٩٣٤ - قال الشافعي (١): أن يكون الشيء له في الأصول أشباه، فذلك يلحق بأولاها به، وأكثرها شبهًا فيه.
قال أصحابنا: مثال ذلك: ما في الحديث الذي:
٩٣٥ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين بن الحسن القطان، حدثنا إبراهيم بن الحارث البغدادي، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا شعبة: قال جعفر بن إياس: أخبرني عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رجلًا أتى رسولَ الله ﷺ فقال: إن أختي نذرتْ أن تحج، وإنها ماتت، فقال: "لو كان عليها دين أكنتَ قاضيَه؟ " قال: نعم، قال: "فاقضوا الله، فإنه أحقُّ بالوفاء".
أخرجه البخاري في "الصحيح" عن آدم، عن شعبة (٢).
٩٣٦ - وأخبرنا أبو محمد زكريا ابن أبي إسحاق، وأبو بكر ابن الحسن القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي (٣)، أخبرنا ابن عيينة قال: سمعت الزهري يحدث عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس: أن امرأة من خثعمٍ سألت النبي ﷺ
_________________
(١) في "الرسالة" (١٣٣٤)، والضبة التي فوق "فيه": منه، وكأنه يظن أن الأولى أن يقال: شبهًا به؟ .
(٢) (٦٦٩٩).
(٣) في "ترتيب المسند" للسندي ١: ٣٨٥ (٩٩٢).
[ ٢ / ٤٣٣ ]
فقالت: إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يستمسك على راحلته، فهل ترى أن أحج عنه؟ فقال النبي ﷺ: "نعم".
قال سفيان: هكذا حفظته من الزهري، وأخبرني عمرو بن دينار، عن الزهري، وزاد فيه: فقلت: يا رسول الله، فهل ينفعه ذلك؟ فقال: "نعم، كما لو كان عليه دين فقضيتِه، نفعه".
فشبّه النبي ﷺ قضاء الحج بقضاء الدَّين، وأنه ينفعه، كما ينفعه قضاء الدين عنه.
٩٣٧ - وأخبرنا أبو علي الرُّوْذْباري، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا أبو داود (١)، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا الليث.
قال: وحدثنا عيسى بن حماد، أخبرنا الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله، عن عبد الملك بن سعيد، عن جابر بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: هشِشت، فقبّلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعتُ اليوم أمرًا عظيمًا، قبّلت وأنا صائم، قال: "أرأيتَ لو مضمضتَ من الماء وأنت صائم؟ "، قال عيسى بن حماد في حديثه: قلت: لا بأس، قال: "فَمَهْ؟ ! ".
فشبه النبي ﷺ القُبلة الخالية عن الإنزال بالمضمضة الخالية عن الإزدراد في المنع من وقوع الفِطْر بها.
٩٣٨ - أخبرنا أبو بكر ابن فورك، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا
_________________
(١) في "سننه" (٢٣٧٧)، وهو عند ابن أبي شيبة (٩٤٩٨) وهناك تخريجه.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود (١)، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، سمع سالم بن أبي الجعد يحدث، عن ابن لبيد- رجلٍ من الأنصار- قال: قال النبي ﷺ: "هذا أوان ذهاب العلم"، أو: "هذا أوان انقطاع العلم"، فقال ابن لبيد: يا رسول الله: فكيف وفينا كتاب الله نعلِّمه أبناءنا، ويعلِّمه أبناؤنا أبناءَهم؟ فقال النبي ﷺ: "ثكلتك أمك يا ابن لبيد، إنْ كنتُ لأَحسَبُك أعقلَ رجلٍ بالمدينة، أوليس اليهود والنصارى قد أُوتوا التوراة والإنجيل، ثم لم ينتفعوا من ذلك بشيء؟ ! ".
٩٣٩ - قال أحمد: هذا إسناد صحيح، وله شاهد مذكور في باب رفع العلم (٢)، وفيه دليل على صحة الاعتبار والتمثيل.
٩٤٠ - ورَوَيْنا في كتاب الزكاة من "السنن" (٣): عن أبي ذر، عن النبي ﷺ في حديثٍ ذكره قال: "وفي بُضْع أحدكم صدقة"، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه فيه وزر؟ "، قالوا: بلى، قال: "كذلك إذا هو وضعها في الحلال، كان له أجر".
وهذا مما يَحتج به من قال بقياس العكس (٤).
_________________
(١) الطيالسي (١٢٩٢)، وهو في "مصنف" ابن أبي شيبة (٣٠٨٢٥) وهناك تخريجه.
(٢) ينظر ما يأتي برقم (١٩٣٣، ١٩٣٤).
(٣) "السنن الكبرى" ٤: ١٨٨، وهو في "صحيح" مسلم ٢: ٦٩٧ (٥٣).
(٤) لقياس العكس تعاريف كثيرة، من أقربها ما قاله أبو الثناء الأصفهاني في "بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب" ٣: ٨: إثبات نقيض حكم الأصل في الفرع. =
[ ٢ / ٤٣٥ ]
٩٤١ - حدثنا أبو طاهر الفقيه إملاءً وقراءة، أخبرنا أبو حامد ابن بلال، حدثنا يحيى بن الربيع المكي، حدثنا سفيان، عن إدريسَ الأودي، قال: أخرج إلينا سعيد بن أبي بردة كتابًا، فقال: هذا كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵄:
أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنَّة متبعة، افهمْ إذا أُدلي إليك، فإنه لا تنفع كلمة حق لا نفاذ له، آسِ بين الناس في وجهك، ومجلسك، وعدلك، حتى لا يطمعَ شريف في حَيفك، ولا يخافَ ضعيف من جَوْرك.
البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين الناس، إلا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرم حلالًا.
لا يمنعُك قضاء قضيتَه بالأمس راجعتَ فيه الحق، فإن الحق قديم، لا يُبطِل الحقَّ شيء، ومراجعةُ الحق خير من التمادي في الباطل.
الفهمَ الفهمَ فيما يختلج في صدرك، مما لم يبلغك في القرآن والسنة، فتعرَّفِ الأمثالَ والأشباه، ثم قسِ الأمور عند ذلك، واعمِدْ إلى أحبِّها إلى الله، وأشبهها فيما ترى.
اجعل للمدَّعي أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضَر بينة وإلا وجهتَ عليه القضاء، فإن ذلك أجلى للعمى، وأبلغُ في العذر.
والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودًا في حدٍّ، أو
_________________
(١) = وتطبيقه هنا: أن الأصل هو الإتيان الحلال، والفرع: هو الإتيان الحرام، وحكم الأصل: الأجر، وبما أن الحرام نقيض الحلال، أثبتنا للحرام حكمًا نقيض حكم الحرام، وهو الوزر. وقيل: الأصل هو الحرام، والفرع هو الحلال، والأمر سهل.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
مجرَّبًا بشهادة الزور، أو ظَنينًا في ولاء، أو قرابة، فإن الله تولى منكم السرائر، ودرأ عنكم الشبهات- أو قال: بالبينات-.
ثم إياك والضجرَ، والقلق، والتأذي بالناس، والتنكرَ بالخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله تعالى بها الأجر، ويكسب بها الذخر، فإنه من يُصلح لله سريرته فيما بينه وبين ربه، أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بما يعلمُ الله منه غيرَ ذلك، يَشِنْه الله، فما ظنك بثوابِ غيرِ الله في عاجل الدنيا، وخزائن رحمته، والسلام (١).
* * * * *
_________________
(١) هذا كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵄، وهو في "سنن" الدارقطني أيضًا (٤٤٧١) من طريق سفيان، به، وذكره ابن القيم في "إعلام الموقعين" ١: ٨٥ - ٨٦ وقال: هذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول .. "، ثم شرحه حتى صفحة ١٦٤ من المجلد الثاني. والجملة الأخيرة منه "فما ظنك بثواب غير الله .. ": هكذا جاء في الأصل، و"السنن" للمصنف ١٠: ١٥٠، و"المعرفة" أيضًا ١٤: ٢٤٠، ورواه من طريق المصنف: ابنُ عساكر ٣٢: ٧٢، وفيه هذا اللفظ، ورواه ٣٢: ٧٠، ٧١ من طريقين آخرين، وفيهما هذا اللفظ، ومثله في "سنن" الدارقطني (٤٤٧١). وجاء كذلك في "المبسوط" للسرخسي ١٦: ٦٥ نقلًا عن الإمام محمد. وتكررت هذه الجملة عند ابن القيم ١: ٨٦، ٢: ١٦٣، ١٦٤ هكذا: بثوابٍ عند الله ﷿. وأوضح من هذا: ما جاء في في "الزهد" لهناد بن السريّ (٨٥٩)، و"الاستذكار" ٧: ١٠٤، و"الحلية" ١: ٥٠: وفيها: ثواب الله تعالى، وكذلك جاء في "إعجاز القرآن" للباقلاني ص ١٤٢.
[ ٢ / ٤٣٧ ]