاح: "إلَّا ما حكي عن بعض من لا يعتدَّ به" وهي منتقدة، كما تراه في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٣٤/ ب)، "محاسن الاصطلاح" (٣١٩). ثم وجدت ابن حجر يقول: "قد انقرض الخلاف في كون القراءة على الشيخ لا تجزيء، وإنما كان يقوله بعض المتشدِّدين من أهل العراق"، وانظر: "فتح الباري" (١/ ١٥٠)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٣٠٣).
(٤) وروي أيضًا عن الحسن بن عُمارة وابن جريجٍ، وانظر لتوجيه هذا الترجيح: "الكفاية" (ص ٢٢٧) - ونقله عن جماعات غير المذكورين - "الإلماع" (ص ٧٤)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٧).
[ ٤٧٦ ]
وروي عن مالك (^١) وغيره أنهما سواء.
وقيل: إن التَّسوية مذهب معظم علماءِ الحجاز، والكوفةِ، ومذهب مالكٍ، وأشياخهِ من أهلِ المدينةِ، ومذهب البُخاريِّ (^٢).
والصَّحيحُ ترجيح (^٣) السَّماع مِن لَفْظِ الشَّيخِ والقراءةُ منه مرتبةٌ ثانيةٌ.
وقيل: هذا مذهبُ جمهورِ أهلِ المشرق (^٤).
قلتُ: ومما يعضدُ هذا المذهبَ أنَّ السَّماع من لفظِ الشَّيخ موافق للأصل، لأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أخبرَ الناسَ ابتداءً، وأسْمَعَهم بما جاء به، والتَّقرير على ما جرى بحضرتهِ - ﷺ -، أو السّؤالِ عنهُ مرتبةٌ ثانية، فالأول أولى، واللّه أعلم.
_________________
(١) بل هذا هو المعروف عنه، وبه جزم القاضي عياض في "الإلماع" (٧١)، وانظر "فتح المغيث" (٢/ ٢٦).
(٢) انظر: "المحدث الفاصل" (٤٢٠ - ٤٢٢)، "معرفة علوم الحديث" (٢٥٧ - ٢٥٨) - فإنه ذكر مَنْ قال به من أهل المدينة ومكة والكوفة والبصرة ومصر - و"فتح الباري" (١/ ١٤٨): كتاب العلم: باب القراءة والعرض على المحدِّث، كتابي "البيان والإيضاح" (٩٢).
(٣) ما لم يعرض عارض يصير العرض أولي، بأن يكون الطالب أعلم أو أضبط ونحو ذلك، وكان يكون الشيخ في حال القراءة عليه أوعى وأيقظ منه في حال قراءته هو، ومن ثم كان السماع من لفظه في الإملاء أرفع الدرجات لما يلزم منه من تحرّزِ الشيخ والطالب، وحينئذ؛ فالحقّ أنه كلما كان فيه الأمن من الغلط والخطأ أكثر كان أعلى مرتبة، وأعلاهما فيما يظهر أن يقرأ الشيخ من أصله وأحد السامعين يقابل بأصلٍ آخر، ليجتمع فيه اللفظ والعرض. انظر "فتح الباري" (١/ ١٥٥)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٨).
(٤) وهو مذهب جمهور أهل خراسان، وهو أحد قولي أبي حنيفة وهو قول والشافعي ومسلم بن الحجاج، وهو الذي مشى عليه الجمهور. انظر عدا المصادر المذكورة في الهامش السابق: "الإلماع" (٧٣).
[ ٤٧٧ ]
* [العبارة عن العرض في الرواية]:
وأما العبارةُ عنها عند الرواية فعلى مراتب:
أجودها: يقول: قرأتُ على فلانٍ، أو قُرئ عليه وأنا أسمع، وأقرَّ به، وهذا شائعٌ من غيرِ إشكال، ويجوزُ فيه من العبارات ما في السَّماع إذا أَتى بها مقيَّدة، كقولنا: حدَّثنا فلان قراءةً عليه، وأخبرنا فلان قراءة عليه، وفي الشِّعر: أنشدنا فلان قراءة عليه.
وأما إطلاق حدثنا وأخبرنا فاختلف فيه على ثلاثةِ مذاهب:
فمنهم مَن مَنَع منهما جميعًا، وقيل: إنه قولُ ابنِ المبارك، ويحيى بن يحيى التَّميمي، وأحمد بن حنبل، والنَّسائيّ، وغيرِهم (^١).
ومنهم مَنْ جَوَّزَهُما جميعًا، وقيل: إنَّ هذا مذهب الحجَازِيين، والكُوفيين، والزُّهري، ومالكٍ، وسفيان بن عيينة، وَيَحيى بن سَعيد
_________________
(١) قال الخطيب: "هو مذهب خلق من أهل الحديث"، وإليه ذهب ابن معين والبرقاني، واختاره ابن دقيق العيد في "الاقتراح" (٢٤٨)، قال: "والذي أراه أن لا يستعمل فيها أخبرنا بالإطلاق ولا التقييد، لبُعد دلالة لفظ الإجازة عن الإخبار؛ إذ معناها في الوضع الإذن في الرواية"، وحكاه ابن الحاجب في "مختصره" الأصولي، وليس العمل عليه، ولا سيما من القرن السادس في بعد. انظر: "الكفاية" (٢٩٢، ٢٩٣، ٢٩٧، ٣٠٠١)، كتابي "البيان والإيضاح" (٩٢ - ٩٣). والمتأمل نقولات الخطيب عن الإمام أحمد يشك في أن مذهبه المنع، ولعله يرى الاحتياط فحسب. وتأمل ما نقله أبو داود في "مسائله" (٢٨٢) قال: "سمعت أحمد يقول: أرجو أن يكون العرض لا بأس به، فقيل لأحمد: كيف يعجبك أن يقول؟ قال: يعجبني أن يقول كما فعل: إن قرأ قال: قرأت. قيل لأحمد وأنا أسمع: كان (أخبرنا) أسهل من حدَّثنا؟ قال: نعم، أخبرنا شديد"، فتأمل.
[ ٤٧٨ ]
القَطَّان، والبخاريِّ، وغيرهِم (^١).
وهؤلاء يجوِّزون أيضًا أن يقال فيه: سمعتُ فلانًا (^٢).
والمذهب الثالث: الفرق بينهما، وهو المنعُ مِنْ إطلاقِ حدَّثنا (^٣)، ويجوز إطلاقُ أخبرنا، وهو مذهبُ الشَّافعيِّ، وأصحابهِ، ومنقولٌ عن مُسلمٍ، وجمهورِ أهلِ المشرق (^٤).
_________________
(١) من الأقدمين طائفة غيرهم، مثل: الحسن البصري، ومنصور، والثوري، وابن جريجٍ، وشعبة، وأبي حنيفة، ويزيد بن هارون والنضر بن شُميل. انظر "الكفاية" (ص ٣٠٥ - ٣١٠) - والمتأمل فيه يجد رأيًا آخر لسفيان وهو المنع، انظر منه (٢٩٩) - و"المحدث الفاصل" (٤٢٨)، "الإلماع" (٧١ - ٧٣)، "فتح المغيث" (٢/ ٣٠٠) - وفيه: "وعليه استمرّ عملُ المغاربة" -.
(٢) عبارة ابن الصلاح: "ومن هؤلاء من أجاز فيها أيضًا … " وهذا هو الصواب، إذ هو مذهب السُّفيانين ومالك، ذكره عنهما الخطيب في "الكفاية" (٢٩٦، ٣٠٦)، والقاضي عياض في "الإلماع" (ص ٧١) وغيرهما. وقال البُلقيني في "محاسن الاصطلاح" (٣٢٢): "وممن جوّز إطلاق حدثنا في ذلك: عطاء والحسن، وأبو حنيفة وصاحباه وزفر، ومنصور". قلت: مذهبهم في "المحدث الفاصل" (٤٢٢، ٤٢٥، ٤٢٨، ٤٦٤).
(٣) انظر "المحدث الفاصل" (٤٢٥، ٤٣١)، "الكفاية" (٢٩٧، ٣٠٣)، وزاد شيخ المصنف ابن جماعة في "المنهل الروي" (٨٢): "وروي عن ابن جريجٍ والأوزاعي وابن وهب، وعن النسائي أيضًا، وهو الشائع الغالب الآن"، وانظر "المحدث الفاصل" (٤٣٢)، "الكفاية" (٣٠٢)، "الإرشاد" (٢/ ٣٥٢) للنووي، "فتح المغيث" (٢/ ٣١).
(٤) نقل مذهب أهل المشرق: الحاكم في "المعرفة" (٢٦٠) قال: "وعليه عهدنا أئمتنا، وبه قالوا، وإليه ذهبوا، وبه نقول: إن العرض ليس بسماع، وإن القراءة على المحدث إخبار … " وفضل في ذلك. قل أبو عبيدة: نعم، لا يصح أن يطلق في العرض على الشيخ "سمعت" و"حدثنا"، والوضع اللغوي لا يدلُّ عليه، ومن جوَّزه تسامح بتغيير الاصطلاح، فإذا كان هذا الاصطلاح عامًّا، فقد يقرب الأمر فيه، وهذا =
[ ٤٧٩ ]
وذكر مُحَمَّد بن الحَسَن التَّميمي المصريُّ (^١) أن هذا مذهَبُ الأكثرِ من أصحاب الحديث، وهو الشَّائعُ الغالبُ على أهل الحديثِ، ومصطلحٌ عليه للتَّمييز.
وحكي (^٢) عن أبي حاتم مُحمَّد بن يَعقوبَ الهرويِّ أنَّه قَرَأ على بعضِ الشُّيوخ، عن الفَرَبْرِيِّ "صحيح البخاري"، وكان يقول في كلّ حديث: حَدَّثكُم الفَرَبْرِيُّ، فلما فَرَغَ من الكتاب سمع الشيخ يذكُر أنَّه إنَّما سَمِعَ الكتابَ من الفَرَبْرِيّ قراءةً عليه، فأَعادَ أبو حاتمٍ قراءةَ الكتابِ كُلِّه، وقَالَ له في جَميعِهِ: أخَبَركُم الفَرَبْرِيّ (^٣).
_________________
(١) = واقع من غير دافع في (حدثنا) دون (سمعت)، وإن وضعه الراوي لنفسه، فلا ينبغي إلَّا بالتصريح والبيان، والله المستعان.
(٢) في كتابه "الإنصاف" فيما ذكر ابن الصلاح في "مقدمته" (٣٢٢ - ط بنت الشاطئ) والعراقي في "التقييد" (١٤٣)، ومحمد بن الحسن التميمي هذا هو صاحب "نوادر الفقهاء" المطبوع بتحقيق د - محمد فضل المراد. قال في أول تحقيقه (ص ١٦) له: "وبعد جهد كبير بذلته لم أستطع الحصول على ترجمة للمؤلف، ومع الرجوع إلى المصادر التي أمكنني الرجوع إليها، والبحث العميق، وسؤال بعض العلماء، لم أعثر على من ترجم لهذا المؤلف - ﵀ -". قلت: هو ابن بنت نُعيم بن حماد، كما في "الجوهر النقي" (٤/ ٢٢٥ و١٠/ ١٥١)، ونقل منه ابن رشد في "بداية المجتهد" (٦/ ١٠ - مع "الهداية"). ثم وجدت من شيوخ الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي (ت ٤٠٩ هـ) ذكره في كتابه "المتوارين" (ص ٥٩ - بتحقيقي): "أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن محمد" فلعله ولد هذا.
(٣) حكاه عنه الحافظ أبو بكر البرقاني، أفاده ابن الصلاح.
(٤) "الكفاية" (٣٠٣ - ٣٠٤)، "المحدث الفاصل" (٤٢٠)، وجعل البُلقينيّ في "المحاسن" (ص ٣٢٣) أبا حاتم في هذا متشدِّدًا، وذكر تساهلًا عن حبيب بن أبي ثابت، وسبقه إليه مُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٣٥/ أ).
[ ٤٨٠ ]
فروع: [في العرض]
* [إذا كان أصل الشيخ بيد غيره]:
١١٩ - الأول: إذا كَان أصلُ الشَّيخ بيَدِ غيرِه، وهو موثوقٌ به، مراعٍ لما يَقْرأ، والشَّيخ يحفظُ ما يُقرأُ عَلَيه، فهو كما لو كان الأصلُ بيدهِ (^١)، وإذا كان الشَّيخُ يُقْرأ عَلَيه (^٢)، فالمختار أن السَّماعَ صحيحٌ (^٣)، وبه عَملَ معظمُ الشُّيوخ، وأهل الحديثِ، خلافًا لبعض الأصوليين (^٤).
_________________
(١) بل أولى، لاجتماع اثنين على الضبط.
(٢) ولا يحفظه.
(٣) في كتاب السِّلفي "شرط القراءة": "هل على التلميذ أن يُرِيَ الشيخَ صورةَ سماعهِ في الجزء، أو يقتصر على إعلامه أنه عمن يسميه؟ قال أبو طاهر: هما سيان، على هذا عَهِدنا علماءنا عن آخرهم، ولم يزل الحفاظ قديمًا وحديثًا يخرجون للشيوخ من الأصول، فتصير تلك الفروع بعد المقابلة أصولًا، وهل كانت الأصول أولًا إلَّا فروعًا"، قال: "ولم يذكر هذا الإيراد أحدٌ من الأئمة"، نقله مُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٣٥/ أ) وعنه البُلقيني في "محاسن الاصطلاح" (٣٢٤) باختصار يسير.
(٤) هذا الذي أبهم ابن الصلاح - وتبعه المصنف - هو إمام الحرمين، فإنه اختار ذلك ونقله القاضي عياض في "الإلماع" (٧٥)، وقال: "وتردد فيه القاضي ابن الطيب - هو الباقلاني - وأكثر ميله إلى المنع" ونقله العراقي في "التقييد والإيضاح" (١٧١) عن عياض. قال أبو عبيدة: وعبارة إمام الحرمين في "البرهان" (١/ ٤١٣): "وتردد جواب القاضي فيه إذا كانت النسخة بيد غير الشيخ، وكانت الأحاديث تقرأ، وذلك الناظر عدل مؤتمن، لا يألو جهدًا في التأمل، وصِغوه الأظهر إلى أن ذلك لا يصح؛ فإن الشيخ ليس على دراية فيه، فلم ينهض مُفهمًا مُحمَّلًا، فلئن جاز الاكتفاء بنظر الغير، فينبغي أن يجوز الاكتفاء بقراءة القارئ المعتمد من النسخة المصحَّحة، فهذا ما يتعلق بالتحمل، وفيه بيان الغرض من التحميل". فأنت ترى أن إمام الحرمين نقله عن القاضي الباقلاني.
[ ٤٨١ ]
* [إذا كان أصل الشيخ بيد القارئ]:
وإذا كان أصلُ الشَّيخ بيدِ القَارِيّ، وهو موثوقٌ به دِيْنًا ومعرفةً فهو أولى بالتَّصحيح، وإن كان بَيَدِ مَنْ لا يُوثَقُ به، ولا يؤمَنُ إهمالهُ، سواءٌ كان (^١) القارئ أو غيره، لم يصحّ السَّماع إذا كان الشَّيخُ غيرَ حافظٍ لما يقرأُ عَلَيه.
* [لا يشترط نطق الشيخ لفظًا عند العرض عليه]:
١٢٠ - الثاني: إذا قرأ القارئ على الشيخ، ويقول: أخبرك فلان، أو قلت: أخبرنا فلان، والشَّيخُ ساكتٌ، مصغٍ إليه، فاهمٌ لذلك، كَفَى ذلكَ في صِحَّة السَّماع، وَتَجويز الرِّواية به (^٢)، ولا يشترط نُطقُ الشَّيخ
_________________
(١) بعدها في "مقدمة ابن الصلاح" ومختصراتها: "بيد" فلعله سقط من الأصل!
(٢) الأجود والأولى التمييز، ولإمام الحرمين في "التلخيص" (٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩) كلمة مهمة في هذا، نسوقها بتمامها قال: "ثم أجاز معظم المحدثين أن تطلق فتقول: أخبرني فلان، وإن كان ساكتًا إذا قرَّرك، قال القاضي ﵁: وأولى عندنا غير ذلك، فإن التلقّي من الشيخ ينقسم طريقه فربَّما يكون بأن يسمعك من قراءة نفسه، وربما يقررك على قراءتك، فإذا أطلقت الأخبار والتبس النوعان، فالذي تقتضيه النزاهة في الرواية وتوقي الإبهام أن تميز فتقول: أخبرني قراءة عليه، أو قرأت عليه وهو ساكت فقررني. فإن قيل: فإذا لم يبدر منه تقرير لفظ، في قولكم فيه؟ قلنا: ما اختار معظم أهل الحديث أن سكوته مع سلامة الأحوال نازل منزلة صريحة بالتقرير، وعنينا بسلامة الحال أن ينتفي عنها إلجاء أو إكراه أو غفلة مقارنة للسكوت، فإذا انتفت هذه الموانع وأمثالها فالسكت يكتفى به، فإن الذي ينقل عنه إذا كان ثقة وعلم أن الذي يقرأ عليه لا بد أن يؤثر عنه، وهو مختار مقتدر على رد ما يقرأ عليه، فلو سكت غير مقرر كان ذلك مؤذنًا بفسقه، فالطريق الذي يقتضي حمل لفظه على الصدق - وهو الثقة والعدالة - فذلك بعينه يقتضي تنزل سكته منزلة تقريره. =
[ ٤٨٢ ]
لفظًا، خلافًا لبعض الظَاهريةِ (^١)، وأبي إسحاق الشِّيرازي، وأبي الفَتح سُلَيم الرَّازي، وأبي نَصْر بن الصَّبَّاغ (^٢)، فإنَّهم اشترطوا نُطقَ الشَّيخ بذلك.
_________________
(١) = وقد ذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه لا بد من التصريح بالتقرير، وفيما ذكرناه أوضح الرد عليهم". وصرح في "البرهان" (١/ ٤١٢ - ٤١٣) بدليل الجواز، وذكر الاعتراض عليه ودفعه، فقال: "ولو كان الحديثُ يقرأ والشيخ يسمع، نُظر: فإن كان يحيط بما يحرِّفُه القارئ، ولو فُرض منه تصريفٌ وتحريفٌ لرده، فسكوته والأخبار التي تقرأ بمثابة نطقه، والحديث يستند بذلك. فإن قيل: هذا تنزيل منكم للسكوت منزلة القول، وهذا من خصائص من يجب له العصمة. قلنا: إخباره تصريحًا ونطقًا كان تحميلًا للرواية من جهة أنه أفْهَمَ بما أسمعَ السامعَ من عباراته. فإذا كان الحديثُ يُقرأ وهو يقرر ولا يأبي، مع استمرار العادات في أمثال ذلك؛ فهذا على الضرورة حالٌّ محل التصريح بتصديق القارئ. ومن لم يفهم من هذه القرائن ما ذكرناه، فلا يفهم أيضًا من الإخبار النطقي. وأما ما ذكره السائل من أن السكوت إنما ينزل منزلة التقرير من يجب عصمته، فيقال: السكوت مع القرائن التي وصفناها ينزل منزلة النطق، ثم النطق ممن لا يُعصم عرضة الزلل أيضًا، ولكنا تُعبّدنا بالعمل بظواهر الظنون، مع العلم بتعرض النقلة لإمكان الزلل، وتعمد الخَلْف والكذب. ثم ما ذكرناه يتأيد بإجماع أهل الصناعة، في زالوا يكتفون بما وصفناه في تلقي الأحاديث من المشايخ، وهذا إذا كان الشيخ يدري ما يجري". قلت: وهذا التفصيل هو المعتمد عند أئمة الحديث، وعليه العمل عند جماهيرهم، انظر: "الإلماع" (٧٨)، "الكفاية" (٢٨٠ - ٢٨١، ٣٠٩)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ٣٨)، "فتح المغيث" (٢/ ٣٦)، "جامع الأصول" (١/ ٧٩).
(٢) انظر: "الإحكام" لابن حزم (٢/ ٢٣٢) ونقله مُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٣٥/ أ) عن الحميدي منهم، وسيأتي كلامه قريبًا إن شاء اللّه تعالى.
(٣) انظر: "جامع الأصول" (١/ ٧٩)، "الإحكام" للآمدي (٢/ ١٠٠)، "اللمع" للشيرازي (٨١)، "فتح المغيث" (٢/ ٣٧ - ٣٨)، "التبصرة والتذكرة" (٤/ ٣٩)، "المنهل الروي" (٨٢).
[ ٤٨٣ ]
وقال أبو نَصر: لَيسَ لَهُ أن يقولَ: حدَّثني، وأخَبَرني، بل لَهُ أن يعملَ بما قُرئَ عليه، وله أن يرويَ قائلًا: قُرِئَ عليه وهو يَسمع. وشَرَطَ بعضُ الظاهرية إقرارَ الشَّيخ بعد تمام السَّماع (^١)، والصَّحيح ما ذكرناه.
* [التفريق بين حدثني وحدثنا، وأخبرني وأخبرنا]:
١٢١ - الثالث: قال الحاكم: "الذي أختارهُ في الرِّواية، وعهدتُ عليه أكثرَ مَشايخي فيما سمع من المحدِّث هو وحدَه يقول: حدَّثني، وإنْ سَمِعَ معه غيرُه يقول: حدَّثنا، وفيما قرأ على المحدِّث بنفسه يقول:
_________________
(١) بأن يقول القارئ للشيخ: هو كما قرأته عليك؟ فيقول: نعم. قال مُغُلطاي "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ١/ ٣٥ - ب): "قال الحميدي الحافظ: وأهل صناعة الحديث لا يقنعون بالسكوت فيما يتعلَّق بها ولا بدَّ من التَّصريح، وإلا لم يحكموا على السَّاكت بما لم يحكم، ولا قوَّلوه ما لم يَقُل؛ لأنهم شهودٌ وحكَّام فيما يروونه من الشَّرائع والأحكام، حتى إنَّهم إذا قرأوا على المحدِّث شيئًا من حديثه كرروا الإسنادَ في كلِّ حديثٍ ثم قرَّروه بعد ذلك، وقالوا: حدَّثك فلان عن فلان بما قرئ عليك؟ فإذا قال: نعم؛ أمسكوا، إلَّا إذا أملى أو قرأ، فيسقط حينئذ هذا السؤال عنه، ولعهدي بالشَّيخ أبي عبد الله الحسين بن عبد الله الأرْمَوي - وناهيك به علمًا وذكاءً، وكان قد تفقه على أبي حامد الإسفراييني، وسمع من أبي محمد يحيى بن البيع، وأبي عمر بن مهدي وغيرهما - وتصدر في جامع عمرو، فكنَا نقرأ عليه الحديث نحن وغيرنا، فكلما كرَّر القارئ عليه: حدَّثكم فلان، يقول: نعم، بدارًا إلى الواجب عليه، ومنهم من يجعل التَّقرير قبل القراءة احترازًا مما حكى بعضُ أصحابِ الحديث أنَّ رجلًا استأذنه في قراءة جزءٍ، ثم قرأه بين يديه، فلما استوعب قراءته إيَّاه قال له: حدَّثك به فلان عن فلان؟ قال: لا، قال: فلم تركتني أقرأ وقد استأذنتُك؟ فقال: إنك استأذنتني في القراءة ولم تسألني عما سوى ذلك".
[ ٤٨٤ ]
أخبرني، وفيما قُرئ على المحدِّث وهو حاضر يقول: أخبرنا" (^١).
* [إنْ شك في وجود غيره]:
وإنْ شَكَّ في وجود غيره فلْيَقُلْ: حدَّثني، أو أخبرني، لأن الأصلَ عدمُ الغير (^٢).
- واختاره الحافظ أحمدُ البيهقي (^٣).
* [حكم التفريق المذكور]:
ثم هذا التفصيل من الأصلِ مُسْتَحبٌّ غيرُ واجب، حكاه الخطيبُ أبو بكر عن أهل العلم كافَّة (^٤)، فيجوز أن يقولَ فيما سَمِع أو قَرأ وحدَه: حدَّثنا، وأخبرنا، وفيما سَمِع، وقرأ مع غيره: حدَّثني وأَخبرني.
* [حكم تبديل أدواتِ التحمل عند الأداء]:
١٢٢ - الرابع: قال أحمد بن حَنبل: "اتَّبع لفظَ الشَّيخ في حدَّثني، وحدَّثنا، وسمعتُ، وأخْبرنا، ولا تعْدُوه" (^٥).
_________________
(١) معرفة علوم الحديث (٢٦٠ أو ٦٧٨ - ط السلوم) باختصار وتصرف، وتتمة كلامه: "وما عُرِضَ على المحدِّث، فأجاز له روايته شفاهًا يقول فيه: أنباني فلان، وما كتب إليه المحدِّث من مدينة ولم يشافهه بالإجازة، يقول: كتب إليَّ فلان". وانظر "الإلماع" (ص ١٢٦).
(٢) انظر: "التقييد والإيضاح" (١٧٢ - ١٨٣) حيث اعترض فيه العراقي على تسوية المصنف في هذه الحالة بين الشك في السماع والإقراء، وسوَّغ ما قال في الأولى دون الثانية، والنكتة فيه أنه يسوغ أن يقول (قرأنا) فيما سمعه بقراءة غيره، فتأمل.
(٣) قال السخاوي في "فتح الغيث" (٢/ ٤١): "علله البيهقي بأنه لا يشك في واحد، وإنما الشك في الزائد، فيطرح الشك، ويبني على اليقين".
(٤) انظر "الكفاية" (٢٩٤ أو ٢/ ٢٣٥ - ط المحققة).
(٥) الكفاية (٢٩٣ أو ٢/ ٢٣٢) وفيه "تَعْدُه" والمثبت "تعدوه" من الأصل وله =
[ ٤٨٥ ]
وإنْ جوَّزتَ الرِّواية بالمعنى (^١)، إلَّا إذا عُرِفَ من مَذْهبِ ذلك المصنِّفِ التَّسوية.
* [عدم جواز التبديل في الكتب المصنفة]:
قال الشيخ تقي الدين: "ليسَ لك فيما تجدهُ من الكُتب المصنَّفة أنْ تُبدِّلَ ما قيل فيه من لفظ أخبرنا بحدَّثنا ونحو ذلك، لاحتمال أن يكون ذلك قَولُ مَن لا يرى التَّسوية.
وما ذكر الخطيب (^٢) من إجْرَاء ذلك الخلافَ في هذا مَحمولٌ على ما يُسمع من لفظ المحدِّث لا الموضوع في كتاب مؤلَّف" (^٣).
* [المذاهب فيما إذا كان التلميذ (السامع) أو الشيخ (المسمِّع) ينسخ وقت القراءة]:
١٢٣ - الخامس: إذا كان السَّامع أو المسمِّع يَنسخُ وَقْتَ القراءةِ،
_________________
(١) = وجه، ففي نسخة دار الكتب بالقاهرة من "علوم الحديث" لابن الصلاح وهي منسوخة سنة ٧١٣ هـ، وآلت النسخة لمحمد بن عيسى بن عثمان، المعروف بابن الفاسي وقابلها على أصل الشيخ شمس الدين ابن جَميل بقراءة الشيخ يوسف بن أبي العباس أحمد بن محمد بن عبد الغني على الشمس ابن جميل -: "تعدوه" وفوقها: "ش صح" أي: نسخة ابن جميل. وهكذا "تعدوه" في متن "علوم الحديث" من "التقييد والإيضاح" (١٧٣) وكذا أُثبت في هامش غير نسخة من نسخه الخطيَّة.
(٢) أي: إنْ غيَّرت فيما تجده من الكتب المؤلَّفة من روايات من تقدمك: "أخبرنا" بـ "حدثنا" لقيام أحدهما مقام الآخر؛ فجائز من باب تسوية الرواية بالمعني، ولذا اشترط الجواز في الإسناد الذي يعرف من مذصب رجاله التسوية بينهما، وانظر: "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٣٥/ ب)، "التقييد والإيضاح" (١٧٤ - ١٧٥)، كتابي "البيان والإيضاح" (١٠١).
(٣) في "الكفاية" (٣٠٥ أو ٢/ ٢٣١ - ط المحققة).
(٤) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٤٤) بتصرف واختصار.
[ ٤٨٦ ]
هل يصحُّ سماعهُ فيه أم لا؟ فيه ثلاثة مذاهب:
الأول: لا يصحُّ مُطلَقًا، وهو مَذْهب إبراهيم العربي، وأبي أَحمد بن عَدِيّ، والأستاذ أبي إسحاق الإسْفَرايينيِّ (^١).
الثاني: يصحُّ مُطلقًا، وهو مذهبُ ابنِ المبارك، ومُوسى بن هَارون الحمَّال، ومحمَّد بن الفَضل، وعَمرو بن مَرْزُوق، وأبي حَاتِم الرَّازي (^٢).
الثالث: التَّفصيلُ، فإن امتنعَ فهمُ النَّاسخ للمقروءِ، لم يصحّ السَّماع، وإنْ فهم، صَحَّ (^٣).
_________________
(١) أسند الخطيب في "الكفاية" (٦٦) قول الأوليين عن الأول بإسناد صحيح، وعن الثاني (ابن عدي) بإسناد ضعيف. وقول الإسفرائيني في المنع: "إذا اشتغل بالنسخ عن الاستماع حتى إذا استعيد منه، تعذر عليه" فالظاهر أنه يرى التفصيل، وكلامه في "فتح المغيث" (٢/ ٤٢).
(٢) أسند الأخبار عن المذكورين: الخطيب في "الكفاية" (ص ٦٧ - ٦٨) وبعضها فيها لازم هذا المذهب، كقوم عارم (محمد بن الفضل) وعمرو بن مرزوق، فأسند الخطيب عن أبي حاتم قوله: "كتبت عند عارم وهو يقرأ، وكتبتُ عند عمرو بن مرزوق وهو يقرأ" وهذه المقولة في "مقدمة الجرح والتعديل" (٣٦٧).
(٣) قال ابن الصلاح بعد القولين السابقين: "وخير من هذا الإطلاق، التفصيل .. "، وذكره، وعبارة النووي في "الإرشاد" (١/ ٣٦٢): "والأظهر التفصيل"، وقال ابن جماعة (شيخ المصنف) في "المنهل الروي" (٨٣): و"الأصح. التفصيل"، وعبارة الجعبري في "رسوم التحديث" (ص ١٠٧): "والحق تنزيلهما على حالين: إنْ وعى الكلام كالدارقطني؛ صحَّ، وإلا فلا"، وألحق بالنسخ: صنعة أو حديث أو نوم أو فكر أو هَيْنَم - أي: أخفى - القارئ أو هذَّ أو بَعُد، وانظر (الفرع السادس) الآتي عند المصنف رحمه الله تعالى.
[ ٤٨٧ ]
* [عجيبة في حفظ الدارقطني]:
وروي عن الدَّارقطنيِّ أثه حضر مجلسَ إسماعيل الصَّفَّار، فجلس ينسخُ جُزءًا، وإسماعيلُ يُملي، فقال له بعضُ الحاضرين: لا يصحُّ سماعُكَ وأنتَ تَنْسخ، فقال: فَهمي للإملاءِ خلافُ فهمِكَ، ثم قال: أتحفظُ كَم أملى الشَّيخُ مِنَ الحديثِ؛ فقال: لا، فقال الدَّارقطنيِّ: أملى ثمانيةَ عشَرَ حديثًا، وعَدَّها بأسانيدها مفصَّلة، فوُجدَت كما قَال، فتعجَّب الناسُ منه (^١).
* [إذا كان التلميذُ أو الشيخ يتحدث، أو كان القارئ يفرط في الإسراع أو كان خفيف القراءة أو بعيدًا عن القارئ وما شابه]:
١٢٤ - السادس: ما ذكرنا في النَّسخ من التَّفصيلِ يَجري مثلهُ إذا كان الشَّيخُ أو السَّامع يتحدَّث، أو كان القارئ خفيفَ القِراءة، أو يفرط
_________________
(١) أسند قصته هذه: الخطيب في "تاريخه" (١٢/ ٣٦) ومن طريقه ابن الجوزي في "الحثّ على حفظ العلم" (ص ٩٨). ووقع مثلها للمزي، قال ابن كثير في "اختصار علوم الحديث" (ص ٩٧): "وكان شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزيّ - تغمَّده الله برحمته - يكتب في مجلس السماع، وينعس في بعض الأحيان، ويردّ على القارئ ردًّا جيِّدًا بيِّنًا واضحًا، بحيث يتعجّب القارئ من نفسه: إنه يغلط فيما في يده، وهو مستيقظ، والشيخ ناعس، وهو أنبه منه! ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". وبنحوه في "تذكرة الحفاظ" (٤/ ١٤٩٩)، وقال السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ١٤٣): "والعمل على هذا، فقد كان شيخنا - أي ابن حجر - ينسخ في مجلس سماعه، ثم إسماعه، بل ويكتب على الفتاوي، ويصنِّف، ويردّ مع ذلك القارئ ردًّا مفيدًا". ونقل مُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٣٦/ أ) عن كتاب "تاريخ القدس" للشريف قصةً لأبي مسعود أحمد بن الفرات الضَّبي الرازي وقعت له نحو ما حكي عن الدارقطني.
[ ٤٨٨ ]
في الإسْرَاع (^١)، أو كان السَّامِعُ بعيدًا عن القارئ، أو نحو ذلك (^٢).
ثم الظَّاهر أنّهُ يعفى في كلِّ ذلك عن قدْر يَسير، نحو كَلِمَتَين (^٣).
_________________
(١) من الآداب المرعية في التحديث: عدم الإسراع المذموم، وعدم سرد الأحاديث على استعجال، على وجه لا تظهر فيه حروف بل كلمات، وهذا يخالف الصدق ومطابقة الواقع، ولا سيما أن قدرات التلاميذ في التَّنبُّه لما يُملي عليهم متفاوته قوةً وضعفًا، بل قد يكتب أحدهم شيئًا على غير وجهه، نتيجة لخداع السمع، حين يخلط المملي المهموسَ بالمجهور ونحو ذلك، والأدهى من ذلك أن يكون المملي غير مبين في كلماته، فلا يفصّل حروفه تفصيلًا، ولا يراعي مخارج الحروف، وهذا كله يوقع في "تصحيف السمع"، وقد انتشر ذلك في زمان ابن دقيق العيد، وتسامح فيه آنذاك المحدثون، واستمر ذلك إلى العصور المتأخرة، قال الذهبي في "الموقظة" (ص ٦٧): "وقد تسمَّح الناس في هذه الأعصار بالإسراع المذموم، الذي يخفى معه بعض الألفاظ، والسماع هكذا لا ميزة له على الإجازة، بل الإجازة صدق، وقولك: سمعت أو قرأت هذا الجزء كلَّه، مع التمتمة ودمج بعض الكلمات كذب". نعم، السماع بالسرد الذي لا يتبين معه بعض الكلمات لا يدخل في الإجازة المقرونة بالسماع؛ لأنه يزعم أنه سمع من الشيخ جميع الجزء، وحقيقة الأمر ليس كذلك، فهو مما لا يطابق الواقع، وفيه تشبع بما لم يعط، ولا سيما إن لم يكن جميع ما في الكتاب واضحًا، وقد تتصحف أو تتحرف فيه بعض الكلمات، وقد تعجم بعض الحروف، ويلتبس بعض الشكل. من كتابي "البيان والإيضاح" (١١٦ - ١١٧) بتصرف واختصار، وانظر "فتح المغيث" (٢/ ٤٥)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٣٠٧).
(٢) أو كان في سمعه أو المسمع بعض ثقل.
(٣) ذهب الإمام أحمد وتبعه الجماهير أن من لم يدرك كلمة واثنتين وثلاث خفيت على السامع من كلام القارئ وهو يعرفها من السياق، جازت روايته، وهذا متجه، انظر "فتح المغيث" (٢/ ٤٥). والورع ما كان عليه السابقون من التمييز، كما وقع للنسائي؛ فإنه كان =
[ ٤٨٩ ]
* [إجازة الشيخ جميع السامعين رواية الكتاب الذي سمعوه]:
ويستحب للشَّيخ أنْ يجيزَ لجميع السَّامعين روايةَ جميعِ الكتاب الذي سَمِعوه بالتَّلفُّظِ أو الكِتابة، لينجبرَ له بالإجازةِ ما فَاتَه، ولذلك قال أبو محمد بن عَتَّاب (^١) الأندلسي: "لا غنى في السَّماع عن الإجازة" (^٢).
_________________
(١) = إذا غابت عنه كلمة لم يسمعها من شيخه، قال: "وذكر كلمة معناها كذا وكذا" كما تراه في مواطن من كتابه "المجتبى" له، مثل: (١/ ١٧٨، ١٨٩، ٢١٤، و٢/ ٨٢ و٣/ ٢٩، ٢٣٢) وهذا يدلُّ على تحريه وورعه، وتشبَّه في الرواية عن شيخه، فلما شك في اللفظ بعدم سماعه الجيد له أسقطه، وأتى بكلمة من (كيسه) بمعناه، وصرَّح بذلك، وانظر "المنهل الروي" (٨٣)، "فتح المغيث" (٢/ ٤٥).
(٢) كذا في "المنهل الروي" (٨٤) و"الإرشاد" (١/ ٣٦٤) للنووي، وهو ليس كذلك، إذ أسنده القاضي عياض في "الإلماع" (٩٢) بسماعه من شيخه أبي محمد عبد الرَّحمن بن أبي عبد الله بن محمد بن عتاب القرطبي عن أبيه. فصاحب هذا القول هو أبو عبد الله - لا أبو محمد - محمد بن عتاب مولاهم، المالكي، مفتي قرطبة وعالمها ومحدِّثها. (ت ٤٦٢ هـ) ترجمته في "السير" (١٨/ ٣٢٨).
(٣) الإلماع (٩٢، ١٤١) وتتمة كلامه: "لأنه قد يغلط القارئ، ويغفل الشيخ أو يغلط الشيخُ إن كان القارئَ ويغفل السامعُ، فينجبرُ له ما فاته بالإجازة". أورده ابن الصلاح (٣٢٨ - ط بنت الشاطئ) وقال قبله: "فيما نرويه عن الفقيه أبي محمد … عن أبيه" وقال على إثره: "هذا الذي ذكرناه تحقيق حسن". وقال السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ٤٨) على إثره: "وكلام ابن عتاب إلى الوجوب أقرب، وهو الظاهر من حاله، فإنه كان كثير الاحتياط والورع" ووجهه بالنسبة إلى زمنه (ابن عتاب) وما بعده. وفي هذا ردٌّ ضمنيٌّ على ما قرره في "التبصرة والتذكرة" (٢/ ٥٠) من أن أول من كتب الإجازة في طباق السماع أبو الطاهر إسماعيل بن عبد المحسن الأنماطي (ت ٦١٩ هـ)، قال: "فجزاه الله خيرًا في سنِّهِ ذلك لأصل الحديث، فقد حصل به نفع كثير". =
[ ٤٩٠ ]
* [إذا سمع الشخص من المملي]:
وإن كان شخصٌ بعيدًا عن المملي (^١) لم يسمعه منه، فبلَّغ عنه المسْتَمْلِي فلا يجوزُ لمن سَمع عن المبلِّغ أن يرويَ ذلك عن المملي عند المحقِّقين، وهو الصَّوابُ (^٢).
_________________
(١) = قلت: في "الإلماع" (٩٢): "وقد وقفت على تقييد سماع لبعض نبهاء الخراسانيين من أهل المشرق: سمع هذا الجزء فلان وفلان على الشيخ أبي الفضل عبد العزيز بن إسماعيل البخاري، وأجاز ما أغفل وصحف، ولم يصغ إليه أن يروي عنه على الصحة" قال القاضي: "وهذا منزع نبيل في الباب جدًّا جدًّا" وعبد العزيز البخاري متقدم جدًّا عن الأنماطي. ولعل الأنماطي هو الذي شهر ذلك، غفر الله لهما، وأحسن إليهما، وألحقنا بهم في الصالحين.
(٢) إذا عظم المجلس، وكان كثير من أكابر المحدثين يعظم الجمع في مجالسهم جدًّا حتى ربما بلغ ألوفًا مؤلفة ويبلِّغهم عنهم المستملون، فيكتبون عنهم بواسطة تبليغ المستملين.
(٣) عبارة ابن جماعة في "المنهل الروي" (٨٤): "جوّز قوم رواية ذلك عن المملي، وقال المحققون: لا يجوز"، وعبارة النووي في "الإرشاد" (١/ ٣٦٥): "ذهب جماعة من المتقدمين وغيرهم إلى جواز ذلك، ومنع ذلك المحققون وهذا هو الصواب"، فالخلاف قائم في هذا الفرع، وعبارة ابن الصلاح: "فأجاز غير واحد لهم رواية ذلك عن المملي" ونقله عن الأعمش وحماد بن زيد وابن عيينة، قال: "وأبى آخرون ذلك"، ونقله عن الثوري. ومنه تعلم ما في عبارة الجعبري في "رسوم التحديث" (١٠٨): "والصواب أن يروي ما سمعه من المبلغ عنه خلافًا للأعمش وحماد"! ومذاهب جميع المذكورين في "الكفاية": (٧٢ - الأعمش) و(٧١ - حماد) و(٧٢ - ابن عيينة) و(٧٠ - الثوري) ومذهبه في "المحدث الفاصل" (٦٠١). والذي صوبه الجعبري هو الصواب بلا شك، خلافًا للمصنِّف! وقال عنه ابن كثير في "اختصار علوم الحديث": "هو القياس" ونصره العلامة أحمد شاكر في "الباعث الحثيث"، (ص ١١٧) بقوله: "هذا القول راجح عندي" =
[ ٤٩١ ]
* [صحة السماع ممن هو وراء حجاب]:
١٢٥ - السابع: يصحُّ السَّماعُ ممَّن هُو وراءَ حِجَاب، إذ عُرِفَ صوتهُ فيما حَدَّثَ بلفظهِ، وعُرِفَ حضورُه فيما قُرئَ عليه، أو عُلم ذلك بخبرِ عدلٍ يُوثَق به.
وروي عن شُعبَة (^١) خلافُ ذلك، وهو بعيد عن الصواب لما ثبت
_________________
(١) = وأيده بقوله: "لأن المستملي يُسمع الحاضرين لفظ الشيخ الذي يقوله، فيبعد جدًّا أن يحكي عن شيخه وهو حاضر في جمع كبير غير ما حدَّث به الشيخ، ولئن فعل ليردَّنَّ عليه كثيرون ممن قرب مجلسهم من شيخهم، وسمعوه وسمعوا المستملي يحكي غير ما قاله، وهذا واضح جدًّا". قلت: ترجيحه صحيح، وتأييده للمسمِّع الأول، دون ما بعده، والأقعد منه أن يقال: إن السماع حينئذ كالعرض سواء، لأن المستملي في حكم من يقرأ على الشيخ، ويعرض حديثه عليه، ولكن يشترط أن يسمع الشيخ المملي لفظ المستملي، كالقارئ عليه، والأحوط أن يبين حالة الأداء: أن سماعه كان لذلك، أو لبعض الألفاظ من المستملي. فإن قيل: عاد الترجيح في حق المملي الأول! قلنا: لا، التأييد بمساواته بالعرض يكون كما لو وقع العرض من جمع، بخلاف تأييده بقدم الخطأ على الشيخ، فلا يكون إلَّا في حق الأول دون غيره، فتأمّل. نعم، يفرع على القول الأول فيما إذا لم يسمع الراوي بعض الكلمات من شيخه، فسأل عنها بعض الحاضرين. والذي عليه العمل هذا الذي رجَّحناه، بخلاف اختيار المصنف، وانظر لنصرته وتأييده: "التقييد والإيضاح" (١٧٧ - ١٧٨)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ٥٥)، "فتح المغيث" (٢/ ٥٠).
(٢) قال: "إذا سمعتَ من المحدّث ولم تر وجهه فلا ترو عنه"، أسنده عنه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص ٥٩٩) والقاضي عياض في "الإلماع" (ص ١٣٧). وكأنه يريد حديث من لم يكن معروفًا، فإذا عرف وقامت عنده قرائن أنه =
[ ٤٩٢ ]
أن الصَّحابَة سَمِعُوا عن عائشةَ وغيرَها من أزواج النبي - ﷺ - من وراء حِجَابٍ اعتمادًا على الصَّوت (^١).
_________________
(١) = فُلان المعروف، فلا يختلف فيه، نقله السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ١٥٢) عن بعض المتأخرين. تلت: ويؤيده: أن تتمة مقولته عند ابن الصلاح: "فلعله شيطان قد تصوَّر في صورته، يقول: حدثنا وأخبرنا". قلت: اشتراط الرؤية "عجيب غريب جدًّا" على حد تعبير ابن كثير في "اختصار علوم الحديث" (١١٨)، وتعليل شعبة - إن صح عنه - يرد عليه بأن الشيطان قد يتشكَّل في صورة المملي المعروف، ونقل ابن تيمية في غير كتاب من كتبه أن الشيطان كان يتمثل في حورته، لمَّا يستغيث المنقطعون في الطرقات به. انظر كتابي "فتح المنان" (ص ٢٧٠ و٣٢٠)، نشر الدار الأثرية.
(٢) واحتجوا بأن النبي - ﷺ - أمر بالاعتماد على سماع صوت ابن أم مكتوم المؤذن مع غيبة شخصه عمن يسمعه، وبوَّب عليه البخاري في (كتاب الشهادات): (شهادة الأعمى ونكاحه ومبايعته وقبوله في التأذين) (٦/ ١٩١ - ١٩٣ - مع "الفتح"). ويخدش فيه بأن الأذان لا قدرة للشيطان على سماع ألفاظه، فكيف بقوله، أفاده السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ٥٢). والأمر ليس خاصًّا بأمهات المؤمنين، بل هو في حقِّ مَنْ بعدهن ممن شاركن في إملاء الحديث، وإياك أن تغتر باستدلال يوسف هوروفش (المستشرق الالماني) في كتابه "المغازي الأولى ومؤلِّفوها" (ص ٤٢، ٧٨، ٧٩) بذلك على وجود الاختلاط العام بينهما منذ فجر الإسلام! فإنه غفلة عن هذا الأصل، وينظر كتابي "عناية النساء بالحديث النبوي"، "الحافظ العراقي وأثره في السنة" (١/ ٣٨٦). وينظر: "التبصرة والتذكرة" (٢/ ٥٨)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٣٠٨). (فائدة) ذكر صاحب "فتح الملهم" (٢/ ٦٤) عن ابن حجر - وهو الهيتمي ووجدتها في "الإجازة في علم الحديث" له (ق ٣/ أ - بنسخة شستربتي) - عن بعض المحدِّثين أنه رحل إلى دمشق لأخذ الحديث عن شيخ مشهور بها، فقرأ عليه جملة، لكنه كان يجعل بينه وبينه حجابًا، ولم ير وجهه، فلما طالت ملازمته له، ورأى حرصه على الحديث، كشف له السرَّ، فرأى وجهه =
[ ٤٩٣ ]
* [إذا قال الشيخ رجعت عن إخباري، أو قال للتلميذ: لا تروه عني]:
١٢٦ - الثامن: مَنْ سَمع من مُحدِّث حديثًا، ثم قال له الشَّيخُ: لا تروه عنِّي، أو رجعتُ عن إخباري إِيَّاك، ونحو ذلك، على أنْ أَسْنَد ذلك إلى أنّه أخطأ فيه، أو شَكَّ فيه؛ لا تجوز روايته ذلك الحديثَ، وإن لم يكن شيء من ذلك، بل يمنعه عن الرِّواية عنه لا يضرُّ ذلك (^١).
وللسَّامع أن يرويَ عنه، كما إذا قال: "إنِّي أُخْبرُكم ولا أُخْبِرُ فُلانًا"، لا يضرُّ لفلانِ، ويجوزُ أنْ يرويَ عنه (^٢).
١٢٧ - النوع الثالث: الإجازة، وهي سبعةُ أقسام:
* [أقسام الإجازة]:
١٢٨ - الأول: أنْ يجيز لمعيَّنٍ في مُعيَّنٍ.
مثل أن يقولَ: أجَزْتُ لك، أو لزيدٍ الكتابَ الفُلانيَّ، أو ما
_________________
(١) = وجه حمار، … إلخ القصة، وهي لم تصح، وغفلت عن ذلك، فذكرتها في كتابي "القول المبين" (ص ٢٦١)، وانظر لوهائها كتابي "قصص لا تثبت" (٨/ ٢٦٣ - ٢٦٤).
(٢) لأنه قد حدّثه، وهو شيء لا يرجع فيه، فلا يؤثّر منعه، وقياس من قاس الرواية هنا على الشهادة غير صحيح، لأن الشهادة على الشهادة لا تصح إلَّا مع الإشهاد، ولا كذلك الرواية، فإنها متى صح السماع، صحت بغير إذن من سمع منه، وحق الشهادة خاص والرواية عام، فتبليغها أقوى من مراعاة من منعها، انظر: "المحدث الفاصل" (٤٥٢)، "الإلماع" (١١٠ - ١١٢)، "فتح المغيث" (٢/ ٥٣)، "المنهل الروي" (٨٤)، "رسوم التحديث" (١٠٨).
(٣) وعن النسائي ما يؤذن بالتحرّز منه في روايته عن الحارث بن مسكين، وتقدمت، وانظر: "المنهل الروي" (٨٤)، "الكفاية" (٣٤٨ - ٣٤٩)، "فتح المغيث" (٢/ ٥٤) وفيه: "لكنه لا يحسن في الأداء أن يقول، حدثني، ونحوها، مما يدلُّ على أن الشيخ رواه".
[ ٤٩٤ ]
اشتملتْ عليه فِهْرِسْتي (^١) هذه، وهذا القسم على أنواع:
_________________
(١) قال الحافظ الناجي في "عجالة الإملاء المتيسِّرة" (١/ ١٥١): "لم أر هذه اللفظة مضبوطة بالقلم في "كتاب ابن الصلاح" والنووي - يريد: "الإرشاد" (٢/ ٣٦٨) - وغيرها! إلَّا بفتح الفاء"! ونقل - قبل - كلامَ ابن مكيِّ الصَّقَلِّي في كتابه "تثقيف اللسان" (ص ٥٤)، قال: (ويقولون - يعني العوام - فِهْرَسَة الكتب (رأيت في النسخة الفاء والراء مكسورتين قال:) فيجعلون التاء فيه للتأنيث، ويقفون عليها بالهاء، قال: "والصواب فِهْرِسْت بإسكان السين" - (أي: وكسر الفاء والراء) قال: "والتاء فيه أصلية ومعناه جُملة العدد، وهي لفظة فارسية" قال: "واستعمل الناس منه فِهْرسَ الكُتب فِهرسَةً مثل دحرَجَ دحرَجَةً، فالفِهرسْت: اسم جُملة المعدود والفَهْرَسَة: المصدر ومثل الفَهْرَسَة الفَذْلَكَة يقال: فذلكت الحِسَاب إذا وقفت على جملته، وهو من قول الإنسان إذا كتب حسابه، وفرخ منه فذلك كذا" انتهى. قلت: ويقرب منها الكَذْلَكَة، وهي: إذا كتب المفتي أو المجيز أو الشاهد ثم اقتصر عليها كتب أو قال: كذلك أقول أو أشهد. وقد ذكر هذه اللفظة صاحب "القاموس" ٢١/ ٢٤٧ أو ٤/ ٢١١ - مع "التاج"] في مادة "فهرس" من باب السين فقال: "الفِهْرِسُ - بالكسر - الكتاب الذي تُجمع فيه الكتب، مُعَرَّب فِهْرِست، قال: وقد فَهْرَس كتابه" انتهى"، ثم قال الناجي (١/ ١٥٠): "وقد وقع للشيخ محيي الدين النووي في "علوم الحديث" وقبله لابن الصَّلاح في الإجازة: "أجزتُ لكَ الكتاب الفلانيَّ أو ما اشتملت عليه فَهْرَسَتي هذه". وهي صريحة في التأنيث، فالنووي قفد ابن الصَّلاح، ومَنْ بعد النووي قلدوه في التعبير بهذه العبارة المعترضة بعينها، وقد عُلِم ما فيها، وفوق كلّ ذي علم عليم، ولم يحط بالأشياء كلها إلَّا الله سبحانه". ثم بيَّن خطأ ابنَ الصلاح ومن تبعه، ومنهم المصنف في قوله: "اشتملت عليه فَهْرَستي" فقال (١/ ١٥١): =
[ ٤٩٥ ]
الإجَازةُ المجرَّدةُ عن المناولة.
* [اختلاف العلماء في العمل بها]:
واختلف العلماء في جواز الرواية بالإجازة والعمل به، فأبطلها جماعةٌ من الفقهاء، كالماوردي (^١)، والقاضي الحسين (^٢)، وعزاه الماوردي إلى مذهب الشَّافعي (^٣).
_________________
(١) = "وإِنما يقال: ما اشتمل عليه فِفرِسْتِي، بإسكان سين الفِهْرِيسْت، وتذكير اشتمل".
(٢) قال في خطبته "الحاوي الكبير" (ص ١٩ - ط دار الفكر): "ولا يصح للمخبر أن يروي إلا بعد أحد أمرين: اما أن يسمع لفظ من أخبره، في ما أن يقرأ عليه فيعترف به" قال: "في ما بالإجازة؛ فلا يجوز أن يروي عنه، ومن أصحاب الحديث من أجاز الرواية بالإجازة، ومنهم من قال: إن كانت الإجازة بشيء معيَّنٍ جاز أن يرويه، وإن لم يدفعه إليه من يده لم يجز". قال: "وكل هذا عند الفقهاء غلط، لا يجوز الأخذ به، ولا العمل عليه، إلَّا أن يقرأه المحدِّث، أو يقرأ عليه، لأن ما في الكتاب مجهول، قد يكون فيه الصحيح والفاسد" قال: "ولو صحت الإجازة؛ لبطلت الرحلة، ولاستغنى الناس بها عن طلب ومعاناة السماع".
(٣) هو القاضي حسين بن محمد بن أحمد المرورُّوذي (ت ٤٦٢ هـ)، ترجمته في "تهذيب الأسماء واللغات" (١/ ١٦٤).
(٤) وفعلها الشافعي للكرابيسي حين أراد أن يقرأ كتب الشافعي عليه، فأتى الشافعيِّ، فقال: خذ كتبَ الزَّعفرانيّ، فانسَخْها، فقد أَجَزْتُها لك، فأخذها إجازة. أسنده الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٤٤٨)، ونقله البلقيني في "محاسن الاصطلاح" (٣٣٢). ولم أظفر في خطبة "الحاوي" بنقل الماوردي عن الشافعي الإمام المنع، ثم وجدت في "الإرشاد" (١/ ٣٧٠) للنووي: "وعزاه الماوردي في كتابه "الحاوي" إلى مذهب الشافعي". قلت: نقله في خطبة "الحاوي" عن الفقهاء مطلقًا، وروى ابن أبي حاتم في "آداب الشافعي ومناقبه" (٩٨) - وعلقه عنه =
[ ٤٩٦ ]
وقالا: "لو جازت الرواية بالإجازة لبطَلَت الرحلة" (^١)، وكذا أبطلها جماعةٌ من المحدِّثين، كإبراهيمَ بن إسْحَاق الحربيِّ (^٢)، وأبي
_________________
(١) = البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (١/ ٩٧) ووصله في "مناقب الشافعي في (٢/ ٣٥) والخطيب في "الكفاية" (٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠) - بسند صحيح عن الربيع بن سليمان قال: فاتني من البيوع من كتاب الشافعي ثلاثُ ورقات، فقلت له: أَجزْها لي، فقال لي: ما قرئ عليّ، ورددها عليّ غير مرّة حتى أذن الله في جلوسه، فجلس فقرئ عليه. وقد يستدل بهذا أن مذهبه المنع، ولكن وجهه الخطيب، فقال على إثره: "وهذا الفعل من الشافعي محمول على الكراهة، للاتِّكال على الإجازة بدلًا من السماع؛ لأنه قد حفظ عنه الإجازة لبعض أصحابه ما لم يسمعه من كتبه" يشير إلى ما قدمناه عن الكرابيسي.
(٢) الحاوي الكبير (١/ ١٩) وسبق كلامه بطوله. وردَّ أبو طاهر السِّلفي في "الوجيز" (٥٧) هذا الاحتجاج، بقوله: "وَمِن مَنافِع الإِجَازَة أيْضًا أن لَيْس كلُّ طالب، وباغٍ لِلعِلم فيه راغب يَقْدِرُ على سَفرٍ وَرِحلَةٍ؛ وبالخصُوص إذا كان مَرفُوعًا إلى عِلَّةٍ أَوْ قِلَّة أَوْ يكون الشيخ الذي يُرحَلُ إليه بعيدًا وفي الوصول إِليه يَلقَى تَعَبًا شديدًا. فالكِتَابة حيئنذٍ أَرفَق، وفي حَقِّه أَوفق؛ وَيعدُّ ذلكَ مِنْ أَنهج السَّنَن وأَبْهَج السُّنَن فَيَكْتُبُ مَنْ بأَقْصَى المغرب إلى مَنْ بِأَقْصَى الْمَشْرِق فَيأْذَن لَهُ في رواية ما يَصِحُّ لَدَيه مِنْ حَدِيثه عَنْه، ويكون ذلك الْمَرْوِيّ حُجَّةً كما فَعَل النَّبيُّ - ﷺ -. فقد صَحَّ عَنْه - ﷺ - أَنَّهُ كتب إلى كِسْرى وقيصر وغيرهما مَعَ رُسُلِه، فَمَنْ أَقْبَل عليهم وَقَبلَ منهم فهو حُجَّةٌ له، ومَنْ لَمْ يَقْبَلْ وَلَمْ يَعمَلْ فَحُجَّةٌ عليه"، وهو مسبوق بما قاله ابن فارس في "مأخذ العلم" (٤٠ - ٤١): "ونحن فلسنا نقول: إنَّ طالب العلم يقتصر على الإجازة فقط ثم لا يسعى لطلب علم ولا يرحل، لكنا نقول: تكون الإجازة لمن كان له في القعود عن الطلب عذر من قصورِ نفقةٍ، أو بُعد مسافةٍ، أو صعوبة مسلك".
(٣) أسند عنه الخطيب في "الكفاية" (٢١٦) قوله: "الإجازة ليس هي عندنا شيئًا، إذ قال: حدثنا، كذب" وإسناده جيد.
[ ٤٩٧ ]
الشَّيخ عبد الله بن محمد الأصبهاني (^١)، وأبي نَصر الوائلي (^٢)، وكذا أبطلها جماعة من الأصوليين (^٣).
_________________
(١) ذكر الخطيب في "الكفاية" (٣١٣) من طريق أبي نعيم أحمد بن عبد اللَّه الحافظ قال: "ما أدركتُ أحدًا من شيوخنا، إلَّا وهو يرى الإجازة ويستعملها، سوى أبي الشَّيخ، فإنه كان لا يعدّها شيئًا".
(٢) عبارة ابن الصلاح: "وحكى أبو نصر - أي: الوائليّ - فسادَها عن بعض من لَقيه. قال أبو نصر: وسمعتُ جماعةً من أهل العلم يقولون: قول المحدِّث: قد أجزتُ لك أن ترويَ عني، تقديرُه: أجزتُ لك ما لا يجوزُ في الشرع، لأن الشرع لا يبيح روايةَ ما لم يسمع". ونقل المنع عنه جمع، انظر: "الإرشاد" (٢/ ٣٧٠)، "رسوم التحديث" (١١٠)، وأسند عنه أبو الطاهر السِّلفي في "الوجيز" (٦٣ - ٦٤) قوله: "الإجازة عندي غير مرضيّة" ثم أورد من طريقين صحيحين أنه أجاز بعض تلاميذه، وقال: "وإن أبا نصر أدّى اجتهاده في القديم إلى تركها والامتناع عنها، وفي آخر عمره إلى الأخذ بها، والإجابة عنها اقتداءً بأكثر مَنْ قبله عن الحفاظ المتقنين رحمة الله عليهم أجمعين" وأسند عنه قوله: "المناولة بمنزلة السماع".
(٣) مثل: أبي بكر محمد بن ثابت الخُجَنْديّ (من الشافعية) وحكى عن أبي طاهر الدَّبَّاس (أحد أئمة الحنفية) وسيذكره المصنف عنه قريبًا، وممن أبطلها ابن حزم في "الإحكام" (١/ ٣٢٥)، وجعلها كذبًا، ونقل كلامه مُغُلْطاي في "إصلاحه" (ق ٣٦/ ب)، وزاد: "وحكى الزاهدي في "الغنية": إذا أعطاه المحدِّثُ الكتابَ، وأجاز له ما فيه، ولم يسمع ذلك منه، ولم يعرفه، فعند محمد وأبي حنيفة: لا تجوز روايته". وعبارة إمام الحرمين في "البرهان" (١/ ٤١٤): "فقد تردد الأصوليون في ذلك، فذهب ذاهبون إلى أنه لا يتلقى بالإجازة حكم، ولا يسوغ التعويل عليها"، قال: "عملًا ورواية"، قال: "والذي نختاره جواز التعويل عليها"، وبنحوه في "التلخيص" له (٢/ ٣٩٥ - ٣٩١)، وانظر: "المستصفى" (١/ ١٦٦)، "الإرشاد" (١/ ٢٦٩)، "اللمع" (٨١)، "المنهل الروي" (٨٥)، "فتح المغيث" (٢/ ٦١)، و"محاسن الاصطلاح" (٣٣٤).
[ ٤٩٨ ]
وعن أبي طاهر الدَّبَّاس أحدُ الأئمة (^١) الحنفيَّة قال: "منَ قَال لغيرِه: أجزتُ لكَ أنْ ترويَ عنِّي ما لم تَسْمَعْ، فكأنَّه يقول له: أذنتُ لَكَ أنْ تكذِبَ عَليَّ" (^٢).
* [المذهب الصحيح وما عليه العمل في ذلك]:
والمذهبُ الصَّحيحُ الذي استَقَرَّ عليه العملُ، وبه قال جماهيرُ العلماءِ مِنَ المحدِّثين والفُقهاءِ والأصوليين (^٣): جوازُ الإجازةِ والرِّواية
_________________
(١) كذا في الأصل، وعند ابن الصلاح: "أئمة".
(٢) أسنده عنه السِّلفي في "الوجيز في ذكر المجاز والمجيز" (ص ٦١ - ٦٢).
(٣) قال الخطيب في "الكفاية" (٢/ ٢٧٠ - ٢٧٢ - ط المحققة/ دار الهدى) ما نصه: "وممن سمي لنا أنه كان يصحح العمل بأحاديث الإجازة، ويرى قبولها من المتقدمين: الحسن البصري، ونافع مولى عبد اللَّه بن عمر، وابن شهاب الزهري، وربيعة بن أبي عبد الرَّحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وقتادة بن دعامة، ومكحول الشامي، وأبان بن أبي عياش، وأيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر بن حفص، وهشام بن عروة، ويحيى بن أبي كثير، ومنصور بن المعتمر، وعبيد الله بن أبي جعفر، وحيوة بن شريح، وشعيب بن أبي حمزة، وأبو عمرو الأوزاعي، وابن أبي ذِئب، ومالك بن أنس، وعبد العزيز الماجشون، وعبد الملك بن جُرَيج، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، ومعاوية بن سلام، وسفيان بن غيينة، وأبو بكر بن عياش، وأبو ضمرة أنس بن عياض، ومحمد بن شعيب بن شابور، وعبد الله بن وهب، وعبد الرَّحمن بن القاسم، وأشهب بن عبد العزيز، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأبو اليمان الحكم بن نافع، وأحمد بن حنبل، والحسين بن علي الكرابيسي، ومحمد بن بشار بندار، ومحمد بن يحيى الذُّهلي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، والعباس بن الوليد البيروتي، وأبو زرعة الدمشقي، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، والحارث بن أبي أسامة، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري". =
[ ٤٩٩ ]
بها، لأنَّ المجِيزَ مجيزٌ لمروَيّاته جُملةً، فيصحَّ كما لو أخبر تفصيلًا، وإخبارهُ لا يفتقرُ إلى التَّصريح نُطْقًا كالقراءة عليه، وإنَّما الغَرَضُ حصولُ الإفهامِ، والفَهْمُ يحصلُ بها (^١).
_________________
(١) = وانظر: "مأخذ العلم" لابن فارس (٣٩)، "الإلماع" (٨٩)، "الإحكام" (١/ ٢٨٠) للآمدي، "فتح المغيث" (٢/ ٦٣).
(٢) بنحوه كلام الجويني في "البرهان" (١/ ٤١٤) و"التلخيص" (٢/ ٣٩١) والشيرازي في "اللمع" (٨١) والغزالي في "المستصفى" (١/ ١٦٦) وللحافظ أبي طاهر السِّلفي في كتابه "الوجيز في ذكر المجاز والمجيز" (٥٣ وما بعد) كلام بديع غاية في بيان صحة الإجازة، أورده بنصِّه وفصِّه لأهميته وقوَّته، قال - بعد كلام -: "فَاعْلَمْ الآن أَن الإِجَازَةَ جائزة عِنْد فُقَهَاء الشَّرْع، المُتَصَرفين في الأَصْل والفَرْع، وَعُلَمَاءِ الحديث في القديم وَالْحَديث، قَرْنًا فَقَرْنًا، وعَصْرًا فَعَصْرًا إلى زَمَانِنا هذا، ويُبِيْحُونَ بها الحديث، ويُخَالفون فيها المُبْتَدِعَ الخبيث الذي غَرَضُه هَدْمُ ما أَسَّسَهُ الشارع، وَاقْتَدَى به الصَّحَابيُّ وَالتَّابع، فَصَار فَرْضًا واجبًا وَحَتْمًا لازمًا. وَمَنْ رُزِقَ التَّوْفيق، ولَاحَظ التَّحقيق مِنْ جميع الخلق، بالغ في اتِّباع السَّلَف الَّذين هُمُ الْقُدى، وأَئِمَةُ الْهُدَى، إذِ اتِّباعُهُم في الْوَاردِ مِنَ السُّنَن مِنْ أَنْهَجِ السَّنَن وأَوْقى الجُنَن، وأَقْوى الْحُجَج السَّالِمة مِنَ الْعِوَج. وَمَا دَرَجُوا عَلَيْه هو الحقُّ الَّذي لا يَسُوغ خِلافُه، ومَنْ خالَفَه ففي خِلَافِهِ مَلَامُه، وَمَنْ تَعَلَّقَ به فَالْحُجَّة الواضحة سَلَك، وَبِالْعُرْوَةِ الْوثقى اسْتَمْسَك، وَالْفَرْضَ الواجب اتّبَع، وَعَنْ قَبُول قَوْلٍ لنَا في قَوْل مَنْ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى وَفِعْلِهِ امْتَنَع. وَالله تَعَالَى يُوَفِّقْنا لِلاِقْتِدَاء وَالاتِّباع، وَيُوقِفُنا عَنِ الابْتِدَاء وَالابْتداع، فهو أرْحَمُ مَأْمُولِ وأكْرَمُ مسؤول. فإذا ثَبَتَ هذا وَتَقَرَّر، وَصَحَ بالْبُرْهان وَتَحَرَّر، فَكُلُّ مُحَقَّق يَتَحَقَّقُ ويَتَيَقَّن أَنَّ الإسناد ركْنُ الشَّرْع وأَسَاسُه فَيَتَسمَّتُ بكُلِّ طريقٍ إلى ما يَدُومُ به دَرْسُهُ لا انْدِراسُه، وفي الإجَازة - كما لا يَخْفىَ على ذي بصيرة وَبَصر - دَوَامُ مَا قَدْ رُوي وَصَحَّ مِنْ أثَر، وَبَقَاوة بَهَائه وَصَفَائه، وَبَهْجَته وَضِيائه، وَيَجبُ التَّعْويلُ عليها، والسكونُ أبَدًا إِلَيْها مِنْ غير شَكٍّ في صِحَّتها وَرَيْبٍ في فُسْحَتها؛ =
[ ٥٠٠ ]
ثمَّ إنّه كما تجوز الرِّواية بالإجَازَةِ يجِبُ العملُ بها (^١) على الأصحِّ.
١٢٩ - القسم الثاني: أنْ يجيزَ لمعيَّنٍ في غيرِ مُعيَّنٍ (^٢).
مثلَ أن يقول: أجَزْتُ لكم جميعَ مَسموعاتي أو مرويَّاتي، أو نحو ذلك، ومَن خَالَف في الأَوَّل، فخلافهُ في هذا القِسمِ أقوي، والجمهورُ
_________________
(١) = إذْ أعْلَى الدرجات في ذلك السماع ثُمّ الْمُنَاوَلَة ثُمّ الإِجَازة. وَلا يتصَورُ أنْ يَبْقَى كُلُّ مُصَنّفٍ قَدْ صنّفَ كبير، ومؤلف كذلك صغير على وجه السَّمَاع المُتَّصل على قديم الدَّهْر المُنْفَصل، ولا يَنْقَطِعُ مِنْهُ شيءٌ بِمَوْت الرواة، وَفَقْد الحُفَّاظ الوعاة؛ فَيُحْتَاج عِنْد وجودِ ذَلِكَ إلى اسْتِعْمالِ سَبَبٍ فيه بَقَاء التأليف وَيقْضي بدوَامِه، ولا يؤدّي بَعْدُ إلى انْعِدَامه. فَالْوصُولُ إذًا إلى رِوَايته بالإجازة فيه نَفْع عظيم، ورَفْدٌ جسيم، إذِ الْمَقْصُود به إِحْكَام السُّنَنِ المَرْويّة في الأَحْكام الشَّرعيَّة، وإِحْياء الآثار على أَتَمّ الإيثار سواء كان بالسَّمَاع أَوِ الْقِرَاءَةِ أوِ الْمُنَاوَلة وَالإْجازة. لَكِن الشَّرْط فيه الْمُبَالَغَة في الضَّبط وَالإِتْقَان، وَالتَّوَقّي مِنَ الزِّيادة وَالنُّقْصان وَأَنْ لا يُعَوّل فيما يُرْوى عن الشيخ بالإجازة إلّا على ما يُنْقَلُ مِنْ خَطِّ مَنْ يُوْثَقُ بِنَقْلِه، ويُعَوّل على قَوْله، ثم بَعْد ذلك الْجُنُوح إلى التَّسْهيل الَّذي هو سَوَاء السَّبيل، وَالْمَيْل إلى التَّرْخِيْص لا الْمَنْع والتَّغْليظ المؤَدِّيَيْن إلى عَدَم التَّخْليص أَخْذًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ و﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ … ". وانظر الأدلة النقلية على صحة الإجازة في "مأخذ العلم" (٤٠) لابن فارس.
(٢) على هذا درج أهل الصنعة الحديثية، ولذا قال السخاوي في "الفتح" (٢/ ٦٦) عمن عمل بها: "سلفًا وخلفًا رواية وعملًا، بالمرويّ به بشرطه"، ولا مجال إلَّا لهذا التصحيح، والمنع لمخافة الدخل والدّخن ليس بكافٍ، فهو حاصل معها، وعلى وجه أظهر في صور يجوِّزها المانعون، فافهم.
(٣) يجب على الطالب الذي أُطلقت له الإِجازة أن يتفحَّص عن أُصول الراوي من جهة العدول الأثبات، فما صحَّ عنده من ذلك جاز له أن يحدِّث به، قاله الخطيب في "الكفاية" (٢/ ٣١٤ - ط دار الهدي) أو (ص ٣٣٤)، ونقله عن شيخه أبي بكر البرقاني، وذكر أنه استخار الله كثيرًا في تجويز ذلك.
[ ٥٠١ ]
على جوازِ الرِّوايةِ بها، ووجوب العمل على ما تقدَّم.
١٣٠ - القسم الثالث: أنْ يجيز لغيرِ مُعيَّن بوصفِ العُمومِ.
أي: في مُعيَّنِ وغيرهِ، كقوله: أجَزْت للمسلمين، أو لكُلِّ أحدٍ، أو لمن أدْركَ زَمَاني، أو نحو ذلك.
* [اختلاف العلماء في العمل بها]:
فَمَن مَنَعَ ما تقدَّم فهذا أولى، ومَن جَوَّزه اختلفوا في جواز هذه، فجوَّزها الخطيب مطلقًا (^١).
وروي عن الحافظِ ابنِ مَنْدَه أنه قال: "أجزتُ لمن قال لا إله إلَّا الله" (^٢).
وأجاز أبو مُحمَّد بن سَعِيد الأندلُسيّ (^٣) لكلِّ طالبٍ دَخَل قُرطبَة (^٤)، ووافقه على ذلك عَبدُ الله بن عَتَّاب (^٥).
_________________
(١) في رسالته "الإجازة للمجهول والمعدوم" (ص ٨٠ - ٨١).
(٢) ومثله قول طاهر بن عبد الله الطبري، الشهير بالقاضي أبي الطيب، صح عنه: "أجزْتُ المسلمين" انظر "الكفاية" (٣٢٦ - ٣٢٧)، "الإلماع" (٩٨) وابن منده هذا هو أبو عبد الله محمد بن أبي يعقوب إسحاق بن يحيى بن منده (ت ٣٩٥ هـ) وانظر: "الإرشاد" (٧/ ٣٧٤ - ٣٧٥)، "رسوم التحديث" (١١٠)، "المنهل الروي" (٨٥).
(٣) هو عبد الله بن سعيد الشنتجالي (توفي سنة ٤٣٦ هـ)، ترجمته في "الصلة" (١/ ٢٦٣) لابن بشكوال.
(٤) أسند ذلك عنه القاضي عياض في "الإلماع" (٩٩) عن شيخه أبي عبد الله محمد بن عتاب.
(٥) حكاه ابن الصلاح عن الحازمي، قال: "نبأني من سأل الحازميَّ أبا بكر عن الإجازة العامة هذه؛ فكان من جوابه: أن مَنْ أدركه من الحفاظ، نحو أبي العلاء الحافظ وغيره، كانوا يميلون إلى الجواز". وأبو العلاء هذا هو الحسن بن أحمد العطَّار الهمذاني (ت ٥٦٩ هـ).
[ ٥٠٢ ]
قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: "ولم نَسْمَع عن أحد [ممن] (١) يُقْتَدى به أنه استعمل هذه الإجازَة، وَرَوى بها (٢)، لأنَّ في أصل الإجَازةِ ضَعْفًا،
_________________
(١) سقطت من الأصل، وأثبتها من "مقدمة ابن الصلاح" ومختصرات كتابه.
(٢) عند ابن الصلاح زيادة: "إلَّا عن الشرذمة المستأخرة الذين سوّغوها" وتعقبه مُغُلْطاي في ذلك، فقال في كتابه في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٣٧/ أ): "الحافظ أبو جعفر محمد بن الحسين بن أبي البدر البغدادي جمع كتابًا في ذكر من جوَّزها وكتب بها (١). انتهى. وأي فائدة في ذلك إلَّا لأن يروي بها، وأخبرني الشهاب أحمد الزبيري، حدثنا تقي الدين محمد بن أبي العباس بن تامتيت (٢)، أن الحافظ المنذري ندب الناس إلى قراءة البخاري على أبيه أبي العباس بالإجازة العامة، فسمعه عليه خَلْقٌ كبيرٌ. وحكى ابن دِحْيَة: أنَّ الحافظَ السِّلفي حدَّث عن ابن خَيرونَ بها. قال ابن أبي البَدر: وكتب بها أيضًا أبو طاهر وحدّث بها ابنُ أبي المعمر حدث في كتابه "علوم الحديث" عن السِّلفي بها، وشيخنا الحَجَّار حدَّثنا بالإجازة العامة عن داود بن معمر بن الفاخر، وكذا شيخنا الحافظ شرف الدين الدمياطي حدث بها عن المؤيّد الطوسي، وعبد الباري بن عبد الرَّحمن بن عبد الكريم الصعيدي حدث بمشيخة الصفراوي عنه بها، والحافظ أبو الخَطَّاب ابن دِحية حدَّث بها في تصانيفه عن أبي الوقت والسِّلَفي، وعلي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد أبو الحسن الشيباني القفطي حدث في =
(٣) اسمه "الإجازة العامة" في جزء كبير، رتب أسماءهم فيه على حروف المعجم لكثرتهم، انظر "التقييد والإيضاح" (١٨٣)، "كشف الظنون" (١/ ١٠). وقال الحافظ السِّلفي في "الوجيز في ذكر المجاز والوجيز" (ص ٥٨): "ولأبي العباس الوليد بن بكر بن مخلد العمري - من أهلِ المغرب وتوفي بالمشرق، وكان من الجوالين في طلب العلم، عالمًا فقيهًا، نحويًا ثقة -كتاب ترجمه بـ "الوجازة في صحة القول بالإجازة"".
(٤) انتهت إليه رئاسة الحديث، وعلوّ الإسناد، وتوفي (٥٥٣ هـ).
[ ٥٠٣ ]
وزاد بها ضعفُها" (١).
قال الشيخ محيي الدِّين: "الظَّاهِرُ مِنْ كلام مصححيها - يعني المذكورين - الرواية بها، وإلا فلا فائدة لها" (٢).
قلت: هذا لا ينافي كلام الشَّيخ تقيُّ الدِّين؛ لأنه لم يَدَّعِ عدمَ الجوازِ، بل ذَكَر أنه لم يسمع وقوعَ ذلك، وصحَّةُ الجواز على ما ذكرها الشيخ محيي الدِّين لا يستلزم الوقوع (٣).
_________________
(١) = كتابه "تاريخ النحاة" عن السِّلفي بها، وغالب هؤلاء إما أن يكون معاصرًا لابن الصلاح أو شيخه، وربما كان فيهم من هو شيخ لشيوخه، فخفي ذلك عليه عجب كثير. وكان أصل الإجازة العامة ما رويناه في كتاب "الطبقات" [٣/ ٣٤٢] لابن سعد: أخبرنا عفان، حدثنا حماد، حدثنا علي بن زيد، عن أبي رافع: أن عمر بن الخطاب أوصى لما احتُضِر فقال؛ من أدرك وفاتي من سَبْي العرب فهو حرٌّ من مال الله تعالى" (١).
(٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٥٥).
(٣) التقريب (٢/ ٢٨٣ - مع "التدريب")، وعبارته في "الإرشاد" (٢/ ٣٧٧): "وهذا الذي قاله الشيخ خلاف ظاهر كلام هؤلاء الأئمة المحقّقين، والحفاظ المتقنين، وخلاف مقتضى صحّة هذه الإجازة، وأيّ فائدة لها إذا لم يرو بها"!
(٤) قال البُلقيني في "محاسن الاصطلاح" (٣٣٦): "ما قاله النووي لا ينافي ما ذكره ابن الصلاح، ومراد ابن الصلاح أنه لم يجد وقوعَها، وقد وقعت، ولم يبلغ ابنَ الصلاح"، وساق كالعادة ما تقدم ذكره عند مُغُلْطاي: وانظر "التقييد والإيضاح" (ص ١٨٢).
(٥) إسناده ضعيف، قال البلقيني في "المحاسن": "وليس فيه دلالة، لأن العتق النافذ لا يحتاج إلى ضبط وتحديث وعمل، بخلاف الإجازة، ففيها تحديث وعمل وضبط، فلا يصح أن يكون ذلك دليلًا لهذا، ولو جُعل دليله قوله - ﷺ -: "بلغوا عني" لكان له وجه قوي".
[ ٥٠٤ ]
١٣١ - القسم الرابع: إجازةُ مجهولٍ في مَجهولٍ.
كقوله: أجزْتُ محمَّدَ بن خالدٍ الدِّمشقيَّ، وهناك جماعةٌ مُسَمَّون بذلك، أو قال: أجزْتُ زيدًا كتابَ السُّنن، وهو يروي عدَّةَ كُتُبٍ تعرفُ بالسُّنن، ولم يعيِّن.
* [حكمها]:
فهذه الإجازة باطلةٌ لا فائدةَ فيها، كما إذا قال: أجزْتُ لمن يشاءُ فُلانٌ، لأنَّه تعليقٌ مع الجهالة (^١).
* [الفرق بين أجزت من يشاء الإجازة وأجزت من يشاء الرواية]:
فلذا لو قال: أجزْتُ لمن يشاءُ الإجَازَة بخلافِ ما إذا قال: أجزْتُ لمن يشاءُ الروايةَ عنِّي، فإنَّه جائزٌ، لأنَّ مُقْتَضى الإجازةِ تفويضُ الرِّوايةِ بها إلى مَشيئته، فكان هذا صريحًا بما يقتضيه الإطلاق، لا تعليقًا، فهو كما لو قال: بعتهُ منكَ إنْ شئتَ (^٢)، فإنَّه جائز.
وكذا إذا قال: أجزْتُ فُلانًا كذا إنْ شاء روايته عنِّي، أو لكَ إنْ شِئتَ، أو أردتَ؛ فإنّه جائزٌ على الأظهر.
_________________
(١) انظر "الإجازة للمجهول والمعدوم" (ص ٧٩)، "الإلماع" (١٠١)، "فتح المغيث" (٢/ ٧٥ - ٧٦)، "رسوم التحديث" (١١٠ - ١١١)، "المنهل الروي" (٨٥ - ٨٦).
(٢) "هذا التشبيه ليس بحسن، فقوله: بعتُه منك إنْ شئت، ليس تعليقًا على ما عليه تفرّع من جهة التصريح بمقتضى الإطلاق، فإن المشتري بالخيار: إن شاء قبل، وإن شاء لم يقبل، لتوقف تمام البيع على قبوله، وليس كذلك في الإجازة، فلا تتوقف على القبول، فيكون قوله: أجزتُ لمن شاء الرواية، تعليقًا لأنه قَبْلَ مشيئة الروايةِ لا يكون، وبعد مشيئتها يكون مجازًا، وحينئذ فلا يصح؛ لأنه يُؤدِّيَ إلى تعليق وجهل. انظر: "محاسن الاصطلاح" (٣٣٩)؛ "التقييد والإيضاح" (١٨٥).
[ ٥٠٥ ]
* [إجازة المعيَّن المعروف باسمه دون عينه وغير المعروف]:
وإذا أجاز لمعيَّنين بأسمائِهم، وأنسابِهم، دون أعيانِهم (^١)، أو للمسلمين في الاستجازة ولم يعرِّف لا بأنسابهم، ولا بأعيانهم، ولا عددِهم، كأولادِ زَيد؛ صحَّت الإجازةُ، كما إذا سَمِع منه جماعةٌ في مجلسهِ على هذهِ الحال (^٢).
١٣٢ - القسم الخامس: إجازةُ المعدوم.
وهو على ضَرْبَين:
* [ضروب إجازة المعدوم وحكمها]:
الأول: أن لا يكون معطوفًا على موجودٍ، كقوله: أجزتُ لمن يولَدُ لفلانٍ، فجوَّزه الخطيب (^٣)، وحَكَى أيضًا جوازَه عن ابن الفرَّاء الحنبلي، وابن عَمْروس المالكيِّ (^٤)؛ لأنَّها إذْنٌ.
_________________
(١) أي: المجيز جاهل بأعيانهم، عارف باسمائهم وأنسابهم، فالقول بصحَّة الإجازة هو المعمول به، انظر "الإلماع" (١٠١).
(٢) توقف بعضهم في قياس هذه الإجازة على السماع، انظر التفصيل في "فتح المغيث" (٢/ ٧٧).
(٣) في "الكفاية" (٣٢٥ - ٣٢٦) و"الإجازة للمجهول والمعدوم" (ص ٨١). ووجَّهه القاضي عياض في "الإلماع" (١٠٥) قياسًا على الوقف عند القائلين بإجازة الوقف على المعدوم من المالكية والحنفية، ولأنه إذا صحت الإجازة مع عدم اللقاء وبُعد الدِّيار وتفريق الأقطار، فكذلك مع عدم اللقاء، وبُعد الزمان وتفريق الأمصار. وانظر "المنهل الروي" (٨٦).
(٤) نقل قولَيهما في "الإجازة للمجهول والمعدوم" (ص ٨١) وزاد القاضي في "الإلماع" (١٠٤) معهما أبا عبد الله الدامغاني الحنفي، وقال: "أجازها معظم الشيوخ المتأخرين، وبها استمرّ عملهم بعد شرقًا وغربًا".
[ ٥٠٦ ]
والصَّحيحُ بطلانُه، وعليه ابنُ الصَّبَّاغ (^١)، وشيخُه أبو الطَّيِّب الطَّبري (^٢)، لأنَّ الإجازَة في حكم الإخبارِ، ولا يصحُّ إخبارُ المعدومِ.
ولو فَرضْنا أنه في قوَّة الإذن فتوكيلُ المعدومِ لا يصحُّ أيضًا (^٣).
الثاني: أنْ يعطفَه على مَوجودٍ، كقولهِ: أجزْتُ لفلانٍ ولمن يولَد لَه، أو لعَقِبه ما تناسَلوا، فَهُو أقربُ إلى الجواز (^٤).
وقال به أبو بكر بن داود السِّجستاني (^٥)، وكذلك جوَّز الشَّافعيُّ الوقْفَ على الضَّرب الثَّاني دون الأول (^٦)، وأجاز مالكٌ، وأبو حَنيفةَ كلا الضَّربين (^٧).
_________________
(١) حكاه عن قوم لكونها إذنًا، ثم أبطله. انظر: "الإرشاد" (٢/ ٣٨٣)، "المنهل الروي" (٨٦) - وفيه: "وقولهم: إنها إذن، وإن سلَّمناه فلا تصح أيضًا، كما لا تصح الوكالة للمعدوم" -، رسوم التحديث" (١١١).
(٢) قوله في "الإجازة للمجهول والمعدوم" للخطيب (ص ٨٠) - وفيه: "وقد كان قال لي قديمًا إنه يصح" - و"الإلماع" (١٠٥).
(٣) الإرشاد (٢/ ٣٨٤)، "فتح المغيث" (٢/ ٨٢) وما تقدم قريبًا في "المنهل الروي".
(٤) لأنه يغتفر في التبع والضمن ما لا يغتفر في الأصل، انظر: "فتح المغيث" (٢/ ٨٢).
(٥) أسند قوله: الخطيب في "الكفاية" (٣٢٥) وفي "الإجازة للمجهول والمعدوم" (ص ٧٩) والقاضي عياض في "الإلماع" (ص ١٠٥).
(٦) نص عليه في وصيته المكتتبة في "الأم" (٤/ ١٢٢ - ١٢٣)، فأوصى فيها أوصياء على أولاده الموجودين ومَنْ يُحدِثه الله له من الأولاد، وانظر "محاسن الاصطلاح" (٣٤٠).
(٧) انظر: "بدائع الصنائع" (٧/ ٣٣٥)، "الذخيرة" (٧/ ١٣).
[ ٥٠٧ ]
* [الإجازة للطفل]:
وأَمَّا الإجازة للطِّفل الذي لا يميِّز؛ فَصَحَّحه وقطَع به القاضي أبو الطَّيِّب (^١).
وقال الخطيب: "وعليه عهدتُ شيوخَنا، يجيزون للأطْفال الغُيَّب، ولا يسألونَ عن أسمائِهم، وتمييزهم؛ لأنَّها إباحة، والإباحة تصحُّ من العاقلِ وغيرهِ" (^٢).
١٣٣ - القسم السادس: إجازةُ ما لم يَسْمَعه المجيزُ، ولم يتحمَّلْه بوجهٍ ليرويَه المجَازُ له إذا تحمَّله المجيز بعدُ.
* [وقوع ذلك ووجه بطلانه]:
قال القَاضي عِياض: "لم نَرَ من تَكلَّم عليه من المشَايخ، وصنعه بعضُ المتأخرين (^٣)، والصَّحيحُ أنه باطل" (^٤).
لأنَّها إنْ كانتْ إباحَةً، فإباحةُ ما لم يكن له ممتنعة، وإنْ كانتْ
_________________
(١) نقله عنه تلميذه الخطيب في "الكفاية" (٣٢٥).
(٢) الكفاية (٣٢٦) بتصرف، وقال: "ولسنا نريد بقولنا الإباحة: الإعلام، وإنما نريد به ما يضاد الحظر والمنع). وقال أبو الطاهر السِّلفي في "الوجيز" (ص ٦٨) عن صحة (إجازة الطفل): "هو الصحيح الذي يقتضيه القياس، وعليه دَرَج الناس، وأئمة الحديث في القديم والحديث، ورأَوْه صحيحًا وأنه التحقيق، والله تعالى وليُّ التَّوفيق".
(٣) تعلُّقًا بأن شرط الرواية أكثر ما يعتبر عند الأَداء، لا عند التحمل، وحينئذ فسواء تحمله بعد الإجازة أو قبلها إذا ثبت حين الأداء أنه تحمَّله! انظر "فتح المغيث" (٢/ ٨٦).
(٤) "الإلماع" (١٠٦) بتصرف.
[ ٥٠٨ ]
إذنًا، فالتوكيل بما لم يَمْلِك كإعتاقِ عبدٍ سيملكُه؛ باطلٌ على الأصحِّ (^١).
فعلى هذا يجب أن يعيَّن ما تحمَّله قبلَ هذه الإجازة، إذا أراد الرِّوايةَ عنه بها؛ ليروَيه دونَ غيرهِ (^٢).
* [قولُ المجيز: أجزتُ لك ما صح من مروياتي]:
وأما قول المجيز: أجَزْتُ لك ما صحَّ (^٣) عندك من مرويَّاتي، فليس من ذلك، بل يصحُّ، وقد فَعَلَه الدَّارقطنيُّ، فجاز له أن يروي بها ما صحَّ
_________________
(١) قال القاضي في "الإلماع" (ص ١٠٦ - ١٠٧): "قرأتُ في "فهرسة الشيخ الأديب الراوية أبي مَرْوَان عبد الملك بن زِيادة الله الطُّبْنيُّ" قال: "كنت عند القاضي بقرطبة أبي الوليد يونس بن مغيث فجاءه إنسان فسأله الإجازة له بجميع ما رواه إلى تاريخها وما يرويه بعد. فلم يجبه إلى ذلك، فغضب السائل، فنظر إليَّ يونس فقلت له: يا هذا يعطيك ما لم يأخذه! هذا محال. فقال يونس: هذا جوابي" وقال عقبه: "وهذا هو الصحيح؛ فإن هذا يجيز بما لا خبر عنده منه، ويأذن في الحديث بما لم يحدِّث به بعد، ويبيح ما لم يعلم هل يصح له الإذن فيه، فمنعُهُ الصواب كما قال القاضي أبو الوليد يونس، وصاحبه أبو مروان". قلت: وعلى المثال المذكور: لو وكله في بيع ما في ملكه وما سيملكه، فالذي يظهر صحَّتُه، وهو الذي نص عليه الشافعي في وصيته كما تقدم، وهو بخلاف ما إذا وكله في بيع عبد سيملكه مجردًا، وانظر "محاسن الاصطلاح" (٣٤٢).
(٢) مثله: إذا تجدّد للمجيز بعد صدور الإجازة من نظمٍ أو تأليفِ، وعلى هذا يحسن للمصنِّف ومن أشبهه تاريخ صدور ذلك منه، قال القاضي عياض في "الإلماع" (ص ١٠٧): "وعلى هذا فيجب على المُجَازِ له في الإجازة العامة المبهمة إذا طلبَ تصحيح رواية الشيخ أن يعلمَ أن هذا مما رواه قبل الإجازة إن كان الشيخ ممِّن يعلم سماعه وطلبه بعد تاريخ الإجازة، فيحتاج ههنا إلى ثبوت تاريخ سماعه".
(٣) أي: حالة الرواية لا حالة الإجازة، انظر "التبصرة والتذكرة" (٢/ ٨١).
[ ٥٠٩ ]
عنده بعد الإجازة (^١) أنه من مَسمُوعات المجيز ومرويَّاتهِ قبل الإجازة.
قلت: ولا يدخلُ تحتَ الإجازةِ ما سَمِعَ المجيزُ بعد الإجازةِ (^٢) ما تقدَّم، والله أعلم.
١٣٤ - القسم السَّابع: إجَازَةُ المجازِ.
مثل: أَجَزْتُ لكَ مُجازَاتي (^٣)، والصَّحيحُ جَوازُها، وقَطَع به الدَّارَقطني (^٤)، وأبو نُعيم (^٥)، وأبو الفَتْح المقْدِسِيُّ، وكان يَروي بالإجازةِ
_________________
(١) بمعنى: ما تجدد للمجيز بعد صدور الإجازة من نظم أو تأليف، لأن الذي ذكره مقتضى الإطلاق، انظر: "الإرشاد" (٢/ ٣٨٧)، "فتح المغيث" (٢/ ٨٨)، "المنهل الروي" (٨٧)، "رسوم التحديث" (١١٢).
(٢) سبق نقله قريبًا عن القاضي عياض في "الإلماع" (١٠٧).
(٣) أو: أجزتُ لك رواية ما أجيز لي روايته، قاله ابن الصلاح، وزاد: "فمنع من ذلك مَن لا يُعتدُّ به من المتأخرين"! قال مُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٣٧/ ب): "كأنه - والله أعلم - يشير إلى الإمام العلامة عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي، وكان من الحفاظ الكبار، الذين لا يُشَقُّ لهم غبار، فإنه جمع في ذلك"، ومثله في "محاسن الاصطلاح" (٣٤٣)، ورجَّح السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ٨٨ - ٨٩) أن ابن الصلاح كنى به عين أبهمه أبو علي البرداني، قال بعد ذكره شيئًا من مناقبه: "ومن يكون بهذه المرتبة لا يقال في حقه: إنه لا يعتد به" وبه جزم الزركشي في "نكته" (٣/ ٥٢٥).
(٤) إذ عمل به في روايته لـ "التاريخ الكبير" للبخاري، انظر "الكفاية" (٣٥٠) أو (٢/ ٣٥٢ - ط دار الهدى). وحكاه ابن الصلاح بواسطة الخطيب عن الحافظ أبي العباس المعروف بابن عُقْدة الكلوفي، وهو في "الكفاية" (٣٥٠) غير مكني، واسمه أحمد بن محمد بن سعيد (ت ٣٣٢ هـ) وفيه نص إجازته إلى أبي محمد عبد الله بن محمد بن عثمان.
(٥) كان يقول: "الإجازة على الإجازة قوية جائزة". انظر "مقدمة ابن الصلاح" (٣٤٣ - ط بنت الشاطئ)، "المنهل الروي" (٨٧)، "رسوم التحديث" (١١٢).
[ ٥١٠ ]
عن الإجازة، وقد تتوالى ثلاث إجازات (^١).
• [ما ينبغي مراعاته لمن يروي بالإجازة عن الإجازة]:
وينبغي لمن يروي بالإجازة عن الإجازة أن يتأمَّل كيفيَّة إجازةِ شيخ شيخه، لئلا يرويَ ما لم يندرجْ تَحتَها، حتى لو كانت صورتُها أنَّه: أجزتُ له ما صحَّ عنده مِنْ مَسمُوعاتي، فليسَ لهُ أنْ يرويَ سماعَ شيخِ شيخِه، حتى يتبيَّن له أَنَّه صحَّ عند شيخِه من سماعِ شيخ المجيزِ (^٢).
فروع:
• [معنى الإجازة]:
١٣٥ - الأول: قال أحمد بن فارس الأديب: "معنى الإجازة: مأخوذٌ من جواز الماء الذي يُسْقَاه (^٣) الماشية والحرث، يُقالُ (^٤):
_________________
(١) عبارة ابن الصلاح عن أبي الفتح: "حتى ربما والى في روايته بين إِجازات ثلاثًا، وعلَّق البُلقيني في "المحاسن" (٣٤٣) قائلًا: "فائدة: القرينة الحالية من إرادة إبقاء السلسلة قاضيةٌ بأن كلَّ مجيزٍ بمقتضى ذلك، أذِن لمن أجازه أن يُجيز، وذلك في الإذن في الوكالة جائز".
(٢) يريد: التثبت من صحة كون ذلك من مسموعات شيخه الذي تلك إجازته، ولا يكتفي بمجرد صحةِ ذلك عنده الآن، عملًا بلفظه وتقييده، ومن لا يتفظن لهذا وأمثاله يكثرُ عثارُه، أفاده ابن الصلاح. ومثاله: ما فعل التقي ابن دقيق العيد، فإنه لم يكن يجيز برواية جميع مسموعاته؛ بل بما حدث به منها، على ما استقرئ من صنيعه؛ لكونه كان يشك في بعض سماعاته على ابن المقتر، فتورع عن التحديث به، بل وعن الإجازة، أفاده السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ٩٣).
(٣) بعدها في كلام ابن فارس: "الماء من" وأثبته ابن الصلاح في "مقدمته" (٣٩٠)، وحذفه النووي في "الإرشاد" (٢/ ٣٩٠) وابن جماعة في "المنهل الروي" (٨٧).
(٤) بعدها عند ابن فارس وابن الصلاح: "منه".
[ ٥١١ ]
استجزتُ فلانًا فأجازَ لي (^١)، إذا أسقاك ماءَ ماشيتك أو زرعك (^٢)، كذلكَ طالبُ العلم يسألُ العالمَ أنْ يُجيزَهُ علمه، فيجيزه إياه" (^٣).
فعلى هذا يتعدَّى الفِعلَ بنفسهِ إلى المفْعُولين، وللمجيز أنْ يقولَ أجزتُ فلانًا مسموعاتي ومرويَّاتي (^٤).
وأَمَّا مَنْ جَعلَ الإجازةَ بمعنى الإباحة، أو التَّسويغ، أو الإذن (^٥)، فيُعَدِّيه إلى المفعول الثَّاني باللام، فيقول: أجزتُ لفلانٍ روايةَ مَسْمُوعَاتي.
ولو حَذَفَ الجارَّ ونصبَ، لَجَازَ أيضًا.
_________________
(١) كذا في الأصل، وعند ابن فارس وابن الصلاح والنووي وابن جماعة: "فأجازني".
(٢) عند ابن فارس: "ماءٌ لأرضِكَ وماشيتك" وعند ابن الصلاح: "لأرضك أو ماشيتك" وعند النووي وابن جماعة: "لماشيتك أو أرضك". وبعدها عند ابن فارس: "قال القطامي [في "ديوانه" (٨٦)]: وقالوا: فُقَيْمٌ قَيِّمُ الماءِ فاسْتَجِز … عُبَادَةَ إن المسْتَجِيزَ على قُتْرِ أي: على ناحية".
(٣) بعدها عند ابن فارس: "فالطالب مستجيز، والعالم مجيز". وكلامه في " مأخذ العلم" (ص ٣٩) ومثله في "معجم مقاييس اللغة" له (٢/ ٤٩٤) إلى قوله: "أي ناحية". وأسنده عن ابن فارس: الخطيب في "الكفاية" (٣١٢)، وعزا المذكور لجزئه "مأخذ العلم: السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ٩٤).
(٤) أي: يعدِّيه بغير حرف جرٍّ، من غير حاجةِ إلى ذكر لفظِ الرواية أو نحو ذلك، قاله ابن الصلاح، وانظر "الإرشاد" (٢/ ٣٩٠).
(٥) بعدها عند ابن الصلاح: "وذلك هو المعروف"، وانظر: "فتح المغيث" (٢/ ٩٤)، "الإرشاد" (٢/ ٣٩٠).
[ ٥١٢ ]
* [تستحسن الإجازة من العالم لأهل العلم]:
١٣٦ - الثاني: إنَّما تُسْتَحسن الإجازةُ إذا كانَ المجِيزُ عالمًا، والمجَاز لهُ من أهلِ العِلْمِ، لأنَّها توسُّعٌ يَحتاج إليها أهلُ العلم (^١).
* [هل يشترط ذلك؟]:
وجعل بعضهم (^٢) ذلك شرطًا.
وقال ابن عبد البر: "الصَّحيح أنَّها لا تجوزُ إلَّا لماهرٍ في الصِّناعة، وفي مُعَيَّن لا يشكلُ إسنادُه" (^٣).
* [اختيار المصنف ومعتمده]:
قلت: وفي هذه الشَّرط نوعُ تضييقٍ مُنافٍ لما جُوِّز (^٤) له الإجازةُ، وهي التَّوسعة، وبقاءُ سِلْسلةِ الإسْنَاد، على أنَّ المجازَ له لا يَروي إلَّا عَنْ أصلِ المجيز، سواء كان إسناده مُشْكِلًا أو لا، فزيادة الشَّرط عليه لا تفيد زيادة فائدة (^٥)، والله أعلم.
_________________
(١) وهي رأس مال كبير لهم.
(٢) حكاه أبو العباس الوليد بن بكر المالكي عن مالك، أسنده الخطيب في "الكفاية" (٣١٧) والقاضي عياض في "الإلماع" (ص ٩٤ - ٩٥)، وانظر: "رسوم التحديث" (١١٤)، "أجوبة ابن سيد الناس على مسائل تلميذه ابن أيبك" (٢/ ١٢٧).
(٣) جامع بيان العلم (٢/ ١١٦٠)، وعبارته: "وتلخيص هذا الباب أن الإجازة لا تجوز إلَّا للماهر بالصِّناعة، حاذقٌ بها، يعرف كيف يتأوَّلها، وتكون في شيء معين لا يشكل إسنادُه، فهذا هو الصحيح من القول في ذلك، والله أعلم"، وانظر: "الإلماع" (٩٥)، "أجوبة ابن سيد الناس" (٢/ ١٢٧).
(٤) كذا في الأصل، وصوابه "جَوِّزت".
(٥) وبنحوه في "فتح المغيث" (٢/ ٩٦) مع زيادة: "وقد تقدَّم عدم اشتراط =
[ ٥١٣ ]
* [الجمع في الإجازة بين التلفُّظ والكتابة]:
١٣٧ - الثَّالث: يَنبغي للمُجِيزِ إذا كَتَب إجازَتَه أنْ يتلفَّظ بها، فإنِ اقتصرَ على الكتابةِ قاصدًا للإجازة صَحَّت (^١)، إلَّا أنه أنقص مرتبةً من الأولى، كما جعلنا القراءة على الشَّيخ إخبارًا بما قُرئَ عليه ولم يتلفَّظ (^٢).
_________________
(١) = التأهُّل حين التَّحمُّل بها، كالسَّماع، وأنه لم يقل أحد بالأداء بها بدون شرط الرواية، وعليه يحمل قولهم: أجزتُ له رواية كذا بشرطه، ومنه ثبوت المروي من حديث المجيز". وقال ابن سيد الناس في "أجوبته على مسائل تلميذه الحافظ ابن أيبك الدُّمياطي" (٢/ ١٢٧) وسأله: عن الشيخ إذا كان خاليًا من العلم، ولا يعرف شروط الإِجازة، فهل تصح الإِجازة أم لا؟ فقال: "أصل الإِجازة ما تنازع العلماء فيه، وإن قال الأكثرون بجوازها، فإن أكثر من أجازها هي عنده طريقة مقصرة في حمل العلم عن درجة السماع. فإذا ثبت ذلك فينبغي أن لا تجوز من كلّ من يجوز منه السماع، وإن ترخص مترخص وجوَّزها من كلّ ما يجوز منه السماع، فاقل مراتب المجيز أن يكون عالمًا بمعنى الإِجازة العلمَ الإِجمالي من أنه روى شيئًا، وأن معنى إجازته لغيره إذنه لذلك الغير في رواية ذلك الشيء عنه طريق الإجازة المعهودة بين أهل هذا الشأن، لا العلم التفصيلي بما روي، وبما يتعلق بأحكام الإجازة، وهذا العلم الإجمالي حاصل لما رأيناه من عوام الرواة. فإن انحط راو في الفهم عن هذه الدرجة، ولا أخال أحدًا ينحط عن إدراك هذا، إذ عرف به؛ فلا أحسبه أهلًا لأن يحمل عنه بإجازة ولا سماع. وهذا الذي أشرت إليه من التوسع في الإجازة هو طريق الجمهور". وانظر "الإلماع" (٩١).
(٢) وإن لم يقصد الإجازة، كأن يصرِّح بعدم النية، فالظاهر عدم الصحة، أما لو لم يعلم حاله، فالأصل الصحة. انظر: "التبصرة والتذكرة" (٢/ ٨٩)، "فتح المغيث" (٢/ ٩٨)، "المنهل الروي" (٨٨) - وفيه: "فلذلك ينبغي كتابة "تلفَّظ بها" -.
(٣) انظر مسألة وجوب الظاهرية التلفظ وردّ الجويني فيما تقدم في التعليق على (ص ٤٨٢ - ٤٨٣).
[ ٥١٤ ]
١٣٨ - النوع الرابع: من طُرُق تَحَمُّل الحديثِ: المناولة.
وهي على قِسْمَين:
* [أقسام المناولة]:
الأول: المناولة المقرونة بالإجازة.
وهي أَعْلى أنواعِ الإجازةِ على الإطْلاق (^١)، ولها صُورٌ:
* [صور المناولة المقرونة بالإجازة]:
إحداها: أن يدفع الشَّيخُ إلى الطَّالب أصلَ سماعهِ، أو فرعًا مُقابَلًا به، ويقول: هذا سَماعي، ورِوَايتي عن فلانٍ؛ فارْوِه عنِّي، أو أجزتُ لكَ روايتَهُ عنِّي، ثم يملِّكهُ، أو يُعيرهُ لينسَخَ منه، ويُقابِلَ به.
وثانيها: أن يجيءَ الطَّالِبُ بكتاب مِنْ حَديثهِ، فيعرضَه عَليه، فيتأمل (^٢) الشَّيخُ، وهو عارِفٌ مُتيقِّظٌ، ثم يعيدُه إليه، ويقول: هُوَ حَدِيثي، أو رِوَايتي عن شَيخي فارْوِهِ عنِّي.
_________________
(١) لما فيها من التعيين والتَّشخيص، وأحسنُ ما يستدلُّ به على المناولة بغير قراءة حديث بعث رسول الله - ﷺ - بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، ويدفعه عظيم البحرين إلى كسري، انظر "معرفة علوم الحديث" (٢٥٨) للحاكم، وأصل الحديث عند البخاري في "صحيحه" (٦٤، ٢٩٣٩، ٤٤٢٤، ٧٢٦٤). وعلق البخاري في "صحيحه": كتاب العلم: (باب ٧) أنه - ﷺ - كتب لأمير السرية كتابًا، وقال له: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ المكان، قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبي - ﷺ -. وهو موصول صحيح، انظر؛ "المعجم الكبير" للطبراني (١٦٧٠) و"تغليق التعليق" (٢/ ٧٥). وانظر: "الإلماع" (٨٠)، "فتح المغيث" (٢/ ١٠٠ - ١٠١)، "تتوضيح الأفكار" (٢/ ٣٣٣).
(٢) كذا في الأصل! وصوابه "فيتأمله" كما عند ابن الصلاح (٣٤٦ - ط بنت الشاطئ) و"الإرشاد" (٢/ ٣٩٤)، "المنهل الروي" (٨٨).
[ ٥١٥ ]
وسمَّاه أئمةُ الحديث (^١) عَرْضًا، وليسمَّ (عَرْضَ المناولة)، ليمتازَ عن (عَرْضِ القِراءة) كما ذكرناه (^٢).
* [حجيتها ومنزلتها]:
وهذه المناولة المقترنة بالإجازة كالسَّماع في القُوَّة عند كثيرٍ من المحدِّثين، كالزُّهري، وربيعةَ الرَّأي، ويحيى بن سَعيد الأنْصارِيِّ، ومُجاهدٍ، والشَّعبي، وعَلْقَمة، وإبراهيمَ، ومَالِك، وابنِ وَهْب، وابنِ القاسم، وغيرِهم (^٣).
والصَّحيحُ أنَّها منحطَّة عن درجةِ السَّماع والإخبارِ.
وقال الحاكم في هذا العرض: "أَمَّا فقهاءُ الإسلامِ الذين أفْتَوا في الحلالِ والحرام، فإنَّهم لم يروه سماعًا، وبه قال الشَّافعيُّ، والأوزاعيُّ،
_________________
(١) عند ابن الصلاح ومختصري "مقدمته": "غير واحد من أئمة الحديث".
(٢) في (ص ٤٧٥).
(٣) استوعبهم الحاكم في "المعرفة" (٢٥٧) أو (٦٧١ - ٦٧٣ - ط السلوم)، وهؤلاء الذين قالوا إنه سماع أرادوا بالعرض: عرض القراءة لا عرض المناولة، وأسند ذلك عنهم الخطيب في "الكفاية" (٢٩٨ وما بعد) في "باب القراءة على المحدِّث وما يتعلق بها) ثم في الباب الذي يليه (ذكر الروايات عمن قال إن القراءة على المحدث بمنزلة السَّماع)، وهو ظاهر، ولم أجد من تعقّب ابن الصلاح ممن نكت على "مقدمته" في هذا الموطن، وينظر "فتح المغيث" (٢/ ١٠٣) لتحقيق المساواة بين عرض المناولة وعرض القراءة عند مالك وابن أبي أويس، وانظر لمذهبه: "محاسن الاصطلاح" (٣٤٨). وممن اعتنى بتعدادهم على وجه أوعب مما عند المصنف: الرامهرمزي في "المحدّث الفاصل" (٤٣٥ - ٤٣٨) والبُلقيني في "محاسن الاصطلاح" (٣٤٧ - ٣٤٨). واقتصر المصنف على تسمية مَنْ في كتاب شيخه ابن جماعة "المنهل الروي" (٨٨).
[ ٥١٦ ]
والبويطيُّ، والمزنيُّ، وسفيانُ الثَّوريُّ، وأحمدُ بن حنبل، وابنُ المبارك، وأبو حنيفة (^١) الإمام، ويحيى بن يحيى، وإسحاقُ بن راهويه" (^٢).
وقال الحاكم: "وعليه عهدنا أئمَّتَنا، وإليه ذَهَبوا، وإليه نَذْهَب" (^٣).
وثالثها: أنْ يُناوِلَ الشَّيخُ الطَّالبَ كتابَه، ويُجوز (^٤) له روايتَه عنه (^٥)، إذا ظَفر بذلكِ الكتَابِ أو بما هُو مُقابَلٌ به على وَجهٍ يَثِقُ مَعَه بموافقتهِ لما تناولَتْهُ الإجازةُ، كما هو مُعتَبرٌ في الإجازةِ المجرَّدة عن المناولة.
وقال بعضُ الفقهاءِ والأصوليين: لا تأثيرَ لهذه المناولة، ولا مَزيَّةَ لها على الإجَازة (^٦).
وشيوخ الحديثِ مِنَ القَديمِ والحديثِ يرونَ لها مزيَّة (^٧).
ورابعها: أن يأتيَ الطَّالبُ الشَّيخَ بكتابٍ، فيقول: هذا روايتك، فَنَاوِلْنيهِ، وأجِزْني روايته، فيجيبُه إلى ذلك من غيرِ أنْ ينظرَ فيه، ويتحقَّق
_________________
(١) اعترض على ذكر أبي حنيفة مع هؤلاء، انظر تحقيق مذهبه في المسألة المذكورة: "التقييد والإيضاح" (١٩٢).
(٢) "معرفة علوم الحديث" (ص ٦٧٦ - ط السّلوم).
(٣) "معرفة علوم الحديث" (٦٧٧ - ط السلوم).
(٤) كذا في الأصل، وعند ابن الصلاح ومختصري "مقدمته": "ويجيز".
(٥) بعدها عند ابن الصلاح: "ثم يمسكه الشيخ عنده، ولا يُمكِّنه منه، فهذا يتقاعد عما سبق؛ لعدم احتواء الطالب على ما تحمَّله، وغيبتِه عنه، وجائزٌ له روايةُ ذلك عنه، إذا ظفر .. " إلخ ما عند المصنف، ومنه يعلم أن سقطًا وقع فيه للناسخ، ومن عادة المصنف في مثله اختصار العبارة من غير إخلال.
(٦) نقله القاضي عياض في "الإلماع" (ص ٨٣) عن مشايخه من أهل النظر والتحقيق وعلله بقوله: "لأنه لا فرق بين إجازته إياه أن يحدّث عنه بكتاب "الموطأ"، وهو غائب أو حاضر، إذ المقصود تعيين ما أجاز له".
(٧) انظر: "فتح المغيث" (٢/ ١٠٨)، "اختصار علوم الحديث" (١٢٤).
[ ٥١٧ ]
روايته فيه لجميعه، فهذا لا يجوزُ، ولا تصحَّ الرِّواية (^١) به، نَعَم إنْ كان الطَّالِبُ مَوثوقًا بخبرهِ، ومعرفتهِ، جاز الاعتمادُ عليه، وكان ذلك إجازة جائزة (^٢).
وقال الخَطيبُ: "لو قال: حَدِّثْ هَذَا الكتاب عنِّي، إنْ كان مِنْ حَديثي مع بَراءتي من الغَلَط والوهمِ، كان ذلك جائزًا حَسَنًا" (^٣).
القِسمُ الثَّاني: المناولةُ الخالِيَةُ عن الإجَازَة.
كما إذا ناوله كتابًا، ويقول: هَذا سَمَاعي، ولا يقول: ارْوِهِ عنِّي، أو أجزتُ لكَ روايته.
* [حجيتها]:
فهذه مناولة مختلَّة لا تجوزُ الرواية بها.
وقال الخطيب: "جوَّز طائفةٌ ذلك (^٤) وعابه الفقهاءُ
_________________
(١) فيه نظر؛ لأنه يشتمل على ما إذا استمر الحال على عدم المعرفة، أو انكشف، وفي هذا الثاني يكون على تقدير قوله: أجزتك بروايته، إن كان من مروياته، قاله البُلقيني في "المحاسن" (٣٥٠)، وينظر "التبصرة والتذكرة" (٢/ ٩٥) فيما إذا تبيَّن للطالب فيما بعد بخبرٍ يعتمد عليه أن ذلك من سماع الشيخ أو من مروياته، فالظاهر هو الصحة؛ لأنه تبيّن بعد ذلك صحة سماع الشيخ لما ناوله وأجازه، وزال ما يخشى من عدم ثقة المخبر، وانظر "فتح المغيث" (٢/ ١٠٩).
(٢) لا سيما إذا كان الكتاب مشهورًا، كالبخاري أو مسلم أو نحوهما، فإنه يقرب من تمليكه له أو إعارته.
(٣) الكفاية (٣١٨ أو ٢/ ٣٤٢ - ط دار الهدى).
(٤) قال الخطيب في "الكفاية" (٣٤٨) ومن طريقه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٤٤٠) بسنده إلى أبي زيد بن أبي الغمر قال: اجتمع ابن وهب وابن القاسم وأشهب بن عبد العزيز أني إذا أخذتُ الكتابَ من المحدّث، أن أقول فيه: أخبرَني. =
[ ٥١٨ ]
والأصوليون" (^١).
وهذا كمن أجاز الرِّواية بمجرد إعلامِ الشَّيخ أنَّ هذا الكتابَ سماعُه (^٢)، وسيجيء إن شاء اللّه تعالى.
_________________
(١) = وحكى الجواز (ص ٣٤٩) عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وانتصر للجواز الصنعاني في "توضيح الأفكار" (٢/ ٣٣٥). وقال الغزالي في "المنخول" (٢٧٠ - ٢٧١) - وهو من إملاءات شيخه الجويني - "وأما المناولة، فلا فائدة فيها، وهي من جهالات بعض المحدثين، ولا يشترط أن يقول: أجزتُ، ويكفي أن يقول: قد صح عندي ذلك، أو هذه النسخة مصحّحة على شيخي"، ثم وجدتُ للرازي في "المحصول" (٢/ ٦٤٨) مثله، وانظر "فتح المغيث" (٢/ ١١١).
(٢) الكفاية (٣٤٨) وعبارته: (وقد قال بعض أهل العلم: لا يجوز لأحدٍ أن يروي عن المحدِّث، ما لم يسمعه منه، أو يجزه له، وإن ناوله إياه … ". وكأن المصنف هنا - تبعًا لابن الصلاح - يشير إلى قول الغزالي في "المستصفى" (١/ ١٦٦): "مجرد المناولة، دون قوله: حدِّث به عني؛ لا معنى له، وإذا قال: حدث به عني، فلا معنى للمناولة، بل هو زيادة تكلُّف أحدثه بعض المحدثين بلا فائدة".
(٣) نعم هو قريب من السماع من الشيخ بقراءة غير الشيخ مع عدم الإذن بالرواية، لأن هذه المناولة مشاركة مع ذلك السماع في كونهما من مسموعات الشيخ الذي يجوز له رواية ذلك الحديث، وإذا صحّ عند الراوي بأنّ هذا من مسموعات فلان، فيقول: أروي عن فلان، فإإنه يروي عن نسخة فلان إلى منتهاه، نقله الزركشي في "نكته" (٣/ ٥٣٩) عن بعض المتأخرين. وللسيوطي في "تدريب الراوي" (٢/ ٥١) تفصيل حسن، قال: "وعندي أن يقال: إن كانتِ المناولة جوابًا لسؤال، كأن قال له: ناولني هذا الكتاب لأرويه عنك، فناوله، ولم يصرِّح بالإذن، صحَّت، وجاز له أن يرويه، وكذا إذا قال له: حدِّثني بما سمعت من فلان، فقال: هذا سماعي من فلان، وما عدا ذلك؛ فلا، فإن ناوله الكتاب ولم يخبره أنَّه سماعُه لم تجز الرواية به بالاتفاق"!! ونقله عن الزركشي. =
[ ٥١٩ ]
* [القول في عبارة الراوي بطريق المناولة والإجازة]:
ثم عبارة الراوي المتحمّل بطريق المناولة والإجازة أن يقول: حدَّثنا، وأخبرنا مطلقًا (^١)، وهو مقتضى قولِ مَن يجعلُ المناولةَ المقرونةَ
_________________
(١) = ونقل البُلقيني في "محاسن الاصطلاح" (٣٥١) عن "المحصول" (٤/ ٦٤٨) للرازي: "إذا أشار الشيخ إلى كتاب فقال: هذا سماعي من فلان؛ جازت الرواية عنه، سواء أراد روايته أم لا"، وقال: "قلت: وهذه الإشارة أعلى من الإعلام المجرد".
(٢) اتَّهم ابنُ الجوزي في "المنتظم" (٨/ ١٠٠) أبا نعيم الأصبهاني بأنه كان يخلط المسموع له بالمجاز، ولا يوضح أحدهما من الآخر، ونقل الذهبي في "السير" (١٧/ ٤٦٠ - ٤٦١) قول الخطيب: "قد رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها منها: أن يقول في الإجازة (أخبرنا)، من غير أَنْ يُبَيِّن". وتعقبه الذهبي بقوله: (هذا شيء قَلَّ أن يفعله أبو نعيم، وكثيرًا ما يقول كتب إلي الخلدي، ويقول: كتب إليَّ أبو العباس الأصم، وأخبرنا أبو الميمون بن راشد في كتابه، ولكني رأيتُهُ يقول في شيخه عبد الله بن جعفر بن فارس، الذي سمع منه كثيرًا، وهو أكبر شيخ له: أخبرنا عبد الله بن جعفر فيما قرئ عليه، فيوهم أنه سمعه ويكون مما هو له بالإجازة، ثم إطلاق الإخبار على ما هو بالإجازة مذهب معروف، قد غلب استعماله على محدِّثي الأندلس، وتوسَّعوا فيه. وإذا أطلق ذلك أبو نعيم في مثل: الأصم، وأبي الميمون البجلي، والشيوخ الذين قد علم أنه ما سمع منهم، بل له منهم إجازة؛ كان له سائغًا، والأحوط تجنّبه". وقال في "الميزان" (١/ ١١١) أيضًا متعقبًا الخطيب: "هذا مذهب رآه أبو نعيم وغيره، وهو ضرب من التدليس" - وانظر "تذكرة الحفاظ" (٣/ ١٠٩٥ - ١٠٩٦). هكذا أنصف الذهبيُّ أبا نُعيم بالحجَّة والدليل، وتحمَّس السبكي للدفاع عن أبي نعيم، فقال في "طبقات الشافعية الكبرى" (٤/ ٢٤) بعد أن نقل كلام الخطيب: "هذا لم يثبت عن الخطيب، وبتقدير ثبوته، فليس بقدح، ثم إطلاق أخبرنا في الإجازة مختلف فيه، فإذا رآه هذا الحبر الجليل - أعني: أبا نعيم - فكيف يعدّ منه تساهلًا، ولئن عدَّ فليس من التساهل المستقبح، ولو حجَّرنا =
[ ٥٢٠ ]
بالإجازةِ سَماعًا (^١).
والصَّحيحُ الذي عليه الجمهورُ وأهلُ التَّحرِّي أنَّ إطلاق ذلك لا يجوز، بل تخصيصهُ بما يُشعر بالإجازةِ أو المناولةِ، كحدَّثنا إجازةً، أو مناولةً، أو إذنًا، أو أَجَازني، أو نَاولني، وما أشبهَ ذلك (^٢).
واصطَلَح قومٌ من المتأخرين على إطلاق "أنبأنا" في الإجَازة، ومال إليه الحافظ البيهقيُّ (^٣).
_________________
(١) = على العلماء ألا يَرْووا إلَّا بصيغةٍ مجمعٍ عليها لضيَّعنا كثيرًا من السنة". وانظر: "نكت الزركشي على مقدمة ابن الصلاح" (٣/ ٥٤٠ - ٥٤١)، "فتح المغيث" (١/ ١١٤)، وانظر لتأكيد استعمال أهل الأندلس حدثنا وأخبرنا في الرواية بالإجازة المجردة: "الإلماع" (١٢٨)، "فتح المغيث" (٢/ ١١٣) وهو اختيار إمام الحرمين في "البرهان" (١/ ٦٤٧) والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (ص ٣٩٠)، بل عزاه القاضي عياض لابن جريجٍ وجماعة من المتقدَّمين، وهو صنيع المرزباني في كتبه كما في "تاريخ بغداد" (٣/ ١٣٥ - ١٣٦)، وانظر "المنهل الروي" (٨٩).
(٢) ذهب إليه الزهري ومالك وابن وهب واين القاسم وأشهب والحسن البصري، انظر أقوالهم مسندة في "الكفاية" (٣٢٩، ٣٣٢، ٣٣٣).
(٣) مثل: أخبرنا فيما أطلق لي روايته عنه، وأعطاني فلان، أو دفع إلي كتابه. انظر "الكفاية" (٣٣٠)، "جامع الأصول" (١/ ٨٢)، (رسوم التحديث) (١١٤)، وخصص الأوزاعي الإجازة بـ (خبَّرنا) والقراءة بـ (أخبرنا) انظر "الكفاية" (٣٠٢)، "الإلماع" (١٢٧)، "المحدث الفاصل" (٤٣٦)، "المنهل الروي" (٨٩).
(٤) اختاره الوليد بن بكر الغمري السَّرقسطيُّ (ت ٣٩٢) في "الوجازة" أيضًا وكان البيهقي يقول: أنباني فلانٌ إجازَة، وفيه رعاية لاصطلاح المتأخرين، انظر "مقدمة ابن الصلاح" (٣٥٣ - ط بنت الشاطئ)، "الإرشاد" (١/ ٤٠٥)، "رسوم التحديث" (١١٥)، "المنهل الروي" (٨٩)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٠١)، "فتح المغيث" (٢/ ١١٩).
[ ٥٢١ ]
وقال الحاكم: "الذي عهدتُ عليه أكثرَ مَشايخي: الذي عَرَضَ على المحدِّث فأجازه له شفاهًا يقول: (أنبأنى)، وفيما كَتَب إليه يقول: (أنبأني كتابةً)، أو (كتب إِليَّ)، أو نحو ذلك" (^١).
وقال ابنُ حَمْدَان (^٢): "كلُّ قولِ البُخاريِّ في "صحيحه": قال لي فلان فَهو عَرْضُ مَناولةٍ".
قلتُ: وفي هذا الكلام إيهام (^٣)، لِمَا بيَّنَّا أنَّ قول الرَّاوي: قال لي فلان، أو سمعتُه منه؛ إطلاقهُ لا يستعمل إلَّا في السَّماع، فكيف يقال مُطلقًا: قال لي من غير قيدٍ، ويكون مناولةً وعرضًا؟!
وأما ما اختاره الخطَّابيُّ (^٤) من أَنَّه في الإجَازة إذا قال: أخبرنا
_________________
(١) معرفة علوم الحديث (٢٦٠ أو ٦٧٨ - ط السلوم) بتصرف واختصار.
(٢) هو أبو جعفر أحمد بن حمدان النيسابوري، روى الحاكم م - ولعله في "تاريخ نيسابور" وليس له ذكر في القطعة المطبوعة منه - عن ولده أبي عمرو عنه المقولة المذكورة، أفاده السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ١٢٠) ووجدتُ مقولة ابنِ حَمْدان في مطلع "تغليق التعليق" (٢/ ١٠) وقال على إثرها: "وكذا قال ابن منده: إنَّ "قال لنا" إجازة" ثم قال: "فإنْ صحَّ ما قالاه فحكمه الاتصال أيضًا على رأي الجمهور، مع أن بعض الأئمةِ ذكر أن ذلك مما حمله عن شيخه في المذاكرة، والظاهر أن كلّ ذلك تَحَكُّمٌ، وإنما للبخاري مَقْصدٌ في هذه الصيغة وغيرها، فإنه لا يأتي بهذه الصيغة إلَّا في المتابعات، والشواهد، أو في الأحاديث الموقوفة، فقد رأيته في كثيرٍ من المواضع التي يقول فيها في الصحيح: "قال لنا" قد ساقها في تصانيفه بلفظ "حدثنا" وكذا بالعكس، فلو كان مثلُ ذلك عنده إجازةً، أو مناولةً، أو مكاتبةً، لم يستجز إطلاق "حدثنا" فيه من غير بيان". وبنحوه في "نكته على ابن الصلاح" (٢/ ٦٠١)، و"فتح الباري" (١١/ ٢٦١ - ٢٦٢)، وانظر "فتح المغيث" (٢/ ١٢٠).
(٣) نقله بنحوه ولم ينسبه للتبريزي: الزركشي في "نكته" (٣/ ٥٤٣).
(٤) مقولته في "الإلماع" للقاضي عياض (١٢٩) و"الإجازة" للوليد بن بكر، كما في "نكت الزركشي" (٣/ ٥٤٤).
[ ٥٢٢ ]
فلان أَنَّ فلانًا أخبره فجائزٌ، فذلك بعيدٌ عن الإشعار بالإجازة؛ لالتباسه بوجود أصل الإخبار والتَّحديث (^١).
واسْتَعملَ المتأخِّرونَ في الإجَازَةِ التي هي [في رواية مَنْ] (^٢) فوق رواية الشَّيخ حرف "عن"، فيقول: "قرأت على فُلانٍ، عن فلانٍ"، وذلك قريبٌ (^٣).
ولو أباح المجيزُ إطلاقَ "حدَّثنا" و"أخبرنا" كما اعتاده بعضُ المشايخ لمن يُجيزه له إن شاء قال: "حدَّثنا"، وإنْ شاء قال: "أخبرنا" لم يَجُز، ولم يرتفع المنع بهذا (^٤).
_________________
(١) وجَّه الوليد بن بكر اخيار الخطابي بأنه جعل دخول (أن) دليلًا على الإجازة في مفهوم اللغة، قال: (وغاب عنِّي إذًا اخيار الخطابي أنه حكاه عن غيره، وقد تأمّلته فلم أجد له وجهًا صحيحًا؛ لأنّ (أَنَّ) المفتوحة التي اشترطها الخطابي أصلها التأكيد، ومعنى (أخبرنا فلان أن فلانًا حدثه) أي: بأن فلانًا حدَّثه، فدخول الباء أيضًا للتأكيد، وإنما فُتحت؛ لأنَّها صارت اسمًا، فإنْ صحَّ عنه هذا المذهب كانت الإجازة أقوى من السماع. لأنه خبر قارنه التأكيد، وهذا لا يقوله أحد. نقله الزركشي في "نكته" (٣/ ٥٤٤)، ورده عياض بقوله: "وأنكره بعضهم وحقه أن ينكر، فلا معنى له يتفّهم منه المراد، ولا اعتيد هذا الوضع في المسألة لغة ولا عرفًا وِلا اصطلاحًا".
(٢) سقطت من الأصل على الناسخ. ووضع فوق (فوق) حرف (ط) وأثبت في الهامش كلامًا غير ظاهر في التصوير، وعبارة شيخ المصنف في "المنهل الروي" (٩٠): "التي فوق الشيخ ".
(٣) انظر: "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٠١)، "فتح المغيث" (٢/ ١٢٠).
(٤) قال النووي في "التقريب" (٢/ ٥٤ - مع "التدريب"): "لأنَّ إباحة الشيخ لا يغيِّر بها الممنوع في المصطلح" وبسط السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ١١٨ - ١٢٠) وجه المنع، فانظره.
[ ٥٢٣ ]
١٣٩ - النوع الخامس من طرق نقل الحديث: المكاتبة.
وهو أن يكتبَ الشَّيخُ مسموعَه لحاضرٍ أو لغائبً، أو أمرَ لغيره أن يكتبَ له.
* [صحتها إن كانت مقرونة بالإجازة]:
فهي إنْ كانت مقرونةً بالإجازة بأن يقول: أجزتُ لكَ ما كتبتُه لكَ، أوما كُتِبَ به إليكَ، أوما أمرتُ بالكتابةِ لكَ؛ يكون كالمناولةِ المقرونةِ بالإجازةِ في الصِّحَّة والقؤَة على ما ذكرناه (^١).
* [الخلاف فيها إن لم تكن مقرونة بالإجازة]:
وإنْ لم تكن مقرونةً بالإجازة فمنع القاضي الماورديّ (^٢)، وغيرُه أجازَ الروايةَ بها، وعليه كثيرٌ من المتقدِّمين والمتأخِّرين (^٣)، كأيوبَ
_________________
(١) هذا الذي مشى عليه البخاري في "صحيحه"، ورجَّح بعضهم - كالخطيب في "الكفاية" (ص ٣٣٦) - المناولة المقترنة بالإجازة على المكاتبة المقترنة بالإجازة، انظر التفصيل في "فتح المغيث" (٢/ ١٢٢)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٣٣٨).
(٢) قاله في مقدمة "الحاوي الكبير" (١٩). ومنعه أيضًا: الغزالي في "المستصفى" (١/ ١٦٦)، وهو الذي يدلُّ عليه صنيع ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٢/ ٥٣٨ - ٥٣٩). وانظر "نكت الزركشي" (٣/ ٥٤٥) "فتح المغيث" (٢/ ١٢٥) "آراء ابن القطان في علم مصطلح الحديث" (١٤٣ - ١٤٤). واختاره الآمدي في "الإحكام" (٢/ ٩١) لكنه قال:، لا يرويه إلَّا بتسليط من الشيخ كقوله: "فاروه عني" أو "أجزتُ لك روايته".
(٣) عبارة ابن الصلاح: "أجاز بها الرواية بها غير واحد من الشافعيين". قلت: منهم: أبو حامد الإسفراييني، والمحاملي، وصاحب "المحصول" (٤/ ٦٤٥). وانظر "نكت الزركشي" (٣/ ٥٤٥).
[ ٥٢٤ ]
السِّخْتَيانيِّ (^١)، والليثِ (^٢) ومنصورٍ (^٣).
ويوجد كثيرًا في مصنَّفاتهم (^٤): كتب إليّ فلانٌ قال: حدَّثنا فلانٌ، والمراد هذا، وهو عندهم مَعمولٌ به، معدودٌ في الموصُول (^٥).
وقال السَّمعانيُّ: "هو أقوى من الإجَازَة" (^٦).
_________________
(١) أسنده عنه: الخطيب في "الكفاية" (٣٤٤) من طريق الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٨٢٧).
(٢) أسنده عنه: الخطيب في "الكفاية" (٣٤٤) من طريق الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٨٢٤).
(٣) أسنده عنه: الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٨٢٦، ٨٢٧) والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٤٣٩)، والخطيب في "الكفاية" (٣٤٣) والحاكم في "المعرفة" (٢٦١) والقاضي عياض في "الإلماع" (٨٤ - ٨٥) بألفاظ مختلفة، وقصص متعددة، فيها الشاهد، أو ما يدلُّ عليه.
(٤) قال الزركشي في "نكته على ابن الصلاح" (٣/ ٥٤٦): "ووقع في "صحيح مسلم" أحاديث رويت كتابة فوق العشرة". قلت: وقع ذلك في المتفق عليه، انظر "صحيح البخاري" (٢٥٤١، ٢٢٣٦، ٦٣٧، ٤٩١١، ٥٠٦٠، ٣٨١٦) ويقابله في "صحيح مسلم" - بالترتيب - (١٧٣٠، ١٥٨١، ٦٠٤، ١٤٧٣، ٢٦٦٦، ٢٤٣٥) وقد تقع صيغة (كتب إلي) عند أحدهما في المواطن المذكورة. وفي انفرادات البخاري، انظر من "صحيحه" الأرقام (٣٢٦٨) ومعلقًا على إثر (٤٦٣٣، ٦٦٧٣)، وفي انفرادات مسلم (١٥٤٨، ١٨٢٢).
(٥) انظر: "الإلماع" (٨٤، ٨٦)، "فتح المغيث" (٢/ ١٢٦)، "نكت الزركشي" (٣/ ٥٤٦، ٥٤٧)، "المنهل الروي" (٩٠).
(٦) قال في "قواطع الأدلة" (١/ ٣٥٢ - ط دار الكتب العلمية): "للمستمع أربع أحوال، بعضها أقوى من بعض: أولها: أن يسمع من لفظ المحدِّث. والثاني: أن يقرأ. والثالث: أن يكاتبه به المحدث. والرابع: أن يجيز له المحدث. والأول أقوى ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع".
[ ٥٢٥ ]
* [شروط حجيتها عند عدم اقترانها بالإجازة]:
ويكفِي فيه معرفةُ خطِّ الكَاتِب (^١)، وشَرط بعضُهم البيِّنة (^٢) على خطِّه، وهو ضعيفٌ (^٣).
* [القول في عبارة الراوي بطريق المكاتبة]:
ثم الرَّاوي بالكتابةِ لا يُطلق: "أخبرنا" و"حدَّثنا" (^٤)، بل يقولُ فيها: كَتَب إليَّ فلانٌ قال: حدَّثنا فلانٌ بكذا، أو يقول: أخبرني مكاتبةً، أو
_________________
(١) انظر: "الإرشاد" (١/ ٤١١)، "المنهل الروي" (٩٠)، وللعمل بالخط وحجّيته مبحث نفيس جدًّا في "الطرق الحكمية" - وفرغت عن تحقيقه، يسَّر الله نشره - وألّف فيه غير واحد، ومن معاصرينا الدكتور عبد الله الطريقي له "العمل بالخط والكتابة في الفقه الإسلامي" وهو منشور.
(٢) من حيث أن الخط يتشابه، وبه قال الغزالي في "المستصفى" (١/ ١٦٦)، ونقله ابن أبي الدم عن بعض المحدِّثين، وانظر "أدب القضاء" (٦٨)، "نكت الزركشي على مقدمة ابن الصلاح" (٣/ ٥٤٦)، "الإرشاد" (١/ ٤١١)، "فتح المغيث" (٢/ ١٢٧)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٣٣٩).
(٣) قال ابن القيم في "الطرق الحكمية" (٢٤٠): "إجماع أهل الحديث قاطبة على اعتماد الراوي على الخط المحفوظ عنده، وجواز التحديث به، إلَّا خلافًا شاذًا لا يعتدَّ به، ولو لم يعتمد على ذلك لضاع الإسلام اليوم، وسنة رسول الله - ﷺ -، فليس بأيدي الناس - بعد كتاب الله - إلَّا هذه النسخ الموجودة من "السنن" وكذلك كتب الفقه الاعتماد فيها على النسخ"، وانظر: "العمل بالخط والكتابة" (٩٩ - ١٠١)، "المنهل الروي" (٩٠) - واستخدم المصنف عبارته - و"الإرشاد" (١/ ٤١٢).
(٤) ممن قال بجوازه: الليث ومنصور وغير واحد من علماء الحديث، هذه عبارة شيخ المصنف ابن جماعة في "المنهل الروي" (٩٠)، وانظر: "الكفاية" (٣٤٣، ٣٤٤)، "الإلماع" (٨٣ - ٨٧)، "المحدث الفاصل" (٤٤١ - ٤٤٦، ٤٥٢ - ٤٥٤)، "رسوم التحديث" (١١٦)، "الإرشاد" (١/ ٤١٢).
[ ٥٢٦ ]
كتابةً، أو نحو ذلك على الصَّحيح (^١).
١٤٠ - النوع السَّادس (^٢): الإعلام، بأن يقول الشَّيخُ للطَّالب: إنَّ هذا الكتابَ سَماعي مِن فُلانٍ، أو أرويه عن فُلانٍ، ولم يَزِدْ عليه، أي: ما قال: أجزْتُ لكَ روايته، أو: اروه عنِّي.
* [حجية هذا النوع]:
فجوَّز به الروايةَ كثيرٌ من أهلِ العلم، كابنِ جُريجٍ (^٣)، وابن الصَّبَّاغ (^٤)، وغيرِهما (^٥).
وزاد بعضُ الظَّاهرية عليه، قال: "ولو قال الشَّيخُ: هذه روايتي لا تَرْوِها عنِّي، فله أنْ يرويَها كما تقدَّم في السَّماع" (^٦).
_________________
(١) عللوه بأن الإطلاق يوهم السماع، فيكون غير صادق في روايته. انظر "الإحكام" لابن حزم (٢/ ١٤٧)، "الكفاية" (٣٤٢) - وفيه: "وهذا هو مذهب - أهل الورع والنّزاهة والتحرِّي في الرواية وكان جماعة من السلف يفعلونه" -، "توضيح الأفكار" (٢/ ٣٤١)، "الباعث الحثيث" (١٢٥).
(٢) من أقسام الأخذ، ووجوه النقل.
(٣) انظر قوله في "الإلماع" (١١٥).
(٤) انظر: "المنهل الروي" (٩٠)، "الإرشاد" (١/ ٤١٣ - ٤١٤).
(٥) مثل: الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٤٥١) وحكاه عياض في "الإلماع" (١٠٨) عن طائفة من أئمة المحدّثين، ونظار الفقهاء، قال: "وروي عن عبيد الله العمري وأصحابه المدنيين" قال: "وهو مذهب عبد الملك بن حبيب من كبراء أصحابنا". وهو رأي الفخر الرازي في "المحصول" (٤/ ٦٤٤).
(٦) كذا في "المحدث الفاصل" (٤٥١ - ٤٥٢). وعبارة ابن حزم في "الإحكام" (٢/ ١٤٦): "وسواء أذن له المسموع عنه في ذلك أو لم يأذن، حَجَر عليه الحديث عنه أو أباحه إياه، كلّ ذلك لا معنى له، ولا يحلّ لأحد أن يمنع من نقل حق فيه خير للناس، قد سمعه الناقل، ولا يحلّ لأحد أن يبيح لغيره نقل ما لم يسمع".
[ ٥٢٧ ]
والصَّحيحُ أنه لا تجوز الروايةُ بمجرد الإعلام، وبه قَطَع بعضُ الشَّافعية (^١)، واختاره المحقِّقون (^٢)؛ لأنه قد يكون سماعه ولا يأذنُ في روايته لخَلَلٍ بمعرفته، لكن إذا صحَّ سندهُ عنده يجبُ العملُ بما ذَكَره، وإنْ لم تَجُزْ له روايتُه، لأنَّ العملَ يكْفِي فيه صحَّتهُ في نفسِه (^٣).
١٤١ - النَّوع السَّابع: الوصيَّة بالكُتُبِ.
بأن يوصيَ الرَّاوي بكتابٍ يَرويه عند موتهِ، أو سَفَره لشَخْص.
* [حجية هذا النوع]:
فروي عن بعض السَّلف (^٤) أنه أجاز أنْ يرويَ الموصَى لَه بذلكَ عن
_________________
(١) هو الشيخ أبو حامد الطوسي، سماه هكذا ابن الصلاح في "مقدمته" (٣٥٦ - ط بنت الشاطئ)، وهو الغزالي، فإنه قال في "المستصفى" (١/ ١٦٦):، أما إذا اقتصر على قوله: هذا مسموعي من فلان، فلا يجوز الرواية عنه؛ لأنه لم يأذن في الرواية، فلعله لا يجوِّز الرواية، لخلل يعرفه فيه، وإن سمعه"، وحكاه الخطيب في "الكفاية" (٣٤٩) عن القاضي أبي بكر بن الطَّيِّب، واعتمده ابن حجر في "النزهة" (٦٥).
(٢) هذا لفظ شيخ المصنف ابن جماعة في "المنهل الروي" (٩١)، وقال النووي في "الإرشاد" (١/ ٤١٥): "والصحيح المختار … " وذكره. والتعليل الآتي لأبي حامد الغزالي، كما في الهامش السابق، وقوله: "يجب العمل به … " من إفادات ابن الصلاح، والعبارة لابن جماعة، وكلام ابن حزم السابق يقضي منع العمل أيضًا، انظر: "محاسن الاصطلاح" (٣٥٧)، "نكت الزركشي" (٣/ ٥٤٩ - ٥٥٠)، "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٣٧/ ب) لمُغُلْطاي.
(٣) انظر: "فتح المغيث" (٢/ ١٣١)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٠٨)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٣٤٢).
(٤) أخرج ابن سعد في "طبقاته" (٧/ ١٨٥، ٢٥١) وعبد الله بن أحمد في "العلل" (٢/ ٣٨٦) رقم (٢٧٢٢) وأبو زرعة الدمشقي في "تاريخ دمشق" =
[ ٥٢٨ ]
الموصِي الرَّاوي، وهذا بعيد جدًّا (١)، إما زلّةُ عالمٍ أو متأَوَّل، فإنَّه روايةٌ على سبيلِ الوِجادة (٢).
_________________
(١) = (رقم ١٢٣٣) والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٨٨ - ٨٩)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (رقم ٥٤٦، ٥٤٧، ٥٤٨) والقاضي عياض في "الإلماع" (١١٥ - ١١٦) والخطيب البغدادي في "تقييد العلم" (ص ٦٢) وفي "الكفاية" (٣٥٢) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٨/ ٣١٠) من طريق حماد بن زيد قال: "أوصى أبو قِلابة، قال: ادفعوا كتبي إلى أيوب إنْ كان حيًّا وإلا فاحرقوها". وفي رواية عن أيوب: "أوصى لي أبو قلابة بكتبٍ، فأتيت بها من الشام فأعطيت كراءها بضعة عشر درهمًا". وفي رواية: "فجيء بها عدل راحلة، قال أيوب: فلما جاءني، قلت لمحمد - أي: ابن سيرين -: جاءني كتب أبي قلابة، فأحدِّثُ منها؛ قال: نعم، ثم قال: "لا آمرك ولا أنهاك". وأسانيدها صحيحة. وفي هامش الأصل: "لعله: أبو قلابة".
(٢) قال ابن أبي الدم رادًّا على ابن الصلاح بعد أن نقل استبعاده: "إن هذا مذهب الأكثرين" نقله الزركشي في "النكت على ابن الصلاح" (٣/ ٥٥٠). قال أبو عبيدة: لابن أبي الدم الحموي (ت ٦٤٢ هـ): "تدقيق العناية في تحقيق الرواية" منه نسخة عتيقة في متحف الجزائر [١٨/ ١٣٩ - ١٨٠] (٥٤٤)، (٣٧٠ R)، في ١٦٢ ورقة، ناقص الأول (١)، وهو من أوائل من نكّت على ابن الصلاح، فلعل الكلام المذكور فيه، وبهذه المناسبة لعل نابهًا من طلبة العلم يعمل على تحقيق هذا الكتاب، والله الموفق والهادي.
(٣) الوصية أرفع رتبة من الوجادة، وعمل بها بعض الأئمة؛ أفاده ابن أبي الدم، وقال: "القول بحمل الرواية بالوصية على الوجادة غلط ظاهر" وتعقبه السخاوي بقوله: "وفيه نظر، فقد عمل بالوجادة جماعة من المتقدمين". =
(٤) فهرس آل البيت (١/ ٣٥٤ - الحديث وعلومه).
[ ٥٢٩ ]
١٤٢ - النوع الثَّامن: الوَجَادة.
* [معنى الوجادة]:
كوَجَد يَجِدُ (^١)، مولَّد غيرُ مسموعٍ من العَرَب (^٢).
قال المُعَافَى النَّهروانيُّ: "إن المَولَّدين فرَّعوا قولَهم: وِجَادَة، فيما وَجَدوا من العِلْم من صَحيفةٍ، من غيرِ سَماعٍ ولا إجازةٍ، ولا مناولةٍ من تفريق العَرب بين مصادر (وَجَد)، للتَّمييز بين المعاني المختلفة" (^٣).
يعني قولَهم: وَجَد ضالَّته وِجدانًا، ويطلق وُجُودًا، وفي الغَضَبِ:
_________________
(١) = قلت: ليس التقرير في العمل وإنما في الرواية، فتأمَّل، وانظر: "الإلماع" (١١٥ - ١١٦)، "نكت الزركشي" (٣/ ٥٥٠ - ٥٥١)، "فتح المغيث" (٢/ ١٣٤)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٣٤٤).
(٢) قال الزركشي في "نكته" (٣/ ٥٥٢): "اعلم أنه لوجد مصدران آخران لم يذكرهما، هما: جدة في الغضب والغني، وإِجدان بكسر الهمزة، حكاهما ابن الأعرابي".
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (١١/ ١٦٠)، "جمهرة اللغة" (١/ ٤٥٢)، "تاج العروس" (٢/ ٥٢٢)، و"الجليس الصالح" (٢/ ٢٨٢) للمعافى النهرواني، وسيأتي كلامه.
(٤) قال المعَافَى في (المجلس الثالث والأربعين) من كتابه "الجليس الصالح الكافي" (٢/ ٢٨٢) وعبارته: "ومن فائدة الاختلاف في أبنية المصادر يحصل الفرق بين المعاني المختلفة، كقولهم: وِجْدانٌ في المال، ووجود في الإِدراك، ومَوْجِدَةٌ في الغضب، وَوُجْدٌ في الغني، وجدةٌ في المال، ووَجْدٌ في الحبِّ والغضب، والفعل فيه كُلُّه وَجَد يَجِد، وفَرَّع المولَّدُون من هذا قولهم: وَجَادَةٌ: ما كان من العلم أخذ من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة. ومثل هذا في الأسماء التي حُفِظَتْ. مصادِرُها يستفادُ به الفرق في العَلَاقَةِ - بالفتح - في المحبة والخصومة، والعِلاقة - بالكسر - في السيف والسوط، ولا خلاف في سبق هذه الأسماء للأفعال وتقدمها عليها".
[ ٥٣٠ ]
مَوْجَدة، وفي الغِنى: وُجْدًا، وفي الحُبِّ: وَجْدًا.
* [مثال الوجادة]:
ومثال الوِجَادَة: أن يقف الرَّجُلُ على كتاب بخطِّ شخصٍ فيه أحاديثُ يرويها، ولم يَلْقَه، ولم يسْمعْ منه، ولَا له منه إجازةٌ، ولا نحوها، فله أنْ يقولَ: وَجَدْتُ بخظ فُلان (^١)، أو قرأتُ بخطِّ فُلان، أو في كتاب فُلان بخطِّه: أخْبَرنا فلان ابن فلان، ويذكر شيخَه، ويسوق سائر الإسنادِ والمتنِ (^٢).
* [حجيتها وسببه]:
وهذا هو الذي استمرَّ عليه العَمَلُ مِنْ قَديمٍ وحَديثٍ، وهو من باب المنقطع والمرسل (^٣)، إلَّا أنَّه أَخَذَ شوبًا من الاتصال بقوله: "وَجَدْتُ بخطِّ فُلان".
_________________
(١) هذا إنما يصح إذا تحقق أنه خطُّه بأنْ كَتَبه بحضوره وهو يراه، أو قال له: هذا خطي، أو يعرف خطه على وجه لا يلتبس بخطِّ غيره، وإلا فليقل: رأيت مكتوبًا بخط ظننتُ أنه خط فلان، فإن الخط قد يشبه الخط، انظر: "نكت الزركشي" (٣/ ٥٥٣) ونقل عن الغزالي في "المستصفى" (١/ ١٦٦) قوله: "ولا يجوز أن يرويه عنه لأنَّ روايته شهادة، والخط لا يعرفه".
(٢) يقع هذا كثيرًا في "مسند الإمام أحمد"، يقول ابنهُ عبد الله: وجدت بخطِّ أبي: حدثنا فلان، ويذكر الحديث، انظر من "المسند" (١/ ١٧٨، ١٩٠، ٢٤٨، ٢٨٤، ٢٨٥، ٣٣٠، ٢/ ٤٦، ١١٥، ١١٨، ١٥٨، ٤٩٧، ٣/ ٦٢، ٧٩، ١٩٨ - ١٩٩، ٣٠٩، ٣١١، ٤٥٢، ٤١٠، ٤٦٩، …).
(٣) قال رشيد الدين العطار في "غرر الفوائد المجموعة" (ص ٧٢٧ - ملحق بآخر كتابي "الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح"): (الوجادة داخلة في باب المقطوع عند علماء الرواية". وانظر: "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١١٣)، "نكت الزركشي" (٣/ ٥٥٣)، "فتح المغيث" (٢/ ١٣٦)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٣٤٣).
[ ٥٣١ ]
قلتُ: عدُّه من باب التَّعليق أولى من المرسل والمنقطع (^١)، والله أعلم.
* [وقوع التدليس فيها]:
وربما دلَّس بعضُهم (^٢) فَذَكر الذي وَجَد بخطِّه، وقال فيه: عَن فلان، أو قال فلان، وذلك تَدليسٌ قَبيحٌ إذا أوهمَ سماعَه منه (^٣)، وقد جازف بعضُهم (^٤) فأطلَق في الوَجادة "أخبرنا" و"حدَّثنا"، وأنكر هذا على فاعله.
_________________
(١) "النكت على مقدمة ابن الصلاح" (٣/ ٥٥٣) للزركشي وهو يتابع المصنف كثيرًا، كما نقلناه في المقدمة.
(٢) يقع هذا لغير واحد، وكشفت عنه - ولله الحمد - في كتابي "بهجة المنتفع" (٤١٧) فانظره، وينظر: "العلل" المفرد (٢/ ٧٥٣) للترمذي، "المجروحين" (٢/ ١٤٢)، "الجرح والتعديل" (٥/ ٣٥٧)، "الكامل" لابن عدي (١/ ٢٨٩)، "الجعديات" (٣٤٧٤)، "السير" (٦/ ٣٣١)، "الإلماع" (١١٨)، "الكفاية" (٣٥٤)، "فتح المغيث" (٢/ ١٣٧ - ١٣٨)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٣٤٧).
(٣) هذا التدليس في (الوجادة المنقطعة) أي: أن يجد في كتاب شيخه، لا في كتابه عن شيخه، وإلا فهذا النوع موجود في موطن من "صحيح البخاري" وهو: برقم (٢١١٤) قال همام بعد حديث "البيعان بالخيار" قال: "وجدت في كتابي: يختار ثلاث مرار". وأما في "صحيح مسلم" ففيه: قول أبي بكر بن أبي شيبة: "وجدت في كتابي: عن أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة" في ثلاثة أحاديث بالأرقام: (١٤٢٢، ٢٤٣٩، ٢٤٤٣). وأفرد رشيد الدين العطار في "غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأسانيد المقطوعة" (ص ٧٢٧ - ملحق بآخر كتابي "الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح") (فصلًا) لما وقع فيه من أحاديث مروية بالوجادة، وهي الثلاثة المذكورة. وينظر: "تدريب الراوي" (٢/ ٦٢)، "ألفية السيوطي" (١٤٤ - شرح أحمد شاكر)، "الباعث الحثيث" (١٣١).
(٤) هو إسحاق بن راشد، قَدِم الريَّ فجعل يقول: أخبرنا الزهري، فسئل: أين لقيته؟ فقال: لم ألقه مررت ببيت المقدس فوجدت كتابًا له. وخرجته مفصَّلًا في كتابي "بهجة المنتفع" (ص ٤٤٧ - ٤٥٠)، وانظر: =
[ ٥٣٢ ]
* [فرع فيما إذا وجد حديثًا في تأليف شخص ليس بخطه]:
وإذا وَجَد حديثًا (^١) في تأليفِ شخصٍ ليس بخطِّه، فلَه أنْ يقول: ذَكَر فلانٌ قال: أخْبَرنا، وهذا منقطعٌ؛ لأنَّه لم يأخذ شَوبًا من الاتِّصال.
* [شروط حجية الوجادة]:
هذا كلُّه إذا وَثِقَ بأنَّه الخظ المذكور، أو كتابُة، فإنْ لم يكن كَذلك فيقول: بَلَغني عن فلانٍ، أو وَجدتُ، أو قرأتُ في كتابٍ أظنُ أنّه خطُّ فلانٍ، أو أخبرني فلانٌ أنه خَطُّ فلانٍ.
وإذا نَقَلَ من كتابٍ، فلا يُقال: قال فلانٌ إلَّا إذا وَثِقَ بصحَّة النُّسخةِ ومقابلتِها بأصْلِها، وإنْ لَم يكن كذلك فيقول: بَلَغني عنه.
وأما إطلاقُ اللّفظ الجازم فَتَسامحٌ، وقد قيل: إنْ كان المطالِعُ عالمًا مُتْقنًا لا يَخْفَى عليه السَّاقطُ والمغيَّرُ، رُجِيَ له جوازُ الجَزْمِ، وإلى هذا اسْتَرْوحَ كثيرٌ من المصنِّفين (^٢).
* [العمل بالوجادة]:
هذا كلُّه كلامٌ في كَيفيَّة النَّقْل بالوَجادة، وأما العملُ على اعتمادِ ما وَثِقَ به منها، فقد نُقل عن بعضِ المالكيَّة (^٣) أنَّ مُعظَم المحدِّثين والفقهاءِ
_________________
(١) = "المعرفة والتاريخ" (٣/ ٢١٧)، "التاريخ الكبير" لابن أبي خيثمة (٢/ ٢٢٠ و٣/ ٢٣٢)، "التمهيد" (١٠/ ١٠٠)، "الإلماع" (١١٩).
(٢) في "المنهل الروي" (٩١): "حدثنا" وهو لشيخ المصنف ابن جماعة، والعبارات السابقة واللاحقة منه! والمثبت في "مقدمة ابن الصلاح" (ص ٣٥٩ - ط بنت الشاطئ)!
(٣) بنحوه في "المنهل الروي" (٩١ - ٩٢).
(٤) هو القاضي عياض، وانفصل البحث معه في "الإلماع" (١٢٠) إلى قوله في جواز العمل بها: "إنه الذي لا يتَّجه غيره".
[ ٥٣٣ ]
من المالكيَّةِ وغَيرِهِم لا يَرَون العملَ بذلك، وحُكي عن الشَّافعيِّ وطائفةٍ من نُظَّار أصحابهِ (^١) جوازُ العملِ به (^٢).
وَقَطع بعضُ المحقِّقين من الشَّافعية بوجوب العَملِ عند حُصول الثِّقة، وهو الصَّحيحُ (^٣).
_________________
(١) في الأصل: "وطائفة نظائر من أصحابه" والمثبت عبارة ابن الصلاح في "المقدمة" (٣٦٠ - ط بنت الشاطئ)، وعبارة ابن جماعة في "المنهل الروي" (٩٢) - ويعتمدها المصنف كثيرًا -: "نقل ذلك عن الشافعي ونظار أصحابه".
(٢) انظر: "الإلماع" (١١٧)، "اختصار علوم الحديث" (١٢٨)، "محاسن الاصطلاح" (٣٦٠)، "نكت الزركشي" (٣/ ٥٥٤ - ٥٥٥)، "توضيح الأفكار " (٢/ ٣٤٩).
(٣) قال ابن كثير في "اختصار علوم الحديث" (١٢٨): "لم يبق في زماننا إلَّا وجادات"، وقال السيوطي في "الأشباه والنظائر" (٣١٠): "عمل الناس اليوم على النقل من الكتب ونسبة ما فيها إلى مصنفيها، .. قال الزركشي في جزء له: حكى الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الإجماع على جواز النقل من الكتب المعتمدة ولا يشترط اتصال السند إلى مصنفيها، .. وقال ابن عبد السلام: أما الاعتماد على كتب الفقه الصحيحة الموثوق بها فقد اتفق العلماء في هذا العصر على جواز الاعتماد عليها والاستناد إليها، لأن الثقة قد حصلت بها كما تحصل بالرواية، ولذلك اعتمد الناس على الكتب المشهورة في النحو، واللغة، والطب، وسائر المعلوم، لحصول الثقة بها وبُعد التدليس، ومن اعتقد أن الناس قد اتفقوا على الخطأ فهو أولى بالخطأ منهم، ولولا جواز الاعتماد على ذلك لتعطَّل كثير من المصالح المتعلِّقة بها، وقد رجع الشارع إلى قول الأطباء في حور وليست كتبهم مأخوذة في الأصل إلَّا عن قوم كفار، لكن لما بَعُدَ التدليس فيها اعتمد عليها، كما اعتمد في اللغة على أشعار العرب وهم كفار لبعد التدليس". وانظر: "البرهان" (١/ ٦٤٨) للجويني، "نكت الزركشي" (٣/ ٥٥٤ - ٥٥٥)، "الإرشاد" (٢/ ٤٢٣) للنووي، "فتح المغيث" (٢/ ١٣٩)، والتعليق على الصفحة الآتية.
[ ٥٣٤ ]
قال الشَّيخُ تقي الدين: "لا يتَّجه في هذا العَصْر غيرُه؛ لأنه لو توقَّف العملُ فيها على الرِّواية لانسدَّ بابُ العملِ بالنُّقول، لتَعَذُّرِ شَرطِ الرِّواية فيها على ما تقدَّم" (^١).
* * *
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح (ص ١٨٠). وقال ابن القيم في: "إعلام الموقعين" (٣/ ٣٨٠ - بتحقيقي): "ولم تزل الأمة تعمل بالكتب قديمًا وحديثًا، وأجمع الصَّحابةُ على العمل بالكتب، وكذلك الخلفاء بعدهم، وليس اعتماد الناس في العلم إلَّا على الكتب، فإنْ لم يُعمل بما فيها تعطَّلت الشريعة، وقد كان رسول الله - ﷺ - يكتب كتبه إلى آلافاق والنواحي، فيعمل بها مَنْ تصلُ إليه، ولا يقول: هذا كتاب! وكذلك خلفاؤه من بعده، والناس إلى اليوم، فردَّ السنن بهذا الخيال البارد الفاسد من أبطل الباطل، والحفظ يخون، والكتاب لا يخون".
[ ٥٣٥ ]
الفصل الثالث في كتابة الحديثِ وكيفيةِ (^١) ضَبطِ الكتابِ وتقييده
* [حكم كتابة الحديث]:
١٤٣ - اختلف الصَّدْرُ الأَوَّلُ في كِتابةِ الحديثِ، فمنهم مَنْ كَرِهَ كتابةَ الحديثِ، وأَمَروا بحفْظِه، كعمرَ (^٢)
_________________
(١) في هامش الأصل: "بلغ سماعًا من لفظ مصنّفه - ﵁ - إلى هنا، نفعه الله تعالي، ونفع به".
(٢) أخرج عبد الرزاق في "المصنف" (١١/ ٢٥٧ - ٢٥٨) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥ رقم ٣٤٣) والهروي في "ذم الكلام" (٥٨١) والخطيب في "تقييد العلم" (٤٩) من طريق الزهري عن عروة بن الزبير: أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله - ﷺ -، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرًا، ثم أصبح يومًا، وقد عزم الله له، فقال: "إني أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرتُ قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتبًا، فأكبُّوا عليها، وتركوا كتاب الله تعالى، وإني - والله - لا أُلبس كتاب الله بشيء أبدًا". ورجاله ثقات، إلَّا أنه منقطع عروة لم يسمع عمر، نعم، جعل بعضهم (عبد الله بن عمر) بينهما، ولكنه وهم في ذلك، انظر روايته عند الخطيب في "التقييد" (٤٩ - ٥٠) وتعليقه عليه. نعم، وردت الكراهة عن عمر في أخبار كثيرة، من طرق متعددة، تدل على أن لذلك أصلًا، كما تراه عند: ابن أبي حاتم في "التفسير" (٧/ ٢١٠٠) =
[ ٥٣٦ ]
وابنِ مَسعود (^١)، وزيدِ بن ثَابتٍ (^٢)،
_________________
(١) = رقم (١١٣٢٤) والعقيلي في "الضعفاء" (٢/ ٢١) وأبي يعلى في "المسند الكبير" - كما في "المقصد العلي" (رقم ٦٢) - وأبي خيثمة في "العلم" (٢٦) وابن عبد البر في "الجامع" (٣٤٥)، وينظر لزامًا "محاسن الاصطلاح" (٣٦٢) ففيه نقل عن الرامهرمزي بإسنادٍ ذكره عن عمرو بن أبي سفيان أنه سمع عمر يقول: "قيِّدوا العلم بالكتاب" وفي هامشه بخط البلقيني: "هذا الكلام مناقض لما قبله، فتأمل". يعني: في هذا جواز الكتابة، وما تقدم فيه كراهة ذلك. والأثر الذي فيه الجواز صححه الحاكم في "المستدرك" (١/ ١٥٦) وأخرجه هو والدارمي (١/ ١٠٣) وابن أبي شيبة (٩/ ٤٩)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٣٧٧) والخطيب في "التقييد" (٨٧ - ٨٨) وبوب عليه (باب ذكر مَن روي عنه من الصحابة - ﵃ - أنه كتب العلم أو أمر بكتابته). وإسناد هذا الأثر ضعيف، ففيه ابن جريجٍ قال: حدّث عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان عن عمه عمرو بن أبي سفيان به. وابن جريجٍ مدلس، وقوله: "حدث … " صريح في ذلك، وهولم يسمع منه على اضطراب فيه! وانظر "نكت الزركشي" (٣/ ٥٥٦ - ٥٥٨). واقتصر ابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" (ص ٤٧٢) ذكر الكراهة عن عمر وأبي سعيد، قال: "وجماعة".
(٢) أخرج ابن أبي شيبة (٩/ ٥٢) وابن عبد البر (٣٤٦) والخطيب في "التقييد" (٣٨ - ٣٩) بسند صحيح عن أبي الشعثاء المحاربي (سُليم بن أسود) أن ابن مسعود كره كتابة العلم، وله عند الخطيب طريقان آخران يفيدان ذلك ولكن إسنادهما ضعيف. ولكن أخرج ابن أبي شيبة (٩/ ٥٠) وابن عبد البر في "الجامع" (٣٩٩) بإسناد صحيح عن معن قال: "أخرج إليَّ عبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعود كتابًا، وحلف لي إنه خطَّ أبيه بيده". وانظر لتحقيق مذهبه: "الجامع" (رقم ٣٥٨).
(٣) أخرج أحمد (٥/ ١٨٢) وأبو داود (٣٦٤٧) وابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" (رقم ٦٢٩) وابن عبد البر في "الجامع" (٣٣٦) والخطيب =
[ ٥٣٧ ]
وأبي مُوسى (^١)، وأبي سَعيدٍ (^٢)
_________________
(١) = في "التقييد" (٣٥) عن زيد بن ثابت قال: "إن رسول الله - ﷺ - أمرنا أن لا نكتب شيئًا من حديثه"، وفي رواية: "إن النبي - ﷺ - نهى أن يكتب حديثه"، وإسناده ضعيف، المطلب بن حنطب أرسل عن زيد، قاله أبو حاتم في "المراسيل". وأخرج ابن سعد (٢/ ١١٧) وابن أبي شيبة (٩/ ٥٣) والدارمي (١/ ١٢٢ - ١٢٣) وابن عبد البر (٣٤٩) وابن عساكر (١٩/ ٣٢٩) بسند صحيح عن الشعبي أن مروان دعا زيد بن ثابت، وقوم يكتبون، وهو لا يدري، فاعلموه، فقال: "أتدرون، لعل كلّ شيء حدثتكم به لشى كما حدَّثتكم" وهذا النهي معلَّل بعلَّة، وليس على إطلاقه كما ترى.
(٢) أخرج الدارمي (١/ ١٣٣) وابن أبي شيبة (٩/ ٥٣) وأبو خيثمة في "العلم" (١٥٣) وابن عبد البر في "الجامع" (٣٥٦، ٤٧٣) والخطيب في "التقييد" (٤٠ - ٤١) بأسانيد بعضها صحيح إلى أبي بردة قال: كنتُ كتبتُ عن أبي كتابًا فدعا بمركنِ ماءٍ، فغسله فيه، وفي رواية: فمحاه، وقال: "يا بني احفظ كما حفظتُ".
(٣) أخرج ابن أبي شيبة (٥٢١٩) والدارمي (١/ ١٣٣) وأبو خيثمة في، العلم (٩٥) وابن عبد البر في "الجامع" (٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٠) والهروي في "ذم الكلام" (٥٧٨) والخطيب في "التقييد" (٣٦، ٣٧) بأسانيد صحيحة عن أبي نضرة قال: قلت لأبي سعيد: أكتبنا. قال: "لن أكتبكم، ولكن خذوا عنا كما كنا نأخذ عن رسول الله - ﷺ - " وفي رواية: "أتتخذونه قرآنًا؟ اسمعوا كما كنا نسمع"، وهذا اللفظ أقوى في المنع. قال الزركشي في "نكته" (٣/ ٧٥٨): "بل جاء عن أبي سعيد أنه استأذن النبي - ﷺ - في كتب الحديث، فلم يأذن له، رواه الخطيب في "تقييد العلم" انتهى. قال أبو عبيدة: لا معنى لتخصيص أبي سعيد، فكذلك جاء عن زيد بن ثابت كما تقدم، وإسناد الخطيب ضعيف فيه عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم، والحديث عند الترمذي (٢٦٦٥) والدارمي (١/ ١١٩) وابن شاهين في =
[ ٥٣٨ ]
واحتجُّوا بحديث أبي سَعيدٍ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: "لا تَكْتبُوا عنِّي شَيئًا إلَّا القُرآن، ومَن كَتَب عنِّي شيئًا غيرَ القرآنِ فَلْيَمْحُه".
أخرجه مسلم في "صحيحه" (^١).
ومنهم مَنْ أجَاز ذلك وفَعَلَه، كعليٍّ (^٢)، وابنه الحسن (^٣)،
_________________
(١) = "الناسخ والمنسوخ" (١٢٨) والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٣٧٩) بإسناد صحيح عن أبي سعيد بنحوه، فالاقتصاد على عزوه للخطيب قصور لا يخفى، وانظر ما سيأتي.
(٢) برقم (٣٠٠٤). وأخرجه من حديثه أحمد (٣/ ١٢، ٢١، ٣٩، ٥٦) والنسائي في "الكبرى" (٨٠٥٨) والدارمي (١/ ١٣٠ - ١٣١) وابن حبان (٦٤) وأبو يعلى (١٢٨٨) والحاكم (١/ ١٢٦ - ١٢٧) وابن عبد البر في "الجامع" (٣٣٥) والهروي في "ذم الكلام" (٥٧٦) وجماعة.
(٣) كان عنده صحيفة معلّقة في سيفه، فيها عن النبي - ﷺ - أسنان الإبل، وشيء من الجراحات، أخرجه البخاري (٣١٧٢، ٣١٧٩، ٦٧٥٥، ٧٣٠٠) ومسلم (١٣٧٠).
(٤) أخرج الدارمي (١/ ١٤٠) وابن أبي حاتم في "العلل" (٢/ ٤٣٨ أو ٦/ ٦٣٣ - ط المحققة) والبيهقي في "المدخل" (٦٣٢، ٧٧٢) والخطيب في "الموضح" (٢/ ٤٧٥ - ٤٧٦) و"التقييد" (٩١) وفي "تاريخ بغداد" (٧/ ٤٤١) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٣/ ٢٥٩) من طريق شرحبيل بن سعد - وهو صدوق اختلط بأخرة - قال: كان الحسن بن علي يقول لبنيه وبني أخيه: "يا بَنيَّ وبَني أخي تعلموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يحفظه - أو قال: يرويه - فلْيكتبه، وليضعْه في بيته". وعلقه البخاري في "التاريخ الكبير" (٨/ ٤٠٧)، وله طريق أخرى يصح بها - إن شاء الله تعالى - أخرجها أحمد في "العلل" (٢٩٦٥) والخطيب في "الكفاية" (١/ ٢٢٩) وابن عبد البر في "الجامع" (٤٨٤) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٣/ ٢٥٩).
[ ٥٣٩ ]
وأنس (^١)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (^٢) في آخرين من الصَّحابة (^٣)، لقولهِ - ﷺ - عامَ الفَتْحِ: "اكتبوا لأبي شاة" (^٤).
ولعله - ﷺ - نهى عن الكتابةِ في الأَوَّل حين خافَ عليهم اختلاطَ ذلك بصُحُفِ القُرآن، ثم أَذِنَ في ذلك حين أمنَ من ذلك الاختلاطِ (^٥).
_________________
(١) ثبت في "صحيح البخاري" (٤٢٤، ٤٢٥، ٦٦٧، ٦٨٦، ٨٣٨، ١١٨٦، ٤٠٠٩، ٥٤٠١، ٦٤٢٣، ٦٩٣٨) و"صحيح مسلم" (٣٣) أن أنسًا قال عقب سماعه لحديث عن عتبان بن مالك: "فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: اكتبه، فكتبه". والإذن بالكتابة ثابت عنه من طرق، وبألفاظ مختلفة، انظر "الجامع" لابن عبد البر (٣٩٥، ٤١٠)، "سنن الدارمي" (١/ ١٢٧)، "العلم" لأبي خيثمة (١٢٠)، "المعجم الكبير" للطبراني (٢٤٦)، "المستدرك" للحاكم (١/ ١٠٦)، "المحدث الفاصل" (ص ٣٦٨).
(٢) أخرج البخاري في "صحيحه" (١١٣) عن أبي هريرة قال: "ما من أصحاب النبي - ﷺ - أحدٌ أكثرَ حديثًا عنه مني، إلَّا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب".
(٣) ذكر منهم الخطيب في "تقييد العلم" (الفصل الثاني: باب ذكر من روي عنه من الصحابة - ﵃ - أنه كتب العلم أو أمر بكتابته): أبا بكر الصديق، وعمر بن الخطاب - وانظر ما قدّمناه عنه - وابن عباس، وأبا سعيد الخدري، وانظر: "الإلماع" (١٤٦)، "الناسخ والمنسوخ" (ص ٤٧٢) لابن شاهين، "محاسن الاصطلاح" (٣٦٢ - ٣٦٥)، "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٣٧/ ب - ٣٨/ أ)، "فتح الباري" (١/ ٢٠٧)، "فتح المغيث" (٢/ ١٤٢ - ١٤٥).
(٤) أخرجه البخاري (٢٤٣٤، ٦٨٨٠) ومسلم (١٣٥٥) من حديث أبي هريرة.
(٥) قال الخطيب في "التقييد" (ص ٩٣) عقب إيراده الإباحة عن أبي سعيد، وهو الذي رفع النهي عن النبي - ﷺ - وتقدم حديثه: "قلت: وأبو سعيد هو الذي رُوي عنه أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تكتبوا عني سوى القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه"، ثم هو يخبر أنهم كانوا يكتبون القرآن والتشهد. وفي ذلك دليل أن النهي عن كتب ما سوى القرآن، إنما كان على الوجه الذي بيناه: من أن يضاهي بكتاب الله تعالى غيره، وأن يشتغل عن القرآن بسواه؛ فلما =
[ ٥٤٠ ]
وأجمع المسلمونَ على إباحةِ الكِتَابة (^١)، ولولا تدوينُه لدَرَسَ في العصر الأخير (^٢).
* [إعجام الكتاب وتشكيله]:
١٤٤ - ثم إنَّ عَلى كَاتب الحديثِ وطالبهِ صَرْف الهمَّة إلى ضبطِ ما يكتبه أو يحصِّله بخطِّ غيرِه من مرويَّاته، شَكْلًا، ونَقْطًا يُؤمَنُ معها الالتباسُ، وكثيرًا ما يَتهاونون (^٣) بذلك اعتمادًا على ذهنهِ وتيقُّظهِ، وذلك
_________________
(١) = أمن ذلك، ودعت الحاجة إلى كتب العلم، لم يكره كتبه، كما لم تكره الصحابة كتب التشهد، ولا فرق بين التشهد وبين غيره من المعلوم، في أن الجميع ليس بقرآن … ". وللعلماء وجوه متعددة في التوفيق بين النصوص، فمنهم من قال: يكون الإذن لمن خاف النسيان، والنهى لمن وثق بحفظه، وخاف عليه الاتكال على الكتاب. انظر: "المحدث الفاصل" (٣٨٢)، "نكت الزركشي" (٣/ ٥٥٨ - ٦٦٥)، "محاسن الاصطلاح" (٣٦٧ - ٣٦٩)، "فتح المغيث" (٢/ ١٤٥)، "تأويل مختلف الحديث" (٩٣)، "فتح الباري" (١/ ٢٠٤)، "الإرشاد" (١/ ٤٢٧)، "صحائف الصحابة" (٣٩ - ٤٨) لأحمد الصويّان، "توثيق السنة في القرن الثاني الهجري" (٤٣ - ٥٥) لرفعت فوزي، "كتابه الحديث بأقلام الصحابة" (ص ١٩ - ٣٩).
(٢) حكى الإجماعَ غيرُ واحد من العلماء، انظر: "شرح النووي على صحيح مسلم" (١/ ٣١٢ و٩/ ١٢٩)، "المنهل الروي" (٩٢)، "محاسن الاصطلاح" (٣٦٩) - وعبارته: "والآن فهو مجمع عليه، لا يتطرق خلاف إليه" - "موسوعة الإجماع" (٢/ ٥٦٩) لسعدي أبو حبيب.
(٣) لله در الشافعي لما قال: "اعلموا - رحمكم الله - أنَّ هذا العلم يندُّ، كما تندُّ الإبل"، فاجعلوا الكتب له حُماة والأقلام عليه رعاة" انظر "تقييد العلم" (ص ١١٤).
(٤) كذا افي الأصل بالجمع والسياق بالمفرد فحقُّه: "يتهاون".
[ ٥٤١ ]
وخيمُ العَاقِبة، فإنَّ الإنسانَ مُعرَّضٌ للنِّسيان، (وأَوَّلُ ناسٍ أَوَّلُ النَّاس) (^١).
ثم إنه يُشْكَلُ (^٢) ولا يَعتني بتقييدِ الوَاضح الذي لا يَلْتبِس.
ونقل صاحب (^٣) كتاب "سِمَات الخَطِّ" أنَّ أهلَ العلمِ يكرَهون الإعجامَ والإعرابَ إلَّا في الملْتبِس.
وحكى غيرُه عن قومٍ أنه ينبغي أن يُشْكَل الجميع، لينتفع به المبتدئ وغيرُه (^٤).
_________________
(١) هذا عجز بيت لأبي الفتح البستي، وكان يكثر التجنيس في شعره، قال: يا أفْضَلَ النَّاسِ إفضالًا على الناس … وأكثر النَّاس إحسانًا إلى الناسِ نسيتَ وعدوِّك النسيان معتضد … فاعْذِر فأَوَّلُ ناسٍ أول الناسِ انظر: "نكت الزركشي" (٣/ ٥٦٥).
(٢) كذا في الأصل، وعبارة ابن الصلاح في "المقدمة" (١٨٤): "وإعجام المكتوب يمنع من استعجامه، وشكللُه يمنع من إشكاله، ثم لا ينبغي أن يتعنَّى بتقييد الواضح الذي لا يكلاد يلتبس، وقد أحسن من قال: إنما يُشْكلُ ما يُشْكل"، وانظر: "المحدث الفاصل" (٣٧٢)، "الإلماع" (١٥٠ - ١٥١) - ونصر فيه أن يُشَكِّل ما يُشْكل وما لا يُشْكِل -، "نكت الزركشي" (٣/ ٥٦٩ - ٥٧١)، "التقييد والإيضاح" (٢٠٥)، "الدر النضيد" (٤٤٣).
(٣) هو علي بن إبراهيم البغدادي، واسم كتابه "سمات الخط ورقومه" صرح بهما ابن الصلاح في "المقدمة" (ص ١٨٤)، قال: "وقرأت بخط صاحب كتاب "سمات الخط ورقومه" علي بن إبراهيم البغدادي". وأبهم ابن جماعة القائل والكتاب، انظر "المنهل الروي" (٩٢) والعبارة في "الدر النَّضيد" (٤٤٢) للغزي. وعلي بن إبراهيم هو ابن عيسى أبو الحسن الباقلاني، توفي سنة (٤٤٨ هـ)، ترجمته في "تاريخ بغداد" (١١/ ٣٤٢)، "شذرات الذهب" (٥/ ٢٠٦)، وذكر اسم كتابه حاجي خليفة في "كشف الظنون" (٢/ ١٠٠١).
(٤) هذا الذي رجحه القاضي عياض في "الإلماع" (١٥٠ - ١٥١) وحكاه عنه الغزِّي في "الدر النضيد" (٤٤٣ - ٤٤٤).
[ ٥٤٢ ]
فروع
* [الاعتناء بضبط الملتبس من الأسماء]
١٤٥ - الأول: ينبغي أن يكون اعتناؤه بضَبطِ الملتَبِس مِنَ الأسْماء، لأنَّها لا تُسْتَدرك بما قبلُ وما بعدُ (^١).
* [ضبط المشكل وطريقته]
١٤٦ - الثاني: يستحبُّ في الألفاظِ المشْكِلَة أن يَضبطها في مَتن الكتابِ، ثم يَكتُبها قُبَالَةَ ذلك في الحاشية مُفْرَدةً مَضْبوطةً، فإنَّ ذلك أبلغُ في إبانَتِها.
مثلًا: يَكْتبُ في "حنبش": ح ن ب ش.
* [شر الكتابة وأجودها]
ويحقِّق الخطَّ دون المَشْقِ (^٢) وتعْلِيقهِ (^٣).
_________________
(١) انظر: "الكفاية" (٢٤٢)، "الإلماع" (١٥٤ - ١٥٥)، "فتح المغيث" (٢/ ١٤٨)، "الإرشاد" (١/ ٤٣٠)، "المنهل الروي" (٩٢)، "الدر النضيد" (٤٤٤).
(٢) المشق: هو سرعة الكتابة مع بعثرة الحروف. انظر "الصحاح" (٤/ ١٥٦١)، "النهاية" (٤/ ٣٣٤)، "الدر النضيد" (٤٣٢)، "نكت الزركشي" (٣/ ٥٧٢ - ٥٧٣).
(٣) قيل: إن وزن الخطِّ مثلُ وزنِ القراءة، فأجودُ الخطِّ أبينُه، كما أنَّ أجود القراءة أبينُها، قاله إبراهيم بن العباس الصولي في "أدب الكتاب" (٥٤). والتعليق: خلط الحروف التي ينبغي تفريقها. فقد كره العلماء ذلك للحديثي عند النسخ وكذا الكتابة بالخط الدقيق، ليتسنى له حسن الضبط، وليتمكن الطلبة من المقابلة على نسخه. ولا يدرك هذا إلَّا من يتعنى النظر في المخطوطات، ومن المشهورين =
[ ٥٤٣ ]
قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: "شَرُّ الكتابةِ المَشْقُ، وشَرُّ القِرَاءةِ الهَذْرَمَة (^١)، وأجودُ الخطِّ أبينُه" (^٢).
ويُكْرَه الخطُّ الدَّقيق (^٣) إلّا مِنْ عُذرٍ، بأنْ لا يجد سَعةً في الوَرَقِ، أو رَحالًا يحتاج إلى تخفيفِ حَمْلها (^٤).
* [ضبط الأحرف المعجمة والمهملة]
وكما تُضبطُ الحروفُ المَعجمَة بالنَّقطِ، يَنبغي أنْ تُضبطَ المهملةُ بعلامةِ الإهمال.
_________________
(١) = بالتعليق يوسف بن عبد الهادي، وقد نسخ الكثير، وكثير من كتبه محفوظة بخطه في المكتبة الظاهرية، ويجد محققوها صعوبة شديدة في ترسم كلماتها، وقد يقع التعليق مع جودة الخط، كما في خط يحيى بن محمد الكرماني في كتاب شيخه البلقيني "الفوائد الجسام" وهو مما أملاه عليه عند قراءته عليه "قواعد العز بن عبد السلام"، وهو نسخة وحيدة فريدة فرغت - ولله الحمد - من نسخها بعد جهد جهيد، ووقوف طويل على كثير من الكلمات، ووزَّعتها في محالها على "قواعد العز" وسترى النور - إن شاء الله تعالى - قريبًا.
(٢) الهَذْرمَةُ: سُرعة القراءة مع تخليط، انظر "النهاية" (٥/ ٢٥٥) وفي هامش الأصل: "الهذرمة: بالذال المعجمة ثم الراء المهملة ثم ميم".
(٣) علقه ابن قتيبة في "غريب الحديث" عن عمر، وأخرجه من طريقه الخطيب في "الجامع" (١/ ٢٦٢)، وانظر "كنز العمال" (٢٩٥٤٧).
(٤) لأنه لا ينتفع به، أو لا يكملُ به الانتفاعُ لمن ضَعُفَ بصرُه، وربَّما ضَعُفَ نظرُ الكاتب نفسه بعد ذلك، فلا ينتفع به، كما قال الإمام أحمد بن حنبل لابن عمه حنبل بن إسحاق - ورآه يكتب خطًا دقيقًا -: لا تفعل، فإنه يخونك أحوج ما تكون إليه. ووقع للعواقي أنه ابن أخيه، وهو سَبق قلم. انظر: "الجامع لأخلاق الراوي" (٥٣٦)، "أدب الإملاء والاستملاء" (١/ ٥٨٣ رقم ٤٩٧)، "المنهل الروي" (٩٣).
(٥) قيل لبعض الطلاب: لماذا تقرمط في الكتابة؟ قال: لقلَّة الوَرَق والوَرِق، والحمل على العنق. انظر "أدب الإملاء والاستملاء" (٥٠٣).
[ ٥٤٤ ]
والنَّاسُ فيه (^١) مُختلِفون، منهم مَن يَقْلِبُ النُّقَط، فيجعل النُّقَطَ الَّتي فوقَ المعجماتِ تحتَ ما يُشاكِلُها مِنَ المهمَلات (^٢)، فَينْقُط تحت الدَّال، والرَّاء، والصَّاد، ونحوها مِنَ المهملاتِ التي لها مُشاكِلٌ من المعجمات.
ومنهم مَن يجعلُ علامَة الإهمالِ فوقَ الحروفِ المهملةِ كقُلَامة الظُّفُرِ مُضجعةً على قَفَاه (^٣).
ومنهم مَنْ يَجعلُ تحتَ كلِّ مُهملٍ حَرفًا صَغِيرًا مِنْ جِنْسِه، كالحاءِ الصَّغيرة تحتَ الحاءِ، وغير ذلك (^٤).
_________________
(١) أي في طريقة ضبط المهملات غير المعجمة.
(٢) ينقُطها من أسفل بنحو نقط نظيرها المعجم من أعلي، فينقُط الراء والدال مثلًا من أسفَل نقطة، والسين من أسفل ثلاثًا، ثم بعضهم يجعل الثلاث تحتها كالأثافي، والأنسب أن يكون ثنتين ثم واحدة تحتهما، وبعضهم يجعلها صفًّا، واختاره جماعة، قالوا: لئلا يزاحم بعضُ النقطِ بالسطر الذي يليه، فيظلم، وربما يلتبس. واستثنى البلقيني والعراقي منها الحاء، فلا تُنقط من أسفل، لئلا تشتبه بالجيم وهو ظاهر، انظر "الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد" (٤٤٦ - ٤٤٧)، "محاسن الاصطلاح" (٣٧١)، "التقييد والإيضاح" (٢٠٦)، "نكت الزركشي" (٣/ ٤٧٥).
(٣) كذا في الأصل، وصوابه: "قفاها"، وانظر: "المنهل الروي" (٩٣)، "الإرشاد" (١/ ٤٣١)، "الدر النضيد" (٤٤٧) وفيه: "أن يكتب على المهمل شَكلة صغيرة كالهلال، أو كالقلامة مضجعة على قفاها".
(٤) هذا عمل بعض أهل الشرق والأندلس، انظر: "الإلماع" (١٥٧). ومنهم: من يخطُّ خطًّا صغيرًا، قال ابن الصلاح: "موجود في كثير من الكتب القديمة، ولا يفطن له كثيرون"، ومنهم من يجعل تحت الحرت المهمل مثل الهمزة. انظر لما سبق: "الإلماع" (١٥٧)، "مقدمة ابن الصلاح" (٣٧١ - ط =
[ ٥٤٥ ]
* [عدم الاصطلاح مع النفس بما لا يفهمه الغير]
١٤٧ - الثالث: يَنْبغي أن لا يصطلحَ مع نَفسِه في كتابهِ بما لا يفهمُه غيرُه، كفعل مَن يجمعُ في كتابهِ روايات، ويرمزُ إلى روايةِ كلِّ راوٍ بحرفٍ أو حَرْفَين من اسمهِ (^١)، فإنْ بَيَّنَ في أول الكتابِ مرادَه فلا بأسَ به، والأولى أن يجتنبَ الرِّمزَ مُطلقًا (^٢).
* [الفصل بين كلّ حديثين أو كلامين وكيفيته]
١٤٨ - الرابع: أن يَجعلَ بينَ كلِّ حَديثين دَارةً تفصلُ بينهما (^٣)؛
_________________
(١) = بنت الشاطئ)، "التقييد والإيضاح" (٢٠٧)، "رسوم التحديث" (١٢١)، "فتح المغيث" (٢/ ١٥٤)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٣٦٦)، "الدر النضيد" (٤٤٦ - ٤٤٧).
(٢) يفعل هذا كثيرًا عبد الرحيم بن المِهتَرّ النَّهاوندي، وهو ناسخ مشهور، كتب الكثير، فوجدتُه في النسخة الألمانية من "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة يعتمد أكثر من نسخة قيِّمة ويرمز لكل واحدة منها برمز، ويعرف بها ولم يذكر اسمه عليها! وهكذا فعل في كتاب "الطبقات" للإمام مسلم، في نسخة المتحف البريطاني برقم (١٣٠٥٠)، انظر مقدمة تحقيقي له (١/ ٦٥ - ٧١).
(٣) لئلا يوقع غيره في حيرة، أما إذا بيَّن، فالأولى أن يكتب عند كلِّ رواية اسمَ راويها بكماله مختصرًا ولا يقتصر على العلامة ببعضه، ولا سيما قد تسقط الورقة أو المجلد، الذي فيه البيان فيتحير الواقف عليه. انظر: "مقدمة ابن الصلاح" (٣٧١ - ط بنت الشاطئ)، "الإرشاد" (١/ ٤٣٢)، "المنهل الروي" (٩٣)، "الاقتراح" (٢٩٥)، كتابي "البيان والإيضاح" (١٣٤ - ١٣٥).
(٤) ولا يوصل الكتابةَ كلَّها على طريقةٍ واحدةٍ، لما فيه من عُسْرِ استخراج المقصود، وتضييع الزّمان فيه ولا يُغْفِل ذلك إلَّا غبيٌّ جدًّا، قاله الغزي في "الدر النضيد" (٤٥٩).
[ ٥٤٦ ]
اقتداءً بالسَّلَف (^١)، واستحبَّ الخطيب (^٢) أن تكون الدارة غُفْلًا، فكلُّ حديثٍ يَفْرغُ من عَرْضِه يَنْقُط في الدَّارةِ التي تَليه نُقطةً.
قال: "وقد كانَ بعضُ أهل العلم إنَّما يَعتدُّ بالسَّماعِ، إذا كَانَ كَذلك" (^٣).
* [كراهة فصل المتضايفين ونحوهما]
١٤٩ - الخامس: كلُّ أسماءٍ مُشْتَمِلَةٍ على تَعبيدٍ (^٤) لله، كعَبد الله، وعبد الرَّحمن، وعبدِ الرَّحيم يكرهُ كتابةُ عبدٍ في آخر السَّطر، واسم اللهِ في أوّل سطرٍ آخر.
وكذا يُكْرَه أن يكتبَ في قال رسولُ الله - ﷺ - رسولُ في آخر سَطر، والله في أول سَطر آخر (^٥).
_________________
(١) ممن استحبَّه: أبو الزِّناد، وأحمد، والحربي، وابن جرير الطبري، والرواية عنهم في "الجامع لأخلاق الراوي" (٥٧٣) وعن أبي الزناد في "المحدث الفاصل" (٦٠٦).
(٢) في "الجامع" (١/ ٢٧٣).
(٣) الجامع لأخلاق الراوي (١/ ٢٧٣). وانظر: "فتح المغيث" (٢/ ١٥٧)، "المنهل الروي" (٩٣)، "رسوم التحديث" (١٢٢)، "الدر النضيد" (٤٥٩ - ٤٦٠)، "البيان والإيضاح شرح نظم العراقي للاقتراح" (١٣٥) بقلمي، نشر الدار الأثريّة.
(٤) في الأصل "تعبيدًا"!!
(٥) جعله العراقي في "التقييد والإيضاح" (٢٠٨) من الواجبات، واستحسنه في "نظم الاقتراح" (١٣٥ - مع شرحي "البيان") تبعًا لابن دقيق العيد، ونقل الخطيب في (١/ ٢٦٨) عن ابن بطة قوله: "هذا كله غلط قبيح، فيجب على الكاتب أن يتوقَّاه، ويتحفَّظ منه"، قال الخطيب عقبه: "وهذا الذي ذكره صحيح، فيجب اجتنابه". وقال الأبناسي في "الشذا الفياح" (١/ ٣٣٥): "ولا يختص ذلك بأسماء =
[ ٥٤٧ ]
* [آداب النسخ والكتابة]
١٥٠ - السَّادس: يَنْبغي أن يُحافَظ على كَتْب الصَّلاةِ والتَّسليم على رسولِ الله - ﷺ - عند ذكره، لا يَسأَمُ مِنْ تَكريره، ومَنْ أَغْفَل ذلك حُرِم حظًّا عظيمًا (^١)، وما يكتبه من ذلك فهو دعاء لنبيِّه (^٢) لا كلامٌ يَروِيه، فلا يَتقيَّد بالرِّواية، ولا يقتصر فيه على ما في الأصل (^٣).
_________________
(١) = الله تعالى، بل أسماء النبي - ﷺ - وأسماء الصحابة" قال: "وينبغي أن يجتنب أيضًا ما يستبشع، ولو وقع ذلك في غير المضاف إليه" وانظر: "الإرشاد" (١/ ٤٣٣)، "نكت الزركشي" (٣/ ٥٧٥)، "المنهل الروي" (٩٣)، "تدريب الراوي) (٢/ ٧٤)، "فتح المغيث" (٢/ ١٥٨)، "الدر النضيد" (٤٣٧ - ٤٣٨).
(٢) بيَّن الإمام ابن القيم في "جلاء الأفهام" (ص ٦١٢ - ٦٢٦ - بتحقيقي) في الباب الخامس: في الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة عليه - ﷺ - الحظ والفوائد المترتبة على الصلاة على النبي - ﷺ - على وجه مستوعَب، وبسط فيه النَّفَس بما يعجب ويغرب، ويجعل الواقف عليه يقول: "سبحان الوهاب"!
(٣) - ﷺ -، ذكر البخاري في "صحيحه" (٨/ ٥٣٢ - ٥٣٣ - مع "الفتح") معلِّقًا بصيغة الجزم عن أبي العالية قال: "صلاةُ الله على رسوله - ﷺ - ثناؤه عليه عند الملائكة"، وأخرجه عنه القاضي إسماعيل في "الصلاة على النبي - ﷺ -" (٩٥) موصولًا بإسناد حسن، ولفظه: "صلاة الله ﷿ ثناؤه عليه، وصلاة الملائكة عليه الدعاء" وهذا أصح ما قيل في ذلك، وعزاه في "الدر المنثور" (٦/ ٦٤٩) لعبد بن حميد.
(٤) مال ابن دقيق العيد في "الاقتراح" (٤٢ - ٤٣) أن يتبع الأصول والروايات، ولا يزيد على ما في الأصل، ولذا فعليه حين النُّطق بالصلاة على النبي - ﷺ - أمران: الأول: أن ينوي أنه هو المصلِّي، لا حاكيًا عن غيره. والآخر: أن يأتي بقرينة تصاحب النُّطق، تدَّلل على أنَّها ليست فيه، مثل: أن يرفع رأسه من الكتاب الذي يقرأ فيه. وانظر: "الباعث الحثيث" (١٣٦)، كتابي "البيان والإيضاح" (١٣٦)، "الدر النضيد" (٤٣١)، واستظهر غير واحد أن المذكور مذهب أحمد. انظر: "محاسن الاصطلاح" (٣٧٤)، "نكت الزركشي" (٣/ ٥٧٩) خلافًا لمُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٣٩/ أ).
[ ٥٤٨ ]
* [اتباع لفظ الجلالة بما يعظم به]
وهَكَذا في الثَّناء على ذِكْرِ الله ﷿، نحو: سُبحانَه، أو تعالى، أو ﷿، أو ما أشبهَ ذلك.
وإذا وَجَدَ شيئًا من ذلك قد جاءتْ به الرِّواية كانت العنايةُ بإثباته وضبطهِ أكثرَ.
* [التحذير من اختصار الصلاة على رسول الله - ﷺ -]
ولْيتجنَّب عن النَّقْصِ في الكتابِ بأن يرمزَ إلى - ﷺ - بمثل هذا "صلعم" (^١)، وإلى الثناء على الله ﷿ بمثل "تع"، وعن النَّقص في أحد اللفظين من الصَّلاة والسَّلام.
_________________
(١) نقل أحمد تيمور باشا في "التذكرة التيمورية" (ص ٢٢٩) عن "فتاوى ابن حجر الهيتمي" (١/ ١٦٨) عدم جواز هذا الاصطلاح، وقال: "بل الواجب التصلية والتسليم" قال: "وهذا يدلُّ على أنَّ هذا الاختصار، أو النحت الممقوت من زمن ابن حجر". قلت: بل قبله كما تراه هنا، ووصف الفيروزآبادي في "الصلات والبشر" (ص ١١٤) من يفعل ذلك بقوله: "يفعله بعض الكسالى والجهلة وعوام الطلبة". وقال الغزي في "الدر النضيد" (٤٢٨ - ٤٢٩): "ولا يختصر الصلاة" في الكتاب، ولا يسأم من تكريرها ولو وقعت في السطر مرارًا، كما يفعل بعض المحرومين المتخلفين من كتابة (صلعم) أو (صلع) أو (صلم) أو (صم) أو (صلسلم)، فإن ذلك خلاف الأولى؛ بل قال العراقي إنه مكروه ويقال: إن أول من كتب (صلعم) قُطعت يده". وقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على "مسند أحمد" (٧/ ٥٠٨٧) عن (صلعم): "وهي الاصطلاح السخيف لبعض المتأخرين في اختصار الصلاة على رسول الله - ﷺ - "!
[ ٥٤٩ ]
* [الترضي والترحم على الأكابر]
قال الشَّيخ محيي الدِّين: "وكذا التَّرضِّي (^١) والتَّرحُّم على الصَّحابةِ والعُلماءِ وسائر الأخيار"، فَتُثْبتهُ، ولا تُنقص، ولا ترمُز إليها (^٢).
* [المقابلة]
١٥١ - السَّابع: على الطَّالب أن يُقابلَ كتابَه بأصل سَماعهِ (^٣)، وَإِنْ
_________________
(١) في الأصل "الرضى" والمثبت من "الإرشاد" (١/ ٤٣٤)، "التقريب" (٣/ ٣٢٠ - ط العاصمة مع "التدريب")، "الأذكار" (١/ ١٣٦) كلها للنووي.
(٢) انظر: "الجامع لأخلاق الراوي" (٢/ ١٠٣ - ١٠٧)، "تذكرة السامع والمتكلم" (١٧٥)، "رسوم التحديث" (١٢٢)، "المنهل الروي" (٩٤) - وعبارته: "ويكره الرمز بالصلاة، والترضي في الكتابة بل يكتب ذلك بكماله" -، "فتح المغيث" (٢/ ١٦٤)، "الدر النضيد" (٤٢٨ - ٤٣٢).
(٣) من أهم المهمات، وأوجب الواجبات في كتابة الحديث مقابلة المنسوخ بأصل السماع وإصلاح ما يوجد من فروق أو تحريف أو تصحيف أو زيادة أو نقص، وتسمى النسخة القديمة الأصل، وتسمى النسخة الجديدة الفرع. وكذا مقابلة ما نشر على أصول خطية عند إعادة الطبع، ولا سيما أن تحصيل عدة نسخ خطية للكتاب كان أمرًا عسرًا، يحتاج المحقق - قبل - إلى السفر إلى عدة بلدان، أو يطلب من مسافر إلى تلك البلدة أن ينسخ له المخطوط، بخلاف اليوم، الذي أصبح فيه من الممكن تصوير المخطوطات وجمع نسخها، ومشاهدة صورها بعيني رأس المحقق نفسه، وإن اعترى هذا بعض السلبيات، مثل: خفاء بعض معالم المخطوط - ولا سيما الهوامش - في التصوير، وعدم ظهور بعض الكلمات أحيانًا ولا سيما التي أثبتت بلونٍ مغاير، ويفوت المحقق تقدير عمر المخطوط من حالة الورق، ونوع المداد، والإصلاحات والترميمات التي طرأت عليه، وما شابه. والأحسن أن تكون مقابلة افي حاديث في حالة السماع حين يحدث الشيخ، أو يقرأ عليه، إذا تيسَّر ذلك، لتثبُّت الراوي في القراءة، وإلا فالاختيار تقديم المقابلة؛ لأن الأصل متى قوبل كان أيسر في حالة السماع، ويسهل الوقوف على التصحيف، واكتشاف الغلط، وإثبات الساقط.
[ ٥٥٠ ]
كانَ إجازةً (^١).
* [أفضل أنواعها]
وأفضلُ المقابلةِ أنْ يُمسكَ الطَّالبُ بكتابه والشَّيخُ كتابه حال السَّماع (^٢)، ويستحبُّ أن ينظرَ معه مِنَ الحاضرين مَن لا نُسخةَ مَعهُ،
_________________
(١) هذه عبارة النووي في "الإرشاد" (١/ ٤٣٥ - ٤٣٦) وابن جماعة في "المنهل الروي" (٩٤) وهي مشكلة! ولذا علق محقق "الإرشاد" أخونا الشيخ عبد الباري السلفي بقوله: "كلام المصنف هنا ليس بمستقيم؛ لأنه كيف يكون السماع بالإجازة، وهما قسيمان فيما بينهما"! قلت: اختصار العبارة على النحو المذكور ترتب عليه هذا الإشكال، وعبارة ابن الصلاح: "على الطالب مقابلة كتابه باصل سماعه وكتاب شيخه الذي يروبه عنه، لإن كان إجازة".
(٢) مقابلة الشخص - بنفسه لمنسوخه على الأصل، فقد قيل: إنه أصدق المعارضة، لما يجتمع من الإتقان بسبب ذلك، وهو من أفضل الوسائل للوصول إلى ما في الأصل بضبط وإتقان. وقال ابن دقيق العيد في "الاقتراح" (٢٦٣): "وعندي أن ذلك يختلف باختلاف الشخص، فمن كان من عادته أن لا يسهو عند نظره في الأصل والفرع، فهذا يقابل بنفسه، ومَنْ عادته - لقلَّةْ حفظه - أنْ يسهو، فمقابلته مع الغير أولى أو أوجب"، وقال السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ١٦٨): "والحق ما قاله ابن دقيق العيد"، وأيّده قبلة الزركشي في "نكته" (٣/ ٥٨٣). وأولاه وأفضله كما قال المصنف ما كان جمع مصنِّفه، ثم - ما كانْ مع غيره من أصلٍ بخطِّ المصنف، ثم بأصلٍ قُوبِلَ معَهُ لا سِيما إذا كَانَ عليهِ خَطُّهُ، ثم بما قُوبِلَ على نُسْختهِ مع غيرِهِ، ثم غيرِ ذلك مما هو صحيحٌ؛ مقابل مُحررٌ، لأنَّ الغَرَض المطلوبَ أنْ يكونَ كتابُهُ مُطَابقًا لأصْلِ المصنِّفِ، فسواءٌ فيهِ حَصَلَ ذلك؛ بواسِطة أو بغيرِهَا، وفي مَعْنىْ مقابلتِهِ عنى أصْلِ المصنفِ، وما ذكر بعدهَ مقابلتَهُ في الكتب، والأجزاء الحديثية، ونحوِها التي تُرَامُ رِوَايتُها على أصْل الشَّيخِ الذِي يرْويَها عَنْه، أو أصْلِ أصلِهِ الَّذِي قُوبل أصْلُه عليهِ وإنْ علا، أو فرَعِهِ المَقابَلِ عليهِ، أو فرعِ فرعه، هكذا، وإن ترك لحصول المطْلوبِ، =
[ ٥٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كما مَرَّ، سواءٌ عَارَضَ مع نفسِهِ أمْ عارَضَ هُو أو ثِقَةٌ فقط غيره مع شيخِهِ، أو ثقةٌ فقط غيره، وقَعَ حَالَ السَّماعِ أمْ لا، لحصولِ المطْلوب، لكن خيرُ العَرْضِ ههنا؛ ما كانَ مَعَ إسْنادِهِ بِنفسِهِ في حَالةِ السَّماعِ منه، أوَ عليه، أو قراءتُه هو عليهِ، لما في ذَلِك مِن الاحْتياطِ التَّامِّ، والإتقانِ منَ الجَانبينِ. وبالجملة؛ فمقابلة الكتاب الذي يُرام النفعُ به على أي وجه كان بما يفيد الصِّحَّة، وحصول الغرض متعيّنة، لا بُد منها، انظر "الدر النضيد" (٤٣٩ - ٤٤٠). وتسمَّح قوم من المغاربة وبعض المشارقة بجواز المقابلة بأصل شيخ الشيخ، لا بأصل سماعه من الشيخ. وأباه المحققون من العلماء، ووجهه: أنه يحتمل أن يكون الذي يريد أن يرويه غير مسموع لصاحبه، وإن كان في أصل شيخ الشيخ، فيكون في روايته له مبلِّغًا ما لم يتحمَّل. قال أبو عبيدة: نرجو أن يكون ذلك واسعًا بانضمامه إلى الإجازة، أفاده الذهبي في "السير" (١٦/ ٣٨٩). (ملاحظة) في تحقيق المخطوطات عند فقدان نسخة المصنف أو نسخة منقولة عنها لا بد من جمع النسخ، والنظر فيها، وفي بعض الحالات يجب أن يكون ذلك مع وجود نسخة المصنف، وذلك- مثلًا - عند زيادة المصنف على كتابه، ولم تقف على نسخته المزيدة، وبالوقوف على عدة نسخ يظهر الصواب، وترى مثلًا عليه في "تعجيل المنفعة" (ترجمة بكر بن كنانة). وليحرص المحقق على الوقوف على أكمل النسخ وأضبطها، فمثلًا كتاب السخاوي "فتح المغيث" له نسخ خطية عديدة، وتمتاز نسخة الحرم المكي بزيادات عديدة قد تصل إلى الثلث، ولكتاب "الجمهرة" لابن دريد اللغوي (ت ٣٢١ هـ) نسخ عديدة، بيَّنها النديم (١) في "الفهرست" (٦٧) قال عنه: "مختلف النسخ، كثير الزيادة والنقصان، لأنه أملاه بفارس، وأملاه ببغداد=
(٢) من الخطأ قولهم: (ابن النديم)!
[ ٥٥٢ ]
لا سيِّما إنْ أراد هو أيضًا النقلَ مِنْ هذه النُّسخَةِ.
[أمور لا تشترط في المقابلة]
ولا يُشترطُ في صِحَّةِ السَّماع نَظَرُ الشَّيخِ في أصْله، بل يصحُّ السَّماعُ وإنْ لم ينْظُر أصلًا في الكتابِ حالَ القِراءة، خِلافًا ليحيى بن مَعين ومَن تَابَعه (^١).
_________________
(١) = من حفظه، فلما اختلف الإملاء، زاد ونقص، ولما أملاه بفارس علامة يعلم من أول الكتاب، والتامة التي عليها المعوّل هي النسخة الأخيرة، وآخر ما صح من النسخ نسخة أبي الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي، لأنه كتبها من عدّة نسخ وقرأها عليه". وكذلك "تفسير ابن كثير" فجل المطبوع من إملائه، وخطه على النسخة الأزهرية، وكتاب "غاية المقصد في زوائد المسند" للهيثمي، له نسخ عديدة، وخطه على نسخة مكتبة البلدية بالأسكندرية، ونص على أنها هي التي قام بتعديلها، وأنها هي المعتمدة. وهنالك مواد أجنبية تضاف على أصول الكتب، والمصنف منها بريء، فلا يغررك انتشارها وكثرتها، كما حصل في "الكبائر" للذهبي، فالمطول منه فيه خرافات وأوابد يجل عن مثلها الإمام الذهبي، ومن دونه من المحررين النابهين، وهكذا، ومعذرة على هذا الاستطراد إلَّا أني رأيته مهمًّا للمشتغلين بعلم الحديث والعناية بكتبه ومخطوطاته هذه الأيام، والمذكور غيض من فيض، وهو شبه عري عن الإفراد بالتصتيف، ولا قوة إلا بالله. انظر كتابي "البيان والإيضاح" (١٣٨ - ١٣٩).
(٢) حكاه الخطيب في "الكفاية" (٢٣٨ - ٢٣٩) عن ابن معين ومحمد بن مسلم بن وارة، والعمل على خلاف هذا الشرط في العصور المتأخرة، لذا قال ابن الصلاح في "المقدمة" (ص ٣٧٧ - ط بنت الشاطئ) عنه: "من مذاهب أهل التشديد في الرواية"، وقال النووي في "الإرشاد" (١/ ٤٣٧): "وهذا مذهب شاذٌّ متروك"، وصحح ابن جماعة في "المنهل الروي" (٩٤) القول الآخر بعد أن حكى قول ابن معين، ووجّهه السخاوي في "فتح المغيث"=
[ ٥٥٣ ]
ولا يُشترطُ أيضًا أنْ يقابَله بنفسِه، بل تكفيه المقابلةُ بأصلِ الشَّيخ، وإنْ كان في غيرِ حَالِ القِراءة، لكنْ إذا قَابَلَه مَن يوثَقُ به بأصلِ الشَّيخِ أو بفَرْعٍ قُوبل بأصْله (^١).
[الرواية من الكتاب غير المقابل]:
وأما إذا لم يُعارِض كتابَه أصلًا، فقد أجاز الرِّوايةَ منه الأستاذ أبو إسْحَاق الإسْفَرايينيّ، وأبو بكْر الإسْمَاعيليّ، والبَرْقَاني، والخَطيب (^٢)، ولكن بشرط أن تكون نسخةُ الطالب منقولةً من الأصل،
_________________
(١) = (٢/ ١٧٠) بقوله: "يمكن أن يخص الاشتراط بما إذا لم يكن صاحب النسخة مأمونًا موثوقًا بضبطه، ولم يكن تقدّم العرض بأصل الراوي، فإنه حينئذ لا بد من النظر". قال أبو عبيدة: وهذا فحوى قول السابقين، فقد نقل عباس الدوري في "تاريخه" (٢/ ٥٢٥): "كان ابن أبي ذئب يحدّث، فيقرأ عليهم كتابًا، ثم يلقيه عليهم، فيكتبونه، ولم ينظروا في الكتاب". وقال الخطيب عقب نقله عمن تقدم: "ويجوز أيضًا ترك النظر في النسخة رأسًا حال القراءة، إذا كان قد تقدّم مقابلتها بأصل الراوي، فأما إذا لم يكن عورض بها فلا تجوز الرواية منها، إلا أن تكون نقلت من الأصل، ويلزمه أيضًا بيان ذلك".
(٢) قال ابن جماعة في "المنهل الروي" (٩٤): "والصحيح أنه يكفي مقابلة ثقة أيّ وقت كان، ويكفي مقابلته بفرع قوبل بأصلٍ للشيخ، وباصل أَصل الشيخ المقابل به أصل الشيخ". قلت: سبق تحقيق مسألة المقابلة بـ (أصل أصل) الشيخ، وانظر لها "نكت الزركشي" (٣/ ٥٨٥).
(٣) حكاه عنهم الخطيب في "الكفاية" (٢٣٩) أو (٢/ ١٠٨ - ط دار الهدى)، وقال عن البرقاني: "روى لنا أحاديث كثيرة، وقال فيها: أنا فلان، ولم يعارض بالأصل".
[ ٥٥٤ ]
وأنْ يبيِّن عند الرواية أنه لم يُعارِض، وأن يكون ناقلُ النُّسخةِ صحيحَ النَّقل، قليلَ السَّقْط (^١).
[أمور ينبغي مراعاتها في المقابلة]
ثم يَنبغي أن يراعيَ في كتاب شَيخهِ بالنِّسبة إلى مَنْ فَوقه مثلَ ما ذكرناه في كتابهِ، ولا يكونُ كطائفةٍ من الطَّلبَةِ إذا رَأَوا سماعَ شيخٍ لكتابٍ قرأوه عليه من أيِّ النُّسَخ اتَّفقَتْ (^٢).
[اللّحَق]
١٥٢ - الثامن: إذا خُرِّجَ السَّاقِطُ في الحواشي، ويُسمَّى اللَّحَق، بفتح اللام والحاء، فيخط من مَوضِع سقوطهِ خَطًّا صاعدًا قليلًا معطوفًا بين السَّطرين عطفةً يسيرةً إلى جهة اللَّحق (^٣).
_________________
(١) الشرط الأخير: "أن يكون ناقل النسخة. . ." عند ابن الصلاح ومختصري كتابه، والمصنف نقل عبارة النووي في "الإرشاد" (١/ ٤٣٨)، ونحوها في "المنهل الروي" (٩٤)، وعبارة الجعبري في "رسوم التحديث" (١٢٣): "إنْ غلب صواب الناقل". والشرط الثاني: "أن يبيِّن عند الرواية أنه لم يعارض"، اشترطه الثلاثة غير الإسفرائيني. والشرط الأول، اشترطه القاضي عياض في "الإلماع" (ص ١٥٩) وقبله الخطيب في "الكفاية" (٢٣٩). قال أبو عبيدة: أضعفها الثالث، وأقواها الأول، وسيأتي في فقرة رقم (١٥٧) ذِكرٌ عن الحاكم أن فاعلَ ذلك مجروح، وفي فقرة رقم (١٥٩) خلاف ما قرره هنا، فتنبّه.
(٢) انظر: "مقدمة ابن الصلاح" (٣٧٨ - ط بنت الشاطئ)، "الإرشاد" (١/ ٤٣٨)، "المنهل الروي" (٩٤).
(٣) يُعالج الناسخ السقط الذي يطرأ له سهوًا في المقابلة، أو بعد=
[ ٥٥٥ ]
وقيلَ: (^١) يمدُّ العطفَة إلى أول اللَّحَق (^٢) ثم يكتب اللَّحَقَ قِبَالَةَ العَطف.
_________________
(١) = تجاوز الموضع، ثم أراد أن يستدركه فله طرق مصطلح عليها، يعرفها من تعنَّى التحقيق، والنظر في النسخ الخطية. فمن الخطأ إقحام السقط بين السطور، وإنما يوضع في حاشية الصفحة، ويشير إلى مكانه من النص بما يسمى (علامة الإلحاق) أو (الإحالة)، وهي عبارة عن خط رأسي مائل نحو اليمين إلى الجهة العليا، ويكتب الاستدراك على الحاشية اليمنى فإذا وقع سقط آخر في السطر نفسه وضع الإلحاق نحو اليسار، ويكتب الاستدراك على الحاشية اليسرى للصفحة، وهذا فائدة كون الأول على اليمين، وأما فائدة كونها إلى الجهة العليا فالحذر من أن يقع سقط آخر أسفل من الموضع الأول، فلو كتب الأول إلى أسفل، لاختلط بالثاني. ومنه يظهر ما في عبارة المصنف، والأدق منها قوله: "إلى جهة الحاشية التي يكتب فيها اللحق". والمذكور عبارة النووي في "الإرشاد" (١/ ٤٣٩) وابن جماعة في "المنهل الروي" (٩٤ - ٩٥).
(٢) قائله الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٦٠٦)، وذلك للإيضاح، وانظر "الإلماع" (١٦٤).
(٣) لم أره هكذا عند النُّسَّاخ! ويعجبني تعليل النووي في "الإرشاد" (١/ ٤٣٩) في ردّه، قال: "والمختار أنه يقتصر على العطفة اليسيرة، لئلا يسوّد الكتاب، ويوهم الضّرب على بعض المكتوب". ثم وجدته مأخوذًا من ابن الصلاح، وعبارته في "المقدمة" (٣٧٩ - ط بنت الشاطئ) عقب نسبته للرامهرمزي: "وهذا أيضًا غيرُ مرضيٍّ، فإنه وإنْ كان فيه زيادة بيان، فهو تسخيم للكتاب، وتسويد له ولا سيما عند كثرة الإلحاقات، والله أعلم"، ثم وجدتُ نحوه للقاضي عياض في "الإلماع" (١٦٤). نعم، إن لم يكن ما يقابل محلَّ السُّقوط خاليًا، واضطُرَّ لكتابته بمحل آخر مدَّ حينئذ الخطَّ إلى أوّل السَّاقط، أو كتب قبالة المحلّ يتلوه: كذا في المحل الفلاني، أو نحوه من رمزٍ وغيره، كيما يزول اللَّبْسُ، ذكره العراقي، قال: "ورأيتُ في خطٍّ غير واحد ممن يُعتمدُ إيصالَ الخطِّ إذا بعُد الساقِطُ عن=
[ ٥٥٦ ]
وجهة اليمين إن اتَّسَعتْ أولى إلا أن يسقط في آخر السَّطر، ويكتبه صاعدًا إلى أعلى الورقةِ، ثم يكتبُ في أثناء اللَّحق "صح".
وقيل: يكتبُ معها: "رَجَع" (^١).
وقيلَ: يكتبُ في آخر اللَّحق الكلمةَ المتَّصلة به داخل الكتاب (^٢)، وليس هذا بمرضيٍّ، لأن بعض الكلمات تجيء مكررات، فيوهم أنَّ ذلك التَّكرار مِنْ ذاك (^٣).
[كيفية التخريج للحواشي ونحوها]:
وأمّا ما يُخرجُ في الحواشي من شَرحٍ أو تَنبيهٍ على غَلَطٍ، أو اختلافِ روايةٍ، أو نُسخةٍ، أو نحوِ ذلك مما ليس من الأصلِ، فقال
_________________
(١) = محلَّ السّقوط، وهو جيد حسن". انظر "فتح المغيث" (٣٢٣) للعراقي، "الدر النضيد" (٤٥٧).
(٢) وبعضهم يقتصر على "رجع" كما قال ابن حجر، وبعضهم يكتب: "انتهى اللحق"، أي: بدل "صح" و"رجع". انظر "الإلماع" (١٦٢)، "فتح المغيث" (٢/ ١٧٤). (فائدة) إن ضاقت الحواشي، فيضع (فرخة) بين الورقتين، وكتب موضعه: (انتقل إلى الفرخَة) وآخرها (ارجع إليه) قاله الجعبري في "رسوم التحديث" (١٢٤) وهذا كثير العمل به في المخطوطات.
(٣) هو اختيار جماعة من أهل المغرب، وجماعة من أهل المشرق، منهم الرامهرمزي، انظر: "المحدث الفاصل" (٦٠٦ - ٦٠٧)، "الدر النضيد" (٤٥٨).
(٤) انظر: "الإلماع" (١٦٣)، "فتح المغيث" للعراقي (٣٢٣)، "فتح المغيث" (٣/ ١٧٣) للسخاوي، "الدر النضيد" (٤٥٨)، "البيان والإيضاح" (١٤٢)، "المنهل الروي" (٩٥) - وعبارته: "وليس بمرضيّ، لأنه تطويلٌ مُوهمٌ"- و"رسوم التحديث" (١٢٤).
[ ٥٥٧ ]
القاضي عياض: "لا يخرجُ لذلك خطَّ تخريج، لئلا يحسبَ من الأصلِ، لكنْ على الحروفِ المقصودة علامةً، كالضَّبَّة إيذانًا به" (^١).
والمختارُ استحبابُ التَّخريجِ ليدلَّ على المقصودِ أكثر، ويجعل هذا التَّخريج على نفسِ الكَلمةِ المخرَّج لها، لا يكتبُ [آخرها في. . .] (^٢) ما خَرَّجَه: "صَحَّ"، بخلاف التَّخريج الأوّل، فإنَّه يكون بين الكَلمتين، بينهما سَقطُ شيءٍ، ويكتبُ في اللَّحَق "صحَّ"؛ فَافْترقَا (^٣).
[فنّ تصحيح الكتاب]
١٥٣ - التاسع: مِنْ شَأن الحذّاق المتصيّنين (^٤) العناية بالتَّصحيح والتَّضبيب والتَّمريض، فهذه ثلاثة أمور يستعملونها:
[التصحيح]
أما التصحيح فهو أنْ يكتبَ "صَحَّ" على كلامٍ صحيح روايةً ومعنىً،
_________________
(١) الإلماع (١٦٤) بنحوه.
(٢) ما بين المعقوفتين غير ظاهر في الأصل، وأثبتُّه بناءً على ترسم بعض حروف متبقية من الكلمتين، وبقيت كلمة غير واضحة ألبتة!
(٣) وبعضهم يكتب على أول المكتوب في الحاشية من ذلك: "حاشية" أو "فائدة" أو صورة (حـ)، وبعضهم يكتب ذلك في آخره، ولا ينبغي أن يكتب إلا الفوائد المهمة المتعلّقة بذلك الكتاب أو المحلّ. انظر: "مقدمة ابن الصلاح" (٣٨٠ - ط بنت الشاطئ)، "الإرشاد" (١/ ٤٤٠ - ٤٤١)، "المنهل الروي" (٩٥) - وفيه: "ولا يكتب الحواشي بين الأسطر، ولا في كتاب لا يملكه إلا بإذن صاحبه"-، "رسوم التحديث" (١٢٤)، "الدر النضيد" (٤٦٤ - ٤٦٥).
(٤) كذا في الأصل، وفي "مقدمة ابن الصلاح" (٣٨٠ - ط بنت الشاطئ) و"الإرشاد" (١/ ٤٤١): "المتقنين".
[ ٥٥٨ ]
إلا أنَّه عُرضةٌ للشَّك، والخلافِ، فيكتب عليه "صح"، ليُعْرَفَ أنّه لم يَغْفَلْ عنه، وأنّه قد ضُبطَ وصَحَّ على ذلك الوَجه.
[التضبيب]
وأما التَّضبيبُ، ويُسمَّى التَّمريض أيضًا، فيُجْعَل على ما صَحَّ وُرودُه مِنْ جهةِ النَّقل كذلك، إلا أنّه فاسد لَفظًا أو معنىً، أو ضعيفٌ، أو نَاقِصٌ، مثلَ أن يكونَ غيرَ جائزٍ من جهةِ العربيَّةِ، أو يكون شاذًّا عند أهلِها، أو مُصَحَّفًا، أو ينقُصَ من جملةِ الكلام كلمة أو أكثر، وما أشبه ذلك، يُمَدُّ خَطٌّ أوّلهُ مِثلُ الصَّاد، ولا يُلْزَقُ بكلمةٍ معلَّمة عليها لئلا يُظنَّ ضَربًا، فكأنّه صَادُ التَّصحيح (^١) كُتِبَتْ كذلك ليفرِّق بين ما صَحَّ مُطلَقًا، وبينَ مَا صَحَّ روايةً فحسبُ (^٢)، نحو هذا "صـ" (^٣)، ويُسَمَّى ضَبَّةً لكونِ
_________________
(١) بمدَّتها دون حائها، انظر "الاقتراح" (٣٠٠)، "نكت الزركشي" (٣/ ٥٨٧).
(٢) قاله عياض في خطبة "مشارق الأنوار" (١/ ٤) ثم في "الإلماع (١٦٧). قال أبو عبيدة: وفي هذه التدابير وغيرها دلالة واضحة على ضرورة احترام النص، وعدم العبث به وتغييره، لأي سبب من الأسباب، وإذا بدا خطأ فيه لناسخه فلا يقدم على تصحيحه، إلا إذا تبيّن وجه الصواب فيه ووجوب الإشارة إلى ما كان في الأصل، وتمييزه عما صححه، وفق طريقة متّبعة، متعارف عليها. انظر كتابي "البيان والإيضاح" (١٤٠).
(٣) أشاروا بكتابة الضبَّة نصف (صح) إلى أن الصحة لم تكْمُل فيما هي فوقه مع صحّة روايته أو مقابلته مثلًا، وإلى تنبيه الناظر فيه على أنه مُتَثَبِّتٌ في نَقْله، غيرُ غافِلٍ، فلا يظُنُّ أنه غَلَطٌ فيُصْلحه، قاله الغزي في "الدر النضيد" (٤٤٩)، والعلموي في "المعيد في أدب المفيد والمستفيد" (١٣٦). وقد يضع الناسخ الحاذق علامة (كذا) ويكتب فوق الكلمة، وهي الأخرى تدل على معنى فاسد عنده، وهي الشك والتردد، أو تكون تنبيهًا منه على تيقظه عند نسخه للكتاب، وأنه هكذا وجده في الأصل المنقول عنه،=
[ ٥٥٩ ]
الكَلِمَةِ مُقفلة بها (^١)، ولأنَّها على كلامٍ محتملٍ كالضَّبِّ على الكَسْرِ (^٢).
قلت: ويجوز أن تكونَ هذه العلامةُ إشارةً إلى ضَبَّةٍ، ليُوافق صورتُها معناها (^٣)، والله أعلم.
[المواضع التي يضببون فيها]
ومن المواضع التي يضببون فيها كثيرًا موضع الإرسالِ (^٤) الذي وقع في الإسناد.
_________________
(١) = وقد يضع بعض النساخ علامة (ط) إشارة إلى أنه يرى أن ما في الأصل غلط، انظر "مفتاح السعادة" (١/ ١١٥) لطاش كبرى زاده، كتابي "البيان والإيضاح" (١٤٠، ١٤٣).
(٢) هذا التعليل لأبي القاسم إبراهيم بن محمد بن زكريا اللغوي، المعروف بـ (ابن الإفليلي) أسنده عنه الحميدي في "جذوة المقتبس" (١٥٢) وابن صمدون في "جزء جمعه"- كما في "نكت الزركشي" (٣/ ٥٨٨) - والقاضي عياض في "الإلماع" (١٦٨). ومعناه: أنّ ضبة القدح جُعلت جابرة للكسر الذي هو فيه، وضبّة الكتابة جُعِلت مُنبّهة على أنّ فيه خللًا، وهذا أولى من القول الآتي. وانظر: "محاسن الاصطلاح" (٣٨١)، "الدر النضيد" (٤٤٩) - وفيه: "أو بضبَّة الباب لكون المحلِّ مقفلًا بها، لا تُتجهُ قراءتُه كما أن الضَّبَّة يُقْفَلُ بها"-.
(٣) هذا كلام ابن الصلاح في "المقدمة" (٣٨١) وعبارته: (قلت: ولأنها لما كانت على كلام فيه خَلل؛ أشبهت الضَّبَّةَ التي تُجعل على كسر أو خلل، فاستعير لها اسمُها"، قال: "ومثل ذلك غيرُ مستنكرِ في باب الاستعارات". وانظر "الدر النضيد" (٤٤٩).
(٤) هذا التوجيه من زيادات المصنف، ولذا نقله عن التّاج التّبريزيّ (المصنف) السخاويُّ في "فتح المغيث" (٢/ ١٧٧) أو (٣/ ٧٢ - ط المنهاج)، وزاد: "وقرأتُ بخطّ شيخنا ما حاصله: مقتضى تسميتها ضَبّة: أن تكون ضادُها معجمة، ومقتضى تتميمها بـ (جاء) (صح): أن تكون مهملة" قال: "لكن لا يمتنع مع هذا أن تكون معجمة"، وانظر "رسوم التحديث" (١٢٤).
(٥) أي: الانقطاع الذي في الإسناد، ولو في طبقة الصحابي، وهو داخل في=
[ ٥٦٠ ]
ويُوجَد في بعض أصولِ الحديثِ القَديمة في الإسناد الذي يجتمع فيه جماعةٌ معطوفًا بعضُهم على بعضِ علامةٌ تُشبه الضَّبَّةَ بينَ أسمائهم، فيتوهَّمُ مَنْ لا خبرةَ له أنَّها ضَبّةٌ، وليستْ بِضَبَّةٍ، كأنّها إعلامُ (^١) وَصْلٍ فيما بينها، أثْبِتَت تأكيدًا للعطفِ (^٢)، ورُبَّما تُختصر عَلامةُ التَّصحيح فتصير صورتُها تُشبهُ صُورةَ التَّضبيب، والفَطِنُ يميِّزُ بينَهما.
[الضرب والمحو والحك والمفاضلة بينهم]
١٥٤ - العاشر: إذا وَقَع في الكِتَابِ ما ليسَ مِنْهُ، فَيُنْفَى عنه بالضّرْبِ أو الحَكِّ (^٣)، أو المحوِ (^٤)، والضَّربُ خيرٌ منهما (^٥) لاحتمال صِحَّتهِ في روايةٍ أُخرى (^٦).
_________________
(١) = النقص المذكور، انظر "الإرشاد" (١/ ٤٤٣)، "فتح المغيث" (٢/ ١٧٩)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٣٦٧).
(٢) أي: علامة، وهي في مقدمة ابن الصلاح (٣٨٢ - ط بنت الشاطئ)، و"الإرشاد" (١/ ٤٤٣) و"المنهل الروي" (٩٥).
(٣) خوفًا من أن تجعل (عن) مكان الواو، قاله ابن الصلاح.
(٤) ويسمى (الكشط) و(البَشْر)، وهو سلخ الورق بسكِّين ونحوها، وهو أولى في إزالة نقطةٍ أو شَكْلَةٍ ونحو ذلك. انظر "الدر النضيد" (٤٤٩).
(٥) وهو الإزالة بغير سلْخ إن أمكن، بأن تكون الكتابةُ في لوحٍ أو رقّ أو ورق صقيل جدًّا في حال طراوة المكتوب، وأمنِ نُفُوذ الحِبر، وهو أولى من الكشط، لأنه أقربُ زمنًا، وأسلم من فساد المحل غالبًا، انظر "الدر النضيد" (٤٥٠).
(٦) ولا سيما في كتب الحديث، ولأن الحك والمحوَ يُضعفان الكتاب، وانظر "الإلماع" (١٧٠)، "فتح المغيث" (٢/ ١٨١)، "الدر النضيد" (٤٥١).
(٧) لأن ما يُبْشَر (يكشط) ربما يصح في رواية أخرى، وقد يسمع الكتابَ مرةً أخرى على شيخ آخر يكون ما بَشَر صحيحًا في روايته، فيحتاج إلى=
[ ٥٦١ ]
[كيفية الضرب]
ثم اختلفوا (^١) في كيفيَّة الضَّرب، فالأكثرون على أنه يَخطُّ فوقَ المضروبِ عَليهِ خطًّا دالًّا على إبطالهِ، بحيثُ يمكنُ أنْ يُقْرَأ ما خُطَّ عليه (^٢)، ويكون مختلطًا بالكلماتِ المضروبِ عليها، ويُسمَّى هذا الشَّقَّ (^٣) أيضًا.
_________________
(١) = إلحاقه بعد أن بُشِرَ وهو إذا خَطَّ عليه- مثلًا- في رواية الأول، وصَحّ عند الآخر، اكتفى بعلامة الآخر عليه بصحّته، حكاه القاضي عياض في "الإلماع" (ص ١٧٠) عن بعض الشيوخ.
(٢) على خمسة أقوال، انظرها في "الدر النضيد" (٤٥١).
(٣) بنحوه في "المحدث الفاصل" للرامهرمزي (٦٠٦) وعنه الخطيب في "الجامع" (١/ ٢٧٨) وقال الزركشي في "نكته" (٣/ ٥٨٩): "رأيت بخط الحافظ اليعموري (لعله ابن سيد الناس) قال بعض العلماء: قراءة السطر المضروب جناية".
(٤) ذكر (الشق) القاضي عياض في "الإلماع" (١٧١) وقال العراقي في "التقييد والإيضاح" (٢١٦): "الشَّقّ: بفتح الشين المعجمة، وتشديد القاف، وهذا الاصطلاح لا يعرفه أهل المشرق، ولم يذكره الخطيب في "الجامع" ولا في "الكفاية"، وهو اصطلاح لأهل المغرب وذكره القاضي عياض في "الإلماع" ومنه أخذه المصنف، وكأنه مأخوذ من الشق وهو الصَّدع، أو من شق العصا وهو التفريق، فكأنه فرق بين الكلمة الزائدة وما قبلها من الصحيح الثابت بالضرب عليها، ويوجد في بعض نسخ "علوم الحديث": (النَّشْق) بزيادة نون مفتوحة في أوله وسكون الشين؛ فإن لم يكن تصحيفًا من النساخ فكأنه مأخوذ من نشق الظبي في حبالته إذا علق فيها، فكأنه إبطال لحركة الكلمة بجعلها في صورة وثاق يمنعها من التصرف، والله أعلم". وقال الغزي في "الدر النضيد" (٤٥١) عن (الشَّقَ): "وأجوده ما كان رقيقًا بيِّنًا يدل على المقصود، ولا يسوّد الورق، ولا يطمِسُ الحروف، ولا يمنع قراءتها تحته".
[ ٥٦٢ ]
وقيل: لا يخلط (^١) بالكتابة، بل يكون فوقَها معطوفًا على أوَّله وآخرهِ (^٢).
وقيل: يُحوّق على أوَّلهِ نصفَ دارةِ، وعلى آخرهِ نصفَ دَارةٍ (^٣).
وقيل: (لا) في أوله و(إلى) في آخره (^٤)، ومثلُ هذا يَحسنُ فيما
_________________
(١) أي: الخط الدال على الضَّرْب.
(٢) أي: منعطفًا طرفاه على أوّل المبطَل وآخره كالباء، ومثاله هكذا: ومنهم من رأى هذا والذي قبله تسويدًا وتطليسًا، انظر "الإلماع" (١٧١)، "الدر النضيد" (٤٥٣).
(٣) أي: يكتب في أوّل المُبطِل وفي آخره نصف دائرةِ، ومثاله هكذا (. . . .)، فإنْ ضاق المحِلُّ جعل ذلك في أعلى كل جانب. انظر "المنهل الروي" (٩٦)، "الإرشاد" (١/ ٤٤٤)، "فتح المغيث" (٢/ ١٨٣) "الدر النضيد" (٤٥٢).
(٤) أي: أن يكتبَ لفظَةَ "لا" أو لفظَةَ "من" فوقَ أوَّلهِ ولفظةَ "إلى" فَوق آخرِهِ، ومعناه: "من هنا ساقِطٌ إلى هنا" أوْ: "لا يصِحُّ مثلًا هذا إلى هنا". ومثاله هكذا: لا (. . . .) إلى أو هكذا: من (. . . .) إلى ورأيت من جمع بين "مِنْ" و"لا" في أوَّلهِ، فيكتبها هكذا: "لا. . . من" ومعناه ظاهرٌ ممَّا مرَّ، أي لا يصحُّ من هنا فيسقط إلى هنا. ومما فات ابن الصلاح والمصنف: أن يكتبَ في أوَّلِ المُبْطَلِ وفي آخِرِهِ صِفْرًا وهو دائرةٌ صغيرةٌ سُمِّيتْ بذلِكَ لخلوِّ ما أُشير إليه بها مِنَ الصِّحَّةِ، كتسميةِ الحسَاب لها بذلك لخلوِّ موضِعِها من عَددٍ، ومثاله هكذا: °. . . . °. . فإن ضاقَ المحِلُّ جَعَلَ ذلك في أعْلى كلِّ جانبٍ كما مَرَّ في نِصْفِ الدائرةِ، أفاده الغزي في "الدر النضيد" (ص ٤٥٢) وزادَ: "ورأيتُ ابن جماعة (شيخ المصنف) ذكر شَيئًا آخَرَ يصلُحُ أن يكونَ قَوْلًا سادسًا، وهو: أن يصِلَ بالمبطَل ويخلِط به مكانَ الخَطِّ نُقَطًا متتالية، وقد رأيتُه في خَطِّ كثيرِ من الأئمة، ومثاله هكذا. . . ..، فَلْيُعْلَم".
[ ٥٦٣ ]
صَحَّ في رواية أخرى (^١).
وإنْ وقع كلمةٌ مكرَّرة (^٢) الضرب على الثَّاني (^٣).
وقيل: يبقي أحسنُهما، وأبينُهما صُورةً (^٤).
وقيل: إنْ كَانَا في سَطرِ، ضُرِب على الثَّاني، وإنْ كان في آخرهِ فعلى الأوّل صيانةً لأوَّلِ السُّطور وآخرها.
وإنْ كان أحدُهما في أوَّل السطر والآخَر في آخِرِ السَّطرِ، ضُرب على ما في آخِرِهِ (^٥).
وإنْ كان المتكرِّر في المضافِ والمضَافِ إليه، أو الصِّفة والموصوف، أو نحو ذلك (^٦) لم يراعَ أوّل السَّطَرِ وآخِرِه، بل يُراعي
_________________
(١) قاله القاضي عياض في "الإلماع" (١٧١)، وقال الجعبري في "رسوم التحديث" (١٢٤): "وحسُن في المحتمل". وما ذكر جميعُه هو فيما إذا كان الكلامُ المُبْطَلُ سَطرًا أو دونه، فإن كان المبطَل كلمة واحدة، فيتأتّى جميع ما ذكر، إلا أنه في الأخير عند المصنف يقتصر على لفظة (لا) على الكلمة المبطَلَة.
(٢) سهوًا، وكذا لو أكثر من كلمة، وفي الأصل "وقع" وصوابها "وقعت".
(٣) لوقوع الأولى صوابًا في موضعها، انظر: "المحدث الفاصل" (٦٠٧)، "الإلماع" (١٧٢)، "الجامع" للخطيب (١/ ٢٧٦).
(٤) أي: أدل على القراءة، لأنه المراد من الخط، وانظر: "الإرشاد" (١/ ٤٤٥)، "فتح المغيث" (٢/ ٨٤)، "الدر النضيد" (٤٥٣).
(٥) انظر: "الإلماع" (١٧٢)، "الدر النضيد" (٤٥٣)، "المنهل الروي" (٩٦).
(٦) كالمتعاطفين، أو المبتدأ والخبر، فمراعاة عدم التفريق بين الأمور المذكورة والضرب على المتطرِّف من المتكرر لا على المتوسط، لئلا يفصل بالضّرب بين شيئين بينهما ارتباطٌ، أولى من مراعاة الأول، أو الأخير، أو الأجود، إذ مراعاة المعاني أحقُّ من مراعاة تحسين الصورة في الخط. انظر "المحدث الفاصل" (٦٠٧ - ٦٠٨)، "الإلماع" (١٧٢)، "الدر النضيد" (٤٥٣ - ٤٥٤).
[ ٥٦٤ ]
الاتِّصالَ بين المضافِ والمضافِ إليه، والصِّفة والمَوصُوف، ولا يفصلُ بالضَّرب بَينهما.
[مفاسد الحك والكشط]
وأما الحكُّ والكَشْطُ والمحو فكرهها أهلُ العِلم، لأنَّها تُهمةٌ (^١)، وربما تُفْسِدُ الورقةَ وما ينفذُ إليه والمحو مسوِّد للقرطاس (^٢).
[ما يراعى فيه]
فإذا أصلح شيئًا قال الخطيب: "يَبْشُرُه بنحَاتَةِ السَّاج، ويتَّقي التَّتْريب" (^٣).
[طريقة تصحيح الكتاب]
وإذا اخْتَلَفتِ الرِّواياتُ في كلمةٍ، فيجعلْ متنَ كتابهِ على روايةٍ (^٤)، ثم ما كانتْ من زيادةٍ ألحقها في الحاشيةِ، أو نُقصانٍ أعلمَ عليه، ويذكرُ
_________________
(١) أي: تحتمل التغيير، وهذا في الحك والكشط، انظر "المنهل الروي" (٩٦).
(٢) العبارة لابن جماعة في "المنهل الروي" (٩٦)، وينظر: "فتح المغيث" (٢/ ١٨٢) وما قدمناه سابقًا.
(٣) الجامع (١/ ٢٧٨) وعنه في "المنهل الروي" (٩٦) وفيه بدل "التتريب": "التهذيب" وهو خطأ، فليصوب. والمراد: استعمال التراب، وفيه حديث منكر جدًّا، أخرجه الترمذي في "جامعه" (٢٧١٣) وغيره ولفظه: "إذا كتب أحدُكم كتابًا، فَلْيُتَرِّبْهُ، فإنه أنجح للحاجة" واستنكره، وانظر "العلل المتناهية" (١/ ٨٢)، "نكت الزركشي" (٣/ ٥٩١).
(٤) أي: لا يجعله ملفّقًا من روايتين، لما فيه من الالتباس، قاله السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ١٨٧)، وهكذا ينبغي أن يصنع في التحقيق إن كانت الأصول صحيحة موثوقة، وإلا فيضطر المحقق من رداءتها وتأخرها للانتقاء.
[ ٥٦٥ ]
اسمَ مَنْ رَواهُ بتمامهِ (^١).
ورُوي عن سُحنون بن سعيدٍ المالكيِّ أنَّه رُبَّما كَتَب الشَّيءَ، ثُمَّ لَعَقه (^٢).
وإلى هذا يومئ ما رُوي عن إبراهيم النَّخعي أنَّه كان يقول: "من المروءة أن يُرى في ثَوب الرَّجُل وشَفَتيه مِدَادٌ" (^٣).
_________________
(١) قال عياض في (باب ضبط اختلاف الروايات) من "الإلماع" (١٨٩): "وأولى ذلك أن يكون الأم على رواية مختصة، ثم ما كانت من زيادة الأخرى ألحقت، أو من نقص أعلم عليها، أو من خلاف خرج في الحواشي، وأعلم على ذلك كله بعلامة صاحبه: من اسمه أو حرف منه للاختصار لا سيما مع كثرة الخلاف والعلامات، وإن اقتصر على أن تكون الرواية الملحقة بالحمرة، فقد عمل ذلك كثير من الأشياخ وأهل الضبط كأبي ذر الهروي وأبي الحسن القابسي وغيرهما، فما أثبتَّ لهذه الرواية كتبته بالحمرة، وما نقص منها مما ثبت للأخرى حُوِّق بها عليه". قلت: الكتابَةُ بالحُمْرَةِ أحْسَنُ لأنه قد يمزجُ بحرفٍ واحدٍ، وقد تكونُ الكلمةُ الواحدةُ بعضُها متْنٌ، وبعضُها شرح، فلا يوضحُ ذلك بالخطِّ إيضَاحَهُ بكتابة الحُمرةِ، ونحو ذلك واقِعٌ كثيرًا في المخطوطات. وكذلك لا بأسَ بالحُمْرَةِ في الرموزِ لنحو ما مَرَّ ولأنواعٍ ولغاتٍ وأعدادٍ ونحوِ ذلك، وقد رَمَزَ بالأحمرِ جماعَةٌ من المحدِّثين والفقهاءِ والأصُوليين وغيرِهم لقصدِ الإيضَاحِ مع الاختصارِ، فإنْ لم يكُنْ ما ذكرْنَاهُ من الأبواب والفصولِ والتراجِمِ ونحوِها بالحُمْرَةِ أتى بما يمِيزُه عن غيرهِ من تغْليِظِ الَقَلمِ وطُولِ المَشقِ واتحادِهِ في السَّطْرِ ونحوِ ذلك ليسْهُلَ الوقوف عليهِ عندَ قصْدِهِ، واللهُ ﷾ أعْلَمُ بالصَّوابِ، انظر "الدر النضيد" (٤٦٥ - ٤٦٦).
(٢) "الإلماع" (١٧٤)، وانظر "آداب المعلمين" لمحمد بن سحنون (٨٧).
(٣) أخرجه القاضي عياض في "الإلماع" (١٧٣) ومحمد بن سحنون في "آداب المعلمين" (٨٨)، وانظر: "نكت الزركشي" (٣/ ٥٨٩ - ٥٩١)، "توجيه النظر" (٢/ ٧٩٠ - ط المحققة)، كتابي "المروءة وخوارمها" (٤٢ - ط الثانية).
[ ٥٦٦ ]
[اختصار بعض الألفاظ]
١٥٥ - الحادي عشر: غَلَب على كَتَبةِ الحديثِ الاقتصارُ على الرَّمز في "أخبرنا" و"حدثنا" وشاع، فيكتب من "حدثنا": "ثنا" الثاء والنون والألف، ومن "أخبرنا": "أنا" الهمزة والنون والألف.
وقد يكتب في "أخبرنا" راء بعد الألف، وفي "حدثنا" دال في أولها، ووُجِدَ الدَّال في خطِّ الحاكم أبي عبد الله، وأبي عبد الرحمن السُّلَمي، والحافظ البيهقي (^١).
وإذا كانَ للحديثِ إسنادَان فأكثر، كَتَبوا عند انتقالِ السَّند إلى آخر: (ح) مُهْمَلة (^٢)، ولم يوجد تنبيه لأمرها.
ووجد بخطِّ جماعةٍ من الحفَّاظ (^٣) في موضعها "صح"، وهذا يشعر بكونها رمزًا إلى "صَحَّ".
وقيل: إثبات "صَحَّ" هاهنا لئلا يتوهَم أنَّ حديثَ هذا الإسنادِ سَقَط، ولئلا يُرَكَّبَ الإسنادُ الثَّاني على الأول فيُجعلا (^٤) إسنادًا واحدًا.
_________________
(١) رآه ابن الصلاح في خطوطهم، نقله في "مقدمته" (٣٨٥ - ط بنت الشاطئ) وكذا وجد في خط الحافظ أبي طاهر السِّلفي، انظر "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٥٣ - ١٥٤)، "فتح المغيث" (٢/ ١٨٩).
(٢) مفردة مقصورة.
(٣) وجده ابن الصلاح بخط الحافظ أبي عثمان الصابوني، والحافظ أبي مسلم عمر بن علي الليثي النجاري، والفقيه المحدث أبي سعد الخليلي، وانظر: "فتح المغيث" (٢/ ١٩٣) "رسوم التحديث" (١٢٢ - ١٢٣)، "الدر النضيد" (٤٦٣).
(٤) كذا في "مقدمة ابن الصلاح" (٣٨٦ - ط بنت الشاطئ) و"الإرشاد" (١/ ٤٥٠) وفي الأصل: "فيجعل"!
[ ٥٦٧ ]
وقيلَ: إنَّها حاءٌ مُهملَةٌ من التَّحويل من إسنادٍ إلى إسنادٍ آخر (^١).
وقيلَ غيرُ ذلك (^٢).
وقَالَ بعضُ العلماء: إذا انْتَهى إليها في القراءة يقول: "ح" ويمرُّها، وهذا هو المختار الأجود (^٣) والأعدل.
قلتُ: لم يتحقَّق معناه، فلا يُمكن أن تكونَ أعدليتُه بالنِّسبة إلى ما ذكرنا، بل مرادهُ أن يمرَّ عليها ولا يبحثُ عن معناه (^٤)، والله أعلم.
_________________
(١) المشهور منها هذا الوجه، انظر: "شرح مقدمة صحيح مسلم" (١/ ٣٨) للنووي، "الدر النضيد" (٤٦٢).
(٢) مثل: من قولهم "الحديث"، وهو المنقول عن أهل المغرب، وقيل: مختصرة من (حائل)، لأنها حالت بين الإسنادين، وهو رأي الحافظ عبد القادر الرُّهاوي. وقيل: يريدون (حاجز)، وقد قرأ على بعض الحفاظ المغاربة فصار كلما وصل إلى (ح)، قال: "حاجز" وقيل: إن بعض المحدّثين يستعملها بالخاء المنقوطة، يريد بها أخبر أو خبر. انظر: "مقدمة ابن الصلاح" (٣٨٦ - ط بنت الشاطئ)، "الإرشاد" (١/ ٤٥٠ - ٤٥١)، "نكت الزركشي" (٣/ ٥٩٥)، "رسوم التحديث" (١٢٣)، "المنهل الروي" (٩٦)، "فتح المغيث" (٧/ ١٩٣)، "الدر النضيد" (٤٦٢ - ٤٦٣).
(٣) العبارة للنووي في "الإرشاد" (١/ ٤٥١) بهذا اللفظ، وعنده "الأحوط" بدل "الأجود" وأصلها لابن الصلاح بلفظ: "وأختار أنا -والله الموفق- أن يقول القارئ عند الانتهاء إليها: (حا) ويمر، فإنه أحوط الوجوه وأعدلها". انظر: "فتح المغيث" (٢/ ١٩٣)، "المنهل الروي" (٩٦)، "نكت الزركشي" (٣/ ٥٩٥).
(٤) وقيل: ينطق بأصلها المختصرة منه، وهو الحديث أو صح، إذ القائل به هو القائل بأن الأصلَ الحديثُ أو صحّ، فلْيُعلم، قاله الغزي في "الدر النضيد" (٤٦٣).
[ ٥٦٨ ]
[أمور ينبغي مراعاتها لكاتب السماع]:
١٥٦ - الثاني عشر: قال الخطيب:
"ينبغي للطّالب أن يكتبَ بعدَ البَسْمَلةِ اسم شيخهِ، المسمِّع الكتاب وكنيتَه، ونسبَه، ثم يسوق ما سمعه منه، ويكتب فوقَ التَّسمية (^١) أو في حاشية أول ورقةٍ تأريخَ السَّماعِ، ومَن سَمِعَه معه، ولا بأسَ بكتابةِ طبقةِ السَّماع في آخر الكتابِ، وحيثُ لا تَخفى، ولتكُنْ الطبقةُ بخطِّ ثقةٍ معروفِ الخَطِّ، وعند ذلك فلا بأس بأنْ لا يصحِّح عليه الشَّيخُ (^٢)، ولا بأسَ أنْ يكونَ سماعُه بخطِّ نفسِه إذا كان ثقةً، ونَقَلَه الثِّقات" (^٣).
قُلتُ: ومما رأيتُه طَبقَة السَّماعِ للشَّيخ الحافظ أبي طَاهِر السِّلَفيّ بخطِّه، والشَّيخ زكيِّ الدين عَبدِ العَظِيمِ (^٤)، والله أعلم.
وعلى كَاتبِ السَّماعِ التَّحرِّي والاحتياطُ، وبيانُ السَّامعِ والمسمَّع والمسموعِ بلفظٍ بيِّنٍ وَاضِحٍ.
_________________
(١) حكى ابنُ الجَزَري عن بعض شيوخه: أنّ الأولى من جهة الأدب عدم الكتابة فوق البسملة، لشرفها، ووافقه عليه السخاوي. انظر "فتح المغيث" (٢/ ١٩٥).
(٢) بمعنى: أن لا يكتب المسمّع خطه بالتصحيح، قال الجعبري في "رسوم التحديث" (١٢٥): "وتصحيح الشيخ بركة مسمع".
(٣) الجامع لأخلاق الراوي (١/ ٢٦٨) بتصرف.
(٤) يريد: إن الاقتصار على إثبات السماع بخط نفسه، دون المسمَّع عليه، فعله الثقات، منهم: المذكوران. وقرأ عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن منده جزءًا على أبي أحمد الفَرضيِّ، وسأله خطَّه، ليكون حُجَّةً له، فقال له أبو أحمد: يا بنيّ! عليكَ بالصّدق، فإنك إذا عُرِفتَ به لا يكذبك أحد، وتُصَدَّق فيما تقول وتنقل، وإذا كان غير ذلك، فلو قيل لك: ما هذا خط أبي أحمد الفرضي، ماذا تقول لهم؟ نقله ابن الصلاح في "المقدمة" (٣٨٧ - ط بنت الشاطئ). وانظر: "فتح المغيث" (٢/ ١٩٦)، "رسوم التحديث" (١٢٥).
[ ٥٦٩ ]
وعليه أن يجتنبَ التَّساهلَ في اسْمِ مَن يثبتُه، والحذَر مِنْ إسْقَاطِ بعضِ السَّامعين لغَرَضٍ فَاسدٍ (^١).
وإنْ كانَ مُثْبِتُ السَّماعِ غيرَ حَاضرِ (^٢) فأثْبَت مُعْتَمِدًا على إخْبارِ مَن يَثقُ بخَبره مِنْ حَاضِريه (^٣) فلا بأس.
_________________
(١) "المنهل الروي" (٩٧) - والمذكور عبارته- وبنحوه في "الإرشاد" (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣) للنووي، وقال السيوطي في "التدريب" (٢/ ٩٠) محللًا فعل ذلك: "فإن ذلك مما يؤدّي إلى عدم انتفاعه بما سمع".
(٢) أي: في جميعه، قاله ابن الصلاح.
(٣) وكذا بإخبار الشيخ، انظر: "المنهل الروي" (٩٧)، "فتح المغيث" (٢/ ١٩٦)، ومما ينبغي معرفته أن موظفًا كان في القرن الثامن (عصر المصنف والتاسع) وما بعدهما يسمى (كاتب الغيبة) وهو مخصص في أصل شرط الواقف ليكتب اسم من يتخلف عن الحضور ويسمى كاتب الغيبة، يكتب اسم من يتخلف عن الحضور ويرفعه إلى الناظر أو نائبه فيخصم عليه من راتبه بمقدار ما تخلف إن رأى مصلحة بذلك. ويكون عند قراءة الكتاب كاتب غيبة أيضًا، فعندما يغيب الطالب يكتب اسمه واسم الباب الذي فاته. . . وحينما تكتب الإجازة للحاضرين والمستمعين يذكر فيها أسماؤهم ويكتب للمتغيب اسمه وإلى جانبه "وفاته من باب كذا إلى كذا" وقد يجمل فيكتب اسمه وإلى جانبه "مع فوت" وتكتب هذه الشهادة في آخر صفحات الكتاب يذكر فيها أسماء جميع الحاضرين، واسم كاتبها، ولوقع الشيخ في آخرها بعد أن يؤرخها وبذكر المكان الذي قرئت فيه كاسم المسجد أو المدرسة أو داره أو البستان أو القرية أو سطح المسجد أو نحو ذلك وتسمى طبقة، وجمعها طباق وهي المراد بما يرد كثيرًا في تراجم بحض العلماء "وكتب الطباق" وهو وصف مدح، أي أن المترجم كاتب ضابط ثقة حسن الخط، وتحفظ النسخة التي عليها الطباق بمسجد أو مدرسة كسجل لأسماء الطلاب الذين قرأوا الكتاب على الأستاذ وسمعوه بحضوره، وكثيرًا ما يلجأ المؤرخون إلى هذه الطباق لمعرفة مشايخ من يريدون ترجمته وما سمعه من الكتب، وحينما يدعي شخص سماع كتاب يطالب بنص الطبقة؛ ليبرزها إن كان الشيخ كتب له=
[ ٥٧٠ ]
[من أحكام استعارة الكتب]:
ومَنْ يُثبتُ سماعَه في كِتابِ غيرهِ (^١)، فقبيحٌ بصاحبِ الكتابِ كتمانُه ومنعُه من نَقل سَمَاعهِ، ونَسخ الكِتابِ، وإذا أعارَه إيَّاهُ فلا يُبطئُ به.
وإن استعارَ مَنْ كانَ سماعُه مُثبتًا في كِتَابه نظَرَ، فإنْ كان سَمَاعُه مُثبَتًا بِرضَى صَاحبِ الكِتابِ لَزمَه إعارتُه، وإلا فلا يَلْزمُه، هَكَذا قَالَهُ الأئمَّةُ الجلَّةُ في أزْمَانِهم: القَاضِي حَفصُ بن غِياثٍ الحَنَفيُّ، والقَاضِي إسماعيلُ المالكي، وأبو عبدُ الله الزُّبيريُّ الشَّافعي (^٢)، وهو الصَّحيحُ
_________________
(١) = ذلك على نسخته الخاصة، وإلا فعليه أن يعيِّن المكان الموجود فيه نسخة من هذا الكتاب وفي آخره شهادة الشيخ بحضوره السماع، وكثيرًا ما يزور بعض الناس هذه الطباق فيمحي أو يحك اسم أحد السامعين للكتاب ويضع مكانه اسم نفسه، ولكن العلماء ينتبهون إلى ذلك ويبينون تزويره ويطعنون في أمانته ويصمونه بأنه كذاب، أما إذا اضطر الكاتب إلى حك كلمة فعليه أن يكتب إلى جانبها صح ويوقع الشيخ باسمه إلى جانبها. قاله العلامة محمد أحمد دهمان في تقديمه لـ "القلائد الجوهرية" لابن طولون (٢١ - ٢٢).
(٢) برضى صاحب الكتاب وإلا نُدِب له بعد تصحيحه إعارته لمن له فيه سماع لنحو نَسْخٍ، انظر: "المحدث الفاصل" (٥٨٩)، "الجامع لأخلاق الراوي" (١/ ٢٤١)، "الإلماع" (٢٢٢)، "المنهل الروي" (٩٧)، "الإرشاد" (١/ ٤٥٣ - ٤٥٤)، "رسوم التحديث" (١٢٥)، "فتح المغيث" (٢/ ١٩٧).
(٣) أسنده عنهم: الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص ٥٨٩) والخطيب في "الجامع" (١/ ٢٤١ - ٢٤٢) والقاضي عياض في "الإلماع" (٢٢٢ - ٢٢٣) وهنا ملاحظات مهمات: الأولى: حكم به القاضيان المذكوران، وعلق القاضي عياض في "الإلماع" (٢٢٣ - ٢٢٤) على قضاء حفص بأن إباحته للانتساخ دليل رضاه، قال: "إن وإن العرف عندهم هذا فنعم، وإلا فلا"، فرد المسألة على العرف، فسلك بالمسألة مسلك الأصوليين. الثانية: أما حكم القاضي إسماعيل، ففي "الجامع" للخطيب=
[ ٥٧١ ]
خلافًا لبَعضٍ (^١)، لأنَّه كالشَّهادة تعيَّنت له عنده، فعليه أداؤُها كَما في متحمَّل الشَّهادة، وإنْ كان فيه بَذْلُ المشي إلى مَجْلس الحُكْم (^٢).
[نَقل السماع إلى الكتاب المنسوخ لا يكون إلا بعد مقابلته]:
وإذَا نَسَخَ الكتابَ فلا ينقلُ سماعَه إلى نسختهِ إلا بعدَ المقابَلَةِ، وكذلك في كلِّ نسخة يراد أنْ (^٣) يُنقلَ إليها سماعٌ لا يُنقلُ إلا بَعدَ المقابَلَةِ، اللَّهمَّ إلا أنْ يُبيِّن عند النَقْل أنَّ النُّسخَةَ غيرُ مُقَابَلَةٍ (^٤).
_________________
(١) = (١/ ٢٤١ - ٢٤٢) على لسانه: "إن كان سماعه في كتابك بخطه، فأنت بالخيار في دفعه ومنعه، وإن كان سمعه في كتابك بخطك، فعليك أن تخرجه إليه"، وهذا يخالف ما حكاه ابن الصلاح عنه، وتبعه المصنف وجماعة؛ مثل: النووي في "الإرشاد" (١/ ٤٥٣ - ٤٥٤) وابن جماعة في "المنهل الروي" (٩٧) والجعبري في "رسوم التحديث" (١٢٥)، وانظر "نكت الزركشي" (٣/ ٥٩٥ - ٥٩٨).
(٢) نقله الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٥٨٩) وعنه القاضي عياض في "الإلماع" (٢٢٣) عن أبي عبد الله الزبيري، ثم قالا: "وقال غيره: ليس بشيء".
(٣) وجهه البُلْقيني في "محاسن الاصطلاح" (٣٨٨ - ٣٨٩) بأن مثل ذلك من المصالح العامة المحتاج إليها مع وجود علقة بينهما، تقتضي إلزامه بإسعافه في مقصده، أصله: إعارة الجدار لوضع جذور الجار بالعارية، مع دوام الجذوع في الغالب، فلأن يلزم صاحب الكتاب مع عدم دوام العارية أولى. قال أبو عبيدة: هذا من (الإحسان الإلزامي)، وله فروع كثيرة جدًّا، جمعها الأستاذ محمد الحبيب التجكاني في كتابه "الإحسان الإلزامي في الإسلام" وهي مطبوعة في المغرب، وانظر "نكت الزركشي" (٣/ ٥٩٨ - ٥٩٩).
(٤) سبق قلم الناسخ فأثبت "لم" بدل "أن"!
(٥) زاد ابن جماعة في "المنهل الروي" (٩٧): "وإذا قابل كتابه علَّم على مواضع وقوفه، وإن جاء في السماع كتب: بلغ في المجلس الأول أو الثاني، إلى آخرها"، وانظر "نكت الزركشي" (٣/ ٥٩٩)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٠٠).
[ ٥٧٢ ]
الفصل الرابع في رواية الحديث وشُروط أدائه
[هل تُشترطُ الروايةُ من الحِفظ؟]
١٥٧ - اعلمْ أن قومًا شَدَّدوا فأفْرَطوا في الرِّواية، وقالوا: لا حُجَّة إلا فيما رواه مِنْ حِفْظه.
وروي عن مالك (^١)، وأبي حنيفة (^٢).
_________________
(١) أخرج ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ٢٧) والخطيب في "الكفاية" (٢٢٧) وأبو الفضل السليماني في "الحث على طلب الحديث"- كما في "فتح المغيث" (٢/ ٢٠٢) - بسند صحيح عن أشهب قال: سئل مالك: أيؤخذ ممن لا يحفظ وهو ثقة صحيح، أتؤخذ عنه الأحاديث؟ فقال: "لا يؤخذ عنه، أخاف أن يزاد في كتبه بالليل".
(٢) أخرجه الخطيب في "الكفاية" (٢٣١) بسند لين عن ابن معين قال: "كان أبو حنيفة يقول: لا يحدّث إلا بما يعرف ويحفظ"، ولفظ الحاكم في "المدخل إلى الإكليل" (٨٩) بسنده إليه: "لا يحل للرجل أن يروي الحديث إلا إذا سمعه من فم المحدّث فيحفظه، ثم يحدّث به". ونقله ابن الصلاح في مقدمته" (٣٩٠ - ط بنت الشاطئ) عن أبي بكر محمد بن دؤاد الصَّيدلاني المروزي (ت ٤٢٧ هـ) من أصحاب الشافعي. وانظر: "الإلماع" (١٣٩)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٦١)، "المنهل الروي" (٩٨)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٠٤)، "طبقات الشافعية" (٤/ ٣١).
[ ٥٧٣ ]
[الرواية من الكتاب الذي في اليد]
وقال بعضُهُم (^١): تجوزُ الرِّوايةُ من كتابهِ إلَّا إذا خَرَجَ من يَدِهِ بالعاريةِ ونحوِها، فحينَئذٍ لا يجوزه.
[الرواية من النسخ غير المقابلة]
وقومًا تَسَاهَلُوا بالنُّسَخِ (^٢) غيرِ مقابلةٍ بأصولِهم، فجعلهم الحاكم من المجروحين.
قال: "وهذا كثر في النَّاس، وتَعَاطَاه قومٌ من أكابرِ العُلَماءِ المعروفين بالصَّلاح" (^٣).
ومنهم: عبدُ الله بن لَهيعة (^٤)، ولذلك تُركَ الاحتجاج بروايتهِ
_________________
(١) نقله الخطيب في "الكفاية" (٢٣٥) عن يحيى بن سعيد وإسماعيل بن العباس (جد شيخه أبي بكر الإسماعيلي)، ثم قال: "والذي عندي في هذا أنه متى غاب كتابه عنه، ثم عاد إليه، ولم ير فيه أثرَ تغيير حادث من زيادة أو نقصان، أو تبديل، وسكنت نفسه إلى سلامته، جاز له أن يروي منه، وعلى هذا الوجه يحمل كلام يحيى بن سعيد القطان في مثل هذه المسألة".
(٢) المراد برواية النسخ.
(٣) "المدخل إلى الإكليل" (١٣٠) وفيه: "والمعروفين بالصلاح، وكل مَنْ طلبه في زماننا عاينه".
(٤) أخرج ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ١٣) من طريق نعيم بن حماد: قال سمعت يحيى بن حسان، يقول: جاء قوم ومعهم جزء، فقالوا: سمعناه من ابن لهيعة، فنظرت فيه، فإذا ليس فيه حديث واحد من حديث ابن لهيعة، فقمت فجلست إلى ابن لهيعة، فقلت: أي شي ذا الكتاب الذي حدثت به؟ ليس هاهنا في هذا الكتاب من حديثك، ولا سمعتها أنت قط! قال: فما أصنع بهم يجيئون بكتاب، فيقولون: هذا من حديثك فأحدثهم به. وقال سعيد بن أبي مريم: رأيت ابن لهيعة يعرض ناس عليه أحاديث =
[ ٥٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من أحاديث العراقيين: منصور، وأبي إسحاق، والأعمش وغيرهم، فأجازه لهم، فقلت: يا أبا عبد الرحمن؛ ليست هذه من حديثك. قال: هي أحاديث صرت على مسامعي. فلم أكتب عنه بعدها. انظر "الجرح والتعديل" (٥/ ١٤٦)، و"الكامل" (٤/ ١٤٦٢)، "الميزان" (٢/ ٤٧٧)، "السير" (٨/ ١٩). وقال يعقوب الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ١٨٥): "سمعت ابن أبي مريم يقول: كانت كتب حيوة بن شريح، عند وصي له، قد كان أوصى إليه، وكانت كتبه عنده، فكان قوم يذهبون فينسخون تلك الكتب، فيأتون به ابن لهيعة، فيقرأ عليهم"، وذهب الإمام الحافظ أحمد بن صالح المصري -فيما حكاه عنه يعقوب الفسوي في "المعرفة" (٢/ ٤٣٤) - إلى أن سبب وجود الخطأ في مرويات ابن لهيعة هو من الناس وليس منه، قال: ". . . . يقولون سماع قديم وسماع حديث؟ فقال: ليس من هذا شيء، ابن لهيعة صحيح الكتابة، كان أخرج كتبه فأملى على الناس حتى كتبوا حديثه إملاء، فمن ضبط كان حديثه حسنًا صحيحًا، إلا أنه كان يحضر من يضبط ويحسن، ويحضر قوم يكتبون، ولا يضبطون، ولا يصححون، وآخرون نظارة، وآخرون سمعوا مع آخرين، ثم لم يخرج ابن لهيعة بعد ذلك كتاب، ولم يُر له كتاب، وكان من أراد السماع منه ذهب فانتسخ ممن كتب عنه، وجاء فقرأه عليه، فمن وقع على نسخة صحيحة فحديثه صحيح، ومن كتب من نسخة ما لم تضبط جاء فيه خلل كثير، ثم ذهب قوم فكل من روى عن عطاء بن أبي رباح فإنه سمع من عطاء، وروى عن رجل وعن رجلين وعن ثلاثة عن عطاء، فتركوا من بينه وبين عطاء، وجعلوه عن عطاء. وقال يعقوب: كتبت عن ابن رمح كتابًا عن ابن لهيعة، وكان فيه مما وصف أحمد بن صالح". وقال في "المعرفة" (٢/ ١٨٤): "سمعت أحمد بن صالح يقول: كتبت حديث ابن لهيعة، عن أبي الأسود في الرق، وكنت أكتب عن أصحابنا في القراطيس، وأستخير الله فيه، فكتبتُ حديث النضر بن عبد الجبار في الرق، قال: فذكرت له سماع القديم وسماع الحديث، فقال: كان ابن لهيعة =
[ ٥٧٥ ]
مع جَلالَتهِ، وقد تقدَّم مما ذكرنا أنَّ الروايةَ جائزةٌ من نُسخةٍ غيرِ مُقَابلةٍ بالشُّروط المذكورة، فلعلَّ الحاكمَ أرادَ بذلك إذا لم تُوجد تلك الشُّروط، أو أنه يُخالفُ الجماعةَ في تلك المسألَةِ.
_________________
(١) = طلابًا للعلم، صحيح الكتاب. قال: وظننت أن أبا الأسود كتب من كتاب صحيح، فحديثه صحيح، يشبه حديث أهل العلم". من هذا كله يتبين لك صحة ما قاله ابن الصلاح وتابعه عليه المصنف، ونقل الزركشي في "نكته" (٣/ ٦٠٠) عن المزي قوله متعقبًا ما حكاه ابن الصلاح ما قدمته عن يحيى بن حسان، قال: "قال الحافظ المزي: هذه الحكاية فيها نظر، لأن ابن لهيعة من الأئمة الحفاظ لا يكاد يخفى عليه مثل هذا، وإنما تكلم فيه من تكلم بسبب من الرواة عنه، فمنهم من هو عدل كابن المبارك ونحوه، ومنهم من هو غير عدل؛ فإن كان الذي روى عنه عدل فهو جيد، وإلا كان غير عدل فالبلاء ممن أخذه عنه" انتهى كلام الزركشي. ولم أظفر بكلام المزي في "تهذيب الكمال" (١٥/ ٤٨٧ - ٥٠٣) ولا حكى ما نقله ابن الصلاح عن ابن حسان، ولذا استدركه عليه مُغُلْطاي في "إكمال تهذيب الكمال" (٨/ ١٤٤) ولم يتعقبه بشيء لا فيه ولا في "إصلاح كتاب ابن الصلاح"، ونقله ابن حجر في "التهذيب" (٥/ ٣٣٠) في زياداته عليه متابعًا -كعادته- مُغُلْطاي، والذي أُراه أن كلام ابن الصلاح صحيح، وتعقّب المزي صحيح، وأكثرنا من ذكر ما يدل على الأمرين، وتحتمله عبارة المصنف بخلاف حصر ابن الصلاح الدليل على ما رماه به في القصة التي ذُكِرت عن يحيى بن حسان. ومما يدلل على صحة كلام ابن الصلاح أيضًا ما قاله عنه ابن سعد في "طبقاته" (٧/ ٥١٦) قال: "وأما أهل مصر، فيذكرون أنه لم يختلط، ولم يزل أول أمره وآخره واحد، لكن كان يقرأ عليه ما ليس من حديثه، فيسكت عليه، فقيل له في ذلك، فقال: ما ذنبي! إنما يجيئون بكتاب فيقرأونه ويقومون، ولو سألوني لأخبرتهم أنه ليس من حديثي". وقال ابن قتيبة: كان يُقرأ عليه ما ليس من حديثه، يعني: فضغف بسبب ذلك، انظر "تهذيب الكمال" (٨/ ١٤٤)، "التهذيب" (٥/ ٣٣٠).
[ ٥٧٦ ]
[الرواية بالوصية والإعلام والمناولة المجردة]
وقال بعضُ المتسَاهِلين: تجوزُ الرِّواية بالوصيَّةِ، والإعلامِ، والمناولةِ المجرَّدة، وغيرِ ذلك مما ذكرنا (^١) أنّه لا يجوز.
والصَّوابُ ما عليه الجمهور، وهو التَّوسُّط بين الإفراط والتفريط.
[متى تجوز الرواية من الكتاب]:
فإذا قام الرَّاوي في التَّحمُّل بما تقدم، وقَابَل كتابَه على ما سَبَق؛ جاز له الرِّواية منه، وإنْ خَرَجَ الكتابُ عن يدِهِ إذا غَلَب على ظنِّه سلامتُه من التَّغيير، لا سيَّما إذا كان ممن لا يَخفى عليه في الغَالب التَّغيير، لأنَّ الاعتماد في الرِّواية على غَلَبة الظَّنِّ، فإذا حَصَلَتْ لم يشترط مزيدٌ عليه (^٢).
* فروع
[رواية الضرير من الكتاب واستعانته بالمأمونين فيما يلزم من ذلك]
١٥٨ - الأول: الضَّريرُ إذا لم يَحفظْ ما سَمِعهُ، فاستعان بالمأمونين في ضَبطِ سَماعهِ وحفظِ كِتابهِ، واحتاطَ عند قِراءته، بحيث يغلبُ على ظنِّه سلامتُه من التَّغيير؛ صحَّت روايتهُ.
وحيث مَنَعنا البصيرَ فيما ذكرناه، فالضَّرير أولى بالمنع (^٣).
_________________
(١) في (النوع السادس) و(النوع السابع) والقسم الثاني من (النوع الرابع) وهي في الفقرات (١٣٨، ١٤٠، ١٤١).
(٢) انظر ما علقناه على (ص ٥٧٤).
(٣) قال البُلقيني في "محاسن الاصطلاح" (٣٩٢)، "قد تمنعُ الأولوية من جهة تقصير البصير، فيكون الأعمى أولى بالجواز، لأنه أتى باستطاعته"، وزاد عليه السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ٢٠٨) نقلًا عن شيخه الحافظ ابن حجر: =
[ ٥٧٧ ]
وقال الخطيب: "والبَصيرُ الأمِّي كالضرير" (^١).
[الإقراء من نسخة ليس فيها سماعه ولا مقابلة بنسخة سماعه]
١٥٩ - الثاني: إذا سَمِعَ كِتَابًا ثم أراد قراءتَه من نُسخةٍ ليس فيها سماعهُ، ولا هي مقابلةٌ بنُسخةِ سماعهِ غير أنّه سُمِع منها على شَيخه؛ لم يَجُزْ له ذلك، وكذا لو كَانَ فيها سماعُ شيخهِ، أو رَوَى منه ثقةٌ عن شَيخهِ، إذ لا يؤمَنُ أنْ يكونَ فيها روايةٌ ليستْ في نُسخة سَماعهِ (^٢).
وكذا إذا كُتِبَت تلكَ النُّسخةُ عَن شَيخهِ فَسَكَنتْ النَّفسُ إليها، لم يَجُز له الرِّواية أيضًا منها عند عامَّة المحدِّثين (^٣).
_________________
(١) = إذا كان الاعتماد على ما كتب لهما فهما سواء؛ إذ الواقف على كتابهما يغلب على ظنه السلامة من التغيير أو عكسها، على أن الرافعي قد خص الخلاف في الضرير بما سمعه بعد العمى، فأما ما سمعه قبله فله أن يرويه بلا خلاف يعني: بشرطه- وفي نفي الخلاف توقّف"، وانظر: "نكت الزركشي" (٣/ ٦٠١ - ٦٠٢). قال أبو عبيدة: ويحتج لقبول رواية الأعمى بأن عائشة وسائر أمهات المؤمنين ﵅ كُنّ يروين من وراء السِّتر، ثم يروي السامعون عنهم، ومعلوم أن البُصراء والحالة هذه كالعُميان. قاله الصفدي في "نكت الهميان في نكت العُميان" (٦٢)، وفيه بعد ذكره للخلاف: "وهذا الخلاف فيما سمعه بعد العمى، أما ما سمعه قبل العمى، فله أن يرويه بلا خلاف".
(٢) الكفاية (٢٢٨ أو ٢/ ٨٤ - ط الهدى).
(٣) سبق للمصنف في آخر فقرة (١٥١) تقرير خلاف المذكور هنا، وانظر تعليقنا هناك، تولى الله هداك.
(٤) علل ابن الصلاح ذلك بقوله في "مقدمته" (٣٩٢ - ط بنت الشاطئ): "إذ لا يؤمن أن يكون فيها زوائد ليست في نسخة سماعه" وبنحوه في "الإرشاد" (١/ ٤٦٠) وبنحو ما عند المصنف في "المنهل الروي" (٩٨ - ٩٩).
[ ٥٧٨ ]
ورخَّص فيه أيُّوب السِّختْياني (^١)، ومُحمَّد بن بَكْر البُرْسَانيُّ (^٢).
وقال الخطيب: "والذي يقتضيه النَّظر أنه مَتى عَرَف أنَّ هذه الأحاديث هي التي سَمِعها من الشَّيخ جَاز له أنْ يروَيها إذا سَكَنَت النَّفسُ إلى صحَّتها وسلامَتها" (^٣).
وقال الشيخ تقي الدين: "هذا إذا لم تَكُن له إجَازَةٌ عامة، أمَّا إذا كَانَ له إجازةٌ عامّة من شَيخه لمروياته أو نحو ذلك فيجوزُ له حينَئذٍ الرِّواية منها، إذْ ليسَ فيه أكثرُ من رِواية تلك الزِّيادَات (^٤) بالإجازةِ بلَفظ: "أخبرنا" أو "حدَّثنا"، مِن غَيرِ بيانِ الإجازةِ فيها، والأمرُ في ذلك قَريبٌ يقعُ مثلُه في محلِّ التَّسامُح.
_________________
(١) أخرج الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٨٨) ومن طريقه الخطيب في "الكفاية" (٢٥٧) بسند صحيح عن حماد قال: قرأ جرير بن حازم على أيوب كتابًا لأبي قلابة، فقال: قد سمعت هذا كله عن أبي قلابة وفيه ما أحفظة وما لا أحفظه. قال: وكان حماد ربما حدثنا بالشيء، فنقول: هذا ما كان في الكتاب.
(٢) قال الآجري في "سؤالات أبي داود" (٢/ ٦٥) رقم (١١٤٤) - ومن طريقه الخطيب في "الكفاية" (٢٥٧) -: قال: سمعت أبا داود يقول: "أخذ اللصوص كتب محمد بن بكر البُرْساني، فنسخها من كتب محمد بن عمرو بن جبلة". قال ابن كثير في "اختصار علوم الحديث" (١٤٠): "وإلى هذا أجنح". وينظر: "فتح المغيث" (٢/ ٢١٠)، "المنهل الروي" (٩٩)، "رسوم التحديث" (١٢٦ - ١٢٧).
(٣) الكفاية (٢٥٧) أو (٢/ ١٦٠ - ط الهدى) وفيها في آخر النقل: "إذا سكنت نفسه إلى صحة النقل لها، والسلامة من دخول الوهم فيها" ونَقْلُ ابن الصلاح عن الخطيب مختصرٌ أخلّ بذكر هذين الشرطين، ولذا تعقبه الزركشي في "نكته" (٣/ ٦٠٢).
(٤) تعجبني زيادة النووي في "الإرشاد" (١/ ٤٦١) هنا على كلام ابن الصلاح: "المتوهمة".
[ ٥٧٩ ]
وقد تقدَّم أن لا غِنَى (^١) في كُلِّ سَمَاعٍ عَنِ الإجازةِ؛ ليقعَ ما يَسقطُ في السَّماعِ على وَجه السَّهوِ وغيرهِ (^٢)، مرويًّا بالإجَازةِ (^٣).
فإنْ كانَ الذي في نُسختِه سَماعُ [شيخ] (^٤) شيخه أو هي مَسْموعةٌ على شَيخِ شَيخه، أو مرويَّةٌ عن شَيخِ شَيخِه؛ فَيَنبغي له حِينئذٍ في روايته منها أن تكونَ له إجازةٌ شاملةٌ من شَيخه، ولشيخِه إجازةٌ شاملةٌ مِن شَيخِه، وهذا تيسيرٌ حَسَنٌ، والحاجة ماسَّة إليها في زَمانِنا" (^٥).
[إذا وجد في كتابه خلافَ ما يحفظه]:
١٦٠ - الثالث: إذَا وَجَدَ الحافظُ في كِتَابهِ خلافَ ما يَحْفَظُه، فإذا حَفظَ ذلكَ مِنْ كتابه فلْيرْجعْ إلى ما في كِتابه (^٦)، وإنْ كان حَفظَه من فَم المحدِّث، فإنْ لم يتشكَّك فلْيعتمدْ حفظَه، وَحَسَنٌ أن يجمعَ بين الأمرين، فيقول: حِفظي كذا، وفي كِتابي كَذَا.
وإذا خَالَفَه فيما يحفظه بعضُ الحفَّاظ فيقول: حِفظي كذا، وقَال فُلانٌ، أو قَال غَيري: كذا (^٧).
_________________
(١) أثبتها ناسخ الأصل: "أن الاعتبار"، وأثبت في الهامش: "لعله: أن لا غنى". قلت: وهو الصواب، وكذا في "مقدمة ابن الصلاح".
(٢) من كلماتٍ أو أكثر، زيادة من عبارة ابن الصلاح.
(٣) وإن لم يذكر لفظها، زيادة من عبارة ابن الصلاح.
(٤) سقطت من الأصل، وهي عند ابن الصلاح والنووي وابن جماعة والجعبري.
(٥) مقدمة ابن الصلاح (٢١١، أو ٣٩٣ - ط بنت الشاطئ).
(٦) بشرط أن يكون محفوظًا عنده، وسواء في هذا ما اختلف معناه، أو لم يختلف، واختلف اللفظ. واحترز المصنف بقوله: "الحافظ"، عمن لم يحفظ، وإن كان نسي الحفظ، فلا يعتمد إلا أصل كتابه الموثوق به، انظر "نكت الزركشي" (٣/ ٦٠٣).
(٧) هكذا كان يفعل جماعة من الأئمة الحفاظ، والجهابذة النُّقَاد، مثل: شعبة بن =
[ ٥٨٠ ]
[إذا وجد سماعه في كتاب وهو غير ذاكر له]:
١٦١ - الرابع: إذا وَجَدَ سماعَه في كتابٍ، وهو غيرُ ذَاكرٍ له، فعَن أبي حنيفة: لا تَجوز له روايتُه (^١).
ومذهب الشَّافعيِّ وأكثرِ أصْحابهِ، وأبي يوسف، ومُحمَّد: تَجوُز له روايته (^٢).
والصَّوابُ أنْ يُقالَ: إنْ كان الكتابُ صحيحًا، مضبوطًا بخطِّه، أو بخطِّ مَن يثقُ به (^٣)، مصونًا عن التَّغيير، وتطرُّقِ التَّزويرِ إليه، يجوزُ أنْ يرويَ ما فيه وإنْ كَان لا يذْكُرُ أحاديثَه حديثًا حديثًا.
_________________
(١) = الحجاج، وسفيان الثوري والفضل بن الحباب، وغيرهم. وانظر: "الاستذكار" (١٥/ ٢٥٤)، "الكفاية" (٢٢٤ - ٢٢٦)، "نكت الزركشي" (٣/ ٦٠٣).
(٢) نقله عن أبي حنيفة: الماورديُّ في خطبة "الحاوي الكبير" (ص ١٩ - ط الفكر) وقال على إثره: "وهذا فاسد بالأثر المعمول به، والاعتبار المأخوذ به" وفصَّل في ذلك، وقال به أبو الطيب الطبري وأبو بكر محمد بن داود الصيدلاني (ت ٤٢٧ هـ) من الشافعية، انظر: "الكفاية" (٣٨٠)، "الإلماع" (٢٣٩)، "نكت الزركشي" (٣/ ٦٠٤)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٦٢)، "المنهل الروي" (٩٩)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٠٤).
(٣) وهو اختيار ابن دقيق العيد في "شرح العنوان" أفاده الزركشي في "نكته" (٣/ ٦٠٥). وانظر "الإلماع" (١٣٩ - ١٤٠)، "المعتمد" (٢/ ٦٢١ - ٦٢٢) لأبي الحسين البصري، "الكفاية" (٣٨٠) - ونسبه إلى عامة أصحاب مالك- "رسوم التحديث" (١٢٧)، والمراجع السابقة.
(٤) يدخل به الشيخ الذي سمع عليه الكتاب، ولا سيما إذا اشتهر خطه بين أصحاب الحديث، ويلتحق به ما وجد بخط حافظ مشهور الحفظ، أو مستمل، أو قارئ، أو ورَّاق معروف الخط، وهذا يؤكد ضرورة معرفة خطوط العلماء ولا سيما المكثرين النسخ منهم، وكذا خطوط الوراقين، وبعضهم كان بمثابة بعض دور النشر الآن، وبعضهم مجوِّد جدًّا، وبعضهم=
[ ٥٨١ ]
هذا إنْ سَكَنتْ نفسُه إليه، ولم يَتَشكَّك فيه (^١)، أو الكتابُ غيرُ مَصونٍ عن تطرُّق التَّغيير، أو بخطِّ مَن لا يُوثقُ به لا تجوز روايةُ ما فيه (^٢).
[الرواية بالمعنى وشروطها]:
١٦٢ - الخامس: إذا أراد روايةَ ما سَمِعَه على مَعْناه، فإِنْ لم يكن عارفًا بالألفاظِ ومقَاصِدِها، خبيرًا بما يحيلُ مَعانيها، بصيرًا بمقاديرِ التَّفاوتِ بَينَها، فلا خلافَ في أنَّه لا تجوزُ له روايةُ ما سَمِعه بمَعناه،
_________________
(١) = خطه رديء، وقد عانيت كثيرًا من جمع خطوطهم ودراستها، وتكلّفت كثيرًا، ولعل الله ييسّر دراسة مستوعبة لجمع خطوطهم، وعمل برنامج حاسوبي مهم يخدم في هذا المضمار، ولا يتّسع المجال للتفصيل، ولكل أجلٍ كتاب، والله الموفق للصواب. ثم فيما يخص ما ذكره المصنف ينظر لقرائن الأحوال التي يفحص فيها صحة السماع، بالنظر في جملة الأسامي، فإذا وجد فيهم من هو مشهور بين أصحاب الحديث والتراجم، فهذا يؤيد صحة السماع وفيه بعض التطمين، وينظر أيضًا لحجم الكتاب، ووجود علامات التصحيح والإلحاقات والمقابلات، وينظر -لزامًا- "نكت الزركشي" (٣/ ٦٠٦ - ٦٠٧).
(٢) عدم العلم أشدُّ من الشَّكِّ، فإن كان المراد أنه شك في السّماع فلا يحسن، وإن كان المراد أنه شكَّ في تطرُّقِ التّزوير ونحوِه، فغلبة ظن السلامة يخرجه، فلا حاجة إلى سكون النفس، وشبَّهه بعضهم بما إذا نسي الراوي سماعَه، فإنه تجوز لمن سمعه الروايةُ، ولا يضرّه نسيانُ شيخهِ، ولا يصح هذا التشبيهُ، لأن الراوي فيما نحن فيه غيرُ متذكّر، وفي الصورة المذكورة متذكر، ولكن أصله ناسٍ، قاله البلقيني في "محاصن الاصطلاح" (٣٩٤) وبنحوه في "نكت الزركشي" (٣/ ٦٠٧).
(٣) فيه شبه -مع تحقق الشرط- بما إذا نسي الراوي سماعه، فإنه يجور لمن سمعه من روايته عنه، ولا يضرّه نسيان شيخه. وانظر -غير مأمور-: "فتح المغيث" (٢/ ٢٠٥)، "رسوم التحديث" (١٢٧)، "المنهل الروي" (٩٩).
[ ٥٨٢ ]
وعليه أن يروي ما سَمِعَه باللّفظ (^١).
[الاختلاف في الرواية بالمعنى]
وأمَّا إذَا كان عالمًا بذلك كلِّه؛ فهذا مما اخْتَلَفَ فيه السَّلفُ وأصحابُ الفقهِ والأُصولِ، فلم يجوِّز بعضُ المحدِّثين والفقهاءِ والأُصُوليين (^٢).
_________________
(١) نفى غير واحد الخلاف في هذا، انظر: "مقدمة ابن الصلاح" (٣٩٤ - ط بنت الشاطئ)، "الإرشاد" (١/ ٤٦٥)، "المنهل الروي" (٩٦) - وقال: "بالإجماع"- وكذا قال الجعبري في "رسوم التحديث" (١٢٨) وانظر: "الرسالة" (٣٠٧ - ٣١٠)، "المحدث الفاصل" (٥٣٠)، "الكفاية" (٢٦٤)، "تدريب الراوي" (٢/ ٩٨) "الباعث الحثيث" (١٤١)، "الإحكام" (٢/ ١١٥) للآمدي، "المستصفى" (١/ ١٦٨)، "روضة الناظر" (٧٠)، "الرواية بالمعنى في الحديث النبوي وأثرها في الفقه الإسلامي" (٤٢ - ٤٣)، "مناهج المحدثين في رواية الحديث بالمعنى" (٧ - ٨).
(٢) قالت طائفة من السلف وأهل التحري في الحديث: لا تجوز الرواية على المعنى، بل يجب تأدية اللفظ بحينه من غير تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا حذف، ولم يفرق أصحاب هذا القول بين العالم بمعنى الكلام وموضوعه وما ينوب منه مناب بعض وما لا ينوب، وبين غير العالم بذلك. وذهب بعض القائلين بهذا القول إلى التشديد، فلم يجيزوا تقديم كلمة على كلمة، ولا حرف على آخر، ولا إبدال حرف بآخر، ولا زيادة حرف ولا حذفه، فضلًا عن أكثر، ولا تخفيف ثقيل ولا تثقيل خفيف، ولا رفع منصوب ولا نصب مجرور أو مرفوع ولو لم يتغير المعنى في ذلك كله، بل اقتصر بعضهم على اللفظ، ولو خالف اللغة الفصيحة، وكذا لو كان لَحْنًا، كما بَيَّنَ تفصيل هذا كله الخطيب في "الكفاية" (٢٦٥ - ٢٨٧). وأسنده عن جمع منهم: أبو هريرة، وابن عمر، وأبو أمامة الباهلي، وأبو معمر الهذلي، وابن سيرين، وعبد الله بن طاوس، وعبد الملك بن عمير، ووهيب بن خالد، وعبد الوارث بن سعيد، ويزيد بن زريع، وإسماعيل =
[ ٥٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ابن عليَّة، وهو محكي عن جمع غير المذكورين، مثل: عمر بن الخطاب، وزيد بن أرقم، ومالك بن أنس، وابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وابن جُرَيْج، وإبراهيم بن ميسرة، والقاسم بن محمد، ورجاء بن حَيْوَةَ، وعبد الوارث، وثعلب؛ وكان يقول: "ما من لفظ من الألفاظ المتواطئة والمترادفة في كلام العرب إلا بينها وبين صاحبتها فرق، وإن لطفت ودقت، كقولك: بلى، ونعم، وأقبل وتعال" حكاه عنه صاحب "المسودة" (٢٨١). والمنع بإطلاق هو مذهب أبي بكر الرازي من الحنفية، وبه قال بعض المحدِّثين وطائفة من الفقهاء والأصوليين من الشافعية وغيرهم، وهو مذهب الظاهرية. وإليه جنح القاضي عياض في "الإلماع" (١٨٠) فإنه قال على إثر نقله المنع عن مالك: "وما قاله -﵀- الصواب، فإن نظر الناس مختلف، وأفهامهم متباينة ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، كما قال رسول الله - ﷺ -: "ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، فإذا أدى اللفظ أمن الغلط واجتهد كل من بلغ إليه فيه، وبقي على حاله لمن يأتي بعد، وهو أَنْزَهُ للراوي، وأخلص للمحدث. ولا يحتجّ باختلاف الصحابة في نقل الحديث الواحد بألفاظ مختلفة، فإنهم شاهدوا قرائن تلك الألفاظ، وأسباب تلك الأحاديث، وفهموا معانيها حقيقة، فعبّروا عنها بما اتفق لهم من العبارات، إذ كانت محافظتهم على معانيها التي شاهدوها والألفاظ ترجمة عنها. وأما مَنْ بعدهم فالمحافظة أولًا على الألفاظ المبلَّغة إليهم التي منها تستخرج المعاني، فما لم تضبط الألفاظ وتتحرى وتسومح في العبارات والتحدث على المعنى انحل النظم، واتسع الخرق". وقال أيضًا (ص ١٨٦): "ينبغي سد باب الرواية بالمعنى لئلا يتسلط من لا يحسن من يظن الحفظ كما وقع لكثير من الرواة قديمًا وحديثًا". وذهب ابن حبان في "المجروحين" (١/ ٧٨) إلى ترك الاحتجاج برواية الثقة غير الفقيه إذا حدث من حفظه، بناء على هذا الأصل، وهو مذهب شاذ، انظر رده في "شرح علل الترمذي" لابن رجب (١/ ٤٣١ و٢/ ٨٣٧). وانظر في المنع والمانعين وحججهم: "المحدث الفاصل" (٥٣٤، ٥٣٥، ٥٣٨، ٥٤٠، ٥٤٣)، "تقدمة الجرح والتعديل" (ص ١٤٣)، "طبقات=
[ ٥٨٤ ]
ومَنَعه بعضُهم (^١) في حديثِ رسول الله - ﷺ - دونَ غيرهِ.
[الصحيح من ذلك]
والأصحُّ جوازُ ذَلك في الجميع، وهو الذي تشهد به أحوالُ الصَّحَابةِ والسَّلَف، وكثيرًا نَقَلوا معنىً واحدًا في أثرٍ واحدٍ بألفاظٍ مُختلفةٍ، فعُلِمَ أن اعتمادَهم على المعنَى (^٢).
_________________
(١) = ابن سعد" (٧/ ١٦٢)، "العلم"، لأبي خيثمة (ص ١٩٣) "شرح العلل" (١/ ١٥٠ - ط العتر أو ١/ ٤٣٤ - ط المنار)، "المعلم" للمازري (١/ ٢٨٠ - ٢٨١ - ط دار الغرب)، "البحر المحيط" (٦/ ٢٧٤)، "فتح المغيث" (٢/ ٢١٤)، "المنهل الروي" (٩٩)، "رسوم التحديث" (١٢٨)، "الرواية بالمعنى في الحديث النبوي" (٤٤ - ٤٧)، "مناهج المحدثين في رواية الحديث بالمعنى" (٥٣ - ٥٩).
(٢) نُقِل عن مالك، انظر: "جامع بيان العلم" (٢/ ٨١)، "شرح علل الترمذي" (١/ ٤٣٤ - ط المنار)، "تدريب الراوي" (٢/ ١٠١)، "فتح الباري" (١١/ ١١٢)، "نشر البنود" (٢/ ٥٧). وقال القاضي عياض في "الإلماع" (١٧٩): "حمل أئمتنا هذا من مالك على الاستحباب". ومنعه بعضهم لغير الصحابي، حكاه الماوردي، ومنهم من زاد التابعي، وبه جزم ابن العربي المالكي فيما نقله القرطبي في "تفسيره" (١/ ٤١٤) عنه وحفيد القاضي أبي بكر في كتابه "أدب الرواية"، ومنهم من جوَّزه لمن لم يحفظ اللفظ، لأن في كلام النبوة من الفصاحة ما لا يوجد في غيره، وإن لم يحفظ جاز له، اختاره الماوردي في "الحاوي" (١/ ١٩) وتبناه طاهر الجزائري في "توجيه النظر" (٣٠٨) ومحمد أبو شهبة في "الدفاع عن السنة" (٥٥)، وذهب ابن حزم في "الإحكام" (١/ ٢٠٥ - ٢٠٦) إلى جوازه في حق من سئل عن حكم فأفتى بمعنى الحديث، أو ناظر، فاحتجّ، وأما عند قصد التبليغ ابتداءً، فلا يحل له تبديل لفظه، وتبنّاه طاهر الجزائري. وانظر "نكت الزركشي" (٣/ ٦١٠ - ٦١١).
(٣) ينبغي التفريق بين ما رُوي عن النبي - ﷺ - على أنه من أفعاله، وما يُرْوَى عنه - ﷺ - على أنه من أقواله، وفي رواية أصحابه عنه. =
[ ٥٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فالأحاديث الفعلية، ومثلها التقريرية، والوصفية لا تدخل في مبحث رواية الحديث بالمعنى في عصر الصحابة، وفيما يرويه الصحابة عن رسول الله - ﷺ - إذ لم يصدر عن رسول الله - ﷺ - أقوال وألفاظ يجب عليهم روايتها باللفظ، وإنما صدرت أفعال رأوها فعبَّروا عن مشاهداتهم بألفاظ من عندهم - ﵃ -؛ فلا يقال بأنهم رووا الأحاديث الفعلية بالمعنى، وإنما هذا يصدق على من سمع الصحابة يحدِّثون بأفعال النبي - ﷺ -، فلم يحفظ ألفاظ الصحابة وإنما عبر بألفاظ تؤدي المعنى نفسه. ثم إن هؤلاء الصحابة هم من الجيل والقرن الذي بلغ الغاية في الفصاحة، والبيان، والقدرة على وصف أدق الأشياء غموضًا وخفاءً بأبلغ وأوجز الألفاظ، ولهذا تحدَّاهم الله ﷿ بالقرآن العظيم، فهم إذن مأمونون على رواية ما صدر عنه - ﷺ - من أفعال وتقريرات بألفاظ مطابقة مؤدية للمعاني التي أرادوا التعبير عنها، وروايتها بحسب مشاهداتهم للأحداث. وبهذا تضيق دائرة رواية الحديث بالمعنى فيما رواه الصحابة عن رسول الله - ﷺ - لتقتصر فقط على أحاديثه القولية، ثم هذه أيضًا قد ثبت عن رسول الله - ﷺ - تكريره وإعادته للفظ ثلاثًا حتى يحفظ أصحابه، مع ما أوتوا من جوامع الكلم، وربما أعاد الكلام في مواطن عديدة، أو سنوات متفرقة بألفاظ متقاربة والمعنى واحد، فيروي كل صحابي اللفظ الذي سمعه، فليس اختلاف ألفاظهم في الحديث القولي دليلًا على روايتهم له بالمعنى، وإنما هكذا سمعه كل واحد منهم بحسب تعدد المجالس، ولعل منها حديث "من كذب عليَّ" وحديث "نضر الله" لكثرة من رواهما من الصحابة، فلا يبعد أن يكون سماعهم في مجالس متعددة أو سنوات متفرقة. ثم إذا أضيف ما علم من تحرِّي الصحابة في حفظ كلامه - ﷺ -، حتى توقف كثير منهم عن الرواية خوف نقص كلمة أو زيادتها، مع قدرتهم على استبدالها وروايتها بالمعنى وحرصهم على روايته بلفظه، وكان منهم من كان يكتب كل ما يتلفظ به النبي - ﷺ - كعبد الله بن عمرو، ومنهم من دعا له رسول الله - ﷺ - بالحفظ كأبي هريرة، مع ما علم عنهم من نقد وتصحيح لما كان قد يقع في رواية بعضهم من الخطأ والغلط؛ فإنه بذلك تضيق دائرة رواية=
[ ٥٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الحديث بالمعنى إلى أقصى درجة في أحاديثه القولية أيضًا في رواية الصحابة. وهكذا نجد أن رواية الصحابة - ﵃ - تكاد تخلو من الرواية بالمعنى، أما الأحاديث الفعلية والتقريرية والوصفية؛ فلأنها لا تدخل في الموضوع أصلًا لأنهم هم الذين تلفظوا وعبروا عن مشاهدتهم لأحوال وأفعال الرسول - ﷺ - ابتداءً. وأما القولية؛ فلما سبق بيانه من حال النبي - ﷺ - في تلفظه، وإعادته لكلامه، وإيجازه وتأنِّيه، ومن حال أصحابه في حرصهم على حفظه وورعهم عند أدائه، وروايته. بل لقد كان التدوين الرسمي العام بأمر عمر بن عبد العزيز في زمن التابعين. ثم إذا علمنا أن طبقة أتباع التابعين قد دونوا السنة في بطون الكتب، كمالك في "الموطأ" وسفيان الثوري في "جامعه"، وحماد بن سلمة في مصنفاته، وعبد الملك بن جُرَيْج، وابن أبي عروبة، وغيرهم من الأئمة الحفاظ من أهل هذه الطبقة، فإنه لا يتبقى عندنا فيها رواية الحديث سوى طبقة التابعين، فهذه الطبقة هي التي وقع فيها رواية الحديث بالمعنى بصورة أوضح، ومع ذلك فإن أهل هذه الطبقة كان منهم مَنْ كتب ودوَّن الحديث في صحف كما فعل هَمَّام بن مُنَبِّهٍ، فإن "صحيفته" كان يكتبها من لفظ أبي هريرة وهو من خاصة تلاميذه. وكان الزهري له صحف كتب فيها الحديث، ومنهم من كتب من صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، وكان عمرو بن شعيب يحدث بهذه الصحيفة، وغيرهم كثير من أصحاب الصحف عن آبائهم أو شيوخهم. كما أن من أهل هذه الطبقة الحفاظ الأثبات، الذين اشتهروا بالحفظ والإتقان والتثبُّت، حتى أن أحدهم ربما سئل عن الحديث بعد سنوات فيجيء به كما حدَّث به أول مرة، لا يخرم منه حرفًا، وعلى مثل هؤلاء دارت الرواية في هذا العصر، ومنهم من لا يرى الرواية بالمعنى ويشدد في ذلك. هذا وليس كل من كان يرى الرواية بالمعنى كان يحدث على المعنى في كل حديث يرويه، بل إن عامتهم من الحفاظ الأثبات الذين بين ضابط لكتابه، أو ضابط لحفظه، وإنما رأوا أن الرواية بالمعنى جائزة بحسب الأدلة التي =
[ ٥٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بين أيديهم، ولا يعني ذلك -أبدًا- أنهم لم يكونوا يحدثون باللفظ. والأصل في كل حديث مروي بإسناد صحيح أنه مروي باللفظ حتى يثبت خلافه، فإن كان بإسناد فلا شيل إلى الحكم عليه بأنه مروي بالمعنى إذ لا دليل على ذلك. فإن كان مرويًّا بأسانيد مختلفة من جمع الصحابة والمعنى واحد فَيُحمل على أن كل صحابي روى ما سمعه إذ لا مانع من ذلك. ولا يدخل فيما سبق أوهام الرواة، وأغلاطهم، التي تعرف بعرض رواياتهم على روايات الحفاظ الأثبات، لأن هذا باب آخر غير باب الرواية بالمعنى. والحاصل أن الرواية بالمعنى كما يظهر من أدلة الجمهور جائزة لقوة دلالتها نقلًا ونظرًا. ولكن لا بد لنا من التنبيه إلى أن من أباح رواية الحديث على المعنى قيدها بشروط عديدة ولم يطلق هذا لكل إنسان، ومن تلك الشروط:
(٢) أن يكون الراوي ثقةً في دينه، معروفًا بالصّدق في حديثه، عاقلًا لما يحدث به.
(٣) أن يكون الراوي عالمًا بلغات العرب ووجوه خطابها.
(٤) بصيرًا بالمعاني والفقه.
(٥) عالمًا بما يُحيل المعنى وما لا يُحيله.
(٦) أن لا يكون الحديث: (أ) مما تُعُبَّد بلفظه، كالشهادة والتشهد والأذان والإقامة والدعاء وغير ذلك. (ب) أو جوامع كلمه - ﷺ - التي افتخر بإنعام الله تعالى عليه بها. (ج) أو مما ما يستدل بلفظه على حكم لغوي.
(٧) أن يكون ذلك في خبر ظاهر.
(٨) أن لا يكون ذلك في الخبر، لأنه ربما نقله الراوي بلفظ لا يؤدي مراد رسول الله - ﷺ -.
(٩) أن يقول الراوي عقب روايته الحديث (أو كما قال) أو (نحوه) أو (شبهه).
(١٠) أن يضطر الراوي اضطرارًا إلى روايته بالمعنى: =
[ ٥٨٨ ]
[ما لا يجوز فيه الرواية بالمعنى]:
ثم هذا الخلاف في غير ما وقع [في] (^١) بطون الكتب، وتصنيفِ مُصَنَّفٍ، فَليسَ لأحدٍ أنْ يغيِّر لَفظًا من كتابٍ مصنّفٍ، ويكتب بدَلَه فيه لفظًا آخر بمعناه، لأنَّه إنْ مَلَك تغييرَ اللفظِ فليس يملُك تغييرَ التَّصنيفِ (^٢).
قلتُ: يَنبغي أن لا يجوز تغييرُ ما في تَصنيفِ مصنِّفٍ باللفظ أيضًا، ويقول: قَال البُخاريُّ في "الصَّحيح" كذا ويذكر لفظًا غيرَ ما فيه لكن بمعناه (^٣)، والله أعلم.
_________________
(١) = (أ) كأن يَنِدّ لفظ الرسول - ﷺ - عن الذاكرة، ويغيبَ عنه في حال روايته له. (ب) أو أن لا يكون ضابطًا للحديث، لأن الضبط الدقيق مَطْلَب عزيز لا يتقنه إلا القليل والضرورة تقدر بقدرها.
(٢) أن لا تكون روايته للحديث على سبيل الرواية والتبليغ خاصة، بخلاف الإفتاء والمناظرة.
(٣) أن يبيِّن الراوي بأن هذا هو معنى قول النبي - ﷺ -، لا لفظه. واعلم أن هذا الخلاف لا يجري في ثلاثة أنواع: • النوع الأول: ما تُعُبِّدَ بلفظه كالتشهد والقنوت ونحوهما، صرح به الزركشي. • النوع الثاني: ما هو من جوامع كلمة - ﷺ - التي افتخر بإنعام الله عليه بها. • النوع الثالث: ما يستدل بلفظه على حكم لغوي، إلا أن يكون الذي أبدل اللفظ بلفظ آخر عربيًّا يُستدل بكلامه على أحكام العربية، ذكره جمهور النحاة. من كتاب "مناهج المحدثين في رواية الحديث بالمعنى" (ص ٧٢ - ٧٦).
(٤) زيادة يقتضيها السياق.
(٥) انظر: "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٧٠)، "فتح المغيث" (٢/ ٢١٨)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٣٧٢).
(٦) اعترض عليه ابن دقيق العيد في "الاقتراح" (٢٤٥) وأقره الزركشي في "النكت" (٣/ ٦١١ - ٦١٢)، وأيّد العراقي كلام ابن الصلاح الذي =
[ ٥٨٩ ]
[أمور ينبغي مراعاتها لمن روى بالمعنى]
ومَنْ رَوَى الحديثَ بالمعنى يَنبغي أنْ يُتبعَه بقوله: أو كما قَال، أو نَحو هذا، وما أشبهَ ذَلك.
رُوِيَ ذلكَ عَن ابنِ مَسعود (^١)،
_________________
(١) = نقل المصنف معناه هنا وخلاصة كلام ابن دقيق العيد جواز تغيير ما في التصانيف السابقة إذا نقلت إلى تخاريجنا، إذ ليس فيه تغيير للتصنيف المتقدّم، وهذا أوسع من روايات الحديث بالمعنى، ولذا فكلامه مردود، جريًا على عادة أهل التصنيف، فينبغي ألا تغيّر الألفاظ بعد عزوها إلى كتبها المصنفة، سواء رويناها جملة، أو نقلنا منها بعض الأجزاء أو العبارات. والصواب: أننا إذا نسخناه فلا يجوز تغييره، وكذا إذا عزونا نقلًا إلى صاحبه، أما إذا أَضفناه إلى تخاريجنا واستفدنا منه في تصانيفنا، فلنا أن نتصرف فيه، ونشير إلى ذلك، ومن البركة عزو الكلام لأصحابه، وإن لم نفعل، فلم نغيّر تصنيف من مضى، وفرق بين النقل بتصرف، والنقل منها من غيره، وثمة فرق بين النقل مع عزوه، ودونه، وبين القلة والكثرة فيه ومنه، ومن عيوب الكتب اليوم وقلَّة بركتها السطو على عبارات وأقاويل السابقين دون أيما إشارة. لا سيما مع وجود أطر التأليف الحديثة، ووجود اصطلاحات وعلامات التنصيص، والتعارف على طرق للعزو، ويتأكد التقيد بذلك مع وجود قوانين لأولياء الأمور في حفظ حقوق التأليف ومنع التعدي عليها، ويزيد ذلك تأكيدًا: أن المحققين والمؤلفين لهم حقوق مادية ومعنوية في مقابل ذلك، ولا ينازع في ضرورة ذلك إلا صاحب هوى أو مبتلى، والله الواقي والعاصم. انظر: "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٧٠)، "فتح المغيث" (٢/ ٢١٨)، كتابي "البيان والإيضاح" (١٠١ - ١٠٢).
(٢) أخرج الدارمي (١/ ٨٣) والطيالسي (٣٢٦). وابن ماجه (٢٣) والفسوي (٢/ ٥٤٧ - ٥٤٨) والشاشي (٦٦٧، ٩٦١) وأبو زرعة الرازي في "تاريخ دمشق" (رقم ١٤٦٤) - ومن طريقه ابن عساكر (٣٣/ ١٦١) - وابن سعد (٣/ ١٥٦، ١٥٧) وأحمد (١/ ٣٨٧، ٤٢٣، ٤٥٢، ٤٥٣) - ومن طريقة ابن عساكر =
[ ٥٩٠ ]
وأبي الدَّرداء (^١)، وأنس (^٢)، وغيرِهم من الصَّحابةِ - ﵃ - (^٣).
_________________
(١) = (٣٣/ ١٥٩ - ١٦٠) - والبزار (٩٣٤٥) والطبراني (٨٦١٣، ٨٦٢٢، ٨٦٢٣، ٨٦٢٤، ٨٦٢٥، ٨٦٢٦، ٨٦٢٧) وابن عدي في مقدمة "الكامل" (٤٣) والرامهرمزي (٥٤٩) والحاكم (١/ ١١٠ - ١١١) و(٣/ ٣١٤) والخطيب في "الجامع" (رقم ١٠٢١، ١١١٣) وفي "الكفاية" (٢/ ٩ - ١٠ - ط دار الهدى) وابن عبد البر في "الجامع" (رقم ٤٦٢) عن ابن مسعود بألفاظ، منها: عن عمرو بن ميمون قال: "ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيتُه فيه، قال: فما سمعته يقول بشيء قط قال: قال رسول الله - ﷺ -، فلما كان ذات عشية، قال: قال رسول الله - ﷺ -، قال: فنكس. قال: فنظرتُ إليه، فهو قائم محلّلة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريبًا من ذلك، أو شبيهًا من ذلك"، لفظ ابن ماجه، وهو صحيح عنه.
(٢) أخرج الدارمي (١/ ٨٣) وابن سعد (٧/ ٣٩٢) وأبو زرعة الدمشقي في "تاريخه" (١٤٧٣، ١٤٧٤) وأبو خيثمة في "العلم" (١٠٥) والخطيب في "الجامع" (١١١٤، ١١١٥) وفي "الكفاية" (٢/ ١٣ - ١٤ - ط دار الهدى) وابن عبد البر في "الجامع" (رقم ٤٥٩، ٤٦٠) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ١٤٤) والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٥٥٠) عن أبي الدرداء أنه كان إذا حدّث الحديث عن رسول الله - ﷺ -، ثم فرغ منه، قال: "اللهم لا هكذا، فكشِكْله". وإسناده صحيح.
(٣) أخرج ابن ماجه (٢٤) والدارمي (١/ ٨٤) وابن سعد (٧/ ٢١) والرامهرمزي (٧٥٠) والخطيب في "الكفاية" (٢/ ١٥ - ط دار الهدى) وفي "الجامع" (١١١٦، ١١١٧) وابن عبد البر في "الجامع" (٤٦١) وابن عساكر (٩/ ٣٦٦ - ٣٦٧) عن محمد بن سيرين وغيره: كان أنس بن مالك إذا حدّث حديثًا عن رسول الله - ﷺ - ففرغ منه، قال: "أو كما قال رسول اللهﷺ -".
(٤) هذا القول مرويٌّ عن علي، وابن عباس، وواثلة بن الأسقع، وأبي هريرة، انظر "المحدث الفاصل" (٥٣٣ - ٥٣٧)، "شرح العلل" للترمذي (١/ ١٤٥ - ١٤٩)، "الرواية بالمعنى في الحديث النبوي" (٥٤ - ٥٥). =
[ ٥٩١ ]
وكذا إذا اشتَبه على القَارئ لفظة فيحْسُنُ أنْ يقولَ بعدَ قراءتِها على الشَّكِّ: أو كَما قَالَ، لأنَّ قولَه: كما قال؛ يتضمَّن إجازةً مِنَ الرَّاوي وإذْنًا في رِوايةِ صَوَابها عنه إذا بَانَ (^١).
[مذاهب العلماء في حذف بعض الحديث ورواية باقيه]:
١٦٣ - السادس: اخْتُلِفَ في حَذْفِ بَعضِ الحديثِ، وروايةِ باقيهِ، فمنهم مَن مَنعَ مُطلقًا، بناءً على امتناعِ النَّقل بالمعنَى.
ومنهُم مَن مَنَع تجويزَه مَعَ تَجويزهِ النَّقَل بالمعنى (^٢)، إذَا هُو قَد رواه
_________________
(١) = ولمُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ١/ ٤٠) هنا كلمة في ذكر مستندهم في الجواز، وتعقبه البُلقيني في "محاسن الاصطلاح" (٣٩٦) دون أن يسميه.
(٢) ولا يشترط إفرادها بإجازة. انظر: "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٧٠)، "الإرشاد" (١/ ٤٦٧)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٢٠). والأجمع للمصلحة والأنفى للمفسدة في هذه الحالة عدم تغيير الخطأ، والتنبيه عليه باصطلاحات أهل الصنعة، مع التنصيص على الصواب الذي يظهر في الحاشية، وهناك طريقة متّبعةٌ في التصحيح، ورموز اصطلح عليها النساخ، بيّنها كثير من العلماء، وسبق أن أومأ المصنف إليها، وانظر -لزامًا- "المعيد في أدب المفيد والمستفيد" (١٣٦) وكتابي "البيان والإيضاح" (١٤٠ - ١٤١). ثم وجدتُ عند مُغُلْطاي في "إصلاحه" (ق ٤٠/ أ- ٤٠/ ب) ما نصه: "ذكر شيخنا أبو الفتح القشيري أنه كم من جزء قرئ بعده فوقع فيه أغاليط وتصحيفات لم يتبيَّن صوابها إلا بعد الفراغ فأصلحت، وربما كان الأمر على خلاف ما وقعت القراءة عليه وكان كذبًا إن قال: قرأت؛ لأنه لم يقرأه على ذلك الوجه، وإذا وقع في الرواية خلل في اللفظ، فالذي اصطلح عليه أن لا يغير -حسمًا للمادة- إذ غير قوم الصواب بالخطأ ظنًّا منهم أنه الصواب فإذا بُقيَ على حاله ضُبِّبَ عليه وكتب الصواب في الحاشية".
(٣) قال الغزالي في "المستصفى" (١/ ١٦٨): "رواية بعض الخبر تمنع عند=
[ ٥٩٢ ]
مرَّةً عَلَى التَّمام، ولم يَعْلَم أنَّ غيرَه رواه على التَّمام.
ومنهم مَنْ جَوَّزَ ذلك مُطلقًا، ولم يفصِّل (^١).
[الصحيح من ذلك]
والصَّحيحُ التفصيل، وهو أنّه إنْ كَان عارفًا بما تركه، غيرَ متعلِّق بما رواه، بحيث لا تختلف الدَّلالة، ولا يختل البيانُ فيما نقله بحذف الباقي يجوز، وإنْ قُلنا بعدم جواز الرواية بالمعنى، لأن المروي والمحذوف حينَئذٍ كخَبرين مُنفصِلَين (^٢).
_________________
(١) = أكثر من منع نقل الحديث بالمعنى، ومَن جوَّزه شرط هنا أن يروية مرة بتمامه، ولم يتعلّق المذكور بالمتروك تعلّقًا يغيِّر معناه، فأما إذا عُلِّق به كشرط العبادة، أو ركنها، فنقل البعض تحريفٌ وتلبيسٌ". وتعجبني عبارة ابن الحاجب في "مختصره" (٢/ ٧٢): "حذف بعض الخبر جائز عند الأكثرين إلا في الغاية والاستثناء ونحوه".
(٢) هكذا صنع ابن الصلاح ومن تبعه، كالمصنف، وقبله: النووي في "الإرشاد" (١/ ٤٦٨) وشيخه ابن جماعة في "المنهل الروي" (١٠٠) وفيه إشكال فإنه يقتضي أن قولًا للعلماء بجوازه مطلقًا، وبالمنع مطلقًا، حتى لا يترك الاستثناء والشرط والغاية وهذا لا يقوله أحد، وإنما يحمل التفصيل على جملة حالاته، ويتقيّد القولان بما إذا لم يكن المحذوف متعلّقًا بالمروي، ولذا قال مسلم في "مقدمة صحيحه" (١/ ٤٩): "أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره إذا أَمكن"، أفاده الزركشي في "نكته" (٣/ ٦١٢)، والجواز متعيَّن لا سيما مع الشك، وكان مالك يفعله كثيرًا، بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في وصله، ولذا النقصان من الحديث أحسن من الزيادة فيه، وأسند الخطيب في "الكفاية" (١٩٠) عن مجاهد قوله: "أنقص من الحديث، ولا تزد فيه". وممن نقل عنه الجواز بشرطه غير مجاهد: ابن معين، كما في "الكفاية" (١٨٩)، وانظر: "محاسن الاصطلاح" (٣٩٧)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٧١)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٢٢).
(٣) فعل هذا أبو داود السجستاني في "سننه"، قال في "رسالته إلى أهل=
[ ٥٩٣ ]
ولا فَرقَ بينَ أن يكونَ رواهُ قَبل ذلكَ على التَّمام أو لم يرْوِه (^١).
هذا إذا كان الرَّاوي [رفيعَ] (^٢) القَدْر لا يُتَّهم.
[حالات المنع]:
وأمَا مَنْ رَوى حديثًا على التَّمام، فخاف إنْ رَواه ثانيًا أن يُتَّهم بزيادة فيما رواه أو بنُقْصَان، أو بنِسْيان وسهو لقلَّة ضبطهِ، وكَثرةِ غَلَطهِ، فلا يَجوزُ له النُّقصانُ (^٣).
وكذا إنِ اختلَّ معنى الباقي بَسَبب الحذفِ كما إذا تَرَك الاستثناءَ في
_________________
(١) = مكة" (٢٤): "وربما اختصرتُ الحديثَ الطويلَ، لأنني لو كتبته بطوله، لم يعلم بعض من سمعه، ولا يفهم موضع الفقه منه، فاختصرته لذلك". قال أبو عبيدة: مرادُه أن يكون الحديث طويلًا، وفيه عدة أحكام، واستدل به لحكم وجه الدلالة على منزعه في التبويب منه خفية، فآثر الاقتصار عليه، ليزداد وضوحًا، وانظر لشرح هذه العبارة "الإيجاز شرح سنن أبي داود" للنووي، وتعليقي عليه، نشر الدار الأثرية، الأردن. فلاحظ أن تعلّق أبي داود بالجواز هو عين حجة مَن منع، ولذا كان الصواب التفصيل.
(٢) اشترط روايته مرة على التمام: الغزالي في "المستصفى" (١/ ١٦٨) وسبق نقلي لكلامه قريبًا.
(٣) غير واضحة في الأصل، وأثبتُّها من "مقدمة ابن الصلاح" (٣٩٨ - ط بنت الشاطئ).
(٤) قال الغزالي في "المستصفى" (١/ ١٦٨): "أما إذا روى الحديث مرة تامًّا، ومرة ناقصًا نقصانًا لا يضر فجائز، بشرط أن لا يتطرق إليه سوء الظن بالتُّهمة، فإنْ علم أنه متّهم باضطراب النقل وجب الاحتراز منه". وانظر: "نكت الزركشي" (٣/ ٦١٤)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٢٤)، "المنهل الروي" (١٠٠).
[ ٥٩٤ ]
قوله - ﷺ -: "لا تبيعوا البُرَّ بالبُرِّ. ." (^١) الحديث، والغايةُ في قوله - ﷺ -: "لا تبيعوا الثِّمار. ." (^٢)، فإنَّه لا يجوز قَطعًا.
[تقطيع الحديث وتفريقه على الأبواب]
وأمَّا تَقطيعُ المصنِّف الحديثَ وتفريقُه على أبوابِ الاحتجاج فهو إلى الجوازِ أَقْربُ، وقد فَعَلَه مالك (^٣)،
_________________
(١) لعله يريد حديث عمر بن الخطاب رفعه: "البُرُّ بالبر ربا إلا هاءًّ وهاءً. . ." أخرجه البخاري (٢١٣٤، ٢١٧٠، ٢١٧٤) ومسلم (١٥٨٦).
(٢) أخرج مسلم (١٥٣٨) عن أبي هريرة رفعه: "لا تبتاعوا الثمار حتى يبدوَ صلاحُها".
(٣) قال يعقوب بن شيبة: "كان مالك لا يرى أن يختصر الحديث إذا كان عن رسول الله - ﷺ -"، كذا في "الكفاية (٢٢٥)، قلت: ولكنه واقع في "موطئه" كما قال المصنف، والأمثلة عليه كثيرة، من أشهرها حديث جعفر بن محمد في الحج؛ فإنه قطَّعه في مواضع منه، فذكره في (باب القِران في الجج: ٢٤٦) و(باب قطع التلبية: ٢٤٧) و(باب الرحل في الطواف: ٢٦٣) و(باب البدء بالصفا في السعي: ٢٦٧ - ٢٦٨) و(باب ما استيسر من الهدي: ٢٧٤) و(باب العمل في النحر: ٢٧٨). والأمثلة على ذلك كثيرة، ذكر منها. ابن عبد البر في "الاستذكار" (٢٦/ ٢٨٢ - ٢٨٣ - ط قلعجي) مثالًا آخر، وقال: "فإنّ مالكًا ربما اختصر الحديث، وربما جاء به بتمامه". والذي كان يكثر منه مالك ويفعله تورّعًا: حذف زيادة مشكوك فيها، بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في وصله. ونقله عبد الغني بن سعيد في "أدب المحدث" عن إسماعيل ابن علية. ومحل حذف الزيادة المشكوك فيها، زيادة لا تعلّق للمذكور بها، فإن تعلَّق ذكرها مع الشَّكِّ ليُعْلم. مثاله: ما في "الموطأ" "البيوع: باب ما جاء في بيع العرِيَّة ٦٢٠) من قول داود بن الحصين في حديث: "الرخصة في العرايا في خمسة أوسقٍ أو دون خمسة أوسق" فشكّ، ولكن لما كان المشكوك فيه مما لا يسوغ حذفه، ذكره على الشك. =
[ ٥٩٥ ]
والبخاريُّ (^١)،
_________________
(١) = ففعل مالك في الاختصار والتقطيع ينبغي أن يُسلَّم له فيه، لأنه إنما فعله لقصد صحيح، يظهر رجحانه، والمنع في غير ذلك، وهذا عندي أحسن مما ذهب إليه السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ٢٢٥) في التوفيق بين صنيعه وقول يعقوب بن شيبة السابق: "إلا أن يفرق بين الرواية والتأليف"! فتأمل. وينظر في هذا: "نكت الزركشي" (٣/ ٦١٨) - ونقل فيه عن "أدب المحدث" للحافظ عبد الغني قوله عن صنيع مالك في تقطيع حديث جعفر بن محمد في الحج: فصّله في مواضع وترك منه أكثره، فلم يذكره، وذكر منه فصلًا آخر خارج "الموطأ"- "محاسن الاصطلاح" (٣٩٩)، والمسألة تحتاج إلى تتبُّع ومعرفة منهج الإمام مالك في ذلك، واقتصر د. مشعل الحدادي في كتابه "الإمام مالك وأثره في علم الحديث النبوي" (٤٤٩ - ٤٥٠) على ذكر كلام ابن الصلاح والنووي والسيوطي في "التقريب" و"التدريب" (٢/ ٩٩)!
(٢) اشتهر هذا من صنيع البخاري في "صحيحه" وأهمل السخاوي التنبيه عليه في "عمدة القاري والسامع"! وذكر ابن حجر في "الفتح" (١/ ٧٨ - ط بولاق) تحت (باب كفران العشير وكفر دون كفر): "إن البخاري يذهب إلى جواز تقطيع الحديث، إذا كان ما يفصله منه لا يتعلّق بما قبله ولا بما بعده تعلُّقًا يفضي إلى فساد المعنى، فصنيعه كذلك يوهم من لا يحفظ الحديث أن المختصر غير التام، لا سيما إذا كان ابتداء المختصر من أثناء التام". قال: "فمن أراد عدّ الأحاديث التي اشتمل عليها الكتاب يظن أن هذا الحديث حديثان أو أكثر، لاختلاف الابتداء". قلت: انظر ما قدمناه في التعليق على (ص ١٤٠) من ضرورة مراعاة ذلك في العدّ، وسبق هناك بيان وقوع ذلك في "صحيح مسلم" في مواطن منه، وخطأ ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، ولذا فالاعتماد في تخريج أحاديث "الصحيحين" على أرقام الأحاديث ليس بجيّد، ولا حسن، وللترقيم اعتبارات عديدة، وقارنه -لزامًا- بعبث محقق "إعلام الموقعين" في هذا (ص ١٠ - ط طيبة) وانتقاده لي في ذكري الكتاب والباب في تخريج أحاديث "الصحيحين" مع كذبه الصراح عليَّ في زعمه أن الذي خرج أحاديثه غيري! فسبحان الله =
[ ٥٩٦ ]
وغيرُ واحدٍ من أَئمَّةِ الحَديثِ (^١).
[على المحدث تعلم النحو والعربية وتجنب اللحن والتصحيف]
١٦٤ - السابع: يَنبغي للمحدِّث أن لا يروي حديثه بقِرَاءة
_________________
(١) = ما أشد جهله! وهكذا شأن الباطل، فإن كذبه وتناقضه فيه، وهو واهٍ وميت، ولولا رعونة النفوس، وطيش العقول، وخفة الدين، لما عبأ به أحد! ومما ينبغي ذكره أن صنيع مسلم الغالب عليه في "صحيحه" عدم التقطيع والتكرار، وذكر هذا رشيد العطار في مواطن من "غرر الفوائد المجموعة" انظرها في (٢٣٤، ٢٥٢، ٢٩٣، ٢٩٤، ٣١٦)، وينظر كتابي "منهج الإمام مسلم في صحيحه وأثره في علم الحديث" (٢/ ٥٣١). بقي التنبيه على أن البخاري يقطع الأحاديث في الأبواب تارة، أو يقتصر منه على بعضه أخرى، فالأولى: لأنه إن كان المتن قصيرًا، أو مرتبطًا بعضه ببعض، وقد اشتمل على حكمين فصاعدًا، فإنه يعيده بحسب ذلك مراعيًا مع ذلك عدم إخلائه من فائدة حديثية، وهي إيراده عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه قبل ذلك، فيستفاد من ذلك تكثير الطرق لذلك الحديث، فإن كان المتن مشتملًا على جمل متعددة، لا تعلُّق لإحداها بالأخرى، خرج كل جملة منها في باب مستقلٍّ، فرارًا من التطويل. والثانية: وأَما الاقتصار على بعض المتن مع عدم ذكر الباقي في موضع آخر، فقد يقع ذلك حيث يكون المحذوف موقوفًا على الصحابي، وفيه شيء قد يحكم برفعه، فيقتصر على الجملة التي يحكم لنا بالرفع، ويحذف الباقي، لأنه لا تعلق له بموضوع كتابه. انظر "هدي الساري" (١٥) "فتح الباري" (١/ ١٤) وعبارته: "وهو كثير جدًّا في "الجامع الصحيح" فلا يرتاب من يكون الحديث صناعته أن ذلك من تصرفه، لأنه عرف بالاستقراء من صنيعه"، (٣/ ٥١ و٤/ ١٨٩ - ط بولاق) كلاهما لابن حجر، "فتح الباري" لابن رجب (٢/ ١٠٤ - ١٠٥/ ط الغرباء).
(٢) فعله أحمد ونعيم بن حماد وأبو داود والنسائي، انظر: "الكفاية" (١٩٣ - ١٩٤)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٧٣)، "تدريب الراوي" (٢/ ١٠٥) وعبارته: "فقد فعله الأئمة: مالك، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم".
[ ٥٩٧ ]
لَحَّان (^١)، أو مُصَحِّفٍ، فحقٌّ على طَالبِ الحديثِ أنْ يتعلَّم من النَّحوِ والعربيَّةِ ما يتخلَّصُ به من شَين اللَّحن والتَّصحيف.
قال الأَصمعيُّ: "إنَّ أخوفَ ما أخافُ (^٢) على طَالِب العِلم إذا لم يَعرِفِ النَّحْوَ أنْ يَدخُلَ في قَولهِ - ﷺ -: "مَنْ كَذَب عَليّ متعمِّدًا فلْيَتبوّأ مَقعدَه مِنَ النَّار" (^٣)، إذِ اللّحْنُ كَذِب" (^٤).
قلتُ: وقد وجدتُ في كِتابِ "مراتب النَّحْويين" رُويَ أنَّ رجلًا لحَنَ بحضرته - ﷺ - فقال: "أرْشِدُوا أخاكم" (^٥).
_________________
(١) بصيغة (فَعَّال) ويقتضي تصويره بالكثير، وهو كذلك إذ لم يسلم من اللحن أحد، قاله الزركشي في "النكت" (٣/ ٦٢٠).
(٢) إنما قال "أخاف" ولم يجزم؛ لأن من لم يعلم بالعربية وإنْ لحن لم يكن متعمِّدًا للكذب، وانظر "توضيح الأفكار" (٢/ ٢٩٤).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أسنده ابن حبان في "روضة العقلاء" (٢٢٣) والخطابي في "غريب الحديث" (١/ ٦٣ - ٦٤) ومن طريقه القاضي عياض في "الإلماع (١٨٤) وابن الصلاح في "المقدمة" (٤٠٠ - ط بنت الشاطئ) بالسند إلى الأصمعي، وفيه مبهم، وفيه عقب "من النار": "لأنه لم يكن يلحن فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبتَ عليه"، وقال الخطابي على إثره -وأورد قبله جملةً من الآثار في معناه-: "فهؤلاء الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أعلام الحديث وحُفَّاظ الأثر، كُلٌّ منهم يحُضّ على تقويم اللسان وإعراب الكلام، وَيذُمُّ اللحن، ويُهَجِّن أهله، وعلى هذا مَضَى مَنْ لم نَذْكُره منهم، حيث كانوا في كل عصر وزمان، وفي كل مصْر ومكان إلَّا عَوامَّ الغُثْر (سَفَلَه الناس) الذين لا نظام لهم ولا اعتبار بمذاهبهم، فإن فسادَ كل صِناعة من كثرة الأدعياء وقلة الصُّرحاء، وطُلَّابُ الحديث كثير وأصحابُه قليل".
(٥) الحديث في "مراتب النحويين" (ص ٢٣) لأبي الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي (ت ٣٥١ هـ) دون إسناد، وزاد على المذكور: "فقد ضل" وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٣٩) بسندٍ ضعيف إلى أبي الدرداء رفعه،=
[ ٥٩٨ ]
وقال أبو بَكْر - ﵁ -: "لأنْ أقرأَ وأسْقِط خَيرٌ مِنْ (^١) أَنْ أَقْرأَ وألْحَنُ" (^٢)، والله أعلم.
[سبيل السلامة من التصحيف]:
وأما التَّصحيفُ فسبيلُ السَّلامة منهُ أنْ يأْخذَ من أفواهِ أهلِ العِلم والمعرفةِ، فَمَنْ حُرِمَ ذلكَ وأخذَهُ من بُطونِ الكتبِ كيف ما اتَّفق، يقع في التَّصحيف.
[هل يجوز تغيير اللحن والتحريف؟]
وإذا كان روايتُه من الأصلِ لَحنًا وتحريفًا فقال ابنُ سيرين (^٣)، وأبو مَعْمرَ عبدُ الله بن سَخْبَرة (^٤): يرويهِ على الخَطَأ كما سَمِعَه.
والصَّواب- وهو مذهبُ ابنِ المبارك (^٥)، والأوزاعيِّ (^٦)،
_________________
(١) = دون "فقد ضل" وصححه الحاكم! وليس كذلك، ففيه عبد الله بن سعد الأيلي، غير معروف، ولم يترجموا له، مع أنهم ترجموا لابنه ولم يذكروا له رواية عن أبيه، قاله شيخنا الألباني في "الضعيفة" (٩١٤).
(٢) في "مراتب النحويين": "فأسْقِط أحبُّ إليَّ من. . . فألحن".
(٣) الأثر في "مراتب النحويين" (٢٣) دون إسناد، وأورده الجعبري في "رسوم التحديث" (١٣٢) ولم يعزه لأحد! وكذلك فعل السيوطي في "المزهر" (٢/ ٣٩٧).
(٤) أسند قوله: الخطيب في (الكفاية (١٨٦) أو (١/ ٥٦٩ - ط دار الهدى) وفي "الجامع" (٢/ ٧٩) وإسناده صحيح.
(٥) أسند قوله: الخطيب في "الجامع" (٢/ ٧٩): وابن عبد البر في "الجامع" (١/ ٨١) والقاضي عياض في "الإلماع" (ص ١٨٥).
(٦) أسند قوله الخطيب في "الجامع" (٢/ ٧٩) وفي "الكفاية" (١/ ٥٧٣ - ط دار الهدى) وابن عبد البر في "الجامع" (رقم ٤٧٦) بإسناد صحيح.
(٧) أسند قوله: أبو زرعة الدمشقي في "تاريخه" (٣٧٦، ٣٧٧) والرامهرمزي =
[ ٥٩٩ ]
والأكثرين (^١) -: أن يروي على الصَّواب، وتقريرُ ما في الأصلِ على حَالهِ، ويُضبَّب عَليه (^٢)، ويبيِّن الصَّوابَ في الحاشية، فإنَّه أجمعُ للمصْلحة، إذ كثيرًا ما يقعُ ما يتوهَّم أنه خَطَأٌ، وربما غيَّره ثم بانَ أنَّه كانَ صَحيحًا.
وإذا قَرَأَ على الصَّواب يقول: في روايةِ كَذا، أو من طريقِ فُلان: كذا، أو يقرأ أولًا ما في الأَصل، ثم يذكُر الصَّوابَ.
والأحسن في الإصلاح (^٣) أن يكون بما جاء في روايةٍ أُخْرَى، فإنَّ ذاكرَه آمِنٌ مَنْ أنْ يكونَ مُتَقوِّلًا على رسول الله - ﷺ - (^٤).
_________________
(١) = في "المحدث الفاصل" (٥٢٤)، والخطيب في "الجامع" (٢/ ٧٩) رقم (١٠٦٧، ١٠٦٨) وفي "الكفاية" (١/ ٥٧١، ٢/ ١٣٥ - ط دار الهدى) وابن عبد البر في "الجامع" (رقم ٤٥٧) والقاضي عياض في "الإلماع" (١٨٥) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٥/ ١٨٩ - ١٩٠) بسند صحيح.
(٢) على ما ذكر الخطيب في "الكفاية" في (باب ذكر الرواية عمن قال: يجب تأدية الحديث على الصواب، وإن كان المحدّث قد لحن فيه وترك موجب الإعراب) ونقله عن الأعمش والشعبي وحماد بن سلمة وهمام والحسن بن علي الحلواني وحماد بن زيد والنضر بن شميل وأبي عبيد وابن معين وأحمد بن صالح وابن حنبل (الإمام أحمد)، والحسن بن محمد الزعفراني وابن عيينة وهشيم (١/ ٥٧٦) ثم قال: "وهذا إجماع منهم إن إصلاح اللحن جائز". ولذا قال ابن الصلاح في "علومه" (٤٠١ - ط بنت الشاطئ): "وهو مذهب المحصِّلين والعلماء من المحدّثين". وانظر: "محاسن الاصطلاح" (٤٠١)، "نكت الزركشي" (٣/ ٦٢١).
(٣) انظر ما قدمناه قريبًا من التعليق على (ص ٥٨٩ - ٥٩٠).
(٤) في الأصل: "الاصطلاح"! والصواب المثبت، وانظر "المنهل الروي" (١٠١) "الإرشاد" (١/ ٤٧٤).
(٥) انظر: "الإلماع" (١٨٥ - ١٨٧)، خطبة "مشارق الأنوار"، "المنهل الروي" (١٠١)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٣٥).
[ ٦٠٠ ]
[إصلاح ما في الكتاب بزيادة أو نُقصان]
وإذا كان الإصلاحُ (^١) بزيادة ما قد سَقَطَ، فإنْ لم يكنْ في ذلكَ زِيادةٌ في المعنَى، كزيادةِ الفَاءِ والواوِ، ولم (^٢) يغيِّر المعنَى؛ فالأمرُ عَلَى ما سَبَق.
وإنْ كان فيه زيادةٌ في المعنى تأكد حكم الأصل بالبيان (^٣).
وإنْ حُكِم أنَّ بعضَ الرُّواة أسْقَطَه، وأنَّ مَن فوقه أتى به، ألْحقَ السَّاقط في نفسِ الكتاب مع كلمة "يعني"، كما فَعَل الخطيبُ الحافظُ إذ روى عن أبي عَمرو بن مَهدي، عن القاضي المحاملي بإسناده، عن عروة، عن عَمرة بنتِ عَبدِ الرحمن يعني عن عائشة أنَّها قالت: "كان رسول الله - ﷺ - يدني إليَّ رأسه فأُرجِّلَه" (^٤).
_________________
(١) في الأصل: "الاصطلاح"! وهي خطأ، والصواب المثبت، وهذا الهامش مثل تطبيقي على ما قرره المصنف سابقًا.
(٢) في الأصل: "وواو لم. . ."! ومثَّل في "الكفاية" (٢٥٠ - ٢٥١) بسقط الواو والألف، واللام، والابن وأبي، وهذا الهامش فيه إسقاط الألف واللام، ونبهت عليه، وهو المقرر آنفًا. ولو شرحت هذا الكتاب للطلبة، فلا أنبه على هذا، انظر "فتح المغيث" (٢/ ٢٣٨).
(٣) أي: يقرأ عند السماع ما في الأصل، ثم يذكر الصواب، أو يقرأه على الصواب أولًا، ثم يقول: وقع عند شيخنا، أو في روايتنا، أو من طريق فلان كذا، انظر "الإرشاد" (١/ ٤٧٤)، "المنهل الروي" (١٠١).
(٤) أخرجه البخاري (٢٠٢٩) ومسلم (٢٩٧) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - ﵂ -. وهو من طريق عروة عن عمرة عن عائشة عند مالك في "الموطأ" (٨٦٠ - رواية أبي مصعب) ومن طريقه: مسلم (٢٩٧) والترمذي (٨٠٤) وأبو داود (٢٤٦٧) والنسائي في "الكبرى" (٣٣٧٤) وأحمد (٦/ ١٠٤، ٢٦٢،=
[ ٦٠١ ]
قال الخطيب: "كان في أصلِ ابنِ مَهدي: عن عَمرة أنَّها قَالت: "كان رسول الله - ﷺ - يُدْني إليَّ رأْسَهُ. . ." فأَلحقْنا فيه ذكرَ عائشةَ إذ لا بُدَّ منه، وعَلِمنَا أنَّ المحامليَّ كذلك رواه، وإنَّما سَقَط في (^١) كتاب شيخنا ابن مهدي، وقُلنا فيه: يَعني عن عائشةَ لأجل أن ابن مهدي لم يقل لنا ذلك" (^٢).
هذا إذا عَلِم أنَّ شيخَه رواه على الخطأ، وأمَّا إذا وَجَد ذلكَ في كِتَابهِ، وغَلَب على ظَنه أنَّ ذلك منْ الكتاب لا من شيخه، فيتَّجه ها هنا إصلاحُه في كِتابهِ، وروايتهُ كما لو دَرَسَ من كتابهِ بعضَ الإسنادِ (^٣) أو
_________________
(١) = ٢٨١) وابن الأعرابي في "المعجم" (٥٨٠) وابن جرير في "التفسير" (٢/ ١٨١) وابن عبد البر في "التمهيد" (٨/ ٣١٦ - ٣١٧) والبغوي في "شرح السنة" (١٨٣٦) و"التفسير" (١/ ١٥٩) والبيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٣١٥) وفي "المعرفة" (٢٦٣٥) وأبو نعيم في "المستخرج" (١/ ٣٥٤). وفصل الدارقطني في كتابه "الأحاديث التي خولف فيها مالك" (ص ٤٣) من خالف مالكًا فيه، وأن الجماعة لم يذكروا فيه عمرة. قال: "ويشبه أن يكون القول قولهم لكثرة عددهم، واتفاقهم على خلاف مالك"! إلا أن البخاري صححه عن عروة وعمرة معًا، انظر "تحفة الإشراف" (١٢/ ٧١) وهذا الذي جزم به ابن رشيد الفهري في "السَّنن الأبين" (ص ٩٩) والمثَلُ منقول من "الكفاية" (٢/ ١٤٧) فإنه أخرجه من طريق ابن مهدي عن المحاملي عن أحمد بن إسماعيل عن مالك به. والحديث ليس في "أمالي المحاملي" من رواية ابن مهدي، وقد فرغتُ -ولله الحمد- من تحقيقها، ودفعتُها للطباعة من مدة طويلة!
(٢) كذا في الأصل، وفي "الكفاية": "من" وهو الصواب.
(٣) الكفاية (٢/ ١٤٧ - ط دار الهدي) وتتمته: "وهكذا رأيتُ غيرَ واحد من شيوخنا يفعل في مثل هذا". وأسند عن وكيع بإسناد صحيح قوله: "أنا أستعين في الحديث بـ (يعني) ".
(٤) بل ولو كان أكثر، حيث اتَّحد الطريق في المروي، قاله السخاوي في "الفتح" (٢/ ٢٥٤).
[ ٦٠٢ ]
المتنِ، فإنَّه يجوزُ إصلاحُه من كتابِ غيرهِ، أو حفظِه.
رُوي ذلكَ عن عَاصِمٍ (^١)، وأبي عَوَانَة (^٢)، وأحمد (^٣)، وغيرِهم (^٤).
وكان بعضُهم يُنبِّه (^٥) عليه بأنْ يَقولَ: "حدَّثني فُلانٌ، وثبَّتني فُلانٌ" (^٦).
_________________
(١) أسند الخطيب في "الكفاية" (٢/ ٣٧) عن سفيان قال: "رأيتُ عاصمًا -وهو ابن سليمان الأحول- يأتي ابن أبي خالد -وهو إسماعيل الأحمسيّ- يستثبته في حديث الشَّعبيّ". وإسناده جيد.
(٢) أخرج الخطيب في "الكفاية" (٢/ ٣٧) بسندٍ صحيح إلى بهز بن أسد قال: "سمعت أبا عوانة -واسمه الوضاح اليشكريّ- يقول: كنتُ أكتب عن قتادة. قال: لا تكتب، فإنه أحفظ لك، فتركت، فإذا شككتُ الآن، نظرتُ في كتاب سعيد بن أبي عروبة".
(٣) أخرج الخطيب في "تاريخ بغداد" (١٤/ ١٨٠) وفي "الكفاية" (٢/ ٣٩) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٥/ ٢٤) بسندٍ صحيح عن العباس الدوري، قال: رأيتُ أحمد بن حنبل في مجلس رَوح بن عبادة سنة خمس ومئتين، يسأل يحيى بن معين عن أشياء، يقول له: يا أبا زكريا؛ كيف حديث كذا؟ وكيف حديث كذا؟ يريد أحمد أن يَسْتَثبته في أحاديث قد سمعوها، فكلما قال يحيى، كتبه أحمد.
(٤) مثل: نعيم بن حماد، انظر: "الإرشاد" (١/ ٤٧٦)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٤٠)، "رسوم التحديث" (١٣٣).
(٥) بياض في الأصل، وأثبتُّها من "المنهل الروي" (١٠١) لشيخ المصنف، وهو ابن جماعة، والمصنف ينقل عبارته.
(٦) أخرج البخاري في "صحيحه" (٤١٧٨، ٤١٧٩) (المغازي: باب غزوة الحديبية) بسنده إلى سفيان قال: سمعتُ الزهري حين حدث هذا الحديث، حفظتُ بعضَه، وثبَّتني مَعْمر،. . . وساقه بطوله. وأخرج عبد بن حميد (٥٠٩) والدارمي (٢٨٣٧) أخبرنا يزيد بن هارون أنا عاصم الأحول عن عبد الله بن سَرْجِس قال: "كان النبي - ﷺ - إذا سافر قال: اللهم إني أعوذ بك. . ." وساق الحديث. قال: "قال يزيد: سمعتُه من=
[ ٦٠٣ ]
[السؤال عن الغريب وغير المضبوط واتباع العلماء في روايته]
وإذا وَجَدَ كلمةً من غَريبِ العَربيَّة، وهي غيرُ مَضْبوطةٍ، وأَشكَلَتْ عليه، جَاز أن يسألَ عنها أهلَ العلم ويرويها على ما يُخبرونه (^١).
روي ذلك عن أحمد بن حنبل (^٢)، وإسحاق بن راهويه (^٣)، وغيرهما (^٤).
_________________
(١) = عاصم وثبَّتني شعبة". وأخرج أحمد (٤/ ٣٥٣) عن ابن أبي أوفى رفعه: "قل سبحان الله والحمد لله. . ." ثم قال على إثره: "قال مسعر: فسمعت هذا الحديث من إبراهيم السَّكسكي عن ابن أبي أوفى عن النبي - ﷺ -، وثبتني فيه غيري". فهؤلاء كان يصنعون ذلك: يزيد بن هارون وابن عيينة ومسعر، وممن كان يصنعه أيضًا: شعيب بن حرب وعبد الوارث بن سعيد، انظر: "سؤالات الآجري لأبي داود" (١١٦٣)، "الكفاية" (٢/ ٤٠ - ٤٨/ ط دار الهدى)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٤٠)، ثم وجدته في "سنن أبي داود" (١٠٩٦ - الطبعة الثانية/ المعارف) "قال أبو علي: سمعت أبا داود قال: ثبتني في شيء منه بعض أصحابنا، وقد كان انقطع من القرطاس".
(٢) قال الخطيب في "الكفاية" (٢/ ٣٧): "ينبغي لمن أراد استثبات غيره في شيء، عرض له الشك فيه، ألا يذكر العارض، خوفًا من أن يكون خطأً، فيلقّنه المسئول، ولكن يقول له: كيف حديث كذا وكذا، ويذكر طرف الحديث حسن". وانظر: "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٨٢)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٤٢)، "المنهل الروي" (١٠١)، "رسوم التحديث" (١٣٣).
(٣) سبق بيان ذلك عنه قريبًا في التعليق على (ص ٦٠٣)، وانظر "الكفاية" (٢/ ١٥٧).
(٤) أخرج الخطيب في "الكفاية" (٢/ ١٥٦) بسندٍ حسن عن محمد بن إسحاق الثقفي قال: سمعت إسحاق بن راهويه غير مرة يقول إذا شك في الكلمة: "ههنا فلان؟ كيف هذه الكلمة؟ ".
(٥) مثل: شعبة بن الحجاج، أخرج ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"=
[ ٦٠٤ ]
[جمع المفترق أو التّلفيق]
١٦٥ - الثَّامن: إذَا كَان الحديثُ عند الرَّاوي عند اثْنَين وأكثر، وبينَ رَوايتهما تفاوتٌ في اللَّفظ، والمعنىً واحدٌ؛ كانَ له أنْ يجمعَ بينهما في الإسنادِ، ثم يسوقُ الحديثَ على لفظ أحدِهما خاصَّة (^١)، ويقول: أخبرنا فلانٌ وفلانٌ، واللّفظ لفلانٍ، أو هذا لفظُ فلانٍ، وما أشبه ذلك من العبارات.
_________________
(١) = (٢/ ٥٠٤، ٥٠٥) والخطيب في "الكفاية" (٢/ ٣٨) بسندٍ صحيح إلى وهب بن جرير قال: "كان شعبة يأتي أبي، فيسأله عن أحاديث الأعمش، فإذا حدثه، قال: هكذا -والله- سمعته من الأعمش". ونقله الخطيب في "الكفاية" (٢/ ١٧٥ وما بعد) عن عفان بن مسلم والأوزاعي وابن المبارك وسفيان بن عيينة. وانظر: "فتح المغيث" (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣)، "رسوم التحديث" (١٣٣)، "المنهل الروي" (١٠١).
(٢) هذا الأسلوب يسقيه بعض العلماء (التلفيق) أو (جمع المفترق)، وهو واقع في "الصحيحين"، وله أسباب، من أهمها: الاختصار، بيان أن الحديث فيه متابعة وتثبُّت، وأن يكون المحدث سمع الحديث من شيخين، ثم نسي القدر الذي حدثه به كل واحد منهما، لكنه حفظ مجمل حديثهما. والاختلاط فصنعه -مثلًا- عطاء بن السائب، فكان يلفّق بعد اختلاطه كما تراه في "الضعفاء" (٣/ ٣٩٩) للعقيلي، و"شرح علل الترمذي" (٢/ ٥٩٩، ٥٦٠). ومن الضوابط التي استنبطها شعبة قوله لابن علية: "إذا حدثك عطاء بن السائب عن رجل واحد فهو ثقة، وإذا جمع فقال: زاذان وميسرة وأبو البختري فاتّقه، كان الشيخ تغير"، كذا في "شرح العلل" (٢/ ٦٧٢). ومن الأسباب أيضًا: ما يفعله المتروكون لأجل الشهرة، انظر: "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٨٣)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٤٤)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٣٨٢)، "جمع المفترق من الحديث النبوي" (٢٩ - ٣٨)، وذكر الأسباب السالفة منه.
[ ٦٠٥ ]
[صنيع مسلم في "صحيحه"]:
ولمسلمٍ في "صحيحه" عبارةٌ أُخرى حسنة كقوله (^١): حدثنا أبو بكر بن أبي شَيبة، وأبو سَعيدِ الأشجّ كلاهما عن أبي خَالِدٍ، قال أبو بكر: حدَّثنا أبو خالدِ الأحْمَر عن الأعمش (^٢) وسَاقَ الحديثَ، فإعادته ثانيًا ذكرَ أبي بكر خاصّة إشعارًا بأن اللَّفظ المذكورَ لأبي بكر.
وأمَّا إذا لم يَخصّ لفظَ أحدِهما بالذِّكر، بل أَخَذَ من لفظِ هذا ولفظِ ذاك وقال (^٣): أخبرنا فلانٌ وفلانٌ، وتَقَاربا في اللفظ، قالا: أخبرنا؛ فهو جائزٌ على تَجويزِ الرِّواية بالمعنى (^٤).
_________________
(١) في الأصل: "كقولنا" وهو خطأ، والصواب المثبت، والعبارة في "المنهل الروي" (١٠١) و"الإرشاد" (١/ ٤٧٨) وأصلها لابن الصلاح في "المقدمة" (٤٠٥).
(٢) صحيح مسلم (٦٧٣): كتاب المساجد: باب من أحق بالإمامة، وفيه بالسند المذكور للأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أوس بن ضَمْعَج عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول - ﷺ -: "يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة: سواء. . .". يحتمل أنه أراد بإعادته بيان التصريح فيه بالتحديث، وأن أبا سعيد عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي الأشج لم يصرح في روايته بالتحديث، انظر "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٨٤)، "نكت الزركشي" (٣/ ٦٢٦) وعادة مسلم إذا لم يبيّن صاحب اللفظ أن اللفظ المذكور يكون لصاحب المسند الأول، وأما عادة البخاري التي عرفت بالاستقراء فإنه إذا جمع بين الشيوخ، أو أنه استعمل التحويل، فإن اللفظ الذي يسوقه لصاحب المسند الثاني، قاله ابن حجر في "الفتح" (١/ ٤٣٦ - ط السلفية).
(٣) اشتهر بصنيع هذا من الرواة: الزهري وحماد بن سلمة ومحمد بن إسحاق والواقدي، وهو بالجملة كثير في كتب المغازي لأن المعتمد فيها على سرد الوقائع والحوادث، ولذا يصنعه عروة بن الزبير.
(٤) لأن الذي يجمع ما تفرق من ألفاظ الحديث، ويلفّق ذلك في سياق واحد، =
[ ٦٠٦ ]
[صنيع أبي داود في "سننه"]:
وأما قول أبي داود في "السُّنن": حدثنا مُسَدَّد وأبو تَوبة المعنَى قالا: حدَّثنا أبو الأحْوَص (^١)، مع أشباهِ هذا في كتابهِ، فيُحتَمل أنْ يكونَ من قَبيل الأوَّلِ، فاللفظ المسدَّد، يوافقهُ أَبُو تَوبة في المعنى، ويحتمل أن يكون مِنْ قَبيل الثَّاني، فلا يكون قد أورد لفظَ أحدِهما خاصّةً، بل رواه
_________________
(١) = لم يؤدّ الحديث كما سمعه، بل تصرف في الألفاظ والسياق، حتى يتمكن من التعبير عن المعاني المتفرقة، ولهذا فكثير من الأحاديث التي فيها جمع المفترق لا تخلو من الرواية بالمعنى في بعض السياق أو أكثره، ولذا فلا بد لمن يجمع المفترق أن يكون فيه من القدرات ما يشترط للرواية بالمعنى، وسبق ذكرها مفضلة في التعليق على (ص ٥٨٨ - ٥٨٩)، ولذا تكلم جماعة من النقاد والجهابذة في بعض الرواة بسبب عدم ضبطهم للمعنى عند التلفيق، ولذا هنالك صلة وثيقة. بين (التلفيق) و(علم العلل) وعلى الرغم من وجود (التلفيق) في بعض روايات "الصحيحين" إلا أن لصاحِبَيها (ذوق) و(نقد) في ذلك، وهذا مثال يوضح المقصود، قال أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (١/ ٤١٧): "ذاكرت يومًا بعض الحفاظ، فقلت: البخاري لم يخرج حماد بن سلمة في الصحيح وهو زاهد ثقة؟ قال: لأنه يجمع بين جماعة من أصحاب أنس، يقول: حدثنا قتادة وثابت وعبد العزيز بن صهيب، وربما يخالف في بعض ذلك، فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه وهو يجمع بين أسانيد، فيقول: حدثنا مالك وعمرو بن الحارث والليث بن سعد والأوزاعي، ولجمع بين جماعة غيرهم؟ فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ له". ومع هذا، فإن أصحاب "الصحيحين" لم يسلما من النقد بسبب التلفيق الواقع في "صحيحيهما"، وسيأتي تنبيه المصنف عليه، وينظر تعليقنا هناك.
(٢) سنن أبي داود: (٣٧٥) كتاب الطهارة: باب بول الصّبي يصيب الثوب، قال: حدثنا مسدد بن مسرهد والربيع بن نافع -المعنى- قالا: نا أبو الأحوص وساق بسنده إلى لبابة بنت الحارث رفعته: "إنما يُغسل من بول الأنثى. . .".
[ ٦٠٧ ]
بالمعنى عَن كليهما (^١)، وهذا الاحتمالُ يقربُ في قولهِ: حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل المعنى واحد قالا: حدَّثنا أبان (^٢).
[صنيع البخاري في "صحيحه"]:
وأمَّا إذا جَمَع بينَ جماعةِ رُواةٍ قد اتَّفقوا في المعنى، ولم يُبيِّنْ، فقد عِيبَ به البخاريُّ (^٣).
_________________
(١) هذا عجيب، إذ يلزم عليه أن لا يكون رواه بلفط لواحد من شيخيه، وهو بعيد، قاله البُلقيني في "محاسن الاصطلاح" (٤٠٦) وتبعه الزركشي في "نكته" (٣/ ٦٢٦). قلت: يجوز أن يكون المأتيّ به لفظ ثالث غير لفظيهما، لكنه ملفّق منهما، ولذا قال السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ٢٤٨) متعقبًا البُلقينيَّ والزركشي: "وفيما قالاهُ نظر، فيجوز أن يكون ملفَّقًا منهما". قلت: وكلام البُلقيني والزركشي أقعد، وانظر المثل الآتي.
(٢) سنن أبي داود (٢٦٥٩): كتاب الجهاد: باب الخيلاء في الحرب، وساق بالسند المذكور حديث جابر بن عتيك: إن نبي الله - ﷺ - كان يقول: "من الغيرة ما يحبّ الله، ومنها ما يبغض الله. . ." وفيه: "فأما الخيلاء التي يحب الله" قال أبو داود على إثره: "قال موسى: والفخر". قلت: فالظاهر أن اللفظ الذي ساقه لمسلم بن إبراهيم، وبالتخريج يقوى هذا الاحتمال إذ أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٧٧٢) وعنه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (١٥١١) من طريق مسلم بن إبراهيم وحده ولفظه باللفظ الذي أورده أبو داود إلا أن عندهما في آخره: "وأما الخيلاء التي يبغض الله فاختياله في البغي والفجور"، وعند أبي داود مثله ولكن فيه ما نصه: "فاختياله في البغي. قال موسى: والفخر"، فحذف (الفجور) من لفظ مسلم، وصرح بلفظ موسى شيخه الآخر.
(٣) فيما قدمنا آنفًا عن الخليلي يجاب عما ذكره المصنف أنه عيب على البخاري، ولكن للبخاري تجوّزات خفيفة انتقدت عليه، يكاد أن لا يكون لها أثر عملي، وهذا مثال على ذلك: أخرج البخاري في "صحيحه" (١٥٩٢): كتاب الحج: باب قول الله تعالى ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] قال: حدثنا يَحْيى بْنْ بُكَيرٍ: حَذثنا اللَيْث، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَن عُرْوَةَ، =
[ ٦٠٨ ]
وغيرُه (^١)، ولا بأسَ بهِ على تَجويز الرِّواية بالمعنى (^٢).
_________________
(١) = عَنْ عائِشَةَ - ﵂ -. وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قالَ: أخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ هُوَ ابْنُ المبَارَكِ، قالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أبِي حَفْصَةَ، عَنْ الزُّهريِّ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائشَةَ - ﵂ - قالَتْ: كانُوا يَصُومُونَ عاشُورَاءَ قَبْلَ انْ يُفْرَضَ رَمَضَان، وَكانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الْكَعْبَةُ، فَلَمَّا فَرَضَ اللهُ رَمَضَانَ، قالَ رَسوُلُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ". فخلط البخاري السندين، ولم يقل عند انتهاء سند ابن أبي حفصة: "قالا" واشترك عُقيل وابنُ أبي حفصة في المعنى، وزاد الثاني: "وكان يومًا تُستر فيه الكعبة" قال الإسماعيلي: "ليس في حديث عقيل ستر الكعبة، وإنما هو في حديث ابن أبي حفصة". والإسماعيلي حافظ لا يقول هذا إلا بعد تتبُّع، ولذا قال ابن حجر في "الفتح" (٣/ ٤٥٥) على إثر كلامه: "وهو كما قال، وعادة البخاري التّجوّز في مثل هذا". فالتلفيق إنْ كان مؤثرًا، فالبخاري يتحاشاه، وما شابه هذا يمشّيه ويتجوّز عنه، ومع هذا فله في بعض الأحايين مسالك دقيقة في هذا الباب، انظر: "اختصار علوم الحديث" (١٤٧)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٤٧).
(٢) وقع مثل هذا لمسلم على الرغم من دقته المتناهية في بيان ألفاظ الشيوخ وتمييز الروايات، ولكن في أفراد معدودة، وبأسانيد مستقلّة لا يسوق ألفاظها، ويحيل فيها على ما سبقها، قارن ما في "صحيح مسلم" (٥١٠): كتاب الصلاة: باب قدر ما يستر المصلي، مع ما في "السنن الكبرى" للبيهقي (٢/ ٢٧٤)، وانظر أيضًا: "الصناعة الحديثية عند البيهقي" (٣٩٢).
(٣) شريطة أن يقع الإتقان في الجمع، فإذا أخطأ الراوي في الجمع، أو وقعت علّة خفيّة مؤثرة، فهذا مما لا يقبل، كمن لا يميز في الجمع بين لفظ الثقة والمطروح، ويكون للمطروح زيادة. ولذا قبل النقاد صنيع الزهري وشعبة وابن وهب في جمعهم للمفترق، ولم يقبلوا ذلك من أمثال جابر الجعفي وحماد بن سلمة -على جلالته- وعبد الرحمن بن عبد الله العمري وعطاء بن السائب، وقبلوا وردوا من ابن جريج، ولابن رجب في "شرح العلل" (٢/ ٦٧٢ - ط العتر) كلام بديع في هذا الباب، جدير بالتأمل، وساق أمثلة عملية مهمة للمتعلِّم الذي يروم إتقان الصنعة الحديثية، وتكون له مشاركة جادّة=
[ ٦٠٩ ]
[إذا سمع كتابًا من جماعة وقابله بأصل بعض دون بعض]:
وإذا سَمِعَ كتابًا مصنَّفًا مِنْ جَمَاعةٍ (^١)، ثم قابل نسخَتَه بأصل بعضِهم دونَ بعضٍ، وأراد أن يَذْكُرَ جميعَهُم في الإسنادِ ويقول: اللّفظ لفُلانٍ كما سبق؛ فهذا يحتملُ أنْ يَجوزَ كالأوَّل؛ لأنَّ ما أورده قد سَمِعَه بنَصِّه ممن ذَكَر (^٢) أنَّه بلفظه.
ويُحتملُ أنْ لا يجوزَ؛ لأنه لا عِلْمَ له بكيفيَّة روايةِ الآخَرين حَتَّى يُخبرَ عنها، بخلافِ ما سَبَق؛ فإنَّه اطَّلع على رواية [غَير] (^٣) مَنْ نَسَب إليه اللفظَ، وعلى مُوافقتها من حيث المعنى (^٤) فأخبر بذلك (^٥).
_________________
(١) = في هذا المضمار، والله الموفّق، لا ربّ سواه. ولكن بقيت (عقدة) مهمة في هذا (الجواز)، وهو: هل الجمع بين المفترق خاص في عصر الرواية، أم أنه عام حتى في عصر التصنيف والتأليف؟ صنيع شيخنا الألباني في كتبه -ولا سيما "صفة صلاة النبي - ﷺ - " و"أحكام الجنائز" و"مختصر صحيح البخاري" - يدل على جوازه في التصنيف، ولكن إتباع علماء المصطلح هذا المبحث لرواية الحديث بالمعنى يشعر بالمنع، ولكن سبق ذكر الجواز في التعليق على (ص ٥٨٩ - ٥٩٠) عن ابن دقيق العيد في فرع هو أشبه بهذا الجمع، فالقلب يميل للجواز من مضطلع شبعان ريان، لكن بضوابط منهجية، ترى شيئًا منها في "مقدمة مختصر صحيح البخاري" بقلم شيخنا الألباني.
(٢) أما إذا روى بعضه عن جماعة، ورواه كله عن غيرهم، فانظر كيف يصنع في "محاسن الاصطلاح" (٤٠٦ - ٤٠٧)، "نكت الزركشي" (٣/ ٦٢٧ - ٦٢٨).
(٣) كذا في الأصل والعبارة لابن الصلاح في "مقدمته" (ص ٤٠٦) بالحرف، وعنده هنا "ذكره".
(٤) سقطت من الأصل، والسياق يقتضيها، وأثبتُّها من "مقدمة ابن الصلاح" (ص ٤٠٦) والمصنف نقل عبارته بالحرف.
(٥) في الأصل: "اللفظ" والمثبت من مقدمة ابن الصلاح" (ص ٤٠٦)، والسياق والسباق يدل عليه.
(٦) زاد ابن جماعة في "المنهل الروي" (١٠٢): "قلت: ويحتمل تفصيلًا آخر، وهو النظر إلى الطرق، فإن كانت متباينة =
[ ٦١٠ ]
[الزيادة في نسب مَنْ فوق شيخه]:
١٦٦ - التاسع: لَيسَ لَهُ أنْ يزيدَ في نَسَبِ مَن فَوقِ شيخِه من رِجَالِ الإسنادِ على ما ذكره شيخُه مُدْرَجًا عَلَيه من غيرِ فَصْلٍ مُميِّزٍ، نَعَم؛ إذَا أَتَى بفَصْلٍ مُميِّزٍ جَازَ، مثل: هو ابنُ فُلان الفلاني، أو يَعني: ابنَ فُلان، ونَحو ذلك يَجُوز (^١).
وأما إذا كَانَ شَيخُه قَد ذكر نَسَبَ شيخهِ، أو صِفَتَه في أوَّلِ الكتاب أو الجزءِ عند أوَّلِ حديثٍ منه، واقتصَر فيما بعدَه من الأحاديثِ على ذِكرِ اسمِ الشَّيخ أو بعضِ نَسَبه (^٢)
_________________
(١) = بأحاديث مستقلّة لم يجز، وإن كان تفاوتها في ألفاظ أو لغات أو اختلاف ضبط؛ جاز". قلت: وهذا في حال علمه بالخلاف، وقد علل المصنف المنع بعدم العلم بكيفية رواية الآخرين. نعم، الأصل في نُسَخ الكتب عدم الاختلاف، ولو فرض، فهو يسير غالبًا، تجبره الإِجازة، ويبقى التفصيل الذي ذكره ابن جماعة فرعًا من الفروع المحتملة. وانظر: "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٨٥)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٤٨).
(٢) أكثر منه مسلم في "صحيحه"، وهو من دقّته المتناهية في نقله عن شيوخه ما قالوه، وكان إذا عَرَّف بالراوي في تتميم اسمه أو نسبه، أو بما يعرف به، قال قبله: يعني، أو "هو" ليعلم القارئ لـ" المسند الصحيح" (صحيحه) بأنه من كيسه، وهذا من الورع والدِّقة، ويصنعه أحمد في "مسنده" كثيرًا، وله فيه عنه وعن شيوخه وجه يخفى على غير مدمن النظر فيه، بل ربما أوقع بعض المعتنين بكتابه في ربكة ولبس، كما بيّنه ابن حجر في "تعجيل المنفعة" في تراجم (حَجاج العامري) و(عباد بن زياد) و(علي بن عبد الله)، فلتنظر. وانظر كتابي "البيان والإيضاح" (١٠٢ - ١٠٣).
(٣) يفعل هذا كثيرًا الطبراني في "المعجم الأوسط" وابن الأعرابي في "معجمه" وغيرهما، ولاحظ أن الراوي يذكر هنا شيئًا سمعه، وأما في الفرع الذي قبله فإنه يدرج شيئًا من كيسه، ولم يسمعه، فهو مما لم يذكره شيخه أصالة، وانظر للفرق بينهما "فتح المغيث" (٢/ ٢٥٠).
[ ٦١١ ]
كما إذَا رَوَى الشَّيخ تقيُّ الدين (^١) -مثلًا- جزءًا عن الفَرَاوِي، وقال في أوَّله: أخْبَرنا أبو بَكْر مَنْصُور بن عبدِ المنعم بن عبدِ الله الفَرَاوي قال: أخْبَرنا فُلانٌ، ثم قَالَ في ثَاني حَدِيثٍ: أخبرنا مَنْصُور؛ فهل يجوزُ لمن سَمِعَ ذلك الجزءَ من الشَّيخِ تقيِّ الدِّين أن يروي الأحاديث التي بعدَ الحديثِ الأول متفرِّقَةً، ويقول في كل واحد: أخبرنا الشَّيخ تقيُّ الدِّين قال: أخبرنا أبو بكر مَنْصور بن عبد المنعمِ بن عبد الله الفَرَاوي قال: أخبرنا فُلان، وإنْ لم يذكر الشَّيخُ تقيُّ الدين هذا التَّفصيلَ في كلِّ واحدٍ من الأحاديث، اعتمادًا على ما ذَكَرهُ أم لا؟
حكى الخطيبُ جَوازَه عن أكثرِ أهلِ العِلم (^٢).
وأولى أنْ يَقولَ: هو ابنُ فلانٍ، أو يَعني ابنَ فُلان (^٣).
ثم قوله: إن فُلَانَ ابنَ فُلانٍ مثلًا حدَّثه (^٤).
_________________
(١) يريد ابن الصلاح ﵀، انظر "المقدمة" (٤٠٨ - ط بنت الشاطئ).
(٢) الكفاية (ص ٢١٥ أو ٢/ ٣٥ - ط دار الهدى)، "رسوم التحديث" (١٢٩).
(٣) هذا الذي كان يفعله مسلم وقبله شيخه أحمد، وسبق أن بيّنا ذلك، ثم وجدت الخطيب قد أسند في الموطن السابق من "الكفاية" عن حنبل قال: "كان أبو عبد الله إذا جاء اسم الرجل غير منسوب، قال: يعني: ابن فلان".
(٤) هذا رأي علي بن المديني، أسند الخطيب في "الكفاية" عنه بسندٍ صحيح قال: "إذا حدثك الرجل، فقال: ثنا فلان ولم ينسبه، فقل حدثنا فلان أن فلان بن فلان حدثه". وقال على إثره: "وكان غيره يقول في مثل هذا: أخبرنا فلان قال: أخبرنا فلان هو ابن فلان، ثم يسوق نسبه إلى منتهاه، وهذا الذي أستحسنه، لأن قومًا من الرواة كانوا يقولون فيما أُجيز لهم: أخبرنا فلان أن فلانًا حدّثهم، فاستعمال ما ذكرتُ أنفى للظِّنَّة، وإنْ كان المعنى في العبارتين واحدًا". و"حدثه" غير مقروءة في الأصل، واستدركتها من "مقدمة ابن الصلاح" (٤٠٨، ٤٠٩)، و"الإرشاد" (١/ ٤٨٣)، و"المنهل الروي" (١٠٢)، و"رسوم التحديث" (١٣٠).
[ ٦١٢ ]
[وأولاه] في الصُّورة (^١) المذْكُورةِ: أخبرنا الشَّيخُ تقيُّ الدِّين قال له مَنْصور وهو ابنُ عبد المنعِم.
أو يقول: قَالَ: أخْبَرنا مَنصُورٌ، يَعني: ابنَ عبدِ المنعِم.
ثم أدْنَى مِنْهُما أنْ يَقولَ: أخَبرنا الشَّيخُ تقيُّ الدِّين أنَّ منصورَ بن عبدِ المُنعِمِ أخبره.
ثم أنْ يَذكرَ المذكورَ في أوَّل الخبر بكمالهِ مِنْ غَيرِ فَصْل.
[حذف "قال" بين رجال المسند خطًّا، وهل يجوز ذلك نطقًا؟]:
١٦٧ - العاشر: جَرَتْ العادةُ بحَذْفِ "قَال" ونَحوِها بين رِجَالِ الإسنادِ خَطًّا، ولا بدُّ من ذِكْرها حَالَ القِرَاءة (^٢).
_________________
(١) في الأصل: "في الص. . ." ثم بياض بمقدار كلمة، وما بين المعقوفتين من إضافاتي، ولا يستقيم الكلام إلا به، وهو فحوى ما في المراجع المذكورة في الهامش السابق، وانظر: "فتح المغيث" (٢/ ٢٥١).
(٢) نقل العراقي في "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٥٤ - ١٥٥) عن بعض من لقيه من أئمة العربيّة يُنكِرُ اشتراط المحدّثين التلفظ بـ (قال) في أثناء الإسناد، وهو العلامة شهاب الدين عبد اللطيف بن عبد العزيز ابن المُرَحِّل (ت ٧٤٤ هـ). وتعقبه بقوله: "وما أدري ما وجهُ إنكاره لذلك، لأنّ الأصلَ الفصلُ بين كلامَيّ المتكلِّمينَ للتَّمييز بينهما، وحيث لم يُفْصَل فهو مُضْمَر، والإضمارُ خلاف الأصل". ونقل كلامَهُ: محمد بن أحمد بِنِّيس الفاسي (ت ١٢١٣ هـ) في "رسالته في جواز حذف (قال) عند قولهم حدثنا" (١) (ص ٣٢٧ - ٣٢٨ ضمن= (أ) ألف في الباب نفسه الفقيه محمد الطيِّب بن عبد المجيد بن كِيران الفاسي (ت ١٢٧٧ هـ) والعلامة حمدون بن عبد الرحمن السُّلمي المِرْداسي (ت ١٢٣٢ هـ) وهما من محفوظات الخزانة العامة بتطوان.
[ ٦١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = "خمس رسائل في علوم الحديث") وردّه بقوله: وقد اعترَضَ العلَّامةُ الحجةُ النظَّار أبو عبد الله محمد بن قاسم القَصَّارُ قولَ الشارح: وما أدري وَجْهُ إنكارِه لذلك، بأنَّ وجهَهُ وجيه، وهو أن ما لم يُكتَب ولم يُرمَز له لا يُقرأ، وأنَّ حَذْفَهُ للعلم به جائز، فالصوابُ ما قاله عبدُ اللطيف ابن المرحِّل، وهو بكسر الحاء، لَأنه كان يَبيعُ الرِّحَالِ، فيُرحِّلُ المُشتَرِي، أي: يُناوله الرِّحالَ المشتراةَ، وهو من أهلِ مصر، من أشياخ ابن هشامٍ صاحبِ "المغني" وغيره، وقد أكثرَ الثناءَ عليه، وهو حقيقٌ بذلك. وارتَضَى كلامَ القَصَّار هذا جماعةٌ من الأئمة كتلميذِهِ أبي الحسن سيِّدي عليّ البطيوي، والشيخِ العلَّامة سيدي محمد مَيَّارة الكبير، تلميذِ البطيوي المذكور. . . أن هذا هو الحق الذي لا شك فيه، لما عُلِمَ واشتَهَر، وعند الأئمة قد تَقرَّر، من كثرةِ حذفِ القولِ في كتاب الله العزيز، وكلامِ الرسول - ﷺ -، وكلام من يُستشهَدُ بكلامِهِ، وهو مُلَاحَظٌ ومعتتر. ولم يَقُل أحدٌ، لا بُدَّ من النطقِ بذلك المُقَدَّر، بل لا يجوز النطقُ به في كلامِ الله ﷿ وكلامِ رسولهِ - ﷺ - على أنه منه. وقد اختُلِفَ في مُقَدَّراتِ القرآن هل هي منه، حتى يُطلَقَ عليه كلامُ الله أم لا؟ والحقُّ أنَّ مَعَانِيَها مما يَدُلُّ عليه لفظُ الكتاب، التزامًا للزومِها في متعارَفِ اللسان، فهي من المَعَاني القرآنية، وأمَّا ألفاظها فليست منه، لأنها مَعْدُومَة، ومنها ما لا يَجوزُ التلفظُ به أصلًا، كالضمائر المستترة وجوبًا. وأما جَعْلُها مقدَّرة فأمرٌ اصطلاحيٌّ ادَّعَاهُ النحاة، تقريبًا للفهم،. . . ." إلخ كلامه. ثم قال (ص ٣٣٢ - ٣٣٣) بعد كلام فيه تقرير جواز الحذف: "إذا تمهَّد هذا فالقول بوجوب (القول) المذكور في أثناء السند الذي اعتبارُه ظاهرٌ مشهورٌ، وقوفٌ مع الظّاهر؛ من غيرِ غَوصٍ على الدّقائقِ والسرائر، تقليدًا لشيء قاله ابن الصلاح، كأنّا تُعبِّدنا به لنفوزَ بالفلاح، على أن الأئمة النُّقَّاد، انتقدوا عليه أيَّ انتقاد، وتضافروا على ترْكِ ما أيَّده، وهَدْم ما شَيَّده، وليستْ بأوّل قارُورةٍ كسروها لابن الصلاح. . .". قال أبو عبيدة: ولذا نقل الزركشي في "نكته" (٣/ ٦٢٨ - ٦٢٩) إنكار=
[ ٦١٤ ]
وإذَا كَانَ في الإسناد: "قُرئَ على فُلانٍ أخْبرك (^١) فُلانٌ" أو "قُرئ على فُلانٍ (^٢) حدَّثنا فلان" فلْيُقلْ القارئُ في الأول: "قيل له أخبرك"، وفي الثاني: "قال: أخبرنا (^٣) فلان".
وإنْ تكرَّرتْ لفظةُ "قال" في نحو قوله في "كتاب البخاري" (^٤): ". . . حدَّثنا صَالِحٌ قَال: قَال لي الشَّعبيُّ"، حذفت إحداهما خطًّا،
_________________
(١) = ابن المُرَحِّل اشتراط التلفظ بقال، وأقره، بينما اعترض السيوطي في "التدريب" (٢/ ١١٥) على قولة العراقي السابقة: "وما أدري ما وجه إنكاره" بقوله: "وجه ذلك في غاية الظهور، لأن أخبرنا وحدثنا بمعنى قال لنا، إذ (حدث) بمعنى قال، و(نا) بمعنى لنا، فقوله: حدثنا فلان حدثنا فلان: بمعنى: قال لنا فلان: قال لنا فلان، وهذا واضح لا إشكال فيه" قال: "وقد ظهر لي هذا الجواب وأنا في أوائل الطلب، فعرضته لبعض المدرّسين، فلم يهتد لفهمه لجهله بالعربيّة. ثم رأيته بعد نحو عشر سنين منقولًا عن شيخ الإسلام -يريد ابن حجر- وأنه كان ينصر هذا القول ويرجّحه، ثم وقفتُ عليه بخطّه، فلله الحمد".
(٢) في الأصل: "أخبر"! والسياق الآتي يقتضي المثبت، وهو كذلك في "مقدمة ابن الصلاح" (٤٠٩)، "الإرشاد" (١/ ٤٨٤)، "المنهل الروي" (٢٠٢)، "رسوم التحديث" (١٣٠).
(٣) بعدها في الأصل: "قال" والصواب حذفها، كما يقتضيه السياق، وهو كذلك في المصادر المذكورة سابقًا.
(٤) كذا في الأصل! وصوابه: "حدثنا".
(٥) أي: "صحيحه": (٩٧) كتاب العلم: باب تعليم الرجل أمَته وأهله، قال: أخبرنا محمد -هو ابنُ سَلَام-، حدثنا المحاربي قال: حدثنا صالحُ بن حيّان قال: قال عامر الشعبي حدثني أبو بُرْدَة عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمَن بنبيِّه وآمن بمحمد - ﷺ -،. . . " الحديث بطوله، وفي آخره. "ثم قال عامر: أعْطَيناكها بغير شيء، قد كان يَرْكَبُ فيما دونَها إلى المدينة".
[ ٦١٥ ]
وينطقُ بهما لفظًا، فإنْ تَرَكَ التّلفُّظَ بها، فالأظهرُ أَنَّهُ لا يَبْطلُ السَّماع (^١).
[كيفية الرواية من النسخ المشهورة المشتملة على أحاديث بسند واحد]:
١٦٨ - الحادي عشر: النُّسَخَ المشهورةُ المشتملةُ على أحاديثَ بسندٍ واحدٍ كـ "نسخة هَمَّام بن مُنَبّه، عن أبي هريرة" (^٢) رواية عبد الرزَّاق عن مَعْمَر، عن هَمَّام، ونحوِها من الأجزاء (^٣)، منهم مَنْ يجدِّدُ الإسنادَ
_________________
(١) قال ابن الصلاح في "فتاويه" (ص ٤٦ - ٤٧) وسئل عن رجل يقرأ الحديث ويترك (قال) فأجاب: "هذا خطأ من فاعله، وأما بطلان السّماع به ففيه احتمال، والأظهر أنه لا يبطل من حيث أن حذف القول اختصارًا مع كونه مقدَّرًا في كثير من كتاب الله تعالى، وغيره، والله أعلم". وهكذا قال النووي في "التقريب" (٢/ ١١٥ مع "التدريب") وفي "شرح مقدمة صحيح مسلم" (١/ ٣٦) وفي "الإرشاد" (١/ ٤٨٥) ونقل فتوى ابنَ الصلاح وأقره، وكذلك فعل الزركشي في "نكته" (٣/ ٦٢٨ - ٦٢٩)، وانظر: "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٥٤)، "فتح المغيث" (٢/ ١٩١)، "رسوم التحديث" (١٣٠)، "المنهل الروي" (١٠٣)، "رسالة في جواز حذف قال. . ." لأحمد بِنِّيس (ص ٣٢٦ - ٣٢٧).
(٢) نشرها رفعت عبد المطلب في مجلّدة ضخمة، وفيها (١٣٩) حديثًا، وانظر عنها "السير" (٥/ ٣١١ - ٣١٢)، "معرفة النسخ والصحف الحديثية" (ص ٢٦١)، وقال أبو مسعود الدمشقي في "الأجوبة" (ص ٣٠٠): "ومن "نسخة همام" أحاديث أخرجها البخاري دون مسلم، وأحاديث أخرجها مسلم دون البخاري مشهورة".
(٣) مثل: "نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده" و"نسخة بهز بن حكيم عن أبيه عن جده" و"نسخة أبي اليمان حكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة"، وغيرها كثير جدًّا. انظر: "فتح المغيث" (٢/ ٢٥٢) وكتاب "معرفة النسخ والصحف الحديثية" للشيخ بكر أبو زيد، و"صحيفتا عمرو بن شعيب وبهز بن حكيم عند المحدّثين والفقهاء" لمحمد علي بن الصّديق (ص ٣٧ - ١٥١) ذكر أشهر الصحف، =
[ ٦١٦ ]
في كلِّ حديثٍ منها، وهَذَا أحوطُ، ومِنهُم مَن يكتَفي بذكرِ الإسنادِ في أوَّلها عند أوَّلِ حديثٍ، أو في أوِّلِ كلِّ مجلسٍ من مجالسِ سَمَاعِها، ويدرجُ البَاقي عَلَيه، ويَقُولُ في كلِّ حديثِ بَعدَهُ: "وبالإسنادِ"، أو "وبهِ"، وذلك هو الأغلبُ الأكثرُ (^١).
وإذَا أرادَ مَنْ كَانَ سماعهُ على هذا الوجهِ تفريقَ تلكَ الأحاديثِ وروايةَ كلِّ حديثِ منها بالإسنادِ المذكور؛ جَازَ له ذلك عند الأكثرين، منهم وكيع بن الجراح، وأبو بكر الإسماعيلي (^٢).
ومنهم مَنْ مَنَع كأبي إسْحَاق الإسْفَراييني (^٣).
_________________
(١) = و"دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه" لمحمد مصطفى الأعظمي، وحقَّق ضمنه (٢/ ٤٨٥ - ٧٧٩) "نسخة سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة" واعتنى فيه عناية بالغة في الرد على المستشرقين، وبيان دقَّة المحدثين، بعرض مَنْ خَرَّج من هذه الصحف عليها، وإبراز ضبطهم ودقتهم على وجه جيد. ومن المطبوع: "نسخة أبي مسهر" و"نسخة وكيع عن الأعمش" و"نسخة علي بن حُجر السعدي عن إسماعيل بن جعفر".
(٢) انظر: "الكفاية" (١٢٤)، "الإرشاد" (١/ ٤٨٥ - ٤٨٦)، "المنهل الروي" (١٠٣)، "رسوم التحديث" (١٣٠)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٨٨)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٥٢)، "البيان والإيضاح" (١٠٣)، وهذا هو صنيع البخاري، مع دقة متناهية، يأتي التنبيه عليها قريبًا.
(٣) أسنده الخطيب في "الكفاية" (٢١٥) عن المذكورين بإسناد صحيح، وأسنده أيضًا عن ابن معين، وينظر لمذهبه "تاريخ الدوري" (١/ ٣٣٦) رقم (٢٢٦٤) ونقله عن (الأكثر). وانظر: "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٨٩)، "الإرشاد" (١/ ٤٨٦)، "المنهل الروي" (١٠٣)، "رسوم التحديث" (١٣٠).
(٤) قال في "أجوبة الأسئلة التي سأله عنها الحافظ أبو سعد بن عليك": "لا يجوز أن يذكر الإسناد في كل حديث منها لمن كان سماعه على هذا الوصف"،=
[ ٦١٧ ]
[صنيع مسلم ومنهجه في "صحيحه"]:
فعلى هذا مَن سَمع هكذا فطريقُه أن يبيِّنَ؛ فَعَلَه مُسلمٌ في "صَحِيحه" (^١) من "صَحيفة هَمَّام" قال: حدثنا مُحمَّدُ بن رَافِع، حدثنا عبدُ الرَّزَّاق قال: أخبرنا مَعْمَر، عن همَّام بن مُنَبِّه قال: هذا ما حدَّثنا أبو هريرة، وذكر (^٢) أحاديثَ، منها (^٣) قال رسول الله - ﷺ -: "إنَّ أَدْنَى مَقْعَد
_________________
(١) = أفاده السخاوي، وعبارة ابن جماعة في "المنهل الروي" (١٠٣): "ومنعه أبو إسحاق الإسفراييني وغيره"، بينما عبارة الجعبري في "رسوم التحديث" (١٣٠): "ومنع قوم كالإسفرائيني تدليسًا". قلت: لم أظفر بتعليل أبي إسحاق! نعم عبارة ابن الصلاح في "المقدمة" (ص ٤١٠) - ط بنت الشاطئ): "ومن المحدّثين مَنْ أَبى إفراد شيء من تلك الأحاديث المدرَجةِ بالإسناد المذكور أولًا، ورآه تدليسًا، وسأل بعضَ أهل الحديث أبا إسحاق الإسفرائيني الفقيه الأصولي عن ذلك، فقال: "لا يجوز"، فاختصار الجعبري فيه ما ترى! وفسّر السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ٢٥٣) "ورآه تدليسًا" بقوله: "يعني: من جهة إيهامه أنه كذلك، سمع بتكرار السند، وأنه كان مكررًا تحقيقًا، لا حكمًا وتقديرًا، إلا أن يتبيّن كيفية العمل"، واحتمل البُلقيني في "محاسن الاصطلاح" (٤١١) أن يكون المنع مذهب البخاري، وسيأتي بيانه قريبًا.
(٢) (١٨٢) بعد (٣٠١): كتاب الإيمان: باب معرفة طريق الرؤية، وفي "صحيح مسلم" (٥٧) إسنادًا بالصيغة المنوّه بها، كلها من "صحيفة همام" دون غيرها من الصحف! وانظر نقل مسلم من (الصحف) في "السير" (٧/ ١٩٠ - ١٩١ و١٠/ ٣٢٥) و"أجوبة أبي مسعود الدمشقي عما أشكل الدارقطني" (٢٨٧ - ٣٠٠) وعن صنيعه في "صحيفة همام" "فتح الباري" (١/ ٣٤٧ - ط السلفية) وعنهما كتابي "الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح" (٢/ ٥٣٤ - ٥٣٥).
(٣) كذا في الأصل و"الإرشاد" (١/ ٤٨٧) للنووي، بينما في "صحيح مسلم" "فذكر".
(٤) كذا في الأصل و"الإرشاد"، بينما في "صحيح مسلم" "ومنها" بزيادة واو في أوله.
[ ٦١٨ ]
أحَدِكُم في (^١) الجنة أن يقول تَمَنَّ".
هَكَذَا فَعَلَهُ كثيرٌ من المصنِّفين (^٢).
_________________
(١) كذا في "الأصل" و"الإرشاد" للنووي! بينما في "صحيح مسلم": "من" وكذا في "صحيفة همام" (١٩٦/ رقم ٥٦) ومن طريق همام كذلك: أحمد (٢/ ٣١٥) والبغوي في "شرح السنة" (١٥/ ٢٠٨) وغيرهما.
(٢) للبخاري ومسلم نقل من الصحف الحديثية، ومن سمات "صحيح مسلم" أنه يكثر من ذلك، ولكلِّ شرط في النقل لا يقتصر على الصحة، وإنما على حسب موضوع الحديث وما ورد في بابه، وهذا أظهر في "صحيح مسلم". ولم أجد الذي صنعه مسلم في سائر "الكتب الستة"، ووجدته في مواطن قليلة من "صحيح ابن حبان"، انظر منه الأرقام (٣٤٢٧، ٤٨٢٦، ٥٥٠٣ - مع "الإحسان") ويفعله ابن خزيمة في "التوحيد" والبغوي في "شرح السنة" وأبو عبيد القاسم بن سلام في "الأموال" وأبو عوانة في مواطن من "مستخرجه" والبيهقي في "الكبرى" وابن البخاري في "مشيخته". وأما البخاري، فعنده "بإسناده" و"بهذا الإسناد" في مواطن من "صحيحه" عند روايته "نسخة الأعرج عن أبي هريرة" قد فعل هذا في غير ما حديث، انظر الأرقام (٢٣٩، ٢٩٥٧، ٦٨٨٨، ٧٤٩٦). ونبّه على ذلك بلفتة فيها خفاء، فأخرج برقم (٢٣٨): الوضوء: باب الماء الدائم من هذه الصحيفة بسنده إلى أبي هريرة أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "نحن الآخرون السابقون" وعلى إثره مباشرة رقم (٢٣٩) وبإسناده قال: "لا يبُولن أحدكم في الماء الدائم" وأعاد "نحن الآخرون السابقون" قبل رقم (٢٩٥٧) ورقم (٦٨٨٨) و(٧٤٩٦) وأسنده، وقال في الأرقام المذكورة "وبهذا الإسناد" و"بإسناده" ولا صلة للتبويبات الموضوعة للأحاديث المذكورة بقطعة "نحن الآخرون السابقون" وإنما كررها منبّهًا على نقله من هذه النسخة، ولهذا التكلرار قال البُلقيني في "محاسنه" (٤١١) بعد أن أورد من "صحيحه" (الموطن الأول) الذي فيه "وبإسناده": "وهذا الاحتياط يحتمل أن يكون للورَع والخروجِ من الخلاف المذكور، ويحتمل أن يكون مذهبُ البخاري أنه لا يجوز، كمختار الأستاذ أبي إسحاق"، وأقره الزركشي في "نكته" (٣/ ٦٣٠). =
[ ٦١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بقى التنبيه على أمور: أولًا: أورد البخاري في "صحيحه" حديث "نحن السابقون الأولون" في موطن آخر، من "الصحيفة" وهو برقم (٨٧٦) وضعه في (كتاب الجمعة) وبوب عليه (باب فرض الجمعة) ولم يذكر على إثره شيئًا، إذ لا حاجة لذلك، لصلة لفظ الحديث بالتبويب. ثانيًا: جعل ابن حجر في "الفتح" (١/ ٣٤٦ - ٣٤٧) صنيع البخاري في إخراجه من "صحيفة همام" تمامًا مثل صنيعه في إخراجه من "صحيفة الأعرج"! قال: "وقد وقع للبخاري في (كتاب التعبير) في حديث أورده من طريق همام عن أبي هريرة مثل هذا، صدَّره أيضًا بقوله: "نحن الآخرون السابقون" قال: "وبإسناده" ولا يتأتى فيه المناسبة المذكورة مع ما فيها من التّكلف، والظاهر أن "نسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة" كالنسخة معمر عن همام" عنه، ولهذا قَلّ حديث يوجد في هذه إلا وهو في الأخرى، وقد اشتملتا على أحاديث كثيرة، أخرج الشيخان غالبها وابتداء كل نسخة منهما حديث "نحن الآخرون السابقون" فلهذا صدر به البخاري فيما أخرجه من كل منهما". قلت: في "صحيح البخاري" أحاديث عديدة من "صحيفة همام"ليس قبلها: "نحن الآخرون السابقون". ثالثًا: جعل مُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" صنيع البخاري بقوله "بإسناده" دليلًا على الجواز، وقال: "والمعلوم أن اصطلاح البخاري أولى من اصطلاح مسلم، والبخاري فعل هذا في غير ما حديث في "صحيحه". قال أبو عبيدة: استقرأتُ ما فيه "بإسناده" و"بهذا الإسناد" في "صحيح البخاري" فلم أجد إلا ما ذكرته آنفًا، وهذا سبيل من سبل نقله من "نسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة" والاستقراء الكامل يحتاج إلى جهد ودراسة مستقلة. ويفهم من كلام مُغُلْطاي أن البخاري يرى الجواز، وما صنعه من أمارة إيراد "نحن الآخرون السابقون" أول كل حديث، كما ذكرناه إنما هو=
[ ٦٢٠ ]
[إعادة الإسناد آخر الكتاب]
وأما إعادةُ بعضِهم الإسنادَ آخرَ الكتاب، فلا يرفع الخلافَ لكونه غيرَ متَّصل بكلِّ حديث إلا أنّه يفيد احتياطًا وإجازة بالغةً من أعلى (^١) نوعها.
[إذا قدم المتن أو ذكره على إثر بعض المسند ثم ذكر باقيه متصلًا]
١٦٩ - الثاني عشر: إذا قَدَّم المتنَ على السَّندِ، أو ذكرَ المتنَ وبعضَ السَّند، ثم ذكر باقيه متَّصلًا.
مثال الأول: قال رسول الله - ﷺ - كذا.
ومثال الثاني: روى عَمرو بنِ دينار، عن جَابرٍ، عن النَّبي - ﷺ - كذا.
ثم يقول في الموضعين: أخبرنا به فلانٌ، عن فُلانٍ، حتَّى يتَّصل، وهذا كما إذا تقدَّم جميعُ الإسناد في كون الحديث مُسنَدًا لا مُرسَلًا، فلو سمعه على ما ذكر، ثم أراد أن يقدِّم جميعَ الإسنادِ فجوَّزه بعضُ المتقدِّمين (^٢).
_________________
(١) = للاحتياط فحسب، بدليل وجود أكثر من مئة إسناد عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وكثير منها من "الصحيفة" دون أي قرينة أو ضميمة فجعل مذهبه المنع كمذهب أبي إسحاق الاسفرائيني بعيد جدًّا، والقول به يعوزه الاستقراء، ولم أر من تعرض له.
(٢) بياض في الأصل، والمثبت من "مقدمة ابن الصلاح" (٢٣٠) و"الإرشاد" (١/ ٤٨٨) وانظر: "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٩٠)، "المنهل الروي" (١٠٣)، "رسوم التحديث" (١٣٠)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٥٤).
(٣) نقل الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٥٤١) عن الحسن والشعبي وعَبيدة السَّلماني وأبي نضرة الجواز، شريطة أن لا يغيّر المعنى، وانظر: "الكفاية" (٢٠٥، ٢٠٧، ٢١١).
[ ٦٢١ ]
قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: "يَنبغي أنْ يكونَ فيه خلافٌ لتقدِيم (^١) بعضِ المتنِ على بَعضِ، فإن فيه خلافًا مبنيًّا على جَواز الرواية بالمعنى، فإنْ جَوَّزنا ذلك جوَّزنا هذا، وإنْ لم نجوِّزْ ذلك لم نجوِّز هذا" (^٢).
وقال الشيخ محيي الدِّين: "الصَّحيحُ أو الصَّواب جواز هذا، وليس كتَقْديم بعضِ المتن على بعضٍ، فإنّه قد يتغيَّر به المعنَى بخلاف هذا" (^٣).
[تركيب مَتن على إسناد سبقه لم يذكر لفظه، وفيه "نحوه" و"مثله"]
١٧٠ - الثالث عشر: إذا رَوى المحدِّثُ الحديثَ بإسنادٍ، ثم أتبَعَهُ بإسنادٍ آخَر، وقال عند انتهائه: مثلَه، أو نحوَه، فأراد الرَّاوي عنه أن
_________________
(١) في "مقدمة ابن الصلاح":". . خلاف نحو الخلاف في تقديم. .".
(٢) المذكور عبارة النووي في "الإرشاد" (١/ ٤٨٩) وبنحوه عند ابن الصلاح في "المقدمة" (٤١١/ ٤١٢ - ط بنت الشاطئ أو ٢٢٩ - ط العتر).
(٣) الإرشاد (١/ ٤٨٩) وبنحوه في "التدريب" (٣/ ٣٥٤ - ط العاصمة)، وقال في "شرح مقدمة صحيح مسلم" (١/ ٦٣): وينبغي أن يقطع بجوازه إن لم يكن المقدّم مرتبطًا بالمؤخر". ولذا تعقَّب البُلقينيُّ ابنَ الصلاح في كلامه السابق، فقال في "محاسنه" (٤١٢): "ما ذكره ابن الصلاح من التخريج ممنوعٌ، والفرقُ أن تقديم بعض الألفاظِ على بعضٍ قد يودي إلى الإخلالِ بالمقصودِ في العَطْفِ وعَوْدِ الضمير ونحوِ ذلك؛ بخلاف السنَدِ، فإن تأخُّرَ بعضه أو كلِّه على المتن في حُكم المقدم، فلذلك جاز تقديمُه ولم يتخرج على الخلاف. وقد ذكر ابن الصلاح أنه يجري فيه ما تقدم من الخلاف، ولم يتقدم له ذلك"، وأقره الزركشي في "نكته" (٣/ ٦٣١). قلت: نعم، لم يتقدم الخلاف في تقديم بعض الحديث على بعض، وليس في نص ابن الصلاح الإحالة على ما كتبه في "علومه" فتأمل عبارته! وعلى الافتراض؛ فإن تقديم بعض الحديث على بعض من صور رواية الحديث بالمعنى، وعليه يظهر فائدة التفصيل في الإخلال بالمقصود وعدمه.
[ ٦٢٢ ]
يقتصرَ على الإسنادِ الثَّاني، ويسوق لفظَ الحديثِ المذكورِ عُقَيب الإسنادِ الأوَّلِ، فالأظهرُ (^١) المنعُ من ذلك (^٢)، وهو قَولُ شُعبة (^٣).
وأجاز ذلك سفيان الثوري (^٤)، ويحيى بن معين (^٥) بشَرطِ أنْ يكونَ
_________________
(١) نقلها الزركشي في "نكته" (٣/ ٦٣١): "فلا يظهر"!! وهي خطأ، فلتصوب.
(٢) فيه نظر، ولا سيما إذا قال كما يقول مسلم: "مثله سواء"، فإنّ الأرجح خلافُ ما قال إنه الأظهر، قاله البُلقيني في "محاسنه" (٤١٢) والزركشي في "نكته" (٣/ ٦٣٢)، واستدلَّا عليه بوقوعه عند البيهقي، وسيأتي في التمثيل عليه قريبًا، وقد جهدتُ في مواطن ليست بقليلة من "صحيح مسلم" في أثناء تدريسي له أن أقف على لفظ الحديث الذي ساق سنده، وقال "مثله" من خلال تخريجه من دواوين السنة، فوجدتُ من خلال عرضه على المتن الذي قبله فروقًا غالبها لا يؤثر في المعنى، ولكن تركيب المتن للإسناد عمل فيه محاذير، ولا سيما مع كثرة الأمثلة، وقد تترتب عليه نتائج تخلّ بملكة النقد عند المضطلع، وتعكر على المتعارف عليه عند النقاد، فأرى اجتناب ذلك، لعدم تيقّن تماثلهما في اللفظ، وفي القدر المتفاوت بينهما، ولا سيما عند انقطاع الرواية، وانظر "فتح المغيث" (٢/ ٢٥٩).
(٣) أخرج أبو القاسم البغوي في "الجعديات" (رقم ٣٣ - ط رفعت) - ومن طريقه ابن الصلاح في "علوم الحديث" (ص ٤١٣ - ط بنت الشاطئ) - والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٥٩٠) والخطيب في "الكفاية" (٢١٣ أو ٢/ ٣٠، ٣٠ - ٣١، ٣١) رقم (٦٦٠، ٦٦١، ٦٦٢، ٦٦٣ - ط دار الهدى) عن وكيع قال: قال شعبة: فلان عن فلان مثله لا يجزئ. قال وكيع: وقال سفيان الثوري: يجزئ. وانظر "السير" (٧/ ٢١٧).
(٤) انظر الهامش السابق، و"الكفاية" (٢١٣ أو (٢/ ٣٥ رقم ٦٦٠ - ط الهدى).
(٥) انظر: "تاريخ الدوري" (١/ ٣٣٦) رقم (٢٢٦٤) و"الكفاية" (٢١٣ أو ٢/ ٣١ - ٣٢، ٣٢) رقم (٦٦٤، ٦٦٥ - ط الهدى). وهذا مذهب البيهقي، قارن ما في "السنن الكبرى" له (٧/ ٤٦٩ - ٤٧٠) بما عند الدارقطني في "السنن" (٣/ ٤٩٧)، وانظر التوجيه في: "محاسن الاصطلاح" (٤١٢/ ٤١٣) و"نكت الزركشي" (٦٣٢)، والتفصيل مع=
[ ٦٢٣ ]
المحدِّثُ ضَابطًا، مُتَحَفِّظًا، مميِّزًا بينَ الألْفَاظ.
وكَانَ غيرُ واحدٍ من العلماء (^١) إذا رَوَى مثلَ هذا أورد الإسنادَ، ثم يَقولُ: مثلَ حديثٍ قَبله، مَتْنُه كذا، ثم يسوقه.
واختار الخطيب هذا (^٢).
[التفريق بين نحوه ومثله]
وأمَّا إذا قَال: نَحوه فَعندَ بعضِهم هُو كما قَال: مثلَه، وأجَاز ابنُ معينٍ مثلَه، ولم يجوِّز نحوَه (^٣).
قال الخطيب: "هَذَا الَّذي قَالَهُ مبنيٌّ على مَنع الرِّواية بالمعنى، وأما على جَوازِه لا فرق" (^٤).
قال الحاكم أبو عبد الله: "يلزمُ الحديثيّ من الضَّبطِ والإتقانِ أنْ يُفَرِّق بينَ أنْ يقولَ: مثلَه، وأنْ يقولَ: نَحوَه، فلا يحلّ لَهُ أنْ يقولَ: مثلَه
_________________
(١) = المؤاخذة في "الجوهر النقي" (٧/ ٤٧٠ - ٤٧١)، "التلخيص الحبير" (٣/ ٨ - ٩)، "التعليق المغني" (٣/ ٢٩٧ - ٢٩٨).
(٢) ظفرت بمثال عند إسحاق بن راهويه في "مسنده" (مسند أبي ذر) وهو مفقود. وذلك من خلال "إتحاف الخيرة المهرة" (٨/ ٤٩٠) رقم (٨٤٦٦ - ط الرشد) و"المطالب العالية" (١٤/ ١٤١) رقم (٣٤١٧ - ط العاصمة).
(٣) انظر: "الكفاية" (٢١٢ أو ٢/ ٣٠ - ط الهدى)، و"لا شك في حسنه" قاله النووي في "شرحه على مقدمة صحيح مسلم" (١/ ٣٧). وهذا أجمع للبيان وفيه موافقة صورة الحال، دون إخلال وأداء للواقع على الكمال دون إهمال.
(٤) قال عباس الدوري في "تاريخ ابن معين" (١/ ٣٣٦) رقم (٢٢٦٤) - ومن طريقه الخطيب في "الكفاية" (٢١٣ أو ٢/ ٣٢ - ط الهدى) -: سمعت ابن معين يقول: إذا كان حديث عن رجل، وحديث آخر عن رجل مثله؛ فلا بأس أن يرويه إذا قال: مثله، لا أن يقول: نحوه.
(٥) الكفاية (٢١٤ أو ٢/ ٣٢ ط الهدى).
[ ٦٢٤ ]
إلا بَعَدَ أنْ يعلمَ أنَّهما على لفظٍ وَاحدٍ، ويحلُّ أنْ يقولَ: نحوه إذَا كَانَ على مثلِ مَعانيهِ" (^١).
[تتمة المتن الذي اختصره الشيخ]
١٧١ - الرابع عشر: إذا ذَكَر الشَّيخُ إسنادَ الحديثِ وطرفًا مِنْ مَتْنهِ، ثم قال: وَذَكَر الحديثَ بطُولهِ، فأرادَ الرَّاوي أنْ يرويَ عنه الحديثَ بكماله، فَهَذا أولى بالمنع مما سَبَق ذكرُه في قَوله: مثلَه، أو نحوَه.
فطريقُهُ إن أراد تبيين ذلكَ أنْ يَقتصرَ على ما ذَكَرهُ الشَّيخُ على وَجْهِهِ، ويقولَ: قال: وذَكَرَ الحديثَ بطُولِه، ثم يقول: الحديثُ بطُولِهِ كَذا وكَذا، ويسوقُه إلى آخرهِ.
وَمَنع أَبُو إسْحَاق الإسْفَراييني (^٢) مِن ذَلكَ مُطْلَقًا.
وَجَوَّزه أبو بكر الإسْماعيليُّ [إذا عَرف] (^٣) المحدِّثُ والسَّامعُ ذَلكَ الحديثَ (^٤).
_________________
(١) هو في "سؤالات مسعود بن علي السِّجزي للحاكم" (١٢٣، ٣٢٢) أفاده ابن الصلاح في "مقدمته" (٤١٤ - ط بنت الشاطئ).
(٢) نقل كلامه ابن الصلاح في "المقدمة" (ص ٤١٤ - ط بنت الشاطئ) وقال في ترجمته له في "طبقات الفقهاء الشافعية" (١/ ٣١٣): "كان نصَّارًا لطريقة الفقهاء في أصول الفقه، ومضطلعًا بتأييد مذهب الشافعي فيها، في مسائل منها أشكلت على كثير من شافعيّة المتكلمين، حتى جبنوا عن موافقته فيها،. . ." ونقله عنه النووي في "تهذيب الأسماء" (٢/ ١٦٩ - ١٧٠). وانظر لمذهبه في المسألة: "شرح مقدمة صحيح مسلم" (١/ ٣٧)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٩٣)، "المنهل الروي" (١٠٤)، "رسوم التحديث" (١٣١).
(٣) بياض في الأصل، وأثبته من "مقدمة ابن الصلاح" (٢٣٢ أو ٤١٥ - ط بنت الشاطئ) ومختصراتها: "الإرشاد" (١/ ٤٩٢)، "المنهل الروي" (١٠٤)، والمصنف يكثر من استخدام عبارتيهما.
(٤) نعم، إن كان قد سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في=
[ ٦٢٥ ]
فإذا جوَّزنا هذا، فالتَّحقيقُ فيه أنَّه بطريقِ الإجَازَة فيما لم يَذكُره الشَّيخ، لكنَّها إجازةٌ قَويةٌ، فَجَازَ لهذا مَع كَونِ أوَّلهِ سَماعًا إدراجُ البَاقي من غيرِ إفْرَادٍ له بلَفظِ الإجَازة (^١).
[تَغيير (عن النبي) إلى (عن الرسول)]:
١٧٢ - الخامس عشر: الظَّاهِرُ أنّه لا يَجوز [تغيير] (^٢) "عَن النَّبي" إلى "عن الرسول"، وكذا بالعَكس، وإنْ جَازتِ الرِّواية بالمعنى، فإنّ شَرْطَ ذلكِ أنْ لا يختلف المعنَى، والمعنَى في هَذَا يَختلفُ (^٣).
وقال محيي الدِّين: "إنَّ الصَّوابَ جوازُه، لأنَّ مَعناهما واحدٌ، وهو مَذْهَب أحمَد، وحَمَّاد بن سلمة، والخطيب" (^٤).
_________________
(١) = ذلك المجلس أو في غيره، فتجوز الرواية، وتكون الإشارة إلى شيء قد سلف بيانه، وتحقق بسماعه. قاله ابن كثير في "اختصار علوم الحديث" (ص ١٤٩)، وانظر "فتح المغيث" (٢/ ٢٦١)، "تدريب الراوي" (٢/ ١٢١).
(٢) على تقدير الإجازة، لا يكون أولى بالمنع من مثله ونحوه، إذا كان الحديث بطوله معلومًا لهما كما ذكر الإسماعيلي، بل يكون أولى بالجواز، قاله البلقيني في "محاسن الاصطلاح" (٤١٥).
(٣) سقط من الأصل، والسياق يقتضيه، وهو في "مقدمة ابن الصلاح" (٤١٥ - ط بنت الشاطئ)، "الإرشاد" (١/ ٤٩٢)، "المنهل الروي" (١٠٤).
(٤) بناءً على عدم تساوي مفهوم النبي والرسول، ولمغايرة القرآن بينهما ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج: ٥٢]، وانظرا فتح المغيث" (٢/ ٢٦٣). ورده الزركشي في "نكته" (٣/ ٦٣٤) وقبله البُلقيني في "محاسنه" (٤١٦)، بأن هذا الاختلاف لا يضر في نسبة ذلك القول لقائله بأي وصف وصفه، إذا كان يعرف به، وانظر ما سيأتي.
(٥) التقريب (٣/ ٣٥٧ - مع "التدريب"- ط العاصمة)، "الإرشاد" (١/ ٤٩٣) ونقل كلامه الزركشي في "نكته" (٣/ ٦٣٣) وقال: "وهو كما قال". أما مذهب=
[ ٦٢٦ ]
[اختيار المصنف ودليله]
قلتُ: قد جاء في "الصَّحيح" عن البراء بن عازب قال رسول الله - ﷺ -: "يا فُلان؛ إذا أوَيت إلى فِرَاشِكَ فَقُل: اللّهمَّ أَسْلَمتُ نَفْسِي إليكَ، ووجَّهتُ وَجهي إليكَ، وفوَّضتُ أمري إليكَ، وألجأتُ ظَهري إليكَ، رَغبةً ورَهبةً إليكَ، لا مَلْجَأ ولا مَنْجَا منكَ إلا إليكَ، آمنتُ بكتابِكَ الذي أنزلتَ وبنبيِّك الذي أرسلْتَ، فإنَّك إنْ متَّ مِنْ لَيلتك مِتَّ على الفِطْرَة، وإنْ أصبحَت أصبتَ خيرًا"، فقلتُ أستذْكِرُهُنَّ: وبرَسُولِكَ الذي أرْسَلْتَ. قال: "لا، ونبيِّك الَّذي أَرْسَلْتَ" (^١).
_________________
(١) = أحمد، فقال صالح: قلت لأبي: يكون في الحديث: قال رسول الله - ﷺ -، فيجعل الإنسان قال النبي - ﷺ -؟ قال: أرجو ألا يكون به بأس. وأما حماد بن سلمة، فكان يحدث وبين يديه عفان وبهز فجعلا يغيِّران النبي - ﷺ - من رسول - ﷺ -، فقال لهما حماد: أما أنتما فلا تفقهان أبدًا. أسند ذلك كله الخطيب في "الكفاية" (٢٤٤ أو ٢/ ١٢٢ - ١٢٣ - ط الهدى) واختياره فيه ما حكاه المصنف عنه. وحكاه عن المذكورين: ابن جماعة في "المنهل الروي" (١٠٤) وزاد: "قلت: ولو قيل: يجوز تغيير النبي إلى الرسول، ولا يجوز عكسه، لما بَعُد، لأن في الرسول معنى زائدًا على النبي، وهو الرسالة، فإن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا".
(٢) أخرجه البخاري (٦٣١١) ومسلم (٢٧١٠) ولا حُجة في استدلال المصنِّف، لأن ألفاظ الأذكار توقيفيّة، وهذا النوع لا يجوز روايته بالمعنى كما قدمناه في التعليق على (ص ٥٨٩) وربما كان في اللفظ معنى لا يحصل لغيره، أولما في الجمع بين النبوة والرسالة، أو لاختلاف المعنى لأن "رسولك الذي أرسلت" يدخل فيه جبريل وغيره من الملائكة الذين ليسوا بأنبياء. انظر: "محاسن الاصطلاح" (٤١٦)، "نكت الزركشي" (٣/ ٦٣٤)، "فتح الباري" (١/ ٣٥٨)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٩٥)، "فتح المغيث" (٢/ ٢١٨، ٢٦٤)، "صحيح الترغيب والترهيب" (١/ ٣٨٨).
[ ٦٢٧ ]
وفي الترمذي (^١) نحوٌ (^٢) من ذلك مع تقديمٍ وتأخيرٍ، وفيه: "وَطَعَن بيدِهِ في صَدْري، ثم قَال: ونبيِّك الذي أرْسَلْتَ".
وهذا دليلٌ على أن لا يبدَّل النّبيُّ بالرَّسول، فعكسُه أَوْلَى.
[بيان الوهن أو بعضه الواقع في السماع ومثاله]:
١٧٣ - السَّادِسُ عَشر: إذا كَانَ في سَمَاعهِ بعضُ الوَهَنِ (^٣)، فَعَلَيه (^٤) أنْ يذكرَه في حَالِ الرِّواية، وله مثالٌ مما تقدَّم.
ومن أمثلته: إذا حدَّث المحدِّثُ [من حفظه] (^٥) في حَال المذاكَرة (^٦) فلْيَقُل: (حدَّثنا فُلانٌ مُذاكرةً)، كما فَعَلَه الأئمَّة.
[وكان جماعةٌ من الحفاظ يمنعون الحمل عنهم] (^٧) في المذاكرة
_________________
(١) في "جامعه" برقم (٣٣٩٤).
(٢) في الأصل: "نحوًا"!
(٣) كأن يسمع من غير أصل، أو يتحدّث هو أو الشيخ وقت القراءة، أو ينعس أو ينسخ، أو كان سماعه أو سماع شيخه بقراءة لحَّان أو مصحِّف، وسبق بيان ذلك مفصَّلًا، وانظر "فتح المغيث" (٢/ ٢٦٥).
(٤) ظاهرهُ الوجوب، وعبارة الخطيب في "الجامع" (٢/ ٣٧): "أستحب أن يقول: (حدثناه في المذاكرة) "، وانظر "نكت الزركشي" (٣/ ٦٣٤)، "فتح المغيث" (٣/ ٢٦٥).
(٥) سقطت من الأصل، والسياق يقتضيها وهي في "مقدمة ابن الصلاح" (٤١٧ - ط بنت الشاطئ) و"الإرشاد" (١/ ١٤٩٤)، "المنهل الروي" (١٠٤).
(٦) هي ذكر كل واحد من الطلبة ما عنده من سَنَدٍ ومتنٍ وكلامٍ عليهما، بيانًا وامتحانًا وإدمانًا، قاله الجعبري في "رسوم التحديث" (١٣١).
(٧) سقط من الأصل، وبدلها فيه: "وإن تحمل"! والمذكور من "الإرشاد" (١/ ٤٩٤) وعبارة ابن الصلاح في "المقدمة" (٢٣٤): "وكان جماعة من حفاظهم يمنعون من أن يُحمل عنهم في المذاكرة شيء، منهم: " وعبارة=
[ ٦٢٨ ]
كابنِ المباركِ، وعبدِ الرَّحمن بن مَهدي، وأبي زُرعة الرَّازي (^١)، وغيرِهم، لأنَّه قد يَقَعُ فيها مُسَاهَلة (^٢).
[إسقاط المجروح أو أحد الثقتين من السند]
١٧٤ - السَّابع عشر: إذا كان الحديثُ عن ثِقَةٍ ومَجْرُوحٍ، أو عَنْ ثِقَتَيْن، فلا يُسْتَحسنُ إسقاطُ المجروحِ، أو أحدُ الثِّقتين، لاحتمالِ (^٣) انفرادِ المتروكِ بشيء لم يَذْكُره المذكور.
_________________
(١) = ابن جماعة في "المنهل الروي" (١٠٤): "ومنع جماعة الحمل عنهم حال المذاكرة".
(٢) أسند الخطيب في "الجامع" (٢/ ٣٧) عن ابن المبارك وأبي زرعة قولهما: "لا تحملوا عني في المذاكرة شيئًا" وزاد أبو زُرعة: "فإني أخاف أن تحملوا خطأً، هذا ابن المبارك كره أن يُحملَ عنه بالمذاكرة، وقال لي إبراهيم بن موسى: لا تحملوا عني بالمذاكرة شيئًا"، كذا في "السير" (١٣/ ٨٠)، وأسند الخطيب عن ابن مهدي قوله: "حرام عليكم أن تأخذوا عني في المذاكرة حديثًا، لأني إذا ذكرتُ تساهلتُ في الحديث".
(٣) زاد ابن الصلاح: "مع أنّ الحفظ خَوَّان". انظر: "مقدمة ابن الصلاح" (٤١٧ - ط بنت الشاطئ)، "معرفة علوم الحديث" للحاكم (٤٢٣ - ط السلوم)، "الإرشاد" (١/ ٤٩٥)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٩٦)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٦٦).
(٤) يقوى المنع بقوة احتمال التفرد، وينظر في منهج من أسقط، ومقصده، ويعجبني كلام ابن جماعة في "المنهل الروي" (١٠٥): "ثم ما من شيء من ذلك الحديث! لا تحتمل روايته عن كل واحد منهما وحده، حتى لو كان أحدُهما مجروحًا لم يجز الاحتجاج بشيء منه، بما لم يبيّن أنه عن الثقة، ولا يجوز أن يُسقط أحد الراويين، بل يجب ذكرُهما، مبيّنًا أن بعضه عن أحدهما، وبعضه عن الآخر". قلت: ويتقوى ذلك باحتمال اعتقاد المحدث ثقة الراوي المجروح، فتأمله.
[ ٦٢٩ ]
وإنِ اقْتَصَر على ثِقَةٍ في الصُّورتين جَاز (^١)؛ لأنَّ الظَّاهر اتِّفاقُهما، والمنعُ لم يكنْ للتَحريم، بل لعدم الاسْتحسَان (^٢).
[منهج مسلم وفائدة ذلك]
قال الخطيب: "وكان مُسْلِمُ بن الحجَّاج في مثلِ هَذا ربَّما أسْقَط المجروحَ من الإسنادِ، ويذكر الثِّقةَ، ثم يقول: [وَ] (^٣) آخر (^٤)،
_________________
(١) عبارة النووي في "الإرشاد" (١/ ٤٩٦): "هذا أخفّ من الأول" وهي أقعد وأضبط.
(٢) عبارة الخطيب في "الكفاية" (٣٧٨ أو ٢/ ٤١٦ - ط الهدى): "يستحب للطالب أن يسقط المجروح، ويجعل الحديث عن الثقة وحده، خوفًا من أن يكون في حديث المجروح ما ليس في حديث الثقة، وربما كان الراوي قد أدخل أحد اللفظين في الآخر، أو حمله عليه". قلت: إنْ خلَّص ما زاده المجروح على لفظ الثقة، أو طرح لفظه إن كان مؤثرًا واستبدله بلفظ الثقة فنعم، وإلا، فليستصحب المنع. والقول بالجواز فيه "من الضر ما لا يخفى" انظر "فتح المغيث" (٢/ ٢٦٨)، "توضيح الأفكار" (٢/ ٣٨١ - ٣٨٢).
(٣) سقط من الأصل، وزدته من كلام الخطيب.
(٤) قال ابن كثير في "الباعث الحثيث" (ص ١٢٧): "هذا صنيع مسلم في ابن لهيعة غالبًا، وأما أحمد بن حنبل فلا يسقطه، بل يذكره". قلت: مسلم -كما هو معلوم- يراعي الألفاظ، ويتحرى الدقَّة في التمييز بين ألفاظ الشيوخ، واختلاف الطرق، وفي صنيعه حينئذ فوائد يأتي التنبيه عليها. ومن دقّة مسلم المتناهية أنه إن جمع بين ألفاظ الرواة ولم يستطع التمييز، صرح به، كما تراه في "صحيحه": كتاب الحج: باب إحرام النفساء (١٢٧) فأورد فيه حديثًا من طريق عبد الله بن عون عن القاسم وإبراهيم، قال: "قال: لا أعرف حديث أحدهما من الآخر". والذي يظهر لي من منهج مسلم أنه يسقط الضعيف حال عدم اتحاد اللفظ، فأخرج في "صحيحه" (١٤٦٧): كتاب الرضاع: (باب خير متاع=
[ ٦٣٠ ]
كناية عن المجروح" (^١).
قال: "وهذا القول لا فائدة فيه" (^٢).
[الخلط بين مسموع الشيخين إن اقتصر سماعه على بعض الحديث من كل منهما]
١٧٥ - الثامن عشر: إذا سَمِعَ بعضَ حديثٍ مِنْ شَيخ، وبعضَه من شيخٍ آخر فَخَلَطه، ولم يميِّزه وعزا الحديثَ جُملةً إليهما مبيِّنًا أن عن أحدهما بعضه، وعن الآخر بعضه؛ فذلك جائزٌ كما فَعَل الزُّهريُّ في حديث الإفك، حيث رواه عن عُروة، وابن المسيِّب، وعَلقمة بن وقَّاص الليثيّ، وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن عائشة وقال: وكلُّهم حدَّثني طائفةً من حَدِيثها، قَالوا: قالتْ عائشة. . . . الحديث (^٣).
_________________
(١) = الدنيا) حديث عبد الله بن عمرو رفعه: "الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة" من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ عن حيوة بن شريح عن شرحبيل بن شريك عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي به. وأخرجه من الطريق نفسه: النسائي في "المجتبى" (٦/ ٦٩) وفيه "عن حيوة وذكر آخر" والآخر هو ابن لهيعة، سماه أحمد في "المسند" (٢/ ١٦٧)، وأسقطه مسلم لتغاير لفظه مع شرحبيل، وأما في حال الاتفاق فيقول: "وآخر" وأمثلته كثيرة، انظر من "صحيحه": (١٤١٤) بعد (٥٦)، كتاب النكاح: باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه، و(١٥٧٩) بعد (٦٨): كتاب المساقاة: باب تحريم بيع الخمر.
(٢) الكفاية (٢/ ٤١٨ - ط دار الهدى).
(٣) ليس كذلك، قال البلقيني في "المحاسن" (٤١٧) - وتبعه الزركشي في "نكته" (٣/ ٦٣٤) -: "فائدته الأعلام بأنه رواه عن رجلين، وأن المذكور لم ينفرد، وفيه إعلام بتتبع الطرق". قلت: وكثرتها ويلزم ذلك في الترجيح عند المعارضة، والإشعار بضعف المبهم، فتأمل.
(٤) أخرجه البخاري (٢٦٦١، ٤١٤١، ٤٧٥٠) ومسلم (٢٧٧٠) وعند البخاري:=
[ ٦٣١ ]
ثُمّ إنَّه ما من شيءٍ من ذلك الحديث إلا وكأَنّه رواه عن أحدهما على الإبهام (^١).
وإذا كان أحدُهما مَجروحًا لم يَجُزْ الاحتجاجُ بشيءٍ منه، ولا يجوزُ أنْ يُسقِطَ أحدَ الراويين، بل يجب ذكرُهما جَميعًا مبيِّنًا بأنَّ بعضَه عن أحدِهما، وبعضَه عن الآخَر (^٢).
* * *
_________________
(١) = "وكل حدثني طائفة من الحديث وبعض الحديث يصدِّق بعضًا" وهذا يفيد تطابق معاني الرواة مع اختلاف ألفاظهم، ولمسلم في "صحيحه" عناية بالغة بجمع الزهري لمفترق حديث شيوخه، ويكشف عن ألفاظهم بطرق فيه تتبع ودقة، فأخرج مثلًا برقم (٢٢٢٠) عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وغيره أن أبا هريرة قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: "لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة". ثم أردفه من طريق الزهري عن أبي سلمة وحده به، وبلفظه دون "ولا طيرة"، ليعلمك أنها من غير طريق أبي سلمة، وهكذا.
(٢) بمعنى: إن حاصل ما فعله الزهري أن جميع الحديث عن مجموعهم لا أن مجموعه عن كل واحد منهم، ولا يعلم من مجرد السياق القدر الذي رواه منه كل واحد من المسمَّين. انظر "فتح المغيث" (٢/ ٢٧٠).
(٣) لأنك إنْ حذفت أحدهما من الإسناد، وأثبتَ جميع الحديث، فقد زدت على بقية الرواة ما ليس من حديثهم، وإنْ حذفتَ بعضَ الحديث، لم يعلم أن ما حذفته هو رواية من حذفتَ اسمه، فيجب ذكر جميع الرواة، نعم، لو حذفت اللفظ الذي انفرد به أحدهما، وأسقطت ذكره، لجاز. وانظر: "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٩٩)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٧١)، "المنهل الروي" (١٠٥)، كتابي "البيان والإيضاح" (١٠٩).
[ ٦٣٢ ]
الفصل الخامس في آداب المحدِّث، وطالبِ الحديثِ، وما يتعلَّق بهما
وفيه طرفان:
الطرف الأول: في آدابِ المحدِّث:
١٧٦ - اعْلَم أنَّ عِلمَ الحديثِ علمٌ شريفٌ يناسبُ مكارمَ الأخلاقِ، وينافي مَساويها، وهو مِنْ عُلومِ الآخِرةِ لا مِنْ عُلوم الدُّنيا (^١)، فَمَنْ رُزِقَه فقَد نَالَ فَضْلًا جَزيلًا، ومَن حُرِمَه فقد حُرِم خَيرًا كَثيرًا.
فَمَن أرادَ التَّصدِّي لإسماعِ الحديث أو لإفَادَةِ شَيءٍ مِنْ عُلُومه، فَلْيقدِّمْ تصحيحَ النيَّةِ وإخلاصَها، ولْيُطهِر قلبَه مِنَ الأغراضِ الدُّنيويةِ
_________________
(١) قال سفيان الثوري: "ليس طلب الحديث من عدّة الموت، ولكنه علم يتشاغل به الرجال" ذكره الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (١/ ٢٠٤) وقال على إثره: "قلت: صدق والله إن طلب الحديث شيء غير الحديث فطلب الحديث اسم عرفيٌّ لأمور زائدة على تحصيل ماهية الحديث؛ وكثير منها مراق إلى العلم؛ وأكثرها أمور يشغف بها المحدِّث من تحصيل النُسخ المليحة، وتطلب العالي، وتكثير الشيوخ، والفرح بالألقاب والثناء، وتمني العمر الطويل ليروي، وحبّ التفرد، إِلى أُمور عديدة لازمة للأغراض النفسانية، لا الأعمال الربانية، فإِذا كان طلبُك الحديث النبوي محفوفًا بهذه الآفات فمتى خلاصك منها إلى الإخلاص؟ وإذا كان علم الآثار مدخولًا فما ظنك بعلم المنطق والجدل وحكمةِ الأوائل التي تسلب الإيمان وتورث الشكوك والحيرة التي لم تكن -والله- من علم الصحابة والتابعين". وانظر: "نكت الزركشي" (٣/ ٦٣٧ - ٦٣٨).
[ ٦٣٣ ]
وأدْنَاسِها (^١)، ولْيَحذَر ثلاثةً:
حبَّ الرِّياسة (^٢)،
_________________
(١) لا سيما في وقت فتحت فيه الدنيا، وطلب العلم للوظيفة، وظهرت فيه آفة المكاثرة والمناكدة والمفاخرة، وساعد على انتشار ذلك وسائل الإعلام، وكادت أن تضيع أخلاق العلماء؛ فلا صبر ولا حلم، ولا هضم النفس، إلا عند بقية ممن هم على منهج السلف اسمًا وحقيقة، جعلنا الله منهم، وكثَّرهم وحيَّاهم وبيَّاهم.
(٢) ليسمع هذه النصيحة من يخاف على دينه، وقد قال الثوري: "مَنْ تَصدَّر وهو صغير، فاته علم كثير"، أسنده عنه الدينوري في "المجالسة" (١٨٣٠). ويا ليت الأمر يقتصر على فوات العلم الكثير، وإنما يتعدى ذلك إلى شر مستطير، قال الخطيب في "الجامع" (١/ ٣٢١): "كان يقال: من طلب الرئاسة وقع في الدياسة". قلت: يقال: داس فلانًا دياسة، أذله، أو وطئه برجله، وأسند الصيمري في "أخبار أبي حنيفة وأصحابه" (٤٢) - وعنه الصالحي في "عقود الجمان" (ص ٣٠٢) - عن زفر عن أبي حنيفة قال: "من طلب الرئاسة قبل وقتها عاش في ذلّ". قال أبو عبيدة: صدق، والله، وقد عانيتُ ذلك في كثير من المتصدِّرين غير المتأهلين، وفي عدد من المستعجلين الحاسدين، فأخذوا يناطحون بلا قرون، فالتحصيل قليل، والبضاعة مزجاة، والنفوس ذليلة، والألسنة طويلة، دون أداء حق الله من النصيحة، وإنْ لم تصدِّقني، فتفقَّدْ! يا هذا! تواضع ولا تتحامق! ولا ترتفع! اعرف حقّ أساتيذك ومعلِّميك، وتذكر ما أسنده الخطيب في "الجامع" (٧٠٨) عن شعيب بن حرب: "من طلب الرئاسة ناطحتْه الكباش، ومن رضي بأن يكون ذنبًا، أبى الله إلا أن يجعله رأسًا". والذي نفسي بيده! لو أن الأمة جميعها: إنسها وجنَّها، صغيرها وكبيرها، عالمها وجاهلها أرادت أن ترفع من وضع الله ما استطاعت، ولو أنها أرادت أن تضع من رفعه الله ما قدرت، وصدق رسول الله - ﷺ -: "حق على الله ﷿ أن لا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه" أخرجه البخاري (٢٨٧١، ٦٥٠١) وغيره. =
[ ٦٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال ابن القيم في "الفروسية" (٩١ - بتحقيقي): "قلت: تأمل قوله "من الدنيا"، فجعل الوضع لما رفع وارتفع، لا لما رفعه سبحانه، فإنه سبحانه إذا رفع بطاعته، وأعزّه بها، لا يضعه أبدًا" انتهى. قلت: وحب الرئاسة من الدنيا بلا شك، لأنّ سببها العجب، وصدق من قال: "العجب يهدم المحاسن" و"إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله" و"لا ترى المعجب إلا طالبًا للرئاسة"، قال أبو نعيم: "والله ما هلك من هلك إلا بحب الرئاسة"، وقال فضيل بن عياض: "ما من أحدٍ أحبَّ الرئاسة إلا حسد وبغى وتتبّع عيوب الناس، وكره أن يُذْكَرَ أحدٌ بخير"، نقلها ابن عبد البر في "الجامع" (٢/ ٥٧١). قال أبو عبيدة: يا هذا! اتّهم نفسك لتنجو، وإلا فأنت على خطر عظيم، ولا تحسبنَّ نفسك بمعزل عن هذا الداء، ولا نجاة فيمن هذا شأنه، ولذلك قالوا: "حب الرياسة آخر ما يخرج من رؤوس الصّدّيقين" وصدقوا، أفاده الشاطبي في "الموافقات" (٢/ ٣٣٤ - بتحقيقي): المالُ آفته التبذير والنهب … والعلم آفته الإعجابُ والغضبُ وقال أبو العتاهية: حب الرئاسة أطغَى مَنْ على الأرضِ … حتى بغى بعضُهم فيها على بعضِ وقال بكر بن حماد: تغاير الناس فيما ليس ينفعهم … وفرق الناس آراء وأهواء وقال ابن عبد البر: حبّ الرئاسة داءٌ يحلق الدنيا … ويجعل الحقّ حربًا للمحبّينا يفري الحلاقيم والأرحام يقطعها … فلا مروءة تبقى ولا دينا من دان بالجهل أو قبل الرسوخ … فما تلْفيه إلا عدوًّا للمحقينا يشنئ العلوم ويقلي أهلها حسدًا … ضاهى بذلك أعداء النبيينا وصدق الثوري: فقد أخرج الخطيب في "الجامع" (٧٠٧) عنه: "تحبّ الرئاسة! تهيّأ للنطاح". قال أبو عبيدة: بَلَوْتُ كثيرًا من المرموقين في زماننا هذا فوجدت هذا الداء متمكّنًا فيهم، أسأل الله أن يعافيني منه، وتبرهن لي من خلال ما شاهدت=
[ ٦٣٥ ]
والمناصبَ، ورعوناتِها (^١).
[السِّنُّ الذي يتصدَّى فيه المحدِّث لإسماع الحديث]:
١٧٧ - واختُلِفَ في السِّنِّ الذي إذا بَلَغَه استحبَّ له التَّصدِّي لإسماعِ الحديثِ، والصَّوابُ أنَّه متى احتِيجَ إلى ما عِندَه استحبَّ له التَّصدِّي لنَشرهِ في أيِّ سنِّ كَان، وما نُقِلَ عَنِ القَاضي أبي مُحمَّد بن خَلَّاد (^٢) أنّه حَسَنٌ بالمحدِّث أنْ يحدِّث بعد استيفاءِ خمسينَ، أو عندَ استيفاءِ الأربعين، أنكره القاضي عياض (^٣) عليه، وقال عن خلق: "لم يبلغ هذا السِّن، وقد نَشَر من الحديثِ والعلمِ ما لا يحصى (^٤)، وأيضًا
_________________
(١) = وعلمت صدق مقولة إسحاق بن خلف: "والله الذي لا إله إلا هو لإزالة الجبال الرواسي أيسر من إزالة الرياسة". ولا خلاص ممن تمكن منه هذا الداء إلا الإخلاص لله، وهضم النفس على عادة السلف. حبُّ الرياسة داءٌ لا دواء له … وقلَّ ما تجد الرّاضين بالقسم
(٢) يريد: رعونات النفس، كالعُجب والطيش والحمق والدّعوى بحقٍّ فضلًا عن باطل، لا تحب أن يحمدك عليه أحد من الناس، ولا تُرِد به معنى سوى التقرُّب إلى الله، وإن لم تفعل ذلك فما صنعتَ شيئًا، قاله السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ٢٧٣).
(٣) الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٣٥٢ - ٣٥٣)، وعبارته: "الذي يصح عندي عن طريق الأثر والنظر في الحدّ الذي إذا بلغه الناقل حسن به أن يحدِّث هو أنه يستوفي الخمسين لأنها انتهاء الكهولة، وفيها مجتمع الأشدّ". قال: "وليس بمستنكر أن يحدّث عند استيفاء الأربعين، لأنها حد الاستواء، ومنتهى الكمال، نُبِّئَ رسول الله - ﷺ - وهو ابن أربعين، وفي الأربعين تتناهى عزيمة الإنسان وقوته، ويتوفر عقله، ويجود رأيه".
(٤) وقبله الخطيب في "الجامع" (١/ ٣٢٣)، وكلام عياض في "الإلماع" (٢٠٠ - ٢٠١) والذي ساقه عنه المصنف بتصرف واختصار.
(٥) كذا في الأصل! وعند عياض: "يحصر" وعبارته عقب كلام الرامهرمزي: =
[ ٦٣٦ ]
مالك بن أنس جَلَس للنَّاس وله نيِّف وعشرون سَنةً، وأُخِذَ العلمُ عَنِ الشَّافعي وَهُو في سِنِّ الحَدَاثةِ، وانتصَبَ لَذلك" (^١).
[السنُّ الذي يترك فيه المحدث الحديث]:
١٧٨ - وأما السِّنُّ الذي إذا بَلَغه المحدِّث تَرَكَ فيها التَّحديثَ، ويُمسك عنه؛ فهي التي يُخْشَى عليه فيها الهرُم والخَرَفُ والاختلاطُ (^٢)، وذلك يَختلِفُ باختلاف الناس.
_________________
(١) = "واستحسانه هذا لا يقوم له حجة بما قال، وكم من السَّلف المتقدِّمين ومَنْ بعدهم من المحدّثين مَن لم ينته إلى هذا السِّنّ، ولا استوفى هذا العمر، ومات قبله، وقد نشر من. . .".
(٢) الصواب أن هذا يختلف باختلاف القدرات والملكات، ولو كان هذا متساويًا في جميع الناس، لحدَّ الشرع له حَدًّا، والعقول تختلف في التقدير، والعبرة بالثمرة، وتقطف عند النضوج العلمي، والتقدم فيه، نعم، البركة جمع الأكابر، وهم مقدّمون على غيرهم، ولكن الجميع محكومون بالتقعيد، ولا أمير ولا مُقَدَّم في العلم إلا العلم. و(الحاجة) المذكورة متفاوتة، وتشتد في زمان ومكان الغربة، وينبغي التفريق بين (المذاكرة) -فهذه يقدر عليها الموفَّق مِع مجموعة من أقرانه ومحبّيه- والتصدر للإملاء، فهذه للعلماء، ورحم الله امرءًا عرف قدر نفسه، وخدم دينه، وجهد على نشر العلم، ومسَّك بالسنة والكتاب، على منهج الأصحاب. وينظر: "علوم الحديث" (٤٢٠ - ط بنت الشاطئ) لابن الصلاح، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ٢٠٥)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٨٤)، كتابي "البيان والإيضاح" (١١١ - ١١٢).
(٣) حدّه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص ٣٥٤) بالثمانين، وعبارته: "فإذا تناهى العمر بالمحدّث، فأعجب إليَّ أنْ يمسك في الثمانين، فإنه حدّ الهرم، والتسبيح والاستغفار وتلاوة القرآن أولى بابناء الثمانين، فإنْ كان عقله ثابتًا، ورأيه مجتمعًا، يعرف حديثه، ويقوم به، وتحرّى أن يحدِّث احتسابًا، رجوت له خيرًا". قلت: بل عند تقدمه وضبطه فالناس يحتاجون إليه، وتعلو أسانيدهم به=
[ ٦٣٧ ]
وكذا إذا عَمي، ويخاف أن يدخلَ عليه ما ليسَ من حديثه فيُمسِك عن الرِّواية (^١).
[التحديث بحضرة من هو أولى منه]
١٧٩ - ولا يَنبغي للمحدِّث أنْ يُحدِّث بحَضرةِ مَن هُوَ أولى منه.
كان إبراهيمُ النَّخَعي والشَّعبيُّ إذا اجْتَمعَا لم يتكلَّم إبراهيمُ بشيء (^٢).
[التحديث ببلد فيها من هو أولى منه]
وقِيلَ: يُكْرَهُ أنْ يحدِّث ببلَدٍ فيه مَنْ هُو أولى منه لسنِّه أو لغيرِ ذلك (^٣)، فإذَا التُمِسَ منه ما يَعلَمه عند غَيرِه في بَلَده أو غيرِه، بإسنادٍ
_________________
(١) = ولا سيما عند استشعاره بقرب الأجل، فإن الناس يتأثَّرون به، وينتفع هو بإقبالهم عليه، في حياته وبعد مماته، ولو لم يبق للموفق من الطلبة إلا يوم لقضاه في العلم: في الأخذ حال الابتداء، والتعليم أو التصنيف عند الرسوخ والانتهاء. واستحسن الذهبي في "الموقظة" أن يعهد المحدث إلى أهله وإخوانه حال صحته: إِنكم متى رأيتموني تغيّرت، فامنعوني، وحصل هذا لغير واحد من المحدّثين.
(٢) بغض النظر عن السِّنّ التي بلغها، وقد يقع الاختلال منه حين غياب من يقرأ عليه، ويذاكره وهو الذي مشى عليه الأئمة، واعتمده غير واحد. انظر: "فتح المغيث" (٢/ ٢٨٥)، "تدريب الراوي" (٢/ ١٢٨)، "نكت الهميان في نكت العميان" (٦٢).
(٣) أخرجه الخطيب في "الجامع" (١/ ٣٢٠)، بإسناد صحيح عن سلمة بن كهيل، وذكره الذهبي في "تاريخ الإسلام" (٣/ ٧٢ - ط دار الغرب) وفيه: "كان الشعبي صاحب آثار، وكان إبراهيم النخعي صاحب قياس".
(٤) أو علوّه أو إتقانه، إذا كان تصدُّره كافيًا، ويقوم به الواجب الشرعي، وإذا قامت مصلحة راجحة، لالتباسات حاصلة أو متوقّعة فلا حرج من سؤال=
[ ٦٣٨ ]
أعلى مِنْ إسنادهِ (^١) أولمرجِّح من وَجْهِ يُعْلم الطَّالبَ به، ويُرشدُه إليه، فإنَّ "الدِّين النَّصيحة" (^٢).
_________________
(١) = غير الأعلم أو الأسنّ، انظر "الاقتراح" (٢٧٠)، "شرحي على نظم العراقي عليه" المسمى "البيان والإيضاح" (١١٣).
(٢) أصبح مدار العلوّ في الأزمنة المتأخرة على غير الضابط العارف، ذكر ابن دقيق العيد في "الاقتراح" (٢٧١) أن الأعلى إسنادًا قد يكون غير عارف بالصنعة، والأنزل إسنادا عارفًا ضابطًا، قال: "فهذا يتوقف فيه بالنسبة إلى الإرشاد المذكور، لأنه قد يكون في الرواية عن هذا الشخص العامّي ما يوجب خللًا". قلت: كلامه ﵀ في عصر الخير وأول ظهور الشر، أما في عصرِنا فلا فائدة من السماع وتتبُّع الإسناد العالي، إلا المُحاكاة والتقليد، دون تحصيل المقصد والثمرة، والتدقيق اليوم ليس من جهة السماع من الشيوخ، وإنما من تحصيل المخطوطات وتعدُّد الطبعات، وهذه مرحلة بعد مرحلة تقديم الإجازة على السماع في العصور التي سبقتها، كما تراه عند السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ٢٨٨). وسبب هذا الشر والخلل: ترك نمط التعليم بالجثو على الركب بين يدي الفحول، والاكتفاء في النظر بالكراريس ومذكرات الدراسة النظامية، التي هي اليوم خير من الاقتصار على الذات إلَّا في حق آحاد، جعلنا الله منهم، ونفع بالجميع من الصادقين.
(٣) ومن النصيحة أيضًا: على الحديثي أن لا يغش الطلبة، وعليه أن يبتدأ معهم بالأهم فالمهم، ويبعدهم عن الإغراب وتتبع شواذ المسائل، ويجنِّبهم استغراق الاوقات في الجزئيات دون الرسوخ في القواعد والكليات، وعليه أن يشغلهم بصلب العلم قبل مُلَحه، وبالمنقول والمنصوص قبل المستنبط، وعليه أن يدلَّهم على العلماء الربانيين، ويملأ مسامعهم، ويرعى اهتماماتهم بواجب الوقت، مع نكران الذات، وتجنب تحقق الأمجاد، كما هو حاصل بين أهل الزمان، ومشاهد بالعيان، والله المستعان. وحديث "الدين النصيحة" أخرجه مسلم في "صحيحه" (٥٥) من حديث تميم الداري، وفصَّلتُ في تخريجه في تعليقي على "الأربعين المغنية بعيون فنونها عن المعين" (رقم ٦٨١ - ٦٨٦) للعلائي، نشر الدار الأثرية، فانظره. =
[ ٦٣٩ ]
[التحديث وحصول النية فيه]
ولا يَمتنعُ مِنْ تَحديث أحدٍ لكونهِ غيرَ صَحيح النِّيَّة فيه، فإنَّه يرجى [له] (^١) حصُولُ النِّيَّة مِنْ بَعد (^٢).
رُويَ عن مَعْمَر قال: لا " [كان] يقال: إنَّ الرَّجُلَ ليَطلبَ [العلم] لغَيرِ اللهِ، فيأبى عليه العلمُ حتَّى يكونَ للهِ تَعَالى" (^٣).
_________________
(١) = وانظر: "الجامع" للخطيب (١/ ٣١٩).
(٢) سقطت من الأصل، وأثبتها من "مقدمة ابن الصلاح" (٤٢٢)، "الإرشاد" (١/ ٥٠١)، "المنهل الروي" (١٠٧).
(٣) ظفرت بكلمة للماوردي في "أدب الدنيا والدين" (ص ٧٣ - تحقيق السقا) تفيد في هذا المقام، وتفصّل الغرض والمرام من الكلام المزبور، قال فيها عن دواعي المتعلّمين، وأنهما على ضربين: الأول منهما: إن وإن الداعي للطلب دينيًّا، فيجب على العالم أن يكون عليه مُقْبلًا، وعلى تعليمه متوفِّرًا، ثم قال عن الضرب الثاني: "فأما إن لم يكن الداعي دينيًّا نظر فيه، فإنْ كان مباحًا، كرجل دعاه إلى طلب العلم حبّ النباهة، وطلب الرياسة؛ فالقول فيه يقارب القول الأوّل في تعليم مَنْ قَبله، لأن العلم يعطفه إلى الدين في ثاني الحال، وإن لم يكن مبتدِئًا به في أوّل حال. وقد حُكي عن سفيان الثوريّ أنه قال: تعلمنا العلم لغير الله تعالى، فأبى أن يكون إلّا لله. وقال عبد الله بن المبارك: طلبنا العلم للدنيا، فدلّنا على ترك الدنيا. وإن كان الداعي محظورًا، كرجل دعاه إلى طلبِ العلم شرّ كامن، ومكرٌ باطن، يريد أنْ يستعملهما في شُبَه دينية، وحِيَل فقهية، لا تجد أهل السلامة منهما مَخْلَصًا، ولا عنهما مَدْفعًا، فينبغي للعالم إذا رأى مَنْ هذه حاله، أن يمنعه من طِلبَته، ويصرفه عن بُغيته، ولا يعينه على إمضاء مكره، وإكمال شره" وانظر: "نكت الزركشي" (٣/ ٦٤٢ - ٦٤٤) و"الموافقات" للشاطبي (١/ ١٠٣ - ١٠٥/ بتحقيقي).
(٤) أسنده عنه عبد الرزاق في "المصنف" (١١/ ٢٥٦) ومن طريقه البيهقي في "المدخل" (١٩) والخطيب في "الجامع" (١/ ٣٣٩) وابن عبد البر في "الجامع" (رقم ١٣٧٦ - ١٣٧٩) وهو صحيح وذكره الذهبي في "السير" (٧/ ١٧) وقال على إثره: =
[ ٦٤٠ ]
[آداب المعلم في نفسه]
١٨٠ - وَلْيَكُنْ حَريصًا على نَشْرهِ مُبتغيًا جَزيل أجْرِه، وليقْتَدِ بمالكٍ - ﵁ -، كَانَ إذَا أرادَ أنْ يُحدِّث تَوَضَّأ، وَجَلَسَ على صَدْرِ فِرَاشِهِ، وَسَرَّح لحيتَه، وتمكَّن في جُلُوسِه بوَقَارٍ، وهَيبةٍ، وحَدَّث، فَقيلَ له في ذلك، فَقَال: أُحِبُّ أَنْ أُعظِّمَ حديثَ رسولِ الله - ﷺ -، وكَانَ يَكْرَهُ أنْ يحدِّث في الطَّريق أو هُو قَائمٌ، أو مُسْتَعجِلٌ (^١).
ورُوي عنه أنّه كان يَغتسلُ لذَلك، ويتبخَّرُ، ويتطيَّب، وإذا رَفَعَ أحدٌ صَوتَه في مَجلِسه، زَبَره (^٢)، وقال: "قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، فَمَن رَفَعَ صوتَه عندَ حديثِ
_________________
(١) = "قلت: نعم، يطلبه أولًا، والحاملُ له حُبُّ العلمِ، وحبُّ إزالةِ الجهلِ عنه، وحُبُّ الوظائفِ، ونحوُ ذلك. ولم يكن عَلِمَ وجوبَ الإِخلاص فيه، ولا صِدقَ النِّية، فإذا عَلِمَ، حاسبَ نفسَه، وخاف من وَبَالِ قصدِه، فتجيئُه النِّية الصَّالحة كلُّها أو بعضُها، وقد يتوبُ مِن نيته الفاسدة ويندَمُ. وعلامة ذلك أنه يُقصِر من الدَّعاوى وحبِّ المناظرة، ومِن قَضد التَّكثُّر بعلمه، ويُزْري على نفسه، فإن تكثَّر بعلمه، أو قال: أنا أعلمُ مِن فلان فَبُعْدًا له". وما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وأثبته من مصادر التخريج، و"مقدمة ابن الصلاح" ومختصراتها.
(٢) أخرجه من طرق عن مالك بألفاظ متقاربة، وبعضهم اختصره: الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٥٨٥) والخطيب في "الجامع" (١/ ٤٠٨) والسمعاني في "أدب الإملاء والاستملاء" (ص ٤٦ - ٤٨) وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣١٨) وابن الصلاح في "علوم الحديث" (٤٢٢ - ٤٢٣ - ط بنت الشاطئ)، وينظر: "ترتيب المدارك" (٢/ ١٤ - ١٦).
(٣) في "مقدمة ابن الصلاح" (٤٢٣ - ط بنت الشاطئ): "زجره" وكالمثبت في "الإرشاد" (١/ ٥٠٣) و"المقنع" (١/ ٣٩٩) و"المنهل الروي" (١٠٧) وهما بمعنى.
[ ٦٤١ ]
رسولِ الله - ﷺ - فَكَأنَّما رَفَعَ صوتَه فَوقَ صَوتهِ" (^١).
_________________
(١) الاغتسال والتبخّر ثابت عن مالك عند التحديث في "الجامع" للخطيب (١/ ٤٠٦) و"أدب الإملاء والاستملاء" (٤٨) للسمعاني وذكره ابن جماعة في "تذكرة السامع" (٣١). وأما قوله: "فمن رفع صوته. . ." فورد في حكاية أسندها القاضي عياض في "الشفا" (٢/ ٤٧) وأوردها في "ترتيب المدارك" (٢/ ١٠١) ولابن زكري شرح مخطوط عليها، وفي آخرها نكارة شديدة، بيّنها شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى" (١/ ٢٢٤، ٢٤٢، ٣٥٢، ٣٥٣). نعم، أسند ابن عبد البر في "الجامع" (١/ ٥٥٤) رقم (٩٢٤)، بسندٍ فيه - المقدام بن داود- ضعيف- عن أشهب قال: سئل مالك عن رفع الصوت في المسجد في العلم وغيره، قال: لا خير في ذلك في العلم ولا في غيره، ثم أسند الجواز في حديث "ويل للأعقاب من النار" وفيها فنادى - ﷺ - بأعلى صوته". قلت: وبوَّب عليه البخاري في "صحيحه" (باب من رفع صوته بالعلم)، ويكون هذا حيث تدعو الحاجة إليه لبُعد أو كثرة جمعٍ أو غير ذلك. انظر "صحيح البخاري" (٦٠، ٩٦، ١٦٣) و"فتح الباري" (١/ ١٤٣). قلت: ومثله في رفع الصوت في العلم: ما ثبت في "صحيح مسلم" (٨٦٧) عن جابر قال: "كان النبي - ﷺ - إذا خطب، وذكر الساعة، اشتدّ غضبُه، وعلا صوتُه"، ولأحمد في "المسند" (٤/ ٢٧٢) من حديث النعمان في معناه، وزاد: "حق لو أنّ رجلًا بالسّوق، لسمعه". وأخيرًا، لا بد من النّية المصالحة في نحو ما فعل مالك من تسريح اللحية والهيبة والوقار والاغتسال والتبخّر والتّطيب، وقد نبه العلماء على أنه لا ينبغي اتباعه فيها إلا لمن صحَّت نيّتُه في خلوص هذه الأفعال، تعظيمًا للحديث لا لنفسه، لأن للشيطان وساوس في مثل هذه الحركات، فإذا عرفتَ أن نيّتك فيها كنيّة مالك فافعلها، ولا تطلع على نيّتك غيرُ الله، ويقال: إن مالكًا لم يبتدع هذه الكيفية، وإنما أخذها عن سعيد بن المسيب، انظر: "نكت الزركشي" (٣/ ٦٤٥)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٧٨).
[ ٦٤٢ ]
[المستحبَّات في مجالس التحديث]:
١٨١ - والمستحبُّ إذا حدَّث أن يُقْبِلَ على القَوم جَميعًا، ولا يسردُ الحديثَ سَردًا يمنعُ السَّامعَ مِنْ إدْراكِ بعضِه (^١) ولْيَفتَتح مَجْلسَه وليختمه بذكرِ دُعاءِ يَليقُ بالحالِ، ففي الافْتتاح يقول: الحمد لله رب العالمين، أكمَل حمدِ عَلى كُلِّ حَالِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ الأَتمَّان على سيِّد المرسلين، كلما ذَكَره الذَّاكِرُون، وكُلَّما غَفَل عَن ذِكْره الغَافِلُون، اللّهمَّ صَلِّ عليه وعلى آلهِ وسائرِ النَّبيِّينَ وآلِ كُلٍّ، وسائر الصَّالحين، نهايةَ ما يَنبغي أنْ يسألَه السَّائلون (^٢).
_________________
(١) أخرج مسلم (٢٤٩٣) عن عائشة قالت: "إن رسول الله - ﷺ - لم يكن يسرُدُ الحديث كَسرْدِكم"، وعلّقه البخاري في "صحيحه" (٣٥٦٨)، وفي رواية عند الترمذي (٣٦٤٣): "ولكنه كان يتكلّم بكلام بيِّن فَصلٍ، يحفظه مَنْ جلس إليه" وقال: "حديث حسن صحيح"، وانظر عن سرد الحديث ما قدمناه في التعليق على (ص).
(٢) اعلم أنّ المأثور في التحميد والصلاة أفضل من هذا، ومن المأثور في التحميد (خطبة الحاجة) انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (١٤/ ٢٦١ - ٢٦٥)، "حاشية السندي على سنن النسائي" (٣/ ١٠٥)، "خطبة الحاجة" (٣١ - ٣٤)، "النصيحة" (٨١ - ٨٣) كلاهما لشيخنا الألباني، وتأمل صنيع الطحاوي في الصلاة الإبراهيمية، وانظر: "الجامع" (٢/ ٧٠) للخطيب "مناقب الشافعي" للبيهقي (٢/ ٣٠٤)، "الترغيب" للتيمي (١٦٨٢)، "الأذكار" (٦٣) "المجموع" (٣/ ٤٠٨) كلاهما للنووي، "جلاء الأفهام" لابن القيم (ص ٥٧٨ - بتحقيقي)، "مقدمة ابن الصلاح" (٤٢٤ - ط بنت الشاطئ)، "نكت الزركشي" (٣/ ٦٤٦)، "نكت ابن حجر" (١/ ٢٢٣)، "المقنع" (١/ ٤٠٠)، "محاسن الاصطلاح" (٤٢٤)، "القول البديع" (٢٥١)، "تدريب الراوي" (٢/ ١٣٥).
[ ٦٤٣ ]
[الإملاء من أعلى مراتب الرواية]
١٨٢ - ويُستَحَبُّ للمحدِّثِ العارفِ عَقْدُ مجلسٍ لإملاءِ الحديث، فإنّه مِنْ أَعلى مراتبِ الرَّاوين، والسَّماعُ فيه من أحسنِ وُجوهِ التَّحمُّل.
وعن القاضي تقي الدِّين (^١)، عن السِّلَفيِّ (^٢) أنشدَ لنَفْسِهِ:
وَاظِبْ على كَتْبِ الأمَالي جَاهِدًا … من أَلْسُنِ الحفاظ والفُضَلاءِ
فَأَجَلُّ أنواعِ الحديثِ بأسْرِها … ما يَكْتُبُ الإنسانُ في الإمْلاءِ
لأنَّ الشَّيخَ يعلمُ ما يُملي ويتدبّره، والكَاتبُ يتحقَّق ما يسمعُه ويكتبُه (^٣).
_________________
(١) في "الاقتراح" (ص ٢٧٦).
(٢) قال في "المجالس الخمسة السلماسية" (ص ٥٣ - بتحقيقي): "ومما قُلته بهمذان" وذكرهما، وفي الثاني منهما: "السَّماع" بدل "الحديث". ومن طريقه: الرافعي في آخر "الأمالي" له- كما في "نكت الزركشي" (٣/ ٦٤٧) - والسمعاني في "أدب الإملاء" (١٢ - ط دار الكتب العلمية) وابن رشيد في "ملء الغيبة" (٣/ ٣٦).
(٣) قال السمعاني في "أدب الإملاء والاستملاء" (ص ١٢): "وقد أملى النبي - ﷺ - الكتب إلى الملوك وفي المصالحة" وأسند ذلك، وهو معروف عند طلبة علم الحديث. وجمع السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ٢٩٤) (فوائد الإملاء) بقوله: "ومن فوائده: اعتناء الراوي بطرق الحديث وشواهده ومتابعه وعاضده بحيث بها يتقوى ويثبت لأجلها حكمه بالصحة أوْ غيرها، ولا ينزوي، ويترتب عليها إِظهار الخفي من العلل، ويهذب اللفظ من الخطأ والزلل، ويتضح ما لعله يكون غامضًا في بعض الروايات ويفصح بتعيين ما أبهم أو أهمل أو أدرج، فيصير من الجليات، وحرصه على ضبط غريب المتن والسند، وفحصه عن المعاني التي فيها نشاط النفس، ويبعد السماع فيها عن الخطأ والتصحيف، الذي قلَّ أن يعرى عنه لبيب أو حصيف، وزيادة التفهم والتفهيم لكل من حضر، من أجل تكرر المراجعة في تضاعيف الإِملاءِ والكتابة والمقابلة=
[ ٦٤٤ ]
[اتخاذ المستملي وصفاته وواجباته]:
١٨٣ - وَينْبغي أنْ يتَّخِذَ مُسْتَمليًا (^١) يُبَلِّغُ عنه إذا كَثُرَ الجمعُ اقتداءً بالسَّلَف (^٢)،
_________________
(١) = على الوجه المعتبر، وحوز فضيلتي التبليغ والكتابة، والفرز بغير ذلك من الفوائد المستطابة كما قرره الرافعي وبينه، ونشره وعيّنه". قلت: بيَّن ذلك الرافعي في آخر "أماليه" بقوله: "إملاء الحديث طريقة مسلوكة في القديم والحديث ويشيبه نبل فضل التبليغ والرواية عن رسول الله - ﷺ - "بلغوا عني ولو آية". وفيه فائدة أخرى: وهي تقييد العلم بالكتاب، قال: وهاتان الفائدتان. الجسيمتان تحصلان بالإملاء متعاونين لا كالتبليغ والسماع بلا كتابة، أو الكتابة بلا سماع. ثم يختص الإملاء بفوائد أخرى: أحدها وهي العظمى-: صحة السماع وبُعده عن الخطأ والتحريف، وقد يصحف فيما يقرأ إما عن خطأ أو جهل. والثانية: إن الإملاء يشتمل بعد رواية الحديث على تصرف إما من جمع طرقه وشواهده أو ذكر أحوال رواته، والفوائد المتعلقة بمتنه، فيكون نشاط النفس لا حد لها، والانتفاع بها أكثر وأتم. الثالثة: ما فيه من زيادة التفهيم والتفهم للمذاكرة والمراجعة في تضاعيف الإملاء والكتابة، والمقابلة، ويدعو إليهما التأمل والفكر في تلك المهلة" هذا آخر كلام الرافعي، بواسطة "نكت الزركشي" (٣/ ٦٤٧ - ٦٤٨).
(٢) فإن تكاثر الجمع بحيث لا يُكتفى بمستملٍ واحد، اتَّخذ مُستمليين، فأكثر حتى يبلّغ بعضهم بعضًا وكان في مجلس أبي مسلم الكجِّي سبعة مستمليين، وحُزِر مَن كتبوا عنه بمحابرهم: نيّفًا وأربعين ألف محبرة. انظر: "أدب الإملاء والاستملاء" (٩٦ - ط دار الكتب العلمية)، "تاريخ بغداد" (٦/ ١٢١ - ١٢٢)، "جامع لأخلاق الراوي" (رقم ١١٦٠)، "تذكرة الحفاظ" (٢/ ١٧٧)، "التهذيب" (٥/ ٤٩).
(٣) أصل اتخاذ المملي: ما أخرجه أبو داود (١٩٥٦) والنسائي في "الكبرى" (٤٠٩٤) وغيرهما من حديث رافع بن عمرو، قال: "رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - =
[ ٦٤٥ ]
ولْيَكُنْ مُسْتَملِيه مُحصِّلًا مُتيقِّظًا (^١)، يَسْتَملي على شَيءِ مُرْتَفِعٍ من كُرسيٍّ (^٢) ونحوهِ، فإنْ لم يجد اسْتَملى قَائِمًا (^٣).
وعَلَيه أن يُبلِّغ لفظَ الحديثِ على وَجْهِه (^٤) مِنْ غير تَغييرٍ، لِيَصلَ مَنْ كان بَعيدًا إلى تَفَهُّمهِ (^٥) وتحقُّقِه.
_________________
(١) = يخطبُ الناسَ حين ارتفع الضُّحى على بَغلَة شهباء، وعليٌّ يُعَبِّر عنه"، وإسناده صحيح. وممن روي عنه ذلك: مالك، وشعبة، ووكيع، ويزيد بن هارون، في عدد كثير من الأعلام السالفين، قاله ابن الصلاح (٤٢٤ - ٤٢٥ - ط بنت الشاطئ). وانظر: "الجامع لأخلاق الراوي" (٢/ ٥٥ - ٥٦)، "أدب الإملاء" (٨٥)، "الإرشاد" (١/ ٥٠٤ - ٥٠٥)، "المقنع" (١/ ٤٠١)، "المنهل الروي" (١٠٧).
(٢) لئلا يقع في مثل ما وقع ليزيد بن هارون، وقد سُئل عن حديث، فقال: حدَّثنا به عدّةٌ، فصاح مُستمليه: يا أبا خالد! عِدَّةُ ابنُ مَنْ؟ فقال له: عدّةُ ابنُ فَقَدْتُك. أخرجه أبو أحمد العسكري في "تصحيفات المحدثين" (١/ ٣٧ - ٣٨) ومن طريقه الخطيب في "الجامع" (رقم ١٢٠١).
(٣) أصله: ما أخرجه مسلم (٨٧٦): كتاب الجمعة باب حديث التعليم في الخطبة عن أبي رفاعة في حديث جاء فيه: "فأقبل علي رسول الله - ﷺ -، وترك خطبته حتى انتهى إليّ، فأتي بكرسيٍّ حَسِبْتُ قوائمه حديدًا، قال: فقعد عليه رسول الله - ﷺ -، وَجعل يعلِّمني مما علَّمه الله، ثم أتى خُطبته، فأتمّ آخرَها".
(٤) انظر: "الجامع" للخطيب (٢/ ٦٦)، "المنهل الروي" (١٠٧)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ٢١٣)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٩٧).
(٥) في الأصل: "وجه"! والمثبت من "مقدمة ابن الصلاح" (٤٢٥ - ط بنت الشاطئ) و"الإرشاد" (١/ ٥٠٥) و"المنهل الروي" (١٠٧)، و"المقنع" (١/ ٤٠٣). وأداء اللفظ على وجهه على سبيل الوجوب، انظر: "الجامع" (٢/ ٦٧)، "أدب الإملاء" (١٠٥)، "نكت الزركشي" (٣/ ٦٥٠)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٩٧).
(٦) بياض في الأصل، وهي كالمثبت في "مقدمة ابن الصلاح" (٤٢٥ - ط بنت الشاطئ) و"الإرشاد" (١/ ٥٠٥).
[ ٦٤٦ ]
ومَنْ لم يَسْمَع إلا لفظَ المسْتَملي، فَلا يَجوزُ لَهُ أنْ يرويَ ذلكَ عَنِ المُمْلي مطلقًا مِنْ غَيرِ بيانِ الحالِ فيه (^١).
[آداب الدرس]:
١٨٤ - ويستحبُّ افتتاحُ المجلسِ بِقِرَاءةِ قَارئٍ حَسَنِ الصَّوْتِ شيئًا مِنَ القُرآن العظيم (^٢)، فإذا فَرَغَ اسْتَنْصَتَ المستَملِي أهلَ المجلسِ إنْ كَانَ فيه لَغْطٌ (^٣)،
_________________
(١) تقدم بيان ذلك في التعليق على (ص).
(٢) ثبت هذا من فعل بعض السَّلف، فأخرج الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (٢/ ٦٨) رقم (١٢٠٧) و"الفقيه المتفقه" (٢٠/ ٢٦٢ رقم ٩٤٨) بسند صحيح عن أبي نضرة قال: "كان أصحاب رسول الله - ﷺ - إذا اجتمعوا تذاكروا العلم، وقرأوا سورةً". وأخرجه من طريق الخطيب: السمعاني في "أدب الإملاء" (ص ٩٨) وأبو نعيم في "رياضة المتعلمين" كما في "نكت الزركشي" (٣/ ٦٥١) وقال: "وظاهر كلام المصنف أن القارئ غير المستملي، وقال الرافعي في آخر "أماليه": "استحبوا للمملي أن يقرأ قبل الإملاء سورة خفيفة من القرآن، وَيخْفِها في نفسه" واستحبه ابن السمعاني للمستملي أيضًا" انتهى. قلت: عبارة الخطيب في "الجامع": "سورة من القرآن" وعبارته في "الفقيه والمتفقه": "يقرأ بعضهم سورة أو آيات من القرآن، قبل تدريس الفقيه أو بعده" وهذا يشعر أنه يقرأ بجهر وإسماع لا يتخافت وإخفاء.
(٣) أي: بعد قراءة القرآن، ولو ذكر الاستنصات ثم قراءة القرآن، لكان أحسن كما فعل ابن الملقن في "المقنع" (١/ ٤٠٣) وأصل الاستنصات في "صحيح البخاري" (١٢١) كتاب العلم: باب الإنصات للعلماء، عن جرير أن النبي - ﷺ - قال له في حَجّة الوداع: "استنصت الناس". وهو في مواطن من "صحيح البخاري" بالأرقام (٤٤٠٥، ٦٨٦٩، ٧٠٨٠) وفي "صحيح مسلم" (٦٥). وهكذا ذكره الرافعي أن ذلك من وظيفة المستملي، وقال ابن السمعاني=
[ ٦٤٧ ]
ثم يُبَسْمِلُ (^١)، ويحمدُ اللهَ ﵎، ويصلِّي على رسولِ الله - ﷺ -،
_________________
(١) = في "أدب الإملاء" (٤٩): "هو من وظيفة المملي" قال: "ولو فعله المستملي كان حَسَنًا". وانظر: "نكت الزركشي" (٣/ ٦٥١)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٩٨) وفي هامش بعض النسخ الخطية من "علوم ابن الصلاح" "قال المصنف: لَغْط: بالسكون أفصح، وبالفتح أشهر".
(٢) دليله: ما روي في المرفوع: "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع" أخرجه الخطيب في "الجامع" (٢/ ١٦٩) والرُّهاوي في "الأربعين" ومن طريقه ابن السبكي في "طبقات الشافعية" (١/ ١٤ - ١٥). وانظر "الأجوبة المرضية" (١/ ١٩١). ولفظة البسملة فيه لم تثبت قط، وأغرب العراقي في "تخريج الإحياء" (١/ ٢٤١) في عزوها لأبي داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان، فالحديث عندهم بلفظة "الحمد" بدل "البسملة"، وأخطأ المناوي في "فيض القدير" (٥/ ١٤) لمَّا عزاه للخطيب في "تاريخ بغداد" بلفظة البسملة، قال أحمد الغماري في رسالته "الاستعاذة والحسبلة ممن صحح حديث البسملة" (ص ١٢): "ووهم من عزاه له في "التاريخ" فقد قرأته من أوله إلى آخره، فلم أره فيه" وصححه بلفظة "الحمدلة" وذهب إلى وضع وكذب لفظ "البسملة" وتابعه عليه د. عبد الغفور البلوشي في مقالة نشرت في مجلة "البحوث الإسلامية" العدد (٣٩) عام ١٤١٤ هـ، ثم طبعه في رسالة مستقلة بعنوان "تفصيل المقال على حديثٍ كل أمر ذي بال"، ورد عليهما الأستاذ الشيخ عبد الرؤوف بن عبد الحنان في "أحسن المقال في تخريج حديث كل أمر ذي بال" وضعف لفظه "الحمدلة" أيضًا. قلت: ضعفها أبو داود في "سننه" (٤٨٤٠) عقب روايته له، وكذلك فعل الدارقطني في "علله" (٨/ ٢٩) والنسائي كما في "التحفة" (١٣/ ٣٦٨ - ط الهندية) وهو الذي مال إليه ابن حجر في "نتائج الأفكار" (٣/ ٢٨٢) وفي "الفتح" (١/ ٨ و٨/ ٢٢٠) وفي "التلخيص الحبير" (٣/ ١٥١)، والسخاوي في "الأجوبة المرضية" (١/ ٢٠٠ - ٢٠٢) وجزم بضعف لفظة (الحمدلة) شيخنا الألباني في "تمام المنة" (٣٣٣) و"الإرواء" (١/ ٢٩ - ٣٢). فهذا الحديث لم يثبت لا بلفظ (البسملة) ولا (الحمدلة)، ويبقى الثابت خطبة الحاجة، كما أومأنا إليه في التعليق على (ص ٦٤٣)، فانظره هناك، تولى الله هداك، وفيها الحمدلة بصيغة محصورة مخصوصة، والله الموفق.
[ ٦٤٨ ]
ثم يُقْبِلُ على المحَدِّثِ، ويقول: مَنْ ذَكَرتَ، أو ما ذَكَرتَ رَحمكَ الله، أو مثلَ (^١) ذلك.
وقال قاضي القضاة تقي الدِّين: "والأحسن أن يقول: مَنْ حَدَّثَك، أو مَن أخبرك إن لم يقدم الشيخ ذكر أحد، فكلَّما انْتَهى إلى ذِكْر النَّبي - ﷺ - صلَّى عليه" (^٢).
وقال الخَطيبُ: "يرفع صوتَه بذَلِك" (^٣).
وإذا انتهى إلى الصَّحابيِّ قال: ﵁ (^٤)، وإنْ كَانَ الصَّحابيُّ ابنُ الصَّحابيِّ كابنِ عَبَّاسِ وابنِ عُمَر، يقول - ﵄ - (^٥).
_________________
(١) عبارة ابن الصلاح في "المقدمة" (٤٢٥ - ط بنت الشاطئ) وابن الملقن في "المقنع" (١/ ٤٠٤): "أو نحوه"، وعبارة النووي في "الإرشاد" (١/ ٥٠٧): "وما أشبهه". وقال ابن دقيق العيد في "الاقتراح" (٢٧٧): "والأحسن عندي أن يقول: من حدثك، أو من أخبرك، إن لم يكن تقدّم من الشيخ لأحد ذكر، إلا أن تكون هذه العبارة -أي: من ذكرت- عادة للسلف مستمرّة، فالاتِّباع أولى". وانظر: "الجامع" (٢/ ٧١)، "المنهل الروي" (١٠٧)، "فتح المغيث" (٢/ ٢٩٨)، كتابي "البيان والإيضاح" (١١٩) نشر الدار الأثرية، عمان.
(٢) الاقتراح (ص ٢٧٧ - ط العراقية أو ص ٢٥١ - ط الأخ عامر صبري).
(٣) الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ١٠٣) وعبارته: "إذا انتهى المستملي في الإسناد إلى ذكر النبي - ﷺ - استحبّ له الصلاة عليه، رافعًا صوته بذلك، وهكذا يفعل في كل حديث، عاد فيه ذكره - ﷺ -".
(٤) الجامع (٢/ ١٠٤، ١٠٦)، "أدب الإملاء" (٦٥، ١٠٤)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ٢١٥)، "فتح المغيث" (٢/ ٣٠٠).
(٥) هذه من زيادة النووي في "الإرشاد" (١/ ٥٠٨) ومثل به زيادة على المذكورين بـ: ابن الزبير وابن جعفر الطيار وأسامة بن زيد والنعمان بن بشير وجابر بن عبد الله وحذيفة بن اليمان وابن عمرو بن العاص، وينظر "المقنع" (١/ ٤٠٥) و"تدريب الراوي" (٢/ ١٣٦). ولمحمد بن أحمد الأهدل رسالة مطبوعة سنة ١٣٢٦ هـ بعنوان "بغية أهل الأثر فيمن اتفق له ولأبيه صحبة سيد البشر".=
[ ٦٤٩ ]
[آداب المحدِّث مع شيوخه]:
١٨٥ - وَيحسُنُ بالمحدِّث الثَّناءُ عَلى شَيخهِ حالَ الرِّواية عنه بما هو أهلُه (^١)، وأهمُّ مِنْ ذَلك الدُّعاءُ له عِندَ ذِكْرِه (^٢).
_________________
(١) = أورد فيها (٢٥٠) نفسًا ممن له صحبة وأبيه، و(١٤) نفسًا ممن له ولأبيه وجده وصحبة، و(٦٢) امرأة لها ولأبيها صحبة، واثنتان ممن لها ولأبيها وجدها صحبة. ويقع في الأصول القديمة -مثل "مسند أحمد" و"سنن أبي داود"-: عن علي ﵇ تاركًا لذلك في أبي بكر وغيره، ممن هو أفضل منه، بل يقع ذلك في فاطمة الزهراء أيضًا، وعندي توقّف في المقتضى للتخصيص بذلك مع احتمال وقوعه من بعد المصنفين، ولكنه بعيد، قاله السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ٣٠٠). قلت: ما استبعده غير بعيد، بدليل وجوده في بعض النسخ دون بعض، والأقوى منه وجوده في كتب من صنع ذلك، وهذا يؤكد أنه من النساخ لا المصنّفين، والله أعلم.
(٢) فعله غير واحد من السلف كقول عطاء: حدثني البحر (يريد ابن عباس) وقول مسروق: حدثتني الصّدّيقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة، وقول وكيع: حدثنا سفيان أمير المؤمنين في الحديث، انظر: "الجامع" للخطيب (٢/ ٨٥ - ٨٧)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ٢١٦)، "الإرشاد" (١/ ٥٠٩)، "المقنع" (١/ ٤٠٥)، "المنهل الروي" (١٠٧). ومما ينبغي ذكره هنا أن لا يغالي المحدث في مدح الشيخ، ففي مدح الشيخ في بعض المناسبات والسياقات مدح للنفس، وإن فعل فعليه أن يذكر ما يستحقُّه، وهكذا ينبغي أن يفعل الشيخ ولا سيما إن قرأ عليه المملي مع شيخه ومن فوقه فيترحم عليهم، أسند الخطيب في "الكفاية" (١٣١٦) عن الربيع قال: قال القارئ يومًا: حدّثكم الشافعي، ولم يقل: - ﵁ -، فقال الربيع: ولا حرف، فقال: - ﵁ -. فينبغي أن تراعى حرمة الشيوخ في حياتهم وبعد مماتهم، ولا يقع ذلك إلا ببركة إخلاصهم. وإن لم يكن الشيخ مشهورًا، أو كان مقلًّا، زكاه الراوي بقوله: حدثنا فلان وكان ثقة، وهذا مشهور في دواوين الحديث.
(٣) لأن الشيوخ هم الآباء في الدين، وصلة بين التلاميذ ورب العالمين، =
[ ٦٥٠ ]
ولا بأسَ بذِكْر مَن يروي عنه بِمَا يُعرفُ به مِنْ لَقَبٍ (^١) - كغُنْدَر (^٢)، فإنَّه لَقَبُ مُحمَّد بن جَعْفر صاحبُ شُعبة -أو حِرْفةٍ، أو نِسبةٍ إلى أمٍّ عُرِفَ بها- كيَعلى بن مُنْيَة (^٣) - ووصفٍ في بَدَنهِ- كسليمان الأعمش، وعاصم الأحول.
[الجمع في الإملاء بين رواية جماعة من شيوخه]:
١٨٦ - ويُستَحبُّ أنْ يَجمعَ في إملائهِ روايةَ جماعةٍ مِنْ شُيُوخِهِ
_________________
(١) = والدعاء لهم وذكر مآثرهم والثناء عليهم وشكرهم أداءٌ لشيء من حقوقهم، وقد قال ابن راهويه: قلّ ليلة إلا وأنا أدعو فيها لمن كتب عنا ولمن كتبنا عنه. والأهم من الدعاء للشيخ: أن تعزى الفوائد والدقائق له، قال أبو عبيد: "من شكر العلم أن تستفيد الشيء فإذا ذكر، قلت: خفي علي كذا وكذا ولم يكن لي به علم حتى أفادني فلان فيه كذا وكذا، فهذا شكر العلم"، أسنده عنه البيهقي في "المدخل" (رقم ٧٠٥) والقاضي عياض في "الإلماع" (٢٢) ومحمد ابن القاضي عياض في "التعريف بأبيه" (ص ٨٢، ٨٣).
(٢) الألقاب منها الممدوح ومنها المذموم، ولم يستعمل المحدثون الألقاب التي فيها قبح إلا للتعريف بالرواة، وسومح في الألقاب، لا سيما إذا لم يكرهها أصحابها، لأنها توجب المدح بشرط عدم الإطراء، ولأنها اشتهرت، وكان التعريف بالراوي متوقّفًا عليها، وبوّب البخاري في "صحيحه" في كتاب (الأدب): (باب ما يجوز من ذكر الناس، نحو قولهم الطويل والقصير، وقال النبي - ﷺ -: "ما يقول ذو اليدين" وما لا يُراد به شينُ الرجل). وانظر ما سيأتي (ص ٧٤٤، ٧٥٥)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ٢١٨)، "المقنع" (١/ ٤٠٥)، "نكت الزركشي" (٣/ ٦٥٤ - ٦٥٧)، "فتح المغيث" (٢/ ٣٠٢)، كتابي "البيان والإيضاح" (١٧٨ - ١٨٠).
(٣) انظر عن معناه ومَنْ لقِّب به ما سيأتي (ص ٧٥٦).
(٤) ذكر هنا أن مُنْيَة أمُّ يعلى، وسيأتي في فقرة (٢٤٦) أن مُنية جدته أم أبيه، وهو الصواب، وانظر تعليقنا هناك.
[ ٦٥١ ]
مُقَدِّمًا أرجَحَهم، ويُملي عن (^١) كلِّ شيخ حديثًا.
* [الأحاديث المختارة في مجالس الإملاء]:
ويَخْتَارُ ما عَلَا سَنَدُهُ (^٢)، وَقَصُرَ متنُهُ (^٣)، ويُنبِّه عَلى ما فيه من فَائِدةٍ وعُلُوٍّ (^٤)، ويَجتَنبُ ما لا تحمَّله عنه [عقولُ] (^٥) الحَاضِرين (^٦) فيقول لجمهورِ النَّاسِ فضائلَ الأعمال وما يُناسبها، وللمتفقِّه أحاديثَ الأحكامِ (^٧).
_________________
(١) في الأصل: "على" والمثبت من "مقدمة ابن الصلاح" (٤٣٦ - ط بنت الشاطئ) و"الإرشاد" (١/ ٥١٠)، "المقنع" (١/ ٤٠٦)، "المنهل الروي" (١٠٨).
(٢) في الأصل: وما هو أعلى سندًا! والمثبت يقتضيه السياق وهو عبارة ابن الصلاح (٤٢٦) والنووي (١/ ٥١٠) وابن الملقن (١/ ٤٠٦) وابن جماعة (١٠٨)، فصححناه من أصل الكتاب ومختصراته الأخرى كما رأيتَ.
(٣) بعدها في عبارة ابن الصلاح: "فإنه أحسن وأليق، وينتقي ما يمليه، ويتحرَّى المستفادَ منه"، نعم، يستحب للمملي أن يملي ما يراه أبلغ وأعم فائدة، وأن يفسِّر ما يحتاج إلى تفسيره وبيانه، انظر "نكت الزركشي" (٣/ ٦٥٧ - ٦٥٨).
(٤) زاد ابن الصلاح! و"فضيلة" وزاد النووي وتبعه ابن الملقن وابن جماعة: "وضبط مشكل".
(٥) سقطت من الأصل وأثبتها من "مقدمة ابن الصلاح" ومختصرات كتابه، مثل: "الإرشاد" (١/ ٥١٠) و"المقنع" (١/ ٤٠٦) و"المنهل الروي" (١٠٨).
(٦) لما يخاف عليهم من الوهم في فهمه، وأخرج البخاري في "صحيحه" (١٢٧) عن علي قال: "حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله". وللشاطبي في "الموافقات" (١/ ١٢٣ - ١٢٤) و(٥/ ١٦٧ - ١٦٩) كلمة نفيسة جدًّا في هذا المعنى، فلتنظر. وينظر: "الجامع" (٢/ ١٠٧ - ١٠٨)، للخطيب "فتح المغيث" (٢/ ٣٠٦)، "البيان والإيضاح" (١٢٠).
(٧) هذه من زيادات المصنف، وأخذها من "الاقتراح" (٢٧٩) وانظر شرحي =
[ ٦٥٢ ]
* [ختم مجالس الإملاء]:
ويختمُ الإملاءَ بشيءٍ مِنَ الحِكَايَات والنَّوادِرِ والإنْشَادَاتِ بأسَانِيدها، وَذَلك حَسَنٌ، لاسيَّما مَا كَانَ في الزُّهد والآداب (^١).
* [الاستعانة ببعض حفاظ الوقت في التخريج]:
١٨٧ - وإذا قَصَّر (^٢) المحدِّثُ عَن تَخريجِ ما يُمليه، فَاسْتَعان ببعضِ
_________________
(١) = على "نظم العراقي" له، المسمى "البيان والإيضاح" (١٢٠)، وينظر "نكت الزركشي" (٣/ ٦٥٨ - ٦٥٩). ومما يجب على المملي تجنبه: رواية الحديث الموضوع والمطروح التي ما راجت إلا بسبب الجهلة والقصاص، نعم، يجوز ذكر الموضوع إذا اقترن معه البيان ليحذره الناس، ودون ذلك، فحرام، إلا إن كان في مجالس (المذاكرة) ليستفاد منها في التعليل، وتتقوى ملكة النقد، ويمتحن بها الطلبة، ولا يكون ذلك إلا لأهل الصنعة الحديثية فحسب.
(٢) من عادة المملين البدء بإسناد المرفوع ثم الموقوف ثم الحكايات والأقوال والزهديات والأشعار، ولاسيما إن ناسبت ما سبق من الموضوع والمقام، وهكذا يبتدأ بكل مجلس، ولعل تكرارًا يقع فيها، كما تراه في "المجالسة وجواهر العلم" لأبي بكر أحمد بن مروان الدينوري، وهو مطبوع بتحقيقي في عشر مجلدات، ولي في تقديمي عليه تفصيل عن كتب (الإملاء) ومجالسه، فلتنظر فيه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وانظر: "الجامع" (٢/ ١٢٩)، "أدب الإملاء" للسمعاني (١٦٨)، "محاسن الاصطلاح" (٤٢٧)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ٢٢٢)، "نكت الزركشي" (٣/ ٦٥٧ - ٦٦٠) وذكر فيه عن الرافعي والسمعاني ما فات ابن الصلاح ومختصري كتابه من آداب وأحكام ينبغي أن يراعيها المملي، من مثل: أن لا يطيل مجلس الإملاء، إلا إذا عرف أن الحاضرين لا يتبرّمون به، وأن يدعو ويستغفر عند تمامه سرًّا وجهرًا، وأن لا يحدّث إلا من كتابه ولاسيما المرفوع للنبي - ﷺ -، وأن لا يعيد الحديث لمن جاء متأخرًا، قال الثوري: "من غاب خاب، وأكل نصيب الأصحاب، ولم يُعَد له الحديث".
(٣) زاد النووي في "الإرشاد" (١/ ٥١١) وابن جماعة في "المنهل" (١٠٨) =
[ ٦٥٣ ]
حُفَّاظ وَقْتهِ فَخَرَّج له، فلا بأسَ بذلك (^١).
* [مقابلة وإتقان ما أملاه]:
١٨٨ - وإذَا فَرَغَ من الإملاءِ قَابَله وأتْقَنَه (^٢).
الطرف الثاني: في آدابِ طَالبِ الحَدِيث:
* [آدابه في نفسه]:
١٨٩ - قَد تقدَّم (^٣) شَطْرٌ في ذَلك، فأوَّلُ ما عليه: تَصحيحُ النيَّة، وتحقيقُ الإخلاصِ (^٤)، والحذَرُ مِنْ قَصدِ التَوصُّل به إلى شيءٍ من أغراض الدُّنيا (^٥)، ويسألُ التيسيرَ والتَّوفيقَ، وليأخذَ لنفسهِ بالأخْلاقِ الزَّكيَّة، والآدابِ المرضيَّةِ.
_________________
(١) = وابن الملقن في "المقنع" (١/ ٤٠٦): "واشتغل".
(٢) قال الخطيب في "الجامع" (٢/ ٨٨): "كان جماعةٌ من شيوخنا يفعلون ذلك"، وسمَّاهم، وينظر "فتح المغيث" (٢/ ٣٠٩).
(٣) المقابلة بعد الكتابة واجبة، لإصلاح ما فسد منه بزيغ القلم وطُغيانه، انظر: "الجامع" (٢/ ١٣٣)، "المقنع" (١/ ٤٠٦).
(٤) في فقرة رقم (١٧٦).
(٥) على طالب العلم أن يحسن قصده، وأن يعلم أن النية أبلغ من العمل، وأن الفرق بين الصحابي والمنافق في حقيقة الأمر حسن القصد عند الأول دون الثاني، فعلى هذا الأمر مدار النجاة، وعليها تركب الأقوال والأعمال والحركات، وعليه أن يحرص على تزكية نفسه بالأعمال الصالحة، وصالح الأعمال، وأن يحملها على جميل الخصال والفعال، وأن يظهر أثرُ طلَبهِ على سُلُوكه بتقدُّمه فيه.
(٦) أخرج أبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٢٥١) والخطيب في "الجامع" (رقم ١٩) وابن عبد البر في "الجامع" (١١٥٣) عن حماد بن سلمة قال: "من طلب الحديث لغير الله مُكِر به" وإسناده صحيح. وقال أبو عاصم النبيل: "من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى أمور =
[ ٦٥٤ ]
وعن سُفيانَ الثَّوريِّ - ﵁ - قال: "لا أعلمُ عَمَلًا هو أفضلُ من طَلَب الحديثِ إنْ أرادَ اللهَ به" (^١).
* [صفات الشيخ المختار]:
١٩٠ - وإذَا أَخَذَ فيه بَدَأَ بالسَّماع مِنْ أسْنَد شُيوخِ بَلَدِهِ وأرجَحِهم عِلمًا وشُهرةً ودِينًا (^٢).
_________________
(١) = الدين، فيجب أن يكون خير الناس"، وقال: "من استخفّ بالحديث استخف به الحديث" وقال ابن منده في كتاب "الوصية": "الاستخفاف بالحديث طلبه للحُجَّة على الخصم، لا للإيمان به، والعمل". وانظر: "الجامع" (١/ ٧٨، ٩٢)، "المقنع" (١/ ٤٠٧)، "نكت الزركشي" (٣/ ٦٦١).
(٢) أخرجه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (رقم ٣٧) والخطيب في "شرف أصحاب الحديث" (ص ٨١)، و"الجامع" (رقم ١٤) والبيهقي في "المدخل" (رقم ٤٧٠، ٤٧١، ٤٧٢) وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٦٦) وابن عبد البر في "الجامع" (رقم ١١٩، ١٢٠، ١٢٧)، وإسناده صحيح. وانظر له: "نكت الزركشي" (٣/ ٦٦٢ - ٦٦٣).
(٣) ويبدأ بالمهمات من سماع "الصحيحين" و"السنن" و"المسانيد" إلى "سنن البيهقي"، فإن ضاق وقته أو نفقته فالمخرَّجة منها، ولا يقتصر على سماع من واحد فقط، فتعدد المشايخ له آثار تربوية مهمة، ولذا كان أيوب السختياني يقول: "إذا أردت أن تعرف خطأ شيخك، فجالس غيره" أخرجه الدارمي (٦٤٣) بإسناد جيد، ولعل الله إن يسّر لك شيخًا محققًا أثريا أن تقول: "إن أردت أن تعرف صوابه، فجالس غيره" فالحكم عند الطالب الدليل والأثر، وإياك من الانهماك في طلب الشهادات، والحرص على الوصول إلى أعلاها، أو الانشغال بالأمور الإدارية، والمناصب الدنيوية، فالإعراض عن البحث والتقدم في الطلب هو السمة الغالبة على هذا الصِّنف، ولا قوة إلا بالله! وانظر: "رسوم التحديث" للجعبري (٩٧)، "البيان والإيضاح" (١٢٢ - ١٢٣) بقلمى.
[ ٦٥٥ ]
* [الرحلة في طلب الحديث]:
وإذَا فَرَغ مِنْ سَماعِ المهمِّ ببلدهِ فلْيرحَل في طَلَبه (^١).
قال إبراهيم بن أدهم: "إنَّ الله يَدْفَعُ البلاءَ عن هذه الأُمَّة برِحْلَة أصْحَابِ الحديث" (^٢).
والرِّحْلَةُ عَادةُ الحفَّاظ المبرِّزين (^٣).
* [عدم التساهل في السماع والتحمل]:
١٩١ - ولا يَتَساهل في السماعِ والتَّحملِ؛ لئلا يخلَّ بشَرطٍ مِنْ
_________________
(١) الرحلة في الطلب تكون بعد الفراغ من شيوخ البلد، وتكون للأقرب فالأقرب، وكانت الهمم قوية، والرغبات أكيدة، والبلدان عامرة بمن يرحل إليهم، والظروف الحياتية والأمنية تساعد على ذلك، فإذا مات المقدَّم في الطلب خلفه آخرون، بخلاف مشايخ الوقت، فإن أهل محلتهم يزهدون فيهم إلا من رحم الله، فإذا ماتوا، فُقدوا، كما تفقد النجوم في الليالي الظلماء، ولاسيما في الفتن الدهماء! قال الخطيب في "الجامع" (٢/ ٢٢٣): "المقصود في الرحلة في الحديث أمران: أحدهما: تحصيل عُلُوِّ الإسناد وقدَم السماع، والثاني: لقاءُ الحفاظ، والمذاكرة لهم، والاستفادة عنهم. فإذا كان الأمران موجودين في بلد الطالب، ومعدومين في غيره، فلا فائدة في الرحلة، والاقتصار على ما في البلد أولى".
(٢) أسنده الخطيب في "الرحلة في طلب الحديث" (رقم ١٥) بسنده إلى ابن أبي حاتم قال: بلغني أن إبراهيم … وذكره، وفيه "يرفع"!
(٣) حتى قال ابن معين: "أربعة لا تُؤنِسُ منهم رُشدًا: حارسُ الدرب، ومُنادي القاضي، وابنُ المحدِّث، ورجل يكتبُ في بلده ولا يرحَلُ في طلب الحديث" أسنده عنه الحاكم في "المعرفة" (٩) -ومن طريقه الخطيب في "الرحلة في طلب الحديث" (رقم ١٤)، و"الجامع" (١٦٨٥) -.
[ ٦٥٦ ]
شُروطه على ما تقدَّم (^١).
* [العمل بالحديث]:
١٩٢ - ويَنبغي أنْ يَستعملَ ما يَسمعُه من الأحاديثِ في الصلاةِ والأذْكَارِ والصيام، وسائرِ الطاعات، فَذَلك زكاةُ الحديثِ (^٢).
قال وكيع: "إذا أردتَ حفظَ الحديثِ، فاعْمَلْ به" (^٣).
وقال بِشْر بن الحارثِ الحَافيّ: "يا أصحابَ الحديث! أدُّوا زكاةَ هذا الحديثِ، اعْمَلوا مِنْ كلِّ مئتَي حديثٍ بخَمسةِ أَحَاديث" (^٤).
* [آدابه مع شيخه]:
١٩٣ - ويَنْبَغي أنْ يعظِّمَ شيخَه، ويعتقدَ جَلالتَه، ورُجْحَانَه، فَبهِ
_________________
(١) في (الفصل الثاني) من (الباب الثالث)، فانظره.
(٢) نعم، عليه أن يتعلم ليعمل، فالعمل ثمرة، والعلم شجرة، فالذي يصلي الضحى ويعلم مشروعيتها ولا يضبط نصًّا فيها خير ممن يحفظ جميع النصوص الواردة فيها، ولكنه لا يصليها، وعليه فَقِسْ.
(٣) أخرجه عن وكيع ابن عساكر في "جزء حفظ القرآن" (١١) بلفظ: "كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به" وأخرجه الخطيب في "الجامع" (الأرقام: ١٧٨٧، ١٧٨٨، ١٧٨٩)، و"الاقتضاء" (رقم ١٤٩)، والبيهقي في "الشعب" (رقم ١٦٥٩، ١٧٤١)، مرة بذكر العمل، ومرة بذكر الصوم -عن شيخ لوكيع به-، وأخرجه وكيع في "الزهد" (رقم ٥٣٩) عن شيخ لهم؛ قال: "كنا نستعين على طلب الحديث بالصوم"، وجاء مصرحًا في بعض الروايات بأنه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمَّع. وانظر كلام محقق "الزهد" الشيخ عبد الرحمن الفريوائي حفظه الله ورعاه، و"الموافقات" (١/ ١٠٢ - بتحقيقي).
(٤) أخرجه الخطيب في "الجامع" (رقم ١٨١) وفي "تاريخ بغداد" (٧/ ٦٩) والسمعاني في "أدب الإملاء" (ص ١١٠).
[ ٦٥٧ ]
يُفتحُ على الإنْسَان، ويتحرَّى رِضَاه، ولا يُطَوِّل عَلَيه بحيث يُضْجِرهُ، فإنه يَخَافُ أنْ يَكونَ مُوجِبًا للحِرْمانِ (^١).
_________________
(١) كما حصل للقعنبي مع شعبة، فإنه أبى أن يحدِّثه غير حديث واحد في قصة ذكرها العبدري في "رحلته" (ص ١١٠)، وهي طريقة مفيدة: روى بإسناده إلى أبي خليفة أنه قال: كان السبب في أن لم يسمع القعنبي من شعبة غير هذا الحديث أنه وافى البصرة نحو شعبة ليسمع منه، وبكَّر، فصادف المجلس قد انقضى، وقد انصرف شعبة إلى منزله، فحمله الشره على أن سأل عن منزل شعبة، فأرشد إليه، فوجد الباب مفتوحًا، فدخل من غير استئذان، فصادف شعبة جالسًا على البالوعة يبول، فقال: السلام عليكم، رجل غريب قدمت من بلد بعيد لتحدثني بحديث رسول الله - ﷺ -، فاستعظم شعبة ذلك، فقال: يا هذا! دخلت منزلي بغير إذن، وتكلِّمني على مثل هذا الحال، تأخَّر عني حتى أصلح من شأني، فقال: إني أخشى الفوت، فقال: تخشى الفوت بمقدار ما أصلح من شأني! فأكثر عليه الإلحاح، قال: وشعبة يخاطبه وَذَكَرُه في يده يستبرئ، فلما أكثر، قال: اكتب حديث منصور بن المعتمر، عن ربعي، عن أبي مسعود البدري، عن النبي - ﷺ -: "إن مما أدرك الناس. . " الحديث. ثم قال: "والله لا أحدثك بغير هذا الحديث، ولا حدثت قومًا تكون فيهم" وكان يجمله -كما في "السير" (١٠/ ٢٦١) - فيقول: "كان شعبة يستثقلني، فلا يحدثني، يعني حديث: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" كذا فيه! وينبغي إضافة: "غير حديث واحد، يعني حديث" أو ما معناه، قال الذهبي: "والحديث يقع عاليًا في "جزء الغطريف" لابن البخاري" وخرجته بتفصيل في شرحي لـ"جزء أبي عمرو الداني في علوم الحديث في بيان المتصل والمرسل والموقوف والمنقطع" وسميتُه "بهجة المنتفع" (رقم ٦٨، ٦٩، ٧٠، ٧١)، والحمد لله على آلائه ونعمائه. وقوله: "ويعتقد جلالته … ويتحرى رضاه" من زيادات النووي في "الإرشاد" (١/ ٥١٥) فلا يغرنك "قلت" قبلها في "المقنع" (١/ ٤١٠) وبعضها في "المنهل الروي" (١٠٩)، وأصل الكلام في "الجامع" للخطيب (١/ ١٩١).
[ ٦٥٨ ]
وَقَال الزهريُّ: "إذا طَالَ المجلسُ [كَان] (^١) للشَّيطانِ فيه نَصِيبٌ" (^٢).
* [عدم كتم العلم]:
وَمَنْ ظَفَر بسَمَاعِ شيخٍ يُعلِمُ بهِ مَنْ يَرغَبُ في ذَلِك (^٣)، فإنَّ مَنْ كَتَمه يُخافُ عَليه عدمُ الانْتِفاع، وذلكَ مِنَ اللُّؤم الذي يَقعُ فيه جَهَلَةُ الطَّلبةِ الوُضَعَاءِ.
قال الشَّيخ تَقي الدِّين: "وقد رأينا أقوامًا مَنَعوا السَّماعَ فما أفْلَحوا، وما أَنجحوا" (^٤).
_________________
(١) سقط من الأصل، والسياق يقتضيه، وهو في "مقدمة ابن الصلاح" (٤٣٠ - ط بنت الشاطئ) و"المقنع" (١/ ٤١٠) و"الإرشاد" (١/ ٥١٥)، و"المنهل الروي" (١٠٩).
(٢) أخرجه الخطيب في "الجامع" (رقم ١٣٨٥) والسمعاني في "أدب الإملاء" (ص ٦٨) وإسناده صحيح.
(٣) في هذا فوائد:
(٤) بإرشادهم يبارك له في علمه، ويستنيرُ قلبُه.
(٥) تتأكد المسائل عنده.
(٦) جزيل ثواب اللَّه تعالى.
(٧) من بخل عليهم كان بضد ما ذُكر، ولم يثبت علمُه، وإن ثبت لم يُثمر، قد جَرب ذلك جماعة من السلف. وعلى الطالب إن فعل ذلك: أن لا يحسد أحدًا، ولا يحتقره، ولا يفتخر عليه، ولا يُعجب بفهم نفسه، وجَودَةِ ذهنه، بل يحمد اللَّه على ذلك، ويستزيده بدوام الشكر. وكل شيء إذا أَنفق منه نقص، إلا العلم فإنه يزيد، انظر كتابي "البيان والإيضاح" (١٢٥) و"النكت على ابن الصلاح" للزركشي (٣/ ٦٦٤ - ٦٦٦)، و"الدر النضيد" (٢٨٢).
(٨) مقدمة ابن الصلاح (٢٤٨ أو ٤٣٠ - ط بنت الشاطئ).
[ ٦٥٩ ]
* [الحذر من الحياء والكبر]:
١٩٤ - ولْيَحذَر مِنْ أنْ يَمْنَعه الحياءُ والكِبرُ (^١) من السعي التامِّ في التَّحصيل وأَخْذِ العلم مِمَّنْ هو دُونَه في السِّنِّ أو النَّسَبِ، أو غيرِ ذلك. وعَن عُمَر بن الخطَّاب وابنهِ -﵄- قالا: "مَنْ رَق وجْهُهُ، رَق علمُه" (^٢).
وعَن وَكيعٍ وغيرِه: "لا يَنْبُلُ الرجُلُ حَتَّى يكتبَ عَمَّن فوقَه ومثلَه ودُونَه" (^٣).
_________________
(١) عَلَّقَ البخاري في "صحيحه" كتاب العلم: باب (٥٠) قبل حديث (١٣٠) عن مجاهد قوله: "لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر" ووصله الدارمي (٥٥٧) وأبو نعيم (٣/ ٢٨٧) والبيهقي في "المدخل" (٤١٠) وابن حجر في "تغليق التعليق" (٢/ ٩٣) بأسانيد بعضها صحيح. والناس: عالم ومتعلم وسائل، ومَنْ عداهم فهمج رعاع، والمستحيي والمتكبر هالكان.
(٢) أخرجه الدارمي (١/ ١١٢ أو ٥٥٦) والبيهقي في "المدخل" (٤٠٨) عن عمر. وأخرجه الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٣/ ١١٣) وعباس الدوري في "تاريخ ابن معين" (٣/ ٧٤ - ٧٥) رقم (٢٩٥) والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (رقم ١٠٠٦) والبيهقي في "المدخل" (٤٠٧) عن ابن عمر، وكلاهما ضعيف، وورد ضمن خبر عن الحسن البصري عند ابن قتيبة في "عيون الأخبار" (٢/ ١٣٩) وأبي بكر الدينوري في "المجالسة" (١٦٣٦، ٣٤٢٤ - بتحقيقي) وابن عربي في "محاضرة الأبرار" (١/ ٣٨٠)، وهو أشبه، وانظر "إتحاف المهرة" (١٢/ ١٣٧). وأورده ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (رقم ٥٥٢) هكذا: "وكان يُقال: مَنْ رَقَّ وجهُه عند السؤال رق علمه عند الرجال، ومن ظَنَّ أن للعلم غاية فقد بخسه حقَّه" وأعاده مختصرًا برقم (٦٥٧). وهو بمعنى قول الأصمعي: "من لم يحمل ذل التعليم ساعةً بقي في ذُلّ الجهل أبدًا"، وانظر "نكت الزركشي" (٣/ ٦٦٦).
(٣) أخرجه الخطيب في "الجامع" (رقم ١٦٥٤، ١٦٥٥) وابن حجر في =
[ ٦٦٠ ]
* [الصبر على جفاء الشيخ، ومتى يستكثر من الشيوخ]:
١٩٥ - ويَنْبغي أنْ يَصبِرَ على جَفَاء شَيخهِ (^١).
وقال الشَّيخ تقي الدين: "ولا يضيع [شيئًا من وقته] في استكثارِ الشيوخ لمجردِ اسمِ الكثْرَة وصِيتها" (^٢).
* [التقميش والتفتيش]:
وعَنِ الحافِظِ السِّلَفي، عن يحيى بن مَعين (^٣) يقول: "إذا كَتبتَ فَقَمِّش، وإذا حَدَّثْتَ فَنَمِّش" (^٤).
_________________
(١) = "تغليق التعليق" (٥/ ٣٩٤) وبنحوه عنده (رقم ١٦٦١) عن ابن عيينة، وعنده في "تاريخ بغداد" (٦/ ٢٢٩ - ط دار الغرب) عن ابن المبارك. وفي "هدي الساري" (٤٧٩) و"التغليق" (٥/ ٣٩٤) عن البخاري.
(٢) من الشيوخ من يرميك بالثمر، ومنهم من لا تحصل ذلك منه إلا بالقطف بالبنان، وهز الأغصان، والصبر على الأشجان، وتحمل الأحزان، والله المستعان.
(٣) مقدمة ابن الصلاح (٢٤٩ أو ٤٣١ - ط بنت الشاطئ) وما بين المعقوفتين منه، وسقط من الأصل. وانظر: "الإرشاد" (١/ ٥١٨) وفي "المنهل الروي" (١٠٩)، "ولا يضيع زمانه في. . .".
(٤) كذا في الأصل، خلافًا لما في "مقدمة ابن الصلاح" (٤٣١ - ط بنت الشاطئ) و"المقنع" (١/ ٤١٣) من أن المذكور قول أبي حاتم الرازي، وهو كذلك في "التبصرة" (٢/ ٢٣٢) وغيره.
(٥) كذا في الأصل! وفي هامشه ما نصه: "الذي رويناه عن يحيى: وإذا حدّثت فَفَتّش، بفاءين وتاء مثناة من فوق، وهو المعروف". وفي هامش آخر: "قال ابن فارس في "مجمل اللغة" [(٣/ ٣٧) وفي "معجم مقاييس اللغة" (٥/ ٢٧)]: "القَمْش: جمع الشيء من هاهنا وهنا. والنَّمش: الالتقاط تلتقط الشيء، كما يفعله العابثُ في الأرض. قال: قُلتُ لها وأولِعت بالنَّمْشِ" قلت: والمثبت في تعريف (النمش) من "مجمل اللغة" لابن فارس =
[ ٦٦١ ]
وعنه، عن ابن صاعد يقول: قال لي إبراهيم بن أُرْمَة (^١): "اكْتُبْ عَن كُل إنسانٍ، فإذَا حدَّثْتَ فَأنْتَ بالخيار" (^٢).
* [الانتخاب، ومتى وكيف يكون]:
١٩٦ - ولْيَسْمَع ولْيكتُبْ ما يقعُ إلَيه مِنْ كِتَابٍ أو جُزْءٍ على التَّمام ولا يَنْتَخِب.
وقال يحيى بن معين: "سَيَنْدمُ المنتَخِبُ [في الحديث] حِينَ لا تَنْفعه النَّدامةَ" (^٣).
١٩٧ - وإنْ ضَاقَ الوقتُ عن الاستيعابِ، واحْتَاجَ إلى الانْتِخَابِ
_________________
(١) = (٣/ ٨٨٦) بالحرف وقائل البيت هو أبو زُرعة التميمي، كما في "تاج العروس" (١٧/ ٤٣٠)، وعجزه: هل لكِ يا خَليلتي في الطَّفْشِ وانظر "تهذيب اللغة" (١١/ ٣٨٢) و"معجم مقاييس اللغة" (٥/ ٤٨١). وصوابه (الفتش) وهو كذلك عن أبي حاتم عند الخطيب في "الجامع" (رقم ١٦٧٠).
(٢) ويقال فيه: (أورمة) وهو أبو إسحاق الأصبهاني الحافظ، ترجمه أبو الشيخ ابن حيان في "طبقات المحدّثين بأصبهان" (٣/ ١٨٦)، فقال: "كان علامة في الحديث، لم يكن في زمانه مثله ولا تقدّمه في الحفظ والمعرفة أحد، وخرج إلى العراق وأقام بها، ومات ببغداد سنة نيف وسبعين ومئتين". ترجمته في "الجرح والتعديل" (٢/ ٨٨)، "أخبار أصبهان" (١/ ١٨٤) لأبي نعيم، "تاريخ بغداد" (٦/ ٤٢ - ٤٤).
(٣) قال ابن عدي في (مقدمة) "الكامل" (١/ ٤١٨) - وعنه الخطيب في "الجامع" (٢/ ١٥٧) -: "أبو إسحاق إبراهيم بن أُرْمَة الأصبهاني من حفاظ الناس، ومن المقدمين فيه، وفي الانتخاب، وكثرة ما استفاد الناس من حديثه ما يفيدهم عن غيره".
(٤) أسنده الخطيب في "الجامع" (٢/ ١٨٧) رقم (١٥٦٧) عنه بلفظ: "صاحب الانتخاب يندم، وصاحب المشْج لا يندم". =
[ ٦٦٢ ]
تولَّى ذلك بنفسه إنْ كان صَالِحًا، وإن [كانَ قاصِرًا استعان بـ] (^١) بعضِ الحُفَّاظ (^٢).
وإذا سَمِعَ من أصْلِ الشَّيخ انتخابًا، فلْيميز المنتخَبَ عن غَيرهِ بعَلَامةِ حُمْرَةٍ أو غيرِها (^٣).
* [ضرورة المعرفة والفهم مع الكتابة والحفظ]:
١٩٨ - ولا يَنْبَغي للطَّالب أنْ يقتَصِر على سَماعِ الحديثِ وكِتَابَته
_________________
(١) = والمشج: المختلط، والمعنى أن الذي يكتب جميع الأحاديث التي يختلط فيها الصحيح والضعيف لا يندم، لأنه لم يَفُتْه شيء، ثم في أي وقت يمكن أن ينتقي منها ما يريد، كذا في حاشية مطبوع "الجامع". وهو باللفظ المذكور في "مقدمة ابن الصلاح" (٤٣١ - ط بنت الشاطئ).
(٢) في الأصل بياض بدل ما بين المعقوفتين.
(٣) ينبغي للمنتخب أن يقصد تخيُّر الأسانيد العالية، والطرق الواضحة، والأحاديث الصحيحة، والروايات المستقيمة، ولا يُذْهِبُ وقتَه في الترهات، من تتبُّع الأباطيل والموضوعات، وتطلب الغرائب والمنكرات. نعم، عليه أن يكتب الأفراد والغرائب، فهذا أجمع للفائدة، وأكثر للمنفعة، ولذا قالوا: "كان يقال: إن انتقاء عمر البصري يصلحُ ليهوديّ قد أسلم". ومعناه: أن عمر كان معظم انتخابه الأحاديث المشهورة، والروايات المعروفة خلاف ما يتخيّره أكثر النُّقاد من كتب الغرائب والأفراد. انظر: "الجامع" (٢/ ١٥٧ - ١٥٩)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ٢٣٤)، "فتح المغيث" (٢/ ٣٢٩).
(٤) وقد تصدّى جَماعةٌ للانتقاء على الشيوخِ، كالدّارقطني وغيرِه، مُعَلِّمينَ لذلكَ في أصلِ الشيخِ على ما ينتخبونهُ بـ (صاد) أو (طاء) في الحاشيةِ اليُمنى من الورقة، والدارقطني عَلَّمَ في اليُسرى بخطٍّ عَريضٍ بالحُمْرَة، ولا حَجْرَ في ذلك، قاله ابن الملقن في "المقنع" (١/ ٤١٣)، وفي أصله للخطيب في "الجامع" (٣/ ١٥٨ - ١٥٩) توسع في التمثيل يلزم المشتغل بالتحقيق.
[ ٦٦٣ ]
دُونَ معْرِفَته وفَهمِه (^١)، فَيضيعُ عُمرُه، ويتعب نَفْسَه منْ غَيرِ أنْ يظفرَ بطَائلٍ، وبغيرِ أنْ يحصَلَ في عِدَادِ أهلِ الحديثِ (^٢).
وأَنْشَدَ فارِسُ بن الحُسين (^٣) لنفسه:
يا طالبَ العلمِ الذي … ذَهَبتْ بمدتِهِ الروايهْ
كُنْ في الروايةِ ذا العنـ … ـاية بالروايةِ والدرايهْ
وارْوِ القَليلَ وَراعِهِ … فالعِلْمُ لَيس لَهُ نِهَايَهْ
فيَعرفُ فقهَ الحديثِ ومَعَانيه، ولُغَته وإعرابَه، وأسماءَ رِجَالِه، وصحيحَه، وضعيفَه، مُحقِّقًا كل ذلكَ، فمَنِ اعتنى بذَلك يُرْجَى لَهُ في مُدّةٍ يسيرةٍ فوائدُ كَثيرةٌ (^٤).
* [الكتب التي يقدم العناية بها]:
١٩٩ - وليقدم العناية بـ"الصحيحين" (^٥)، ثم "سنن أبي داود"
_________________
(١) قال الخطيب البغدادي في "نصيحة أهل الحديث" (ص ٢٢ - ٢٣): "وإنما أسرعت ألسنةُ المخالفين إلى الطعن علي المحدّثين؛ لجهلهم أصول الفقه، وأدلته في ضمن السنن، مع عدم معرفتهم بمواضعها، فإذا عرف صاحب الحديث بالتّفقه خرست عنه الألسن، وعظُم محله في الصدور والأعين".
(٢) زاد النووي في "الإرشاد" (١/ ٥١٩): "ولا في حزب العلماء" وبعدها في "مقدمة ابن الصلاح" (٤٣٢ - ط بنت الشاطئ): "بل لم يزد على أن صار من المتشبهين، والمنقوصين، المتحلين بما هم عنه عاطلون".
(٣) في الأصل: "الحصين"! والتصويب من "مقدمة ابن الصلاح" (٤٣٢ - ط بنت الشاطئ) وساق الشعر بسنده عن السمعاني وتبعه ابن الملقن في "المقنع" (١/ ٤١٣ - ٤١٤).
(٤) "الإرشاد" (١/ ٥١٩ - ٥٢٠)، "المقنع" (١/ ٤١٤)، "المنهل الروي" (١٠٩)، "رسوم التحديث" (٩٨)، "التبصرة والتذكرة" (٢/ ١٨١)، "فتح المغيث" (٢/ ٣٣٠).
(٥) ليحرص على قراءة طبعة متقنة لهما، والتعرُّف على منهج صاحبيهما، =
[ ٦٦٤ ]
و"سنن النسائي"، و"الجامع" للترمذي، ضبطًا لمشكلِها، وَفَهمًا لخفيِّ مَعَانِيها (^١).
ولْيَحْرِصْ على "السُّننِ الكَبير" للحافظِ البَيهقي، فإنَّه لا يُعلَم مثلهُ في بَابه (^٢)، ثم ما تمسُّ إليه حاجةُ صاحب الحديث إليه من المسانيد (^٣)، كـ"مسند أحمد بن حنبل" (^٤)،
_________________
(١) = من خلال النظر في المؤلفات المفردة في ذلك، أو كتب (الختمات) كـ"غنية المحتاج في ختم صحيح مسلم بن الحجاج" و"عمدة القارئ والسامع في ختم الصحيح الجامع" كلاهما للسخاوي، وهما مطبوعان، وينتهي بقراءة شرح معتبر لكل منهما، ويبدأ بشرح صديق حسن خان على كل منهما، ثم ينتهي بقراءة "فتح الباري" وهو شرح مهم غاية، من أدمن النظر فيه، واستحضر مادته فهو عالم حقا.
(٢) يفعل في "السنن" كما شرحناه آنفًا في "الصحيحين"، وينصح للمشتغل بالفقه البِدء بـ"سنن أبي داود" و"الموطأ" لكثرة ما يشتملا عليه من أحاديث الأحكام، والمحدّث بالنسائي، ليتمرن في كيفية المشي في العلل، ولوقوفه على أصح المتون، ويمتاز الترمذي باعتنائه بالإشارة في الباب للأحاديث، وحكمه عليها، ومادته -فيما أرى- جمع الأحاديث الدائرة على لسان الفقهاء في زمانه، فهو نافع للفقيه والمحدث، ولاسيما نقله أحكام شيخه إمام الدنيا البخاري.
(٣) لاستيعابه أكثر أحاديث الأحكام، وجرَّد البوصيري زوائده على الكتب الستة، وهو الآن قيد التحقيق.
(٤) للأخ توفيق السيدي الفلسطيني "لفظ العناقيد في بيان المسانيد" جمع فيه (المسانيد) المؤلَّفة في الإسلام، والتعريف بها وبنسخها، ولم ينشر فيما أعلم.
(٥) طبع عدة مرات، أحسنها طبعة مؤسسة الرسالة، وهي كاملة بخلاف الميمنية، وآخر رقم فيها (٢٧٦٤٧) وآخر رقم في طبعة دار الفكر (٢٧٧١٨) وفي طبعة دار الكتب العلمية (٢٧٧١٦)، والخلاف في طريقة الترقيم. =
[ ٦٦٥ ]
و"موطأ مالك" (^١)، وكتب علل الحديث (^٢)، وأجودها كتاب "العلل" (^٣)
_________________
(١) = ويحتوي "المسند" على ثمانية عشر مسندًا، أما الصحابة فلم يرتبهم على حروف المعجم، وإنما جعل العشرة المبشرين بالجنة أولا، ثم ذكر أربعة من الصحابة، وهم عبد الرحمن بن أبي بكر، وزيد بن خارجة، والحارث بن خزمة، وسعد مولى أبي بكر، وقد استوعب حديثهم في الجزء الأول، ولم يبين سبب إفرادهم، ثم مسند أهل البيت، ثم مسند مشاهير الصحابة، ثم مسند المكيين، ثمّ مسند المدنيين، ثم الشاميين، ثم الكوفيين، ثم البصريين، ثم الأنصار، ثم مسند النساء، وفي وسط مسند النساء ذكر مسند القبائل، وشيئًا من حديث أبي الدرداء، وفي "المسند" أحاديث من زيادات ولده عبد اللَّه، ويسير من زيادات أبي بكر القطيعي الراوي عن عبد اللَّه. وقد انتقى الإمام أحمد "مسنده" من أكثر من سبع مئة ألف وسبعين ألف حديث، ولم يدخل فيه إلا ما يحتج به عنده. ويعتبر "مسند الإمام أحمد" أوفى المسانيد وأجمعها، وتفضيل ابن الصلاح كتاب السنن عليه منتقد. قال الهيثمي في "زوائد المسند": "مسند أحمد أصح صحيحًا من غيره". وقال ابن كثير: "لا يوازي "مسند أحمد كتاب مسند في كثرته، وحسن سياقته، وقد فاته أحاديث كثيرة جدا" من "لقط العناقيد" (٤٢) وللذهبي في "السير" (١٣/ ٥٢٥) اقتراح في خدمة "المسند" فلينظر، فإنه مفيد.
(٢) للموطأ طبعات عديدة، بروايات مختلفة، طبع منها رواية يحيى الليثي، وأبي مصعب الزهري، ويحيى بن بكير، ومحمد بن الحسن الشيباني، وسويد بن سعيد الحدثاني، وقطعة من روايات كل من عبد اللَّه بن مسلمة القعنبي وابن زياد وابن القاسم. وللدكتور نذير حمدان كتاب "الموطآت" وهو كتاب جيد في التعريف به. وأحسن طبعاته بتحقيق الأستاذ محمد مصطفى الأعظمي، نشر في (٨) مجلدات، عن مركز الشيخ زايد في الإمارات العربية.
(٣) صنعت على طرق شتى، يأتي الكلام عنها في التعليق على فقرة (٢٠١).
(٤) نشر الأستاذ طلعت قوج بيكيت في تركيا "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد، في مجلدين. ثم نشره صديقنا الشيخ وصي الله عباس في (٣) مجلدات وهو من رواية ابن الإمام أحمد عبد اللَّه. ونشر وصي اللَّه أيضًا "العلل" برواية المروذي وعبد الملك الميموني =
[ ٦٦٦ ]
لأحمد بن حنبل، وكتاب "العلل" (^١) للدارقطني، ومن كُتبِ مَعرفة الرِّجال، وتواريخ المحدِّثين، ومِنْ أَفْضَلِها "تاريخُ البُخاري الكبير" (^٢)، وكتاب "الجرْح والتَّعديل" (^٣) لابن أبي حَاتِم.
_________________
(١) = وصالح بن أحمد عن الدار السلفية، بالهند، ونشر القطعة نفسها السيد صبحي السامرائي عن مكتبة المعارف، الرياض، ثم نُشِر في مصر "المنتخب من العلل" للخلال بانتخاب ابن قدامة المقدسي.
(٢) جمعه على (المسانيد)، وهو أجمع كتب العلل، وهو من جمع تلميذه أبو بكر البرقاني، وهو أجوبة على أسئلته، وكان البرقاني يقيد ذلك بالكتابة، فلما مات الدارقطني جمع أجوبته، ولذا ففيه أحاديث صحيحة، رويت من أوجه فيها علل بعضها غير قادحة، حقق قسمًا جيِّدًا منه أخونا الشيخ محفوظ الرحمن زين اللَّه السَّلفي، ونشر عن دار طيبة، ومات المحقق رحمه اللَّه تعالى قبل إتمامه، وتممه الشيخ محمد الدباسي، ونشرت تتمته في (٥) مجلدات عن دار ابن الجوزي، القاهرة. ومن الكتب المهمة "العلل" لابن أبي حاتم، طبع مرات عديدة، وقام بتحقيقه فضيلة الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي، وطبع أخيرًا بتحقيق فريق من الباحثين، بإشراف وعناية الشيخين سعد الحميد وخالد الجُريسي، وطبعته هذه جيّدة ومتقنة. ومن أهم ما يلزم الحديثي: إدمان النظر في "شرح علل الترمذي" لابن رجب، فإنه أقامه على استقراء تام، وفيه تقريرات بديعة، وفوائد مليحة، ولا تصقل المَلَكَة، ويعتدل النقد إلا باعتماد مثل تقريراته، والله الموفق.
(٣) قال أبو العباس بن عقدة: "لو أن رجلًا كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى عن كتاب "تاريخ محمد بن إسماعيل البخاري". أسنده الخطيب في "الجامع" (٢/ ١٨٧) بعد أن قال عن هذا الكتاب: "يربى على الكتب كلها"، ولابن أبي حاتم الرازي "بيان خطأ محمد بن إسماعيل البخاري في "تاريخه"" وهو مطبوع معه، وألف غير واحد في منهجه في كتابه هذا، والمطبوع منها قليل.
(٤) مطبوع، وفيه أقوال أبي حاتم وأبي زُرعة الرازيين، قال الذهبي في "السير" (١٣/ ٨١) في ترجمة (أبي زرعة): "قلت: يُعجبني كثيرًا كلام أبي زُرعة =
[ ٦٦٧ ]
ومِنَ الضبطِ لمشْكِل الأسْماء، ومن أحْسَنِها (^١) كتاب "الإكمال" للأمير أبي النَّصْر بن مَاكُولا.
_________________
(١) = في الجرح والتعديل، يبين عليه الوَرَع والمَخْبَرة، بخلاف رفيقه أبي حاتم، فإنه جَرَّاح". وكشف عن سبب تأليفه ومجاراة ابن أبي حاتم فيه كتاب البخاري السابق أبو عبد الله الحاكم في "تاريخ نيسابور" (٤٦٦ - ٤٦٧/ طبقة شيوخه) عن شيخه أبي أحمد الحاكم، قال أبو عبد اللَّه: "سمعتُ أبا أحمد يقول: كنتُ بالرّي، وهم يقرأون على عبد الرحمن بن أبي حاتم كتاب "الجرح والتعديل"، فقلتُ لابن عَبْدُويه الوراق: هذه ضحكة، أراكم تقرأون كتاب "تاريخ البخاري" على شيخكم على الوجه، وقد نَسَبْتُمُوه إلى أبي زُرعة وأبي حاتم، فقال: يا أبا أحمد، اعلَمْ أنَّ أبا زُرعة وأبا حاتم لما حُمِلَ إليهما "تاريخ البخاري"، قالا: هذا علم لا يُستغنى عنه، ولا يحسُن بنا أن نذكره عن غيرنا، فأقعدا عبد الرحمن، فسألهما عن رجل بعد رجل، وزادا فيه ونقصا"، وانظر "فتح المغيث" (٢/ ٣٣٦).
(٢) عبارة ابن الصلاح في "المقدمة" (٤٣٣ - ط بنت الشاطئ): "ومن أكملها" وهي عبارة المصنف فيما يأتي (ص ٧٦١) وانتقده مُغُلْطاي في "إصلاح كتاب ابن الصلاح" (ق ٤١/ أ - ب)، فقال: "كتاب ابن ماكولا ذيَّل عليه ابن نقطة ذيلًا، بلغ ثلاث مجلدات، وذيّل منصور بن سُليم الإسكندري على ابن نقطة مجلدة، وزاد عليها كاتب هذه الجذاذات ذيلًا لعله أكبر من كتاب ابن ماكولا، فأنى الكمال لـ"الإكمال""؟!. وعبارة النووي في "الإرشاد" (١/ ٥٢٢) والجعبري في "رسوم التحديث" (٩٨): "وأجودها". قلت: وذَيْل ابن نقطة ومنصور مطبوعان عن جامعة أم القرى بتحقيق الشيخ عبد القيوم عبد رب النبي، ومن أوعب وأكمل كتب الضبط "توضيح المشتبه" لابن ناصر الدين، وهو مطبوع في (١٠) مجلدات، وسمعت شيخنا الألباني رحمه اللَّه تعالى يثني عليه شديدًا، ووصل له في يوم تسفيره بوشاية شيخ كذاب، عليه من الله ما يستحق، وحماه الله تعالى في قصة لا مجال لذكرها.
[ ٦٦٨ ]
* [التدرُّج في الطلب]:
وكُلَّما مرَّ اسم أو لفُظ بُحِثَ عنه، ويحفظهُ بقَلْبهِ وكِتَابَتِه (^١)، ويحفظ الحديثَ قَلِيلًا قليلًا مَع الأيامِ واللَّيالي (^٢).
_________________
(١) قوله: "وكتابته" من زيادات النووي (١/ ٥٢٢) وتبعه ابن جماعة (١٠٩) وتبعهما المصنف، وزاد ابن الصلاح: "فإنه يجتمع له بذلك علم كثير في يُسْرٍ".
(٢) التّدرّج في الطلب سنّة متّبعة، ولا ترسخ القدم إلا بسلوكها، ولذا كان معمر يقول: "من طلب الحديث جملة ذهب منه جملة" أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٢٥) وبنحوه عن قتادة عند ابن نقطة في "التقييد" (١/ ٤٦١) والمزي في "تهذيب الكمال" (٢٣/ ٥١٢) وقلَّ أن يُفلحَ من اقتصر على الفكر والتعقل بحضرة الشيخ خاصة ثم يتركُه ويقوم، ولا يعاوده، وذكر ابن السبكي في "طبقاته" (٣/ ١٦٦) عن محمد بن سعيد الشافعي قال: "حضرتُ مجلس الشيخ أبي إسحاق المروزي، فسمعته يقول: قال لنا الإمام أبو العباس بن سُريج: بأيِّ شيء يتخرَّجُ المرءُ في التعلم؟ فأعيى أصحابنا الجوابُ، فقلتُ أنا: يتفكر في الفائدة التي تجري في المجلس، فقال: أصبتَ! بهذا يتخرّج المتعلِّم". واعلم أنه مما أضر بالطلبة في التحصيل والوقوف على غاياته: كثرةُ التآليف، واختلاف الاصطلاحات ثم مطالبة المتعلم والتلميذ باستحضار ذلك، فيحتاج المتعلم إلى حفظها كلها أو أكثرها، ومراعاة طرقها، ولا يفي عمره بما كتب في صناعة واحدةٍ إذا تجرد لها، فيقعُ القصورُ -ولابُدّ- دون رُتبة التحصيل، أفاده ابن خلدون، وزاد قوله في "مقدمته" (ص ٥٠٢): "اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إِنما يكون مفيدًا؛ إذا كان على التدريج شيئًا فشيئًا وقليلا قليلا، يلقي عليه أولا: مسائلَ من كل باب من الفن هي أصولُ ذلك الباب، ويقربُ له في شرحها على سبيل الإِجمال، وُيراعي في ذلك قوَّة عقله واستعداده لقبول ما يَرِدُ عليه حتى ينتهي إلى آخرِ الفن، وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلمِ؛ إلا أنَّها جزئية وضعيفة، وغايتها أنَّها هيَّأته لفهم الفن ثانيةً فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبةِ إلى أعلى منهما، ويستوفي الشرحَ والبيانَ، ويخرج عن الإِجمالِ، ويذكر له ما هنالك من الخلافِ ووجهِهِ =
[ ٦٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = إلى أن ينتهي إلى آخر الفن، فتجودَ مَلَكَتُه ثُمَّ يرجعُ به وقد شَدَا (أي: أخذ طرفًا من العلم) فلا يترك عويصًا ولا مُبْهَمًا ولا مَعَلقًا إلا وضحه وفتحَ له مُقْفَلَهُ؛ فيخلص من الفن وقد استولى على مَلَكَتِهِ. هذا وجهُ التعليم المفيدِ، وهو كما رأيتَ إِنمَا يحصل في ثلاثِ تكراراتٍ، وقد يحصلُ للبعض في أقل من ذلك بحسبِ ما يُخلَقُ له ويتيسَّرُ عليه. وقد شاهدنا كثيرًا من المعلمين لهذا العهدِ الذي أدركنا يجهلون طرقَ التعليم وإفادتِهِ ويحضرون للمتعلمِ في أولِ تعليمه المسائِلَ المقفَلَةَ من العلمِ ويطالبونه بإحضارِ ذهنِهِ في حَلِّها ويحسبون ذلك مِرَانًا على التعليمِ وصوابًا فيه، ويكلفونه وَعْيَ ذلك وتحصيلَه، ويخلطون عليه بما يلقون له من غاياتِ الفنونِ في مبادئها، وقبل أن يستعدَّ لفهمها. فإِنَّ قبولَ العلم والاستعدادتِ لفهمه تنشأ تدريجًا، ويكون المتعلِّمُ أولَ الأمر عاجزًا عن الفهم بالجملةِ إلا في الأقل وعلى سبيلِ التقريبِ والإجمالِ وبالأمثلةِ الحسية. ثم لا يزال الاستعدادُ فيه يتدرَّجُ قليلًا قليلًا بمخالفةِ مسائلِ ذلك الفن وتكرارِها عليه والانتقالِ فيها من التقريبِ إلى الاستيعاب الذي فوقه، حتى تتمَّ المَلَكَةُ في الاستعدادِ ثمَّ في التحصيلِ، ويحيط هو بمسائلِ الفن. وإذا ألقيت عليه الغاياتُ في البداياتِ، وهو حينئذٍ عاجزٌ عن الفهمِ والوعي، وبعيدٌ عن الاستعدادِ له كَل ذهنُه عنها، وحَسِبَ ذلك من صعوبةِ العلم في نفسهِ فتكاسلَ عنه، وانحرفَ عن قبوله، وتمادى في هجرانه، وإنَّما أتى ذلك من سوءِ التعليمِ. ولا ينبغي للمعلِّمِ أَنْ يزيد متعلِّمه على فهمِ كتابه الذي أكب على التعليمِ منه بحسب طاقته، وعلى نسبة قبوله للتعليمِ مبتدئًا كان أو منتهيًا، ولا يخلط مسائلَ الكتابِ بغيرها حتَى يَعِيَهُ من أوَّلِهِ إلى آخرِهِ ويحصِّلَ أغراضَه ويستولي منه على مَلَكةِ بها ينفذ في غيره. لأنَّ المتعلِّمَ إذا حصَّلَ مَلَكةً ما في علمِ من العلومِ استعدَّ بها لقبولِ ما بقي، وحصلَ له نشاطٌ في طلب المزيد والنهوضِ إلى ما فوق، حتى يستولي على غاياتِ العلمِ، وإذا خُلطَ عليه الأمرُ عجزَ عن الفهم، وأدركه الكلالُ، =
[ ٦٧٠ ]
قال الزهري: "مَن طَلَب العلمَ جُملةً فاتَه جُملةً، وإنَّما يُدْرَكُ العِلمُ حَديثًا وحَديثين" (^١).
* [الإتقان والمذاكرة]:
٢٠٠ - وليكُن الإتقانُ والتَّحقيق مِنْ شأنِهِ (^٢).
_________________
(١) = وانطمس فِكْرُه، ويئس من التحصيل، وهجرَ العلمَ والتعليمَ، واللهُ يهدي مَنْ يشاء. وكذلك ينبغي للمعلِّمِ أن لا يطوِّلَ على المتعلِّمِ في الفن الواحدِ بتفريق المجالسِ، وتقطيعِ ما بينها؛ لأنه ذريعة إلى النسيانِ وانقطاعِ مسائلِ الفن بعضها من بعضٍ، فيعسر حصولُ المَلَكَةِ بتفريقها. وإذا كانت أوائلُ العلم وأواخرُه حاضرةً عند الفكرةِ مُجانبةً للنسيانِ كانت المَلَكَة أيسرَ حصولًا وأَحكمَ ارتباطًا وأقربَ صبغةَ؛ لأن المَلَكَاتِ إنَما تحصلُ بتتابعِ الفعلِ وتكرارهِ، وإذا تُنوسي الفعلُ تُنوسيت المَلَكَةُ الناشئةُ عنه، والله علمكم ما لم تكونوا تعلمون. ومن المذاهب الجميلةِ والطرقِ الواجبةِ في التعليم أن لا يُخلطَ على المتعلمِ علمان معًا؛ فإِنه حينئذٍ قل أن يظفرَ بوَاحدٍ منهما، لما فيه من تقسيمِ البالِ وانصرافهِ عن كل واحدٍ منهما إلى تفهمِ الآخَرِ، فيستغلقان معًا ويستصعبان، ويعود منهما بالخيبة، وإذا تفرغ الفكرُ لتعليمِ ما هو بسبيله مقتصرًا عليه، فربَّما كان ذلك أجدر بتحصيله، والله ﷾ الموفقُ للصواب". وانظر: "الجامع" للخطيب (١/ ٢٣١ - ٢٣٢).
(٢) أخرجه المبارك بن عبد الجبار في "الطيوريات" (رقم ١٣٣٦ - انتخاب أبي طاهر السلفي) والخطيب في "الجامع" (١/ ٢٣٢) رقم (٤٥٠). و"حديثًا وحديثين" كذا في الأصل! وحقها -كما في المصادر-: "حديث وحديثان".
(٣) الإتقان عند الأقدمين هو الحفظ، أخرج الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص ٢٠٦) والخطيب في "الجامع" (١٠٣٧) والقاضي عياض في "الإلماغ" (٢١٥) عن عبد الرحمن بن مهدي قال: "لا يكون إمامًا في العلم من =
[ ٦٧١ ]
ولْيُذَاكِر بمحْفُوظهِ، فإنَّ المذاكرَة منْ أقْوى الأَسباب (^١).
_________________
(١) = روى عن كل أحد والحفظ: الإتقان" وهذا لما كان العلم في صدور الرجال! قال ابن أبي زيد القيرواني (ت ٣٨٦ هـ) في "النوادر والزيادات" (١/ ٨): "وإن كانت الكتب في آخر الزمان خزائنُ العلوم، فإن مفاتيحَ مغالِقها الصّدورُ، وقد كان العِلمُ في الصدر الأولِ خزائِنُه الصُّدُور، ولم تكنْ كُتبٌ، وصار في آخر الزمان أكثره في الكتب، وأقلُّه في الصدور" واحتفل بهذه العبارة ولم يعزها لقائلها -كعادته- الشاطبي في "الموافقات" (١/ ١٤٠، ١٤٧) فانظره، فإنه مهم. نعم؛ الحفظ للطالب مهم جدا، وأشرفُه نصوصُ الوحي، وأعظمه كلام اللَّه تعالى، وسئل الإمام البخاري: هل من دواء للحفظ؟ فقال: "لا أعلم شيئًا أنفع للحفظ من نَهمة الرجل، ومداومة النظر"، كذا في "هدي الساري" (٤٨٧). وإذا لقح الفهمُ الحفظَ تولد بينهما عجائب وفوائد، والسابلة أن يكون الحفظ في الصغر، والفهم في سن الشباب، والإتقان والتحقيق عند الثبات على ذلك (ومن ثَبَت نَبَتَ). وذكر الذهبي في "السير" (١٢/ ٥٢٣) في ترجمة (عباس بن محمد الدوري) أن الإتقان هو حسن الحديث، وهو تتبع المتون المليحة، وعلو الإسناد ونظافته، وترك رواية الشاذ والمنكر والمنسوخ ونحو ذلك، قال: "فهذه أمور تقضي للمحدث إذا لازمها أن يقال: ما أحسن حديثه".
(٢) أي: من أقوى أسباب الإمتاع به، وهو حياته، وأسند الدارمي (٦١٠) والخطيب في "الجامع" (١٨٢٢) عن إبراهيم النخعي قال: "مَنْ سَرَّه أن يحفظ الحديث فليحدث به، ولو أن يحدث به مَنْ لا يشتهيه" زاد الدارمي: "فإنه يصير عندك كأنه إمام تقرأه"، وفي (مقدمة) "سنن الدارمي" (باب رقم ٥١: مذاكرة العلم) وفيه آثار كثيرة في ضرورة المذاكرة (من رقم ٥٩٩ - ٦٣١)، وينظر "المذاكرة وأهميتها عند المحدثين" للدكتور عواد خلف، وفيه أنواع المذاكرة: مع النفس، وعامة الناس، والأتباع، والأقران، والشيوخ، وختمه بفوائد المذاكرة، وهذه هي:
(٣) اكتشاف الوهم.
(٤) تمييز الصدوق من غيره. =
[ ٦٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٣ - إحياء العلم بممارستها وإماتته بالبُعد عنها.
(٢) تأصيل القواعد في طرق التحمل وصيغ الأداء.
(٣) مذاكرة ساعة أفضل من مطالعة أيام.
(٤) المذاكرة تفيد الطرفين.
(٥) الكشف عن علل الحديث.
(٦) إشغال المجالس والزيارات به.
(٧) اكتشاف الكذابين والوضاعين.
(٨) استفادة ما لم يكن يعلمه.
(٩) المذاكرة عبادة فلا تكره بعد العشاء.
(١٠) رجوع المحدث عما أنكره أنه ليس من حديثه بعد مذاكرته إياه.
(١١) أن يعرف الشخص قدره وقدر غيره.
(١٢) التعرف على الرواة.
(١٣) التعرف على طرق الحديث.
(١٤) معرفة التفرد والمشاركة في طرق الرواية.
(١٥) حفظ الحديث.
(١٦) تهييج الحديث.
(١٧) سبب في التواضع.
(١٨) وأخيرًا، ما أومأ إليه المصنف من الإمتاع بالحديث، وحصول لذة لا يعرفها إلا مَنْ جربها، وهاك الدليل عليه: أسند الخطيب في "الجامع" (٢/ ٢٧٤) إلى الأستاذ ابن العميد قال: "ما كنتُ أظُن أن في الدنيا حلاوة ألذ من الرئاسة والوزارة التي أنا فيها، حتى شاهدتُ مُذَاكرَة سليمان بن أحمدَ الطبراني، وأبي بَكْر الجعَابي بحضرتي، فكان الطبراني يغلب الجعابي بكثرة حفظه، وكان الجعابي يغلبُ الطبراني بفطنته، وذكاء أهل بغداد حتى ارتفعت أصواتهما، ولا يكادُ أحدُهما يغلبُ صاحبه، فقال الجعابي: عندي حديثٌ ليس في الدنيا إلا عندي فقال: هاتِه فقال: حدثنا أبو خليفة حدثنا سليمان بن أيوب -وحدث بالحديث- فقال الطبراني: أنا سليمان بن أيوب، ومني سمع أبو خليفة عني، فخجل الجعابي، وغلبه الطبراني، قال ابن =
[ ٦٧٣ ]
* [التخريج والاشتغال بالتصنيف وفوائده]:
٢٠١ - ثم إذا استعدَّ للتخريج (^١) فليَشْتَغِل به وبالتصنيفِ، فإنَّه كما قال الخطيب:
_________________
(١) = العميد: فوددتُ في مكاني أن الوزارة والرئاسة ليتها لم تكن لي، وكنتُ الطبرانيَّ، وفرحتُ مثل الفرح الذي فرِحَ به الطبرانى لأجلِ الحديث". وأسند (٢/ ٢٧٤) أيضًا إلى ابن المديني قال: "ستَّة كادت تذهب عقولهم عند المذاكرة: يحيى، وعبد الرحمن، ووكيع، وابن عيينة، وأبو داود، وعبد الرزاق، قال علي: من شدة شهوتهم له". وأخيرًا، تعجبني إضافة هنا لابن الملقن في "المقنع" (١/ ٤١٦) قال: "قلت: وليُباحث أهلَ المعرفةِ، فإنه مهم أيضًا". قال أبو عبيدة: تبدأ المباحثة عامّة مع الطلبة والمشتغلين بالعلم، وتنتهي بأعلام أهل الاختصاص، ولو بالمهاتفة أو المراسلة، ومعرفة شأنهم وترتيب أولياتهم، وطريقة بحثهم، مما يساعد في النبوغ المبكر، ويعين على سهولة البحث، والدقة فيه، والاستفادة من الوقت، وهذا ما أشعر -ولله الحمد- ببركته من خلال وقوفي على بعض تدابير شيخنا الألباني -﵀- وطرائق بحثه وتدابيره.
(٢) في "مقدمة ابن الصلاح" (٤٣٣ - ط بنت الشاطئ) و"الإرشاد" (١/ ٥٢٣)، و"المقنع" (١/ ٤١٦) زيادة: "التأليف والتصنيف" ودون "والتأليف" في "المنهل الروي" (١١٠)، وهي عبارة المصنف. والتخريج: إبراز المحدث الأحاديث من بطون الأجزاء والمشيخات والكتب ونحوها، وسياقها من مرويات نفسه، أو بعض شيوخه، أو أقرانه، والكلام عليها، وعزوها لمن رواها من أصحاب الكتب والدواوين، مع بيان البدل والموافقة ونحوهما، وقد يتوسع في إطلاقه على مجرد الإخراج، قاله السخاوي في "فتح المغيث" (٢/ ٣٣٨). قلت: وهذا الصنيع كثير في القرن السابع والثامن، وانقطع -على الحد المذكور بانقطاع مجالس الإملاء- وبقي جمع طرق الأحاديث والحكم عليها وبيان لطائف الإسناد ويكون على طرق وألوان، كما سيأتي في كلام المصنف.
[ ٦٧٤ ]
"يُثبِّت الحفظَ، ويُذَكِّي القَلْبَ، ويَشْحَذُ الطَّبعَ، ويَجيدُ البيانَ، ويكْشِفُ الملتَبِس، ويُكْسِبُ جميلَ الذِّكر، ويُخَلِّدُهُ إلى آخر الدَّهرِ" (^١).
* [طريقة العلماء في التصنيف]:
وللعلماء في تصنيفِ الحديث طريقان:
أجودهما (^٢): أنْ يُخرِّج على أبوابِ الفِقه، وينوِّعه أنواعًا بحسب أحكام كل بابٍ، كما فَعَلَه البخاريُّ ومُسلِمٌ، فَذَكَر مُطلَق كل بابٍ: ما عنده مِن صحيحِ (^٣) وغيرِه كما فعل البيهقيُّ، أو عَلى شَرْطِه كما فَعَلَه البُخاريُّ (^٤).
والثاني: أن يُصنِّفَ على المسانيد، ويجمعُ حديثَ كل صحابيِّ وَحْدَه مما عنده، ثم إن اختارَ أنْ يُرتبهم على حُروف المعجمِ في أسمائهم، أو أن يرتبهم على القبائلِ، فيبدأ ببني هاشم، ثم الأقرب
_________________
(١) الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ٢٨٠)، بتصرف، وعبارة الجعبري في "رسوم التحديث" (٩٨): "وإذا تأهل للتصنيف، انتهز فرصة العمر، فإنه يثبت الحفظ، ويَحِدّ الذهن، ويحقق المزلزل". وتتمة عبارة ابن الصلاح في "المقدمة" (٤٣٣ - ط بنت الشاطئ): "وقلَّ ما يَمْهَرُ في علم الحديث، ويقفُ على غوامضه، ويستبين الخفي من فوائده، إلا من فعل ذلك"، وصدق رحمه اللَّه تعالى.
(٢) عبارة ابن الصلاح (٤٣٤): (إحداهما) زاد ابن الملقن (١/ ٤١٧) عليها: "قلت: وهي الأجود" والمثبت عبارة النووي (١/ ٥٢٤) وتبعه ابن جماعة (١١٠) وتبعهما المصنف.
(٣) غير واضحة في الأصل.
(٤) هذه عبارة ابن جماعة في "المنهل الروي" (١١٠) وتصرف بها المصنف، وعبارة ابن الصلاح والنووي وابن الملقن: "فيذكر في كل باب ما حضره فيه". قلت: الأولى أن يقتصر على ما صحَّ أو حسن، فإن جمع الجميع فَلْيُبين علَّة الضعيف، قاله السيوطي في "تدريب الراوي" (٢/ ١٥٤)، نعم، وأي خير في حديث اختلط صحيحه بواهيه، وأنتَ لا تفلّيه، ولا تبحث عن ناقليه؟!
[ ٦٧٥ ]
فالأقرب نسبًا من رَسُول الله - ﷺ -، و[له] (^١) أنْ يرتِّب على سَوابقِ الصَّحَابة، فيبدأ بالعَشَرة، ثم بأهْل بَدْر، ثم بأهل صُلح الحُدَيبيةِ، ثم بمَنْ أسْلَم وهَاجر بينَ الحديبيةِ وفتح مكة (^٢)، ويختم بأصَاغِر الصَّحابة، كأبي الطفيلْ ونُظَرائه (^٣)، ثم بالنسَاء، فيبدأُ بأمهاتِ المؤمنين عَائِشَةَ، وهذا حَسَن (^٤)، والأول أسْهلُ (^٥).
* [أحسن التصانيف الحديثية]:
ومِنْ أحْسَنِ التَّصانِيفِ (^٦) ما جَمَع في كل حَديثٍ طُرُقَه، واختلافَ روايتهِ (^٧)
_________________
(١) سقطت من الأصل، وهي في كلام ابن الصلاح والنووي وابن الملقن، وعبارة ابن جماعة: "وقد ترتب بالسابقة".
(٢) مثل الخطيب في "الجامع" (١/ ٢٩٣) على هذا الصنف بخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبي هريرة.
(٣) كالسائب بن يزيد وأبي شيبة السوائي، ذكرهم الخطيب في "الجامع" (١/ ٢٩٣) وقال عنهم: "الأصاغر الأسنان الذين رأوا رسول الله - ﷺ - وهم أطفال". قلت: خص مسلم في "الطبقات" (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨/ بتحقيقي) من ولد في حياة النبي - ﷺ - وساق فيه (١٢) نفسًا.
(٤) عبارة ابن الصلاح: "ثم إن من أعلى المراتب في تصنيفه: تصنيفه معللًا، بأن يجمع. . ." ولم يغيرها ابن الملقن في "المقنع" (١/ ٤١٧) فأجاد، وعبارة النووي في "الإرشاد" (١/ ٥٢٥)، "ومن أحسن التصنيف تصنيفه معللًا"! وتبعه ابن جماعة في "المنهل الروي" (١١٠) والمصنف.
(٥) كذا في الأصل! وفي "مقدمة ابن الصلاح" ومختصراتها: "أحسن".
(٦) زاد ابن الصلاح: "وفي ذلك من وجوه الترتيب غير ذلك"، وزاد الجعبري: "أو على الشيوخ والتراجم" انظر "رسوم التحديث" (٩٩).
(٧) كذا في "المنهل الروي" (١١٠) وعند ابن الصلاح والنووي: "الرواة" وعند ابن الملقن: "رواته".
[ ٦٧٦ ]
مُعَلَّلًا (^١)، كما فَعَل يَعقوبُ بن شَيبة في "مسنده" (^٢).
_________________
(١) تصنيف الأحاديث المعلَّلة له طرق أيضًا، كشف عنها ابن رجب، قال أثناء كلامه على علم علل الأحاديث: "وقد صُنفت فيه كتب كثيرة مفردة، بعضها غير مرتبة كالعلل المنقولة عن يحيى القطان وعلي بن المديني وأحمد ويحيى وغيرهم، وبعضها مرتبة؛ ثم منها ما رتب على المسانيد كـ"علل الدارقطني" وكذلك "مسند علي بن المديني" و"مسند يعقوب بن شَيْبَة"، هما في الحقيقة موضوعان لعلل الأحاديث، ومنها ما هو مرتب على الأبواب كـ"علل ابن أبي حاتم" و"العلل" لأبي بكر الخلال وكتاب "العلل" للترمذي أوله مرتب وآخره غير مرتب"، انظر: "شرح علل الترمذي" (٢/ ٨٩٢). وقال فيه أيضًا (١/ ٣٤٥): "وقد صنف ابن المديني ويعقوب بن شَيْبَة مسانيد معللة، وأما الأبواب المعللة فلا نعلم أحدًا سبق الترمذي إليها". قلت: وكلامه الأخير متعقب انظر: "التقييد والإيضاح" للعراقي (٣٨).
(٢) قال الخطيب في "تاريخ بغداد" (١٤/ ٢٨١) في ترجمة (يعقوب بن شيبة): "وصنَّف "مسندًا" معلَّلا إلا أنه لم يتممه، قال الأزهري: ولم يصنف يعقوب "المسند" كله، وسمعت الشيوخ يقولون: لم يتم مسند معلل قط. وبلغني أن يعقوب كان في منزله أربعون لحافًا أعدها لمن كان يبيت عنده من الوراقين لتبييض "المسند" ونقله، ولزمه على ما خرَّج من "المسند" عشرة آلاف دينار، قال: وقيل لي إن نسخة بمسند أبي هريرة شوهدت بمصر فكانت مئتي جزء. قلت: والذي ظهر ليعقوب: مسند العشرة، وابن مسعود وعمار وعتبة بن غزوان والعباس، وبعض الموالي، هذا الذي رأينا من "مسنده" فحسب". قلت: أجمعت كلمة المترجمين والعلماء على عدم إتمام يعقوب لـ"مسنده" وقال الكتاني في "الرسالة المستطرفة" (ص ٦٩) عقب ذكره للمسانيد المذكورة في كلام الخطيب السابق: "وشوهد أيضًا منه بعض أجزاء من "مسند ابن عمر"، يذكر فيه الأحاديث بأسانيدها وعللها، ولو تم لكان في مئتي مجلد"، ورجَّحَ الدكتور علي بن عبد الله الصياح في "الموسوعة العلمية الشاملة عن الإمام الحافظ يعقوب بن شيبة" (٢/ ٥٨٥) أن كلمة (ابن) في كلام الكتاني زائدة من النساخ أو الطباعة، وأدرج د. الصياح القطعة المتبقية =
[ ٦٧٧ ]
وقد يرتب على الشُّيوخ (^١)، فَيُجمعُ حديثُ كل شيخِ على انفرادِه، كسفيان، وشعبة، ومالك، وحماد بن زيد، وابن عُيينة.
قال عُثمان بن سَعيد الدَّارمي: يُقال: مَنْ لَم يَجْمَع حديثَ هؤلاءِ الخمسةِ فَهو مُفْلِسٌ في الحديث، وهم أصُول الدِّين (^٢).
ويَجمَعُون التراجمَ كمالكٍ، عن نَافعٍ، عن ابنِ عمر.
وهِشَام بن عُروة، عن أبيه، عن عَائِشة.
وسُهيل، عن أبيه، عن أبي هُريرة.
ويَجمعونَ الأبوابَ كبابِ رُؤيةِ اللهِ تعالى (^٣)، وبابِ رَفعِ اليَدين في الصلاة (^٤)،
_________________
(١) = (الجزء العاشر من مسند عمر بن الخطاب) من هذا "المسند" في هذه "الموسوعة" (٢/ ٦٣١ - ٧٣١) ثم أردفه بملحق فيه الأحاديث التي تكلم عليها يعقوب ثم ملحق بالرجال الذين تكلم عليهم يعقوب، وكانت هذه القطعة من "المسند" قد طبعت بتحقيق!! سامي حداد! في بيروت سنة ١٩٤٠ م.
(٢) هذا غير جمع الراوي شيوخ نفسه كالطبراني في "الأوسط" وابن الأعرابي في "معجمه"، وانظر "فتح المغيث" (٢/ ٣٤٤)، ولبعض زملائنا دراسة مستقلّة في "المعجمات والأثبات"، وهي أطروحته للدكتوراه، لم تنشر، جمع فيها أسماء المصنفات في هذا الباب.
(٣) أخرجه الخطيب في "الجامع" (رقم ١٩٠٧). وانظر في ضرورة جمع حديث الأربعة المذكورين مع الأوزاعي في (تقدمة) "الجرح والتعديل" (١٠ - ١١).
(٤) جمع أحاديث الرؤية غير واحد من المحدثين، مثل: الدارقطني والبيهقي والآجري والطبراني وابن الأعرابي والكناني وأبي شامة المقدسي وابن حجر وابن الوزير والشوكاني في جماعة آخرين، انظر: "معجم الموضوعات المطروقة" (١/ ٥٨١).
(٥) جمع أحاديث هذا الباب غير واحد، على رأسهم الإمام البخاري والسبكي وابن القيم، انظر "معجم الموضوعات المطروقة" (١/ ٥٦٣ - ٥٦٤).
[ ٦٧٨ ]
وباب القراءة خَلْفَ الإمامِ (^١).
* [التعريف بآداب التأليف]:
ثم يَحترزُ انْ يُخرجَ تَصنيفَه إلى النَّاسِ مِنْ غَير تَهذِيبهِ وتَحريرهِ، وإعادةِ النَّظرِ فيه، وتَكْرِيرهِ (^٢).
_________________
(١) ألَّف في هذا الباب جمع، وجمع أحاديثه البخاري والبيهقي والسبكي واللكنوي، في آخرين كتبهم مطبوعة. ويفردون أيضًا أحاديث يجمعون طرقها في كتب مفردة، ولصديقنا يوسف العتيق كتاب مطبوع بعنوان: "التعريف بما أفرد من الأحاديث بالتصنيف".
(٢) أسند الخطيب في "الجامع" (٢/ ٢٨٣) عن هلال بن العلاء قال: "يُستدَلُّ على عقل الرجل بعد موته بكتب صنّفها، وشِعر قاله، وكتاب أنشأه" وأسند عقبه عن العتابي قوله: "من صنع كتابًا فقد استشرف للمدح والذم، فإنْ أحسن فقد استُهْدِف للحسد والغيبة، وإنْ أساء فقد تعرّض للشتم، واستُقذِف بكل لسان" وقال أيضًا (٢/ ٢٨٠): "وقَل ما يتَمهَر في علم الحديث ويقف على غوامضه ويستنير الخفي من فوائده إلا من جمع مُتفرِّقه، وألف متشتته، وضمَّ بعضه إلى بعض، واشتغل بتصنيف أبوابه، وترتيب أصنافه، فإن ذلك الفعل مما يقوي النفس ويثبت الحفظ، وأنشده: يموت قوم فيحيى العلمُ ذكرهَمُ … والجهلُ يُلحِق أحياءً بأموات" وقد أنكر قوم التصنيف، ورد عليهم ابن جماعة بقوله: "ولا وجه لهذا الإنكار إلا التنافس بين أهل الأعصار وإلا فمن إذا تصرَّف في مِدادِهِ وورقِهِ بكتابةِ ما شاء من أَشعارٍ أو حكايات مُباحةٍ، أو غيرِ ذلك، لا يُنْكَرُ عليْهِ، فلمَ إذا تصرَّف فيه بتَسْويدِ ما يُنْتفع به من عُلومِ الشَّريعةِ يُنكرُ ويُستهجنُ. أما مَنْ لا يتأهَّلُ لذلك فالإنكارُ عليه مُتَجِهٌ لما يَتضمَّنُه من الجهْلِ، وتغرير مَن يقفُ على ذلك التصنيفِ بهِ، ولكونه يُضيِّعُ زمانَه فيه لم يُتْقِنْه، ويدعُ الإِتقانَ الذي هو أحْرَى به منه". وقال صديق حسن في "أبجد العلوم" (ص ١٩٤ - ١٩٥): "ومن الناس من ينكر التصنيف في هذا الزمان مطلقًا، ولا وجه لإنكاره =
[ ٦٧٩ ]
ولْيَحذَرِ مِنَ التَّصنيفِ ما لم يَتأهَّلْ لَه، ويَنبغي أن يكونَ تَصنيفُه بعباراتٍ واضحةٍ واصطلاحاتٍ سَهْلةٍ مُبيِّنةٍ (^١).
_________________
(١) = من أهله، وإنما يحمله عليه التنافس والحسد الجاري بين أهل الأعصار، ولله در القائل في نظمه: قل لمن لا يرى المعاصر شيئًا … ويرى للأوائل التقديما إن ذلك القديم كان حديثًا … وسيبقى هذا الحديث قديما ثم قال: فلا تغتر بقول القائل: "ما ترك الأول للآخر" بل القول الصحيح: "كم ترك الأول للآخر"، فإنما يستجاد الشيء ويسترذل لجودته ورداءته في ذاته لا لقدمه وحدوثه، ويقال ليس كلمة أضر بالعلم من قولهم: "ما ترك الأول شيئًا". نعم، من الضرورة مراعاة التهذيب والتحرير وترداد النظر في الكتاب؛ وفائدة ذلك تصحيح وهم وقع، أو إضافة ما يفيد، أو تغيير ترتيبه إلى الأحسن". ورحم اللَّه القاضي عبد الرحيم البيساني القائل: "إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه، إلا قال في غده: لو غُيِّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قُدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، هذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر" نقله الزبيدي في (ديباجة) "إتحاف السادة المتقين" (١/ ٣).
(٢) ظفرت بكلمة جامعة للغزي في "الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد" (ص ٢٨٣ - ٢٨٤) فيما ينبغي على المصنف أن يراعيه، قال: "يَنبغي لمن كَمُلَتْ أهليتْه وَتَمَّتْ فَضليتُه أنْ يَعتَنيَ بالتَّصنيف، ويجدَّ في الجمعِ والتأليفِ مُحققًا كُل ما يَذْكُره، مُتثبِّتًا في نَقْلهِ واستِنباطهِ، مُتحرّيًا إيضاحَ العبارةِ وإيجازَها، ولا يُوضِحُ إيضَاحًا يَنْتهي إلى الرَّكاكَة، ولا يُوجِزُ إيجازًا يَنْتهي إلى المَحْقِ والاسْتغلاقِ، ولا يُطول تَطويلا يُؤدي إلى المَلالةِ، مُجتنبًا الأدِلةَ الضعيفةَ والتَعليلاتِ الواهيةَ، مُبَينًا للمُشْكلاتِ، مُجيبًا عن التعقباتِ، مُستَوْعبًا مُعْظَمَ أَحْكامِ ذلك الفن، غَيْرَ مُخل بشيء مِن أصولِهِ، مُنبِّهًا على القواعِدِ والنَّوادِرِ، فبذلك تظْهَرُ له حقائِقُ العلمِ ودقائِقُه، وتنكشفُ له المشكلاتُ، ويَطَّلعُ على إِيضاحِ الغَوامضِ وحَل المُعضلاتِ، ويثبتُ عنده العلمُ، ويرسخُ =
[ ٦٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مَعه؛ لأنَّ ذلك يضطرُّه إلى كثرةِ التَّفْتيشِ والمُطالعةِ، والتَّنقيبِ والمراجَعةِ، والاطِّلاعِ على مَذاهبِ العُلماء، ومختلفِ كَلامِ الأئمةِ ومُتَّفِقِهِ وواضِحهِ من مُشْكَلِهِ، وصحيحهِ من ضَعيفهِ، ورَاجحهِ من مَرجوحهِ، وجَزْلهِ مِن رَكِيْكهِ، ومَا لا اعْتِرَاضَ عليهِ مِن غَيرهِ، وبه يتَّصف المحقِّقُ بصفة المُجتهدين، ويرتفِعُ عنِ الجمودِ على محضِ التقليدِ". وقوله: "وينبغي. . ." إلخ من زيادات النووي في "الإرشاد" (١/ ٥٢٨) وصرح بذلك -على غير عادته-. ابن الملقن في "المقنع" (١/ ٤١٨)، ونقلها شيخ المصنف ابن جماعة في "المنهل الروي" (١١٠).
[ ٦٨١ ]