[ ٥٢٤ ]
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَقَدِيُّ، ثَنَا أَبُو مُعَاذٍ مَوْلًى لِقُرَيْشٍ، ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «لَا بَأْسَ أَنْ يُقَوَّمَ اللَّحْنُ فِي الْحَدِيثِ»
[ ٥٢٤ ]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْمَوِيهِ، ثَنَا أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ، يَقُولُ: «أَعْرِبُوا الْحَدِيثَ فَإِنَّ الْقَوْمَ كَانُوا عُرُبًا»
[ ٥٢٤ ]
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامٌ، ثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ: «لَا بَأْسَ بِإِصْلَاحِ اللَّحْنِ فِي الْحَدِيثِ»
[ ٥٢٤ ]
حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، ثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، قَالَ: قَالَ لِي عَفَّانُ، قَالَ لَنَا هَمَّامٌ: «مَا سَمِعْتُمْ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ ⦗٥٢٥⦘ فَأَعْرِبُوهُ، فَإِنَّ قَتَادَةَ كَانَ لَا يَلْحَنُ»
[ ٥٢٤ ]
ثُمَّ قَالَ لَنَا عَفَّانُ: قَالَ لَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: «مَنْ لَحَنَ فِي حَدِيثِي فَلَيْسَ يُحَدِّثُ عَنِّي»
[ ٥٢٥ ]
حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ مَرَّ بِنَا حَاجًّا، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيِّ، قَالَ: «مَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابِي، عَنْ عَفَّانَ لَحْنًا فَعَرِّبُوهُ، فَإِنَّ عَفَّانَ كَانَ لَا يَلْحَنُ» وَقَالَ لَنَا عَفَّانُ: «مَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابِي، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ لَحْنًا فَعَرِّبُوهُ، فَإِنَّ حَمَّادًا كَانَ لَا يَلْحَنُ» وَقَالَ حَمَّادٌ: «مَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابِي عَنْ قَتَادَةَ لَحْنًا فَعَرِّبُوهُ، فَإِنَّ قَتَادَةَ كَانَ لَا يَلْحَنُ»
[ ٥٢٥ ]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ إِدْرِيسَ قَالَ: قَرَأَ عَلَيَّ دَاوُدُ الطَّائِيُّ، فَلَحَنَ فِي حَرْفٍ فَأَخْبَرْتُ بِهِ الْقَاسِمَ بْنَ مَعْنٍ، فَنَمَاهُ إِلَيْهِ، فَلَقِيَنِي فَقَالَ: «مَا دَعَاكَ إِلَى أَنْ حَكَيْتَ هَذَا الْحَرْفَ»
[ ٥٢٥ ]
حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ السَّرَّاجُ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ الْبَصْرِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ الْبَاهِلِيُّ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: " كُنَّا عِنْدَ أَيُّوبَ، فَحَدَّثَنَا فَلَحَنَ، وَعِنْدَهُ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ الْخَلِيلُ، فَقَالَ أَيُّوبُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ "
[ ٥٢٥ ]
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ الضَّبِّيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَلْمٍ الطَّائِفِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتَ الْحَدِيثَ فِيهِ اللَّحْنُ وَالْخَطَأُ، فَلَا تُحَدِّثْ إِلَّا بِالصَّوَابِ، إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَلْحَنُونَ»
[ ٥٢٦ ]
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْغَزَّاءُ، ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمَيْمُونِيُّ، مِنْ وَلَدِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: «رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُغَيِّرُ اللَّحْنَ فِي كِتَابِهِ»
[ ٥٢٦ ]
حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ بُهْلُولٍ، قَالَ: " سَأَلْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيَّ عَنِ الرَّجُلِ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ مَلْحُونًا أَيُعْرِبُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ "
[ ٥٢٦ ]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَعْدَانَ، ثَنَا مَذْكُورُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَفَّانَ بْنَ مُسْلِمٍ قَالَ: «قَدِمْنَا الْكُوفَةَ، فَأَقَمْنَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَمَا رَأَيْنَا بِالْكُوفَةِ لَحْنًا مُجَوَّزًا»
[ ٥٢٦ ]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْأَخْنَسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَعْرَبَ مِنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَسْأَلُهُ» ⦗٥٢٧⦘ قَالَ الْقَاضِي: أَمَّا تَغْيِيرُ اللَّحْنِ فَوُجُوبِهِ ظَاهَرٌ، لِأَنَّ مِنَ اللَّحْنِ مَا يُزِيلُ الْمَعْنَى وَيُغَيِّرُهُ عَنْ طَرِيقِ حُكْمِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ لَا يَضْبِطُونَ الْإِعْرَابَ وَلَا يُحْسِنُونَهُ، وَرُبَّمَا حَرَّفُوا الْكَلَامَ عَنْ وَجْهِهِ، وَوَضَعُوا الْخِطَابَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ مَنْ أَخَذَ عَنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ أَنْ يَحْكِيَ أَلْفَاظَهُمْ إِذَا عَرَفَ وَجْهَ الصَّوَابِ، إِذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْحَدِيثِ مَعْلُومًا ظَاهِرًا، وَلَفْظُ الْعَرَبِ بِهِ مَعْرُوفًا فَاشِيًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحَدِّثَ، إِذَا قَالَ: «لَا يَؤُمُّ الْمُسَافِرَ الْمُقِيمُ» فَنَصَبَ الْمُسَافِرَ وَرَفَعَ الْمُقِيمَ، وَكَذَلِكَ: «لَا يَؤُمُّ الْمُقَيَّدَ الْمُطْلَقُ» فَنَصَبَ الْمُقَيَّدَ وَرَفَعَ الْمُطْلَقَ كَانَ قَدْ أَحَالَ وَكُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى عَبْدَانَ يَوْمًا وَهُوَ يُحَدِّثُنَا، وَأَبُو الْعَبَّاسِ سُرَيْجٌ حَاضِرٌ، فَقَالَ عَبْدَانُ: مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يَجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَفَتَحَ الْيَاءَ مِنْ قَوْلِهِ «يُجِبْ»، فَقَالَ لَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَقُولَ: يُجِبْ يَعْنِي بِضَمِّ الْيَاءِ فَأَبَى عَبْدَانُ أَنْ يَقُولَ، وَعَجِبَ مِنْ صَوَابِ ابْنِ سُرَيْجٍ، كَمَا عَجِبَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ خَطَئِهِ فَهَذَا وَنَحْوُهُ يُزِيلُ الْمَعْنَى، فَلَا يَعْتَدُّ بِأَلْفَاظِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى كَرَاهِيَّتِهِمْ لِلْإِعْرَابِ وَذَمِّهِمْ لِأَهْلِهِ
[ ٥٢٦ ]
وَإِنِّي سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ مُوسَى، يَقُولُ: سَمِعْتُ بُنْدَارًا، يَقُولُ: «مَنْ ⦗٥٢٨⦘ أَعْرَبَ لَمْ يَنْبَلْ» وَسَمِعْتُ مَنْ يَحْكِي نَحْوًا مِنْ هَذَا، عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَيَذْكُرُونَ، أَنَّ ابْنَ وَارَةَ اسْتَأْذَنَ عَلَى أَبِي كُرَيْبٍ، فَقَالَ: نَحْنُ طُلَّابُ النَّهَارِ، سَهْلُ اللَّيْلِ، صَيَارِفَةُ الْعِلْمِ فَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَاللَّهِ لَا حَدَّثْتُكَ وَأَنَا أَعْرِفُكَ
[ ٥٢٧ ]
وَحَدَّثَنِي ابْنُ الْبُرِّيِّ، ثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحُمَيْدِيَّ، وَسَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ، يَقُولَانِ: قَدِمَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ فَجَعَلَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، وَقَالَ سَلَمَةُ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: «كُنَّا نُرِيدُ أَنْ نَرُدَّ نَافِعًا عَنِ اللَّحْنِ فَلَا يَرْجِعُ»
[ ٥٢٨ ]
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، ثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ، ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ بَعْضِ الْمَشْيَخَةَ،: " أَنَّ رَجُلًا أَتَى مَنْزِلَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: أَهَاهُنَا أَبَا عِمْرَانَ؟ فَسَكَتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ: أَهَاهُنَا أَبِي عِمْرَانَ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: قُلِ الثَّالِثَةَ وَادْخُلْ " وَمِنَ اللَّحْنِ مَا يُسْتَقْبَحُ، وَلَا يُزِيلُ الْمَعْنَى، كَقَوْلِ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ: لَبَّيْكَ بِحَجَّةً وَعُمْرَةً مَعًا بِنَصْبِهِمَا وَمِنْهُ مَا جَاءَتْ بِهِ أَلْفَاظُهُمْ عَلَى غَيْرِ هَيْئَةِ كَلَامِ الْعَرَبِ، كَقَوْلِهِمْ: نَهَى عَنِ الْإِقْرَانِ وَأَحْرَمَهُ الْعَطَاءَ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ ⦗٥٢٩⦘ وَمِنْهُ مَا جَاءَ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ، عَنِ ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]، فَقَالَ: «الصَّائِمُونَ» كَأَنَّ تَقْدِيرُهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]، يَحْكِي اللَّفْظَ فِي التَّنْزِيلِ
[ ٥٢٨ ]
حَدَّثَنَا أَبِي، ثَنَا عَمْرُو بْنُ مَخْلَدٍ التَّيْمِيُّ، ثَنَا عَاصِمُ بْنُ هِلَالٍ الْبَارِقِيُّ، ثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَعَلَّمُوا الزَّهْرَاوَانِ؛ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ»
[ ٥٢٩ ]
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو خَلِيفَةَ، عَلَى هَذَا اللَّفْظِ أَيْضًا قَالَ: ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَافِعًا لِأَصْحَابِهِ، وَعَلَيْكُمْ بِالزَّهْرَاوَانِ: الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ " وَأَمَّا إِصَابَةُ الْمَعْنَى بِتَغْيِيرِ اللَّفْظِ فَأَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ نَقَلَةِ الْأَخْبَارِ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى اتِّبَاعَ اللَّفْظِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَجَوَّزْ ⦗٥٣٠⦘ فِي ذَلِكَ إِذَا أَصَابَ الْمَعْنَى، وَكَذَلِكَ سَبِيلُ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَعْتَمِدُ الْمَعْنَى، وَلَا يَعْتَدُّ بِاللَّفْظِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُشَدِّدُ فِي ذَلِكَ وَلَا يُفَارِقُ اللَّفْظَ وَقَدْ دَلَّ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي صِفَةِ الْمُحَدِّثِ مَعَ رِعَايَةِ اتِّبَاعِ اللَّفْظِ عَلَى أَنَّهُ يَسُوغُ لِلْمُحَدِّثِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، إِذَا كَانَ عَالِمًا بِلُغَاتِ الْعَرَبِ وَوُجُوهِ خِطَابِهَا، بَصِيرًا بِالْمَعَانِي وَالْفِقْهِ، عَالِمًا بِمَا يُحِيلُ الْمَعْنَى وَمَا لَا يُحِيلُهُ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ جَازَ لَهُ نَقْلُ اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ يَحْتَرِزُ بِالْفَهْمِ عَنْ تَغْييرِ الْمَعَانِي وَإِزَالَةِ أَحْكَامِهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ أَدَاءُ اللَّفْظِ لَهُ لَازِمًا، وَالْعُدُولُ عَنْ هَيْئَةِ مَا يَسْمَعُهُ عَلَيْهِ مَحْظُورًا، وَإِلَى هَذَا رَأَيْتُ الْفُقَهَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْهَبُونَ وَمِنَ الْحُجَّةِ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَصَّ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ قَصَصًا، كَرَّرَ ذِكْرَ بَعْضِهَا فِي مَوَاضِعَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَنَقَلَهَا مِنْ أَلْسِنَتِهِمْ إِلَى اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لَهَا فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالْحَذْفِ وَالْإِلْغَاءِ، وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ حُكِيَتْ هَذِهِ الْحُجَّةَ بِعَيْنِهَا عَنِ الْحَسَنِ
[ ٥٢٩ ]
حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَدِيسَ شَيْخٌ لَنَا، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ مَسْعَدَةَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ رَامَهُرْمُزَ قَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ قَاضِي الْأَهْوَازِ فِي شَيْءٍ جَرَى بَيْنِي وَبَيْنَهُ: " ثَلَاثَةٌ يُشَدِّدُونَ فِي الْحُرُوفِ ⦗٥٣١⦘، وَثَلَاثَةٌ يُرَخِّصُونَ فِيهَا، فَمِمَّنْ رَخَّصَ فِيهَا الْحَسَنُ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: يَحْكِي اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْقُرُونِ السَّالِفَةِ بِغَيْرِ لُغَاتِهَا، أَفَكَذَبَ هُوَ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ مُتَّكِئًا، فَاسْتَوَى جَالِسًا، ثُمَّ أَخَذَ بِمَجَامِعِ كَفِّهِ، وَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا أَحْسَنَ الْحَسَنُ جِدًّا "
[ ٥٣٠ ]
وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى: «لَقِيتُ عِدَّةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ فِي اللَّفْظِ، وَاجْتَمَعُوا فِي الْمَعْنَى» وَمِنَ الْحُجَّةِ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى اتِّبَاعِ اللَّفْظِ، قَوْلُهُ ﷺ: «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا كَمَا سَمِعَهَا» أَوْ قَالَ: «فَوَعَاهَا ثُمَّ أَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» وَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْهُ، ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ عِنْدَ مَضْجَعِهِ فِي دُعَاءٍ عَلَّمَهُ: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» قَالُوا: أَفَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُسَوِّغْ لِمَنْ عَلَّمَهُ الدُّعَاءَ مُخَالَفَةَ اللَّفْظِ، وَقَالَ: «فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» فَقِيلَ لَهُمْ: أَمَّا قَوْلُهُ: «فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» فَالْمُرَادُ مِنْهُ حُكْمُهَا لَا لَفْظُهَا، لِأَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِهِ، وَيَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْخِطَابِ حُكْمُهُ، قَوْلُهُ
[ ٥٣١ ]
: «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» وَأَمَّا رَدُّهُ ﵇ الرَّجُلَ مِنْ قَوْلِهِ: «بِرَسُولِكَ» إِلَى قَوْلِهِ: «وَبِنَبِيِّكَ» فَإِنَّ النَّبِيَّ أَمْدَحُ، وَلِكُلِّ نَعْتٍ مِنْ هَذَيْنِ النَّعْتَيْنِ مَوْضِعٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ اسْمَ الرَّسُولَ يَقَعُ عَلَى الْكَافَّةِ، وَاسْمُ النَّبِيِّ لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ ﵈ وَإِنَّمَا فُضِّلَ الْمُرْسَلُونَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لِأَنَّهُمْ جَمَعُوا النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ جَمِيعًا، فَلَمَّا قَالَ: «وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» جَاءَ بِالنَّعْتِ الْأَمْدَحِ وَقَيَّدَهُ بِالرِّسَالَةِ بِقَوْلِهِ: «الَّذِي أَرْسَلْتَ» وَبَيَانٌ آخَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ هُوَ الْمُعَلِّمُ لِلرَّجُلِ الدُّعَاءَ، وَإِنَّمَا الْقَوْلُ فِي اتِّبَاعِ اللَّفْظِ، إِذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ حَاكِيًا لِكَلَامِ غَيْرِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَقَلَ الرَّجُلَ مِنْ قَوْلِهِ: «وَبِرَسُولِكَ»، إِلَى قَوْلِهِ: «وَبِنَبِيِّكَ»، لَيَجْمَعَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَمُسْتَقْبَحٌ فِي الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا رَسُولُ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ، وَهَذَا قَتِيلُ زَيْدٍ الَّذِي قَتَلَهُ، لِأَنَّكَ تَجْتَزِئُ بِقَوْلِكَ رَسُولَ فُلَانٍ وَقَتِيلَ فُلَانٍ، عَنْ إِعَادَةِ اسْمِ الْمُرْسَلِ وَالْقَاتِلِ، إِذَا كُنْتَ لَا تُفِيدُ بِهِ إِلَّا الْمَعْنَى الْأَوَّلَ، وَإِنَّمَا يُحْسُنُ أَنْ تَقُولَ: هَذَا رَسُولُ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى عَمْرٍو، وَهَذَا قَتِيلُ زَيْدٍ الَّذِي قَتَلَهُ بِالْأَمْسِ أَوْ فِي وَقْعَةِ كَذَا، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ
[ ٥٣٢ ]