قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
٨٩١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، حدثني مالك قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: سنَّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننًا، الأخذُ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله (١)، وقوة على دين الله، من اقتدى بها مهتدٍ، ومن استنصر بها منصورٌ (٢)، ومن خالفها اتَّبع غير سبيل المؤمنين، والله يولِّه ما تولى، ويُصْله جهنم وساءت مصيرًا.
_________________
(١) "واستكمال": جاءت في الأصل: واستكثار، والتصويب من مصادر التخريج: "الشريعة" للآجري (٩٢)، و"جامع" ابن عبد البر (٢٣٢٦)، و"آداب الفقيه والمتفقه" (٤٥٥).
(٢) "استنصر بها منصورٌ": الذي في الأصل: استبصر بها منصور، والضبة للتنبه إلى عدم تناسب هذه مع ما قبلها، فأثبتُّ ما قبلها بالنون: استنصر، وهكذا جاءت الجملة في رواية الآجري، وابن عبد البر، لكن عند الخطيب: من استبصر بها تبصَّر، ولك منهما وجه وصحة.
[ ١ / ٤٠٧ ]
٨٩٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (١)، أخبرني أبو عبد الله الزبير بن عبد الواحد الحافظ الأسدآباذي قال: سمعت أبا سعيد محمد بن عُقيل الفاريابي يقول: قال المزني -أو الربيع-: كنا يومًا عند الشافعي بين الظهر والعصر عند الصحن في الصفة، والشافعي قد استند - إما قال: إلى الأسطوانة، وإما قال: إلى غيرها -، إذْ جاء شيخ عليه جبة صوف، وعمامة صوف، وإزار صوف، وفي يده عكّازة، قال: فقام الشافعي، وسوى عليه ثيابه، واستوى جالسًا، قال: وسلَّم الشيخ وجلس، وأخذ الشافعي ينظر إلى الشيخ هيبةً له.
إذْ قال له الشيخ: أَسألُ؟ قال: سل، قال: أَيْشٍ الحجةُ في دين الله؟ فقال الشافعي: كتاب الله، قال: وماذا؟ قال: وسنة رسول الله ﷺ، قال: وماذا؟ قال: اتفاق الأمة، قال: من أين قلتَ اتفاق الأمة، من كتاب الله؟ قال: فتدبر الشافعي ساعة، فقال للشافعي: قد أجّلتك ثلاثة أيام ولياليها، فإن جئتَ بحجة من كتاب الله في الاتفاق، وإلا تُبْ إلى الله ﷿.
قال: فتغير لون الشافعي، ثم إنه ذهب فلم يخرج ثلاثة أيام ولياليهن، قال: فخرج إلينا اليومَ الثالث في ذلك الوقت، يعني: بين الظهر والعصر، وقد انتفخ وجهه ويداه ورجلاه وهو مِسْقام، فجلس، قال: فلم يكن بأسرعَ أن جاء الشيخ، فسلم فجلس فقال: حاجتي، فقال الشافعي: نعم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله عز
_________________
(١) روى الخبرَ من طريق المصنف: ابن عساكر في "تاريخه" ٥١: ٣٦٢، ورواه أقدم من المصنف: الآبُري في "مناقب الشافعي" (٤٠). وينظر كلام الرازي في "تفسيره" ١١: ٤٣، ثم في "المحصول" ٣: ٤٦.
[ ١ / ٤٠٨ ]
وجل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥]، لا يُصْلِه على خلاف المؤمنين إلا وهو فرض، قال: فقال: صدقتَ، وقام فذهب.
قال الفاريابي: قال المزني -أو الربيع-: قال الشافعي: فلما ذهب الرجل، قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقفت عليه (١).
٨٩٣ - أخبرنا أبو محمد جناح بن نَذير بن جناح بالكوفة، أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم ابن أبي غرَزَة، أخبرنا جعفر بن عون.
ح، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو زكريا ابن أبي إسحاق المزكي، قالا: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن يوسف الشيباني الحافظ، حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب بن حبيب الفراء، حدثنا جعفر بن عون، أخبرنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "يُدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغتَ؟ فيقول: نعم، قال: فتدعى أمته، فيقال: هل بلَّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، قال: فيقول: من شهودُك؟ فيقول: محمد وأمته، قال: فيؤتى بكم فتشهدون أنه قد بلغ، وذلك قول الله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والوسط: العدل، قال: فتشهدون، ويكون الرسول عليكم شهيدًا".
_________________
(١) فينظر ما جاء في "تفسير الفخر الرازي" ١١: ٤٣: أنه قرأ القرآن ثلاث مئة مرة! ! .
[ ١ / ٤٠٩ ]
رواه البخاري: عن إسحاق بن منصور، عن ابن عون (١).
٨٩٤ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل المصري بمكة، حدثنا أبو بكر ابن أبي المؤن إملاءً، حدثنا أحمد بن زيد بن هارون، حدثنا إبراهيم ابن المنذر، حدثني عبد الله بن وهب.
ح، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا حرملة بن يحيى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حدثني حميد بن عبد الرحمن قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من يُرِد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، ويعطي الله، ولن تزال هذه الأمة قائمةً على أمر الله، لا يضرُّهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس".
رواه مسلم: عن حرملة، ورواه البخاري: عن ابن أبي أويس، وسعيد ابن عفير، عن ابن وهب (٢).
٨٩٥ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن الوليد، أخبرني أبي قال: سمعت ابن جابر يقول: حدثنى عمير بن هانئ العنسي قال: سمعت معاوية على هذا المنبر.
_________________
(١) في "صحيحه" (٧٣٤٩) أخرجه عن إسحاق بن منصور، عن أبي أسامة، وفي آخره: عن جعفر بن عون، من كلام إسحاق بن منصور، عطفًا على أبي أسامة، كما قاله الحافظ ١٣: ٣١٧.
(٢) مسلم ٢: ٧١٩ (١٠٠)، والبخاري (٧٣١٢، ٧١).
[ ١ / ٤١٠ ]
ح، وأخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان (١)، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: أن عمير بن هانئ حدث قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتي قائمةً بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم- أو خالفهم- حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس".
لفظ حديث يحيى بن حمزة.
وفي رواية الوليد بن مَزْيد: "لا تزال من أمتي أمةٌ قائمةٌ بأمر الله، لا يضرُّهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس".
رواه مسلم عن منصور ابن أبي مزاحم، عن يحيى بن حمزة، وأخرجه البخاري من وجه آخر عن ابن جابر (٢).
٨٩٦ - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الصفار، حدثنا أحمد بن مهران بن خالد، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسماعيل، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ قال: "لا يزال رجال من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون".
رواه البخاري عن عبيد الله بن موسى، وأخرجه مسلم من وجه آخر
_________________
(١) في "المعرفة والتاريخ" ٢: ٢٩٧.
(٢) مسلم ٣: ١٥٢٤ (١٧٤)، والبخاري (٣٦٤١). وكتب على الحاشية: بلغ.
[ ١ / ٤١١ ]
عن إسماعيل بن أبي خالد (١).
٨٩٧ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عمرو الحَرَشي، حدثنا سعيد بن منصور (٢)، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك".
رواه مسلم عن سعيد بن منصور، وأبي الربيع.
وقال البخاري هم أهل العلم (٣).
٨٩٨ - أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فُورك، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود (٤)، حدثنا شعبة، عن عمر ابن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه قال: سمعت زيد بن ثابت يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط مِن ورائهم" (٥).
_________________
(١) البخاري (٧٣١١)، ومسلم ٣: ١٥٢٣ (١٧١).
(٢) في "سننه" (٢٣٧٢/ القسم الأول).
(٣) مسلم ٣: ١٥٢٣ (١٧٠)، وكلمة البخاري تحت الباب ١٠ من كتاب الاعتصام ١٣: ٢٩٣.
(٤) الطيالسي في "مسنده" (٦١٦)، ورواه أحمد ٥: ١٨٣، وابن ماجه (٢٣٠)، وابن حبان (٦٧).
(٥) تقدم من رواية ابن مسعود (١٨٧)، و(١٩٧) من رواية النعمان بن بشير.
[ ١ / ٤١٢ ]
٨٩٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (١)، وأبو طاهر الفقيه، وأبو زكريا ابن أبي إسحاق المزكِّي، وأبو عبد الرحمن السلمي، قالوا: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد العَنَزي، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه جبير قال: قام رسول الله ﷺ بالخَيْف فقال: "نضَّر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها، ثم أدّاها إلى من لم يسمعها، فربَّ حاملِ فقه لا فقه له، وربَّ حامِل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل لله، والطاعة لذوي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط مِن ورائهم".
وكذلك رواه أبو الأحوص القاضي، عن نعيم بن حماد، ونعيم ينفرد بهذا الإسناد (٢).
ورواه محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري، وقيل: عنه، عن عبد السلام، وهو ابن أبي الجَنوب، عن الزهري (٣).
وروي عن عبد الرحمن بن الحويرث، عن محمد بن جبير بن مطعم،
_________________
(١) في "المستدرك" (٢٩٤ - ٢٩٦) من طريق الإمام أحمد وغيره، وهو في "المسند" ٤: ٨٢، والدارمي (٢٢٧، ٢٢٨) وغيرهم.
(٢) رواه الحاكم (٢٩٤).
(٣) الإسناد الأول: رواه أحمد ٤: ٨٠، وابن ماجه (٢٣١ م)، والحاكم (٢٩٥). والإسناد الثاني: عند ابن ماجه (٢٣١)، والطبراني في "الكبير" ٢ (١٥٤٢).
[ ١ / ٤١٣ ]
عن أبيه، عن النبي ﷺ (١).
ورَوَينا فيما مضى (٢) عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ.
٩٠٠ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو زكريا ابن أبي إسحاق، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي (٣)، أخبرنا ابن عيينة، عن عبد الله ابن أبي لبيد، عن ابن سليمان بن يسار، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب ﵁ قام بالجابية للناس خطيبًا، فقال: إن رسول الله ﷺ قام فينا كقيامي فيكم، فقال: "أكرموا أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب، حتى إن الرجل ليحلِفُ ولا يُستحلف، ويَشهد ولا يُستشهد، ألا فمن سرَّه بَحْبَحة الجنة فليلزم الجماعة، ولا يخلونَّ رجل بامرأة، فإن الشيطان ثالثهما، ومن سرَّتْه حسنته وساءته سيئته، فهو مؤمن".
هذا الحديث بهذا الإسناد مرسل.
_________________
(١) رواه أحمد ٤: ٨٢.
(٢) برقم (١٨٧).
(٣) في "ترتيب المسند" للسندي ٢: ١٨٧ (٦٦٥)، وهو في "مسند" الحميدي (٣٢). وابن أبي لبيد المدني يروي عن عبد الله بن سليمان بن يسار. والإرسال الذي ذكره المصنف يريد به: عدم سماع سليمان بن يسار من عمر ﵁. قاله أبو زرعة، كما في "مراسيل" ابن أبي حاتم (٢٩٥).
[ ١ / ٤١٤ ]
وروي من وجه آخر عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ موصولًا.
٩٠١ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ (١)، حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل القارئ، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا نعيم بن حماد، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا محمد بن سُوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: خطبنا عمر ﵁ بالجابية، فقال: إني قمت فيكم كمقام رسول الله ﷺ فينا، قال: "أوصيكم بأصحابي"، وذكر الحديث بنحوه (٢).
وكذلك رواه جماعةُ أصحابِ ابنِ المبارك عنه، ورواه غيره أيضًا عن محمد بن سُوقة.
٩٠٢ - وأخبرنا أبو بكر ابن فُورك، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود (٣)، حدثنا جرير بن حازم، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال: خطبنا عمر ﵁ بالجابية فقال: قام فينا رسول الله ﷺ مَقامي فيكم فقال: "أكرموا أصحابي"، وذكر الحديث بنحوه.
_________________
(١) في "المستدرك" (٣٨٧)، وهو في شرح معاني الآثار" ٤: ١٥٠ - ١٥١.
(٢) رواه أحمد ١: ١٨، والترمذي (٢١٦٥) وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي (٩٢٢٥).
(٣) الطيالسي في "مسنده" (٣١)، وله طرق كثيرة أشار إلى بعضها المصنف، فينظر "سنن" الترمذي (٢١٦٥) وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي (٩٢١٩ - ٩٢٢٦)، وابن ماجه (٢٣٦٣).
[ ١ / ٤١٥ ]
وقيل: عن عبد الملك بن عمير، عن ابن الزبير، عن عمر، وقيل: عنه، عمّن سمع ابن الزبير، عن عمر، وقيل غير ذلك.
٩٠٣ - وأصح الروايات فيه رواية ابن المبارك، وسائر الروايات تأكيد لها، والله أعلم.
٩٠٤ - أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي (١) قال: ولما أمر رسول الله ﷺ بلزوم جماعتهم، لم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا لزومُ قولِ جماعتهم، وكان معقولًا أن جماعتهم لا تَجهل كلُّها حكمًا لله تعالى، ولا لرسوله ﷺ، وأن الجهل لا يكون إلا في خاص، فأما ما أجمعوا عليه، فلا يمكن فيه الجهل، فمن قَبِل قول جماعتهم: فبدلالة سنة رسول الله ﷺ قَبِلَ قولهم.
٩٠٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (٢)، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد ابن بالويه، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا العباس بن عبد العظيم، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إبراهيم بن ميمون العَدَني، وكان يسمى قدِّيس اليمن، وكان من العابدين المجتهدين، قال: قلت لأبي جعفر: والله لقد حدثني ابن طاوس، عن أبيه، قال: سمعت ابن عباس: قال رسول الله
_________________
(١) في "الأم" ٧: ٣١٤.
(٢) في "المستدرك" (٣٩٩)، وروى طرفه الأخير: الترمذي (٢١٦٦) وقال: حسن غريب. وفي "الإكمال" لمغلطاي ١: ٣٠٤ ترجمة إبراهيم العدني: كان يسمى: قِدِّيس اليمن، وهو الصواب، لمناسبته ما بعده: كان من العابدين المجتهدين. أي: في العبادة، وفي الأصل، و"المستدرك": يسمى قريش اليمن، وهو تحريف فيهما.
[ ١ / ٤١٦ ]
ﷺ: "لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبدًا، ويد الله على الجماعة".
ولهذا الحديث شواهد من حديث ابن عمر، وأبي مالك الأشعري، وأنس بن مالك، وغيرهم.
٩٠٦ - أخبرنا أبو القاسم زيد بن جعفر بن محمد بن علي العلوي بالكوفة، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي بنيسابور، قالا: أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم، حدثنا إبراهيم بن عبد الله، أخبرنا وكيع، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن ذرّ، عن يُسَير بن عمرو قال: خرجنا مع أبي مسعود قلنا: أوصنا، قال: عليكم بالجماعة، فإن الله لن يجمع أمة محمد ﷺ على ضلالة، حتى يَستريح بَرٌّ أو يُستراح من فاجر (١).
وكذلك رواه أبو إسحاق الشيباني، عن يُسَير بن عمرو، عن أبي مسعود الأنصاري.
٩٠٧ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ (٢)، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا أبو الجَوَّاب، حدثنا عمار بن رُزَيق، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله: ما رأى المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأى
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٨٣٤٧)، وينظر تخريجه.
(٢) روى هذا الطرف فقط الحاكم (٤٤٦٥) من طريق الإمام أحمد- ١: ٣٧٩ - وأحمد بن منيع، وزاد- وكأنها زيادة من رواية ابن منيع-: وقد رأى الصحابة جميعًا أن يستخلفوا أبا بكر الصديق ﵁. وانظر التعليقة التالية.
[ ١ / ٤١٧ ]
المؤمنون سيئًا، فهو عند الله سيّء.
٩٠٨ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، أخبرنا أبو سعيد ابن الأعرابي، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زِر، عن عبد الله قال: إن الله ﷿ نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد بعد قلبه، فجعلهم وزراء نبيّه ﷺ يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا، فهو قبيح عند الله ﷿ (١).
رواه المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، ورواية أبي بكر بن عياش أشبه، والله أعلم.
٩٠٩ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، حدثنا عبيد بن شريك، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري، حدثنا الأوزاعي.
_________________
(١) رواه أحمد ١: ٣٧٩، والطيالسي (٢٤٣)، والبزار (١٨١٦) وغيرهم، وحسَّنه الحافظ في "الأمالي المطلقة" ص ٦٥، و"الدراية" (٨٦٣) بترقيمي، يسّر الله إخراجه، وتبعه تلميذه السخاوي في "المقاصد الحسنة" (٩٥٩). وقال الحافظ في "الأمالي المطلقة" ص ٦٦: الحديث "لبعضه حكم الرفع". قلت: إن كان شيء من ذلك، فكله له حكم الرفع إلا قوله الأخير "فما رآه المسلمون حسنًا .. "، فمن المحتمل أن يكون ابن مسعود أدرجه على الكلام الأول المرفوع، والله أعلم.
[ ١ / ٤١٨ ]
ح، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو النضر محمد بن محمد ابن يوسف الفقيه، حدثنا إبراهيم ابن أبي طالب، حدثنا محمد بن بشر الحَرَشي- يعني: النيسابوري-، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن عبد الرحمن بن سابَط، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: صحبت معاذًا باليمن، فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقهَ الناس: عبد الله بن مسعود، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ويرغِّب في الجماعة، ثم سمعته يومًا من الأيام وهو يقول: سَيَلي عليكم ولاة يؤخِّرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها، فهو الفريضة، وصلوا معهم، فإنها لكم نافلة.
قال: قلت: يا أصحاب محمد، ما أدري ما تحدثونا! قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة، وتحضُّني عليها، ثم تقول لي: صلّ الصلاة وحدك، وهي الفريضة، وصلّ مع الجماعة، وهي نافلة؟ قال: يا عمرو بن ميمون، قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، تدري ما الجماعة؟ قال: قلت: لا، قال: إن جمهور الجماعة الذين فارقوا الجماعةَ، الجماعةُ ما وافق الحق وإن كنت وحدك (١).
لفظ حديث الوليد.
وفي رواية الفزاري اختصار، وقال في آخره: الجماعة ما وافق طاعة، وإن كنت وحدك.
_________________
(١) ذكر الخبر المزي في "التهذيب" ٢٢: ٢٦٤ - ٢٦٥ معلَّقًا على حسان بن عطية، وفيه هذه الجملة الأخيرة كما هنا، وكأنه ينقله من هذا المصدر.
[ ١ / ٤١٩ ]
٩١٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن عبد الله السَّدِيري البيهقي، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسين الخُسْرُوْجِرْدي، حدثنا داود ابن الحسين البيهقي، حدثنا حميد بن زَنْجويه قال: قال نعيم بن حماد في هذا الحديث- يعني: إذا فسدت الجماعة-: فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن يفسُدوا وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذٍ.
* * * * *
[ ١ / ٤٢٠ ]