٩٤٦ - أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس محمد ابن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي (١) قال: الاختلاف وجهان: فما أقام الله به الحجة على خلقه حتى يكونوا على بينة منه، ليس عليهم إلا اتباعه، ولا لهم مفارقته، فإن اختلفوا فيه (٢): فذلك الذي ذم الله عليه، والذي لا يحل الاختلاف فيه، قال الله ﷿: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، فمن خالف نصَّ كتاب الله الذي لا يَحتمل التأويل، أو سنةً قائمة (٣)، فلا يحلُّ له الخلاف، ولا أحسَبه يحلُّ له خلافُ جماعةِ الناس وإن لم يكن في قولهم كتاب أو سنة.
ومن خالف في أمر ليس فيه إلا الاجتهاد، فذهب إلى معنى يحتمله ما ذهب إليه، وتكون عليه دلائل: لم يكن في ضيق من الخلاف لغيره، وذلك لأنه لا يخالف حينئذٍ كتابًا نصًا، ولا سنة قائمة، ولا جماعة، ولا
_________________
(١) في "الأم " ٧: ٣١٨، وفي الأصل: حتى يكون على بينة، وفوق "يكون" ضبة، للتنبيه على خطئها، وأثبت ما جاء في "الأم".
(٢) في الأصل: فاختلفوا فيه، وأثبتُّ ما في "الأم"، لكونه أوضح.
(٣) قال في "النهاية" ٨: ٣٥٣٠: السنة القائمة: هي الدائمة المستمرة التي العمل بها متصل لا يترك.
[ ٢ / ٤٤١ ]
قياسًا، لأنه إنما نظر في القياس فأداه القياس إلى غير ما أدى صاحبَه إليه القياس، كما أداه التوجه إلى البيت بدلائل النجوم إلى غير ما أدى إليه صاحبَه.
٩٤٧ - أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل القطان ببغداد، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن دُرُسْتُويه، حدثنا يعقوب بن سفيان (١)، حدثنا أبو عاصم، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي، عن العِرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله ﷺ، ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة، ذَرَفت منها العيون، ووَجِلت لها القلوب، أو كما قال، فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودعِّ فأوصنا، قال:
"أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه مَن يَعِشْ منكم سَيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وَعضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة".
٩٤٨ - أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الرُّوذْباري، أخبرنا أبو بكر ابن داسه، حدثنا أبو داود (٢)، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا
_________________
(١) في "المعرفة والتاريخ" ٢: ٣٤٤، والحديث في "مسند" أحمد ٤: ١٢٦، و"سنن" أبي داود (٤٥٩٩)، والترمذي (٢٦٧٦) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٤٢). وانظر كلام الإمام الشافعي الآتي برقم (١٣٨٦)، ولاحظ موقع ذكر المصنف له هناك.
(٢) في "سننه" (٤٥٩٨).
[ ٢ / ٤٤٢ ]
إبراهيم بن سعد.
ح، قال: وحدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا عبد الله ابن جعفر المَخْرَمي، وإبراهيم بن سعد، عن سعد بن إبراهيم، عن القاسم ابن محمد، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "من أحدث في أمرنا ما ليس فيه، فهو ردٌّ".
وقال ابن عيسى في حديثه: قال النبي ﷺ: "من صنع أمرًا على غير أمرنا، فهو ردّ".
رواه البخاري في "الصحيح" عن يعقوب بن إبراهيم، قال: ورواه عبد الله بن جعفر، ورواه مسلم عن محمد بن الصباح، وعن إسحاق بن راهويه. وعبدُ بن حميد، عن أبي عامر، عن عبد الله بن جعفر (١).
٩٤٩ - أخبرنا أبو بكر ابن الحارث الأصبهاني، أخبرنا أبو محمد ابن حَيّان، حدثنا عبد الله بن محمد بن حيان بن مُقَيَّر البغدادي، حدثنا سُرَيج ابن يونس، حدثنا سفيان، عن عاصمٍ، وداودَ، عن الشعبي، عن مسروق قال: قال عمر ﵁: يُرَدُّ الناسُ من الجهالات إلى السنة.
٩٥٠ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران ببغداد، أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي.
ح، وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، قالا: حدثنا عبد الرزاق (٢)،
_________________
(١) البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم ٣: ١٣٤٣ (١٧ - ١٨). وشيخ البخاري: يعقوب ابن إبراهيم، هو الدورقي، فيما رجحه ابن حجر في الشرح، وينظر (١٣٢٤).
(٢) في "مصنفه" (٢٠٣٧٤).
[ ٢ / ٤٤٣ ]
أخبرنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: وقال رسول الله ﷺ: "ذَروني ما تركتكم، فإنما هلك الذين مِن قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
رواه مسلم في "الصحيح" عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، وأخرجه البخاري من حديث الأعرج، عن أبي هريرة (١).
٩٥١ - أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله البسطامي، أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرني إبراهيم بن شريك، حدثنا أَحمد بن يونس، حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى يأخذ أمتي ما أخذ الأمم والقرون قبلها، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع"، قيل: يا رسول الله، كما فعله فارس والروم؟ ! فقال رسول الله ﷺ: "وهل الناسُ إلا أولئك".
رواه البخاري عن أحمد بن يونس (٢).
وأخرجاه من حديث أبي سعيد الخدري (٣).
٩٥٢ - أخبرنا أبو علي الرُّوْذْباري، أخبرنا محمد بن بكر، حدثنا أبو داود (٤)، حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن محمد بن عمرو، عن أبي
_________________
(١) مسلم ٤: ١٨٣١ (١٣١)، والبخاري (٧٢٨٨).
(٢) (٧٣١٩).
(٣) البخاري (٣٤٥٦)، ومسلم ٤: ٢٠٥٤ (٦).
(٤) في "سننه" (٤٥٨٦)، وغيره كثير، منهم: الترمذي (٢٦٤٠) وقال: حسن =
[ ٢ / ٤٤٤ ]
سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فِرقةً، وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فِرقةً، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" (١).
٩٥٣ - أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الله الحُرْفي ببغداد، حدثنا أحمد بن سَلْمان الفقيه، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا إسماعيل ابن أبي أويس، حدثني كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده قال: كنا قعودًا حول رسول الله ﷺ في مسجد المدينة، فجاءه جبريل ﵇ بالوحي، فتغشى رداءه، فمكث طويلًا حتى سُرِّي عنه، ثم كشف رداءه فقال: "جاءكم جبريل ﵇ يتعاهد دينكم، لتسلكُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم، حَذْوَ النعل بالنعل، ولتأخُذُن (٢) بمِثْل أَخْذهم، إنْ شبرًا فشبر، وإنْ ذراعًا فذراع، وإن باعًا فباع، حتى لو دخلوا جُحْر الضب لدخلتم فيه، ألا إن بني إسرائيل افترقت على موسى ﵇ سبعين فرقة، كلُّها ضالة إلا
_________________
(١) = صحيح، وابن ماجه (٣٩٩١).
(٢) تكلم العلماء السابقون كثيرًا في هذا الحديث، وكتب فيه المعاصرون كثيرًا، وممن تكلم فيه من السابقين: القرطبي في "تفسيره" عند تفسيره الآية ١٠٣ من آل عمران، والآية ١٥٣، ١٥٩ من سورة الأنعام، ومما قاله ٧: ١٤١: "وقد قال بعض العلماء العارفين: هذه الفرقة التي زادت في فِرَق أمة محمد ﷺ هم قوم يعادون العلماء، ويبغضون الفقهاء، ولم يكن ذلك قطّ في الأمم السالفة"، وهذا يتفق مع ما قاله ٧: ١٣٧، وسيقوله ﵀ ٧: ١٤٩ أنهم أهل البدع، فالعلماء والفقهاء هم الذين يكشفون بِدَع أهل البدع وضلالاتهم، ويحذرون الناس منهم.
(٣) "ولتأخُذُنَّ": من مصادر التخريج، والذي في الأصل: أو لتأخذن.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
فرقةً واحدة، الإسلام وجماعتهم، ثم إنها افترقت على عيسى ابن مريم إحدى وسبعين فرقة، كلها ضالة إلا فرقةً واحدة، الإسلام وجماعتهم، ثم إنكم تكونون على اثنتين وسبعين فرقة، كلها ضالة إلا فرقةً واحدة، الإسلام وجماعتهم" (١).
٩٥٤ - وبهذا الإسناد: أن رسول الله ﷺ قال: "يا معشر قريش، إنكم الولاة بعدي لهذا الأمر، ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٢).
٩٥٥ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان ببغداد، أخبرنا عبد الله ابن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (٣)، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان، عن الأزهر بن عبد الله، عن أبي عامر عبد الله بن لُحَيّ قال: حججنا مع معاوية ﵁، فلما قدمنا مكة، قام حين صلى صلاة الظهر بمكة فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة- يعني: الأهواء- كلُّها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة".
_________________
(١) رواه ابن نصر في "السنة" (٤٢)، وابن أبي عاصم أيضًا (٤٥)، والطبراني في "الكبير" ١٧ (٣)، والحاكم (٤٤٥) وقال عن كثير بن عبد الله: لا تقوم به الحجة، وانظر ما علّقته على ترجمته في "الكاشف" (٤٦٣٧). أما معنى الحديث فثابت.
(٢) رواه الطبراني في "الكبير" ١٧ (٢).
(٣) في "المعرفة والتاريخ" ٢: ٣٣١.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
وقال: "إنه سيخرج في أمتي أقوام تَتَجارى بهم تلك الأهواء، كما يَتَجارى الكَلَبُ بصاحبه، فلا يبقى منه عِرْق ولا مَفْصِل إلا دخله"، والله يا معشر العرب، لئن لم تقوموا بما جاء به محمد، لَغَيرُكم من الناس أحرى أن لا يقوم به.
أخرجه أبو داود في كتاب "السنن" من حديث أبي المغيرة، وبقية، عن صفوان (١).
٩٥٦ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو بكر القطان، حدثنا أحمد ابن يوسف السلمي، حدثنا محمد بن يوسف قال: ذَكَر سفيان، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عَمْرو قال: قال رسول الله ﷺ: "ليأتينَّ على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، مِثلٌ بمثل، حَذْوَ النعل بالنعل، حتى لو كان فيهم من أتى أمَّه علانيةً كان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقوا على ثنتين وسبعين ملةً، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين ملةً، كلها في النار، إلا واحدة"، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه اليومَ وأصحابي" (٢).
٩٥٧ - قال الإمام أحمد ﵀: قد أخبر سيدنا المصطفى ﷺ عما ظهر بعده من اختلاف الأمة، وحذَّرهم متابعةَ أهل الأهواء منهم فيما أحدثوا من البدعة، وحثَّهم على متابعة سنته وسنة الخلفاء
_________________
(١) (٤٥٨٧)، وهو في "المسند" ٤: ١٠٢، و"المستدرك" (٤٤٣).
(٢) رواه الترمذي (٢٦٤١) وقال: حديث مفسَّر غريب، وفي بعض النسخ: حسن غريب، والحاكم (٤٤٤).
[ ٢ / ٤٤٧ ]
الراشدين من بعده من الصحابة، ودلَّهم بالإشارة إلى ما كانوا عليه على الفرقة الناجية، فمن سلك في دينه سبيلَهم، ولزم في متابعة الكتاب والسنة هديهم، فاز فوزًا عظيمًا، ونال حظًّا جسيمًا.
٩٥٨ - ولعل قائلًا يزعم أن المجتهدين من أهل السنة والجماعة اختلفوا أيضًا اختلافًا كثيرًا، وتباينوا تباينًا شديدًا، فهم وإن اختلف اجتهادهم فيما يسوغ فيه الاجتهاد، فقد اجتمعوا من حيثُ لم يخالف واحد منهم كتابًا نصًّا، ولا سنة قائمة، ولا إجماعًا، ولا قياسًا صحيحًا عنده، وإن كل واحد منهم قد أدى ما كُلِّف من الاجتهاد، وأحرز الأجر الموعود على طلب الصواب، واختصاصُ بعضهم بإحراز الأجر الموعود على إصابة العين التي أُمر بالاجتهاد في طلبها: فضلُ الله يؤتيه من يشاء.
والذي لم يصبها غيرُ آثم، لأنه إنما كُلِّف في الحكم الاجتهادَ على الظاهر دون الباطن، ولا يعلم الغيبَ إلا الله، فهم - مع اختلافهم هذا النوعَ من الاختلاف - من أهل السنة والجماعة.
٩٥٩ - وأنا أرجو أن لا يؤخذ على واحد منهم أنه قصد أن يخالف كتابًا نصًّا، ولا حديثًا ثابتًا، ولا قياسًا صحيحًا عنده، ولكن قد يجهل الرجلُ السنة، فيكون له قول يخالفها، لا أنه عمَد خلافها، وقد يَغْفُل المرء ويخطئ في التأويل، وقد تكون نازلةٌ ويوجد لها في أصلين شَبَه، فيذهب ذاهب إلى أصل، والآخر إلى أصل غيره، فيختلفان.
وفي حكايات مسائل الفقه عن السلف ما يكشف عن ذلك ويوضحه، وهي مفرقةٌ في كتاب "السنن" في مواضعها.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
٩٦٠ - وقد أشار الشافعي (١) إلى جملة ما ذكرنا، وذكر من أمثلتها اختلاف الصحابة، فمن بعدهم، في تأويل قوله ﷿: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فقالت عائشة ﵂: الأقراء: الأطهار، وقال مثلَ معنى قولها: زيد بن ثابت، وابن عمر، وغيرهما، وقال نفر من أصحاب النبي ﷺ: الأقراء: الحِيَض، فلا تحلُّ المطلَّقة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه، وبالأول قال مالك والشافعي وأصحابهما، واستدل الشافعي على صحة اختياره بدلالة الاشتقاق والسنة، وهي بتمامها مذكورة في كتاب العِدَّة (٢).
٩٦١ - وفي قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فقال بعض أصحاب رسول الله ﷺ: عدّةُ المتوفَّى عنها زوجُها إذا كانت حاملًا وضعُ الحمل، وقال غيره من أَصحاب رسول الله ﷺ: عدتها آخر الأجلين، حتى أخبر من سمع قول النبي ﷺ في سُبيعة بنت الحارث، وقد وضعت بعدَ [وفاة] زوجِها بليالٍ: "قد حللتِ، فتزوجي" (٣).
_________________
(١) في "الرسالة" (١٦٨١ - ١٧٠٠).
(٢) من "السنن الكبرى" ٧: ٤١٥.
(٣) "الرسالة" (٥٤٤، ٥٤٥)، وما بين المعقوفين منه، وانظر أيضًا: "الرسالة" =
[ ٢ / ٤٤٩ ]
٩٦٢ - وفي قوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]، فقال الأكثر ممن رُوي عنه من أصحاب النبي ﷺ: عندنا إذا مضت أربعةُ أشهر وُقِّف المُولي، فإما أن يفيء، وإما أن يطلِّق، منهم: عثمان بن عفان في أشهر الروايتين عنه، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعائشة، وأبو ذر، وأبو الدرداء، ﵃، ورُوي عن غيرهم من أصحاب النبي ﷺ عزيمةُ الطلاق انقضاءُ أربعة أشهر (١)، منهم: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه، وبالأول قال مالك والشافعي وأصحابهما، واستدل الشافعي ﵁ على حسن اختياره: بأنه أشبه بمعنى كتاب الله، والمعقول، وهو بتمامه مذكور في كتاب الإيلاء (٢).
٩٦٣ - واختلفوا في المواريث، فقال زيد بن ثابت ﵁، ومن ذهب مذهبه: يعطى كل وارث ما سُمي له، فإن فضل فضل، ولا عصبة للميت، ولا ولاء، كان ما بقي لجماعة المسلمين، وروي عن غيره
_________________
(١) = (١٧٠٧ - ١٧١١). وحديث سُبَيعة الأسلمية: رواه مالك ٢: ٥٩٠ (٨٥)، ومن طريقه: رواه البخاري (٥٣٢٠)، ورواه البخاري مطوَّلًا (٥٣١٨، ٥٣١٩)، وعلَّقه على الليث برقم (٣٩٩١)، ووصله مسلم ٢: ١١٢٢ (٥٦)، وأبعد الحافظ النُّجْعة جدًا حين قال في "الفتح" ٧: ٣١١: وصله قاسم بن أصبغ في "مصنفه"، وفاته عزوه إلى مسلم! ! .
(٢) انظر "الرسالة" (١٧١٥).
(٣) من "السنن الكبرى" ٧: ٣٧٨.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
منهم أنه قال: يرد فضل المواريث على ذوي الأرحام (١).
٩٦٤ - واختلفوا في الجد، فقال زيد بن ثابت، وروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ﵃: يُورَّث معه الإخوة، وقال أبو بكر الصديق، وابن عباس، وروي عن عائشة، وابن الزبير، وعبد الله ابن عتبة، ﵃: أنهم جعلوه أبًا، وأسقطوا الإخوة معه (٢).
٩٦٥ - وافترقت الأمة بعدهم في توريث ذوي الأرحام والرد، وتوريث الإخوة مع الجد فريقين، واستدل الشافعي (٣) على حسن اختياره بأنه يُنتهى في فريضة مَن فُرض له في كتاب الله فريضةً إلى ما انتُهيَ بها إليه، لا يزيد عليه، وأن قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، معناه: على ما فُرض لهم، وإنما نزل نسخ التوارث بالحِلْف، والإسلام، والهجرة، وأن الجد والأخ يُدليان بقرابة الأب، والجَدُّ يقول: أنا أبو أبي الميت، والأخ يقول: أنا ابن أبي الميت، والإدلاء بقرابة البنوَّة أقوى، فكان الأخ بالميراث أولى لولا إجماعُ الصحابة على أن الجدَّ مع الأخ مثلُه، وأكثرُ حظًّا منه، فإثباته إذًا مع الجدّ أولى الأمرين، والله أعلم.
٩٦٦ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (٤)، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا عيسى بن
_________________
(١) "الرسالة" (١٧٥٢، ١٧٥٣).
(٢) "الرسالة" أيضًا (١٧٧٣، ١٧٧٤).
(٣) في "الأم" ٤: ٨٤.
(٤) في "المعرفة والتاريخ" ٢: ٥٩٨.
[ ٢ / ٤٥١ ]
يونس، عن عباد بن موسى، عن الشعبي: أنه أتي به الحجاجُ مُوثقًا، فذكر الحديث، قال: ثم احتاج إليَّ في فريضة، فأتيته فقال: ما تقول في أمّ وأخت وجدّ؟ فقلت: قد اختلف فيه خمسة من أصحاب النبي ﷺ: عبد الله بن عباس، وزيد بن ثابت، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود ﵃.
فقال: ما قال فيها ابن عباس، إن كان لَمِثْقَبًا (١)؟ قلت: جعل الجد أبًا، ولم يعطِ الأخت شيئًا، وأعطى الأم الثلث، قال: فما قال فيها زيد بن ثابت؟ قلت: جعلها من تسعة، أعطى الأم ثلاثة، وأعطى الجد أربعة، وأعطى الأخت سهمين، قال: فما قال فيها أمير المؤمنين- يعني: عثمان-؟ قلت: جعلها أثلاثًا، قال: فما قال فيها ابن مسعودٍ؟ قلت: جعلها من ستة، أعطى الأخت ثلاثة، والجدَّ سهمين، والأم سهمًا، قال: فما قال فيها أبو تراب- يعني: عليًا ﵁- قلت: جعلها من ستة، أعطى الأخت ثلاثة، وأعطى الأم سهمين، وأعطى الجد سهمًا.
٩٦٧ - قال الإمام أحمد: وقد رَوَينا في كتاب الحج (٢)، عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس، ما دل على أن الجماعة إذا اشتركوا في قتل صيدٍ وهم محرِمون، لم يكن عليهم إلا جزاء واحد.
٩٦٨ - وإلى مثل هذا القول ذهب عطاء من فقهاء أهل مكة، والحارث العُكْلي، ثم حماد بن أبي سليمان من فقهاء الكوفة، وذهب الشعبي، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي إلى أن على كل إنسان منهم
_________________
(١) مِثْقَبًا: أي: نافَذ الرأي.
(٢) من "السنن الكبرى" ٢٠٣: ٥ - ٢٠٤.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
جزاءً، قال الحسن: كما لو قتلوا رجلًا، كان على كل إنسان رقبةٌ رقبةٌ.
٩٦٩ - أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل، أخبرنا عبد الله، حدثنا يعقوب (١)، حدثنا أبو بكر الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا ابن شُبْرُمة قال: رأيت الشعبي فقلت له: ما تقول في قوم محرمين- يعني: اشتركوا في قتل صيد-؟ فقال: على كل واحد منهم عِدْلُه، فقلت له: فإن حمادًا يقول: عليهم جزاء واحد؟ فقال: إن كان يقوله، فقد جُنَّ، فأخبرت الحارث العكلي بما قال الشعبي، وبما قال حماد فقال: القول ما قال حماد، عليهم جزاء واحد، ألا ترى لو أن قومًا قتلوا رجلًا خطأ لم يكن عليهم إلا ديةٌ واحدة، فقلت أنا: بل القول ما قال الشعبي، على كل واحد منهم جزاء، ألا ترى لو أن قومًا قتلوا رجلًا خطأً، كانت على كل رجل منهم كفارةٌ: عتقُ رقبة.
قال ابن شبرمة: فقاس الشعبي على الكفارة، وقاس حماد والحارث على الدية.
٩٧٠ - قال أحمد: وإلى مثل قول عطاء والحارث وحماد فمن فوقهم: ذهب الشافعي، وإلى مثل قول الشعبي فمن معه: ذهب مالك وأبو حنيفة.
وإلى مثال ما أشرنا إليه كان اختلاف أهل السنة والجماعة، فمن عرف أصولهم، ووقف على اجتهادهم في فروعهم، علم حسن نيتهم، وجميل قصدهم، ومن نظر في اختلاف الصحابة الذين كانوا أعلام الدين، فمن بعدهم من التابعين في مسائل الفقه، علم أنهم الذين نسجوا بِساط هذا النوع من الاختلاف لمن بعدهم من فقهاء الأمة، فاستدل بذلك على اتساع
_________________
(١) في "المعرفة والتاريخ" ٢: ٦١٣ - ٦١٤.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
هذا النوع من الخلاف، وأن كل واحد منهم أدى ما كلِّف من الاجتهاد في طلب الصواب، وأنهم من هذا الوجه مجتمعون وإن كانوا في التأويل مختلفين، وفي التعليل متباينين، فلا مثال أدل عليه من الذين غابوا عن البيت فاجتهدوا في طلبه، فاختلف اجتهادهم، فيصلي كل واحد منهم حيث يرى.
٩٧١ - قال الشافعي (١): وقد أدى ما كلِّف من التوجه إليه بالدلائل عليه.
٩٧٢ - قال الشافعي: فإن قال قائل: فيلزم أحدَهما اسمُ الخطأ؟ .
قيل: أما في ما كلِّف فلا، وأما خطأُ عينِ البيت، فنعم، لأن البيت لا يكون في جهتين مختلفتين.
فإن قيل: فيكون مطيعًا بالخطأ.
قيل: هذه مسألة جاهل (٢)، يكون مطيعًا بالصواب لما كلِّف من الاجتهاد، وغيرَ آثم بالخطأ، إذ لم يكلف صوابَه لِمَغيب العين عنه، وإذا لم يكلف صوابه، لم يكن عليه خطأ ما لم يُجعل عليه صوابُ عينه.
_________________
(١) في "الأم" ٧: ٣١٧ - ٣١٨.
(٢) هكذا في الأصل، والذي في طبعة "الأم": هذا مثل جاهد، وينظر، فإن صحت كلمة "جاهد": فمعناها: مجتهد، عامل باحث عن الصواب. لكن جاءت هذه الجملة في طبعة الدكتور رفعت فوزي ٩: ٧٨: هذا مثله جاهل، ومعلوم أن كلمة مسألة، ترسم في الكتب القديمة هكذا: مسلة، فهي تشبه جدًا كلمة: مثله، إلا في النقط، وعلى كل فيكون معنى قوله "هذا مثله جاهل"- والله أعلم-: هذا الرجل ومَثَله مَثَل رجل جاهل، يكون مطيعًا على وجه، وآثمًا على وجه آخر.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
فإن قيل: أفتجدُ سنةً تدل على ما وصفتَ؟ .
قيل: نعم، فذكر الحديث الذي:
٩٧٣ - أخبرنا به أبو سعيد ابن أبي عمرو مع هذا الكلام، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد العزيز.
ح، وأخبرنا أبو عبد الله، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق، أخبرنا إسماعيل بن قتيبة، حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادِ، عن محمد بن إبراهيم، عن بُسر ابن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله ﷺ قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر".
لفظ حديث يحيى، رواه مسلم: عن يحيى بن يحيى (١).
٩٧٤ - قال الشافعي في هذا الإسناد (٢): فإن قال قائل: فما معنى هذا؟ .
قيل: ما وصفتُ من أنه إذا اجتهد فجمع الصوابَ بالاجتهاد، وصوابَ العين التي اجتهد في طلبها، كانت له حسنتان، فإن أصاب بالاجتهاد وأخطأ العين التي أُمِرَ أن يجتهد في طلبها، كانت له حسنة، ولا يثاب من يؤدي في أن يخطئ للعين، وبحسْبِ من يؤدي فيخطئ أن يُكفَّ عنه، وهذا يدل على ما وصفتُ من أنه لم يكلفْ صوابَ العين في حال.
_________________
(١) في "صحيحه" ٣: ١٣٤٢ (١٥)، وينظر ما تقدم (٩١٣، ٩٤٣).
(٢) في "الأم" أيضًا ٧: ٣١٨.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
٩٧٥ - قال الإمام أحمد: ومن وقف على أصول أهل السنة والجماعة، وعلم اجتهاد المجتهدين من أسلافهم رضي الله عن جماعتهم، لم يرضَ لدينه من نفسه الوقوعَ في أحدٍ منهم، بل اجتهد في الترحُّم عليهم، والاقتداء بمن أحرز الأجرين منهم، فإن أخطاه إدراكُهما معًا، لم يخطئ إدراكَ أحدِهما إن شاء الله.
٩٧٦ - أخبرنا أبو الحسين ابن بشران العدل ببغداد، أخبرنا أبو عمرو ابن السماك، حدثنا حنبل بن إسحاق، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا معاذ ابن هشام، حدثني أبي، عن قتادة: أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: ما سرَّني لو أن أصحاب محمد ﷺ لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة (١).
٩٧٧ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا جعفر بن محمد العَبّاداني، حدثنا ابن كثير، حدثنا سفيان، عن أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد قال: اختلافُ أصحاب محمد ﷺ رحمةٌ لعباد الله.
٩٧٨ - أخبرنا أبو عبد الله، أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن إسحاق، أخبرنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا ابن بكير، حدثني الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد قال: أهل العلم أهل توسعة، وما بَرِح المفتون يختلفون، فيُحلُّ هذا، ويُحرم هذا، فلا يَعيب هذا على هذا، ولا هذا على هذا، وإن المسألة لَتَرِد على أحدهم هي عنده أعظم من الجبل، فإذا فُتح له بابها
_________________
(١) ينظر في هذا المعنى ما كتبته في "أدب الاختلاف في مسائل العلم والدين" من ص ٢٨ - ٤٨، ففيه هذه الأقوال وغيرها كثير.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
قال: ما أهون هذه.
٩٧٩ - قال الإمام أحمد: وصاحب الشرع، هو الذي شرع لهم هذا النوع من الاختلاف، حيث أمرهم بالاستنباط من الكتاب والسنة، ثم بالاجتهاد فيما ليس فيه نص كتاب ولا سنة، مع علمه بأن الاجتهاد قد يختلف.
٩٨٠ - أخبرنا أبو بكر ابن فورك، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يونس بن حبيب، قال: حدثنا أبو داود (١)، حدثنا هشام.
ح، وأخبرنا أبو صالح ابن أبي طاهر العنبري، أخبرنا جدِّي يحيى بن منصور، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا محمد بن بشار العبدي، ومحمد ابن المثنى قالا: حدثنا يحيى بن سعيد، ومعاذ بن هشام.
قال ابن سلمة: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي، وهذا حديثه، حدثني أبي، عن قتادة، عن سالم ابن أبي الجعد الغَطَفاني، عن معدان ابن أبي طلحة اليعمُري: أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب يوم الجمعة فذكر نبيَّ الله ﷺ، وذكر أبا بكر ﵁ ثم قال: رأيت كأن ديكًا نَقَرني نقرةً، أو نقرتين، وإني لا أُراه إلا لحضور أجلي.
وإن أقوامًا يأمرونني أن أستخلِف، وإن الله لم يكن ليضيِّع دينه، ولا خلافته، ولا الذي بعث به نبيَّه ﷺ، فإن عَجِل بني أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الرهط الستة، الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وقد علمت أن أقوامًا سيطعنون في هذا
_________________
(١) الطيالسي في "مسنده" (٥٣).
[ ٢ / ٤٥٧ ]
الأمر، أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام، فإن فعلوا فأولئك أعداء الله الكفرة الضُّلَّال.
وإني لا أدعُ بعدي شيئًا هو أهمَّ إليَّ من الكَلاَلة، ما راجعتُ رسول الله ﷺ في شيء ما راجعتُه في الكلالة، ولا أغلظَ لي في شيء منذ صاحبتُه ما أغلظَ لي في الكلالة، حتى طعن بإصبعه في صدري فقال: "يا عمر أما تكفيك آية الصيف التي في سورة النساء؟ ".
وإني إن أعِشْ أقضِ فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرؤه، تم قال: اللهم إني أُشهِدك على أمراء الأمصار، فإنما بعثتُهم ليعلِّموا الناس دينَهم، وسنةَ نبيهم ﷺ، ويعدلوا عليهم، ويرفعوا إليَّ ما أشكل عليهم من أمرهم.
ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين ما أُراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم، قد كنت أرى رسول الله ﷺ إذا وجدَ ريحَهما من الرجل في المسجد أُمر به فأُخذ بيده فأُخرج به إلى البقيع، فمن كان آكلَهما لا بدّ فليُمِتْهما طبخًا.
رواه مسلم (١) عن محمد بن المثنى، عن يحيى القطان.
٩٨١ - وفي هذا توكيد من المصطفى ﷺ لأمر الكلالة المذكورِ أحدُ وَصْفَيها بما في آخر سورة النساء، إلى استنباط عمر ﵁ صفتَها الأخرى.
٩٨٢ - وروينا في حديث معاذ بن جبل وغيره، ﵃، ما دلّ على إذنه في الاجتهاد فيما لم يمضِ به كتاب ولا خبر، وفي ذلك
_________________
(١) في "صحيحه" ١: ٣٩٦ (٧٨).
[ ٢ / ٤٥٨ ]
دلالة على صحة ما ذهب إليه علماء أهل السنة والجماعة، وبالله التوفيق والعصمة.
٩٨٣ - أخبرنا أبو عبد الله، حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، حدثنا محمد بن إبراهيم العبدي، حدثني عبد العزيز بن عمران بن مِقْلاص، وأبو الطاهر أحمد بن عمرو قالا: حدثنا خالد بن نزار الأيلْي قال: سمعت مالك بن أنس ﵀ يقول: دعاني أبو جعفر أمير المؤمنين فقال لي: يا أبا عبد الله، إنني أُريد أن أكتب إلى الآفاق فأحملَهم على كتاب "الموطأ"، حتى لا يبقى أحد يخالفك فيه، قال مالك: فقلت: يا أمير المؤمنين، إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في البلدان، واتَّبعهم الناس، فرأى كلُّ فريق أنْ قدِ اتَّبعَ متَّبَعًا.
ورواه محمد بن عمر الواقدي (١)، عن مالك بن أنس أتم من هذا، وقال عن مالك في جوابه: يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وإنّ ردَّهم عما قد اعتقدوا شديد، فَدعَ الناسَ وما هم عليه، وما اختاره أهلُ كل بلد لأنفسهم، فقال: لعمري لو طاوعتَني على ذلك لأمرتُ به.
٩٨٤ - أخبرناه محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا مَخْلَد بن جعفر الدقاق، حدثنا محمد بن جرير، حدثني الحارث بن محمد، حدثنا محمد ابن سعد، حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال: سمعت مالك بن أنس، فذكره في قصة.
قال الإمام أحمد: هكذا ينبغي أن يصنع كل من نال من سلطانه إقبالًا
_________________
(١) انظر "الطبقات الكبرى" لابن سعد ٧: ٥٧٣.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
عليه من أكابر أهل العلم من أهل السنة والجماعة، ولا يشتغل بالتعصب، وإعداء السلطان على من خالف اجتهادُه اجتهادَه، مع اعتقاده أنه: إما مصيب في اجتهاده، أو مخطئ فيه خطأ مرفوعًا عنه، وقد يختلف اجتهاده في نفسه إن كان منصفًا، واضعًا للرأي موضعه، فيكون الصواب عنده ما ذهب إليه من خالفه قبله، فكيف يتعصب مع من خالفه فيما يسوغ له خلافه، لولا حبُّ الدنيا وطلب الجاه، والله يعصمنا من الوقوع في أئمة المسلمين، ومَن دونهم من أهل الصلاح والدين، ويوفقنا لما هو أولى بنا وأنفع لمعاشنا ومعادنا من الاشتغال بما لا يعنينا، بفضله ورحمته (١).
* * * * *
_________________
(١) على الحاشية: بلغ.
[ ٢ / ٤٦٠ ]