١٣١٤ - أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي ﵀ (١): حُكْم الله جل ثناؤه، ثمَّ حكم رسول الله - ﷺ -، ثمَّ حكم المسلمين: دليل على أنَّه لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكمًا أو مفتيًا، أن يحكم ولا أن يفتي، إلا من جهةِ خبرِ لازمٍ، وذلك الكتابُ ثمَّ السنةُ، أو ما قاله أهل العلم لا يختلفون فيه، أو قياسٌ على بعض هؤلاء، ولا يجوز له أن يحكم ولا يفتي بالاستحسان، وذَكَر فيما احتج به قولَ الله ﷿: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، فلم يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علمتُ أن السُّدَى: الذي لا يُؤمر ولا يُنهى، ومن أفتى أو حكم بما لم يؤمر به، فقد أجاز لنفسه أن يكون في معاني السُّدَى، وقد أعلمه الله ﷿ أنَّه لم يتركه سُدى، ورأى أن قال: أقول ما شئت.
ولو جاز تعطيل القياس، جاز لأهل العقول من غير أهل العلم أن يقولوا فيما ليس فيه خبر بما يحضرهم من الاستحسان (٢).
١٣١٥ - أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق المزكي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا
_________________
(١) في "الأم" ٧: ٣١٣.
(٢) هذه الفقرة من "الرسالة" (١٤٥٨).
[ ٢ / ٦٠٦ ]
عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿سُدًى﴾ قال: هَمَلًا (١).
١٣١٦ - وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن السقا، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن بُطَّة، حدثنا عبد الله بن محمد بن زكريا الأصبهاني، حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] قال: لا يؤمر، ولا ينهى.
واحتج الشافعي (٢) أيضًا بما:
١٣١٧ - أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة، من أولاد النعمان بن بشير الأنصاري، أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسن بن الحسين بن منصور، حدثنا محمد بن يحيى بن سليمان، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا شعبة، عن أبي عون الثقفي، عن الحارث بن عمر وابن أخي المغيرة بن شعبة، عن رجال من أهل حمص من أصحاب معاذ، عن معاذ: أن النبي - ﷺ - لما بعثه إلى اليمن قال: "كيف تقضي إذا عَرَض القضاء؟ " قال: قلت: أقضي بما في كتاب الله تعالى قال: "فإن لم يكن في كتاب الله؟ " قال: قلت: فبسنة رسول الله - ﷺ - قال: "فإن لم يكن في سنة رسول الله - ﷺ -؟ " قال: قلت: أجتهد رأيي لا آلو قال: فضرب صدري بيده وقال: "الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله - ﷺ - لما يُرضي
_________________
(١) "صحيفة علي بن أبي طلحة" ٥٠٩ (١٣٤٥).
(٢) في "الأم" ٧: ٣١٥.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
رسول الله - ﷺ -" (١).
١٣١٨ - أخبرنا أبو سعيد يحيى بن محمد بن يحيى الحاكم الإسفرايني، أخبرنا أبو بحر محمد بن الحسن بن كوثر البربهاري، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا الشيباني، عن الشعبي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى شريح: إذا حضرك أمر لابدَّ منه فانظر ما في كتاب الله فاقضِ به، فإن لم يكن فبما قضى به الرسول - ﷺ -، فإن لم يكن فبما قضى به الصالحون وأئمة العدل، فإن لم يكن، فأنت بالخيار، فإن شئتَ أن تجتهد رأيك فاجتهد، وإن شئت أن تؤامرني فآمِرْني، ولا أرى مؤامرتك إياي إلا خيرًا لك، والسلام.
١٣١٩ - وأخبرنا أبو نصر ابن قتادة، أخبرنا أبو محمد أحمد بن إسحاق البغدادي الهروي، أخبرنا معاذ بن نجدة، حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا سفيان - هو الثوري -، عن سليمان، عن الشعبي، عن شريح قال: كتب إليَّ عمر - ﵁ - أنِ اقض بما في كتاب الله، فذكر الحديث بمعناه، إلا أنَّه لم يذكر أئمة العدل، وقال في آخره: فأنت بين أمرين: إن شئت أن تَقَدَّم، وإن شئت أن تَأَخر، وأرى أن تتأخر خيرٌ لك، والسلام.
١٣٢٠ - أخبرنا أبو سعيد الحاكم، أخبرنا أبو بحر البربهاري، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: أكثر الناس على عبد الله
_________________
(١) تقدم الحديث برقم (٩١٦)، وتقدم تخريجه.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
ابن مسعود يسألونه فقال:
يا أيها الناس، إنه قد أتى علينا زمان لسنا نقضي، ولسنا هناك، وإنه قدِّر لنا أنْ بلغْنا من الأمر ما ترون، فمن ابتلي منكم بقضاء فليقضِ بما في كتاب الله ﷿، فإن لم يكن في كتاب الله، فليقض بما قضى به رسول الله - ﷺ -، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في قضاء رسول الله - ﷺ -، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في قضاء رسول الله - ﷺ - ولا فيما قضى به الصالحون فليجتهد رأيه، ولا يقولن أحدكم: إني أخاف، وإني أرى، فإن الحلال بيّن، والحرام بيّن، وشبهاتٌ بين ذلك، ودع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك (١).
١٣٢١ - وأخبرنا أبو سعيد الحاكم، أخبرنا أبو بحر البربهاري، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، عن المسعودي، عن القاسم قال: قال عبد الله بن مسعود: إذا حضرك أمر لابد منه، فاقضِ بما في كتاب الله، فإن عَييت، فبما قضى به الرسول - ﷺ -، فإن عييت، فبما قضى به أئمة العدل، فإن عييت فأُمَّ - يعني: الحقَّ - ولا تأْلُ، فإن عييتَ، فأَقْرِرْ ولا تستحي.
١٣٢٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي، حدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا يحيى بن عبد الله،
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢٣٤٤٤).
[ ٢ / ٦٠٩ ]
حدثنا الأوزاعي، حدثني عبدة بن أبي لبابة (١)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: من أحدث رأيًا ليس في كتاب الله، ولم تمض به سنة من رسول الله ﷺ، لم يدرِ على ما هو فيه إذا لقي الله ﷿.
١٣٢٣ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، وأبو سعيد ابن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن عبيد الله المنادي، حدثنا شبابة، حدثنا هشام بن الغازِ، عن نافع، عن ابن عمر قال: كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنةً (٢).
١٣٢٤ - أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق المزكي، أخبرنا أحمد بن محمد بن عبدوس، حدثنا عثمان بن سعيد قال: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد الله بن جعفر المَخْرَمي (٣)، عن سعد بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فأمره ردٌّ".
أخرجاه في "الصحيح" كما مضى (٤).
_________________
(١) هنا انتهى السقط من ب الذي بدأ أول الخبر (١٣١٢).
(٢) وانظر ما يأتي من كلام الإمام الشافعي برقم (١٣٨٦).
(٣) على حاشية ب: "قال شيخنا: هو من ولد المِسْور بن مَخْرَمة".
(٤) في طرق الحديث (٩٤٨)، والحديث علقه البخاري (بعد ٢٦٩٧) على المَخْرَمي بعد ما رواه موصولًا من وجه آخر، وأخرجه مسلم ٣: ١٣٤٣ (١٨) من طريق عبد الله بن جعفر، به.
[ ٢ / ٦١٠ ]
١٣٢٥ - أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي في كتاب الإقرار بالحكم الظاهر (١)، فذكر فصلًا طويلًا في ردّ الاجتهاد على غير أصل، وذكر فيما احتج به قولَ الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢] فجعل الناسَ تبعًا لهما، لم يُهملهم، والاجتهادُ ليس عينًا قائمةً، إنما هو شيء يُحدثه من نفسه، ولم يؤمر باتباع نفسه، إنما أُمر باتباع غيره، فإحداثه على الأصلين اللذين افترض الله عليه، أولى به من إحداثه على غير أصل.
١٣٢٦ - وذكر مثال ذلك الكعبةَ، من رآها صلى إليها، ومن غاب عنها توجه إليها بالدلائل عليها لأنها الأصل، فإن صلى غائبًا عنها برأي نفسه بغير اجتهاد بالدلائل عليها، كان مخطئًا، وكانت عليه الإعادة.
١٣٢٧ - قال: ومثلُ قول الله ﷿: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] والمثلُ للمقتول (٢)، وقد يكون غائبًا، فإنما يُجتهد على أصل الصيد المقتول، فينظر إلى أقرب الأشياء به شبهًا، فَيَدِيه.
١٣٢٨ - ومثلُ أذان ابن أم مكتوم في عهد رسول الله ﷺ، وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت (٣)، فلو جاز الاجتهاد على غير أصل، كان لابن أم مكتوم أن يؤذِّن بغير إخبار غيرِه له أن الفجر قد طلع، ولكن لما لم تكن فيه آلة الاجتهاد على الأصل
_________________
(١) من "الأم" ٦: ٢١٦ - ٢١٩.
(٢) تنظر "السنن الكبرى" للبيهقي ٥: ١٨٥.
(٣) رواه البخاري (٦١٧).
[ ٢ / ٦١١ ]
لم يجز اجتهاده حتى يخبره من قد اجتهد على الأصل.
ثم ساق الكلام إلى أن قال:
١٣٢٩ - فإن قيل: فقد أمر رسولُ الله ﷺ سعدًا أن يحكم في بني قُريظة، فحكم برأيه، فقال رسول الله ﷺ: "وافقتَ حكم الله فيهم" (١)، قيل: هو مثل قول الله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] على معنى استطابةِ أنفسِ المستشارين أو المستشار فيهم، والرضا بالصلح على ذلك، ووضع الحرب بذلك السبب، لا أن برسول الله ﷺ حاجةً إلى مشورة أحد، والله يؤيده بنصره (٢)، بل لله ولرسوله المنُّ والطَّوْل على جميع خلقه، فيحتمل أن يكونَ قوله له "احكم": على هذا المعنى، أو يكونَ قد علم من رسول الله ﷺ سنة في مثل هذا، فحكم على مثلها، أو يحكم فيوفِّقه الله لأمر رسول الله ﷺ (٣) فيعرف رسول الله ﷺ صواب ذلك، فيقرُّه عليه، أو يعرف غير ذلك، فيعمل رسول الله ﷺ في ذلك بطاعة الله.
١٣٣٠ - قال: فإن قيل: فقد أكلوا الحوت بغير حضور النبي ﷺ، بلا أصل عندهم، يعني: أصحاب أبي عبيدة (٤)، قيل:
_________________
(١) رواه البخاري في مواضع، أولها (٣٠٤٣)، ومسلم ٣: ١٣٨٨ (٦٤).
(٢) تنظر "السنن الكبرى" للبيهقي ٧: ٤٥، و١٠: ١٠٨ - ١٠٩.
(٣) على حاشية ب من نسخة م زيادة: له.
(٤) وذلك يوم غزوة سِيْف البحر، أو: جيش الخبَط، والحديث رواه البخاري =
[ ٢ / ٦١٢ ]
لموضع الضرورة والحاجة إلى أكله، على أنهم ليسوا على يقين من حِلّه، ألا تراهم سألوا عن ذلك، أَوَلا ترى أصحاب أبي قتادة في الصيد الذي صاده إذ لم يكن بهم ضرورة إلى أكله أمسكوا إذ لم يكن عندهم أصل، حتى سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك (١).
١٣٣١ - وذكر الشافعي ﵁ لهم غير هذا: من أن النبي ﷺ كان يبعث عماله وسراياه ويأمر الناس بطاعتهم، وقد فعلوا برأيهم.
ثم أجاب عنه: بأن رسول الله ﷺ كان يأمرهم بطاعة الله ﷿، ورسوله ﷺ، ويأمر من أمَّر عليهم أميرًا أن يطيعوه ما أطاع الله، فإذا عصى الله فلا طاعة له عليهم، وأنه كره لهم كل شيء فعلوه برأي أنفسهم من الحرق والقتل، وأباح لهم كل ما عملوه مطيعين فيه لله ولرسوله، فلو لم تكن لنا حجة في ردّ الاجتهاد على غير أصل، إلا ما احتججت به: أن النبي ﷺ كره لهم ونهاهم عن كل أمر فعلوه برأي أنفسهم، لكان فيه كفاية.
قال الشيخ أحمد: والأحاديث التي أشار إليها الشافعي ﵀ مخرجة في كتاب "السنن" في مواضعها.
وقوله "أمسكوا": يريد به بعض من كان مع أبي قتادة.
* * * * *
_________________
(١) = (٤٣٦٠)، ومسلم ٣: ٥٣٥٣ (١٧).
(٢) تنظر "السنن الكبرى" للبيهقي ٥: ١٨٨ - ١٨٩.
[ ٢ / ٦١٣ ]