١٠٢٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي ﵀ (١): والناسخ من القرآن: الأمر يُنزله الله تعالى بعد الأمر يخالفه، كما حوّل القبلة، فقال: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقال: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ الآية [البقرة: ١٤٢]، وأشباه له في غير موضع.
١٠٢١ - قال (٢): وكل منسوخ يكون حقًّا ما لم يُنسخ، فإذا نسخ كان الحقُّ في ناسخه.
١٠٢٢ - قال (٣): ولا يَنسخ كتابَ الله إلا كتابُه، قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥]، وقال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، فأخبر الله أن نسخ القرآن، وتأخير إنزاله، لا
_________________
(١) في "اختلاف الحديث" ص ٥٥.
(٢) المصدر السابق ص ٩٩.
(٣) في "اختلاف الحديث" ص ٥٥ - ٥٦، وينظر: "الرسالة" (٣٢٢) فما بعده.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
يكون إلا بقرآن مثلِه.
١٠٢٣ - قال: وهكذا سنة رسول الله ﷺ، لا ينسخها إلا سنة لرسول الله ﷺ، ولا ينسخ الشيءَ إلا مثلُه.
قال أحمد: وبمثل ذلك أجاب في كتاب "الرسالة" القديمة.
١٠٢٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قال الحسين بن حماد فيما أخبرت عنه، أخبرنا محمد بن سفيان المصري (١)، حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: قال الشافعي في قوله ﷿: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ [النساء: ١٥]، الآية كلها نُسخت بالحديث: قال النبي ﷺ: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهنَّ سبيلًا، على البِكْر جلد مئة وتغريب عام، وعلى الثيب الرجم" (٢).
هكذا في هذه الرواية، ورأيته في موضع آخر: عن يونس، عن الشافعي، وقال: نُسخت بالحد، فيرجع ذلك إلى ما رواه الربيع.
١٠٢٥ - وذكر في رواية الربيع ﵀ بالإسناد الذي تقدم آيةَ الحبس والأذى، ثم قال: فكان حدُّ الزانيين بهذه الآية الحبسَ والأذى، حتى أنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ معنى الآية التي في سورة النور.
_________________
(١) "المصري": من "تهذيب الكمال" ٣٢: ٥١٥، و"لسان الميزان" (٦٨٤٤)، وتحرف في الأصل إلى: النضري.
(٢) رواه الستة إلا البخاري: مسلم ٣: ١٣١٦ (١٢ - ١٣)، وأبو داود (٤٤١٥)، والترمذي (١٤٣٤)، والنسائي (٧١٤٣)، وابن ماجة (٢٥٥٠).
[ ٢ / ٤٧٨ ]
١٠٢٦ - قال (١): ثم إنها تحتمل أن تكون على جميع الزناة الأحرار، وعلى بعضهم دون بعض، فاستدللنا بسنة رسول الله ﷺ - بأبي وأمي هو - على من أريد بالمئة جلدة.
١٠٢٧ - ثم ذكر (٢) حديث عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: "خذوا عني، قد جعل الله لهنَّ سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم".
ثم قال: فدلَّ قولُ رسول الله ﷺ: "قد جعل الله لهنَّ سبيلًا" على أن هذا أول ما حدَّ به الزناة، لأن الله ﷿ يقول: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، ثم رجم رسول الله ﷺ ماعزًا ولم يجلده، وأمر الأسلميَّ أن يرجم المرأة ولم يجلدها، فدلتْ سنة رسول الله ﷺ أن الجلد منسوخ عن الزانيين الثيبين.
١٠٢٨ - ثم ذكر (٣) حديث العسيف، وقول النبي ﷺ: "لأقضينَّ بينكما بكتاب الله"، وأنه جلد ابنه مئة، وغرَّبه عامًا، وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها.
_________________
(١) في "الرسالة" (٦٨٦).
(٢) "الرسالة" (٦٨٦)، والحديث تقدم تخريجه في التعليقة السابقة.
(٣) "الرسالة" (٦٩١)، والحديث رواه البخاري (٢٦٩٥)، ومسلم ٣: ١٣٢٤ (٢٥).
[ ٢ / ٤٧٩ ]
١٠٢٩ - قال الشافعي ﵀ (١): فثبت جلدُ مئة والنفيُ على البِكرين الزانيين، والرجم على الثيبين الزانيين، وإن كانا ممن أريدا بالجلد، فقد نسخ عنهما الجلد مع الرجم، وإن لم يكونا أريدا بالجلد وأريد به البكران فهما مخالفان للثيبين، ورجم الثيبين بعد آية الجلد بما روي عن النبي ﷺ، عن الله ﷿.
١٠٣٠ - قال الإمام أحمد ﵀: قولُ الشافعي: إن كانا - يعني الثيبين - ممن أريدا بالجلد، يعني بالآية التي في سورة النور، فقد نُسخ عنهما الجلد: إشارةٌ إلى نسخ الحبس والأذى عنهما بآية الجلد في سورة النور، ثم نُسخ الجلد عنهما بما روى النبي ﷺ عن الله ﷿: "لأقضينّ بينكما بكتاب الله" (٢).
١٠٣١ - وقولُه: وإن لم يكونا أريدا بالجلد: إشارةٌ إلى أن الحبس والأذى، إنما نسخ عنهما بقولِه: "قد جعل الله لهنَّ سبيلًا"، وتبيينِه السبيلَ الذي جعله الله لهنّ، ثم نسخ الجلد عن الثيبين دون الرجم، بما روى النبي ﷺ عن الله ﷿، وهو قوله: "لأقضين بينكما بكتاب الله" وقضى به عليهما بالرجم دون الجلد، وكأنه رأى نسخ ما يُتلى من كتاب الله ﷿ بما روى النبي ﷺ عن الله ﷿.
١٠٣٢ - وفي حديث العسيف دلالة على أنه يسمى كتاب الله،
_________________
(١) "الرسالة" (٦٩٣ - ٣٩٥).
(٢) تقدم برقم (١٥٧ - ١٥٩) وثمّة تخريجه، وهو هو حديث العسيف الآتية الإشارة إليه.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
وكذلك حديث عمر في آية الرجم، فيكون ذلك نسخَ كتاب بكتاب، وإن لم يُتل قرآنًا، وإنما لا يرى نسخه بما يسنُّ سنة مطلقًا، وقد ذكرنا أقاويل أهل العلم في وجوه ما سنّه في أول هذا الكتاب حكايةً عن الشافعي، وذهاب بعضهم إلى أنه قد كان يسنُّ بالرأي، والله أعلم (١).
١٠٣٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي (٢): ولا يستدل على الناسخ والمنسوخ: ١ - إلا بخبرٍ عن رسول الله ﷺ، ٢ - أو بوقتٍ يدل على أن أحدهما بعد الآخر، فيعلم أن الآخر هو الناسخ، ٣ - أو بقولِ من سمع الحديث، ٤ - أو العامةِ.
١٠٣٤ - قال (٣): وأكثر الناسخ في كتاب الله ﷿ إنما عُرف بدلالة سنن رسول الله ﷺ.
١٠٣٥ - أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق، أخبرنا أبو الحسن أحمد ابن محمد بن عَبْدوس، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، قال: يقول: يبدِّل الله ما يشاء من القرآن، فينسخه، ويُثْبِت ما يشاء ولا يبدَّله، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يقول: جملةُ ذلك عنده في أم الكتاب: الناسخ والمنسوخ، وما يبدَّل وما
_________________
(١) ينظر ما تقدم (١٥٣، ١٥٤).
(٢) في "اختلاف الحديث" ص ٦٤.
(٣) في "الرسالة" (٦٠٨).
[ ٢ / ٤٨١ ]
يُثْبَت، كلُّ ذلك في كتاب (١).
وقد روي في نسخ الحديث أخبار ضعيفة، فمنها:
١٠٣٦ - ما أخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي الحافظ (٢)، حدثنا محمد بن عبد الحميد الفَرْغاني، حدثنا عمر بن شَبّة، حدثنا محمد بن الحارث الحارثي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحاديثي ينسخ بعضها بعضًا، كنسخ القرآن".
تفرد به محمد بن الحارث، عن ابن البيلماني، وكلاهما ضعيف.
وروي من وجه آخر عن الزبير بن العوام: أن رسول الله ﷺ كان يقول القول، ثم يلبثُ حينًا، ثم ينسخه بقول آخر، كما ينسخ القرآن بعضه بعضًا.
١٠٣٧ - أخبرناه أبو بكر ابن الحارث الأصبهاني، أخبرنا علي بن عمر الحافظ (٣)، حدثنا محمد بن موسى البزاز، حدثنا علي بن أحمد بن سليمان، حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي، حدثنا عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي صخرة، عن عبد الله بن عطاء، عن عروة بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير قال: أَشهدُ على أبي لَحَدَّثني، فذكره.
وهذا أيضًا ضعيف، وإنما يعرف معنى هذا من حديث سليمان
_________________
(١) "صحيفة علي بن أبي طلحة" ص ٣٠٠ (٦٧٨).
(٢) في "الكامل" ٧: ١٦٨ (١٦٦٨)، و"سنن" الدارقطني (٤٢٧٨).
(٣) الدارقطني في "سننه" (٤٢٧٩).
[ ٢ / ٤٨٢ ]
التيمي، عن أبي العلاء من قوله (١).
١٠٣٨ - وروى محمد بن داود القنطري، عن أبي عباد جبرون بن واقد الإفريقي، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "كلامي لا ينسخ كتاب الله، وكتاب الله ينسخ كلامي، وكلام الله ينسخ بعضه بعضًا".
١٠٣٩ - أخبرناه أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد ابن عدي (٢)، حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن المؤدب.
ح، وأخبرنا أبو بكر بن الحارث، أخبرنا علي بن عمر الحافظ (٣)، حدثنا محمد بن مخلد، قالا: حدثنا محمد بن داود القنطري، فذكره، وهذا حديث منكر، وإنما ذكرته لأبين ضعفه عند أهل العلم بالحديث (٤).
* * * * *
_________________
(١) رواه مسلم ١: ٢٦٩ (٨٢).
(٢) في "الكامل" ٢: ٤٠٩.
(٣) الدارقطني في "سننه" (٤٢٧٧).
(٤) كتب على الحاشية: بلغ في الخامس بقراءة ابن السراج على الشيخين بالرواحية.
[ ٢ / ٤٨٣ ]