الحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، فبعد هذه الرحلة التاريخية العلمية في فصول ومشاهد هذه المحنة العظيمة، والنظر في آثارها الوخيمة، والاستفادة من دروسها المفيدة، وقبل وضع القلم، وطي القرطاس أقيد أهم النتائج:
١ - خطورة أمر المحن، وشدة أثرها على العلماء والأئمة، بله العامة والدهماء.
٢ - ما لولي الأمر والحاكم من أثر على رعيته بصلاحه أو فساده، وكما قال عثمان ﵁: «ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن» (١).
٣ - الأثر الواضح للبطانة، وغيبة النصح علي ولي الأمر في الخير والشر.
٤ - أن أهل البدع لا يرقبون في السنة وأهلها وعلمائها إلّا ولا ذمة، وإنما يتربصون بهم الدوائر والبلاء والمحن.
_________________
(١) أخرجه: ابن عبد البر في التمهيد (١/ ١١٨)، وبنحوه عن عمر أخرجه: الخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ١٠٧)، ولا يصح عن عمر ﵁.
[ ١٠٧ ]
٥ - أن نظر الأئمة اختلف واجتهادهم تعدد في هذه المحنة، فهم - ﵏ - بين الأجرين والأجر، فالعذر لهم قائم، والعتب عنهم مرفوع، واللوم إليهم غير متجه.
٦ - أن الموقف الخاص للإمام أحمد من بعض الأئمة الذين أسرعوا إلى الإجابة له ما يبرره، فليس هناك من شك أنه ﵀ أبعدهم عن لوم أو عتب، فضلًا عن مصادرة رأيه أو تخطئته في موقفه.
٧ - أن الإمام لم يكن نظره إلى المحنة ومواقف الأئمة فيها واحدًا، فمنهم من عذره، وآخرين لامهم وعذلهم، وطائفة ثالثة لم يحفظ للإمام فيهم موقف.
٨ - أن أصعب الأئمة موقفًا وأشدهم إشكالًا وأشق مواقفهم تفسيرًا موقف الإمام الحافظ الحجة علي بن المديني ﵀.
٩ - من خلال ما سبق تبين أن موقف الإمام من الذين أجابوا لم يكن ذلك الموقف الذي ترتب عليه إسقاط العدالة، أو الكلام في حديث الراوي ومروياته، وإنما هو موقف عزيمة خاص، أراد به الإمام سد الذريعة أمام الابتداع، وإيصاد الباب تجاه الفتن، والتربية على قوة العزائم، وأخذ الأمر بالقوة في الحق.
١٠ - من تأمل ألفاظ الإمام ﵀ التي أطلقها في ظروف المحنة يجد أنها ليست ألفاظًا اصطلاحية داخلة في مراتب
[ ١٠٨ ]
الجرح والتعديل المتقررة عند أهل الفن؛ بدليل أنه قرن ببعضها ألفاظًا صريحة في أحدى المرتبتين، إما جرحًا أو تعديلًا.
١١ - أن للمحن من بساط الحال، وشدة التأثير، وكثرة العوامل، وعظيم الالتباس ما يحتم على المسلم - لا سيما طالب العلم - الفزع إلى ربه، واللجوء إلى مولاه أن يعيذه من ظاهرها وباطنها، وأن يقيه بالتقوى، ويعصمه بالطاعة، ويحفظه بالاستقامة.
١٢ - علو قدر الأئمة وعظيم منزلتهم في الإسلام.
١٣ - المكانة السنية والدرجة العلية لإمامهم؛ إمام أهل السنة والجماعة بلا منازع، ومقدمهم بلا مدافع أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵀.
١٤ - أن الله تعالى قد طوى في هذه المحنة منحًا عظيمة، ومننًا جسيمة للأمة جميعًا، وللإمام أحمد خصوصًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وهو ذو الفضل العظيم.
اللهم أعذنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، واحفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، اللهم ارحم علماءنا وأئمتنا، وأجزهم عنا خير الجزاء وأوفاه.
والله تعالى أعلم
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
[ ١٠٩ ]