٩٩٨ - أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي (١): أصل النهي عن رسول الله ﷺ، أن كل ما نهى عنه فهو محرم، حتى يأتي عنه دلالة تدل على أنه نهى عنه بمعنًى غيرِ التحريم، إنما أراد به نهيًا عن بعض الأمور دون بعض، وإنما أراد به النهي لتنزيه المنهي، والأدب، والاختيار، ولا يُفرَّق بين نهي رسول الله ﷺ إلا بدلالة عن رسول الله ﷺ، أو أمر لا يختلف فيه المسلمون.
٩٩٩ - وذكر الشافعي في كتاب "أحكام القرآن" (٢) من معاني الأمر: أن يكون الله حرم شيئًا ثم أباحه، فكان أمره إحلالَ ما حرَّم، كقول الله تعالى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وكقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وذكر قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
١٠٠٠ - ثم قال: يَحتمل أن يكون دلَّهم على ما فيه رُشْدهم بالنكاح، لقول الله ﷿: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، فدل
_________________
(١) في "الأم" ٧: ٣٠٥.
(٢) ينظر "الأم" ٥: ١٥٣، و"السنن الكبرى" للمصنف ٧: ١٠٢.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
على ما فيه سبب الغَناء والعفاف، كقول النبي ﷺ: "سافروا تَصِحّوا وتُرزقوا"، فإنما هو دلالة، لا حتمًا (١) أن يسافر لطلب صحةٍ ورزق.
١٠٠١ - أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان بهذا الحديث إملاءً، أخبرنا أحمد بن عبيد، حدثنا محمد بن غالب، حدثني محمد بن سنان، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن ردّاد، شيخ من أهل المدينة، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "سافروا تَصِحّوا وتَغْنموا" (٢).
ورَوَيناه أيضًا في كتاب "السنن" في حديث ابن عباس، عن رسول الله ﷺ (٣).
١٠٠٢ - قال الشافعي ﵁ (٤): ويَحتمِل أن يكون الأمر بالنكاح حتمًا، وفي كلِّ الحتم من الله الرشدُ.
١٠٠٣ - قال: وقال بعض أهل العلم: الأمر كلُّه على الإباحة والدلالة على الرشد، حتى توجد الدلالة من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع على
_________________
(١) هكذا في الأصل، و"السنن الكبرى" للمصنف ٧: ١٠٢، وفي "الأم": لا حتمٌ.
(٢) رواه الطبراني في "الأوسط" (٧٤٠٠)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٦٢٢)، وعندهما: ابن ردّاد أيضًا، ضعيف، وانظر "العلل" لابن أبي حاتم (٢٣٤٠)، و"الجرح" له ٧ (١٧٠٥).
(٣) "السنن الكبرى" ٧: ١٠٢.
(٤) هذا وما بعده في "الأم" ٥: ١٥٣.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
أنه أريد بالأمر الحتم.
١٠٠٤ - قال: وما نهى الله عنه فهو محرَّم، حتى توجد الدلالة عليه بأن النهي عنه على غير التحريم، وكذلك ما نهى عنه رسول الله ﷺ.
١٠٠٥ - أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن، وأبو زكريا ابن أبي إسحاق، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي (١)، أخبرنا ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "ذروني ما تركتكم، فإنه إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فما أمرتكم به من أمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا".
١٠٠٦ - قال (٢): وأخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بمثل معناه.
١٠٠٧ - قال الشافعي في كتاب "أحكام القرآن" عقب هذا الحديث (٣): وقد يَحتمِل أن يكون الأمر في معنى النهي، فيكونان لازمين، إلا بدلالة أنهما غيرُ لازمين، ويكون قول النبي ﷺ: "فأتوا منه ما استطعتم" أن يقول: عليهم إتيان الأمر فيما
_________________
(١) في "ترتيب المسند" للسندي ١: ١٩ (٢٤)، ورواه أحمد أيضًا عن ابن عيينة ٢: ٢٤٧.
(٢) في "ترتيب المسند" للسندي ١: ١٩ (٢٥)، ورواه بمثله مسلم ٢: ٩٧٥ (٤١٢)، ورواه البخاري (٧٢٨٨) من طريق مالك، عن أبي الزناد، به.
(٣) وهو في "الأم" ٥: ١٥٣ - ١٥٤، وانظر ما تقدم تعليقًا برقم (٨٤١).
[ ٢ / ٤٧٠ ]
استطاعوا، لأن الناس إنما كلِّفوا ما استطاعوا، وفي الفعل استطاعة، لأنه شيء يتكلَّف، وأما النهي، فالترك، لأنه ليس بتكلّفِ شيءٍ يحدث، إنما هو شيء يكفُّ عنه، وعلى أهل العلم عند تلاوة الكتاب ومعرفة السنة: طلبُ الدلائل، ليفرقوا بين الحتم والمباح والإرشاد الذي ليس بحتم في الأمر والنهي معًا.
١٠٠٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل، حدثنا الحسين بن محمد بن زياد القباني، حدثنا عُبيد الله ابن سعيد، حدثنا سفيان.
ح، وأخبرنا أبو علي الروذباري، أخبرنا أبو بكر بن داسه، حدثنا أبو داود (١)، حدثنا قتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يرفعه قال: "لولا أن أشُقَّ على المؤمنين لأمرتهم بتأخيرِ العشاء، والسواكِ عند كل صلاة".
لفظ حديث قتيبة.
وفي رواية عُبيد الله: أن النبي ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي".
رواه مسلم في "الصحيح" عن قتيبة (٢).
وفيه دلالة على أنه لو أمر به لم يكن لهم خلافه.
١٠٠٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو محمد الحسن بن علي بن حليم المروزي، حدثنا أبو المُوَجِّه، أخبرنا عبدان، أخبرنا
_________________
(١) في "سننه" (٤٧)، ورواه النسائي (٣٠٤٦).
(٢) ١: ٢٢٠ (٤٢) بذكر السواك فقط.
[ ٢ / ٤٧١ ]
عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن زوج بَريرة كان عبدًا يقال له: مُغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ﷺ للعباس: "يا عباس، ألا تعجبُ من حبِّ مغيثٍ بريرةَ، ومن بغض بريرة مغيثًا؟ ! "، فقال النبي ﷺ: "لو راجعتيه، فإنه أبو ولدك"، قالت: يا رسول الله، أتأمرني؛ فقال: "إنما أشفع"، فقالت: فلا حاجة لي فيه.
رواه البخاري في "الصحيح" عن محمد، عن عبد الوهاب (١).
وفي هذا دلالة على أنه لو كان أمرَها بذلك، لم يكن لها مخالفته.
١٠١٠ - وفي قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وغيرِ ذلك من الآيات والأخبار التي وردت في معناها، دلالةٌ على أن ظاهر الأمر يقتضي الوجوب، وبالله التوفيق.
* * * * *
_________________
(١) البخاري (٥٢٨٣)، وأبو داود (٢٢٢٤)، والنسائي (٥٨٧٩)، وابن ماجه (٢٠٧٥).
[ ٢ / ٤٧٢ ]